Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 05

مدينة اليَاسَمِينِ

الفَصْلُ الخَامِسُ

وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجِ أَوَّلًا، مُتَجَاوِزًا يَاسَمِينَ بِخُطْوَةٍ كَامِلَةٍ، وَانْدَفَعَ نَحْوَ الغُرْفَةِ المُضَاءَةِ فِي نِهَايَةِ المَمَرِّ الضَّيِّقِ، حَيْثُ وَجَدَ المَشْهَدَ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْهُ: رَجُلًا مُسِنًّا، هُوَ نَفْسُهُ الرَّجُلُ ذُو العَبَاءَةِ البُنِّيَّةِ الَّذِي هَمَسَ لَهُ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ الغَامِضَةِ فِي العَزَاءِ، مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ الخَشَبِيَّةِ بِجَانِبِ كُرْسِيِّهِ المَقْلُوبِ، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ وَاضِحَةٍ، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ دُونَ جَدْوَى.
كَانَتِ الغُرْفَةُ صَغِيرَةً وَمُتَقَشِّفَةً، أَثَاثٌ قَدِيمٌ مُتَهَالِكٌ، صُوَرٌ بِالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الجُدْرَانِ بِإِطَارَاتٍ مُتَصَدِّعَةٍ، وَرَائِحَةُ أَدْوِيَةٍ مَمْزُوجَةً بِرَائِحَةِ شَايٍ بَارِدٍ نُسِيَ عَلَى طَاوِلَةٍ جَانِبِيَّةٍ مُنْذُ سَاعَاتٍ. لَاحَظَ سَلِيمٌ، حَتَّى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ المُتَوَتِّرَةِ، أَنَّ هَذَا البَيْتَ كَانَ يَحْمِلُ كُلَّ عَلَامَاتِ رَجُلٍ يَعِيشُ وَحِيدًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، مُحَاطًا بِذِكْرَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ إِحَاطَتِهِ بِأَيِّ إِنْسَانٍ حَيٍّ.
«سَيِّدَ تَوْفِيقٍ!» هَرَعَ سَلِيمٌ نَحْوَهُ، وَانْحَنَى بِجَانِبِهِ، مُحَاوِلًا مُسَاعَدَتَهُ عَلَى الجُلُوسِ بِبُطْءٍ. «هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ مَاذَا حَدَثَ؟»
فَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ بِذُعْرٍ حَقِيقِيٍّ بَدَا لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ سَيَصْرُخُ، قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى مَلَامِحِهِ. «أَنْتَ… ابْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ.» هَمَسَ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ. «ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَخِيرًا جَاءَ لِيُنْهِيَ الأَمْرَ.»
سَاعَدَتْهُ يَاسَمِينُ، الَّتِي وَصَلَتْ خَلْفَ سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً، عَلَى الجُلُوسِ عَلَى الكُرْسِيِّ المَقْلُوبِ بَعْدَ أَنْ أَعَادَتْهُ إِلَى وَضْعِهِ الطَّبِيعِيِّ، بَيْنَمَا أَحْضَرَ سَلِيمٌ كُوبَ مَاءٍ مِنْ مَطْبَخٍ صَغِيرٍ مُجَاوِرٍ، لَاحَظَ فِيهِ فَوْضَى بَسِيطَةً تُوحِي بِأَنَّ الرَّجُلَ يَعِيشُ وَحِيدًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ مَنْ يَعْتَنِي بِهِ.
«مَاذَا حَدَثَ لَكَ؟ هَلْ سَقَطْتَ؟» سَأَلَتْهُ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ، وَهِيَ تَفْحَصُ يَدَهُ الَّتِي كَانَتْ تَرْتَجِفُ بِشِدَّةٍ.
«سَمِعْتُ صَوْتًا فِي الأَسْفَلِ، صَوْتَ البَابِ يُفْتَحُ.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ مُضْطَرِبًا. «مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ هَذِهِ القِصَّةُ تَعُودُ إِلَى السَّطْحِ مُجَدَّدًا بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِكَ يَا وَلَدِي، لَمْ أَعُدْ أَنَامُ لَيْلًا دُونَ خَوْفٍ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمْ أَخِيرًا لِيُصْمِتَنِي كَمَا أُصْمِتَ الآخَرُونَ قَبْلِي. حِينَ سَمِعْتُ البَابَ، حَاوَلْتُ أَنْ أَنْهَضَ بِسُرْعَةٍ لِأَرَى مَنِ القَادِمُ، فَتَعَثَّرْتُ بِالكُرْسِيِّ وَسَقَطْتُ.»
جَلَسَ سَلِيمٌ أَمَامَهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً. «سَيِّدَ تَوْفِيقٍ، أَنَا آسِفٌ لِأَنَّنِي أَخَفْتُكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. لَكِنَّنِي بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِلْحَدِيثِ مَعَكَ. وَجَدْتُ اسْمَكَ فِي وَثَائِقِ أَبِي، وَوَجَدْتُ اسْمَكَ أَيْضًا كَشَاهِدٍ عَلَى عَقْدِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ حَيِّ اليَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، عَقْدٍ يَحْمِلُ تَوْقِيعَ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ، بِتَارِيخٍ يَقَعُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.»
بَيْنَمَا كَانَ يَنْتَظِرُ رَدَّ تَوْفِيقٍ، لَاحَظَ سَلِيمٌ صُورَةً مُعَلَّقَةً عَلَى الجِدَارِ المُقَابِلِ مُبَاشَرَةً، بِالكَادِ مُضَاءَةً بِضَوْءِ المِصْبَاحِ الخَافِتِ: صُورَةً بِالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ لِرَجُلَيْنِ شَابَّيْنِ يَقِفَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ أَمَامَ شَجَرَةِ يَاسَمِينَ مُزْهِرَةٍ، يَضْحَكَانِ بِصِدْقٍ وَاضِحٍ حَتَّى عَبْرَ اهْتِرَاءِ الصُّورَةِ القَدِيمَةِ. اقْتَرَبَ سَلِيمٌ مِنْهَا بِفُضُولٍ مُفَاجِئٍ، ثُمَّ شَعَرَ بِقُشَعْرِيرَةٍ حِينَ تَعَرَّفَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ: كَانَ الوَجْهَ نَفْسَهُ الَّذِي رَآهُ فِي الصُّوَرِ العَائِلِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي احْتَفَظَتْ بِهَا عَمَّتُهُ الكُبْرَى، وَجْهَ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ فِي شَبَابِهِ، يَقِفُ بِجَانِبِ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ، أَصْغَرَ سِنًّا بِعُقُودٍ، لَكِنْ مَلَامِحُهُ وَاضِحَةٌ دُونَ شَكٍّ.
«هَذِهِ أَنْتَ وَجَدِّي مَعًا.» قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْدَهِشٍ، مُشِيرًا إِلَى الصُّورَةِ.
نَظَرَ تَوْفِيقٌ إِلَى الصُّورَةِ بِحَنِينٍ مُؤْلِمٍ وَاضِحٍ فِي عَيْنَيْهِ. «الْتُقِطَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ قَبْلَ عَامٍ وَاحِدٍ فَقَطْ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اللَّعِينَةِ، حِينَ كُنَّا لَا نَزَالُ أَصْدِقَاءَ بُسَطَاءَ، لَا يَحْمِلُ أَيٌّ مِنَّا ثِقْلَ أَيِّ سِرٍّ يَفُوقُ طَاقَتَهُ. كُنْتُ أَحْتَفِظُ بِهَا كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ لِأَتَذَكَّرَ أَنَّ هُنَاكَ زَمَنًا كَانَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ أَبْسَطَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَصْبَحَ عَلَيْهِ لَاحِقًا.»
شَحَبَ وَجْهُ تَوْفِيقٍ العَجُوزِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَجْمِعُ قُوَّةً دَاخِلِيَّةً نَادِرَةً قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ. «كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا اليَوْمَ سَيَأْتِي. عَبْدُ الكَرِيمِ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ سَتَأْتِي يَوْمًا، حِينَ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا هُوَ نَفْسُهُ عَلَى إِكْمَالِ مَا بَدَأَهُ.»
«إِذَنْ أَنْتَ تَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهَا.
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ طَوِيلًا، يَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ المُظْلِمَةِ كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ عُيُونٍ تُرَاقِبُهُ مِنَ الخَارِجِ، قَبْلَ أَنْ يَهْمِسَ أَخِيرًا: «أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ عَجُوزٍ مِثْلِي أَنْ يَحْمِلَهُ وَحِيدًا كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.»
«أَرْجُوكَ يَا سَيِّدَ تَوْفِيقٍ.» قَالَتْ يَاسَمِينُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ مُحْتَرِفٍ، جَالِسَةً عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِ الكُرْسِيِّ لِتَكُونَ فِي مُسْتَوَى نَظَرِ الرَّجُلِ العَجُوزِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَبْدُوَ أَقَلَّ تَهْدِيدًا. «نَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ نُعَرِّضَكَ لِأَيِّ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ. لَكِنَّ سَلِيمًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْرِفَ الحَقِيقَةَ عَنْ عَائِلَتِهِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ الوَحِيدُ المُتَبَقِّي القَادِرُ عَلَى إِخْبَارِهِ بِهَا.»
نَظَرَ تَوْفِيقٌ إِلَيْهَا طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ قَالَتْهَا بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ صَنَعَتْهُ سَنَوَاتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الحَذَرِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِ. «أَنْتِ الصَّحَفِيَّةُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ يَاسَمِينُ نُورٌ؟ سَمِعْتُ بِاسْمِكِ مِنْ قَبْلُ، وَوَالِدُكِ كَانَ يُحَدِّثُنِي عَنْ تَحْقِيقَاتِكِ أَحْيَانًا، بِإِعْجَابٍ مَمْزُوجٍ بِقَلَقٍ عَلَيْكِ.»
«كَانَ يَعْرِفُ عَنِّي؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِدَهْشَةٍ صَادِقَةٍ.
«كَانَ يُتَابِعُ كُلَّ مَا تَكْتُبِينَهُ عَنْ مَشَارِيعِ كَمَالِ دَرْوِيشٍ، بَحْثًا عَنْ أَيَّةِ إِشَارَةٍ قَدْ تَقُودُكِ بِالصُّدْفَةِ إِلَى نَفْسِ الحَقِيقَةِ الَّتِي كَانَ يُحَاوِلُ هُوَ أَنْ يُوَثِّقَهَا بِنَفْسِهِ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ. «كَانَ يَأْمَلُ أَنْ تَصِلِي إِلَيْهَا مِنْ طَرِيقِكِ الخَاصِّ، دُونَ أَنْ يُعَرِّضَكِ هُوَ لِلْخَطَرِ بِالإِفْصَاحِ المُبَاشِرِ.»
فَكَّرَ تَوْفِيقٌ طَوِيلًا، يَنْظُرُ بَيْنَ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ بِتَرَقُّبٍ حَذِرٍ، حَتَّى أَنَّ أَخِيرًا بِصَوْتٍ أَثْقَلَ مِنَ التَّعَبِ. «حَسَنًا. لَكِنِ اعْلَمَا أَنَّ مَا سَأُخْبِرُكُمَا بِهِ لَنْ يَكُونَ سَهْلًا عَلَى أَيٍّ مِنَّا، وَأَنَّنِي سَأَتَوَقَّفُ حِينَ أَشْعُرُ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ لِذَلِكَ، دُونَ أَنْ أُكْمِلَ كُلَّ شَيْءٍ، عَلَى الأَقَلِّ لَيْسَ اللَّيْلَةَ.»
الرِّوَايَةُ
نَهَضَ بِصُعُوبَةٍ، وَاتَّجَهَ نَحْوَ خِزَانَةٍ خَشَبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ فِي زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ، أَخْرَجَ مِنْهَا دَفْتَرًا صَغِيرًا بِغِلَافٍ جِلْدِيٍّ مُتَآكِلٍ، وَعَادَ لِيَجْلِسَ، يُقَلِّبُ صَفَحَاتِهِ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ حَتَّى وَجَدَ الصَّفْحَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا.
«فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا بِالضَّبْطِ، كُنْتُ شَابًّا فِي الخَامِسَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، أَعْمَلُ حَارِسًا لَيْلِيًّا لِحَيِّ اليَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، وَظِيفَةً غَيْرَ رَسْمِيَّةٍ وَرِثْتُهَا عَنْ أَبِي، الَّذِي وَرِثَهَا بِدَوْرِهِ عَنْ جَدِّي. كُنْتُ أَعْرِفُ كُلَّ بَيْتٍ، وَكُلَّ عَائِلَةٍ، وَكُلَّ زُقَاقٍ فِي هَذَا الحَيِّ مَعْرِفَةً لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ آخَرُ.»
تَوَقَّفَ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً صَغِيرَةً، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ ذِكْرَى بَعِيدَةً رَغْمَ ثِقْلِهَا. «كَانَ حَيًّا حَقِيقِيًّا حِينَهَا، حَيُّ اليَاسَمِينِ. أَزِقَّتُهُ ضَيِّقَةٌ لَكِنَّهَا مَلِيئَةٌ بِالحَيَاةِ، أَصْوَاتُ البَاعَةِ المُتَجَوِّلِينَ فِي الصَّبَاحِ، رَائِحَةُ الخُبْزِ الطَّازِجِ مِنْ فُرْنِ أُمِّ كَامِلٍ، أَصْوَاتُ الأَطْفَالِ يَلْعَبُونَ حَتَّى وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ فِي الصَّيْفِ. عَائِلَةُ سَمَاحَةَ كَانَتْ مِنْ أَعْرَقِ عَائِلَاتِ الحَيِّ، مُحْتَرَمَةً مِنَ الجَمِيعِ، فَادِي سَمَاحَةَ نَفْسُهُ كَانَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِكَرَمِهِ، يَفْتَحُ بَيْتَهُ لِكُلِّ مَنْ يَحْتَاجُ مُسَاعَدَةً، دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مُقَابِلٍ.»
«فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَاءَنِي رَجُلٌ أَعْرِفُهُ جَيِّدًا، طَلَبَ مِنِّي أَنْ ‘أَنْظُرَ إِلَى الجِهَةِ الأُخْرَى’ لِبِضْعِ سَاعَاتٍ، وَأَعْطَانِي مَبْلَغًا مِنَ المَالِ أَكْبَرَ مِنْ رَاتِبِي لِسَنَةٍ كَامِلَةٍ. لَمْ أَفْهَمْ فِي البِدَايَةِ مَاذَا يَقْصِدُ، لَكِنَّنِي أَخَذْتُ المَالَ، لِأَنَّنِي كُنْتُ شَابًّا فَقِيرًا أُعِيلُ عَائِلَةً كَبِيرَةً، وَلَمْ أَتَخَيَّلْ، اللهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي لَمْ أَتَخَيَّلْ، حَجْمَ مَا كَانَ سَيَحْدُثُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.»
«مَنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ.
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ، وَارْتَجَفَتْ شَفَتَاهُ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ. «لَا… لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ اسْمَهُ بَعْدُ. لَيْسَ الآنَ.»
«لِمَاذَا؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ.
«لِأَنَّ قَوْلَ ذَلِكَ الاسْمِ بِصَوْتٍ عَالٍ، حَتَّى فِي بَيْتِي المُغْلَقِ هَذَا، يَبْدُو لِي كَأَنَّهُ اسْتِدْعَاءٌ لِشَيْءٍ لَا أُرِيدُهُ أَنْ يَأْتِيَ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ بِصِدْقٍ مُخِيفٍ. «دَعَانِي أُكْمِلُ البَاقِيَ أَوَّلًا، ثُمَّ سَأَصِلُ إِلَى الاسْمِ حِينَ أَكُونُ مُسْتَعِدًّا.»
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ، كَابِحًا فُضُولَهُ المُلْتَهِبَ، وَأَشَارَ لِتَوْفِيقٍ أَنْ يُوَاصِلَ.
«بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ، سَمِعْتُ أَصْوَاتَ شَاحِنَاتٍ تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، بِلَا أَضْوَاءَ، عَبْرَ الزُّقَاقِ الرَّئِيسِيِّ. كُنْتُ أَعْرِفُ، مِنْ طَبِيعَةِ عَمَلِي، أَنَّ هَذَا غَيْرُ طَبِيعِيٍّ إِطْلَاقًا، لَكِنَّنِي بَقِيتُ فِي مَكَانِي، خَائِفًا وَصَامِتًا، أُنَفِّذُ مَا طُلِبَ مِنِّي دُونَ أَنْ أَفْهَمَهُ بَعْدُ. رَأَيْتُ الشَّاحِنَاتِ تَتَوَقَّفُ أَمَامَ بَيْتِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ تَحْدِيدًا، وَرَأَيْتُ رِجَالًا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، مُلَثَّمِينَ جُزْئِيًّا، يَدْخُلُونَ البَيْتَ بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ.»
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ، وَأَمْسَكَ بِكُوبِ المَاءِ الَّذِي أَحْضَرَهُ سَلِيمٌ بِيَدٍ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ، وَشَرِبَ مِنْهُ رَشْفَةً صَغِيرَةً قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلَ، وَكَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِجْمَاعِ قُوَّتِهِ لِكُلِّ جُمْلَةٍ جَدِيدَةٍ يَرْوِيهَا.
«لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صُرَاخٌ، وَلَا مُقَاوَمَةٌ تُذْكَرُ، وَهَذَا مَا أَرْعَبَنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى اليَوْمِ: كَأَنَّ العَائِلَةَ بِأَكْمَلِهَا كَانَتْ تَعْرِفُ مُسْبَقًا أَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ، أَوْ رُبَّمَا كَانَتْ مُخَدَّرَةً بِطَرِيقَةٍ مَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الرِّجَالُ. رَأَيْتُ أَشْكَالًا صَغِيرَةً، أَطْفَالًا بِالتَّأْكِيدِ، يُحْمَلُونَ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ المُلَثَّمِينَ، بِلَا حَرَكَةٍ تُذْكَرُ، وَامْرَأَةً وَاحِدَةً كَانَتِ الوَحِيدَةَ الَّتِي أَبْدَتْ مُقَاوَمَةً ضَعِيفَةً، مُحَاوِلَةً أَنْ تَحْمِلَ صُرَّةَ قُمَاشٍ صَغِيرَةً، رُبَّمَا ثِيَابَ طِفْلٍ أَوْ لُعْبَةً، قَبْلَ أَنْ يَنْتَزِعَهَا أَحَدُ الرِّجَالِ مِنْهَا بِلَا رَحْمَةٍ وَيَرْمِيَهَا جَانِبًا فِي الطَّرِيقِ.»
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ مَرَّةً أُخْرَى، وَوَجْهُهُ يَتَلَوَّى بِأَلَمِ الذِّكْرَى. «لَمْ أَتَدَخَّلْ. اللهُ يُسَامِحُنِي، لَمْ أَتَدَخَّلْ، رَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ بُكَاءٍ خَافِتٍ، صَوْتَ امْرَأَةٍ تَتَوَسَّلُ بِصَوْتٍ مَكْتُومٍ، وَصَوْتَ أَطْفَالٍ يُحْمَلُونَ نِيَامًا أَوْ مُخَدَّرِينَ، لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ. بَقِيتُ فِي مَكَانِي، مُتَسَمِّرًا مِنَ الخَوْفِ وَالعَارِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، حَتَّى غَادَرَتِ الشَّاحِنَاتُ كَمَا جَاءَتْ، بِلَا ضَجِيجٍ، بِلَا آثَارٍ تُذْكَرُ، وَكَأَنَّ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا لَمْ تَحْدُثْ.»
«وَفِي الصَّبَاحِ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِصَوْتٍ مُشَجِّعٍ، وَهِيَ تُدَوِّنُ مُلَاحَظَاتٍ سَرِيعَةً فِي دَفْتَرِهَا الخَاصِّ.
«فِي الصَّبَاحِ، حِينَ سَأَلَ الجِيرَانُ عَنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، وَجَدُوا البَيْتَ فَارِغًا تَمَامًا، وَكَأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْكُنْهُ يَوْمًا. لَا أَثَاثَ، لَا مَلَابِسَ، لَا حَتَّى صُورَةً وَاحِدَةً مُعَلَّقَةً عَلَى الجُدْرَانِ. كُلُّ شَيْءٍ أُزِيلَ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ خِلَالَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. وَحِينَ حَاوَلَ أَحَدُ الجِيرَانِ أَنْ يَسْأَلَ رَسْمِيًّا فِي البَلَدِيَّةِ عَنِ العَائِلَةِ، أُخْبِرَ أَنَّهُ لَا تُوجَدُ سِجِلَّاتٌ تُثْبِتُ وُجُودَهُمْ فِي الحَيِّ أَصْلًا.»
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ بِذُهُولٍ. «كَيْفَ يُمْكِنُ لِعَائِلَةٍ كَامِلَةٍ أَنْ تُمْحَى مِنَ الوُجُودِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟»
«لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ سَهْلًا يَا وَلَدِي، كَانَ مُخَطَّطًا لَهُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ عَلَى مَدَى أَشْهُرٍ، رُبَّمَا سَنَةً كَامِلَةً قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ. «احْتَاجَ الأَمْرُ إِلَى تَوَاطُؤِ عِدَّةِ أَطْرَافٍ: مَنْ يُزَوِّرُ السِّجِلَّاتِ، مَنْ يُصْمِتُ الشُّهُودَ، مَنْ يُمَوِّلُ العَمَلِيَّةَ بِأَكْمَلِهَا، وَمَنْ يُنَفِّذُهَا لَيْلًا بِلَا ضَجِيجٍ. لَمْ يَكُنْ هَذَا عَمَلَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، بَلْ شَبَكَةً كَامِلَةً مِنَ المَصَالِحِ المُتَشَابِكَةِ، بَعْضُهَا مَا زَالَ قَائِمًا حَتَّى اليَوْمِ فِي أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.»
«لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْ أَحَدًا آخَرَ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟ الشُّرْطَةَ، صَحَفِيًّا، أَيَّةَ جِهَةٍ رَسْمِيَّةٍ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ لَمْ تَسْتَطِعْ كَبْتَهُ رَغْمَ حَسَاسِيَّةِ اللَّحْظَةِ، وَهِيَ تُدْرِكُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهَا أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ قَدْ يَكُونُ الأَهَمَّ بَيْنَ كُلِّ أَسْئِلَتِهَا اللَّيْلَةَ.
ضَحِكَ تَوْفِيقٌ ضَحْكَةً جَافَّةً خَالِيَةً مِنْ أَيِّ فَرَحٍ، ضَحْكَةَ رَجُلٍ عَاشَ طَوِيلًا بِمَا يَكْفِي لِيَعْرِفَ سُخْرِيَةَ العَالَمِ مِنْ قَرِيبٍ. «الشُّرْطَةُ؟ يَا ابْنَتِي، حِينَ اخْتَفَتْ عَائِلَةُ سَمَاحَةَ، كَانَ قَائِدُ الشُّرْطَةِ نَفْسُهُ صَدِيقًا مُقَرَّبًا لِفَارِسَ دَرْوِيشٍ، يَتَنَاوَلُ العَشَاءَ فِي بَيْتِهِ كُلَّ شَهْرٍ تَقْرِيبًا. وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ حَالًا. كُلُّ مَنْ حَاوَلَ أَنْ يَفْتَحَ هَذَا المِلَفَّ عَلَى مَدَى خَمْسِينَ عَامًا، وَجَدَ نَفْسَهُ إِمَّا مَنْقُولًا فَجْأَةً إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى، أَوْ مُتَقَاعِدًا مُبَكِّرًا بِشَكْلٍ غَامِضٍ، أَوْ بِبَسَاطَةٍ صَامِتًا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ خَاصٍّ لَمْ يُشَارِكْ أَحَدٌ تَفَاصِيلَهُ.»
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِمَرَارَةٍ: «أَمَّا الصَّحَفِيُّونَ، فَقَدْ حَاوَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا، سَأَلَنِي أَسْئِلَةً مُشَابِهَةً تَمَامًا لِأَسْئِلَتِكُمَا اللَّيْلَةَ، وَكِدْتُ أَنْ أُخْبِرَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى اخْتَفَى فَجْأَةً عَنِ السَّاحَةِ المِهَنِيَّةِ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنْ مُحَادَثَتِنَا، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ مَصِيرَهُ الحَقِيقِيَّ حَتَّى اليَوْمِ. لَمْ أَعْرِفْ حَتَّى إِنْ كَانَ قَدْ غَادَرَ البِلَادَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ، أَوْ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ أَسْوَأَ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ. هَذَا وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا لِيُعَلِّمَنِي دَرْسًا لَنْ أَنْسَاهُ: الصَّمْتُ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا، أَكْثَرُ أَمَانًا بِكَثِيرٍ مِنَ الكَلَامِ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ بِالذَّاتِ.»
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى سَلِيمٍ بِقَلَقٍ صَامِتٍ، مُدْرِكَةً أَنَّهَا هِيَ عَلَى الأَرْجَحِ ذَلِكَ الصَّحَفِيُّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَوْفِيقٌ مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ، أَوْ رُبَّمَا مَصْدَرُهَا الأَصْلِيُّ الَّذِي وَصَفَتْهُ لَهَا يَاسَمِينُ سَابِقًا فِي مُحَادَثَتِهِمَا بِالمَقْهَى، ذَلِكَ الَّذِي «اخْتَفَى عَنِ السَّاحَةِ المِهَنِيَّةِ» بَعْدَ مُقَابَلَتِهِ القَدِيمَةِ مَعَ «الحَارِسِ القَدِيمِ لِحَيِّ اليَاسَمِينِ».
هَزَّ تَوْفِيقٌ رَأْسَهُ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ أَكْثَرَ. «لَكِنْ شَخْصًا وَاحِدًا فَقَطْ أَخْبَرْتُهُ الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّمْتِ، حِينَ لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ ثِقْلَ هَذَا السِّرِّ وَحْدِي.»
«جَدِّي؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ.
أَوْمَأَ تَوْفِيقٌ بِبُطْءٍ. «إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ، جَدُّكَ، كَانَ صَدِيقًا مُقَرَّبًا لِي، رَغْمَ فَارِقِ العَمَلِ وَالمَكَانَةِ بَيْنَنَا. كَانَ رَجُلًا مُخْتَلِفًا عَنْ أَغْلَبِ مَنْ عَمِلُوا فِي تِلْكَ الدَّوَائِرِ الرَّسْمِيَّةِ، يَحْمِلُ ضَمِيرًا حَيًّا لَمْ يَمُتْ رَغْمَ كُلِّ الضُّغُوطِ. حِينَ أَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ صَمْتِي، شَحَبَ وَجْهُهُ تَمَامًا، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ وَقَّعَ عَلَى وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَتَهَا الكَامِلَةَ حِينَهَا، ظَنَّهَا مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ إِدَارِيٍّ رُوتِينِيٍّ يَخُصُّ نَقْلَ مِلْكِيَّةِ أَرْضٍ مُتَنَازَعٍ عَلَيْهَا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا كَانَتْ غِطَاءً قَانُونِيًّا لِجَرِيمَةِ اسْتِيلَاءٍ مُمَنْهَجَةٍ عَلَى أَرْضِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ اخْتَفَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.»
«كَيْفَ تَفَاعَلَ حِينَ عَرَفَ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ.
«بَكَى.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِبَسَاطَةٍ مُؤَثِّرَةٍ. «رَجُلٌ بَالِغٌ، مُحْتَرَمٌ، ذُو مَكَانَةٍ، جَلَسَ أَمَامِي فِي هَذِهِ الغُرْفَةِ بِالذَّاتِ، وَبَكَى كَطِفْلٍ صَغِيرٍ، وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ تَوْقِيعَهُ، مَهْمَا كَانَ بَرِيئًا فِي نِيَّتِهِ، سَاهَمَ فِي مَحْوِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ الوُجُودِ. قَالَ لِي كَلِمَاتٍ لَنْ أَنْسَاهَا أَبَدًا: ‘وَقَّعْتُ عَلَى وَرَقَةٍ أَعْطَتْنِي إِيَّاهَا يَدٌ بَرِيئَةُ المَلْمَسِ، لِأَكْتَشِفَ لَاحِقًا أَنَّهَا كَانَتْ تُخْفِي سِكِّينًا’.»
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ، وَنَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِأَسًى قَدِيمٍ. «جَدُّكَ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلَ الَّذِي تَتَخَيَّلُهُ مِنَ الوَثِيقَةِ البَارِدَةِ، وَلَا كَانَ الرَّجُلَ الَّذِي رُبَّمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَهُ بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفْتَهُ اليَوْمَ. كَانَ رَجُلًا وَقَعَ فِي فَخٍّ نَصَبَهُ لَهُ آخَرُونَ أَذْكَى وَأَقْسَى مِنْهُ، ثُمَّ أَمْضَى مَا تَبَقَّى مِنْ سَنَوَاتِهِ القَلِيلَةِ يُحَاوِلُ أَنْ يُصَحِّحَ خَطَأً لَمْ يَقْصِدْهُ، حَتَّى دَفَعَ ثَمَنَ تِلْكَ المُحَاوَلَةِ بِحَيَاتِهِ نَفْسِهَا. إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ كُلِّهَا يَا وَلَدِي، فَهُوَ جَدُّكَ، لَا مَنْ دَبَّرَ كُلَّ هَذَا مِنَ الأَسَاسِ.»
شَعَرَ سَلِيمٌ بِدِفْءٍ غَرِيبٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الثِّقْلِ، دِفْءَ الغُفْرَانِ الَّذِي مَنَحَهُ تَوْفِيقٌ لِجَدِّهِ دُونَ أَنْ يَطْلُبَهُ أَحَدٌ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِالذَّاتِ جَاهِزَةً مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِيَقُولَهَا لِحَفِيدِ صَدِيقِهِ القَدِيمِ.
«وَمَاذَا فَعَلَ حِينَ عَرَفَ الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ؟»
«حَاوَلَ أَنْ يُصَحِّحَ خَطَأَهُ.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ أَثْقَلَ. «حَاوَلَ أَنْ يَجْمَعَ أَدِلَّةً، أَنْ يَتَوَاصَلَ مَعَ مُحَامٍ يَثِقُ بِهِ، أَنْ يَفْتَحَ القَضِيَّةَ مِنْ جَدِيدٍ. لَكِنَّهُ لَمْ يَحْظَ بِالوَقْتِ الكَافِي لِإِتْمَامِ أَيٍّ مِنْ ذَلِكَ.»
«وَكَيْفَ مَاتَ بِالضَّبْطِ؟ سَمِعْتُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ لِمَبْنَى البَلَدِيَّةِ.» سَأَلَ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ.
نَظَرَ تَوْفِيقٌ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً مُثْقَلَةً بِالأَسَى. «لَمْ يَسْقُطْ يَا وَلَدِي. عَلَى الأَقَلِّ، لَيْسَ بِمُفْرَدِهِ. رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بِالذَّاتِ، قَبْلَ سَاعَاتٍ مِنْ ‘سُقُوطِهِ’، خَارِجًا مِنْ مَكْتَبِ فَارِسَ دَرْوِيشٍ وَهُوَ غَاضِبٌ بِشَكْلٍ لَمْ أَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، يَحْمِلُ حَقِيبَةَ أَوْرَاقٍ ضَخْمَةً. لَمْ أَرَهُ حَيًّا بَعْدَهَا أَبَدًا.»
«هَلْ أَخْبَرْتَ أَحَدًا بِمَا رَأَيْتَهُ يَوْمَهَا؟»
هَزَّ تَوْفِيقٌ رَأْسَهُ بِحَسْرَةٍ عَمِيقَةٍ. «حَاوَلْتُ. ذَهَبْتُ إِلَى الشُّرْطَةِ فِي اليَوْمِ التَّالِي مُبَاشَرَةً، أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ غَاضِبًا وَحَيًّا قَبْلَ سَاعَاتٍ مِنْ إِعْلَانِ وَفَاتِهِ، وَأَنَّ القِصَّةَ الرَّسْمِيَّةَ عَنْ ‘حَادِثِ صِيَانَةٍ’ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ رَجُلٍ مَكْتَبِيٍّ لَا شَأْنَ لَهُ بِأَعْمَالِ البِنَاءِ. اسْتَمَعَ إِلَيَّ الضَّابِطُ المُنَاوِبُ بِأَدَبٍ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَنَّ التَّحْقِيقَ أُغْلِقَ رَسْمِيًّا، وَأَنَّ شَهَادَتِي ‘غَيْرُ ذَاتِ صِلَةٍ’ بِالقَضِيَّةِ. لَمْ أُحَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَهَا، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَلْحَقَنِي نَفْسُ مَصِيرِ مَنْ سَبَقَنِي.»
الاقْتِحَامُ
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، وَأَصْغَى بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعْهُ سَلِيمٌ أَوْ يَاسَمِينُ بَعْدُ.
«هَلْ سَمِعْتُمَا هَذَا؟» هَمَسَ بِذُعْرٍ مُتَجَدِّدٍ.
أَصْغَى سَلِيمٌ بِدَوْرِهِ، وَسَمِعَهُ هَذِهِ المَرَّةَ بِوُضُوحٍ: صَوْتَ خُطُوَاتٍ خَفِيفَةٍ تَتَسَلَّلُ عَبْرَ المَمَرِّ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ صَوْتَ بَابٍ خَلْفِيٍّ يُفْتَحُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، أَبْطَأَ بِكَثِيرٍ مِنْ طَرِيقَةِ دُخُولِهِمَا هُمَا نَفْسَيْهِمَا قَبْلَ قَلِيلٍ.
«يُوجَدُ بَابٌ خَلْفِيٌّ؟» هَمَسَتْ يَاسَمِينُ بِسُرْعَةٍ.
«يُؤَدِّي إِلَى حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ خَلْفَ البَيْتِ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ مِنَ الخَوْفِ الحَقِيقِيِّ هَذِهِ المَرَّةَ، لَا الإِرْهَاقِ فَقَطْ. «لَا أَحَدَ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ سِوَى قِلَّةٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا.»
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَفْزُوعَةً. تَذَكَّرَ سَلِيمٌ فَجْأَةً كُلَّ التَّحْذِيرَاتِ المُتَرَاكِمَةِ عَلَى مَدَى الأَيَّامِ المَاضِيَةِ: الأَثَرَ الطِّينِيَّ فِي صَالَةِ بَيْتِهِ، المَمَرَّ السِّرِّيَّ تَحْتَ الغُرْفَةِ، القُفَّازَ الأَسْوَدَ المُمَزَّقَ، وَهَا هُوَ الآنَ يُوَاجِهُ نَمَطًا مُشَابِهًا تَمَامًا فِي بَيْتٍ آخَرَ، بِطَرِيقَةٍ تَكْشِفُ عَنْ مَعْرِفَةٍ دَقِيقَةٍ وَمُتَكَرِّرَةٍ بِمَدَاخِلَ خَفِيَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا القَلِيلُونَ جِدًّا.
نَهَضَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُفَكِّرَ بِخُطْوَتِهِ التَّالِيَةِ، حِينَ انْدَفَعَ البَابُ الرَّئِيسِيُّ لِلْغُرْفَةِ فَجْأَةً، مَفْتُوحًا بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ لِيَصْطَدِمَ بِالجِدَارِ المُجَاوِرِ بِصَوْتٍ حَادٍّ، وَظَهَرَ عِنْدَ العَتَبَةِ رَجُلٌ مُلَثَّمٌ بِالكَامِلِ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ دَاكِنَةً ضَيِّقَةً، وَقُفَّازًا أَسْوَدَ مُشَابِهًا تَمَامًا لِذَلِكَ الَّذِي وَجَدَهُ سَلِيمٌ فِي المَمَرِّ السِّرِّيِّ تَحْتَ بَيْتِهِ. كَانَتْ حَرَكَاتُهُ سَرِيعَةً وَمَدْرُوسَةً، حَرَكَاتِ رَجُلٍ تَدَرَّبَ عَلَى مُهِمَّاتٍ كَهَذِهِ مِنْ قَبْلُ، لَا حَرَكَاتِ لِصٍّ عَشْوَائِيٍّ يَبْحَثُ عَنْ مَالٍ أَوْ مُجَوْهَرَاتٍ. لَاحَظَ سَلِيمٌ، حَتَّى فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ المُرْتَبِكَةِ، طَرِيقَةَ وُقُوفِ الرَّجُلِ، تَوْزِيعَ وَزْنِهِ عَلَى قَدَمَيْهِ بِشَكْلٍ يُوحِي بِتَدْرِيبٍ قِتَالِيٍّ سَابِقٍ، رُبَّمَا عَسْكَرِيٍّ أَوْ أَمْنِيٍّ مِنْ نَوْعٍ مَا، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ بَلْطَجِيٍّ مُسْتَأْجَرٍ بِشَكْلٍ عَشْوَائِيٍّ.
لَمْ يَمْنَحِ الرَّجُلُ أَيًّا مِنْهُمْ فُرْصَةً لِلتَّفْكِيرِ: انْدَفَعَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ حَيْثُ كَانَ دَفْتَرُ تَوْفِيقٍ الجِلْدِيُّ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا، وَخَطَفَ الصَّفَحَاتِ الَّتِي كَتَبَهَا الرَّجُلُ العَجُوزُ بِيَدَيْهِ المُرْتَجِفَتَيْنِ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ مَحْسُوبَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ وَمَكَانَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُ هَذَا اللِّقَاءَ بِالذَّاتِ مِنْ مَكَانٍ مَا قَرِيبٍ، يَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِلتَّدَخُّلِ.
هَرَعَ سَلِيمٌ نَحْوَهُ مُحَاوِلًا اسْتِرْدَادَ الدَّفْتَرِ، فَدَفَعَهُ الرَّجُلُ المُلَثَّمُ بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ لِإِسْقَاطِهِ أَرْضًا، مُصْطَدِمًا بِحَافَّةِ الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ بِشَكْلٍ مُؤْلِمٍ. حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يُمْسِكَ بِسَاقِ الرَّجُلِ وَهُوَ سَاقِطٌ، لَكِنَّ الأَخِيرَ تَمَلَّصَ بِمَهَارَةٍ، وَرَكَلَهُ بِقُوَّةٍ بَعِيدًا، ثُمَّ اسْتَدَارَ نَحْوَ تَوْفِيقٍ الَّذِي حَاوَلَ أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ بِذِرَاعَيْهِ، فَدَفَعَهُ الرَّجُلُ جَانِبًا بِلَا رَحْمَةٍ، مَا جَعَلَ الرَّجُلَ العَجُوزَ يَرْتَطِمُ بِحَافَّةِ الطَّاوِلَةِ، مُصْدِرًا صَرْخَةَ أَلَمٍ مَكْتُومَةً، بَيْنَمَا تَدَحْرَجَ عَلَى الأَرْضِ مُمْسِكًا بِذِرَاعِهِ اليُمْنَى.
انْدَفَعَتْ يَاسَمِينُ نَحْوَ الرَّجُلِ المُلَثَّمِ فِي مُحَاوَلَةٍ يَائِسَةٍ لِإِيقَافِهِ، مُمْسِكَةً بِذِرَاعِهِ بِكِلْتَا يَدَيْهَا فِي مُحَاوَلَةٍ لِإِبْطَائِهِ، لَكِنَّهُ دَفَعَهَا بِدَوْرِهِ بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ لِإِسْقَاطِ تَوَازُنِهَا عَلَى الأَرِيكَةِ القَرِيبَةِ، ثُمَّ اخْتَفَى عَبْرَ البَابِ الخَلْفِيِّ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ سَلِيمٌ بِضْعَ دَقَائِقَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ يَاسَمِينَ، مُسْرِعًا عَبْرَ الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ الخَلْفِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَيٌّ مِنْهُمُ اللَّحَاقَ بِهِ فِي العَتَمَةِ المُتَزَايِدَةِ خَارِجَ البَيْتِ.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَنْهَضَ بِسُرْعَةٍ وَيُلَاحِقَهُ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عِنْدَ البَابِ الخَلْفِيِّ، مُدْرِكًا أَنَّ الرَّجُلَ اخْتَفَى بِالفِعْلِ فِي مَتَاهَةِ الأَزِقَّةِ الخَلْفِيَّةِ المُظْلِمَةِ، وَأَنَّ أَيَّةَ مُحَاوَلَةٍ لِلْمُطَارَدَةِ فِي هَذِهِ العَتَمَةِ، فِي حَيٍّ لَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَهُ جَيِّدًا، سَتَكُونُ عَبَثِيَّةً وَرُبَّمَا خَطِرَةً. وَقَفَ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ عَتَبَةِ البَابِ الخَلْفِيِّ، يَتَفَحَّصُ الحَدِيقَةَ الصَّغِيرَةَ المُظْلِمَةَ بِعَيْنَيْنِ مُتَوَتِّرَتَيْنِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُمَيِّزَ أَيَّ أَثَرٍ إِضَافِيٍّ قَدْ يُسَاعِدُهُمْ لَاحِقًا: بَصْمَةَ قَدَمٍ فِي التُّرَابِ الرَّخْوِ، خَيْطًا مِنْ قُمَاشٍ عَالِقٍ فِي شُجَيْرَةٍ، أَيَّ شَيْءٍ عَلَى الإِطْلَاقِ. لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَاضِحًا فِي العَتَمَةِ الكَثِيفَةِ، سِوَى بَوَّابَةٍ خَشَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي نِهَايَةِ الحَدِيقَةِ، مَفْتُوحَةٍ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، تُؤَدِّي إِلَى زُقَاقٍ فَرْعِيٍّ آخَرَ يَمْتَدُّ بَعِيدًا فِي الظَّلَامِ.
هَرَعَ سَلِيمٌ نَحْوَ تَوْفِيقٍ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ مُمْسِكًا بِذِرَاعِهِ، أَنِينُهُ يَمْلَأُ الغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ. فَحَصَتْ يَاسَمِينُ ذِرَاعَهُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَتْ كَدْمَةً قَوِيَّةً لَكِنْ لَا كَسْرَ ظَاهِرًا، رَغْمَ أَنَّ الرَّجُلَ العَجُوزَ كَانَ يَرْتَجِفُ مِنَ الصَّدْمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرْتَجِفُ مِنَ الأَلَمِ الجَسَدِيِّ نَفْسِهِ.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغُصَّةِ ذَنْبٍ إِضَافِيَّةٍ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. «إِذَنْ نَحْنُ مَنْ عَرَّضَكَ لِهَذَا الخَطَرِ مُبَاشَرَةً، بِمَجِيئِنَا هَذَا المَسَاءَ بِالذَّاتِ.»
«لَا تَلُمْ نَفْسَكَ يَا وَلَدِي.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِلُطْفٍ مُفَاجِئٍ رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ. «هَذَا الخَطَرُ كَانَ قَائِمًا مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، أَنْتُمَا فَقَطْ عَجَّلْتُمَا بِظُهُورِهِ اللَّيْلَةَ. رُبَّمَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا يَوْمًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ تَوْقِيتِهِ بِالضَّبْطِ.»
«هَلْ نَتَّصِلُ بِطَبِيبٍ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ، وَهِيَ تَفْحَصُ الذِّرَاعَ بِأَصَابِعَ حَذِرَةٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَتَذَكَّرَ أَيَّ إِسْعَافَاتٍ أَوَّلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ تَعَلَّمَتْهَا خِلَالَ سَنَوَاتِ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ فِي مَنَاطِقَ مُضْطَرِبَةٍ أَحْيَانًا.
«لَا أَطِبَّاءَ.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ رَغْمَ ضَعْفِهِ الظَّاهِرِ. «لَا أُرِيدُ أَيَّ سِجِلٍّ رَسْمِيٍّ يُوَثِّقُ أَنَّنِي تَعَرَّضْتُ لِاعْتِدَاءٍ اللَّيْلَةَ. كُلَّمَا قَلَّ عَدَدُ مَنْ يَعْرِفُ بِمَا حَدَثَ هُنَا، كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لِسَلَامَتِي.»
أَحْضَرَ سَلِيمٌ مِنْشَفَةً مُبَلَّلَةً مِنَ المَطْبَخِ الصَّغِيرِ، وَوَضَعَهَا بِلُطْفٍ عَلَى ذِرَاعِ تَوْفِيقٍ المُصَابَةِ، بَيْنَمَا جَلَسَتْ يَاسَمِينُ تُرَاقِبُ البَابَ الخَلْفِيَّ بِقَلَقٍ، خَشْيَةَ عَوْدَةِ المُهَاجِمِ أَوْ وُصُولِ شَرِيكٍ لَهُ. تَفَحَّصَتِ الغُرْفَةَ بِعَيْنَيْنِ يَقِظَتَيْنِ، لَاحَظَتْ أَنَّ الدَّفْتَرَ الجِلْدِيَّ اخْتَفَى تَمَامًا مِنَ الطَّاوِلَةِ، لَمْ يَتَبَقَّ مَكَانَهُ سِوَى فَرَاغٍ صَغِيرٍ فِي الغُبَارِ الخَفِيفِ المُتَرَاكِمِ عَلَى السَّطْحِ الخَشَبِيِّ، وَكَأَنَّ الدَّفْتَرَ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ يَوْمًا.
«مَاذَا كَانَ مَكْتُوبًا فِي الصَّفَحَاتِ الَّتِي أَخَذَهَا؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُقَيِّمَ حَجْمَ الخَسَارَةِ الحَقِيقِيَّ. «هَلْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَ كُلَّ شَيْءٍ، أَمْ بَقِيَ جُزْءٌ لَمْ تُدَوِّنْهُ بَعْدُ؟»
فَكَّرَ تَوْفِيقٌ لِلَحْظَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِعَادَةَ تَفَاصِيلِ مَا كَتَبَهُ عَلَى مَدَى السَّنَوَاتِ المَاضِيَةِ. «كَتَبْتُ كُلَّ مَا رَوَيْتُهُ لَكُمَا اللَّيْلَةَ تَقْرِيبًا، بِالإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِ التَّفَاصِيلِ الأَدَقِّ عَنْ هُوِيَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي أَعْطَانِي المَالَ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَذْكُرِ اسْمَهُ صَرَاحَةً حَتَّى فِي الدَّفْتَرِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي يَدٍ خَاطِئَةٍ يَوْمًا، تَمَامًا كَمَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ بِالضَّبْطِ.»
«سَيِّدَ تَوْفِيقٍ، أَنَا آسِفٌ جِدًّا، هَذَا خَطَئِي.» قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالنَّدَمِ. «لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ مَجِيئِي سَيُعَرِّضُكَ لِخَطَرٍ مُبَاشِرٍ كَهَذَا. كَانَ يَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ أَطْرُقَ بَابَكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُفَاجِئَةِ.»
نَظَرَ إِلَيْهِ تَوْفِيقٌ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَزِيجٍ مِنَ الخَوْفِ وَالغَضَبِ، لَكِنَّ غَضَبَهُ، كَمَا أَدْرَكَ سَلِيمٌ، لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا حَقًّا نَحْوَهُ شَخْصِيًّا، بَلْ نَحْوَ الظَّرْفِ بِأَكْمَلِهِ الَّذِي وَجَدَ نَفْسَهُ مُحَاصَرًا فِيهِ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا دُونَ مَخْرَجٍ حَقِيقِيٍّ. تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَجْمِعَ مَا تَبَقَّى مِنْ هُدُوئِهِ المُتَصَدِّعِ، قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ الحَدِيثَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا قَلِيلًا. «أَخَذُوا الدَّفْتَرَ. كُلُّ مَا كَتَبْتُهُ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، كُلُّ التَّفَاصِيلِ الَّتِي كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَنْسَاهَا، ذَهَبَتِ الآنَ فِي يَدِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُبْقِيَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ مَدْفُونَةً إِلَى الأَبَدِ.»
«هَلْ كَتَبْتَ الاسْمَ؟ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي أَعْطَاكَ المَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ، رَغْمَ إِدْرَاكِهِ أَنَّ التَّوْقِيتَ سَيِّئٌ لِلْغَايَةِ لِهَذَا السُّؤَالِ.
اتَّسَعَتْ عَيْنَا تَوْفِيقٍ بِذُعْرٍ مُتَجَدِّدٍ. «لَا مَزِيدَ مِنَ الأَسْئِلَةِ. لَا اللَّيْلَةَ، وَلَا أَيَّةَ لَيْلَةٍ أُخْرَى.» قَالَهَا بِصَوْتٍ مُتَصَلِّبٍ فَجْأَةً، مُتَرَاجِعًا عَنْ كُلِّ الثِّقَةِ الَّتِي بَنَاهَا مَعَهُمَا خِلَالَ السَّاعَةِ المَاضِيَةِ. «لَقَدْ رَأَيْتُمَا بِأَنْفُسِكُمَا مَا يَحْدُثُ لِمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ هَذِهِ الحَقِيقَةِ. أَنَا رَجُلٌ عَجُوزٌ، وَلَمْ يَعُدْ لَدَيَّ الكَثِيرُ مِنَ السَّنَوَاتِ لِأَخْسَرَهَا، لَكِنَّنِي أَيْضًا لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِأُخَاطِرَ بِمَا تَبَقَّى مِنْهَا.»
«سَيِّدَ تَوْفِيقٍ، أَرْجُوكَ…» حَاوَلَتْ يَاسَمِينُ أَنْ تَتَدَخَّلَ بِلُطْفٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَجِدَ طَرِيقَةً لِإِقْنَاعِهِ دُونَ الضَّغْطِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ. «نَحْنُ لَا نَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُخَاطِرَ بِحَيَاتِكَ، فَقَطْ أَنْ تُخْبِرَنَا بِمَا يَكْفِي لِنُكْمِلَ الطَّرِيقَ بِأَنْفُسِنَا، بَعِيدًا عَنْكَ تَمَامًا بَعْدَ اللَّيْلَةِ.»
«لَا.» قَاطَعَهَا بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ يُخَالِفُ هَشَاشَتَهُ الجَسَدِيَّةَ الظَّاهِرَةَ. «كُلُّ مَعْلُومَةٍ إِضَافِيَّةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِي الآنَ قَدْ تَكُونُ كَافِيَةً لِتَحْدِيدِ مَصْدَرِهَا لَاحِقًا، مَهْمَا حَاوَلْتُمَا إِخْفَاءَ الأَمْرِ. غَادِرَا بَيْتِي الآنَ، مِنْ فَضْلِكُمَا. وَإِنْ كُنْتُمَا تَهْتَمَّانِ بِسَلَامَتِي فِعْلًا، فَلَا تَعُودَا إِلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى. لَقَدْ أَعْطَيْتُكُمَا مَا اسْتَطَعْتُ، وَالبَاقِي عَلَيْكُمَا أَنْ تَكْتَشِفَاهُ بِأَنْفُسِكُمَا، بَعِيدًا عَنِّي.»
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يُقْنِعَهُ بِالبَقَاءِ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ بِإِكْمَالِ بِضْعِ جُمَلٍ أَخِيرَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُذَكِّرَهُ بِصَدَاقَتِهِ القَدِيمَةِ مَعَ جَدِّهِ، بِالثِّقَةِ الَّتِي مَنَحَهُ إِيَّاهَا وَالِدُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، لَكِنَّ تَوْفِيقٍ أَغْلَقَ فَمَهُ بِإِصْرَارٍ وَاضِحٍ، يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى نَحْوَهُمَا، وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ إِضَافِيَّةٍ قَدْ تُنْطَقُ سَتَكُونُ ثَقِيلَةً عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ جَسَدُهُ المُتْعَبُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
آخِرُ جُمْلَةٍ
نَهَضَتْ يَاسَمِينُ أَخِيرًا، وَأَشَارَتْ لِسَلِيمٍ بِنَظْرَةٍ صَامِتَةٍ أَنَّ الوَقْتَ حَانَ لِلْمُغَادَرَةِ، مَهْمَا كَانَتِ الأَسْئِلَةُ العَالِقَةُ كَثِيرَةً. سَاعَدَا تَوْفِيقًا عَلَى الجُلُوسِ بِأَمَانٍ عَلَى أَرِيكَتِهِ، وَتَأَكَّدَا مِنْ إِغْلَاقِ البَابِ الخَلْفِيِّ بِإِحْكَامٍ قَدْرَ الإِمْكَانِ، رَغْمَ أَنَّ قُفْلَهُ بَدَا مَكْسُورًا بِشَكْلٍ يَصْعُبُ إِصْلَاحُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
«يَجِبُ أَنْ نُبَلِّغَ الشُّرْطَةَ بِمَا حَدَثَ هُنَا.» قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ وَهُوَ يَجْمَعُ أَغْرَاضَهُ اسْتِعْدَادًا لِلْمُغَادَرَةِ. «لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْرُكَ سَيِّدَ تَوْفِيقٍ دُونَ حِمَايَةٍ بَعْدَ اعْتِدَاءٍ مُبَاشِرٍ كَهَذَا.»
هَزَّتْ يَاسَمِينُ رَأْسَهَا مُوَافِقَةً، لَكِنَّهَا أَضَافَتْ بِحَذَرٍ: «المُشْكِلَةُ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ نَثِقَ بِهِ دَاخِلَ جِهَازِ الشُّرْطَةِ نَفْسِهِ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ بِالذَّاتِ. لَكِنْ يُوجَدُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، ضَابِطُ تَحْقِيقٍ أَعْرِفُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، اسْمُهُ رَامِي عَاصِي، نَزِيهٌ بِقَدْرِ مَا عَرَفْتُ أَيَّ ضَابِطٍ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ. رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِأَتَّصِلَ بِهِ، وَلَوْ بِشَكْلٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ فِي البِدَايَةِ، لِأَسْتَشِيرَهُ دُونَ أَنْ أَكْشِفَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ بَعْدُ.»
«هَلْ تَثِقِينَ بِهِ فِعْلًا؟»
«أَثِقُ أَنَّهُ لَنْ يَبِيعَ القَضِيَّةَ لِأَعْلَى مُزَايِدٍ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِمَّا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ عَنْ أَغْلَبِ مَنْ يَعْمَلُونَ مَعَهُ.» أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِصَرَاحَةٍ. «لَكِنَّ الثِّقَةَ الكَامِلَةَ شَيْءٌ آخَرُ، لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ مَنْحِهَا لِأَيِّ أَحَدٍ بِسُهُولَةٍ بَعْدَ اللَّيْلَةِ.»
وَعَدَ سَلِيمٌ نَفْسَهُ أَنْ يُتَابِعَ هَذَا الخَيْطَ لَاحِقًا، لَكِنَّ أَوْلَوِيَّتَهُ الآنَ كَانَتِ التَّأَكُّدَ مِنْ سَلَامَةِ تَوْفِيقٍ قَبْلَ مُغَادَرَةِ البَيْتِ نِهَائِيًّا. اقْتَرَحَ أَنْ يَبْقَى أَحَدُهُمَا مَعَهُ حَتَّى الصَّبَاحِ، لَكِنَّ الرَّجُلَ العَجُوزَ رَفَضَ بِإِصْرَارٍ، مُطَمْئِنًا إِيَّاهُمَا بِأَنَّهُ اعْتَادَ الِاعْتِنَاءَ بِنَفْسِهِ وَحِيدًا لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّ وُجُودَهُمَا أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ فِي بَيْتِهِ قَدْ يَجْذِبُ انْتِبَاهًا إِضَافِيًّا غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ. أَصَرَّ سَلِيمٌ عَلَى الأَقَلِّ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ رَقْمَ هَاتِفِهِ الشَّخْصِيَّ، مَكْتُوبًا عَلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ فَوْرًا إِنْ شَعَرَ بِأَيِّ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، دُونَ تَرَدُّدٍ.
«سَأَفْعَلُ، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَعِدُ بِأَنَّنِي سَأَرُدُّ دَائِمًا.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوَّلِ ابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ يُبْدِيهَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذَا اللِّقَاءِ المُضْطَرِبِ. «لَكِنْ أَعْرِفُ أَنَّكَ، عَلَى عَكْسِ كَثِيرِينَ مَرُّوا بِحَيَاتِي، تَسْأَلُ مِنْ قَلْبِكَ لَا مِنْ مَصْلَحَةٍ، وَهَذَا وَحْدَهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ أَثِقَ بِهِ قَلِيلًا، رَغْمَ كُلِّ مَخَاوِفِي.»
قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَا نِهَائِيًّا مِنَ البَابِ الأَمَامِيِّ، تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، وَأَمْسَكَ بِمِعْصَمِ سَلِيمٍ بِيَدِهِ المُرْتَجِفَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً أَخِيرَةً مَلِيئَةً بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاعْتِذَارَ الصَّامِتَ.
«اسْمُ العَائِلَةِ الَّتِي حَكَمَتْ هَذِهِ المَدِينَةَ مِنَ الظِّلِّ طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا لَا يَبْدَأُ بِحَرْفِ الدَّالِ يَا وَلَدِي.» هَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ، قَبْلَ أَنْ يُفْلِتَ مِعْصَمَهُ وَيَسْتَدِيرَ بَعِيدًا، رَافِضًا أَنْ يُضِيفَ كَلِمَةً وَاحِدَةً أُخْرَى، تَارِكًا سَلِيمًا وَيَاسَمِينَ يَقِفَانِ فِي عَتَبَةِ البَابِ، مَذْهُولَيْنِ مِنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تَنْسِفُ كُلَّ افْتِرَاضٍ بَنَيَاهُ طَوَالَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ المَاضِيَةِ حَوْلَ هُوِيَّةِ الخَصْمِ الحَقِيقِيِّ وَرَاءَ كُلِّ هَذَا.

السَّيَّارَةُ فِي الظَّلَامِ

مَشَيَا بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ عَبْرَ الزُّقَاقِ المُظْلِمِ، مُبْتَعِدَيْنِ عَنْ بَيْتِ تَوْفِيقٍ، حَتَّى وَصَلَا إِلَى سَيَّارَةِ يَاسَمِينَ المَرْكُونَةِ عِنْدَ مَدْخَلِ الزُّقَاقِ. جَلَسَا بِدَاخِلِهَا دُونَ أَنْ يُشَغِّلَا المُحَرِّكَ فَوْرًا، كِلَاهُمَا يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ ثِقْلِ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ.
«لَا يَبْدَأُ بِحَرْفِ الدَّالِ.» كَرَّرَ سَلِيمٌ الجُمْلَةَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. «يَقْصِدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَائِلَةَ دَرْوِيشٍ؟ لَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ يُشِيرُ إِلَى كَمَالٍ مُنْذُ اليَوْمِ الأَوَّلِ، العَرْضُ المُلِحُّ، المِفْتَاحُ القَدِيمُ، سُؤَالُهُ عَنْ أَوْرَاقِ أَبِي…»
«رُبَّمَا كَمَالٌ جُزْءٌ مِنَ الشَّبَكَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ رَأْسَهَا.» فَكَّرَتْ يَاسَمِينُ بِصَوْتٍ عَالٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُرَتِّبَ أَفْكَارَهَا المُتَطَايِرَةَ. «أَوْ رُبَّمَا يَعْمَلُ كَمَالٌ لِصَالِحِ شَخْصٍ آخَرَ، عَائِلَةٍ أُخْرَى تَقِفُ خَلْفَهُ، تُدِيرُ كُلَّ هَذَا مِنَ الظِّلِّ الحَقِيقِيِّ بَيْنَمَا يَظْهَرُ هُوَ كَوَاجِهَةٍ عَامَّةٍ لِلْمَشْرُوعِ. هَذَا يُفَسِّرُ كَثِيرًا مِنَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي بَدَتْ غَيْرَ مَنْطِقِيَّةٍ لِي طَوَالَ تَحْقِيقَاتِي السَّابِقَةِ: كَمَالٌ يَمْلِكُ المَالَ وَالنُّفُوذَ الظَّاهِرَ، لَكِنْ بَعْضَ القَرَارَاتِ الَّتِي رَصَدْتُهَا فِي تَحْقِيقَاتِي القَدِيمَةِ بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تُتَّخَذُ مِنْ مُسْتَوًى أَعْلَى مِنْهُ، بِسُرْعَةٍ وَحَسْمٍ لَا يَتَنَاسَبَانِ مَعَ طَرِيقَةِ عَمَلِهِ المُعْتَادَةِ.»
اسْتَعَادَتْ يَاسَمِينُ مِنْ ذَاكِرَتِهَا تَفْصِيلًا صَغِيرًا أَهْمَلَتْهُ سَابِقًا: اجْتِمَاعًا مُغْلَقًا حَضَرَهُ كَمَالٌ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، ذَكَرَتْهُ مَصَادِرُهَا آنَذَاكَ بِشَكْلٍ عَابِرٍ، مَعَ «شَرِيكَةٍ اسْتِثْمَارِيَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ» لَمْ تَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ هُوِيَّتِهَا الكَامِلَةِ حِينَهَا، ظَانَّةً أَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِتَمْوِيلٍ عَادِيٍّ لَا أَكْثَرَ. تَسَاءَلَتِ الآنَ، بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، إِنْ كَانَتْ تِلْكَ «الشَّرِيكَةُ» هِيَ المَرْأَةُ نَفْسُهَا الَّتِي بَدَأَتْ مَلَامِحُ دَوْرِهَا تَتَّضِحُ تَدْرِيجِيًّا فِي هَذِهِ القِصَّةِ.
«إِذَنْ مَنْ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِإِحْبَاطٍ مُتَزَايِدٍ. «كُلُّ هَذَا التَّحْقِيقِ، كُلُّ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَبَدَلَ أَنْ نَقْتَرِبَ مِنْ إِجَابَةٍ، وَجَدْنَا سُؤَالًا جَدِيدًا أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الأَسْئِلَةِ السَّابِقَةِ.»
«هَذَا مَا يَحْدُثُ دَائِمًا فِي التَّحْقِيقَاتِ الحَقِيقِيَّةِ يَا سَلِيمُ.» أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِحِكْمَةٍ مُتْعَبَةٍ. «كُلُّ طَبَقَةٍ تَكْشِفُهَا تَكْشِفُ طَبَقَةً أَعْمَقَ تَحْتَهَا. لَكِنْ عَلَى الأَقَلِّ الآنَ نَعْرِفُ شَيْئًا لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ صَبَاحَ اليَوْمِ: أَنَّنَا كُنَّا نَنْظُرُ فِي الِاتِّجَاهِ الخَطَأِ جُزْئِيًّا طَوَالَ الوَقْتِ.»
شَغَّلَتْ يَاسَمِينُ المُحَرِّكَ أَخِيرًا، وَقَادَتِ السَّيَّارَةَ بِبُطْءٍ عَبْرَ شَوَارِعِ المَدِينَةِ اللَّيْلِيَّةِ الهَادِئَةِ، بَيْنَمَا بَقِيَ سَلِيمٌ صَامِتًا، يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الأَضْوَاءِ المُتَنَاثِرَةِ لِمَدِينَةٍ بَدَأَتْ تَبْدُو لَهُ، مَعَ كُلِّ سَاعَةٍ تَمُرُّ، أَشْبَهَ بِمَدِينَتَيْنِ مُتَرَاكِبَتَيْنِ: وَاحِدَةٍ ظَاهِرَةٍ، مَأْلُوفَةٍ، يَعْرِفُهَا مِنْ طُفُولَتِهِ، وَأُخْرَى خَفِيَّةٍ، أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ وَأَكْثَرَ خُطُورَةً، تَحْكُمُهَا شَبَكَةٌ مِنَ المَصَالِحِ وَالأَسْرَارِ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ حَتَّى الآنَ حُدُودَهَا الحَقِيقِيَّةَ.
«سَأُوصِلُكَ إِلَى بَيْتِكَ.» قَالَتْ يَاسَمِينُ أَخِيرًا، كَاسِرَةً الصَّمْتَ الطَّوِيلَ. «لَكِنْ كُنْ حَذِرًا اللَّيْلَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. مَنْ نَفَّذَ هَذَا الِاقْتِحَامَ يَعْرِفُ الآنَ أَنَّنَا نَقْتَرِبُ، وَقَدْ لَا يَكْتَفِي بِسَرِقَةِ دَفْتَرٍ بَعْدَ الآنَ.»
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ بِصَمْتٍ، مُدْرِكًا أَنَّ الخَطَرَ الَّذِي كَانَ يَشْعُرُ بِهِ مُجَرَّدًا وَبَعِيدًا قَبْلَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، أَصْبَحَ الآنَ حَقِيقِيًّا وَمَلْمُوسًا وَقَرِيبًا بِشَكْلٍ مُرْعِبٍ، يَقْتَرِبُ مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ مَنْ حَاوَلَ مُسَاعَدَتَهُ، شَخْصًا تِلْوَ الآخَرِ.
لَيَانُ فِي انْتِظَارِهِ
وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى بَيْتِ العَائِلَةِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ، لِيَجِدَ لَيَانَ مُسْتَيْقِظَةً فِي الصَّالَةِ، جَالِسَةً عَلَى الأَرِيكَةِ تَحْتَضِنُ كُوبَ شَايٍ بَارِدٍ، لَمْ تَسْتَطِعِ النَّوْمَ مُنْذُ اتِّصَالِهَا الهَاتِفِيِّ مَعَهُ بَعْدَ الظُّهْرِ.
«أَيْنَ كُنْتَ طَوَالَ هَذَا الوَقْتِ؟ حَاوَلْتُ الاتِّصَالَ بِكَ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ تُجِبْ.» قَالَتْ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ، ثُمَّ لَاحَظَتْ شُحُوبَ وَجْهِهِ وَارْتِبَاكَ حَرَكَاتِهِ. «سَلِيمُ، مَاذَا حَدَثَ؟ وَجْهُكَ يُخْبِرُنِي أَنَّ شَيْئًا سَيِّئًا وَقَعَ.»
جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَرَوَى لَهَا بِإِيجَازٍ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ تَوْفِيقٍ: الِاقْتِحَامَ، إِصَابَةَ الرَّجُلِ العَجُوزِ البَسِيطَةَ، سَرِقَةَ الدَّفْتَرِ، وَالجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ الغَامِضَةَ عَنِ العَائِلَةِ الَّتِي «لَا يَبْدَأُ اسْمُهَا بِحَرْفِ الدَّالِ». أَصْغَتْ لَيَانُ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ، يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حَوْلَ كُوبِ الشَّايِ البَارِدِ.
«هَذَا يَعْنِي أَنَّ كَمَالًا قَدْ لَا يَكُونُ العَدُوَّ الحَقِيقِيَّ كَمَا ظَنَنَّا جَمِيعًا.» قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. «مَنْ غَيْرُهُ يَمْلِكُ هَذَا النُّفُوذَ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ؟»
«لَا أَعْرِفُ بَعْدُ.» اعْتَرَفَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ مُرْهَقٍ. «لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنَا لَسْنَا آمِنِينَ تَمَامًا حَتَّى فِي بَيْتِنَا هَذَا. تَأَكَّدِي مِنْ إِغْلَاقِ كُلِّ الأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ بِإِحْكَامٍ اللَّيْلَةَ، وَإِنْ سَمِعْتِ أَيَّ صَوْتٍ غَرِيبٍ، أَيْقِظِينِي فَوْرًا.»
نَظَرَتْ لَيَانُ إِلَيْهِ بِقَلَقٍ أَخَوِيٍّ عَمِيقٍ. «وَأَنْتَ؟ هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ حَقًّا؟»
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يُطَمْئِنَهَا رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطْمَئِنًّا بِنَفْسِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ. «سَأَكُونُ بِخَيْرٍ. فَقَطْ أَحْتَاجُ إِلَى بَعْضِ النَّوْمِ، وَالكَثِيرِ مِنَ التَّفْكِيرِ، قَبْلَ أَنْ أُقَرِّرَ خُطْوَتِي التَّالِيَةَ فِي الصَّبَاحِ.»

الصَّوْتُ عَلَى الهَاتِفِ

فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ المَدِينَةِ، فِي شُقَّةٍ مُتَوَاضِعَةٍ لَا تُشْبِهُ فَخَامَةَ مَكْتَبِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ عَلَى الإِطْلَاقِ، جَلَسَ الرَّجُلُ الَّذِي اقْتَحَمَ بَيْتَ تَوْفِيقٍ قَبْلَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَقَدْ خَلَعَ قِنَاعَهُ أَخِيرًا، كَاشِفًا عَنْ وَجْهِ شَابٍّ فِي أَوَاخِرِ العِشْرِينِيَّاتِ، مُتَعَرِّقًا مِنَ الجَرْيِ السَّرِيعِ عَبْرَ أَزِقَّةِ الحَيِّ القَدِيمِ.
وَضَعَ الدَّفْتَرَ الجِلْدِيَّ المَسْرُوقَ عَلَى طَاوِلَةٍ أَمَامَهُ، وَرَنَّ هَاتِفُهُ بَعْدَ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ. أَجَابَ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِاسْمِهِ.
«هَلْ حَصَلْتَ عَلَيْهِ؟» سَأَلَ صَوْتُ امْرَأَةٍ هَذِهِ المَرَّةَ، لَا صَوْتَ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ، وَلَا صَوْتَ الرَّجُلِ المَجْهُولِ الَّذِي هَدَّدَ سَلِيمًا هَاتِفِيًّا فِي الفُصُولِ السَّابِقَةِ.
«حَصَلْتُ عَلَيْهِ.» أَجَابَ الشَّابُّ بِلَهْجَةٍ مُرْهَقَةٍ. «لَكِنَّ العَجُوزَ تَحَدَّثَ كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ أَصِلَ. لَا أَعْرِفُ كَمْ أَخْبَرَهُمَا بِالضَّبْطِ.»
«لَا يُهِمُّ كَمْ أَخْبَرَهُمَا، طَالَمَا لَمْ يَذْكُرِ الاسْمَ.» قَالَتِ المَرْأَةُ بِهُدُوءٍ بَارِدٍ يُوحِي بِسُلْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. «افْتَحِ الدَّفْتَرَ الآنَ، وَاقْرَأْ لِي آخِرَ صَفْحَةٍ كَتَبَهَا، كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ.»
فَتَحَ الشَّابُّ الدَّفْتَرَ بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ مُرْتَجِفَتَيْنِ قَلِيلًا، وَبَدَأَ يَقْرَأُ الصَّفْحَةَ الأَخِيرَةَ الَّتِي كَتَبَهَا تَوْفِيقٌ قَبْلَ مَجِيءِ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ بِسَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، بَيْنَمَا كَانَتِ المَرْأَةُ تُصْغِي فِي صَمْتٍ تَامٍّ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، تَنْتَظِرُ لِتَسْمَعَ إِنْ كَانَ اسْمُهَا هِيَ نَفْسِهَا قَدْ ظَهَرَ أَخِيرًا عَلَى الوَرَقِ بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الحِمَايَةِ الحَذِرَةِ. نَظَرَ الشَّابُّ حَوْلَهُ فِي الشُّقَّةِ الصَّغِيرَةِ المُتَوَاضِعَةِ، مُتَسَائِلًا بِصَمْتٍ عَنْ نَوْعِ المَرْأَةِ الَّتِي تُدِيرُ عَمَلِيَّةً بِهَذَا الحَجْمِ مِنْ مَكَانٍ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ شَيْءٌ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَخُونُ أَيَّ تَوَتُّرٍ رَغْمَ خُطُورَةِ المَوْقِفِ الَّذِي وَصَفَهُ لَهُ لِتَوِّهَا.
قَرَأَ الشَّابُّ بِبُطْءٍ، مُتَلَعْثِمًا أَحْيَانًا فِي فَكِّ رُمُوزِ الخَطِّ اليَدَوِيِّ المُرْتَجِفِ لِلرَّجُلِ العَجُوزِ: «…الشَّاحِنَاتُ تَوَقَّفَتْ، وَالرِّجَالُ المُلَثَّمُونَ دَخَلُوا، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَدَخَّلَ. لَا أَعْرِفُ حَتَّى اليَوْمِ مَنْ دَبَّرَ كُلَّ هَذَا بِالضَّبْطِ، أَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَعْطَانِي المَالَ…» تَوَقَّفَ الشَّابُّ فَجْأَةً، وَأَعَادَ قِرَاءَةَ السَّطْرِ مَرَّةً أُخْرَى لِلتَّأَكُّدِ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ. «الصَّفْحَةُ تَنْتَهِي هُنَا. لَمْ يُكْمِلِ الجُمْلَةَ. يَبْدُو أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ الكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ الِاسْمَ مُبَاشَرَةً، رُبَّمَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ الدَّفْتَرُ يَوْمًا فِي يَدٍ خَاطِئَةٍ تَمَامًا كَمَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ.»
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الهَاتِفِ، صَمْتٌ بَدَا لِلشَّابِّ أَثْقَلَ مِنْ أَيَّةِ كَلِمَةٍ قَدْ تُقَالَ. أَخِيرًا، تَنَفَّسَتِ المَرْأَةُ بِعُمْقٍ وَاضِحٍ حَتَّى عَبْرَ سَمَّاعَةِ الهَاتِفِ، وَكَأَنَّهَا تَتَخَلَّصُ مِنْ تَوَتُّرٍ تَرَاكَمَ طَوَالَ السَّاعَةِ المَاضِيَةِ.
«جَيِّدٌ.» قَالَتْ أَخِيرًا بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ عَادَتْ إِلَيْهَا سَيْطَرَتُهَا الكَامِلَةُ. «احْتَفِظْ بِالدَّفْتَرِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَرَاهُ، حَتَّى كَمَالًا نَفْسَهُ. سَأُخْبِرُكَ مَتَى وَأَيْنَ تُسَلِّمُهُ لِي شَخْصِيًّا.» تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً قَلِيلًا: «وَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّكَ لَمْ تُرَ مِنْ أَحَدٍ وَأَنْتَ تَدْخُلُ ذَلِكَ البَيْتَ أَوْ تَخْرُجُ مِنْهُ. لَا مَجَالَ لِأَيِّ خَطَأٍ إِضَافِيٍّ بَعْدَ الآنَ.»
«وَمَاذَا عَنِ العَجُوزِ؟ هَلْ نَتَخَلَّصُ مِنْهُ نِهَائِيًّا هَذِهِ المَرَّةَ، بَدَلَ أَنْ نَتْرُكَهُ يَعِيشُ وَحِيدًا يَخْشَى المَوْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟» سَأَلَ الشَّابُّ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ يُثْقِلُ عَلَيْهِ أَخْلَاقِيًّا رَغْمَ عَمَلِهِ فِي هَذَا المَجَالِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
«لَا.» أَجَابَتِ المَرْأَةُ بِحَزْمٍ قَاطِعٍ. «مَا زَالَ حَيًّا أَكْثَرَ فَائِدَةً لَنَا مَيِّتًا فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ بِالذَّاتِ. رَجُلٌ عَجُوزٌ خَائِفٌ صَامِتٌ أَفْضَلُ مِنْ جُثَّةٍ تُثِيرُ تَحْقِيقًا جَدِيدًا فِي وَقْتٍ حَسَّاسٍ كَهَذَا. اتْرُكْهُ، وَرَاقِبْ فَقَطْ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ بَعْدَ اللَّيْلَةِ.»
أَنْهَتِ المُكَالَمَةَ دُونَ وَدَاعٍ، تَارِكَةً الشَّابَّ وَحِيدًا فِي شُقَّتِهِ المُتَوَاضِعَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الدَّفْتَرِ الجِلْدِيِّ المَفْتُوحِ أَمَامَهُ، مُتَسَائِلًا، لَيْسَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى، عَنْ حَجْمِ الشَّبَكَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ ضِمْنَهَا دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَنْ رَأْسُهَا بِالضَّبْطِ، وَلَا كَمْ عَدَدُ الأَرْوَاحِ الَّتِي أُزْهِقَتْ بِهُدُوءٍ عَلَى مَدَى خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً لِحِمَايَةِ سِرٍّ وَاحِدٍ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِضْعَ كَلِمَاتٍ فِي النِّهَايَةِ.
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ بِبُطْءٍ، وَوَضَعَهُ فِي دُرْجٍ مُقْفَلٍ أَسْفَلَ طَاوِلَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ فِي صَمْتِ الشُّقَّةِ الخَالِيَةِ، يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ المَدِينَةِ الخَافِتِ يَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ المَفْتُوحَةِ قَلِيلًا، مَدِينَةً لَا تَعْرِفُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَنَّ سِرَّهَا القَدِيمَ بَدَأَ يَتَصَدَّعُ أَخِيرًا بَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ مِنَ الصَّمْتِ المَفْرُوضِ بِالقُوَّةِ وَالخَوْفِ وَالمَالِ، وَأَنَّ حَفِيدًا عَائِدًا مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ قَرَّرَ أَلَّا يَدَعَهُ مَدْفُونًا بَعْدَ الآنَ، مَهْمَا كَلَّفَهُ هَذَا القَرَارُ مِنْ ثَمَنٍ بَاهِظٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، وَثَمَنٍ آخَرَ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهُمْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَرَغْمَ كُلِّ الخَوْفِ وَالأَلَمِ وَالأَسْئِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ بِلَا إِجَابَةٍ، شَعَرَ سَلِيمٌ أَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى الأَقَلِّ أَصْبَحَ وَاضِحًا تَمَامًا فِي ذِهْنِهِ: لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ التَّرَاجُعُ، وَلَا التَّوَقُّفُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، مَهْمَا بَلَغَ الثَّمَنُ الَّذِي بَدَأَ يُدْفَعُ، شَخْصًا بَعْدَ آخَرَ، مُنْذُ أَنْ قَرَّرَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَدِينَتِهِ بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الغِيَابِ.
كَانَ يَعْرِفُ الآنَ أَنَّ الخَصْمَ الحَقِيقِيَّ رُبَّمَا لَا يَزَالُ مَجْهُولَ المَلَامِحِ تَمَامًا، وَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَالِيَةٍ سَتَحْمِلُ مَخَاطِرَ أَكْبَرَ مِمَّا سَبَقَهَا، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَيْضًا، بِيَقِينٍ هَادِئٍ بَدَأَ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِهِ مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، أَنَّ وَالِدَهُ وَجَدَّهُ كِلَيْهِمَا كَانَا سَيَفْخَرَانِ بِهِ لَوْ رَأَيَاهُ الآنَ، مُصَمِّمًا عَلَى إِكْمَالِ الطَّرِيقِ الَّذِي بَدَآهُ وَلَمْ يَسْتَطِيعَا إِنْهَاءَهُ بِنَفْسَيْهِمَا.
هَذِهِ اللَّيْلَةُ، مَهْمَا حَمَلَتْ مِنْ أَلَمٍ وَخَوْفٍ وَمُفَاجَآتٍ مُؤْلِمَةٍ، لَمْ تَكُنِ النِّهَايَةَ، بَلْ مُجَرَّدَ بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ لِفَصْلٍ أَعْمَقَ وَأَخْطَرَ مِمَّا سَبَقَهُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.
— نِهَايَةُ الفَصْلِ الخَامِسِ —


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 06


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 04