Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 01

مَدِيْنَــةُ الْيَـاسَمِـينِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: الْعَوْدَةُ

كَانَ الْمَطَارُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ.

تَوَقَّعَ سَلِيمُ مُرَادٍ، وَهُوَ يَهْبِطُ مِنَ السُّلَّمِ الْمَعْدِنِيِّ إِلَى أَرْضِ مَطَارِ مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا بِالتَّمَامِ، أَنْ يَشْعُرَ بِشَيْءٍ مَا: رَجْفَةٍ فِي الصَّدْرِ، أَوْ دَمْعَةٍ لَا يَسْتَأْذِنُهُ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ، أَوْ حَتَّى ذَلِكَ الْخَدَرِ الْغَرِيبِ الَّذِي يُقَالُ إِنَّهُ يُصِيبُ الْمَرْءَ حِينَ يَطَأُ أَرْضًا كَانَتْ يَوْمًا أَرْضَهُ. لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا. شَعَرَ فَقَطْ بِحَرِّ آبَ يَلْسَعُ رَقَبَتَهُ، وَبِرَائِحَةِ وَقُودٍ مُمْتَزِجَةٍ بِتُرَابٍ لَا يَعْرِفُهُ، وَبِصَفٍّ طَوِيلٍ مِنَ الْمُسَافِرِينَ يَتَدَافَعُونَ نَحْوَ بَاصِ النَّقْلِ الدَّاخِلِيِّ، كَأَنَّ الطَّائِرَةَ سَتُقْلِعُ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ إِنْ تَأَخَّرُوا ثَانِيَةً وَاحِدَةً.
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ. كَانَتَا تَحْمِلَانِ حَقِيبَةَ سَفَرٍ سَوْدَاءَ مُتَوَسِّطَةَ الْحَجْمِ، وَحَقِيبَةَ يَدٍ صَغِيرَةً فِيهَا جَوَازُ سَفَرِهِ الْأَلْمَانِيُّ، وَهَاتِفُهُ، وَعُلْبَةُ دَوَاءٍ قَدِيمَةٌ لِأَبِيهِ احْتَفَظَ بِهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا دُونَ أَنْ يَفْتَحَهَا وَلَوْ مَرَّةً. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ لِمَ أَحْضَرَهَا مَعَهُ؛ رُبَّمَا لِأَنَّهَا الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الْبَاقِي فِي بَيْتِهِ فِي هَامْبُورْغَ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّ صَيْدَلَانِيٍّ سُورِيٍّ قَدِيمٍ: “عَبْدُ الْكَرِيمِ مُرَادٍ”.
وَأَبُوهُ مَاتَ الْآنَ. حَقًّا وَفِعْلًا. لَا مَجَازًا.
قَبْلَ ثَمَانِ سَاعَاتٍ فَقَطْ، كَانَ سَلِيمٌ يَجْلِسُ فِي مَكْتَبِهِ فِي هَامْبُورْغَ يُرَاجِعُ مُخَطَّطَاتِ مَبْنًى سَكَنِيٍّ جَدِيدٍ سَيُشَيَّدُ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرِ الْإِلْبَه، حِينَ رَنَّ هَاتِفُهُ بِرَقْمٍ سُورِيٍّ لَمْ يَحْفَظْهُ مِنْ قَبْلُ. صَوْتُ لَيَانَ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ كَانَ مَبْحُوحًا مُتَقَطِّعًا، يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ هَادِئًا بَيْنَمَا هُوَ يَتَهَاوَى: “سَلِيمُ… أَبِي… أَبِي مَاتَ.” كَلِمَتَانِ فَقَطْ، اسْتَغْرَقَتَا عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ الْمُتَرَاكِمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِتَنْفَجِرَا فِيهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَيَقِفَ مِنْ مَكْتَبِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ لِمَ وَقَفَ، وَيَسِيرَ نَحْوَ النَّافِذَةِ دُونَ أَنْ يَرَى خَلْفَهَا شَيْئًا، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى طَاوِلَتِهِ لِيَحْجِزَ أَوَّلَ رِحْلَةٍ مُتَاحَةٍ، كَأَنَّ جَسَدَهُ تَصَرَّفَ نِيَابَةً عَنْ عَقْلٍ مَا زَالَ يَرْفُضُ تَصْدِيقَ الْخَبَرِ.
لَمْ يَكُنْ سَلِيمٌ وَأَبُوهُ عَلَى وِفَاقٍ حِينَ غَادَرَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا. لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ شِجَارٌ كَبِيرٌ، وَلَا قَطِيعَةٌ مُعْلَنَةٌ، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى بُرُودٍ تَدْرِيجِيٍّ بَدَأَ حِينَ أَعْلَنَ سَلِيمٌ رَغْبَتَهُ فِي دِرَاسَةِ الْهَنْدَسَةِ الْمِعْمَارِيَّةِ فِي أَلْمَانِيَا، بَدَلَ أَنْ يُكْمِلَ، كَمَا كَانَ أَبُوهُ يَأْمُلُ بِصَمْتٍ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ، “الْعَمَلَ الْعَائِلِيَّ” الَّذِي لَمْ يَفْهَمْ سَلِيمٌ يَوْمًا مَاهِيَّتَهُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ، لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَشْرَحْهُ لَهُ يَوْمًا بِوُضُوحٍ. وَتَذَكَّرَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَقِفُ الْآنَ فِي هَذَا الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ الْمُكَيَّفِ بِالْكَادِ وَسْطَ حَرِّ آبَ، آخِرَ جُمْلَةٍ قَالَهَا لَهُ أَبُوهُ عَلَى بَابِ الْمَطَارِ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا: “اذْهَبْ يَا ابْنِي، فَالْمَدِينَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِعْمَارِيِّينَ، بَلْ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنْهَا.” لَمْ يَفْهَمْ يَوْمَهَا مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَظَنَّهَا مُجَرَّدَ عِتَابٍ أَبَوِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ، لَكِنَّهُ الْآنَ، وَهُوَ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ نَحْوَ صَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ، شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُ مَعْنًى أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ.
“سَلِيمُ مُرَادٍ؟”
اسْتَدَارَ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ. لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُنَادِيَهُ أَحَدٌ هُنَا بِهَذَا الِاسْمِ الْكَامِلِ، فَأُخْتُهُ وَحْدَهَا تَعْرِفُ مَوْعِدَ وُصُولِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَا أَنْ تَنْتَظِرَهُ عِنْدَ مَخْرَجِ الِاسْتِقْبَالِ لَا عِنْدَ صَالَةِ الْوُصُولِ.
كَانَتِ امْرَأَةً فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينِيَّاتِ، شَعْرُهَا مَرْبُوطٌ بِإِحْكَامٍ إِلَى الْخَلْفِ، تَحْمِلُ دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرًا وَقَلَمًا، وَتَرْتَدِي سُتْرَةً قُمَاشِيَّةً خَفِيفَةً رَغْمَ الْحَرِّ، كَأَنَّهَا اعْتَادَتْ أَمَاكِنَ أَبْرَدَ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْمَطَارِ. عَيْنَاهَا كَانَتَا الشَّيْءَ الْوَحِيدَ فِي وَجْهِهَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُرْتَاحًا؛ كَانَتَا تُرَاقِبَانِهِ كَمَا يُرَاقِبُ الصَّيَّادُ فَرِيسَةً تَجْهَلُ بَعْدُ أَنَّهَا فَرِيسَةٌ.
“مَنْ أَنْتِ؟” سَأَلَ بِحَذَرٍ، وَهُوَ يَشُدُّ قَبْضَتَهُ عَلَى مِقْبَضِ حَقِيبَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَدْعِيهِ الْمَوْقِفُ.
“يَاسَمِينُ نُورٍ. صَحَفِيَّةٌ. أَعْمَلُ فِي جَرِيدَةِ ‘صَوْتِ الْمَدِينَةِ’ الْمَحَلِّيَّةِ، وَأُرْسِلُ أَحْيَانًا تَحْقِيقَاتٍ إِلَى مِنَصَّاتٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْسَعَ.” مَدَّتْ يَدَهَا لِيُصَافِحَهَا، فَتَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ. “أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا التَّوْقِيتَ سَيِّئٌ. أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا لِخَبَرِ وَفَاةِ وَالِدِكَ.”
“شُكْرًا.” كَانَتْ كَلِمَةً بَارِدَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَهَا أَمْ يَسْأَلَهَا كَيْفَ عَرَفَتْ مَوْعِدَ وُصُولِهِ أَصْلًا.
“لَدَيَّ سُؤَالٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، ثُمَّ أَتْرُكُكَ تَذْهَبُ. أَعِدُكَ.”
“لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ مُنَاسِبٌ لِأَيِّ أَسْئِلَةٍ صَحَفِيَّةٍ يَا آنِسَةَ نُورٍ.”
“لَيْسَ سُؤَالًا صَحَفِيًّا.” خَفَضَتْ صَوْتَهَا قَلِيلًا، وَتَقَدَّمَتْ خُطْوَةً، كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسَافِرِينَ الْمُتَدَافِعِينَ حَوْلَهُمَا أَنْ يَسْمَعَ. “أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ لِمَ اتَّصَلَ بِي وَالِدُكَ، عَبْدُ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَفَاتِهِ، وَطَلَبَ مِنِّي مَوْعِدًا عَاجِلًا، ثُمَّ أَلْغَاهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ سَاعَتَيْنِ مِنَ الْمَوْعِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِي حَرْفِيًّا: ‘لَيْسَ الْآنَ، انْتَظِرِي ابْنِي’؟”
تَوَقَّفَ الزَّمَنُ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ فِي رَأْسِ سَلِيمٍ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَبَاهُ يَعْرِفُ اسْمَهُ أَصْلًا بِهَذَا الْوُضُوحِ الْمِهْنِيِّ، “انْتَظِرِي ابْنِي”، كَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُخَطِّطُ لِشَيْءٍ، كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ سَلِيمًا سَيَعُودُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَتَكُونُ جُزْءًا مِنْ عَوْدَتِهِ.
“لَا أَعْرِفُ عَمَّا تَتَحَدَّثِينَ.” قَالَهَا بِصِدْقٍ تَامٍّ، ثُمَّ أَضَافَ بِحِدَّةٍ لَمْ يَقْصِدْهَا: “لَمْ أُكَلِّمْ أَبِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، الْهَاتِفُ، ثُمَّ تَوَقَّفَ حَتَّى ذَلِكَ.”
“فَهِمْتُ.” لَمْ يَبْدُ عَلَيْهَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ تَمَامًا، لَكِنَّهَا لَمْ تُصِرَّ. أَخْرَجَتْ مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِهَا بِطَاقَةَ عَمَلٍ صَغِيرَةً وَمَدَّتْهَا إِلَيْهِ. “خُذْ رَقْمِي. لَنْ أُزْعِجَكَ فِي يَوْمٍ كَهَذَا، لَكِنْ حِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِلْكَلَامِ، سَأَكُونُ هُنَا.”
أَخَذَ الْبِطَاقَةَ، وَقَبْلَ أَنْ يَبْتَعِدَ، تَوَقَّفَ فَجْأَةً وَسَأَلَهَا سُؤَالًا لَمْ يُخَطِّطْ لَهُ: “لِمَ كُنْتِ تَنْتَظِرِينَنِي هُنَا بِالتَّحْدِيدِ، لَا فِي بَيْتِ الْعَزَاءِ مَثَلًا؟ وَكَيْفَ عَرَفْتِ مَوْعِدَ رِحْلَتِي أَصْلًا؟”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً لَمْ تَكُنِ ابْتِسَامَةَ مُجَامَلَةٍ، بَلْ أَقْرَبَ إِلَى اعْتِرَافٍ صَامِتٍ بِأَنَّهَا تَوَقَّعَتْ هَذَا السُّؤَالَ.
“لِأَنَّ بُيُوتَ الْعَزَاءِ مَلِيئَةٌ بِالْعُيُونِ يَا سَيِّدَ مُرَادٍ، وَأَنَا لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي أَحَدٌ وَأَنَا أَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ بِنَفْسِكَ مَا الَّذِي تَدْخُلُ فِيهِ. أَمَّا كَيْفَ عَرَفْتُ مَوْعِدَ رِحْلَتِكَ، فَهَذَا أَبْسَطُ مِمَّا تَظُنُّ: اسْمُكَ كَانَ عَلَى قَائِمَةِ رُكَّابِ الرِّحْلَةِ الْقَادِمَةِ مِنْ هَامْبُورْغَ، وَلِي مَعَارِفُ كَثِيرُونَ فِي هَذَا الْمَطَارِ بِحُكْمِ عَمَلِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِجِدِّيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ: “أَنَا لَا أُحَاوِلُ أَنْ أُخِيفَكَ يَا سَلِيمُ. لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَفْهَمَ شَيْئًا وَاحِدًا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى: وَالِدُكَ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا فِي الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ. كَانَ يَجْمَعُ شَيْئًا، وَيُخْفِيهِ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَانَ خَائِفًا، حَقًّا خَائِفًا، لَا قَلِقًا عَابِرًا. أَنَا لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مِمَّنْ أَوْ مِمَّ كَانَ خَائِفًا بِالضَّبْطِ، لَكِنِّي كُنْتُ عَلَى وَشَكِ أَنْ أَعْرِفَ، حِينَ تَوَقَّفَ عَنِ الرَّدِّ عَلَى اتِّصَالَاتِي فَجْأَةً قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَفَاتِهِ.”
“وَلِمَ تُخْبِرِينِنِي بِكُلِّ هَذَا الْآنَ، بَدَلَ أَنْ تَنْتَظِرِي كَمَا وَعَدْتِ؟”
“لِأَنِّي غَيَّرْتُ رَأْيِي وَأَنَا أُرَاقِبُ وَجْهَكَ وَأَنْتَ تَتَحَدَّثُ.” قَالَتْهَا بِصَرَاحَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا. “أَظُنُّ أَنَّكَ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا فِعْلًا، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُطَمْئِنُنِي.”
لَمْ يَجِدْ سَلِيمٌ رَدًّا مُنَاسِبًا، فَاكْتَفَى بِالْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، وَأَخَذَ الْبِطَاقَةَ، وَدَسَّهَا فِي جَيْبِهِ الْخَلْفِيِّ كَأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَابْتَعَدَ بِخُطًى سَرِيعَةٍ نَحْوَ صَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ، تَارِكًا وَرَاءَهُ سُؤَالًا بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى مَعِدَتِهِ كَحَصَاةٍ بَارِدَةٍ: لِمَ كَانَ أَبُوهُ يَنْتَظِرُهُ، وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ طَوَالَ عِشْرِينَ عَامًا أَنَّ أَبَاهُ تَوَقَّفَ عَنِ انْتِظَارِهِ مُنْذُ الْيَوْمِ الَّذِي غَادَرَ فِيهِ الْمَدِينَةَ دُونَ وَدَاعٍ حَقِيقِيٍّ؟

عَرَفَ لَيَانَ مِنْ بَعِيدٍ، قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ هِيَ، مِنْ طَرِيقَةِ وُقُوفِهَا. كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ حَاجِزِ الِاسْتِقْبَالِ، ذِرَاعَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ عَلَى صَدْرِهَا، وَعَيْنَاهَا تَتَحَرَّكَانِ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ الْوُجُوهِ الْخَارِجَةِ، لَا كَامْرَأَةٍ تَنْتَظِرُ أَخَاهَا الْغَائِبَ، بَلْ كَمَنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّ أَحَدًا لَا يُرَاقِبُهَا وَهِيَ تَنْتَظِرُ.
حِينَ رَأَتْهُ، ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً سَرِيعَةً لَمْ تَصِلْ إِلَى عَيْنَيْهَا، وَرَكَضَتْ نَحْوَهُ وَاحْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعَ.
“سَلِيمُ…”
“لَيَانُ.” ضَمَّهَا بِدَوْرِهِ، وَشَمَّ فِي شَعْرِهَا رَائِحَةَ الصَّابُونِ نَفْسَهَا الَّتِي كَانَتْ تَسْتَخْدِمُهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، وَشَعَرَ لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ هَذَا وَهْمٌ صَغِيرٌ سَرْعَانَ مَا سَيَتَبَدَّدُ.
حِينَ ابْتَعَدَتْ عَنْهُ قَلِيلًا لِتَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ، رَأَى فِي عَيْنَيْهَا احْمِرَارًا مِنْ بُكَاءٍ طَوِيلٍ، لَكِنَّهُ رَأَى أَيْضًا شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ فَوْرًا: قَلَقًا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْحُزْنِ عَلَى الْأَبِ، قَلَقًا مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ، أَقْرَبَ إِلَى الْخَوْفِ.
“كَيْفَ حَالُكِ؟” سَأَلَهَا وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سُؤَالٌ غَبِيٌّ فِي يَوْمٍ كَهَذَا.
“بِخَيْرٍ. أَعْنِي… لَا، لَسْتُ بِخَيْرٍ، لَكِنْ… لِنَذْهَبْ، السَّيَّارَةُ فِي الْخَارِجِ.”
فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَاحَظَ سَلِيمٌ أَوَّلَ تَغْيِيرٍ حَقِيقِيٍّ: لَوْحَاتٌ إِعْلَانِيَّةٌ ضَخْمَةٌ، تَحملُ صُوراً بِأَحجَامٍ مُختَلِفَةٍ لِشَخصيَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَأنَّ ذَلِكَ بِحَدِ ذَاتِهِ، شيءٌ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ يَتَذَكَّرُهُ فِيْ طُفُولَتِهِ، وَلَوْحَاتٌ أُخرى أَصْغَرُ نِسبِيَّا؛ مُنْتَشِرَةٌ عَلَى جَانِبَيِ الطَّرِيقِ السَّرِيعِ، تَحْمِلُ جَمِيعُهَا الشِّعَارَ نَفْسَهُ وَتُضِيفُ إِلَيهِ نِصْفَ قَمَرٍ ذَهَبِيٍّ فَوْقَ بُرْجَيْنِ زُجَاجِيَّيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وَتَحْتَهُ عِبَارَةٌ بِخَطٍّ عَرِيضٍ: “أَبْرَاجُ الْيَاسَمِينِ الْجَدِيدَةِ ـ حَيْثُ يَلْتَقِي الْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ.”
“مَا هَذَا؟” سَأَلَ، وَهُوَ يُشِيرُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ إِحْدَى اللَّوْحَاتِ.
تَلَعْثَمَتْ لَيَانُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَعَيْنَاهَا ثَابِتَتَانِ عَلَى الطَّرِيقِ أَمَامَهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَدْعِيهِ شَارِعٌ فَارِغٌ نِسْبِيًّا.
“مَشْرُوعٌ عَقَارِيٌّ كَبِيرٌ. يُرِيدُونَ… يُرِيدُونَ إِعَادَةَ تَطْوِيرِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ وَتَحدِيثَهُ، وِفْقِاً لِشِعَارَاتِ هَذِهِ الأَيَّامِ. حَيِّ الْيَاسَمِينِ، تَعْرِفُ، حَيْثُ بَيْتُ جَدِّي.”
“يَهْدِمُونَهُ؟”
“يَقُولُونَ ‘تَطْوِيرًا وَتَحدِيثَاً’.” ضَحِكَتْ ضَحْكَةً قَصِيرَةً لَا فَرَحَ فِيهَا. “لَكِنْ نَعَمْ، أَغْلَبُ الْبُيُوتِ الْقَدِيمَةِ سَتُهْدَمُ، وَسَيَبْنُونَ مَكَانَهَا أَبْرَاجًا وَفَنَادِقَ وَمَرْكَزًا تِجَارِيًّا. كَمَالٌ هُوَ مَنْ يَقُودُ الْمَشْرُوعَ.”
“كَمَالٌ دَرْوِيشٌ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. تَذَكَّرَ كَمَالًا، صَدِيقَ أَبِيهِ الْقَدِيمَ، الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يَزُورُهُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ تَقْرِيبًا حِينَ كَانَ سَلِيمٌ طِفْلًا، يُحْضِرُ مَعَهُ الْحَلْوَى، وَيَجْلِسُ مَعَ أَبِيهِ سَاعَاتٍ يَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ عَنْ أُمُورٍ لَمْ يَكُنْ سَلِيمٌ يَفْهَمُهَا فِي ذَلِكَ الْعُمْرِ.
“نَعَمْ. أَصْبَحَ رَجُلَ أَعْمَالٍ كَبِيرًا الْآنَ. يَمْلِكُ نِصْفَ مَشَارِيعِ الْمَدِينَةِ تَقْرِيبًا.”
“وَأَبِي، مَاذَا كَانَ يَظُنُّ فِي هَذَا الْمَشْرُوعِ؟”
تَوَقَّفَتْ لَيَانُ عَنِ الْكَلَامِ لَحْظَةً أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، حَتَّى إِنَّ سَلِيمًا الْتَفَتَ إِلَيْهَا يَنْتَظِرُ.
“أَبِي كَانَ ضِدَّ الْمَشْرُوعِ.” قَالَتْهَا أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. “بِشِدَّةٍ. وَهَذَا كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ، وَأَرْجُوكَ لَا تَسْأَلْنِي الْآنَ عَنِ التَّفَاصِيلِ، لِأَنِّي حَقًّا لَا أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَلِأَنَّنَا وَصَلْنَا تَقْرِيبًا، وَأُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ جَاهِزًا لِرُؤْيَةِ بَيْتِ الْعَزَاءِ يَا سَلِيمُ. سَتَأْتِي أُمِّي، وَأَعْمَامُكَ، وَنَاسٌ كَثِيرُونَ لَا تَعْرِفُهُمْ، وَنَاسٌ تَعْرِفُهُمْ لَكِنَّهُمْ تَغَيَّرُوا.”
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ مَا تُخْفِيهِ وَرَاءَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ قَدْ رَكَّزَتْ نَظَرَهَا عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ جَدِيدٍ، كَأَنَّهَا أَغْلَقَتْ بَابًا لِلتَّوِّ، وَقَرَّرَتْ أَلَّا تَفْتَحَهُ مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعِدَّةً.
مَرَّا بِجَانِبِ شَارِعٍ كَانَ سَلِيمٌ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، شَارِعِ الْبُسْتَانِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ يَذْهَبُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى مَدْرَسَتِهِ الِابْتِدَائِيَّةِ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ مَعَ أَبِيهِ، الَّذِي كَانَ يُمْسِكُ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ يَوْمَهَا بِيَدٍ كَبِيرَةٍ دَافِئَةٍ. لَمْ يَعُدِ الشَّارِعُ كَمَا كَانَ: نِصْفُ بُيُوتِهِ الْحَجَرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ اخْتَفَى، وَحَلَّتْ مَكَانَهَا حُفَرُ بِنَاءٍ عَمِيقَةٌ مُحَاطَةٌ بِأَلْوَاحٍ مَعْدِنِيَّةٍ زَرْقَاءَ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ أَحْمَرَ عَرِيضٍ: “قَرِيبًا: الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَشْرُوعِ أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ.” وَقَفَ سَلِيمٌ صَامِتًا يُحَدِّقُ مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمًا دُكَّانُ الْحَلْوِيَّاتِ الَّذِي اعْتَادَ أَبُوهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ كُلِّ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ جَيِّدٍ، وَالَّذِي لَمْ يَعُدْ لَهُ أَيُّ أَثَرٍ الْآنَ سِوَى حُفْرَةٍ تُرَابِيَّةٍ وَحَارِسِ أَمْنٍ نَصَبَ كُرْسِيًّا بَلَاسْتِيكِيًّا عِنْدَ بَوَّابَتِهَا الْمُؤَقَّتَةِ.
“مَتَى بَدَأَ كُلُّ هَذَا؟” سَأَلَ بِصَوْتٍ يَشُوبُهُ أَسًى لَمْ يَتَوَقَّعْهُ مِنْ نَفْسِهِ.
“مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا. فِي الْبِدَايَةِ كَانَ الْمَشْرُوعُ صَغِيرًا، مُجَرَّدَ تَرْمِيمٍ لِبَعْضِ الْوَاجِهَاتِ الْقَدِيمَةِ، هَذَا مَا قَالُوهُ عَلَى الْأَقَلِّ. ثُمَّ تَوَسَّعَ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى أَصْبَحَ كَمَا تَرَاهُ الْآنَ.” سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ قَبْلَ أَنْ تُضِيفَ لَيَانُ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ انْخِفَاضًا: “أُمِّي تَكْرَهُ الْمُرُورَ مِنْ هَذَا الشَّارِعِ. تَطْلُبُ مِنِّي دَائِمًا أَنْ آخُذَ طَرِيقًا آخَرَ، أَطْوَلَ، لَكِنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تَرَى مَا حَدَثَ لِبَيْتِ طُفُولَتِهَا.”
عَبَرَا الشَّارِعَ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، وَسَلِيمٌ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْغَضَبَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ تُجَاهَ مَدِينَةٍ لَمْ يَعْرِفْ بَعْدُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ أَجْلِهَا، هُوَ الَّذِي غَادَرَهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا إِلَّا نَادِرًا.

كَانَ بَيْتُ الْعَزَاءِ بَيْتَ الْعَائِلَةِ الْقَدِيمَ نَفْسَهُ، ذَلِكَ الْبَيْتُ الْحَجَرِيُّ ذُو الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي تَتَوَسَّطُهُ شَجَرَةُ يَاسَمِينٍ عُمْرُهَا مِنْ عُمْرِ الْحَيِّ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، زَرَعَهَا جَدُّ سَلِيمٍ الْأَكْبَرُ ـ كَمَا كَانَتِ الْقِصَّةُ الْعَائِلِيَّةُ تَقُولُ دَائِمًا ـ فِي الْيَوْمِ الَّذِي انْتَهَى فِيهِ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ.
كَانَ الْفِنَاءُ مُمْتَلِئًا بِالْكَرَاسِيِّ السَّوْدَاءِ الْمُصْطَفَّةِ، وَبِرَائِحَةِ الْقَهْوَةِ الْمُرَّةِ الْمُمْتَزِجَةِ بِرَائِحَةِ الْيَاسَمِينِ الْمُتَفَتِّحِ رَغْمَ مَوْسِمِ الْحَرِّ غَيْرِ الْمُنَاسِبِ، وَبِأَصْوَاتِ نِسَاءٍ يَتْلُونَ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةً بِصَوْتٍ خَفِيضٍ مِنْ غُرْفَةٍ دَاخِلِيَّةٍ.
جَلَسَ سَلِيمٌ بِجَانِبِ عَمِّهِ الْأَكْبَرِ، وَتَلَقَّى الْعَزَاءَ مِنْ عَشَرَاتِ الْوُجُوهِ الَّتِي لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَى نِصْفِهَا، وَصَافَحَ أَيْدِيًا كَثِيرَةً قَالَتْ لَهُ الْجُمْلَةَ نَفْسَهَا بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ: “اللهُ يَرْحَمُهُ، كَانَ رَجُلًا طَيِّبًا”، “اللهُ يَرْحَمُهُ، كَانَ رَجُلًا نَظِيفًا”، “اللهُ يَرْحَمُهُ، مَا بَقِيَ مِثْلُهُ.”
لَكِنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَالِقَةً فِي ذِهْنِهِ، قَالَهَا رَجُلٌ مُسِنٌّ يَرْتَدِي عَبَاءَةً بُنِّيَّةً، مَسَحَ عَلَى كَتِفِ سَلِيمٍ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا، وَاقْتَرَبَ مِنْ أُذُنِهِ وَهَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ:
“قُلْ لِأُخْتِكَ أَنْ تَحْذَرَ. أَبُوكَ كَانَ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الرَّجُلُ تَمُوتُ مَعَهُ، وَبَعْضُهَا لَا تَمُوتُ.”
قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا يَقْصِدُ، كَانَ الرَّجُلُ قَدِ ابْتَعَدَ، مُخْتَلِطًا بَيْنَ صُفُوفِ الْمُعَزِّينَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلِيمٌ أَنْ يَتَذَكَّرَ وَجْهَهُ بِوُضُوحٍ بَعْدَ ذَلِكَ، كَأَنَّ الرَّجُلَ تَعَمَّدَ أَلَّا يُرَى جَيِّدًا.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّهُ الْأَكْبَرَ عَنْ هُوِيَّةِ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ، فَهَزَّ عَمُّهُ كَتِفَيْهِ بِلَا اهْتِمَامٍ: “لَا أَعْرِفُهُ، رُبَّمَا أَحَدُ جِيرَانِ أَبِيكَ الْقُدَامَى، الْحَيُّ مَلِيءٌ بِوُجُوهٍ لَمْ أَعُدْ أَتَذَكَّرُهَا كُلَّهَا.” لَمْ يَقْتَنِعْ سَلِيمٌ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ وَسِيلَةً لِمُتَابَعَةِ الْأَمْرِ وَسْطَ زِحَامِ الْمُعَزِّينَ الْمُسْتَمِرِّ.
مَسَحَ سَلِيمٌ بِنَظَرِهِ الْفِنَاءَ الْمُكْتَظَّ، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ أَثَرًا لِلْعَبَاءَةِ الْبُنِّيَّةِ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُعَزِّينَ الْمُتَغَيِّرَةِ بِاسْتِمْرَارٍ، لَكِنَّ الرَّجُلَ بَدَا كَأَنَّهُ ابْتَلَعَتْهُ الْحُشُودُ تَمَامًا، أَوْ رُبَّمَا، كَمَا بَدَأَ سَلِيمٌ يَظُنُّ دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ تَبْرِيرَ هَذَا الشُّعُورِ مَنْطِقِيًّا، غَادَرَ عَمْدًا بِمُجَرَّدِ أَنْ أَوْصَلَ رِسَالَتَهُ، كَرَسُولٍ أَدَّى مُهِمَّتَهُ وَلَمْ يَعُدْ لَهُ دَاعٍ لِلْبَقَاءِ. شَعَرَ سَلِيمٌ بِضِيقٍ غَرِيبٍ فِي صَدْرِهِ، مَزِيجٍ مِنْ حُزْنِ الْعَزَاءِ الطَّبِيعِيِّ وَقَلَقٍ جَدِيدٍ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، كَأَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الْغِيَابِ لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُهُ بِأَحْضَانٍ مَفْتُوحَةٍ كَمَا تَخَيَّلَ فِي اللَّحَظَاتِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي سَمَحَ فِيهَا لِنَفْسِهِ بِالتَّفْكِيرِ فِي هَذِهِ الْعَوْدَةِ خِلَالَ رِحْلَةِ الطَّيَرَانِ الطَّوِيلَةِ، بَلْ كَانَتْ تُخْفِي عَنْهُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى لِوَطْءِ قَدَمِهِ أَرْضَهَا، شَبَكَةً مِنَ الْأَسْرَارِ بَدَأَتْ خُيُوطُهَا تَتَكَشَّفُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ أَسْرَعَ مِمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِاسْتِيعَابِهِ.
بَعْدَ قَلِيلٍ، دَخَلَتْ أُمُّهُ إِلَى الْفِنَاءِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ، مُسْنَدَةً عَلَى ذِرَاعِ جَارَةٍ عَجُوزٍ. حِينَ رَأَتْ سَلِيمًا، تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ مَشَتْ نَحْوَهُ بِبُطْءٍ وَضَمَّتْهُ بِقُوَّةٍ أَضْعَفَ بِكَثِيرٍ مِنْ قُوَّةِ لَيَانَ، كَامْرَأَةٍ اسْتَنْزَفَتْهَا أَيَّامٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْبُكَاءِ الصَّامِتِ.
“جِئْتَ أَخِيرًا.” قَالَتْهَا بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ، دُونَ لَوْمٍ وَاضِحٍ، لَكِنْ بِحُزْنٍ يُشْبِهُ اللَّوْمَ. “كَانَ يَسْأَلُ عَنْكَ كَثِيرًا فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ يَا سَلِيمُ، أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. كَانَ يَقُولُ: سَلِيمٌ سَيَفْهَمُ الْأَمْرَ حِينَ يَعُودُ، هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي سَيَفْهَمُ.”
“يَفْهَمُ مَاذَا يَا أُمِّي؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا تَزِنُ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَهَا، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا: “لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ يَا ابْنِي. كَانَ أَبُوكَ رَجُلًا لَا يُشَارِكُ هُمُومَهُ بِسُهُولَةٍ، حَتَّى مَعِي. لَكِنَّهُ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ كَانَ يَقُولُ جُمْلَةً غَرِيبَةً كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ: ‘لَنْ أَتْرُكَ لَهُمُ الْبَيْتَ، مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ.’ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْبَيْتَ هُنَا، بَيْتَنَا هَذَا فَقَطْ. الْآنَ لَا أَعْرِفُ مَاذَا كَانَ يَقْصِدُ بِالضَّبْطِ.”
اعْتَذَرَتِ الْجَارَةُ الْعَجُوزُ بِلُطْفٍ وَاصْطَحَبَتِ الْأُمَّ بَعِيدًا لِتَجْلِسَ، تَارِكَةً سَلِيمًا وَاقِفًا وَحِيدًا لِلَحْظَةٍ وَسْطَ الْفِنَاءِ، يَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ يَسْمَعُهَا الْيَوْمَ تُضِيفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً مِنَ الْغُمُوضِ فَوْقَ طَبَقَاتٍ سَابِقَةٍ، دُونَ أَنْ تَكْشِفَ شَيْئًا وَاضِحًا بَعْدُ.

فِي مُنْتَصَفِ بَعْدِ الظُّهْرِ، دَخَلَ الْفِنَاءَ رَجُلٌ طَوِيلُ الْقَامَةِ، أَنِيقٌ حَتَّى فِي الْحِدَادِ، يَرْتَدِي بَدْلَةً سَوْدَاءَ مُصَمَّمَةً بِعِنَايَةٍ وَاضِحَةٍ، وَسَاعَةً فِضِّيَّةً لَامِعَةً، وَابْتِسَامَةً حَزِينَةً مَدْرُوسَةً تَمَامًا كَمَلَابِسِهِ. اقْتَرَبَ مُبَاشَرَةً مِنْ سَلِيمٍ، وَاحْتَضَنَهُ بِحَرَارَةٍ بَدَتْ مُبَالَغًا فِيهَا قَلِيلًا.
“سَلِيمُ! يَا ابْنَ أَخِي!” ـ لَمْ يَكُنْ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ عَمَّهُ فِعْلِيًّا، لَكِنَّهُ كَانَ يُنَادِيهِ هَكَذَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ ـ “اللهُ يَرْحَمُ أَبَاكَ، رَجُلٌ مَا مِثْلُهُ. لَنْ تَعْرِفَ يَا وَلَدِي كَمْ خَسِرَتِ الْمَدِينَةُ بِرَحِيلِهِ.”
“شُكْرًا يَا عَمَّ كَمَالٍ.” قَالَهَا سَلِيمٌ بِأَدَبٍ حَذِرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ الْحِفَاظِ عَلَى مُجَامَلَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ وَبَيْنَ تَذَكُّرِ تَحْذِيرِ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ قَبْلَ قَلِيلٍ.
جَلَسَ كَمَالٌ بِجَانِبِهِ، وَطَلَبَ مِنْ أَحَدِ الشُّبَّانِ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى سَلِيمٍ بِنَظْرَةٍ دَافِئَةٍ ظَاهِرِيًّا.
“سَمِعْتُ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ مُهَنْدِسًا مِعْمَارِيًّا كَبِيرًا فِي أَلْمَانِيَا. أَبُوكَ كَانَ يَفْتَخِرُ بِكَ دَائِمًا، تَعْرِفُ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُولُهَا كَثِيرًا بِصَوْتٍ عَالٍ.”
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِّي.” قَالَهَا سَلِيمٌ بِصِدْقٍ يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَارَةِ الْقَدِيمَةِ.
“كَانَ يَتَحَدَّثُ.” ابْتَسَمَ كَمَالٌ. “عَلَى كُلِّ حَالٍ، يَا سَلِيمُ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ صَعْبٌ، لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَدْ يُفِيدُكَ عَمَلِيًّا، حِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدًّا: بَيْتُ الْعَائِلَةِ هَذَا، وَالْأَرْضُ الْمُحِيطَةُ بِهِ، تَدْخُلُ الْآنَ فِي نِطَاقِ مَشْرُوعِنَا التَّطْوِيرِيِّ لِلْحَيِّ. أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَضْغَطَ عَلَيْكَ فِي يَوْمٍ كَهَذَا، أَبَدًا، لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي مُسْتَعِدٌّ لِتَقْدِيمِ عَرْضٍ سَخِيٍّ جِدًّا لِعَائِلَتِكَ إِنْ قَرَّرْتُمُ الْبَيْعَ، عَرْضٍ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا سَيَحْصُلُ عَلَيْهِ أَيُّ بَيْتٍ آخَرَ فِي الْحَيِّ. أَنَا مَدِينٌ لِأَبِيكَ بِهَذَا الْقَدْرِ عَلَى الْأَقَلِّ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ الْحَرَارَةَ فِي ابْتِسَامَةِ كَمَالٍ بَدَأَتْ تَبْرُدُ قَلِيلًا فِي نِهَايَةِ الْجُمْلَةِ، كَأَنَّ الِابْتِسَامَةَ كَانَتْ قِنَاعًا يُتْعِبُ صَاحِبَهُ مِنْ حَمْلِهِ طَوِيلًا.
“أَبِي كَانَ ضِدَّ الْمَشْرُوعِ، كَمَا فَهِمْتُ.” قَالَهَا سَلِيمٌ بِهُدُوءٍ مُتَعَمَّدٍ، مُرَاقِبًا رَدَّةَ فِعْلِ كَمَالٍ بِعِنَايَةٍ.
تَوَقَّفَتْ مَلَامِحُ كَمَالٍ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّ أَيَّ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرَ سَلِيمٍ، الْمُدَرَّبِ مِهْنِيًّا عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ فِي الْمُخَطَّطَاتِ وَالْوُجُوهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ لِيُلَاحِظَهَا.
“أَبُوكَ كَانَ رَجُلًا حَذِرًا بِطَبْعِهِ.” قَالَ كَمَالٌ أَخِيرًا، وَقَدْ عَادَتِ الِابْتِسَامَةُ إِلَى وَجْهِهِ، لَكِنَّهَا بَدَتْ أَكْثَرَ بُرُودَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ. “كَانَ يَخَافُ عَلَى تَارِيخِ الْحَيِّ، وَهَذَا أَمْرٌ مَفْهُومٌ وَمُحْتَرَمٌ. لَكِنَّ التَّارِيخَ يَا سَلِيمُ لَا يُحْفَظُ بِتَرْكِ الْبُيُوتِ تَتَدَاعَى، بَلْ بِمَنْحِ النَّاسِ مُسْتَقْبَلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى فِيهِ هَذَا التَّارِيخُ. عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَا دَاعِيَ لِنَتَحَدَّثَ فِي هَذَا الْآنَ. فَكِّرْ بِالْأَمْرِ، وَحِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدًّا، اتَّصِلْ بِي.”
مَدَّ لَهُ بِطَاقَةَ عَمَلٍ فِضِّيَّةَ اللَّوْنِ، فَأَخَذَهَا سَلِيمٌ بِيَدٍ بَارِدَةٍ، وَدَسَّهَا فِي الْجَيْبِ نَفْسِهِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ بِطَاقَةَ يَاسَمِينَ نُورٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ.
قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ كَمَالٌ لِيُتَابِعَ تَقْدِيمَ عَزَائِهِ لِبَقِيَّةِ الْحَاضِرِينَ، اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ شَابٌّ يَرْتَدِي بَدْلَةً رَسْمِيَّةً، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ شَيْئًا جَعَلَ مَلَامِحَ كَمَالٍ تَتَصَلَّبُ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَمَالَكَ نَفْسَهُ. اعْتَذَرَ كَمَالٌ بِسُرْعَةٍ وَابْتَعَدَ مَعَ الرَّجُلِ الشَّابِّ إِلَى رُكْنٍ هَادِئٍ مِنَ الْفِنَاءِ، وَرَاقَبَهُمَا سَلِيمٌ مِنْ بَعِيدٍ دُونَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّهُ لَاحَظَ أَنَّ كَمَالًا بَدَا فَجْأَةً رَجُلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الرَّجُلِ الدَّافِئِ الَّذِي جَلَسَ بِجَانِبِهِ قَبْلَ دَقَائِقَ: فَكَّاهُ مُتَوَتِّرَانِ، وَعَيْنَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ وُجُوهِ الْحَاضِرِينَ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجِدْهُ بَعْدُ.
حِينَ عَادَ كَمَالٌ بَعْدَ دَقَائِقَ، كَانَ الدِّفْءُ قَدْ عَادَ إِلَى وَجْهِهِ بِشَكْلٍ وَاضِحِ الْمَرَارَةِ، تَمَامًا كَمُمَثِّلٍ يُعِيدُ ارْتِدَاءَ دَوْرٍ بَعْدَ اسْتِرَاحَةٍ قَصِيرَةٍ خَلْفَ الْكَوَالِيسِ. اقْتَرَبَ مِنْ سَلِيمٍ مَرَّةً أَخِيرَةً قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ.
“سَلِيمُ، سُؤَالٌ أَخِيرٌ، وَلَا تَفْهَمْهُ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ: هَلْ تَرَكَ لَكَ أَبُوكَ أَيَّةَ أَوْرَاقٍ؟ عُقُودٌ، وَثَائِقُ قَدِيمَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِمِلْكِيَّةِ الْبَيْتِ أَوِ الْأَرْضِ الْمُحِيطَةِ بِهِ؟”
كَانَ السُّؤَالُ مُبَاشِرًا بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ مِنْ رَجُلٍ حَرَصَ طَوَالَ الْوَقْتِ عَلَى اللَّبَاقَةِ الزَّائِدَةِ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ جَرَسَ إِنْذَارٍ دَاخِلِيٍّ يَرِنُّ فَجْأَةً.
“لِمَ تَسْأَلُ بِالتَّحْدِيدِ؟” رَدَّ سَلِيمٌ بِهُدُوءٍ مُصْطَنَعٍ.
ضَحِكَ كَمَالٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا عَادِيَّةً. “لَا سَبَبَ خَاصَّ، مُجَرَّدُ أُمُورٍ رُوتِينِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَشْرُوعِ، نَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى التَّأَكُّدِ مِنْ سَلَامَةِ سَلَاسِلِ الْمِلْكِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَيِّ تَفَاوُضٍ. لَا تَقْلَقْ حِيَالَ الْأَمْرِ، خُذْ وَقْتَكَ.”
لَكِنَّ سَلِيمًا، وَهُوَ يُرَاقِبُ أَصَابِعَ كَمَالٍ تَشُدُّ عَلَى مِقْبَضِ عَصَاهُ الْخَشَبِيَّةِ الْأَنِيقَةِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَسْتَدْعِيهِ سُؤَالٌ “رُوتِينِيٌّ”، عَرَفَ بِيَقِينٍ هَادِئٍ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَابِرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ آخِرَ مَرَّةٍ يُسْأَلُ فِيهَا عَنْ أَوْرَاقِ أَبِيهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ.
دُونَ أَنْ يُدْرِكَ حِينَهَا، كَانَ سَلِيمٌ قَدْ بَدَأَ، بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ التَّبَادُلِ الْقَصِيرِ لِلْكَلِمَاتِ، يَجْمَعُ خُيُوطَ شَبَكَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ حَجْمَهَا الْحَقِيقِيَّ.

انْتَهَى الْعَزَاءُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبَقِيَ فِي الْبَيْتِ أَخِيرًا سَلِيمٌ وَلَيَانُ وَأُمُّهُمَا، الَّتِي انْسَحَبَتْ مُبَاشَرَةً إِلَى غُرْفَتِهَا مُنْهَكَةً، تَارِكَةً الْأَخَوَيْنِ وَحْدَهُمَا فِي الْفِنَاءِ الْهَادِئِ.
جَلَسَا عَلَى الْحِجَارَةِ الْبَارِدَةِ قُرْبَ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ، صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، حَتَّى كَسَرَ سَلِيمٌ الصَّمْتَ أَخِيرًا.
“لَيَانُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا، وَأُرِيدُكِ أَنْ تُجِيبِينِي بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ.”
“تَفَضَّلْ.”
“مَنْ هِيَ يَاسَمِينُ نُورٍ؟”
ارْتَفَعَ حَاجِبَا لَيَانَ بِمُفَاجَأَةٍ وَاضِحَةٍ. “مِنْ أَيْنَ سَمِعْتَ هَذَا الِاسْمَ؟”
“كَانَتْ تَنْتَظِرُنِي فِي الْمَطَارِ. قَالَتْ إِنَّ أَبِي اتَّصَلَ بِهَا قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَفَاتِهِ، وَطَلَبَ مَوْعِدًا، ثُمَّ أَلْغَاهُ، وَقَالَ لَهَا حَرْفِيًّا: انْتَظِرِي ابْنِي.”
شَحَبَ وَجْهُ لَيَانَ قَلِيلًا فِي ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ الْخَافِتِ الْمُعَلَّقِ فَوْقَ الْفِنَاءِ. “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ هَذَا.”
“هَلْ تَعْرِفِينَهَا؟”
“صَحَفِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْمَدِينَةِ. كَتَبَتْ تَحْقِيقَاتٍ كَثِيرَةً عَنْ مَشَارِيعِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْعَقَارِيَّةِ سَابِقًا. عَنْ… عَنْ فَسَادٍ فِي بَعْضِ عُقُودِ الْأَرَاضِي الْقَدِيمَةِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ.”
“وَأَبِي كَانَ يَعْرِفُهَا؟”
“لَا أَعْرِفُ يَا سَلِيمُ.” قَالَتْهَا بِضِيقٍ وَاضِحٍ بَدَأَ يَتَسَرَّبُ إِلَى صَوْتِهَا. “أَنَا… اسْمَعْ، لَمْ يَكُنْ أَبِي يُشَارِكُنِي كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ. كَانَ… كَانَ مُخْتَلِفًا. يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي مَكْتَبِهِ، وَيُقْفِلُ الْبَابَ، وَأَحْيَانًا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ فِي الْهَاتِفِ، ثُمَّ يَصْمُتُ فَجْأَةً إِنِ اقْتَرَبْتُ مِنَ الْبَابِ.”
“وَهَلْ حَاوَلْتِ أَنْ تَسْأَلِيهِ؟”
“طَبْعًا حَاوَلْتُ!” ارْتَفَعَ صَوْتُهَا قَلِيلًا، ثُمَّ خَفَضَتْهُ بِسُرْعَةٍ مُتَذَكِّرَةً أَنَّ أُمَّهُمَا نَائِمَةٌ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. “سَأَلْتُهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، فَكَانَ يَقُولُ لِي دَائِمًا الْجُمْلَةَ نَفْسَهَا: بَعْضُ الْأَشْيَاءِ يَا ابْنَتِي، كُلَّمَا عَرَفْتِهَا أَقَلَّ، كُنْتِ أَكْثَرَ أَمَانًا. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يُبَالِغُ، أَوْ أَنَّهُ مُتْعَبٌ فَقَطْ، حَتَّى…”
تَوَقَّفَتْ عَنِ الْكَلَامِ، وَنَظَرَتْ بَعِيدًا نَحْوَ الْفِنَاءِ.
“حَتَّى مَاذَا؟” سَأَلَهَا سَلِيمٌ بِلُطْفٍ، مُحَاوِلًا أَلَّا يَضْغَطَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَمِلُ.
“حَتَّى وَجَدُوهُ مَيِّتًا فِي مَكْتَبِهِ، يَا سَلِيمُ. قَالُوا نَوْبَةً قَلْبِيَّةً. لَكِنَّ الطَّبِيبَ الَّذِي فَحَصَهُ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الطَّبِيبُ الشَّرْعِيُّ الرَّسْمِيُّ، قَالَ لِي شَيْئًا غَرِيبًا، ثُمَّ تَرَاجَعَ عَنْهُ بِسُرْعَةٍ حِينَ عَلِمَ مَنْ عَائِلَتُهُ، كَأَنَّهُ خَافَ مِنْ قَوْلِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ يَقُولَهُ.”
“مَاذَا قَالَ؟”
نَظَرَتْ لَيَانُ إِلَى أَخِيهَا مُبَاشَرَةً لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بِدَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي عَيْنَيْهَا كَانَ يَلْمَعُ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ الَّذِي لَمْ تَسْمَحْ لِنَفْسِهَا بِإِظْهَارِهِ طَوَالَ أَيَّامِ الْعَزَاءِ.
“قَالَ: هَذَا لَا يَبْدُو كَنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ تَمَامًا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي يَدَيْهِ رَغْمَ دِفْءِ اللَّيْلِ الصَّيْفِيِّ. “وَمَاذَا حَدَثَ لِهَذَا الطَّبِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ؟”
“لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ. سَمِعْتُ أَنَّهُ انْتَقَلَ لِلْعَمَلِ فِي مُسْتَشْفًى فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ فَقَطْ مِنْ وَفَاةِ أَبِي. لَمْ أَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، هَاتِفُهُ لَمْ يَعُدْ يَعْمَلُ.”
“لَيَانُ، هَلْ رَأَيْتِ أَبَاكِ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَحَدٍ بِشَكْلٍ خَاصٍّ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ؟ أَيَّ شَخْصٍ غَرِيبٍ، أَوْ زِيَارَاتٍ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ؟”
فَكَّرَتْ لَيَانُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، كَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ تَفَاصِيلَ كَانَتْ قَدْ دَفَنَتْهَا عَمْدًا فِي ذَاكِرَتِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مُزْعِجَةً أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
“مَرَّةً وَاحِدَةً.” قَالَتْهَا أَخِيرًا. “قَبْلَ شَهْرٍ تَقْرِيبًا، جَاءَ رَجُلٌ مُسِنٌّ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ، وَجَلَسَ مَعَ أَبِي فِي الْمَكْتَبِ لِسَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، خَلْفَ بَابٍ مُغْلَقٍ. حِينَ خَرَجَ، بَدَا أَبِي شَاحِبًا جِدًّا، وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي الْعَشَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. سَأَلْتُهُ مَنْ كَانَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لِي فَقَطْ: صَدِيقٌ قَدِيمٌ، لَا تَقْلَقِي. لَكِنِّي لَمْ أُصَدِّقْهُ، لِأَنَّ أَبِي لَمْ يَكُنْ يُعَامِلُ أَصْدِقَاءَهُ الْقُدَامَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّوَتُّرِ بَعْدَ لِقَائِهِمْ.”
“هَلْ تَصِفِينَهُ لِي؟ الرَّجُلَ الْمُسِنَّ؟”
“عَبَاءَةٌ بُنِّيَّةٌ، طَوِيلٌ نِسْبِيًّا، صَوْتُهُ هَادِئٌ جِدًّا… لِمَ؟”
تَوَقَّفَ قَلْبُ سَلِيمٍ لَحْظَةً. “أَظُنُّ أَنِّي الْتَقَيْتُهُ الْيَوْمَ، هُنَا، فِي الْعَزَاءِ نَفْسِهِ. قَالَ لِي جُمْلَةً غَرِيبَةً: قُلْ لِأُخْتِكَ أَنْ تَحْذَرَ.”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا لَيَانَ بِذُعْرٍ حَقِيقِيٍّ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “أَحْذَرُ مِنْ مَاذَا؟”
“لَا أَعْرِفُ. لَمْ يُكْمِلِ الْجُمْلَةَ. لَكِنِّي بَدَأْتُ أَظُنُّ يَا لَيَانُ أَنَّ أَبِي لَمْ يَكُنْ يُخْفِي عَنَّا مُجَرَّدَ ‘أُمُورٍ رُوتِينِيَّةٍ’ كَمَا وَصَفَهَا كَمَالٌ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ حِينَ سَأَلَنِي إِنْ كَانَ أَبِي قَدْ تَرَكَ لِي أَوْرَاقًا تَخُصُّ مِلْكِيَّةَ الْبَيْتِ.”
“كَمَالٌ سَأَلَكَ عَنْ هَذَا؟” هَمَسَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ مَذْعُورٍ أَكْثَرَ. “الْيَوْمَ؟ فِي الْعَزَاءِ؟”
“نَعَمْ. وَلَمْ يَبْدُ سُؤَالًا بَرِيئًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.”
بَقِيَا صَامِتَيْنِ طَوِيلًا بَعْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَزْهَارُ الْيَاسَمِينِ فَوْقَهُمَا تَتَمَايَلُ بِبُطْءٍ مَعَ نَسِيمٍ خَفِيفٍ بَدَأَ يَهْبِطُ مَعَ اللَّيْلِ، غَيْرَ مُبَالِيَةٍ بِالثِّقَلِ الَّذِي بَدَأَ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِ سَلِيمٍ، كَحَجَرٍ يَغْرَقُ بِبُطْءٍ فِي نَهْرٍ هَادِئِ السَّطْحِ، مُضْطَرِبِ الْأَعْمَاقِ.

بَعْدَ أَنْ أَوَتْ لَيَانُ إِلَى فِرَاشِهَا مُنْهَكَةً، لَمْ يَسْتَطِعْ سَلِيمٌ النَّوْمَ. جَلَسَ وَحِيدًا فِي غُرْفَةِ الْجُلُوسِ، يُحَدِّقُ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ الَّذِي حَفِظَ كُلَّ تَفَاصِيلِهِ فِي طُفُولَتِهِ وَنَسِيَهَا فِي غُرْبَتِهِ، حَتَّى قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُؤَجِّلُهُ مُنْذُ وُصُولِهِ: دُخُولَ مَكْتَبِ أَبِيهِ.
كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، لَكِنْ غَيْرَ مُقْفَلٍ. دَفَعَهُ بِبُطْءٍ، وَشَمَّ رَائِحَةَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَالتَّبْغِ الْخَفِيفِ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ يُدَخِّنُهُ أَحْيَانًا حِينَ يُفَكِّرُ بِعُمْقٍ، وَأَضَاءَ الْمِصْبَاحَ الْمَكْتَبِيَّ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ الْكَبِيرَةِ.
كَانَ الْمَكْتَبُ كَمَا تَرَكَهُ أَبُوهُ تَمَامًا، أَوْ هَكَذَا بَدَا فِي الْبِدَايَةِ: أَوْرَاقٌ مُرَتَّبَةٌ، أَقْلَامٌ فِي مَكَانِهَا، رُفُوفُ كُتُبٍ مُصْطَفَّةٌ بِعِنَايَةٍ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى السَّقْفِ. لَكِنْ حِينَ نَظَرَ سَلِيمٌ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، لَاحَظَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا أَزْعَجَهُ: طَبَقَةُ الْغُبَارِ عَلَى الطَّاوِلَةِ كَانَتْ غَيْرَ مُتَسَاوِيَةٍ، كَأَنَّ يَدًا مَا مَرَّتْ مُؤَخَّرًا فَوْقَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَنَقَلَتْهَا قَلِيلًا عَنْ مَكَانِهَا الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ حَاوَلَتْ إِعَادَتَهَا كَمَا كَانَتْ، لَكِنْ بِدُونِ دِقَّةٍ كَافِيَةٍ.
جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ أَبِيهِ، وَشَعَرَ لِثَانِيَةٍ بِغَرَابَةِ الْجُلُوسِ عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ بِالذَّاتِ، الَّذِي كَانَ طَوَالَ طُفُولَتِهِ مَكَانًا مَحْظُورًا، “كُرْسِيُّ بَابَا”، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ. أَدَارَ الْكُرْسِيَّ قَلِيلًا، فَأَصْدَرَ صَرِيرًا خَفِيفًا مَأْلُوفًا، وَبَدَأَ يَفْتَحُ الْأَدْرَاجَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ.
الدُّرْجُ الْأَوَّلُ: أَوْرَاقٌ ضَرِيبِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ بِعِنَايَةٍ حَسَبَ السَّنَوَاتِ، وَفَوَاتِيرُ كَهْرَبَاءَ وَمَاءٍ قَدِيمَةٌ، لَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ. الدُّرْجُ الثَّانِي: رَسَائِلُ مِنْ أَقَارِبَ فِي الْخَارِجِ، بَعْضُهَا مِنْ عَمِّ سَلِيمٍ الَّذِي هَاجَرَ إِلَى كَنَدَا مُنْذُ عَقْدٍ، وَصُوَرٌ عَائِلِيَّةٌ اصْفَرَّتْ أَطْرَافُهَا، تَوَقَّفَ عِنْدَ إِحْدَاهَا طَوِيلًا: صُورَةٌ لَهُ وَهُوَ طِفْلٌ بِعُمْرِ السَّابِعَةِ تَقْرِيبًا، يَجْلِسُ عَلَى كَتِفَيْ أَبِيهِ قُرْبَ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ فِي الْفِنَاءِ، وَكِلَاهُمَا يَضْحَكُ بِصِدْقٍ لَمْ يَعُدْ سَلِيمٌ يَتَذَكَّرُ آخِرَ مَرَّةٍ رَأَى فِيهَا وَالِدَهُ يَضْحَكُ هَكَذَا.
الدُّرْجُ الثَّالِثُ كَانَ فَارِغًا تَقْرِيبًا، سِوَى مِسْبَحَةٍ خَشَبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ وَنَظَّارَةِ قِرَاءَةٍ مَكْسُورَةِ الزُّجَاجِ. أَغْلَقَهُ سَلِيمٌ بِحُزْنٍ مُفَاجِئٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ، وَشَعَرَ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ يَتَلَصَّصُ عَلَى حَيَاةِ رَجُلٍ لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَشْرَحَ نَفْسَهُ لَهُ بِنَفْسِهِ.
حِينَ وَصَلَ إِلَى الدُّرْجِ الْأَخِيرِ، الْأَسْفَلِ، تَوَقَّفَتْ يَدُهُ فَوْقَ مِقْبَضِهِ الْمَعْدِنِيِّ الْبَارِدِ. كَانَ يَتَذَكَّرُ أَنَّ هَذَا الدُّرْجَ بِالذَّاتِ كَانَ دَائِمًا مُقْفَلًا بِمِفْتَاحٍ صَغِيرٍ يَحْتَفِظُ بِهِ أَبُوهُ فِي جَيْبِهِ الْخَاصِّ، لِدَرَجَةِ أَنَّ سَلِيمًا، فِي طُفُولَتِهِ، كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْوِي كَنْزًا حَقِيقِيًّا، ثُمَّ اكْتَشَفَ حِينَ كَبِرَ قَلِيلًا أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَحْتَفِظُ فِيهِ فَقَطْ بِأَوْرَاقِ الْعَائِلَةِ “الْمُهِمَّةِ”، كَمَا كَانَ يُسَمِّيهَا، دُونَ أَنْ يُوَضِّحَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا.
سَحَبَ الْمِقْبَضَ بِحَذَرٍ، مُتَوَقِّعًا أَنْ يَجِدَهُ مُقْفَلًا كَمَا كَانَ طَوَالَ حَيَاتِهِ، لَكِنَّهُ ـ بِشَكْلٍ مُثِيرٍ لِلرِّيبَةِ ـ وَجَدَهُ غَيْرَ مُقْفَلٍ، يَنْزَلِقُ بِسَلَاسَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، كَأَنَّ يَدًا أُخْرَى غَيْرَ يَدِ أَبِيهِ قَدْ فَتَحَتْهُ مُؤَخَّرًا، وَرُبَّمَا أَعَادَتْ إِقْفَالَهُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُحْكَمٍ بِمَا يَكْفِي.
بِدَاخِلِهِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ شَيْءٌ يَبْدُو ذَا أَهَمِّيَّةٍ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى: كِتَابٌ وَاحِدٌ قَدِيمٌ، بِغِلَافٍ جِلْدِيٍّ بُنِّيٍّ مُتَآكِلِ الْأَطْرَافِ، عُنْوَانُهُ بِالْكَادِ مَقْرُوءٌ: “تَارِيخُ حَيِّ الْيَاسَمِينِ وَعَائِلَاتِهِ الْمُؤَسِّسَةِ ـ طَبْعَةٌ خَاصَّةٌ، مَطْبَعَةُ الْمَدِينَةِ، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا.”
فَتَحَهُ سَلِيمٌ بِفُضُولٍ أَكْثَرَ مِنْهُ بِتَوَقُّعٍ، وَبَدَأَ يُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ الْأُولَى الْمَلِيئَةَ بِصُوَرٍ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ لِشَوَارِعِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ، وَلِوُجُوهِ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِمَلَابِسِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، حَتَّى سَقَطَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَحَاتِ، فَجْأَةً، شَيْءٌ مَعْدِنِيٌّ صَغِيرٌ أَصْدَرَ صَوْتًا خَفِيفًا عِنْدَ اصْطِدَامِهِ بِسَطْحِ الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ.
كَانَ مِفْتَاحًا قَدِيمًا، مِنَ النَّوْعِ الثَّقِيلِ الْمَصْنُوعِ مِنْ نُحَاسٍ دَاكِنٍ، بِشَكْلٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ تَمَامًا عَنْ مَفَاتِيحِ الْأَبْوَابِ الْعَادِيَّةِ، مَنْقُوشًا عَلَى رَأْسِهِ رَمْزٌ صَغِيرٌ دَقِيقٌ: زَهْرَةُ يَاسَمِينٍ ذَاتُ خَمْسِ بَتَلَاتٍ، مُحَاطَةٌ بِدَائِرَةٍ رَفِيعَةٍ.
الْتَقَطَهُ سَلِيمٌ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا دُونَ أَنْ يَفْهَمَ لِمَ يَرْتَجِفُ بِالضَّبْطِ، وَقَلَّبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لَاحَظَ وَرَقَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ كَانَتْ مُثَبَّتَةً بِشَرِيطٍ لَاصِقٍ شَفَّافٍ إِلَى الْغِلَافِ الدَّاخِلِيِّ لِلْكِتَابِ، فِي الْمَكَانِ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ الْمِفْتَاحُ.
فَتَحَهَا بِحَذَرٍ. لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ تَوْقِيعٌ وَلَا تَارِيخٌ، فَقَطْ سُطُورٌ قَلِيلَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ يَدِ أَبِيهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، لَكِنَّهُ خَطٌّ مُرْتَجِفٌ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ، كَأَنَّ الْيَدَ الَّتِي كَتَبَتْهُ كَانَتْ تَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ، أَوْ بِخَوْفٍ:
“سَلِيمُ، إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذَا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ حَدَثَ لِي قَبْلَ أَنْ أَسْتَطِيعَ إِخْبَارَكَ بِنَفْسِي. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، أَيًّا كَانَ، مَهْمَا بَدَا لَكَ قَرِيبًا أَوْ حَرِيصًا عَلَيْكَ، حَتَّى تَجِدَ الْغُرْفَةَ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَيْنَ. فَكِّرْ جَيِّدًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّ الِاخْتِبَاءَ فِيهِ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا، حِينَ كُنَّا نَلْعَبُ أَنَا وَأَنْتَ لُعْبَةَ الْكَنْزِ الْمَفْقُودِ فِي هَذَا الْبَيْتِ. الْغُرْفَةُ هُنَاكَ. وَالْمِفْتَاحُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ الْآنَ هُوَ مِفْتَاحُهَا. كُنْ حَذِرًا يَا ابْنِي. بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَعُودُ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.”
بَقِيَ سَلِيمٌ جَالِسًا بِلَا حَرَاكٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، وَالْوَرَقَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُرْتَجِفَتَيْنِ، وَالْمِفْتَاحُ النُّحَاسِيُّ الْبَارِدُ مُلْقًى عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ يَعْكِسُ ضَوْءَ الْمِصْبَاحِ الْمَكْتَبِيِّ بِشَكْلٍ خَافِتٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ كُلُّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ طَوَالَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ ـ سُؤَالُ يَاسَمِينَ نُورٍ الْغَامِضُ، حَذَرُ لَيَانَ الْغَرِيبُ، دِفْءُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْمُصْطَنَعُ، تَحْذِيرُ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ فِي الْعَزَاءِ، الْجُمْلَةُ الَّتِي قَالَهَا الطَّبِيبُ قَبْلَ أَنْ يَتَرَاجَعَ عَنْهَا ـ تَتَجَمَّعُ الْآنَ حَوْلَ نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ بَدَأَتْ تَتَّضِحُ بِبُطْءٍ أَمَامَهُ، كَصُورَةٍ تَخْرُجُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ ضَبَابٍ كَثِيفٍ:
أَبُوهُ لَمْ يَمُتْ مِيتَةً طَبِيعِيَّةً.
وَأَبُوهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ.
وَأَبُوهُ تَرَكَ لَهُ، عَمْدًا، طَرِيقًا يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَهُ الْآنَ، بِمُفْرَدِهِ، دُونَ أَنْ يَثِقَ بِأَحَدٍ مِمَّنْ يُحِيطُونَ بِهِ، وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى السَّاعَةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْحَائِطِ: كَانَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالنِّصْفَ لَيْلًا. نَظَرَ بَعْدَهَا إِلَى النَّافِذَةِ، حَيْثُ كَانَ الظَّلَامُ قَدْ أَسْدَلَ سَتَائِرَهُ الْكَامِلَةَ عَلَى فِنَاءِ الْبَيْتِ وَشَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ الْعَجُوزِ، ثُمَّ أَعَادَ النَّظَرَ إِلَى الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، أَيْنَ تَقَعُ تِلْكَ “الْغُرْفَةُ” الَّتِي قَصَدَهَا أَبُوهُ. كَانَا يُسَمِّيَانِهَا مَعًا، فِي طُفُولَتِهِ، “الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ”، لِأَسْبَابٍ غَرِيبَةٍ نَسِيَهَا الْآنَ، وَكَانَتْ تَقَعُ تَحْتَ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ، خَلْفَ قَبْوٍ مَهْجُورٍ لَمْ يَدْخُلْهُ أَحَدٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، تَحْتَ دَرَجٍ ضَيِّقٍ كَانَ طِفْلًا وَلَا يَزَالُ يَخَافُهُ قَلِيلًا حَتَّى الْيَوْمِ.
أَعَادَ سَلِيمٌ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ بَيْنَ سُطُورِهَا الْقَلِيلَةِ عَنْ مَعْنًى إِضَافِيٍّ فَاتَهُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، ثُمَّ طَوَى الْوَرَقَةَ بِعِنَايَةٍ وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ الدَّاخِلِيِّ، قَرِيبًا مِنْ صَدْرِهِ، كَأَنَّهُ يَحْمِي بِذَلِكَ آخِرَ كَلِمَاتٍ كَتَبَهَا أَبُوهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَقَفَ مِنْ كُرْسِيِّ أَبِيهِ، وَاقْتَرَبَ مِنَ النَّافِذَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، وَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ الَّتِي بَدَتْ فِي الظَّلَامِ كَظِلٍّ أَسْوَدَ كَثِيفٍ عَلَى خَلْفِيَّةِ سَمَاءٍ بِلَا قَمَرٍ. تَذَكَّرَ فَجْأَةً تِلْكَ اللُّعْبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُوهُ فِي رِسَالَتِهِ: “الْكَنْزُ الْمَفْقُودُ”، لُعْبَةً كَانَا يَخْتَرِعَانِهَا مَعًا كُلَّ صَيْفٍ حِينَ كَانَ سَلِيمٌ طِفْلًا، حَيْثُ يُخَبِّئُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ شَيْئًا بَسِيطًا ـ قِطْعَةَ حَلْوَى، رَسْمَةً صَغِيرَةً، حَجَرًا مُلَوَّنًا ـ فِي أَحَدِ أَرْكَانِ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ الْكَثِيرَةِ، وَيَتْرُكُ لَهُ دَلِيلًا غَامِضًا لِيَجِدَهُ. كَانَ أَبُوهُ بَارِعًا فِي اخْتِيَارِ الْمَخَابِئِ، لَكِنَّ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعُودُ إِلَيْهِ دَائِمًا، الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ سَلِيمٌ يُحِبُّهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ كَانَ “سِرَّهُمَا الْخَاصَّ” الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمَا، كَانَ ذَلِكَ الْقَبْوَ الصَّغِيرَ الْمَهْجُورَ تَحْتَ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ فِي الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنَ الْبَيْتِ، وَالَّذِي كَانَا يُسَمِّيَانِهِ، لِسَبَبٍ لَمْ يَعُدْ سَلِيمٌ يَتَذَكَّرُهُ بِوُضُوحٍ، “الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ”، رُبَّمَا لِأَنَّ سَلِيمًا أَحْصَى فِيهِ، فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ، أَحَدَ عَشَرَ حَجَرًا بَارِزًا فِي جِدَارِهِ الْحَجَرِيِّ، أَوْ رُبَّمَا لِسَبَبٍ طُفُولِيٍّ آخَرَ ضَاعَ مَعَ الزَّمَنِ.
فَجْأَةً، سَمِعَ سَلِيمٌ صَوْتًا خَفِيفًا يَأْتِي مِنْ خَارِجِ النَّافِذَةِ، كَأَنَّ قَدَمًا وَطِئَتْ عَلَى حَصَى الْفِنَاءِ الْخَارِجِيِّ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ. تَجَمَّدَ مَكَانَهُ، وَأَبْقَى عَيْنَيْهِ عَلَى النَّافِذَةِ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُمَيِّزَ أَيَّةَ حَرَكَةٍ فِي الْعَتْمَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا سِوَى ظِلَالِ أَغْصَانِ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ تَتَمَايَلُ مَعَ نَسِيمٍ خَفِيفٍ. أَقْنَعَ نَفْسَهُ، دُونَ قَنَاعَةٍ كَامِلَةٍ، أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ قِطًّا ضَالًّا، أَوْ غُصْنًا سَقَطَ، أَوْ مُجَرَّدَ وَهْمٍ صَنَعَهُ تَوَتُّرُ يَوْمٍ طَوِيلٍ وَمُرْهِقٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، اقْتَرَبَ بِحَذَرٍ مِنَ الْبَابِ، وَتَأَكَّدَ أَنَّهُ مُقْفَلٌ بِإِحْكَامٍ مِنَ الدَّاخِلِ، ثُمَّ عَبَرَ الْمَمَرَّ بِهُدُوءٍ نَحْوَ غُرْفَةِ لَيَانَ، وَوَضَعَ أُذُنَهُ قُرْبَ الْبَابِ لِلَحْظَةٍ، فَسَمِعَ أَنْفَاسَهَا الْمُنْتَظِمَةَ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، فَاطْمَأَنَّ قَلِيلًا، وَتَابَعَ طَرِيقَهُ.
مَرَّ سَلِيمٌ بِغُرْفَةِ أُمِّهِ أَيْضًا، فَرَآهَا نَائِمَةً بِدَوْرِهَا، وَجْهُهَا هَادِئٌ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ، كَأَنَّ الْإِرْهَاقَ أَخِيرًا تَغَلَّبَ عَلَى الْحُزْنِ وَلَوْ لِسَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ. أَغْلَقَ الْبَابَ بِلُطْفٍ خَلْفَهُ دُونَ صَوْتٍ، وَعَادَ أَدْرَاجَهُ نَحْوَ الْمَمَرِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ الضَّيِّقِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْقَبْوِ، ذَلِكَ الدَّرَجِ الَّذِي كَانَ يُخِيفُهُ قَلِيلًا فِي طُفُولَتِهِ، لَيْسَ لِأَنَّ فِيهِ مَا يَسْتَدْعِي الْخَوْفَ فِعْلِيًّا، بَلْ لِأَنَّ الظَّلَامَ هُنَاكَ كَانَ كَثِيفًا بِشَكْلٍ خَاصٍّ، وَلِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تُحَذِّرُهُ دَائِمًا مِنَ النُّزُولِ وَحْدَهُ “حَتَّى لَا تَتَعَثَّرَ بِالْعَتْمَةِ”. لَمْ يَكُنْ يَتَذَكَّرُ آخِرَ مَرَّةٍ نَزَلَ فِيهَا إِلَى هَذَا الْقَبْوِ؛ رُبَّمَا كَانَتْ قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ الْمَدِينَةَ بِسَنَوَاتٍ، حِينَ كَانَ لَا يَزَالُ مُرَاهِقًا يَبْحَثُ عَنْ أَمَاكِنَ هَادِئَةٍ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْبَالِغِينَ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ فِي رَاحَةِ يَدِهِ، ثُمَّ إِلَى الظَّلَامِ الْكَثِيفِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الدَّرَجَاتِ السُّفْلِيَّةَ مِنَ الدَّرَجِ، ثُمَّ إِلَى سَاعَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى: مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ تَقْرِيبًا. شَعَرَ لِوَهْلَةٍ بِإِغْرَاءٍ حَقِيقِيٍّ أَنْ يُؤَجِّلَ كُلَّ هَذَا حَتَّى الصَّبَاحِ، أَنْ يَنَامَ قَلِيلًا، أَنْ يُوَاجِهَ مَا يَنْتَظِرُهُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ بَدَلَ هَذِهِ الْعَتْمَةِ الثَّقِيلَةِ. لَكِنَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي رِسَالَةِ أَبِيهِ كَانَتْ تُلِحُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ حَذَرٍ آخَرَ: “بَعْضُهُمْ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.” إِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يَنْتَظِرُ بِالْفِعْلِ، فَرُبَّمَا لَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ رَفَاهِيَةً يَمْلِكُهَا.
أَخَذَ سَلِيمٌ نَفَسًا عَمِيقًا، وَأَشْعَلَ ضَوْءَ هَاتِفِهِ الْمَحْمُولِ لِيُضِيءَ لَهُ الطَّرِيقَ بَدَلَ الْمِصْبَاحِ الرَّئِيسِيِّ الَّذِي قَدْ يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ مِنَ الْخَارِجِ، وَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنَ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ، فَأَصْدَرَتْ صَرِيرًا خَافِتًا فِي صَمْتِ الْبَيْتِ الثَّقِيلِ.
نَهَضَ سَلِيمٌ مُرَادٍ بِبُطْءٍ، وَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ الْمَكْتَبِيَّ، وَوَقَفَ فِي الْعَتْمَةِ الْكَامِلَةِ لِلْمَكْتَبِ، وَالْمِفْتَاحُ مَشْدُودٌ فِي قَبْضَتِهِ حَتَّى كَادَتْ حَوَافُّهُ الْمَعْدِنِيَّةُ تَجْرَحُ رَاحَةَ يَدِهِ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، وَهُوَ يَخْطُو نَحْوَ الْبَابِ مُتَّجِهًا صَوْبَ الدَّرَجِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْقَبْوِ، أَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَدَأَتْ بِسُؤَالٍ غَرِيبٍ فِي مَطَارٍ مُزْدَحِمٍ، سَتَنْتَهِي بِاكْتِشَافٍ سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ، وَعَنْ نَفْسِهِ.
كَانَ كُلُّ مَا يَعْرِفُهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ:
لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ الْعَوْدَةُ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ.
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا كَانَتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، تَنْتَظِرُهُ فِي الظَّلَامِ، خَلْفَ بَابٍ لَمْ يُفْتَحْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
وَمِنْ فَوْقِهِ، فِي غُرْفَتِهَا الْمُغْلَقَةِ، لَمْ تَكُنْ لَيَانُ نَائِمَةً كَمَا ظَنَّ أَخُوهَا. كَانَتْ مُسْتَلْقِيَةً فِي الْعَتْمَةِ، عَيْنَاهَا مَفْتُوحَتَانِ عَلَى السَّقْفِ، وَهَاتِفُهَا فِي يَدِهَا يَعْرِضُ رِسَالَةً نَصِّيَّةً وَصَلَتْهَا مُنْذُ دَقَائِقَ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ، لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَيْفَ تُجِيبُ عَلَيْهَا، وَلَا كَيْفَ تُخْبِرُ أَخَاهَا بِهَا:
“أَخْبِرِيهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْبَحْثِ، مِنْ أَجْلِ سَلَامَتِكُمْ جَمِيعًا.”
قَرَأَتْهَا لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ، ثُمَّ أَطْفَأَتْ شَاشَةَ الْهَاتِفِ، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا فِي الْعَتْمَةِ، وَهِيَ تَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهَا أَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَدَأَتْ بِجَنَازَةِ أَبِيهَا لَنْ تَكُونَ آخِرَ لَيْلَةٍ تَخَافُ فِيهَا عَلَى أَخِيهَا الْعَائِدِ، وَلَا آخِرَ رِسَالَةٍ مَجْهُولَةٍ سَتَصِلُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ هَذِهِ الْحِكَايَةُ الَّتِي بَدَأَتِ الْيَوْمَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَتْ جُذُورُهَا، كَمَا سَتَكْتَشِفُ لَاحِقًا، تَمْتَدُّ إِلَى الْوَرَاءِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ أَيٌّ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ عَوْدَةِ سَلِيمٍ إِلَى مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ.
— نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ —


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 02


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ (رِوَايَـة)