Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 03

مَدِينَةُ الْيَاسَمِينِ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: الزَّائِرُ اللَّيْلِيُّ

عَادَ سَلِيمٌ أَدرَاْجَهُ لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَاقِفًا فِي الْعَتْمَةِ الْكَامِلَةِ عِنْدَ أَسْفَلِ الدَّرَجِ، الْقَضِيبُ الْمَعْدِنِيُّ مَشْدُودٌ فِي قَبْضَتِهِ، لِدَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ شَعَرَ فِيهَا أَنَّهَا تَمْتَدُّ كَسَاعَةٍ كَامِلَةٍ. الصَّمْتُ فَوْقَهُ لَمْ يَتَزَحْزَحْ قَطُّ، لَا خُطْوَةٌ أُخْرَى، لَا صَوْتُ نَفَسٍ، لَا شَيْءَ سِوَى ذَلِكَ الْحُضُورِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ وَاقِفٌ هُنَاكَ، عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ، يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ غَرِيبٍ.
حَاوَلَ أَنْ يُفَكِّرَ بِمَنْطِقِيَّةٍ رَغْمَ الْخَوْفِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى كُلِّ عَضَلَةٍ فِي جَسَدِهِ: لَوْ كَانَ الْقَادِمُ يُرِيدُ أَذِيَّتَهُ فِعْلًا، لَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً بَدَلَ الْوُقُوفِ صَامِتًا عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ. هَذَا الِانْتِظَارُ الْغَرِيبُ، هَذَا الصَّبْرُ الْمُتَعَمَّدُ، بَدَا لَهُ أَقْرَبَ إِلَى شَخْصٍ يُرِيدُ أَنْ يُرَى، لَا أَنْ يُهَاجِمَ خُفْيَةً. أَقْنَعَ نَفْسَهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ، رَغْمَ أَنَّ يَدَيْهِ ظَلَّتَا مُرْتَجِفَتَيْنِ حَوْلَ الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ الْبَارِدِ الَّذِي تُمْسِكَانِ بِهِ جَيِّداً. تَذَكَّرَ فَجْأَةً نَصِيحَةَ أَبِيهِ الْقَدِيمَةَ، حِينَ كَانَ طِفْلًا يَخَافُ مِنَ الْعَتْمَةِ نَفْسِهَا فِي هَذَا الْقَبْوِ بِالذَّاتِ: “الْخَوْفُ مِنَ الْمَجْهُولِ أَكْبَرُ دَائِمًا مِنَ الْمَجْهُولِ نَفْسِهِ يَا سَلِيمُ. اذْهَبْ وَ وَاجِهْهُ، فَغَالِبًا مَا يَكُونُ أَهْوَنَ مِمَّا تَتَخَيَّلُهُ عُقُولُنَا فِي الظَّلَامِ.” تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الذِّكْرَى كَأَنَّهَا حَبْلُ نَجَاةٍ صَغِيرٌ، وَبَدَأَ يَصْعَدُ.
قَرَّرَ أَخِيرًا أَنَّ الِانْتِظَارَ فِي الظَّلَامِ لَنْ يَحُلَّ شَيْئًا. إِمَّا أَنْ يَصْعَدَ لِيُوَاجِهَ مَنْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يَبْقَى مُحَاصَرًا فِي خَوْفِهِ إِلَى الْأَبَدِ وَلَا يَعْرِفَ شَيْئًا. أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَشَدَّ قَبْضَتَهُ عَلَى الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ مَرَّةً أَخِيرَةً، وَبَدَأَ يَصْعَدُ الدَّرَجَ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مَحْسُوبَةٍ، مُتَجَاوِزًا الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ بِحَذَرٍ رَغْمَ أَنَّ كُلَّ جَسَدِهِ كَانَ يُرِيدُ الرَّكْضَ.
مَعَ كُلِّ دَرَجَةٍ يَصْعَدُهَا، كَانَ يَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ التَّحْذِيرَاتِ الَّتِي سَمِعَهَا خِلَالَ الْيَوْمِ الْمَاضِي: كَلِمَاتِ أَبِيهِ فِي الرِّسَالَةِ، هَمْسَةَ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ الْغَامِضَ، تَرَدُّدَ لَيَانَ، حَتَّى نَبْرَةَ يَاسَمِينَ نُورٍ الْحَذِرَةَ عِنْدَ الْمَطَارِ. كُلُّ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ بَدَتِ الْآنَ وَكَأَنَّهَا تَتَجَمَّعُ فِي صَوْتٍ وَاحِدٍ يَهْمِسُ لَهُ: كُنْ حَذِرًا، لَا تَثِقْ بِسُهُولَةٍ، لَا شَيْءَ هُنَا كَمَا يَبْدُو.
حِينَ وَصَلَ إِلَى رَأْسِ الدَّرَجِ، وَجَدَ الْبَابَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الصَّالَةِ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، يَنْبَعِثُ مِنْهُ ضَوْءٌ خَافِتٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ: ضَوْءُ شَمْعَةٍ، لَا ضَوْءٌ كَهْرَبَائِيٌّ، وَكَأَنَّ مَنْ بِالدَّاخِلِ جَهَّزَ نَفْسَهُ مُسْبَقًا لِانْقِطَاعِ التَّيَّارِ.
مِنْ خِلَالِ الْفَتْحَةِ الضَّيِّقَةِ لِلْبَابِ، تَمَكَّنَ سَلِيمٌ مِنْ رُؤْيَةِ ظِلِّ رَجُلٍ يَجْلِسُ بِلَا حَرَاكٍ عَلَى أَرِيكَةِ الصَّالَةِ، ظِلٍّ طَوِيلٍ مُمْتَدٍّ يَتَرَاقَصُ مَعَ لَهَبِ الشَّمْعَةِ الْمُتَذَبْذِبِ عَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ. لَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَ مَلَامِحِ الْوَجْهِ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، فَقَطْ هَيْئَةً عَامَّةً لِرَجُلٍ يَجْلِسُ بِثِقَةٍ غَرِيبَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ تَامٍّ، لَا يَخْشَى شَيْئًا، وَلَا يَسْتَعْجِلُ شَيْئًا. شَعَرَ سَلِيمٌ بِقَلْبِهِ يَتَسَارَعُ أَكْثَرَ، وَقَبَضَ عَلَى الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَدَفَعَ الْبَابَ بِبُطْءٍ أَكْبَرَ.
كَانَ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ يَجْلِسُ بِهُدُوءٍ تَامٍّ عَلَى أَرِيكَةِ الصَّالَةِ، شَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ مُضَاءَةٌ أَمَامَهُ عَلَى طَاوِلَةِ الْقَهْوَةِ، وَكَأَنَّهُ فِي بَيْتِهِ لَا فِي بَيْتِ غَيْرِهِ.
“سَلِيمُ.” قَالَهَا كَمَالٌ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ، دُونَ أَيِّ أَثَرٍ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَكَأَنَّهُ تَوَقَّعَ تَمَامًا أَنْ يَجِدَهُ سَلِيمٌ هُنَاكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. “أَرْجُو أَنِّي لَمْ أُخِفْكَ. حَاوَلْتُ أَنْ أَطْرُقَ الْبَابَ، لَكِنْ لَا أَحَدَ أَجَابَ، وَرَأَيْتُ الْأَنْوَارَ مُطْفَأَةً فَجْأَةً، فَقَلِقْتُ عَلَيْكُمْ، خَاصَّةً أَنَّ الْحَيَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ لَمْ يَعُدْ آمِنًا كَمَا كَانَ.”
خَفَضَ سَلِيمٌ الْقَضِيبَ الْمَعْدِنِيَّ بِبُطْءٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخْفِيَ ارْتِبَاكَهُ وَدَهْشَتَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَدَسَّهُ بِسُرْعَةٍ خَلْفَ وِسَادَةِ الْأَرِيكَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ، مُتَجَنِّبًا أَنْ يُلَاحِظَ كَمَالٌ وُجُودَهُ أَصْلًا. “كَيْفَ دَخَلْتَ يَا عَمَّ كَمَالٍ؟ الْبَابُ كَانَ مُقْفَلًا.”
ابْتَسَمَ كَمَالٌ ابْتِسَامَةً أَوْسَعَ قَلِيلًا، ابْتِسَامَةَ رَجُلٍ وَاثِقٍ مِنْ نَفْسِهِ لِدَرَجَةٍ لَا تَسْمَحُ لَهُ بِالتَّرَدُّدِ فِي الْإِجَابَةِ. “لَدَيَّ مِفْتَاحٌ قَدِيمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ يَا سَلِيمُ، مُنْذُ أَيَّامِ صَدَاقَتِي مَعَ أَبِيكَ. كَانَ يُعْطِينِي نُسْخَةً مِنْهُ دَائِمًا، “احْتِيَاطًا”، كَمَا كَانَ يَقُولُ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ بَدَأَتْ صِحَّتُهُ تَتَدَهْوَرُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ. لَمْ أَسْتَخْدِمْهُ أَبَدًا مِنْ قَبْلُ دُونَ إِذْنٍ، لَكِنَّ اللَّيْلَةَ، حِينَ لَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ عَلَى طَرْقِي، وَرَأَيْتُ الْبَيْتَ مُظْلِمًا تَمَامًا بَعْدَ يَوْمِ عَزَاءٍ طَوِيلٍ، فَضَّلْتُ أَنْ أَطْمَئِنَّ عَلَيْكُمْ بِنَفْسِي بَدَلَ أَنْ أَقْلَقَ طَوَالَ اللَّيْلِ.”
لَمْ يُصَدِّقْ سَلِيمٌ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ هَذَا التَّبْرِيرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ شَكَّهُ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، مُكْتَفِيًا بِالْإِيمَاءِ بِبُطْءٍ.
“وَكَيْفَ انْقَطَعَتِ الْكَهْرَبَاءُ بِالضَّبْطِ، فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كُنْتَ فِيهَا هُنَا؟”
تَوَقَّفَتِ ابْتِسَامَةُ كَمَالٍ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ جِدًّا، ثُمَّ عَادَتْ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَنْبَغِي. “صُدْفَةٌ، عَلَى الْأَرْجَحِ. تَعْرِفُ أَنَّ شَبَكَةَ الْكَهْرَبَاءِ فِي هَذَا الْحَيِّ قَدِيمَةٌ جِدًّا، تَنْقَطِعُ بِلَا سَبَبٍ وَاضِحٍ أَحْيَانًا. لَا تَقْلَقْ، أَحْضَرْتُ شَمْعَةً مِنْ مَطْبَخِكُمْ، رَأَيْتُهَا فِي الدُّرْجِ، أَنْتُمْ دَائِمًا تَحْتَفِظُونَ بِشَمَعَاتٍ احْتِيَاطِيَّةٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
قَرَّرَ سَلِيمٌ، مَدْفُوعًا بِغَرِيزَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَصْدَرَهَا بِالضَّبْطِ، أَنْ يَخْتَبِرَ كَمَالًا بِسُؤَالٍ مُبَاشِرٍ. “عَمَّ كَمَالٍ، هَلْ تَعْرِفُ رَجُلًا اسْمُهُ تَوْفِيقٌ؟ رُبَّمَا كَانَ يَعْمَلُ مَعَ أَبِي أَوْ أَبِيكَ قَدِيمًا؟”
لَاحَظَ سَلِيمٌ، بِعَيْنَيْنِ مُدَرَّبَتَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، أَنَّ يَدَ كَمَالٍ، الْمُمْسِكَةَ بِفِنْجَانِ قَهْوَةٍ وَهْمِيٍّ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ أَصْلًا، تَوَقَّفَتْ فِي الْهَوَاءِ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا كَادَتْ تُفْلِتُ مِنَ الِانْتِبَاهِ، قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهَا إِلَى حَجْرِهِ بِهُدُوءٍ مُصْطَنَعٍ.
“تَوْفِيقٌ؟” كَرَّرَ كَمَالٌ الِاسْمَ وَكَأَنَّهُ يُفَكِّرُ بِجِدِّيَّةٍ. “اسْمٌ شَائِعٌ جِدًّا فِي هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ يَا سَلِيمُ، لَدَيَّ عَلَى الْأَقَلِّ خَمْسَةُ عُمَّالٍ بِهَذَا الِاسْمِ فِي مَشْرُوعِي حَالِيًّا. لِمَ تَسْأَلُ بِالتَّحْدِيدِ؟”
“لَا سَبَبَ خَاصَّ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِالْجُمْلَةِ نَفْسِهَا الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا كَمَالٌ قَبْلَ قَلِيلٍ، بِنَبْرَةٍ حِيَادِيَّةٍ مُتَعَمَّدَةٍ، مُرَاقِبًا رَدَّ فِعْلِ كَمَالٍ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ. “وَجَدْتُ الِاسْمَ فِي وَرَقَةٍ قَدِيمَةٍ لِأَبِي، ظَنَنْتُ أَنَّكَ قَدْ تَعْرِفُهُ.”
“لَا أَظُنُّ ذَلِكَ.” قَالَ كَمَالٌ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ قَلِيلًا، ثُمَّ غَيَّرَ الْمَوْضُوعَ فَوْرًا بِلَا انْتِقَالٍ سَلِسٍ: “عَلَى أَيِّ حَالٍ، يَا سَلِيمُ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ صَعْبٌ…”
أَعَادَ كَمَالٌ عَرْضَهُ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ، بَعِيدًا عَنْ أَجْوَاءِ الْعَزَاءِ الرَّسْمِيَّةِ. “أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِأَدْفَعَ لِعَائِلَتِكَ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ السِّعْرِ الَّذِي سَيَحْصُلُ عَلَيْهِ أَيُّ بَيْتٍ آخَرَ فِي الْحَيِّ، إِنْ قَرَّرْتُمُ الْبَيْعَ خِلَالَ هَذَا الْأُسْبُوعِ تَحْدِيدًا. أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا التَّوْقِيتَ قَدْ يَبْدُو قَاسِيًا، لَكِنَّ الْعُرُوضَ الْعَقَارِيَّةَ لَا تَنْتَظِرُ الْحُزْنَ يَا وَلَدِي، وَالْفُرْصَةَ الَّتِي أُقَدِّمُهَا لَنْ تَتَكَرَّرَ بَعْدَ هَذَا الْأُسْبُوعِ.”
جَلَسَ سَلِيمٌ طَوَالَ هَذَا الْحَدِيثِ مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ هَادِئًا أَكْثَرَ مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ فِعْلًا، وَالْحَقِيبَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَحْمِلُ أَوْرَاقَ أَبِيهِ لَا تَزَالُ مُعَلَّقَةً عَلَى كَتِفِهِ، يَشْعُرُ بِثِقْلِهَا كَأَنَّهَا تَكْشِفُ سِرًّا وَاضِحًا لِأَيِّ عَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ.
بَيْنَمَا كَانَ يَجْلِسُ، لَاحَظَ سَلِيمٌ بِطَرْفِ عَيْنِهِ شَيْئًا أَزْعَجَهُ: أَثَرَ حِذَاءٍ طِينِيٍّ خَفِيفٍ عَلَى أَرْضِيَّةِ الصَّالَةِ الرُّخَامِيَّةِ، يَمْتَدُّ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفِنَاءِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ كَمَالٌ قَدْ دَخَلَ مِنْهُ. حَاوَلَ أَلَّا يُظْهِرَ أَنَّهُ لَاحَظَ الْأَثَرَ، لَكِنَّهُ سَجَّلَهُ بِعِنَايَةٍ فِي ذِهْنِهِ، مُتَسَائِلًا بِصَمْتٍ: لِمَ يَحْمِلُ حِذَاءُ كَمَالٍ طِينًا مِنْ جِهَةِ الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ حَقًّا مِنَ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ كَمَا يَدَّعِي؟
“أَيْنَ لَيَانُ وَأُمُّكَ؟” سَأَلَ كَمَالٌ بِلَهْجَةٍ حَنُونَةٍ ظَاهِرِيًّا. “أَرْجُو أَنَّهُمَا بِخَيْرٍ.”
“نَائِمَتَانِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ مُتَزَايِدٍ، مُرَاقِبًا وَجْهَ كَمَالٍ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “لِمَ تَسْأَلُ؟”
“لَا سَبَبَ خَاصَّ، مُجَرَّدُ اطْمِئْنَانٍ طَبِيعِيٍّ.” أَجَابَ كَمَالٌ بِسُرْعَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَتَجَنَّبُ الِاسْتِرْسَالَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ بِالذَّاتِ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
“لِمَ هَذَا الْأُسْبُوعَ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ بِحِدَّةٍ لَمْ يَقْصِدْهَا.
تَوَقَّفَ كَمَالٌ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهُ يُوَازِنُ بَيْنَ إِجَابَةٍ صَادِقَةٍ وَأُخْرَى مُصَمَّمَةٍ بِعِنَايَةٍ. “لِأَنَّ مَجْلِسَ الْمَشْرُوعِ سَيُصَوِّتُ نِهَايَةَ هَذَا الْأُسْبُوعِ عَلَى التَّصْمِيمِ النِّهَائِيِّ لِلْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ. إِنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكِيَّةُ هَذَا الْبَيْتِ مَحْسُومَةً قَبْلَ ذَلِكَ، سَيُسْتَبْعَدُ مِنَ الْمُخَطَّطِ بِالْكَامِلِ، وَسَتُفَوِّتُونَ فُرْصَةَ تَعْوِيضٍ عَادِلٍ، وَسَتَبْقَوْنَ مُحَاصَرِينَ وَسْطَ وَرْشَةِ بِنَاءٍ ضَخْمَةٍ لِسَنَوَاتٍ قَادِمَةٍ دُونَ أَيِّ تَعْوِيضٍ إِضَافِيٍّ. أَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُسَاعِدَكُمْ، صَدِّقْنِي.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى كَمَالٍ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ تِلْكَ الِابْتِسَامَةِ الْهَادِئَةِ الْمُتْقَنَةِ. “أَحْتَاجُ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ يَا عَمَّ كَمَالٍ. هَذَا قَرَارٌ عَائِلِيٌّ، وَلَا يُمْكِنُنِي اتِّخَاذُهُ وَحْدِي، خَاصَّةً فِي يَوْمٍ كَهَذَا.”
نَهَضَ كَمَالٌ بِبُطْءٍ، وَأَطْفَأَ الشَّمْعَةَ بِأَصَابِعِهِ بِثِقَةِ رَجُلٍ اعْتَادَ إِنْهَاءَ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ. “بِالطَّبْعِ، خُذْ وَقْتَكَ. لَكِنْ لَا تَجْعَلْهُ طَوِيلًا جِدًّا يَا سَلِيمُ. بَعْضُ الْفُرَصِ، مِثْلَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، لَا تَعُودُ إِنْ فَاتَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً.”
تَوَقَّفَ كَمَالٌ فَجْأَةً، وَكَأَنَّهُ تَذَكَّرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ دِفْئًا مُصْطَنَعًا: “بِالْمُنَاسَبَةِ، رَأَيْتُ بَعْضَ تَصَامِيمِكَ الْمِعْمَارِيَّةِ عَلَى الْإِنْتَرْنِتِ، ذَلِكَ الْمَبْنَى السَّكَنِيَّ عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الْإِلْبَه فِي هَامْبُورْغَ. عَمَلٌ رَائِعٌ حَقًّا. مِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ مَدِينَتَكَ الْأُمَّ لَا تَسْتَفِيدُ مِنْ مَوْهِبَتِكَ هَذِهِ. رُبَّمَا، حِينَ تَنْتَهِي مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُزْعِجَةِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ مَنْصِبًا اسْتِشَارِيًّا فِي مَشْرُوعِنَا. تَخَيَّلْ، سَلِيمُ مُرَادٍ، الِاسْمُ الَّذِي غَادَرَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا، يَعُودُ لِيُصَمِّمَ مُسْتَقْبَلَهَا بِنَفْسِهِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْغَثَيَانَ الْخَفِيفَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا الْعَرْضِ، وَكَأَنَّ كَمَالًا كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِطَرِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: الْمَالُ مُقَابِلَ الْبَيْتِ، وَالْمَكَانَةُ الْمِهْنِيَّةُ مُقَابِلَ صَمْتِهِ. تَذَكَّرَ فَجْأَةً كَلِمَاتِ أَبِيهِ الْقَدِيمَةَ عِنْدَ بَابِ الْمَطَارِ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا، عَنْ أَنَّ الْمَدِينَةَ “لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِعْمَارِيِّينَ، بَلْ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنْهَا”، وَشَعَرَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّهُ بَدَأَ يَفْهَمُ تِلْكَ الْجُمْلَةَ بِمَعْنَاهَا الْكَامِلِ: رُبَّمَا كَانَ أَبُوهُ يُحَذِّرُهُ، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ سَلِيمٌ حِينَهَا، مِنْ إِغْرَاءَاتٍ كَهَذِهِ بِالضَّبْطِ، إِغْرَاءَاتٍ تَبْدُو فِي ظَاهِرِهَا فُرَصًا سَخِيَّةً، بَيْنَمَا هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا مُحَاوَلَاتٌ لِشِرَاءِ صَمْتِ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ. “لَسْتُ مُهْتَمًّا بِأَيِّ مَنْصِبٍ اسْتِشَارِيٍّ يَا عَمَّ كَمَالٍ، شُكْرًا لَكَ.”
ابْتَسَمَ كَمَالٌ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، ثُمَّ اتَّجَهَ نَحْوَ الْبَابِ. “فَكِّرْ بِالْأَمْرِ عَلَى أَيِّ حَالٍ. الْعُرُوضُ السَّخِيَّةُ نَادِرًا مَا تُرْفَضُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ يَا وَلَدِي.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، تَوَقَّفَ كَمَالٌ عِنْدَ الْبَابِ، وَالْتَفَتَ نَحْوَ سَلِيمٍ بِنَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ بَدَتْ لَهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي هَذَا اللِّقَاءِ، خَالِيَةً تَمَامًا مِنْ أَيِّ دِفْءٍ مُصْطَنَعٍ. “احْرِصْ عَلَى سَلَامَتِكَ يَا وَلَدِي. الْمَدِينَةُ تَغَيَّرَتْ كَثِيرًا مُنْذُ غَادَرْتَهَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ التَّغْيِيرَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا لَطِيفَةً كَمَا تَبْدُو مِنَ الْخَارِجِ.”

لَمْ يَنَمْ سَلِيمٌ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. جَلَسَ فِي غُرْفَتِهِ يُقَلِّبُ الْأَوْرَاقَ الَّتِي أَحْضَرَهَا مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَرْبِطَ الْخُيُوطَ الْمُتَنَاثِرَةَ: عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ الْمُزَوَّرَ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ وَالْقَاضِي النَّجَّارِ، الْقَائِمَةَ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ “تَوْفِيقٍ”، شَهَادَةَ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ غَيْرَ الْمُوَقَّعَةِ عَنْ لَيْلَةِ اخْتِفَاءِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ. رَتَّبَهَا عَلَى سَرِيرِ الْغُرْفَةِ بِعِنَايَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَ يُعِيدُ تَجْمِيعَ لُغْزٍ كَبِيرٍ مُبَعْثَرٍ، تَارِكًا فِي وَسَطِهِ فَرَاغًا وَاضِحًا لَمْ يَسْتَطِعْ مَلْأَهُ بَعْدُ: مَنْ هُوَ “تَوْفِيقٌ” بِالضَّبْطِ؟ وَهَلْ كَانَ هُوَ الرَّجُلَ الْمُسِنَّ نَفْسَهُ الَّذِي قَابَلَهُ فِي الْعَزَاءِ، أَمْ شَخْصًا آخَرَ تَمَامًا؟
فَكَّرَ مِرَارًا فِي فَتْحِ الْمُغَلَّفِ الْأَحْمَرِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي صُنْدُوقِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ، ذَلِكَ الْمَخْتُومِ بِشَمْعٍ أَحْمَرَ وَالْمُوَجَّهِ إِلَيْهِ شَخْصِيًّا: “لِسَلِيمٍ، حِينَ يَكُونُ جَاهِزًا، وَلَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ.” أَمْسَكَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَأَدَارَ إِصْبَعَهُ حَوْلَ حَافَّةِ الشَّمْعِ الْمُتَصَلِّبِ، لَكِنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَتَرَاجَعُ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُغَلَّفُ هُوَ الْحَدَّ الْفَاصِلَ الْأَخِيرَ الَّذِي لَا عَوْدَةَ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا بَعْدُ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ فِي السَّاعَاتِ الْمَاضِيَةِ، لِمَعْرِفَةِ مَا بِدَاخِلِهِ.
فِي الرَّابِعَةِ فَجْرًا تَقْرِيبًا، وَحِينَ بَدَأَتْ أُولَى خُيُوطِ الْفَجْرِ تَتَسَلَّلُ مِنْ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ، اتَّخَذَ سَلِيمٌ قَرَارَهُ: سَيَتَّصِلُ بِيَاسَمِينَ نُورٍ فِي الصَّبَاحِ، لَيْسَ لِأَنَّهُ يَثِقُ بِهَا ثِقَةً كَامِلَةً كَمَا حَذَّرَهُ أَبُوهُ، بَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يُوَاجِهَهَا بِمُفْرَدِهِ، وَأَنَّ الْمُخَاطَرَةَ بِمُشَارَكَةِ جُزْءٍ مِمَّا يَعْرِفُهُ مَعَ شَخْصٍ يَبْدُو، عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا الَّتِي يُرِيدُهَا هُوَ، رُبَّمَا كَانَتْ أَقَلَّ خُطُورَةً مِنْ مُوَاجَهَةِ كُلِّ هَذَا وَحِيدًا فِي الْعَتْمَةِ.
حَتَّى أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ أَخِيرًا، فَقَرَّرَ أَنْ يَتَّصِلَ بِيَاسَمِينَ نُورٍ.
الْتَقَيَا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ هَادِئٍ عَلَى أَطْرَافِ السُّوقِ الْقَدِيمِ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْحَيِّ الْمُزْدَحِمَةِ. كَانَتْ يَاسَمِينُ تَجْلِسُ بِالْفِعْلِ حِينَ وَصَلَ، تَحْمِلُ مَلَفًّا بُنِّيًّا مَأْلُوفًا وَضَعَتْهُ أَمَامَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ دُونَ أَنْ تَفْتَحَهُ بَعْدُ.
“إِذَنْ، قَرَّرْتَ أَنْ تَتَّصِلَ أَخِيرًا.” قَالَتْهَا بِابْتِسَامَةٍ نِصْفِ سَاخِرَةٍ، نِصْفِ مُرْتَاحَةٍ.
“حَدَثَ شَيْءٌ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ.” قَالَ سَلِيمٌ مُبَاشَرَةً، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ. “أَخْبِرِينِي كُلَّ مَا تَعْرِفِينَهُ عَنْ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ.”
جَلَسَتْ يَاسَمِينُ مُسْتَقِيمَةً فَجْأَةً، وَكَأَنَّ جِدِّيَّةَ سُؤَالِهِ فَاجَأَتْهَا. “كَمَالٌ دَرْوِيشٌ رَجُلٌ بَنَى إِمْبَرَاطُورِيَّتَهُ الْعَقَارِيَّةَ بِأَكْمَلِهَا خِلَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ، بَدْءًا مِنْ مَشْرُوعٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، أَمِينِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي السَّابِقِ. كَتَبْتُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ تَحْقِيقَاتٍ صَحَفِيَّةٍ، اثْنَانِ مِنْهَا لَمْ يُنْشَرَا بِالْكَامِلِ بِسَبَبِ ضُغُوطٍ تَعَرَّضْتُ لَهَا مِنْ جِهَاتٍ لَا أَستَطِيعُ أَنْ أُفْصِحَ عَنْ هُوِيَّتِهَا الْآنَ. التَّحْقِيقُ الثَّالِثُ نُشِرَ جُزْئِيًّا، وَتَحَدَّثَ عَنْ شُبُهَاتِ تَزْوِيرٍ فِي عُقُودِ مِلْكِيَّةٍ قَدِيمَةٍ فِي حَيِّ الْيَاسَمِينِ، لَكِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ إِثْبَاتَ شَيْءٍ قَاطِعٍ فِي حِينِهِ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْوَثَائِقِ الْأَصْلِيَّةَ اخْتَفَتْ مِنْ سِجِلَّاتِ الْبَلَدِيَّةِ بِشَكْلٍ غَامِضٍ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَيْهَا.”
“اخْتَفَتْ؟”
“نَعَمْ. كَأَنَّ أَحَدًا كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا أَبْحَثُ عَنْهُ، وَيَسْبِقُنِي بِخُطْوَةٍ كُلَّ مَرَّةٍ.” تَوَقَّفَتْ يَاسَمِينُ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً. “أَبَاكَ كَانَ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الَّذِي أَثِقُ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ نُسَخًا أَصْلِيَّةً مِنْ تِلْكَ الْوَثَائِقِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ فِي السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ قَبْلَ تَقَاعُدِهِ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، إِلَى جَانِبِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَا بِشَكْلٍ مَا لَمْ يَشْرَحْهُ لِي أَحَدٌ بِوُضُوحٍ قَطُّ.”
أَخْرَجَتْ يَاسَمِينُ مِنْ مَلَفِّهَا الْبُنِّيِّ صُورَةً قَدِيمَةً أُخْرَى مُشَابِهَةً لِتِلْكَ الَّتِي رَآهَا سَلِيمٌ فِي الْأَرْشِيفِ السِّرِّيِّ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً قَلِيلًا فِي زَاوِيَتِهَا. “هَذِهِ صُورَةُ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، فِي احْتِفَالِ افْتِتَاحِ أَوَّلِ مَشْرُوعٍ عَقَارِيٍّ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ. الرَّجُلُ الْوَاقِفُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً، بِالْكَادِ يَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ، يَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ مُسْتَشَارَهُ الْقَانُونِيَّ الْخَاصَّ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، لَكِنْ لَا أَحَدَ يَذْكُرُ اسْمَهُ الْكَامِلَ فِي أَيِّ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ وَجَدْتُهَا حَتَّى الْآنَ، وَكَأَنَّهُ تَعَمَّدَ أَلَّا يَتْرُكَ أَثَرًا وَاضِحًا لِوُجُودِهِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ بِالذَّاتِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبُرُودَةٍ مَأْلُوفَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. “أَبِي عَمِلَ مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ؟”
“لِسَنَوَاتٍ. ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً، وَابْتَعَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَخُصُّ الْعَقَارَاتِ، وَتَفَرَّغَ لِعَمَلِهِ الْخَاصِّ كَصَيْدَلَانِيٍّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْتَعِدَ تَمَامًا عَنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَبَدًا أَنْ أَعْرِفَ السَّبَبَ الْحَقِيقِيَّ، رَغْمَ مُحَاوَلَاتِي الْمُتَكَرِّرَةِ مَعَهُ فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ.”
سَأَلَهَا سَلِيمٌ أَخِيرًا سُؤَالًا كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ مُنْذُ لِقَائِهِمَا الْأَوَّلِ فِي الْمَطَارِ: “لِمَ تَهْتَمِّينَ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ يَا يَاسَمِينُ؟ مَا الَّذِي يَجْعَلُكِ تُخَاطِرِينَ بِمِهْنَتِكِ مِنْ أَجْلِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، وَأَنْتِ لَا تَرْبُطُكِ بِهِمْ أَيَّةُ صِلَةٍ ظَاهِرَةٍ؟”
صَمَتَتْ يَاسَمِينُ لَحْظَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهَا تَزِنُ مَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لِمُشَارَكَةِ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ قِصَّتِهَا مَعَ رَجُلٍ الْتَقَتْهُ مُنْذُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ. ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا مِنَ الْمُعْتَادِ: “جَدَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ فِي هَذَا الْحَيِّ أَيْضًا، فِي بَيْتٍ مُجَاوِرٍ لِبَيْتِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ عَائِلَتُهَا إِلَى حَيٍّ آخَرَ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ. كَانَتْ تَرْوِي لِي، وَأَنَا طِفْلَةٌ، عَنْ جَارَتِهَا “أُمِّ فَادِي”، الَّتِي اخْتَفَتْ مَعَ كُلِّ أَطْفَالِهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنِ الصَّمْتِ الْغَرِيبِ الَّذِي خَيَّمَ عَلَى الْحَيِّ بَعْدَهَا، وَعَنْ كَيْفَ تَوَقَّفَ الْجَمِيعُ فَجْأَةً عَنْ ذِكْرِ اسْمِ تِلْكَ الْعَائِلَةِ، وَكَأَنَّ أَحَدًا حَذَّرَهُمْ جَمِيعًا بِطَرِيقَةٍ مَا أَلَّا يَفْعَلُوا. حِينَ كَبِرْتُ، وَأَصْبَحْتُ صَحَفِيَّةً، كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَوَّلَ مَا أَرَدْتُ التَّحْقِيقَ فِيهِ، لَيْسَ لِأَنَّهَا قَضِيَّتِي الشَّخْصِيَّةُ بِالضَّبْطِ، بَلْ لِأَنِّي كَبِرْتُ وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ ظُلْمًا لَمْ يُعْتَرَفْ بِهِ قَطُّ، وَأَنَّ أَحَدًا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ الْحَقِيقَةَ يَوْمًا، حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَتْ خَمْسِينَ عَامًا.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا بِتَقْدِيرٍ جَدِيدٍ، شَاعِرًا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي بَدَتْ لَهُ بَارِدَةَ الْمِهْنِيَّةِ عِنْدَ الْمَطَارِ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا الْتِزَامًا إِنْسَانِيًّا عَمِيقًا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالسَّبْقِ الصَّحَفِيِّ وَحْدَهُ.
طَلَبَ سَلِيمٌ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ لَمْ يَشْرَبْهُ، وَحَدَّقَ فِي الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ أَمَامَهُ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ: “هَلْ يَعْنِي لَكِ اسْمُ “تَوْفِيقٍ” شَيْئًا؟”
تَوَقَّفَتْ يَاسَمِينُ عَنِ الْحَرَكَةِ تَمَامًا. “مِنْ أَيْنَ سَمِعْتَ هَذَا الِاسْمَ؟”
“وَجَدْتُهُ فِي وَرَقَةٍ كَتَبَهَا أَبِي، تَقُولُ إِنَّهُ “الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ”. أَيَّةُ لَيْلَةٍ تَقْصِدِينَ، أَوْ تَعْرِفِينَ؟”
فَتَحَتْ يَاسَمِينُ مَلَفَّهَا الْبُنِّيَّ بِبُطْءٍ، وَأَخْرَجَتْ قُصَاصَةَ جَرِيدَةٍ قَدِيمَةً مُشَابِهَةً تَمَامًا لِتِلْكَ الَّتِي وَجَدَهَا سَلِيمٌ فِي الْأَرْشِيفِ السِّرِّيِّ. “قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا، اخْتَفَتْ عَائِلَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ هَذَا الْحَيِّ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، عَائِلَةٌ تَحْمِلُ اسْمَ سَمَاحَةَ. حَاوَلْتُ التَّحْقِيقَ فِي الْأَمْرِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَكِنِّي لَمْ أَجِدْ سِوَى إِشَارَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ وَشَهَادَاتٍ مُتَضَارِبَةٍ. اسْمُ “تَوْفِيقٍ” ظَهَرَ أَمَامِي مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، فِي مُقَابَلَةٍ قَدِيمَةٍ أَجْرَاهَا صَحَفِيٌّ آخَرُ قَبْلِي بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ مَعَ رَجُلٍ رَفَضَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ الْكَامِلُ، وَوُصِفَ فَقَطْ بِأَنَّهُ “الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ”. اخْتَفَى ذَلِكَ الصَّحَفِيُّ عَنِ السَّاحَةِ الْمِهْنِيَّةِ بَعْدَهَا بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَبَدًا الْوُصُولَ إِلَيْهِ لِأَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ.”
“الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِلْحَيِّ؟” كَرَّرَ سَلِيمٌ الْجُمْلَةَ بِذُهُولٍ، مُتَذَكِّرًا فَجْأَةً الرَّجُلَ الْمُسِنَّ ذَا الْعَبَاءَةِ الْبُنِّيَّةِ فِي الْعَزَاءِ، الَّذِي هَمَسَ لَهُ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ عَنْ أَشْيَاءَ تَمُوتُ مَعَ الرَّجُلِ وَأُخْرَى لَا تَمُوتُ. “أَظُنُّ أَنِّي الْتَقَيْتُ بِهِ بِالْأَمْسِ.”
رَوَى سَلِيمٌ لِيَاسَمِينَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الْقَصِيرِ، فَأَصْغَتْ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا: “إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الرَّجُلَ نَفْسَهُ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، فَأَنْتَ الْآنَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنِّي بِخُطُوَاتٍ كَثِيرَةٍ يَا سَلِيمُ، رَغْمَ أَنَّكَ وَصَلْتَ مُنْذُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.”
قَصَّ سَلِيمٌ عَلَيْهَا، بِحَذَرٍ مُتَزَايِدٍ، مَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ: زِيَارَةَ كَمَالٍ الْمُفَاجِئَةَ، الْمِفْتَاحَ الْقَدِيمَ، انْقِطَاعَ الْكَهْرَبَاءِ الْغَامِضَ، عَرْضَ الشِّرَاءِ الْمُتَكَرِّرَ بِإِلْحَاحٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَأَثَرَ الْحِذَاءِ الطِّينِيِّ الَّذِي لَاحَظَهُ عَلَى أَرْضِيَّةِ الصَّالَةِ.
أَصْغَتْ يَاسَمِينُ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ جَادٍّ: “سَلِيمُ، أَيًّا كَانَ مَا وَجَدْتَهُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ كَمَالًا يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِ الْكَثِيرِ لِيَحْصُلَ عَلَيْهِ أَوْ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُصُولِهِ إِلَى أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. أَنْصَحُكَ أَلَّا تَثِقَ بِعَرْضِهِ، مَهْمَا بَدَا سَخِيًّا. الْمَالُ الَّذِي يَعْرِضُهُ لَيْسَ ثَمَنَ الْبَيْتِ يَا سَلِيمُ، بَلْ ثَمَنَ صَمْتِكَ.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حَذَرًا: “وَأَثَرُ الْحِذَاءِ الطِّينِيِّ هَذَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ عَرْضِهِ بِكَثِيرٍ. إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ مِنَ الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ فِعْلًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مَدْخَلًا آخَرَ إِلَى بَيْتِكُمْ لَا تَعْرِفُهُ أَنْتَ بَعْدُ، وَرُبَّمَا لَا تَعْرِفُهُ لَيَانُ وَلَا وَالِدَتُكَ أَيْضًا.”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ حَوْلَهَا فَجْأَةً، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ تَكَادُ لَا تُلَاحَظُ، تَفَحَّصَتِ الطَّاوِلَاتِ الْمُجَاوِرَةَ وَالزَّبَائِنَ الدَّاخِلِينَ وَالْخَارِجِينَ مِنَ الْمَقْهَى، وَكَأَنَّهَا فَعَلَتْ هَذَا مِئَاتِ الْمَرَّاتِ مِنْ قَبْلُ دُونَ أَنْ تُفَكِّرَ فِيهِ وَاعِيَةً. لَاحَظَ سَلِيمٌ هَذِهِ الْحَرَكَةَ، فَسَأَلَهَا: “هَلْ تَخَافِينَ أَنْ يُرَاقِبَنَا أَحَدٌ؟”
“دَائِمًا.” أَجَابَتْ بِبَسَاطَةٍ، دُونَ أَنْ تُبْدِيَ أَيَّ تَوَتُّرٍ إِضَافِيٍّ فِي صَوْتِهَا، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَذَرَ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ حَيَاتِهَا الْيَوْمِيَّةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. “حِينَ تُحَقِّقُ فِي رَجُلٍ بِحَجْمِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ كَمَا فَعَلْتُ أَنَا، تَتَعَلَّمُ أَلَّا تَفْتَرِضَ أَبَدًا أَنَّكَ وَحْدَكَ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَجْلِسُ فِيهِ. لِهَذَا اخْتَرْتُ هَذَا الْمَقْهَى بِالذَّاتِ، صَاحِبُهُ صَدِيقٌ قَدِيمٌ لِعَائِلَتِي، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ كَامِيرَاتُ مُرَاقَبَةٍ دَاخِلِيَّةٌ كَمَا فِي مُعْظَمِ مَقَاهِي السُّوقِ الْحَدِيثَةِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا بِإِعْجَابٍ مَمْزُوجٍ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ. “كَيْفَ تَعِيشِينَ هَكَذَا كُلَّ يَوْمٍ؟”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً قَلِيلًا. “تَعْتَادُ عَلَيْهِ، مَعَ الْوَقْتِ. لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ يَا سَلِيمُ، أَنِّي لَمْ أَشْعُرْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بِأَنِّي قَرِيبَةٌ مِنْ كَشْفِ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ كَمَا أَشْعُرُ الْآنَ، مُنْذُ أَنْ عُدْتَ أَنْتَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ. وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: حِينَ تَقْتَرِبُ الْحَقِيقَةُ، يُصْبِحُ الْخَطَرُ أَكْبَرَ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهَا.”
فَكَّرَا مَعًا لِلَحْظَةٍ فِي خُطْوَتِهِمَا التَّالِيَةِ. اقْتَرَحَتْ يَاسَمِينُ أَنْ يُحَاوِلَ سَلِيمٌ الْوُصُولَ إِلَى الرَّجُلِ الْمُسِنِّ مَرَّةً أُخْرَى، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ “الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِلْحَيِّ”، عَلَّهُ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِلْحَدِيثِ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ بَعِيدًا عَنْ زَحَامِ الْعَزَاءِ. مِنْ جِهَتِهِ، وَعَدَ سَلِيمٌ أَنْ يُشَارِكَهَا نُسْخَةً مُصَوَّرَةً مِنَ الْوَثَائِقِ الَّتِي وَجَدَهَا، مُحْتَفِظًا بِالْأُصُولِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، حِرْصًا عَلَى تَعْلِيمَاتِ أَبِيهِ الْأَخِيرَةِ رَغْمَ الثِّقَةِ الْمُتَنَامِيَةِ الَّتِي بَدَأَ يَشْعُرُ بِهَا تُجَاهَ هَذِهِ الصَّحَفِيَّةِ الْحَذِرَةِ.
قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، أَمْسَكَتْ يَاسَمِينُ بِذِرَاعِهِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ فِي نَبْرَتِهَا الْمِهْنِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ. “احْذَرْ يَا سَلِيمُ. أَيًّا كَانَ “تَوْفِيقٌ” هَذَا، وَأَيًّا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الْكَامِلَةُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا، فَإِنَّ أَبَاكَ دَفَعَ حَيَاتَهُ ثَمَنًا لِمَعْرِفَتِهَا. لَا أُرِيدُ أَنْ تَدْفَعَ أَنْتَ الثَّمَنَ نَفْسَهُ.”

عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَالْقَلَقُ يَعْتَصِرُ صَدْرَهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ. وَجَدَ لَيَانَ فِي الْمَطْبَخِ، تُعِدُّ الشَّايَ بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ مُرْتَجِفَتَيْنِ قَلِيلًا مِنْ إِرْهَاقِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ.
“أَيْنَ كُنْتَ؟” سَأَلَتْهُ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ. “خَرَجْتَ بَاكِرًا جِدًّا دُونَ أَنْ تُوقِظَنِي.”
جَلَسَ سَلِيمٌ مَعَهَا، وَأَخْبَرَهَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ عَنْ زِيَارَةِ كَمَالٍ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، فَشَحُبَ وَجْهُهَا فَوْرًا. “دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَنَا نَائِمَةٌ؟ وَلَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا؟”
“كَانَ هَادِئًا جِدًّا، وَيَبْدُو أَنَّهُ دَخَلَ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، لَا الْأَمَامِيِّ.” قَالَ سَلِيمٌ.
وَضَعَتْ لَيَانُ كُوبَ الشَّايِ أَمَامَهَا دُونَ أَنْ تَشْرَبَهُ، وَنَظَرَتْ إِلَى أَخِيهَا بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَزِيجٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْإِرْهَاقِ. “سَلِيمُ، أَنَا خَائِفَةٌ. مُنْذُ أَنْ وَصَلْتَ، وَالْأُمُورُ تَتَصَاعَدُ بِسُرْعَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ مُجَارَاتَهَا. أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنَا كُنَّا نَعِيشُ فِي هَذَا الْبَيْتِ، بِجَانِبِ هَذَا السِّرِّ الضَّخْمِ، دُونَ أَنْ نَعْرِفَ عَنْهُ شَيْئًا، وَكَأَنَّنَا كُنَّا نَمْشِي فَوْقَ أَرْضٍ مُجَوَّفَةٍ طَوَالَ حَيَاتِنَا دُونَ أَنْ نُدْرِكَ ذَلِكَ.”
أَمْسَكَ سَلِيمٌ يَدَهَا بِلُطْفٍ. “أَعْرِفُ يَا لَيَانُ. أَنَا خَائِفٌ أَيْضًا، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى نُقْطَةٍ لَمْ يَعُدْ فِيهَا التَّرَاجُعُ خِيَارًا حَقِيقِيًّا. أَبِي أَرَادَ مِنِّي أَنْ أَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُنِي أَنْ أَتَوَقَّفَ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُصْبِحَ الْأُمُورُ مُخِيفَةً.”
ابْتَسَمَتْ لَيَانُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً صَغِيرَةً. “تَتَحَدَّثُ مِثْلَهُ تَمَامًا الْآنَ، تَعْرِفُ؟ نَفْسُ النَّبْرَةِ الْهَادِئَةِ الْعَنِيدَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا حِينَ يُقَرِّرُ شَيْئًا لَا رَجْعَةَ فِيهِ.”
ثُمَّ سَأَلَهَا مُبَاشَرَةً: “لَيَانُ، هَلْ تَعْرِفِينَ أَيَّ مَدْخَلٍ آخَرَ إِلَى الْبَيْتِ غَيْرَ الْبَابَيْنِ الرَّئِيسِيِّ وَالْخَلْفِيِّ الْمَعْرُوفَيْنِ؟ أَيَّ مَمَرٍّ قَدِيمٍ، أَوْ بَابٍ صَغِيرٍ فِي الْفِنَاءِ؟”
فَكَّرَتْ لَيَانُ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ اسْتِحْضَارَ ذِكْرَى قَدِيمَةٍ جِدًّا. “كَانَ هُنَاكَ… أَتَذَكَّرُ الْآنَ، حِينَ كُنَّا أَطْفَالًا، كَانَتْ هُنَاكَ بَوَّابَةٌ حَدِيدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِي الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنَ الْفِنَاءِ، تُؤَدِّي إِلَى زُقَاقٍ ضَيِّقٍ خَلْفَ الْبُيُوتِ الْمُجَاوِرَةِ. أَبِي أَغْلَقَهَا بِالْإِسْمَنْتِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ مِنْهَا لُصُوصٌ مَرَّةً، أَوْ هَذَا مَا قَالَهُ لَنَا فِي حِينِهِ عَلَى الْأَقَلِّ. لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ.”
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَدْ فُتِحَتْ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ عِلْمِكُمْ؟”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا لَيَانَ بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ. “لَا أَعْرِفُ يَا سَلِيمُ. لَمْ أَتَفَقَّدْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.”
اتَّفَقَا أَنْ يَتَفَقَّدَا تِلْكَ الْبَوَّابَةَ مَعًا لَاحِقًا، لَكِنَّ سَلِيمًا، وَهُوَ يَشْعُرُ بِإِلْحَاحٍ دَاخِلِيٍّ مُتَزَايِدٍ، قَرَّرَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْغُرْفَةَ السِّرِّيَّةَ أَوَّلًا، لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَقِيَ كَمَا تَرَكَهُ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ خُطْوَتَهُ التَّالِيَةَ. قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْقَبْوِ، اصْطَحَبَ لَيَانَ مَعَهُ إِلَى الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنَ الْفِنَاءِ، حَيْثُ أَشَارَتْ إِلَى مَكَانٍ مُغَطًّى بِنَبَاتِ يَاسَمِينٍ بَرِّيٍّ كَثِيفٍ نَمَا بِشَكْلٍ عَشْوَائِيٍّ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ.
أَزَاحَ سَلِيمٌ النَّبَاتَ بِحَذَرٍ، فَظَهَرَتْ أَمَامَهُمَا بَقَايَا بَوَّابَةٍ حَدِيدِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، مَطْمُورَةٍ جُزْئِيًّا تَحْتَ طَبَقَةٍ إِسْمَنْتِيَّةٍ قَدِيمَةٍ مُتَشَقِّقَةٍ، تَمَامًا كَمَا وَصَفَتْ لَيَانُ. كَانَتِ الْبَوَّابَةُ نَفْسُهَا صَدِئَةً بِشِدَّةٍ، زَخَارِفُهَا الْحَدِيدِيَّةُ الْقَدِيمَةُ بِالْكَادِ تُمَيَّزُ تَحْتَ طَبَقَاتِ الصَّدَإِ الْمُتَرَاكِمَةِ عَبْرَ عُقُودٍ، لَكِنَّهَا بَدَتْ مَعَ ذَلِكَ مَتِينَةً بِمَا يَكْفِي لِتَحَمُّلِ مَنْ يُحَاوِلُ دَفْعَهَا بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ. لَكِنْ حِينَ اقْتَرَبَ سَلِيمٌ أَكْثَرَ، لَاحَظَ شَيْئًا أَثَارَ قَلَقَهُ فَوْرًا: جُزْءٌ مِنَ الْإِسْمَنْتِ حَوْلَ حَوَافِّ الْبَوَّابَةِ كَانَ أَحْدَثَ بِكَثِيرٍ مِنْ بَاقِي الطَّبَقَةِ، بِلَوْنٍ رَمَادِيٍّ أَفْتَحَ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ أَحَدًا كَسَرَ الْإِسْمَنْتَ الْقَدِيمَ مُؤَخَّرًا، ثُمَّ أَعَادَ سَدَّ الْفَتْحَةِ بِعَجَالَةٍ، مُحَاوِلًا إِخْفَاءَ أَثَرِ تَدَخُّلِهِ.
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ وَلَمَسَ الْإِسْمَنْتَ الْجَدِيدَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَشَعَرَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ طَرِيًّا بَعْضَ الشَّيْءِ فِي مَرْكَزِهِ، رَغْمَ صَلَابَتِهِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنَ الْخَارِجِ، دَلِيلًا إِضَافِيًّا عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ تَمَّ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَطْ، رُبَّمَا حَتَّى فِي السَّاعَاتِ الَّتِي سَبَقَتْ وُصُولَهُ هُوَ نَفْسِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
“هَلْ تَرَيْنَ هَذَا؟” سَأَلَ سَلِيمٌ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِقِ الطَّفِيفِ فِي لَوْنِ الْإِسْمَنْتِ. “هَذَا لَمْ يُكْسَرْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، بَلْ مُنْذُ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.”
شَحُبَ وَجْهُ لَيَانَ أَكْثَرَ. “مَنْ قَدْ يَعْرِفُ عَنْ هَذِهِ الْبَوَّابَةِ أَصْلًا غَيْرَنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ وَأَبِي؟”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. “شَخْصٌ مَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ هَذَا الْبَيْتِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِغَرِيبٍ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَأَقَلَّ مِمَّا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ أَنْ يُخْفِيَهُ عَنَّا.”
فَكَّرَتْ لَيَانُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ: “سَلِيمُ، هَلْ تَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ نَفْسِهَا؟ أَعْنِي، أَحَدُ أَقَارِبِنَا الْبَعِيدِينَ، شَخْصٌ نَعْرِفُهُ لَكِنَّنَا لَا نَشُكُّ فِيهِ؟”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ هَذَا السُّؤَالِ، مُتَذَكِّرًا فَجْأَةً ذَلِكَ الِاسْمَ الْغَامِضَ الْمَكْتُوبَ عَلَى لَوْحَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ: “تَوْفِيقُ مُرَادٍ؟”، بِعَلَامَةِ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي أَضَافَهَا أَبُوهُ بِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا تَمَامًا مِنْ صِلَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ بِالْعَائِلَةِ. لَمْ يَشَأْ أَنْ يُخْبِرَ لَيَانَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ بَعْدُ، خَشْيَةَ أَنْ يَزِيدَ قَلَقَهَا دُونَ دَاعٍ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ شَيْءٍ مَلْمُوسٍ.
“لَا أَعْرِفُ يَا لَيَانُ.” قَالَهَا أَخِيرًا بِصِدْقٍ حَذِرٍ. “لَكِنِّي أَعِدُكِ أَنَّنَا سَنَكْتَشِفُ الْحَقِيقَةَ مَعًا، مَهْمَا كَانَتْ.”
عَادَا إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ صَامِتَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ ثِقْلًا جَدِيدًا مِنَ الشَّكِّ، لَمْ يَعُودَا يَعْرِفَانِ بَعْدَهُ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَثِقَا بِهِ فِعْلًا خَارِجَ دَائِرَتِهِمَا الصَّغِيرَةِ.
انْتَظَرَ حَتَّى خَلَا الْبَيْتُ مِنْ لَيَانَ، الَّتِي خَرَجَتْ لِبَعْضِ الْمَشَاوِيرِ الضَّرُورِيَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَتَسَلَّلَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْقَبْوِ، دَافِعًا الرَّفَّ الْخَشَبِيَّ بِحَذَرٍ، وَفَاتِحًا الْبَابَ الصَّغِيرَ بِالْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ.
دَخَلَ الْغُرْفَةَ، وَأَضَاءَ الْمِصْبَاحَ الْبَطَّارِيَّ، وَبَدَأَ يَتَفَقَّدُ الصَّنَادِيقَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ. مَرَّتْ دَقَائِقُ قَبْلَ أَنْ يُلَاحِظَ الْفَرَاغَ: الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُوجَدُ فِيهِ صُنْدُوقُ “شَهَادَاتُ شُهُودٍ ـ سِرِّيٌّ” عَلَى الرَّفِّ الثَّانِي كَانَ فَارِغًا تَمَامًا الْآنَ، وَكَأَنَّ الصُّنْدُوقَ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ قَطُّ، سِوَى أَثَرِ مُرَبَّعٍ خَفِيفٍ فِي الْغُبَارِ الْمُتَرَاكِمِ عَلَى الرَّفِّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ شَيْئًا كَانَ مَوْضُوعًا هُنَاكَ حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ جِدًّا.
وَقَفَ سَلِيمٌ أَمَامَ الرَّفِّ الْفَارِغِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ مَا يَعْنِيهِ هَذَا بِالضَّبْطِ. لَمْ يَكُنْ كَمَالٌ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْ هَذِهِ الْغُرْفَةِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ عَلَى حَدِّ عِلْمِهِ؛ كَانَ جَالِسًا فِي الصَّالَةِ الْعُلْيَا طَوَالَ الْوَقْتِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ سَلِيمٌ. فَمَنْ، إِذَنْ، دَخَلَ إِلَى هُنَا وَأَخَذَ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ بِالتَّحْدِيدِ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ الصَّنَادِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا دُونَ أَنْ تُمَسَّ؟
بَدَأَ سَلِيمٌ يَفْحَصُ الْجِدَارَ الشَّمَالِيَّ لِلْغُرْفَةِ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ، بَحْثًا عَنْ أَيَّةِ فَتْحَةٍ أُخْرَى قَدْ تَكُونُ مَصْدَرَ ذَلِكَ الْأَثَرِ الطِّينِيِّ الَّذِي رَآهُ فِي الصَّالَةِ. لَاحَظَ أَخِيرًا، خَلْفَ أَحَدِ الرُّفُوفِ الْمَعْدِنِيَّةِ، فَجْوَةً صَغِيرَةً فِي الْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ، مُمَوَّهَةً بِعِنَايَةٍ خَلْفَ طَبَقَةٍ مِنَ الطِّلَاءِ الْقَدِيمِ الْمُتَقَشِّرِ، بِالْكَادِ تَتَّسِعُ لِجِسْمِ إِنْسَانٍ نَحِيلٍ أَنْ يَزْحَفَ خِلَالَهَا. حِينَ اقْتَرَبَ أَكْثَرَ وَأَضَاءَ هَاتِفَهُ دَاخِلَهَا، وَجَدَ مَمَرًّا ضَيِّقًا مُظْلِمًا يَمْتَدُّ لِمَسَافَةٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ، هَوَاؤُهُ بَارِدٌ وَرَطِبٌ، وَعَلَى أَرْضِيَّتِهِ التُّرَابِيَّةِ آثَارُ أَقْدَامٍ حَدِيثَةٍ نِسْبِيًّا، لَا تَعُودُ لِعِشْرِينَ عَامًا مَضَتْ كَمَا تَوَقَّعَ، بَلْ رُبَّمَا لِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
تَرَدَّدَ سَلِيمٌ لَحْظَةً، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يَزْحَفَ بِضْعَةَ أَمْتَارٍ دَاخِلَ الْمَمَرِّ، رَغْمَ ضِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَ كَتِفَيْهِ يَحْتَكَّانِ بِجَانِبَيِ الْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ الْبَارِدِ. كَانَتْ رَائِحَةُ التُّرَابِ الرَّطْبِ هُنَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ نَفْسِهَا، مُمْتَزِجَةً بِرَائِحَةٍ خَفِيفَةٍ أُخْرَى لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْدِيدَهَا بِدِقَّةٍ فِي الْبِدَايَةِ، حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهَا رَائِحَةُ دُخَانِ سَجَائِرَ بَاهِتَةٍ، وَكَأَنَّ مَنْ مَرَّ مِنْ هُنَا مُؤَخَّرًا كَانَ يُدَخِّنُ أَثْنَاءَ انْتِظَارِهِ أَوْ تَحَرُّكِهِ، تَفْصِيلٌ صَغِيرٌ أَضَافَهُ سَلِيمٌ بِصَمْتٍ إِلَى قَائِمَةِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَرَاكِمَةِ فِي ذِهْنِهِ. تَقَدَّمَ بِبُطْءٍ، ضَوْءُ هَاتِفِهِ يَرْتَجِفُ أَمَامَهُ، حَتَّى تَوَقَّفَ حِينَ لَمَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى شَيْءٍ صَغِيرٍ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ: قُفَّازٌ جِلْدِيٌّ أَسْوَدُ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ عُمَّالُ الْبِنَاءِ عَادَةً، مُمَزَّقٌ قَلِيلًا مِنْ إِحْدَى أَصَابِعِهِ. الْتَقَطَهُ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ، وَشَمَّ مِنْهُ رَائِحَةً خَفِيفَةً مِنَ الْإِسْمَنْتِ الطَّازِجِ، مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ صَاحِبَهُ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ كَسَرَ الطَّبَقَةَ الْإِسْمَنْتِيَّةَ الْقَدِيمَةَ عِنْدَ الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
وَاصَلَ زَحْفَهُ لِأَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ أُخْرَى، حَتَّى وَصَلَ إِلَى نُقْطَةٍ ضَاقَ فِيهَا الْمَمَرُّ أَكْثَرَ، وَبَدَا أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ فِي اتِّجَاهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَتَّجِهُ، كَمَا قَدَّرَ سَلِيمٌ بِحِسَابِ الْمَسَافَةِ وَالِاتِّجَاهِ، نَحْوَ الْبَوَّابَةِ الْحَدِيدِيَّةِ الَّتِي فَحَصَهَا مَعَ لَيَانَ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَالْآخَرُ يَسْتَمِرُّ بَعِيدًا فِي اتِّجَاهٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَخْمِينَهُ بِدِقَّةٍ، رُبَّمَا نَحْوَ بَيْتٍ مُجَاوِرٍ، أَوْ زُقَاقٍ آخَرَ مِنْ أَزِقَّةِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ الْكَثِيرَةِ وَالْمُتَشَابِكَةِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ خَرِيطَةَ الْحَيِّ كَمَا يَعْرِفُهَا مِنْ طُفُولَتِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخَمِّنَ أَيَّ بَيْتٍ أَوْ زُقَاقٍ قَدْ يَكُونُ هَذَا الْفَرْعُ الثَّانِي مُتَّجِهًا إِلَيْهِ، لَكِنَّ الْعَتْمَةَ وَالِالْتِوَاءَاتِ الْكَثِيرَةَ جَعَلَتْ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِمَ بِشَيْءٍ دُونَ اسْتِكْشَافٍ أَعْمَقَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهُ بِمُفْرَدِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. قَرَّرَ أَلَّا يُخَاطِرَ بِالْمُضِيِّ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ بِمُفْرَدِهِ، فَتَرَاجَعَ بِحَذَرٍ، وَعَادَ إِلَى الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، وَالْقُفَّازُ الْأَسْوَدُ لَا يَزَالُ فِي قَبْضَتِهِ كَدَلِيلٍ جَدِيدٍ يُضَافُ إِلَى قَائِمَةِ أَسْئِلَتِهِ الْمُتَرَاكِمَةِ.
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْوَحِيدِ فِي الْغُرْفَةِ، مُنْهَكًا فَجْأَةً مِنْ ثِقْلِ مَا يَكْتَشِفُهُ دَقِيقَةً بَعْدَ أُخْرَى. أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَالْتَقَطَ صُوَرًا وَاضِحَةً لِكُلِّ الْوَثَائِقِ الْمُتَبَقِّيَةِ فِي الْغُرْفَةِ: عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ وَالْقَاضِي النَّجَّارِ، لَوْحَةَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْجِدَارِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا، حَتَّى الْقُفَّازَ الْأَسْوَدَ الْمُمَزَّقَ نَفْسَهُ. تَرَدَّدَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَضْغَطَ زِرَّ الْإِرْسَالِ، مُتَذَكِّرًا مَرَّةً أُخْرَى تَحْذِيرَ أَبِيهِ مِنَ الثِّقَةِ بِأَحَدٍ، لَكِنَّهُ فَكَّرَ أَيْضًا أَنَّ الِاحْتِفَاظَ بِكُلِّ شَيْءٍ وَحِيدًا، دُونَ نُسْخَةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ لَدَى أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ، قَدْ يَكُونُ خَطَرًا أَكْبَرَ إِنْ حَدَثَ لَهُ أَيُّ مَكْرُوهٍ، تَمَامًا كَمَا حَدَثَ لِأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. أَرْسَلَ الصُّوَرَ إِلَى يَاسَمِينَ نُورٍ مَعَ رِسَالَةٍ قَصِيرَةٍ: “كَمَا وَعَدْتُ. احْتَفِظِي بِهَا فِي مَكَانٍ آمِنٍ. لَا تَنْشُرِي شَيْئًا بَعْدُ، لَيْسَ قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ الصُّورَةَ كَامِلَةً.”
جَاءَهُ رَدُّهَا بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ: “وَصَلَتْنِي. سَأَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ اسْمٍ يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. كُنْ حَذِرًا اللَّيْلَةَ يَا سَلِيمُ، أَكْثَرَ مِنْ أَيَّةِ لَيْلَةٍ أُخْرَى.” تَوَقَّفَ عِنْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ قَلِيلًا، شَاعِرًا بِدِفْءٍ غَرِيبٍ يَنْبُعُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا آخَرَ، خَارِجَ دَائِرَةِ عَائِلَتِهِ الصَّغِيرَةِ، بَدَأَ يَقْلَقُ عَلَيْهِ بِصِدْقٍ حَقِيقِيٍّ، لَا بِمَصْلَحَةٍ مُسْتَتِرَةٍ كَمَا شَعَرَ مَعَ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ طَوَالَ الْيَوْمِ الْمَاضِي. كَتَبَ لَهَا رَدًّا قَصِيرًا: “سَأُحَاوِلُ.” ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ تَرَدُّدٍ: “شُكْرًا لِأَنَّكِ تُصَدِّقِينَنِي.” لَمْ يَصِلْهُ رَدٌّ فَوْرِيٌّ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَكِنَّهُ تَخَيَّلَهَا تَبْتَسِمُ قَلِيلًا وَهِيَ تَقْرَأُ الرِّسَالَةَ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ لِمَ كَانَ هَذَا التَّخَيُّلُ بِالذَّاتِ يُرِيحُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ حَدَثَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الْمُرْهِقِ.
وَضَعَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ جَانِبًا أَخِيرًا، وَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ الْبَطَّارِيَّ، وَجَلَسَ فِي الْعَتْمَةِ الْهَادِئَةِ لِلْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ لِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، يَسْتَجْمِعُ قُوَاهُ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْعَالَمِ فَوْقَهُ، عَالَمٍ لَمْ يَعُدْ يَبْدُو لَهُ بَرِيئًا كَمَا كَانَ يَتَذَكَّرُهُ مِنْ طُفُولَتِهِ الْبَعِيدَةِ، بَلْ عَالَمًا مَلِيئًا بِأَبْوَابٍ سِرِّيَّةٍ وَمَمَرَّاتٍ مُخْفِيَّةٍ وَوُعُودٍ مَسْمُومَةٍ، يَنْتَظِرُهُ لِيَكْتَشِفَ الْمَزِيدَ مِنْهُ، فَصْلًا بَعْدَ فَصْلٍ.
أَدْرَكَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَجْلِسُ فِي تِلْكَ الْعَتْمَةِ الْهَادِئَةِ، أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِنْ عَوْدَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ قَدْ غَيَّرَ كُلَّ مُعَادَلَاتِهِ السَّابِقَةِ: لَمْ يَعُدِ الْخَصْمُ مَجْهُولًا تَمَامًا كَمَا كَانَ بِالْأَمْسِ، فَقَدْ بَدَأَ اسْمُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ يَتَّضِحُ كَخَيْطٍ رَئِيسِيٍّ فِي هَذِهِ الشَّبَكَةِ الْمُعَقَّدَةِ، لَكِنَّ عَدَدَ الْحُلَفَاءِ الْحَقِيقِيِّينَ الَّذِينَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَثِقَ بِهِمْ ظَلَّ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَتَمَنَّى. يَاسَمِينُ نُورٍ، لَيَانُ، رُبَّمَا ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُسِنُّ الْغَامِضُ إِنِ اسْتَطَاعَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ هَذِهِ كَانَتْ، عَلَى مَا يَبْدُو، الدَّائِرَةَ الصَّغِيرَةَ الْوَحِيدَةَ الْمُتَبَقِّيَةَ لَهُ فِي مَدِينَةٍ بَدَأَتْ تَكْشِفُ لَهُ، سَاعَةً بَعْدَ أُخْرَى، أَنَّ الْغُرَبَاءَ فِيهَا أَكْثَرُ أَمَانًا أَحْيَانًا مِنْ بَعْضِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ طَوَالَ حَيَاتِهِ.
نَهَضَ أَخِيرًا، وَأَعَادَ قَفْلَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الصَّغِيرِ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ الرَّفَّ الْخَشَبِيَّ الثَّقِيلَ إِلَى مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الدَّرَجَ الضَّيِّقَ نَحْوَ بَيْتٍ بَدَأَ يَبْدُو لَهُ، لَيْلَةً بَعْدَ أُخْرَى، أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَسْرَارِ الْهَائِلَةِ الَّتِي كَانَ يُخَبِّئُهَا بَيْنَ جُدْرَانِهِ الْقَدِيمَةِ طَوَالَ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ.
سَأَلَ نَفْسَهُ سُؤَالًا وَاحِدًا ظَلَّ يَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهِ بِلَا جَوَابٍ طَوَالَ صُعُودِهِ الْبَطِيءِ نَحْوَ الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ: مَنْ كَانَ يَعْرِفُ بِوُجُودِ هَذَا الْمَمَرِّ السِّرِّيِّ أَصْلًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ هُوَ مَنْ بَنَاهُ أَوِ اكْتَشَفَهُ بِنَفْسِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ؟ وَمَنْ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ النَّاسِ الَّذِينَ الْتَقَاهُمْ سَلِيمٌ فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَتَى يَسْتَغِلُّ تِلْكَ الْفُرْصَةَ الْقَصِيرَةَ، بَيْنَمَا كَانَ كَمَالٌ يَشْغَلُ انْتِبَاهَهُ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، لِيَتَسَلَّلَ عَبْرَ هَذَا الْمَمَرِّ الضَّيِّقِ وَيَأْخُذَ مَا يُرِيدُهُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، ثُمَّ يَخْتَفِيَ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ خَلْفَهُ سِوَى أَثَرِ حِذَاءٍ طِينِيٍّ عَلَى رُخَامِ الصَّالَةِ، وَفَجْوَةٍ فَارِغَةٍ عَلَى رَفٍّ مُغَبَّرٍ فِي غُرْفَةٍ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَبْقَى سِرًّا إِلَى الْأَبَدِ؟

عَلَى بُعْدِ شَارِعَيْنِ فَقَطْ مِنْ بَيْتِ عَائِلَةِ مُرَادٍ، فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ الْمُطِلِّ عَلَى السَّاحَةِ الرَّئِيسَةِ لِلْمَدِينَةِ، كَانَ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ يَجْلِسُ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ الزُّجَاجِيَّةِ الْوَاسِعَةِ، يُقَلِّبُ بِأَصَابِعِهِ غِطَاءَ صُنْدُوقٍ كَرْتُونِيٍّ قَدِيمٍ مَوْضُوعٍ أَمَامَهُ: الصُّنْدُوقُ نَفْسُهُ الَّذِي اخْتَفَى مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، مَا يَزَالُ مُغْلَقًا، لَمْ يَفْتَحْهُ بَعْدُ. رَنَّ هَاتِفُهُ، فَأَجَابَ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّاشَةِ.
“هَلْ أَخَذْتَهُ؟” سَأَلَ صَوْتٌ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، صَوْتُ الرَّجُلِ نَفْسِهِ الَّذِي هَدَّدَ سَلِيمًا هَاتِفِيًّا فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ قَبْلَ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
“أَخَذْتُهُ.” أَجَابَ كَمَالٌ بِهُدُوءٍ تَامٍّ. “لَكِنِّي لَمْ أَفْتَحْهُ بَعْدُ. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ أَوَّلًا كَمْ يَعْرِفُ الِابْنُ بِالضَّبْطِ قَبْلَ أَنْ أُقَرِّرَ مَاذَا أَفْعَلُ بِمَا بِدَاخِلِهِ.”
“إِنَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.” قَالَ الصَّوْتُ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ. “رَأَيْتُهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ صَبَاحَ الْيَوْمِ مُتَّجِهًا نَحْوَ مَقْهَى السُّوقِ الْقَدِيمِ، وَالْتَقَى بِتِلْكَ الصَّحَفِيَّةِ اللَّعِينَةِ مَرَّةً أُخْرَى.”
“وَهَلْ رَآكَ أَحَدٌ وَأَنْتَ تُرَاقِبُهُ؟” سَأَلَ كَمَالٌ بِحِدَّةٍ مُفَاجِئَةٍ.
“لَا أَحَدَ يَرَانِي حِينَ لَا أُرِيدُ أَنْ أُرَى. هَذِهِ مِهْنَتِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَلَمْ أَفْشَلْ فِيهَا بَعْدُ.”
“احْرِصْ عَلَى أَلَّا تَفْشَلَ فِيهَا الْآنَ، مِنْ كُلِّ الْأَوْقَاتِ.” قَالَ كَمَالٌ بِنَبْرَةِ تَحْذِيرٍ وَاضِحَةٍ.
“وَهَلْ تَأَكَّدْتَ مِنْ إِغْلَاقِ الْمَمَرِّ بِإِحْكَامٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ؟” سَأَلَ كَمَالٌ بِحِدَّةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ سَيْطَرَتَهُ عَلَى الْمُحَادَثَةِ. “لَا أُرِيدُ أَنْ يَكْتَشِفَ أَحَدٌ ذَلِكَ الطَّرِيقَ قَبْلَ أَنْ نَنْتَهِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.”
“حَاوَلْتُ، لَكِنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ. قَدْ يُلَاحِظُهُ أَحَدٌ إِنْ فَتَّشَ الْجُدْرَانَ بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ.”
تَوَقَّفَ كَمَالٌ لِلَحْظَةٍ، وَمَلَامِحُهُ تَتَصَلَّبُ فِي ضَوْءِ الْمَكْتَبِ الْخَافِتِ. “إِذَنْ، سَيَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَحَرَّكَ أَسْرَعَ مِمَّا كُنَّا نُخَطِّطُ. أَعْطِنِي حَتَّى نِهَايَةِ هَذَا الْأُسْبُوعِ، كَمَا اتَّفَقْنَا مِنَ الْبِدَايَةِ. بَعْدَهَا، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَقْتٌ مُتَبَقٍّ لِأَيِّ أَحَدٍ لِيَكْتَشِفَ شَيْئًا، لَا الِابْنُ، وَلَا الصَّحَفِيَّةُ، وَلَا حَتَّى أَنْتَ.”
“وَمَاذَا لَوْ رَفَضَ الْبَيْعَ بِحُلُولِ نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ؟” سَأَلَ الصَّوْتُ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “أَبُوهُ لَمْ يَرْفُضِ الْعَرْضَ فَحَسْبُ، بَلْ جَمَعَ كُلَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ ضِدَّنَا عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ. الِابْنُ قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ إِنْ أَعْطَيْنَاهُ وَقْتًا كَافِيًا.”
“لِهَذَا بِالضَّبْطِ لَنْ نُعْطِيَهُ وَقْتًا كَافِيًا.” قَالَ كَمَالٌ بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ قَاطِعَةٍ. “دَبِّرْ أَمْرَ التَّوْقِيعِ، بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ. أَنَا سَأَتَوَلَّى الْجَانِبَ الْآخَرَ بِنَفْسِي.”
أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، وَنَظَرَ مُطَوَّلًا إِلَى الصُّنْدُوقِ الْمُغْلَقِ أَمَامَهُ، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالْخَوْفِ، لَا الثِّقَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا طَوَالَ لِقَائِهِ مَعَ سَلِيمٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَكَأَنَّ مَا بِدَاخِلَ هَذَا الصُّنْدُوقِ بِالذَّاتِ كَانَ يُهَدِّدُ شَيْئًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ صَفْقَةٍ عَقَارِيَّةٍ، شَيْئًا بَدَأَ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ نَفْسُهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَخَافُ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ وَحِيدًا.
مَدَّ كَمَالٌ يَدَهُ أَخِيرًا نَحْوَ غِطَاءِ الصُّنْدُوقِ، مُتَرَدِّدًا لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ سَحَبَ يَدَهُ بَعِيدًا دُونَ أَنْ يَفْتَحَهُ، وَكَأَنَّهُ قَرَّرَ، عَلَى الْأَقَلِّ لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَنْ يُؤَجِّلَ مُوَاجَهَةَ مَا بِدَاخِلِهِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، تَمَامًا كَمَا كَانَ سَلِيمٌ مُرَادٍ، عَلَى بُعْدِ شَارِعَيْنِ فَقَطْ مِنْهُ، يُؤَجِّلُ فَتْحَ مُغَلَّفِهِ الْأَحْمَرِ الْخَاصِّ، وَكِلَاهُمَا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، يَخْشَى الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا الَّتِي تَنْتَظِرُهُمَا، كُلٌّ مِنْ مَوْقِعِهِ الْخَاصِّ فِي هَذِهِ اللُّعْبَةِ الَّتِي بَدَأَتْ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، وَلَمْ تَكُنْ قَدِ انْتَهَتْ بَعْدُ. أَطْفَأَ كَمَالٌ أَضْوَاءَ مَكْتَبِهِ الْأَخِيرَةَ، وَغَادَرَ إِلَى الظَّلَامِ الْخَارِجِيِّ، تَارِكًا وَرَاءَهُ صُنْدُوقًا مُغْلَقًا، وَسِرًّا لَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ مَنْ يَحْمِلُ مِفْتَاحَهُ بَعْدَ الْآنَ.
— نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّالِثِ —


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 04


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 02