مَدِينَةُ الْيَاسَمِينِ
الْفَصْلُ الثَّانِي: الْغُرْفَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ
كَانَتِ الدَّرَجَةُ السَّابِعَةُ هِيَ الْأَصْعَبَ دَائِمًا.
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ ذَلِكَ فَجْأَةً وَهُوَ يَنْزِلُ بِحَذَرٍ فِي الْعَتْمَةِ، ضَوْءُ هَاتِفِهِ الْمَحْمُولِ يَرْتَجِفُ قَلِيلًا أَمَامَهُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ: الدَّرَجَةُ السَّابِعَةُ مِنْ دَرَجِ الْقَبْوِ كَانَتْ دَائِمًا أَعْمَقَ قَلِيلًا مِنْ أَخَوَاتِهَا، خَطَأٌ فِي الْبِنَاءِ لَمْ يُصْلِحْهُ أَحَدٌ قَطُّ، وَكَانَ أَطْفَالُ الْعَائِلَةِ يَتَوَارَثُونَ هَذِهِ الْمَعْلُومَةَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ كَأَنَّهَا سِرٌّ مُقَدَّسٌ: “احْذَرِ الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ.” وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا بِحَذَرٍ مُضَاعَفٍ، فَلَمْ تَخْذُلْهُ ذَاكِرَتُهُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً عِنْدَ مُنْتَصَفِ الدَّرَجِ، وَيَدُهُ عَلَى الْجِدَارِ الْبَارِدِ، وَسَمَحَ لِنَفْسِهِ بِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ مِنَ التَّذَكُّرِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. كَانَ صَوْتُ أَبِيهِ يَعُودُ إِلَيْهِ الْآنَ بِوُضُوحٍ غَرِيبٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ عِشْرُونَ عَامًا عَلَى الْإِطْلَاقِ: “تَعَالَ يَا سَلِيمُ، سَأُخَبِّئُ لَكَ الْيَوْمَ شَيْئًا فِي مَكَانٍ لَنْ تَتَوَقَّعَهُ أَبَدًا.” كَانَ أَبُوهُ، فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ الْبَعِيدَةِ، رَجُلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا صَارَ عَلَيْهِ لَاحِقًا، رَجُلًا يَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَيَخْتَرِعُ الْأَلْغَازَ، وَيَقْضِي سَاعَاتٍ فِي هَذَا الْقَبْوِ بِالذَّاتِ يَبْنِي مَعَ ابْنِهِ عَوَالِمَ خَيَالِيَّةً مِنَ الْكَرْتُونِ وَالْخَشَبِ الْمَكْسُورِ. مَتَى تَغَيَّرَ كُلُّ هَذَا؟ مَتَى بَدَأَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمَرِحُ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْأَبِ الصَّامِتِ الْمُنْطَوِي الَّذِي وَدَّعَهُ سَلِيمٌ عِنْدَ بَابِ الْمَطَارِ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا بِجُمْلَةٍ غَامِضَةٍ عَنْ “مَنْ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنَ الْمَدِينَةِ”؟ رُبَّمَا، فَكَّرَ سَلِيمٌ وَهُوَ يُكْمِلُ نُزُولَهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ أَبُوهُ فَجْأَةً، بَلْ بَدَأَ يَحْمِلُ شَيْئًا ثَقِيلًا فِي صَمْتٍ، شَيْئًا بَدَأَ يُثْقِلُ كَاهِلَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى غَيَّرَهُ تَمَامًا دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا بِالسَّبَبِ.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْتَحْضِرَ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ مَتَى بَدَأَ هَذَا التَّحَوُّلُ بِالضَّبْطِ. كَانَ عُمْرُهُ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا تَقْرِيبًا حِينَ لَاحَظَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ أَبَاهُ تَوَقَّفَ عَنِ اصْطِحَابِهِ إِلَى هَذَا الْقَبْوِ لِلَّعِبِ، وَبَدَأَ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ يَقْضِي فِيهِ سَاعَاتٍ وَحِيدًا، خَلْفَ بَابٍ مُغْلَقٍ، بِحُجَّةِ “تَرْتِيبِ أَغْرَاضٍ قَدِيمَةٍ”. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ يُفَكِّرْ سَلِيمٌ الطِّفْلُ بِالْأَمْرِ كَثِيرًا، فَالْأَطْفَالُ نَادِرًا مَا يَتَسَاءَلُونَ عَنْ تَحَوُّلَاتِ آبَائِهِمْ إِلَّا حِينَ تَمَسُّهُمْ مُبَاشَرَةً. لَكِنَّ الْآنَ، وَهُوَ رَجُلٌ فِي الْأَرْبَعِينَ يَقِفُ فِي الْعَتْمَةِ نَفْسِهَا بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا مِنْ رَحِيلِهِ، بَدَأَ يَفْهَمُ أَنَّ ذَلِكَ التَّحَوُّلَ لَمْ يَكُنْ مُصَادَفَةً عَابِرَةً، بَلْ بِدَايَةَ مَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمُتَعَمَّدِ، صَمْتٍ أَرَادَ أَبُوهُ مِنْ خِلَالِهِ أَنْ يَحْمِيَ عَائِلَتَهُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُثْقِلَهُمْ بِهِ، حَتَّى النِّهَايَةِ.
تَذَكَّرَ أَيْضًا، وَهُوَ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ مِنْ نِهَايَةِ الدَّرَجِ، حَادِثَةً صَغِيرَةً نَسِيَهَا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ: مَرَّةً وَاحِدَةً، حِينَ كَانَ فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ تَقْرِيبًا، نَزَلَ إِلَى هَذَا الْقَبْوِ بَحْثًا عَنْ دَرَّاجَتِهِ الْهَوَائِيَّةِ الْمُعَطَّلَةِ، فَوَجَدَ أَبَاهُ وَاقِفًا أَمَامَ الرَّفِّ الْخَشَبِيِّ الثَّقِيلِ نَفْسِهِ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُ سَلِيمٌ الْآنَ، يَدَاهُ مُرْتَجِفَتَانِ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ، وَوَجْهُهُ شَاحِبٌ كَأَنَّهُ رَأَى شَبَحًا. حِينَ سَأَلَهُ سَلِيمٌ الصَّغِيرُ عَمَّا يَفْعَلُ، ابْتَسَمَ أَبُوهُ ابْتِسَامَةً مُتَكَلَّفَةً وَقَالَ بِسُرْعَةٍ: “لَا شَيْءَ يَا بُنَيَّ، كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ أَدَاةٍ قَدِيمَةٍ فَقَطْ.” لَمْ يُفَكِّرْ سَلِيمٌ بِهَذَا الْمَشْهَدِ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى الْآنَ، وَهُوَ يَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ نَفْسِهِ الَّذِي رُبَّمَا كَانَ أَبُوهُ يُخْفِيهِ عَنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ بِالذَّاتِ.
وَصَلَ إِلَى أَرْضِيَّةِ الْقَبْوِ التُّرَابِيَّةِ الْبَارِدَةِ، وَأَضَاءَ هَاتِفَهُ حَوْلَهُ. لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَكَانُ كَثِيرًا مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ رَآهُ فِيهَا: رُفُوفٌ خَشَبِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تَحْمِلُ صَنَادِيقَ كَرْتُونِيَّةً مُتَعَفِّنَةَ الْأَطْرَافِ، دَرَّاجَةٌ هَوَائِيَّةٌ صَدِئَةٌ كَانَتْ يَوْمًا دَرَّاجَتَهُ هُوَ، أَثَاثٌ مَكْسُورٌ يَنْتَظِرُ إِصْلَاحًا لَنْ يَأْتِيَ أَبَدًا. رَائِحَةُ الرُّطُوبَةِ وَالتُّرَابِ الْقَدِيمِ امْتَزَجَتْ فِي أَنْفِهِ بِذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهِ هُنَا، حِينَ كَانَ هَذَا الْمَكَانُ مَسْرَحًا لِمُغَامَرَاتِهِ الصَّغِيرَةِ مَعَ أَبِيهِ.
اتَّجَهَ نَحْوَ الْجِدَارِ الشَّمَالِيِّ، حَيْثُ كَانَ يَتَذَكَّرُ، خَلْفَ رَفٍّ خَشَبِيٍّ ثَقِيلٍ مَلِيءٍ بِأَدَوَاتِ بَسْتَنَةٍ صَدِئَةٍ، وُجُودَ مَسَاحَةٍ فَارِغَةٍ صَغِيرَةٍ كَانَا يُسَمِّيَانِهَا “الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ” فِي لُعْبَتِهِمَا الْقَدِيمَةِ. دَفَعَ الرَّفَّ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، فَتَحَرَّكَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ عَلَى أَرْضِيَّةٍ غَيْرِ مُسْتَوِيَةٍ، مُصْدِرًا صَرِيرًا حَادًّا بَدَا فِي صَمْتِ اللَّيْلِ أَعْلَى بِكَثِيرٍ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِعْلًا.
خَلْفَ الرَّفِّ، حَيْثُ تَوَقَّعَتْ ذَاكِرَتُهُ وُجُودَ جِدَارٍ حَجَرِيٍّ صَلْبٍ لَا شَيْءَ خَلْفَهُ، وَجَدَ سَلِيمٌ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ بَابًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا، مُنْخَفِضًا بِمَا يَكْفِي لِيَضْطَرَّ إِلَى الِانْحِنَاءِ لِعُبُورِهِ، تَعْلُوهُ لَوْحَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مَنْقُوشٌ عَلَيْهَا الرَّمْزُ نَفْسُهُ الْمَنْقُوشُ عَلَى الْمِفْتَاحِ: زَهْرَةُ يَاسَمِينٍ ذَاتُ خَمْسِ بَتَلَاتٍ مُحَاطَةٌ بِدَائِرَةٍ رَفِيعَةٍ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مَوْجُودٌ أَصْلًا. فِي كُلِّ مَرَّاتِ لَعِبِهِمَا هُنَا فِي طُفُولَتِهِ، لَمْ يَذْكُرْ أَبُوهُ هَذَا الْبَابَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ وَلَوْ تَلْمِيحًا. شَعَرَ سَلِيمٌ بِيَدِهِ تَرْتَجِفُ وَهُوَ يُخْرِجُ الْمِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ مِنْ جَيْبِهِ، وَيُقَرِّبُهُ مِنَ الْقُفْلِ الْقَدِيمِ أَسْفَلَ مِقْبَضِ الْبَابِ.
وَقَفَ لَحْظَةً أَمَامَ الْبَابِ دُونَ أَنْ يُحَاوِلَ فَتْحَهُ فَوْرًا، وَشَعَرَ بِثِقْلِ اللَّحْظَةِ تَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ: كُلُّ مَا حَدَثَ مُنْذُ نُزُولِهِ مِنَ الطَّائِرَةِ قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً ـ سُؤَالُ يَاسَمِينَ نُورٍ الْغَرِيبُ، تَحْذِيرُ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ، سُؤَالُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ “الرُّوتِينِيُّ”، اعْتِرَافُ لَيَانَ عَنْ غُمُوضِ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، ثُمَّ رِسَالَةُ أَبِيهِ ـ كُلُّ هَذَا كَانَ يَقُودُهُ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، نَحْوَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَمَامَ هَذَا الْبَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ. تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، وَشَعَرَ أَنَّ مَا وَرَاءَ هَذَا الْبَابِ لَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ أَوْرَاقٍ قَدِيمَةٍ، بَلْ بِدَايَةً حَقِيقِيَّةً لِشَيْءٍ لَنْ يَسْتَطِيعَ التَّرَاجُعَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَعْرِفَهُ.
انْزَلَقَ الْمِفْتَاحُ بِسَلَاسَةٍ مُفَاجِئَةٍ، وَكَأَنَّ الْقُفْلَ، رَغْمَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْإِهْمَالِ الظَّاهِرِيِّ، كَانَ يُصَانُ بِعِنَايَةٍ سِرِّيَّةٍ طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ. دَارَ الْمِفْتَاحُ بِصَوْتِ طَقْطَقَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ خَافِتَةٍ، وَانْفَتَحَ الْبَابُ بِبُطْءٍ، كَاشِفًا عَنْ عَتْمَةٍ كَثِيفَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عَتْمَةِ الْقَبْوِ نَفْسِهِ.
دَفَعَ سَلِيمٌ الْبَابَ بِحَذَرٍ، وَخَطَا إِلَى الدَّاخِلِ، وَأَضَاءَ هَاتِفَهُ أَمَامَهُ. كَانَتْ رَائِحَةُ الْغُرْفَةِ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ رَائِحَةِ الْقَبْوِ الْخَارِجِيِّ: رَائِحَةُ وَرَقٍ قَدِيمٍ مُمْتَزِجَةٌ بِعِطْرٍ خَفِيفٍ مِنْ نَوْعِ التَّبْغِ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ يُدَخِّنُهُ أَحْيَانًا، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ قَضَى هُنَا سَاعَاتٍ لَا تُحْصَى عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، وَحِيدًا، مُحَاطًا بِأَسْرَارِهِ فَقَطْ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَائِلَتُهُ تَظُنُّهُ نَائِمًا فِي مَكْتَبِهِ بِالطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. الْهَوَاءُ هُنَا كَانَ سَاكِنًا تَمَامًا، بِلَا أَيِّ تَيَّارِ تَهْوِيَةٍ حَقِيقِيٍّ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِثِقْلٍ غَرِيبٍ فِي صَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ مِنْ ضِيقِ الْمَكَانِ، بَلْ مِنْ إِدْرَاكِهِ الْمُفَاجِئِ لِحَجْمِ الْعُزْلَةِ الَّتِي عَاشَهَا أَبُوهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِالذَّاتِ، عُزْلَةٍ اخْتَارَهَا بِنَفْسِهِ لِحِمَايَةِ مَنْ يُحِبُّ، دُونَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ يَوْمًا بِثَمَنِهَا الْحَقِيقِيِّ.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ صَغِيرَةً، لَا تَتَجَاوَزُ مِسَاحَتُهَا ثَلَاثَةَ أَمْتَارٍ فِي ثَلَاثَةٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً بِعِنَايَةٍ مُذْهِلَةٍ مُقَارَنَةً بِفَوْضَى الْقَبْوِ الْخَارِجِيِّ. رُفُوفٌ مَعْدِنِيَّةٌ مُصَفَّفَةٌ عَلَى الْجُدْرَانِ، تَحْمِلُ صَنَادِيقَ أَرْشَفَةٍ كَرْتُونِيَّةً مُرَقَّمَةً بِعِنَايَةٍ، وَطَاوِلَةٌ خَشَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِي الْمُنْتَصَفِ عَلَيْهَا مِصْبَاحٌ يَعْمَلُ بِالْبَطَّارِيَّةِ، وَكُرْسِيٌّ وَحِيدٌ، وَكَأَنَّ أَحَدًا كَانَ يَجْلِسُ هُنَا لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، مِرَارًا وَتَكْرَارًا، عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ.
ضَغَطَ سَلِيمٌ عَلَى زِرِّ الْمِصْبَاحِ الْبَطَّارِيِّ فَأَضَاءَ الْغُرْفَةَ بِضَوْءٍ أَصْفَرَ خَافِتٍ لَكِنَّهُ كَافٍ، وَأَطْفَأَ ضَوْءَ هَاتِفِهِ لِتَوْفِيرِ بَطَّارِيَّتِهِ. وَقَفَ لَحْظَةً فِي وَسَطِ الْغُرْفَةِ، يَسْتَوْعِبُ مَا يَرَاهُ: هَذِهِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ “أَوْرَاقٍ مُهِمَّةٍ” كَمَا وَصَفَهَا أَبُوهُ يَوْمًا بِشَكْلٍ عَابِرٍ. هَذَا كَانَ أَرْشِيفًا كَامِلًا، بُنِيَ بِعِنَايَةٍ وَدِقَّةٍ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، مُخْفًى عَنْ أَعْيُنِ الْجَمِيعِ، حَتَّى عَنِ ابْنِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ.
عَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ لِلْبَابِ، وَجَدَ سَلِيمٌ مَا أَوْقَفَهُ فِي مَكَانِهِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ: لَوْحَةٌ خَشَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، مُغَطَّاةٌ بِصُوَرٍ وَأَوْرَاقٍ وَوَثَائِقَ صَغِيرَةٍ، بَعْضُهَا مُثَبَّتٌ بِدَبَابِيسَ مُلَوَّنَةٍ، وَخُطُوطٌ مِنْ خَيْطٍ أَحْمَرَ رَفِيعٍ تَرْبِطُ بَيْنَ نِقَاطٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى اللَّوْحَةِ، تَمَامًا كَمَا رَأَى فِي أَفْلَامِ التَّحْقِيقَاتِ الْبُولِيسِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُشَاهِدُهَا أَحْيَانًا فِي هَامْبُورْغَ دُونَ أَنْ يَتَخَيَّلَ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَقِفُ أَمَامَ لَوْحَةٍ مُشَابِهَةٍ صَنَعَهَا أَبُوهُ بِنَفْسِهِ فِي قَبْوِ بَيْتِ الْعَائِلَةِ.
فِي مَرْكَزِ اللَّوْحَةِ، صُورَةٌ قَدِيمَةٌ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْأَعْلَى، رُبَّمَا مِنْ أَحَدِ التِّلَالِ الْمُحِيطَةِ بِالْمَدِينَةِ، مُؤَرَّخَةٌ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا. حَوْلَهَا، صُوَرٌ أَصْغَرُ لِوُجُوهِ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَعْرِفْ سَلِيمٌ أَيًّا مِنْهُمْ، بَعْضُهَا مَكْتُوبٌ تَحْتَهُ أَسْمَاءٌ بِخَطِّ أَبِيهِ: “فَارِسُ دَرْوِيشٍ”، “الْقَاضِي حَبِيبٌ النَّجَّارُ”، وَفِي الْأَسْفَلِ، مُنْفَصِلًا قَلِيلًا عَنْ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، اسْمٌ وَاحِدٌ مُحَاطٌ بِدَائِرَةٍ حَمْرَاءَ: “تَوْفِيقُ مُرَادٍ؟” ـ عَلَامَةُ اسْتِفْهَامٍ أَضَافَهَا أَبُوهُ بِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا مِنْ شَيْءٍ يَخُصُّ هَذَا الِاسْمَ بِالذَّاتِ، رَغْمَ أَنَّهُ يَحْمِلُ اسْمَ الْعَائِلَةِ نَفْسَهُ: مُرَادٍ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ أَمَامَ هَذَا الِاسْمِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ: هَلْ كَانَ “تَوْفِيقُ مُرَادٍ” قَرِيبًا مَنْسِيًّا، أَمْ مُجَرَّدَ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ عَابِرٍ؟ وَلِمَ وَضَعَ أَبُوهُ عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ أَمَامَ اسْمٍ يَحْمِلُ لَقَبَ الْعَائِلَةِ نَفْسَهُ؟ حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ شَجَرَةَ الْعَائِلَةِ كَمَا يَعْرِفُهَا: جَدُّهُ، وَإِخْوَةُ جَدِّهِ الْقَلَائِلُ الَّذِينَ هَاجَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بِلَادٍ بَعِيدَةٍ مُنْذُ عُقُودٍ وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَذْكُرُ أَسْمَاءَهُمْ بِوُضُوحٍ فِي الْأَحَادِيثِ الْعَائِلِيَّةِ الْمُتَنَاقَلَةِ. هَلْ كَانَ تَوْفِيقٌ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ طَوَاهُمُ النِّسْيَانُ الْعَائِلِيُّ عَمْدًا، لِسَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ الْغَامِضَةِ الَّتِي اخْتَفَتْ فِيهَا عَائِلَةُ سَمَاحَةَ بِأَكْمَلِهَا؟
خُطُوطُ الْخَيْطِ الْأَحْمَرِ كَانَتْ تَرْبِطُ بَيْنَ “فَارِسٍ دَرْوِيشٍ” وَعَقْدِ الْمِلْكِيَّةِ، وَبَيْنَ “الْقَاضِي النَّجَّارِ” وَخَتْمٍ رَسْمِيٍّ مُصَوَّرٍ، وَبَيْنَ اسْمِ “تَوْفِيقَ مُرَادٍ؟” وَصُورَةٍ صَغِيرَةٍ بَاهِتَةٍ لِبَيْتٍ حَجَرِيٍّ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ سَلِيمٌ فِي الْبِدَايَةِ، حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الْآنَ بِالضَّبْطِ، بَيْتُ الْعَائِلَةِ نَفْسُهُ، لَكِنْ بِوَاجِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا عَمَّا يَتَذَكَّرُهُ، وَكَأَنَّ الصُّورَةَ أَقْدَمُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ.
أَسْفَلَ اللَّوْحَةِ مُبَاشَرَةً، وَجَدَ سَلِيمٌ دُرْجًا صَغِيرًا مُدْمَجًا فِي الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ، لَمْ يَلْحَظْهُ فِي الْبِدَايَةِ بِسَبَبِ انْشِغَالِهِ بِاللَّوْحَةِ. فَتَحَهُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ جِهَازَ تَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ قَدِيمًا مِنْ طِرَازٍ يَعُودُ إِلَى ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي تَقْرِيبًا، وَشَرِيطَ كَاسِيتٍ وَاحِدًا مَوْضُوعًا بِجَانِبِهِ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطِّ أَبِيهِ الْمُرْتَجِفِ: “تَوْفِيقٌ ـ تَسْجِيلٌ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ، سِرِّيٌّ جِدًّا.” حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يُشَغِّلَ الْجِهَازَ فَوْرًا، لَكِنَّ بَطَّارِيَّتَهُ كَانَتْ فَارِغَةً تَمَامًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَوَضَعَ الشَّرِيطَ بِحَذَرٍ فِي جَيْبِ حَقِيبَتِهِ، مُقَرِّرًا أَنْ يَجِدَ وَسِيلَةً لِتَشْغِيلِهِ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، رُبَّمَا فِي مَحَلٍّ قَدِيمٍ مُتَخَصِّصٍ بِالْأَجْهِزَةِ الْعَتِيقَةِ، إِنْ وُجِدَ مِثْلُ هَذَا الْمَكَانِ فِي الْمَدِينَةِ أَصْلًا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
اقْتَرَبَ مِنَ الرَّفِّ الْأَقْرَبِ، وَقَرَأَ الْعَنَاوِينَ الْمَكْتُوبَةَ بِخَطِّ يَدِ أَبِيهِ عَلَى وَاجِهَاتِ الصَّنَادِيقِ: “عُقُودُ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةُ ١٩٧٤ ـ ١٩٧٦”، “شَهَادَاتُ شُهُودٍ ـ سِرِّيٌّ”، “مُرَاسَلَاتُ الْبَلَدِيَّةِ”، “مَلَفُّ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ”. لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الْأَخِيرِ، تَوَقَّفَ عِنْدَ صُنْدُوقٍ آخَرَ أَصْغَرَ، مَوْضُوعٍ عَلَى الرَّفِّ السُّفْلِيِّ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطٍّ أَكْثَرَ تَعَبًا، وَكَأَنَّهُ كُتِبَ فِي مَرْحَلَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ حَيَاةِ الْأَبِ: “عَائِلَةُ سَمَاحَةَ ـ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ”. رَفَعَ الْغِطَاءَ بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ مَلَفًّا رَقِيقًا نِسْبِيًّا مُقَارَنَةً بِالصَّنَادِيقِ الْأُخْرَى، يَحْتَوِي عَلَى قُصَاصَاتِ جَرَائِدَ قَدِيمَةٍ، وَصَفْحَةً وَاحِدَةً مَكْتُوبَةً بِخَطِّ يَدِ أَبِيهِ تَبْدَأُ بِجُمْلَةٍ: “لَمْ أَسْتَطِعْ إِثْبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْدُ. مَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنِ الشَّاهِدِ الْأَخِيرِ.” تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ مَاذَا كَانَ أَبُوهُ يَقْصِدُ بِـ”الشَّاهِدِ الْأَخِيرِ”، وَمَنْ تَكُونُ هَذِهِ الْعَائِلَةُ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ “سَمَاحَةَ” وَالَّتِي لَمْ يَسْمَعْ بِهَا مِنْ قَبْلُ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا رَغْمَ أَنَّهُ نَشَأَ فِي هَذَا الْحَيِّ بِالذَّاتِ.
أَعَادَ الْمَلَفَّ الرَّقِيقَ إِلَى مَكَانِهِ بِحَذَرٍ، وَامْتَدَّتْ يَدُهُ أَخِيرًا نَحْوَ صُنْدُوقِ “مَلَفِّ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ” الَّذِي كَانَ قَدْ لَفَتَ انْتِبَاهَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، حِينَ رَنَّ هَاتِفُهُ الْمَحْمُولُ فَجْأَةً فِي جَيْبِهِ، مُصْدِرًا صَوْتًا حَادًّا كَسَرَ صَمْتَ الْغُرْفَةِ كَأَنَّهُ انْفِجَارٌ.
قَفَزَ سَلِيمٌ مِنْ مَكَانِهِ، وَأَخْرَجَ الْهَاتِفَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ. رَقْمٌ مَجْهُولٌ، بِلَا اسْمٍ، بِلَا مُعَرِّفِ بَلَدٍ وَاضِحٍ. تَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، هَمْسًا حَذِرًا: “أَلُو؟”
جَاءَهُ صَوْتُ رَجُلٍ، مُشَوَّهٍ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ صَاحِبَهُ يَتَحَدَّثُ عَبْرَ قِطْعَةِ قُمَاشٍ مَوْضُوعَةٍ عَلَى سَمَّاعَةِ الْهَاتِفِ، أَوْ عَبْرَ جِهَازِ تَشْوِيهِ صَوْتٍ بَسِيطٍ: “سَلِيمُ مُرَادٍ. أَنْصَحُكَ بِأَنْ تُغَادِرَ مَدِينَةَ الْيَاسَمِينِ فِي أَقْرَبِ رِحْلَةٍ مُمْكِنَةٍ، غَدًا صَبَاحًا عَلَى أَبْعَدِ تَقْدِيرٍ. مَا تَبْحَثُ عَنْهُ الْآنَ لَنْ يُعِيدَ لَكَ أَبَاكَ، وَلَنْ يَجْلِبَ لَكَ سِوَى الْأَذَى نَفْسِهِ الَّذِي وَجَدَهُ هُوَ.”
“مَنْ أَنْتَ؟” هَمَسَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَ صَوْتَهُ مُنْخَفِضًا قَدْرَ الْإِمْكَانِ، رَغْمَ أَنَّ الْغُرْفَةَ كَانَتْ مَعْزُولَةً تَمَامًا عَنْ بَقِيَّةِ الْبَيْتِ. “مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ أَبِي؟”
“لَا يُهِمُّ مَنْ أَنَا. الْمُهِمُّ أَنِّي أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُ أَنْتَ الْآنَ، وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّكَ لَسْتَ الشَّخْصَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَجْلِسُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ بِالذَّاتِ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِكَ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ فَجْأَةً. “مَاذَا تَقْصِدُ؟”
“أَقْصِدُ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتِ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي يُفْتَحُ فِيهَا ذَلِكَ الْبَابُ مُنْذُ الْجِنَازَةِ. فَكِّرْ جَيِّدًا فِيمَنْ كَانَ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ أَصْلًا غَيْرَكَ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي عَمُودِهِ الْفَقَرِيِّ. تَذَكَّرَ فَجْأَةً الدُّرْجَ الْأَسْفَلَ غَيْرَ الْمُقْفَلِ فِي مَكْتَبِ أَبِيهِ، وَطَبَقَةَ الْغُبَارِ غَيْرَ الْمُتَسَاوِيَةِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَكَأَنَّ يَدًا أُخْرَى سَبَقَتْهُ إِلَى هُنَا بِالْفِعْلِ، ثُمَّ أَعَادَتِ الْأُمُورَ إِلَى مَا يُشْبِهُ مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ، لَكِنْ دُونَ دِقَّةٍ كَافِيَةٍ لِتُخْفِيَ الْأَثَرَ تَمَامًا.
“أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ، وَأَعْرِفُ أَنَّكَ تَجْلِسُ الْآنَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مُغْلَقًا إِلَى الْأَبَدِ. أَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَمْلِكُهُ أَقْصَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَظُنُّ.” تَوَقَّفَ الصَّوْتُ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ بُرُودَةً: “هَذِهِ الْمُكَالَمَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةُ. لَنْ أَتَّصِلَ بِكَ مَرَّةً أُخْرَى. الْقَرَارُ الْآنَ بَيْنَ يَدَيْكَ.”
“انْتَظِرْ!” رَفَعَ سَلِيمٌ صَوْتَهُ قَلِيلًا رَغْمَ نَفْسِهِ، ثُمَّ خَفَضَهُ فَوْرًا مُتَذَكِّرًا مَكَانَهُ. “إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ، لِمَ لَا تُخْبِرْنِي بِهَا الْآنَ؟ لِمَ التَّهْدِيدُ بَدَلَ الْمُسَاعَدَةِ؟”
جَاءَ صَوْتٌ شِبْهُ ضَاحِكٍ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، ضَحْكَةٌ جَافَّةٌ لَا فَرَحَ فِيهَا. “لِأَنَّ الْمُسَاعَدَةَ يَا سَيِّدَ مُرَادٍ قَدْ تُكَلِّفُنِي مَا كَلَّفَ أَبَاكَ بِالضَّبْطِ. أَنَا لَسْتُ عَدُوَّكَ. لَكِنَّنِي لَسْتُ حَلِيفَكَ أَيْضًا. أَنَا فَقَطْ رَجُلٌ يَعْرِفُ حَجْمَ مَا تَقِفُ عَلَى أَعْتَابِهِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَمْنَحَكَ فُرْصَةً أَخِيرَةً لِلِانْسِحَابِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.”
انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْأَلَ شَيْئًا آخَرَ. حَدَّقَ فِي هَاتِفِهِ الْمُظْلِمِ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ فِي صَدْرِهِ، وَأَصَابِعُهُ بَارِدَةٌ رَغْمَ حَرَارَةِ اللَّيْلِ الصَّيْفِيِّ الْمَحْبُوسَةِ فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ الضَّيِّقَةِ بِلَا تَهْوِيَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
حَاوَلَ أَنْ يُرَتِّبَ أَفْكَارَهُ بِهُدُوءٍ رَغْمَ الرَّعْشَةِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُتَّصِلُ؟ لَيْسَ كَمَالَ دَرْوِيشٍ بِالتَّأْكِيدِ، فَصَوْتُ كَمَالٍ كَانَ مَأْلُوفًا لَهُ مِنَ الْعَزَاءِ الْيَوْمَ، دَافِئًا وَعَمِيقًا، بَيْنَمَا صَوْتُ الْمُتَّصِلِ كَانَ مُشَوَّهًا عَمْدًا بِجِهَازٍ تِقْنِيٍّ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهُ أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَ هُوِيَّتَهُ حَتَّى عَنْ أُذُنٍ مُدَرَّبَةٍ. رُبَّمَا كَانَ أَحَدَ شُرَكَاءِ كَمَالٍ فِي الْمَشْرُوعِ؟ أَوْ رُبَّمَا، فَكَّرَ سَلِيمٌ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، كَانَ شَخْصًا يَعْمَلُ ضِدَّ كَمَالٍ أَيْضًا، شَخْصًا لَهُ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ فِي إِبْقَاءِ هَذَا الْمَلَفِّ مُغْلَقًا إِلَى الْأَبَدِ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْجَمِيعِ، حَتَّى عَنْ أَعْيُنِ خُصُومِ كَمَالٍ الْمُحْتَمَلِينَ.
تَذَكَّرَ جُمْلَةَ الْمُتَّصِلِ: “لَسْتَ أَنْتَ أَوَّلَ مَنْ يَجْلِسُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِكَ.” مَنْ كَانَ قَدْ سَبَقَهُ إِذَنْ؟ فَكَّرَ فِي لَيَانَ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ الْفِكْرَةَ بِسُرْعَةٍ، فَهُوَ يَعْرِفُ يَقِينًا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بِوُجُودِ هَذِهِ الْغُرْفَةِ أَصْلًا، بِدَلِيلِ دَهْشَتِهَا الصَّادِقَةِ حِينَ سَأَلَهَا عَنْ يَاسَمِينَ نُورٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ، وَحَدِيثِهَا الصَّرِيحِ عَنْ جَهْلِهَا بِتَفَاصِيلِ أَبِيهَا الْأَخِيرَةِ. بَقِيَ احْتِمَالَانِ فِي ذِهْنِهِ: إِمَّا كَمَالٌ دَرْوِيشٌ نَفْسُهُ، الَّذِي سَأَلَهُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ الْيَوْمَ عَنْ “أَوْرَاقٍ” تَرَكَهَا أَبُوهُ، أَوْ شَخْصٌ آخَرُ تَمَامًا، لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ، لَكِنَّهُ يُرَاقِبُ مِنَ الْخَفَاءِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِلَيَانَ، إِيقَاظِهَا، إِخْبَارِهَا بِمَا حَدَثَ. لَكِنَّهُ تَذَكَّرَ رِسَالَةَ أَبِيهِ: “لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، أَيًّا كَانَ.” حَتَّى لَيَانُ؟ حَاوَلَ أَنْ يُبْعِدَ هَذَا الشَّكَّ عَنْ نَفْسِهِ بِسُرْعَةٍ، فَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَيَّلَ أُخْتَهُ جُزْءًا مِنْ أَيَّةِ مُؤَامَرَةٍ ضِدَّهُ. وَمَعَ ذَلِكَ، شَيْءٌ فِي حَذَرِ أَبِيهِ الْمُطْلَقِ جَعَلَهُ يَتَرَدَّدُ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ أَنْ يُوَاصِلَ وَحِيدًا، عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى يَفْهَمَ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُ الْآنَ.
عَادَ إِلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي كَانَ يَهُمُّ بِفَتْحِهِ قَبْلَ الْمُكَالَمَةِ: “مَلَفُّ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ”. أَزَاحَ الْغِطَاءَ الْكَرْتُونِيَّ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ أَوْرَاقًا مُصْفَرَّةً، وَصُوَرًا بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَمَلَفًّا بِلَاسْتِيكِيًّا شَفَّافًا يَحْوِي مَا بَدَا أَنَّهُ نُسْخَةٌ عَنْ عَقْدٍ قَدِيمٍ.
أَخْرَجَ أَوَّلَ صُورَةٍ: مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ، سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، يَقِفُونَ أَمَامَ مَبْنًى حَجَرِيٍّ يُشْبِهُ مَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَ، بِمَلَابِسَ تَعُودُ بِوُضُوحٍ إِلَى خَمْسِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي تَقْرِيبًا. تَعَرَّفَ سَلِيمٌ عَلَى أَحَدِهِمْ فَوْرًا، رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ فِي الصُّورَةِ: كَانَ جَدُّهُ، وَالِدُ أَبِيهِ، يَقِفُ فِي الْوَسَطِ بِابْتِسَامَةٍ فَخُورَةٍ. وَبِجَانِبِهِ مُبَاشَرَةً، رَجُلٌ آخَرُ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ سَلِيمٌ فِي الْبِدَايَةِ، حَتَّى قَرَأَ الِاسْمَ الْمَكْتُوبَ بِخَطٍّ دَقِيقٍ أَسْفَلَ الصُّورَةِ: “فَارِسُ دَرْوِيشٍ ـ أَمِينُ سِجِلِّ الْأَرَاضِي، ١٩٧٤.”
فَارِسُ دَرْوِيشٍ. لَا بُدَّ أَنَّهُ وَالِدُ كَمَالٍ. أَخْرَجَ سَلِيمٌ عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ مِنَ الْمَلَفِّ الْبِلَاسْتِيكِيِّ، وَبَدَأَ يَقْرَؤُهُ بِعِنَايَةٍ تَحْتَ الضَّوْءِ الْأَصْفَرِ الْخَافِتِ لِلْمِصْبَاحِ الْبَطَّارِيِّ، وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِرَاءَةِ، كُلَّمَا شَعَرَ بِأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَهُ تَهْتَزُّ قَلِيلًا: كَانَ الْعَقْدُ يُوَثِّقُ نَقْلَ مِلْكِيَّةِ قِطْعَةِ أَرْضٍ وَاسِعَةٍ، هِيَ بِالتَّحْدِيدِ الْأَرْضُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْآنَ مَشْرُوعُ “أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ”، مِنْ عَائِلَةٍ تَحْمِلُ اسْمًا لَمْ يَسْمَعْهُ سَلِيمٌ مِنْ قَبْلُ ـ “عَائِلَةُ سَمَاحَةَ” ـ إِلَى عَائِلَةِ دَرْوِيشٍ، بِتَارِيخٍ يَعُودُ إِلَى خَمْسِينَ عَامًا بِالضَّبْطِ، بِتَوْقِيعِ أَمِينِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، الَّذِي وَثَّقَ نَقْلَ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ عَائِلَتِهِ هُوَ إِلَى نَفْسِهِ، فِي تَضَارُبِ مَصَالِحَ فَاضِحٍ لَمْ يَكُنْ لِيَمُرَّ دُونَ اعْتِرَاضٍ، لَوْلَا أَنَّ آخِرَ السُّطُورِ فِي الْعَقْدِ كَانَتْ تَحْمِلُ مُلَاحَظَةً يَدَوِيَّةً مُضَافَةً لَاحِقًا بِخَطٍّ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا، خَطِّ وَالِدِ سَلِيمٍ بِالتَّحْدِيدِ: “هَذَا الْعَقْدُ بَاطِلٌ. عَائِلَةُ سَمَاحَةَ لَمْ تُوَقِّعْ عَلَيْهِ أَبَدًا. التَّوْقِيعُ مُزَوَّرٌ. سَأُثْبِتُ هَذَا يَوْمًا.”
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْوَحِيدِ فِي الْغُرْفَةِ، وَالْعَقْدُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُرْتَجِفَتَيْنِ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ حَجْمِ مَا اكْتَشَفَهُ لِلتَّوِّ: أَرْضُ حَيِّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، الْأَرْضُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْآنَ مَشْرُوعُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الضَّخْمُ، رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ مِلْكًا شَرْعِيًّا لِعَائِلَةِ دَرْوِيشٍ مِنَ الْأَسَاسِ، بَلِ اسْتُولِيَ عَلَيْهَا مِنْ عَائِلَةٍ أُخْرَى بِتَزْوِيرٍ مُوَثَّقٍ، مِنْ رَجُلٍ كَانَ يَشْغَلُ بِالضَّبْطِ الْمَنْصِبَ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنْ تَنْفِيذِ هَذَا التَّزْوِيرِ وَتَغْطِيَتِهِ رَسْمِيًّا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَأَبُوهُ كَانَ يَعْرِفُ. مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، رُبَّمَا مُنْذُ أَنْ كَانَ سَلِيمٌ طِفْلًا يَلْعَبُ فِي هَذَا الْقَبْوِ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَا يُخْفِيهِ أَبُوهُ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ مِنْهُ.
قَلَّبَ سَلِيمٌ بَقِيَّةَ أَوْرَاقِ الْمَلَفِّ بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنْ أَثَرِ الْمُكَالَمَةِ. وَجَدَ صُورَةً أُخْرَى، أَحْدَثَ زَمَنِيًّا مِنَ الصُّورَةِ الْأُولَى، يَبْدُو فِيهَا فَارِسُ دَرْوِيشٍ نَفْسُهُ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرُفْقَةِ رَجُلٍ آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهُ فِي الْبِدَايَةِ بِسَبَبِ اهْتِرَاءِ الصُّورَةِ، حَتَّى قَرَأَ الِاسْمَ الْمَكْتُوبَ خَلْفَهَا: “مَعَ الْقَاضِي حَبِيبٍ النَّجَّارِ، إِشْرَافٌ عَلَى نَقْلِ السِّجِلَّاتِ، ١٩٧٥.” تَحْتَ الِاسْمِ، بِخَطِّ أَبِيهِ مَرَّةً أُخْرَى: “النَّجَّارُ هُوَ مَنْ خَتَمَ الْعَقْدَ الْمُزَوَّرَ رَسْمِيًّا. لَا بُدَّ أَنَّ أَحْفَادَهُ أَوْ وَرَثَتَهُ يَعْرِفُونَ شَيْئًا.”
اسْتَمَرَّ سَلِيمٌ فِي الْبَحْثِ بَيْنَ مُحْتَوَيَاتِ الصُّنْدُوقِ، فَوَجَدَ الْمَزِيدَ: رَسَائِلُ مُتَبَادَلَةٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ هُوِيَّتِهِمَا الْكَامِلَةِ بَعْدُ، تُشِيرُ إِلَى “الشَّاهِدَةِ الْأَخِيرَةِ” وَ”مَا تَبَقَّى مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ”، وَقُصَاصَةُ جَرِيدَةٍ قَدِيمَةٍ مُمَزَّقَةُ الْأَطْرَافِ تَتَحَدَّثُ بِإِيجَازٍ شَدِيدٍ عَنْ “حَادِثَةٍ أَلِيمَةٍ” أَلَمَّتْ بِإِحْدَى عَائِلَاتِ الْحَيِّ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا، دُونَ تَفَاصِيلَ كَافِيَةٍ، وَكَأَنَّ الْخَبَرَ كُتِبَ عَمْدًا بِشَكْلٍ غَامِضٍ يَتَجَنَّبُ أَيَّةَ تَفَاصِيلَ قَدْ تُثِيرُ أَسْئِلَةً.
فِي زَاوِيَةِ الْمَلَفِّ، وَجَدَ سَلِيمٌ أَيْضًا قَائِمَةً مَكْتُوبَةً بِخَطِّ أَبِيهِ، تَبْدُو كَأَنَّهَا قَائِمَةُ مَهَامَّ لَمْ تَكْتَمِلْ: “١. تَحْدِيدُ مَكَانِ أَحْفَادِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ إِنْ وُجِدُوا. ٢. الْحُصُولُ عَلَى نُسْخَةٍ رَسْمِيَّةٍ مُوَثَّقَةٍ مِنْ سِجِلِّ الْأَرَاضِي قَبْلَ ١٩٧٤. ٣. التَّحَدُّثُ إِلَى تَوْفِيقٍ، هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.” تَوَقَّفَ سَلِيمٌ طَوِيلًا عِنْدَ الِاسْمِ الْأَخِيرِ: “تَوْفِيقٌ”. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَنْ يَقْصِدُ أَبُوهُ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّ الِاسْمَ بَدَا مَأْلُوفًا بِطَرِيقَةٍ غَامِضَةٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ فِي مَكَانٍ مَا خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ لَهُ.
بَحَثَ سَلِيمٌ فِي الصُّنْدُوقِ عَنْ مَزِيدٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ حَوْلَ هَذَا الِاسْمِ، فَوَجَدَ فِي قَاعِهِ صَفْحَةً وَاحِدَةً يَبْدُو أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ شَهَادَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِخَطِّ يَدٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ خَطِّ أَبِيهِ، أَكْثَرَ ارْتِعَاشًا، وَكَأَنَّهَا كُتِبَتْ بِيَدِ رَجُلٍ مُسِنٍّ. لَمْ تَكُنِ الصَّفْحَةُ مُوَقَّعَةً، لَكِنَّ سَلِيمًا قَرَأَهَا بِتَمَعُّنٍ شَدِيدٍ تَحْتَ الضَّوْءِ الْأَصْفَرِ الْخَافِتِ:
“…فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَوْتٌ وَاحِدٌ فِي الْحَيِّ كُلِّهِ. لَا كِلَابٌ تَنْبَحُ، وَلَا نَوَافِذُ تُفْتَحُ. أَذْكُرُ أَنِّي كُنْتُ وَاقِفًا عِنْدَ بَوَّابَةِ بَيْتِي حِينَ مَرَّتِ الشَّاحِنَاتُ الثَّلَاثُ، بِلَا أَضْوَاءٍ، بِلَا أَصْوَاتِ مُحَرِّكَاتٍ عَالِيَةٍ، وَكَأَنَّ مَنْ قَادَهَا تَدَرَّبَ عَلَى الْمُرُورِ دُونَ أَنْ يُوقِظَ أَحَدًا. لَمْ أَرَ الْوُجُوهَ، لَكِنِّي رَأَيْتُ الْأَطْفَالَ يُحْمَلُونَ نِيَامًا، وَامْرَأَةً تَبْكِي بِصَمْتٍ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِلَ صُرَّةَ قُمَاشٍ صَغِيرَةً رَفَضَ رِجَالُ الشَّاحِنَةِ أَنْ يَسْمَحُوا لَهَا بِأَخْذِهَا مَعَهَا. فِي الصَّبَاحِ، حِينَ سَأَلْتُ الْجِيرَانَ عَنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، أَجَابَنِي كُلُّ مَنْ سَأَلْتُهُ بِالْجُمْلَةِ نَفْسِهَا بِالضَّبْطِ، وَكَأَنَّهُمْ تَدَرَّبُوا عَلَيْهَا: لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عَائِلَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ فِي حَيِّنَا قَطُّ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَيَدُهُ تَرْتَجِفُ بِوُضُوحٍ الْآنَ، لَيْسَ مِنْ بَرْدِ الْغُرْفَةِ، بَلْ مِنْ ثِقْلِ مَا يَقْرَؤُهُ. عَائِلَةٌ كَامِلَةٌ اخْتَفَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحُذِفَتْ مِنْ ذَاكِرَةِ حَيٍّ بِأَكْمَلِهِ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ قَطُّ. وَمَنْ كَتَبَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ؟ مَنْ كَانَ “تَوْفِيقٌ” الَّذِي يَقْصِدُهُ أَبُوهُ فِي قَائِمَتِهِ، وَالَّذِي وَصَفَهُ بِأَنَّهُ “الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ”؟ هَلْ هُوَ نَفْسُهُ صَاحِبُ هَذَا الْخَطِّ الْمُرْتَجِفِ؟
قَرَأَ سَلِيمٌ بَقِيَّةَ الصَّفْحَةِ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، فَوَجَدَ سُطُورًا أَخِيرَةً مُضَافَةً، بَدَتْ وَكَأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، بِخَطٍّ أَكْثَرَ ثَبَاتًا قَلِيلًا، وَكَأَنَّ كَاتِبَهَا عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ لِيُضِيفَ مُلَاحَظَةً أَخِيرَةً: “لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَنْسَى صَوْتَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ تَبْكِي. ظَلَلْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي كُلَّ لَيْلَةٍ لِخَمْسِينَ عَامًا: مَاذَا لَوْ تَكَلَّمْتُ يَوْمَهَا؟ هَلْ كَانَ سَيَتَغَيَّرُ شَيْءٌ؟ الْآنَ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ عَجُوزًا، أَعْرِفُ أَنَّ الصَّمْتَ كَانَ جُبْنًا، لَا حِكْمَةً كَمَا أَقْنَعْتُ نَفْسِي طَوِيلًا. أَرْجُو أَنْ يَقْرَأَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ يَوْمًا، وَيَفْعَلَ مَا لَمْ أَجْرُؤْ أَنَا عَلَى فِعْلِهِ.”
جَلَسَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ أَنَّ رَجُلًا مَا، رُبَّمَا لَا يَزَالُ حَيًّا حَتَّى الْآنَ، عَاشَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً يَحْمِلُ هَذَا الذَّنْبَ الصَّامِتَ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَمْضِي فِي حَيَاتِهَا وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ. فَكَّرَ فِي أُمِّهِ وَلَيَانَ النَّائِمَتَيْنِ فَوْقَهُ، غَافِلَتَيْنِ تَمَامًا عَنْ حَجْمِ مَا بَدَأَ يَتَكَشَّفُ لَهُ الْآنَ، وَشَعَرَ بِمَسْؤُولِيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ وَثَقِيلَةٍ تُجَاهَهُمَا: كَيْفَ يَحْمِيهِمَا مِنْ خَطَرٍ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ شَكْلَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَلَا حَجْمَهُ، وَلَا مَنْ يَقِفُ وَرَاءَهُ؟ هَلْ كَانَ أَبُوهُ يَشْعُرُ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ نَفْسِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، وَحِيدًا، دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا؟
وَفِي قَاعِ الصُّنْدُوقِ، وَجَدَ سَلِيمٌ مُغَلَّفًا أَصْغَرَ، مَخْتُومًا بِشَمْعٍ أَحْمَرَ لَمْ يُفْتَحْ بَعْدُ، مَكْتُوبًا عَلَيْهِ بِخَطِّ أَبِيهِ: “لِسَلِيمٍ، حِينَ يَكُونُ جَاهِزًا، وَلَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ.”
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الْمُغَلَّفِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، شَاعِرًا أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ تَحْدِيدًا كَانَتِ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ أَبُوهُ يَنْتَظِرُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَأْتِي يَوْمًا، وَلَوْ بَعْدَ رَحِيلِهِ هُوَ نَفْسُهُ. وَضَعَ إِصْبَعَهُ تَحْتَ طَرَفِ الشَّمْعِ الْأَحْمَرِ، مُتَرَدِّدًا لِلَحْظَةٍ أَخِيرَةٍ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّحْظَةُ نُقْطَةَ اللَّاعَوْدَةِ الْحَقِيقِيَّةَ، لَا مُجَرَّدَ اكْتِشَافٍ عَابِرٍ آخَرَ يُمْكِنُ نِسْيَانُهُ لَاحِقًا. فَكَّرَ فِي أُمِّهِ النَّائِمَةِ فَوْقَهُ، فِي لَيَانَ الَّتِي أَخْبَرَتْهُ لِلتَّوِّ أَنَّهَا بَدَأَتْ تَخَافُ، فِي حَيَاتِهِ الْهَادِئَةِ نِسْبِيًّا فِي هَامْبُورْغَ الَّتِي تَرَكَهَا فَجْأَةً قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ. كُلُّ هَذِهِ الْأَفْكَارِ مَرَّتْ فِي ذِهْنِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَانِيَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ التَّرَاجُعَ لَمْ يَعُدْ خِيَارًا مُتَاحًا أَصْلًا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي أَجَابَ فِيهَا عَلَى مُكَالَمَةِ يَاسَمِينَ نُورٍ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِي الْمَطَارِ. شَدَّ قَبْضَتَهُ قَلِيلًا عَلَى حَافَّةِ الْمُغَلَّفِ، وَبَدَأَ يَفُضُّ الشَّمْعَ الْأَحْمَرَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ مِنَ الْخَتْمِ الْقَدِيمِ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُمَزِّقَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ إِنْ تَسَرَّعَ فِي حَرَكَتِهِ.
قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ فَتْحَ الْمُغَلَّفِ، انْقَطَعَ الضَّوْءُ فَجْأَةً.
لَمْ يَكُنِ الْمِصْبَاحُ الْبَطَّارِيُّ وَحْدَهُ الَّذِي انْطَفَأَ؛ بَلْ شَعَرَ سَلِيمٌ أَيْضًا بِصَمْتٍ كَهْرَبَائِيٍّ مُفَاجِئٍ يَجْتَاحُ الْبَيْتَ بِأَكْمَلِهِ مِنْ فَوْقِهِ، كَأَنَّ التَّيَّارَ الرَّئِيسِيَّ قُطِعَ تَمَامًا، لَا مُجَرَّدَ نَفَادِ بَطَّارِيَّةِ الْمِصْبَاحِ. أَظْلَمَتِ الْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ بِالْكَامِلِ، عَتْمَةٌ كَثِيفَةٌ لَا يَخْتَرِقُهَا أَيُّ ضَوْءٍ مِنْ أَيِّ اتِّجَاهٍ.
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ مَكَانَهُ، وَالْمُغَلَّفُ الْأَحْمَرُ لَا يَزَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ فِي صَدْرِهِ. أَخْرَجَ هَاتِفَهُ بِسُرْعَةٍ وَأَضَاءَ شَاشَتَهُ، فَأَضَاءَ لَهُ الْغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ بِضَوْءٍ أَزْرَقَ شَاحِبٍ. تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، مُحَاوِلًا إِقْنَاعَ نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ انْقِطَاعِ كَهْرَبَاءَ عَادِيٍّ، شَائِعٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَتَذَكَّرُ مِنْ طُفُولَتِهِ، حِينَ كَانَتِ الْكَهْرَبَاءُ تَنْقَطِعُ لِسَاعَاتٍ كُلَّ صَيْفٍ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ.
دَسَّ الْمُغَلَّفَ الْأَحْمَرَ بِسُرْعَةٍ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ، بِجَانِبِ رِسَالَةِ أَبِيهِ الْأُولَى، وَبَدَأَ يَجْمَعُ أَهَمَّ الْأَوْرَاقِ الَّتِي وَجَدَهَا ـ عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، الْقَائِمَةَ الْيَدَوِيَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ “تَوْفِيقٍ” ـ وَحَشَرَهَا جَمِيعًا فِي حَقِيبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَ قَدْ أَحْضَرَهَا مَعَهُ دُونَ تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ يَسْتَعِدُّ غَرِيزِيًّا لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ سَرِيعَةٍ، وَهُوَ يَجْمَعُ الْأَوْرَاقَ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، فِي الِاتِّصَالِ بِيَاسَمِينَ نُورٍ. كَانَتِ الصَّحَفِيَّةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي أَظْهَرَتْ لَهُ اهْتِمَامًا حَقِيقِيًّا مُنْذُ وُصُولِهِ، وَلَمْ تُخْفِ عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَبَاهُ بِشَكْلٍ مَا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي شَيْئًا خَطِيرًا. لَكِنَّهُ تَذَكَّرَ فَوْرًا كَلِمَاتِ أَبِيهِ: “لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، أَيًّا كَانَ.” هَلْ تَشْمَلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ صَحَفِيَّةً غَرِيبَةً قَابَلَهَا لِلتَّوِّ فِي مَطَارٍ؟ رُبَّمَا، فَكَّرَ سَلِيمٌ بِمَرَارَةٍ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثِقَ بِأَحَدٍ فِعْلًا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، حَتَّى لَوْ بَدَا صَادِقًا تَمَامًا فِي نَظَرَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ. قَرَّرَ أَنْ يُؤَجِّلَ هَذَا الْقَرَارَ إِلَى الصَّبَاحِ، حِينَ يَكُونُ عَقْلُهُ أَكْثَرَ صَفَاءً مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ وَسْطَ هَذِهِ الْعَتْمَةِ الْخَانِقَةِ، وَحِينَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزِنَ الْأُمُورَ بِعَقْلٍ بَارِدٍ بَعِيدًا عَنْ رَعْشَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَسْتَنْزِفُ كُلَّ طَاقَتِهِ الذِّهْنِيَّةَ وَالْجَسَدِيَّةَ مَعًا.
وَهُوَ يَهُمُّ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ عَائِدًا نَحْوَ الْقَبْوِ، سَمِعَهُ بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ: صَوْتَ خُطُوَاتٍ، ثَقِيلَةٍ وَبَطِيئَةٍ، تَتَحَرَّكُ فَوْقَ رَأْسِهِ مُبَاشَرَةً، فِي الطَّابِقِ الْأَرْضِيِّ مِنَ الْبَيْتِ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الصَّغِيرِ، أَنْفَاسُهُ مَحْبُوسَةٌ فِي صَدْرِهِ، يُصْغِي بِكُلِّ جَوَارِحِهِ. كَانَتِ الْخُطُوَاتُ وَاضِحَةً تَمَامًا، تَتَحَرَّكُ مِنْ جِهَةِ الصَّالَةِ نَحْوَ الْمَطْبَخِ، بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَخْشَى أَنْ يُسْمَعَ، أَوْ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ أَنَّ أَحَدًا يَسْتَطِيعُ سَمَاعَهُ مِنْ هَذَا الْعُمْقِ تَحْتَ الْأَرْضِ. شَعَرَ سَلِيمٌ بِعَرَقٍ بَارِدٍ يَتَصَبَّبُ عَلَى جَبِينِهِ رَغْمَ بُرُودَةِ الْقَبْوِ، وَأَدْرَكَ فَجْأَةً أَنَّهُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي هَبَطَ فِيهَا إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ ابْنٍ يَبْحَثُ عَنْ ذِكْرَيَاتِ أَبِيهِ، بَلْ أَصْبَحَ، دُونَ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، طَرَفًا فِي لُعْبَةٍ خَطِيرَةٍ بَدَأَتْ قَوَاعِدُهَا قَبْلَ أَنْ يُولَدَ هُوَ أَصْلًا.
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ: لَيَانُ فِي غُرْفَتِهَا، تَأَكَّدَ مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا، حِينَ وَضَعَ أُذُنَهُ عَلَى بَابِهَا وَسَمِعَ أَنْفَاسَهَا الْمُنْتَظِمَةَ. أُمُّهُ نَائِمَةٌ فِي غُرْفَتِهَا هِيَ الْأُخْرَى، رَآهَا بِعَيْنَيْهِ قَبْلَ نُزُولِهِ. لَا أَحَدَ آخَرَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَالْبَابُ الرَّئِيسِيُّ كَانَ مُقْفَلًا بِإِحْكَامٍ تَأَكَّدَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ صُعُودِهِ إِلَى الْمَكْتَبِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَمَنْ، إِذَنْ، يَمْشِي الْآنَ فَوْقَ رَأْسِهِ؟
أَغْلَقَ بَابَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ خَلْفَهُ بِأَقْصَى هُدُوءٍ مُمْكِنٍ، وَأَعَادَ قَفْلَهُ بِالْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ، ثُمَّ دَفَعَ الرَّفَّ الْخَشَبِيَّ الثَّقِيلَ أَمَامَهُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، مُحَاوِلًا أَلَّا يُصْدِرَ أَيَّ صَوْتٍ إِضَافِيٍّ، رَغْمَ أَنَّ الصَّرِيرَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَحْدَثَهُ عِنْدَ فَتْحِهِ لَا بُدَّ أَنَّهُ وَصَلَ بِالْفِعْلِ إِلَى مَسَامِعِ أَيِّ شَخْصٍ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ يُصْغِي بِعِنَايَةٍ.
بَحَثَ سَلِيمٌ بِعَيْنَيْهِ فِي عَتْمَةِ الْقَبْوِ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهُ لِلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، فَوَجَدَ قَضِيبًا مَعْدِنِيًّا قَدِيمًا كَانَ جُزْءًا مِنْ إِطَارِ سَرِيرٍ مَكْسُورٍ، مُلْقًى بَيْنَ الْأَثَاثِ الْقَدِيمِ. الْتَقَطَهُ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَشَعَرَ بِثِقْلِهِ الْغَرِيبِ فِي رَاحَتِهِ، هُوَ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ يَوْمًا فِي حَيَاتِهِ الْهَادِئَةِ فِي أَلْمَانِيَا شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى سِلَاحٍ مِنْ مِفَكِّ بَرَاغٍ فِي وَرْشَةِ عَمَلِهِ. لِلَحْظَةٍ، خَطَرَتْ لَهُ فِكْرَةٌ عَابِرَةٌ سَخِرَ مِنْهَا فَوْرًا فِي سِرِّهِ: لَوْ رَآهُ أَحَدُ زُمَلَائِهِ الْمُهَنْدِسِينَ فِي هَامْبُورْغَ الْآنَ، وَاقِفًا فِي قَبْوٍ مُظْلِمٍ بِقَضِيبٍ مَعْدِنِيٍّ فِي يَدِهِ، لَظَنُّوهُ فَقَدَ عَقْلَهُ تَمَامًا. لَكِنَّ شَيْئًا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ جَعَلَهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، يَفْعَلُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ كُلَّ هَذَا الْخَطَرِ.
اقْتَرَبَ مِنْ أَسْفَلِ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مَحْسُوبَةٍ، مُتَجَنِّبًا الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ الَّتِي يَعْرِفُ صَرِيرَهَا جَيِّدًا، مُصْغِيًا بِاسْتِمْرَارٍ إِلَى الْخُطُوَاتِ فَوْقَهُ الَّتِي تَوَقَّفَتِ الْآنَ عَنِ التَّحَرُّكِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا يَقِفُ ثَابِتًا فِي مَكَانٍ مَا، يَنْتَظِرُ. شَعَرَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ بِغَرَابَةِ الْمَوْقِفِ الَّذِي وَجَدَ نَفْسَهُ فِيهِ فَجْأَةً: رَجُلٌ عَاشَ عِشْرِينَ عَامًا هَادِئَةً فِي مَدِينَةٍ أُورُبِّيَّةٍ آمِنَةٍ، يُصَمِّمُ مَبَانِيَ وَيَحْضُرُ اجْتِمَاعَاتِ عَمَلٍ رُوتِينِيَّةً، يَقِفُ الْآنَ فِي قَبْوِ مَنْزِلِ طُفُولَتِهِ، بِيَدِهِ قَضِيبٌ مَعْدِنِيٌّ صَدِئٌ، مُتَأَهِّبًا لِمُوَاجَهَةِ مَجْهُولٍ قَدْ يَحْمِلُ نِيَّةَ الْقَتْلِ. لَمْ يَكُنْ هَذَا نَوْعَ الْحَيَاةِ الَّذِي تَخَيَّلَهُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا، وَمَعَ ذَلِكَ، وَبِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا تَمَامًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يَشْعُرْ بِالرَّغْبَةِ فِي الْهُرُوبِ، بَلْ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى تَصْمِيمٍ هَادِئٍ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ.
لَمْ يَكُنْ قَدِ اتَّخَذَ قَرَارَهُ بَعْدُ بِشَأْنِ الصُّعُودِ، حِينَ سَمِعَ الْخُطُوَاتِ تَتَحَرَّكُ مُجَدَّدًا، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِاتِّجَاهِ رَأْسِ الدَّرَجِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْقَبْوِ بِالتَّحْدِيدِ، ثُمَّ تَتَوَقَّفُ هُنَاكَ فَجْأَةً، مُبَاشَرَةً فَوْقَ رَأْسِهِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ يَقِفُ سَلِيمٌ الْآنَ، وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ، بِصَبْرٍ تَامٍّ، أَنْ يَصْعَدَ سَلِيمٌ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ.
بَقِيَ سَلِيمٌ وَاقِفًا فِي الْعَتْمَةِ الْكَامِلَةِ، الْقَضِيبُ الْمَعْدِنِيُّ مَشْدُودٌ فِي قَبْضَتِهِ حَتَّى ابْيَضَّتْ أَصَابِعُهُ، وَقَلْبُهُ يَقْرَعُ فِي صَدْرِهِ بِعُنْفٍ يَكَادُ يُسْمَعُ، بَيْنَمَا كَانَ الصَّمْتُ الْمُطْبِقُ فَوْقَهُ يَمْتَدُّ ثَانِيَةً بَعْدَ ثَانِيَةٍ، أَثْقَلَ مِنْ أَيِّ صَوْتٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَهُ، وَكَأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاقِفَ عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ، أَيًّا كَانَ، يَعْرِفُ تَمَامًا أَنَّ سَلِيمًا يَعْرِفُ الْآنَ بِوُجُودِهِ، وَقَرَّرَ، لِسَبَبٍ مَا، أَلَّا يَتَحَرَّكَ خُطْوَةً وَاحِدَةً أُخْرَى، تَارِكًا سَلِيمًا وَحِيدًا فِي الظَّلَامِ يُوَاجِهُ سُؤَالًا وَاحِدًا لَا يَمْلِكُ لَهُ جَوَابًا: هَلْ يَصْعَدُ لِيُوَاجِهَ مَا يَنْتَظِرُهُ، أَمْ يَبْقَى فِي هَذِهِ الْعَتْمَةِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ؟
مَرَّتْ دَقِيقَةٌ كَامِلَةٌ، رُبَّمَا دَقِيقَتَانِ، وَسَلِيمٌ لَا يَزَالُ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ، يَحْسِبُ أَنْفَاسَهُ مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَهَا هَادِئَةً قَدْرَ الْإِمْكَانِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَخَيَّلَ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاقِفًا هُنَاكَ فَوْقَهُ: هَلْ هُوَ الشَّخْصُ نَفْسُهُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ قَبْلَ قَلِيلٍ؟ هَلْ عَادَ أَدْرَاجَهُ لِيَتَأَكَّدَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّ سَلِيمًا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا بَعْدُ، أَمْ أَنَّهُ أَتَى تَحْدِيدًا لِيَأْخُذَ مَا تَبَقَّى فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ سَلِيمٌ إِلَيْهِ؟ فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِي احْتِمَالٍ أَشَدَّ رُعْبًا: مَاذَا لَوْ كَانَ الشَّخْصُ هُوَ مَنْ قَتَلَ أَبَاهُ فِعْلًا، عَائِدًا الْآنَ لِيُكْمِلَ مَا بَدَأَهُ، غَيْرَ مُدْرِكٍ أَنَّ سَلِيمًا مَوْجُودٌ فِي الْأَسْفَلِ يَسْتَمِعُ إِلَى كُلِّ خُطْوَةٍ مِنْ خُطُوَاتِهِ؟ دَفَعَ هَذَا الِاحْتِمَالَ بَعِيدًا عَنْ ذِهْنِهِ بِصُعُوبَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَ تَرْكِيزَهُ عَلَى اللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ فَقَطْ، لَا عَلَى الْمَخَاوِفِ الَّتِي قَدْ تُصِيبُهُ بِالشَّلَلِ التَّامِّ فِي أَسْوَأِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ.
ثُمَّ، فَجْأَةً، سَمِعَ صَوْتًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا: صَوْتَ بَابِ الْمَطْبَخِ الْخَلْفِيِّ وَهُوَ يُفْتَحُ بِبُطْءٍ، ثُمَّ يُغْلَقُ مَرَّةً أُخْرَى بِهُدُوءٍ شَدِيدٍ، وَخُطُوَاتٍ تَبْتَعِدُ نَحْوَ الْفِنَاءِ الْخَارِجِيِّ، تَخْفُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَلَاشَتْ تَمَامًا فِي صَمْتِ اللَّيْلِ.
انْتَظَرَ سَلِيمٌ دَقَائِقَ إِضَافِيَّةً قَبْلَ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى الصُّعُودِ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، مُتَجَنِّبًا الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ بِحَذَرٍ تِلْقَائِيٍّ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى رَأْسِ الدَّرَجِ، وَدَفَعَ الْبَابَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الصَّالَةِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَالْقَضِيبُ الْمَعْدِنِيُّ لَا يَزَالُ مَرْفُوعًا فِي يَدِهِ الْأُخْرَى جَاهِزًا لِأَيِّ طَارِئٍ.
كَانَتِ الصَّالَةُ فَارِغَةً تَمَامًا، هَادِئَةً، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا قَطُّ. تَحَقَّقَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفِنَاءِ، فَوَجَدَهُ ـ عَلَى عَكْسِ مَا تَذَكَّرَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ ـ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، مُوَارَبًا بِمَا يَكْفِي لِشَخْصٍ أَنْ يَتَسَلَّلَ مِنْهُ دُونَ إِحْدَاثِ ضَجَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَقُفْلُهُ الْخَارِجِيُّ مَكْسُورٌ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، بِأَدَاةٍ حَادَّةٍ تَرَكَ أَثَرَهَا الْخَشَبُ الْمُحِيطُ بِالْقُفْلِ.
انْحَنَى سَلِيمٌ بِحَذَرٍ لِيَفْحَصَ الْقُفْلَ الْمَكْسُورَ عَنْ قُرْبٍ، فَلَاحَظَ خُدُوشًا دَقِيقَةً حَوْلَ ثُقْبِ الْمِفْتَاحِ، أَثَرًا لِأَدَاةٍ مَعْدِنِيَّةٍ رَفِيعَةٍ اسْتُخْدِمَتْ بِمَهَارَةٍ وَاضِحَةٍ، وَكَأَنَّ مَنْ كَسَرَهُ كَانَ مُحْتَرِفًا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَعْمَالِ، لَا لِصًّا عَابِرًا يَبْحَثُ عَنْ غَنِيمَةٍ سَرِيعَةٍ. عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ، وَجَدَ أَيْضًا شَيْئًا صَغِيرًا لَامِعًا نِصْفَ مَطْمُورٍ بَيْنَ حِجَارَةِ الْفِنَاءِ: زِرٌّ مَعْدِنِيٌّ صَغِيرٌ، مِنَ النَّوْعِ الْمُسْتَخْدَمِ فِي الْمَعَاطِفِ الشِّتَوِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، غَرِيبُ الْوُجُودِ فِي لَيْلَةٍ صَيْفِيَّةٍ حَارَّةٍ كَهَذِهِ. الْتَقَطَهُ سَلِيمٌ وَوَضَعَهُ بِحَذَرٍ فِي جَيْبِهِ، مُتَسَائِلًا عَمَّنْ قَدْ يَرْتَدِي مِعْطَفًا شِتَوِيًّا فِي مِثْلِ هَذَا الطَّقْسِ، وَلِمَ قَدْ يَسْقُطَ مِنْهُ زِرٌّ كَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ عِنْدَ هَذَا الْبَابِ دُونَ غَيْرِهِ.
عَادَ التَّيَّارُ الْكَهْرَبَائِيُّ فَجْأَةً، بِلَا سَابِقِ إِنْذَارٍ، مُضِيئًا الصَّالَةَ بِأَكْمَلِهَا، وَكَأَنَّ انْقِطَاعَهُ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا عَرَضِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ تَوْقِيتًا مَقْصُودًا مِنْ شَخْصٍ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَتَى يَجِبُ أَنْ يُظْلِمَ الْبَيْتَ، وَمَتَى يَجِبُ أَنْ يُضِيءَ مِنْ جَدِيدٍ. وَقَفَ سَلِيمٌ فِي وَسَطِ الصَّالَةِ الْمُضَاءَةِ فَجْأَةً، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، يَدَاهُ لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ حَوْلَ الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ، وَحَقِيبَتُهُ الْمَلِيئَةُ بِأَسْرَارِ أَبِيهِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى كَتِفِهِ، مُدْرِكًا أَنَّ اللَّيْلَةَ الْأُولَى مِنْ عَوْدَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ لَمْ تَكُنْ سِوَى بِدَايَةٍ لِشَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِمُوَاجَهَتِهِ، وَأَنَّ أَيًّا كَانَ الزَّائِرُ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَى بَيْتِهِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، فَلَنْ يَكُونَ آخِرَ مَرَّةٍ يَزُورُهُ فِيهَا.
فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ الْمُطِلِّ عَلَى شَارِعٍ رَئِيسِيٍّ مَا زَالَ مُضَاءً رَغْمَ تَأَخُّرِ السَّاعَةِ، كَانَتْ يَاسَمِينُ نُورٍ جَالِسَةً أَمَامَ حَاسُوبِهَا، تُرَاجِعُ لِلْمَرَّةِ الْعِشْرِينَ تَسْجِيلًا صَوْتِيًّا قَدِيمًا كَانَتْ قَدْ أَجْرَتْهُ قَبْلَ أَشْهُرٍ مَعَ مَصْدَرٍ رَفَضَ الْكَشْفَ عَنْ هُوِيَّتِهِ، يَتَحَدَّثُ فِيهِ بِصَوْتٍ مُشَوَّشٍ عَمْدًا عَنْ “مَلَفٍّ قَدِيمٍ يَخُصُّ أَرْضَ حَيِّ الْيَاسَمِينِ لَمْ يُغْلَقْ بَعْدُ”. أَوْقَفَتِ التَّسْجِيلَ، وَنَظَرَتْ إِلَى السَّاعَةِ: الْوَاحِدَةُ وَالنِّصْفُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.
عَلَى مَكْتَبِهَا، بِجَانِبِ حَاسُوبِهَا، كَانَتْ هُنَاكَ لَوْحَةٌ مِنَ الْفِلِّينِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْجِدَارِ، أَصْغَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ لَوْحَةِ أَبِي سَلِيمٍ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ الْفِكْرَةَ نَفْسَهَا: صُوَرٌ مَقْصُوصَةٌ مِنَ الْجَرَائِدِ، مَقَالَاتٌ قَدِيمَةٌ كَتَبَتْهَا هِيَ بِنَفْسِهَا عَنْ مَشَارِيعِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْعَقَارِيَّةِ، وَخَرِيطَةٌ صَغِيرَةٌ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ رُسِمَتْ عَلَيْهَا بِقَلَمٍ أَحْمَرَ دَوَائِرُ حَوْلَ بَعْضِ الْبُيُوتِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَفَتْ بِالْفِعْلِ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ ضِمْنَ مَرَاحِلِ الْمَشْرُوعِ الْأُولَى. كَانَتْ تَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْمَلَفِّ مُنْذُ مَا يُقَارِبُ عَامَيْنِ كَامِلَيْنِ، مُنْذُ أَنْ لَاحَظَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ نَمَطًا غَرِيبًا فِي سُرْعَةِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ بَعْضِ الْأَرَاضِي الْقَدِيمَةِ إِلَى شَرِكَةِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ، دُونَ أَنْ تَجِدَ دَلِيلًا قَاطِعًا يُثْبِتُ مَا كَانَتْ تَشُكُّ فِيهِ بِقُوَّةٍ: أَنَّ هَذِهِ الْمِلْكِيَّاتِ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا شَرْعِيَّةً مِنَ الْأَسَاسِ.
رَنَّ هَاتِفُهَا فَجْأَةً بِرِسَالَةٍ نَصِّيَّةٍ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ، الرَّقْمِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ قَدْ رَاسَلَهَا مَرَّاتٍ قَلِيلَةً مُتَفَرِّقَةً خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ دُونَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ هُوِيَّتِهِ أَبَدًا. فَتَحَتِ الرِّسَالَةَ بِيَدٍ سَرِيعَةٍ: “ابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ دَخَلَ الْغُرْفَةَ اللَّيْلَةَ. الْوَقْتُ بَدَأَ يَنْفَدُ لِلْجَمِيعِ، بِمَنْ فِيهِمْ أَنْتِ.”
حَدَّقَتْ يَاسَمِينُ فِي الرِّسَالَةِ طَوِيلًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَفْهَمَ كَيْفَ عَرَفَ صَاحِبُ هَذَا الرَّقْمِ الْمَجْهُولِ بِالتَّفْصِيلِ مَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِ آلِ مُرَادٍ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُخْبِرْ أَحَدًا بِمُحَادَثَتِهَا الْقَصِيرَةِ مَعَ سَلِيمٍ فِي الْمَطَارِ. مَنْ كَانَ يُرَاقِبُ بَيْتَ الْعَائِلَةِ عَنْ كَثَبٍ لِدَرَجَةِ مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةٍ كَهَذِهِ فِي الْوَقْتِ الْحَقِيقِيِّ؟ نَظَرَتْ مِنْ نَافِذَةِ مَكْتَبِهَا نَحْوَ الشَّارِعِ الْمُظْلِمِ فِي الْخَارِجِ، حَيْثُ كَانَتْ سَيَّارَةٌ سَوْدَاءُ مُتَوَقِّفَةً مُنْذُ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا عَلَى الرَّصِيفِ الْمُقَابِلِ، لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحَدٌ، وَكَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ شَيْئًا، أَوْ أَحَدًا، لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ.
أَغْلَقَتْ يَاسَمِينُ السِّتَارَةَ بِبُطْءٍ، وَأَطْفَأَتْ مِصْبَاحَ مَكْتَبِهَا الرَّئِيسِيَّ، تَارِكَةً فَقَطْ ضَوْءَ شَاشَةِ حَاسُوبِهَا يُنِيرُ الْمَكَانَ بِخُفُوتٍ، وَجَلَسَتْ فِي الْعَتْمَةِ النِّسْبِيَّةِ تُرَاقِبُ السَّيَّارَةَ السَّوْدَاءَ مِنْ زَاوِيَةِ النَّافِذَةِ، تَسْأَلُ نَفْسَهَا سُؤَالًا وَاحِدًا لَمْ تَجِدْ لَهُ جَوَابًا مُطَمْئِنًّا: هَلْ كَانَتْ هِيَ، مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِعَوْدَةِ سَلِيمٍ مُرَادٍ، جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَظُنُّ، أَمْ أَنَّهَا كَانَتْ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ، مُرَاقَبَةً هِيَ الْأُخْرَى دُونَ أَنْ تَدْرِيَ؟
فَكَّرَتْ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِأَحَدِ مَعَارِفِهَا فِي الشُّرْطَةِ لِتَسْأَلَهُ عَنْ سَيَّارَةٍ سَوْدَاءَ مُتَوَقِّفَةٍ قُرْبَ مَكْتَبِهَا، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ عَنِ الْفِكْرَةِ بِسُرْعَةٍ، مُتَذَكِّرَةً أَنَّ بَعْضَ مَعَارِفِهَا فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ لَمْ يَعُودُوا جَدِيرِينَ بِالثِّقَةِ الْكَامِلَةِ، خُصُوصًا مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ تَحْقِيقَاتُهَا تَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مِنْ دَوَائِرِ نُفُوذِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْمُتَشَعِّبَةِ دَاخِلَ الْمُؤَسَّسَاتِ الرَّسْمِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ. أَغْلَقَتْ دَفْتَرَهَا الصَّغِيرَ، وَأَعَادَتْهُ إِلَى الدُّرْجِ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى الصَّبَاحِ لِتُقَرِّرَ خُطْوَتَهَا التَّالِيَةَ، وَهِيَ تَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهَا أَنَّ الْأَيَّامَ الْقَادِمَةَ لَنْ تُشْبِهَ أَيًّا مِنَ الْأَيَّامِ الْهَادِئَةِ نِسْبِيًّا الَّتِي عَاشَتْهَا فِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ طَوَالَ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ.
— نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّانِي —
