Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 06

مدينة الياسمين

الْفَصْلُ السَّادِسُ

عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَلَتْهُ يَاسْمِينُ إِلَى الشَّارِعِ الرَّئِيسِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ، مُصِرَّةً عَلَى الْمُغَادَرَةِ بِسُرْعَةٍ. دَخَلَ بِهُدُوءٍ شَدِيدٍ، وَتَوَقَّفَ لَحْظَةً عِنْدَ الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ، يَنْظُرُ إِلَى شَجَرَةِ الْيَاسْمِينِ الْعَجُوزِ الَّتِي بَدَتْ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ الْخَافِتِ أَكْثَرَ هُدُوءًا بِكَثِيرٍ مِنْ كُلِّ الِاضْطِرَابِ الَّذِي يَعْتَمِلُ فِي دَاخِلِهِ.
دَخَلَ إِلَى الصَّالَةِ، فَوَجَدَ لَيَانَ لَا تَزَالُ مُسْتَيْقِظَةً، جَالِسَةً فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ الَّذِي تَرَكَهَا فِيهِ قَبْلَ سَاعَاتٍ. لَكِنَّ شَيْئًا فِي وَجْهِهَا كَانَ مُخْتَلِفًا هَذِهِ الْمَرَّةَ عَنْ قَلَقِهَا الْمُعْتَادِ: كَانَتْ شَاحِبَةً بِشَكْلٍ غَيْرِ طَبِيعِيٍّ، وَيَدَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ بِقُوَّةٍ فِي حِجْرِهَا، وَعَيْنَاهَا مُحْمَرَّتَانِ مِنْ بُكَاءٍ طَوِيلٍ حَاوَلَتْ إِخْفَاءَهُ.
“لَيَانُ؟” اقْتَرَبَ مِنْهَا سَلِيمٌ بِحَذَرٍ. “مَاذَا حَدَثَ؟”
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ. “لَا أَحَدَ اتَّصَلَ بِي يَا سَلِيمُ. لَكِنِّي… لَمْ أَسْتَطِعِ النَّوْمَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرْتَنِي بِمَا حَدَثَ لِتَوْفِيقٍ، وَبَقِيتُ أُفَكِّرُ، حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ حَمْلَ هَذَا وَحْدِي لَحْظَةً أُخْرَى. مُنْذُ وَفَاةِ أَبِي، وَأَنَا أَشْعُرُ أَنِّي أَحْمِلُ وَزْنًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ كَتِفَايَ.”
جَلَسَ أَمَامَهَا، وَأَمْسَكَ بِيَدَيْهَا الْمُتَشَابِكَتَيْنِ بِلُطْفٍ. “لَيَانُ، مَهْمَا كَانَ الْأَمْرُ، يُمْكِنُكِ أَنْ تُخْبِرِينِي بِهِ.”
رَفَعَتْ أَخِيرًا عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ، وَفِيهِمَا خَلِيطٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالذَّنْبِ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي وَجْهِهَا. “سَلِيمُ، هُنَاكَ شَيْءٌ لَمْ أُخْبِرْكَ بِهِ مُنْذُ عَوْدَتِكَ. شَيْءٌ فَعَلْتُهُ قَبْلَ وُصُولِكَ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.”
“لَيَانُ، مَاذَا فَعَلْتِ؟”
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ. “وَقَّعْتُ عَلَى وَرَقَةٍ قَدَّمَهَا لِي كَمَالُ دَرْوِيشٍ، قَبْلَ يَوْمَيْنِ مِنْ وُصُولِكَ، تُفَوِّضُهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي جُزْءٍ مِنْ مِيرَاثِ الْعَائِلَةِ نِيَابَةً عَنَّا، بِحُجَّةِ تَسْرِيعِ إِجْرَاءَاتٍ تَخُصُّ الْمِيرَاثَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي مُبَاشَرَةً.”
“مَتَى بِالضَّبْطِ؟ وَكَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟”
“جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي مُبَاشَرَةً لِوَفَاةِ أَبِي، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ أَنْتَ حَتَّى.” بَدَأَتْ لَيَانُ تَرْوِي بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. “كُنْتُ لَا أَزَالُ فِي حَالَةِ صَدْمَةٍ، لَمْ أَنَمْ مُنْذُ يَوْمَيْنِ، وَأُمِّي كَانَتْ مُنْهَارَةً تَمَامًا فِي غُرْفَتِهَا. جَاءَ كَمَالٌ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ حِدَادٍ أَنِيقَةً، حَامِلًا بَاقَةَ وَرْدٍ كَبِيرَةً، تَمَامًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ حِينَ كُنَّا أَطْفَالًا. جَلَسَ مَعِي فِي هَذِهِ الصَّالَةِ بِالذَّاتِ، وَتَحَدَّثَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ دَافِئٍ عَنْ أَبِي، حَتَّى بَكَيْتُ أَمَامَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.”
“وَثِقْتِ بِهِ لِهَذَا الْحَدِّ؟”
“كَانَ صَدِيقَ أَبِي مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا يَا سَلِيمُ! لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ سَبَبٌ حِينَهَا لِأَشُكَّ فِي نَوَايَاهُ، خَاصَّةً أَنِّي كُنْتُ مُرْهَقَةً تَمَامًا مِنَ الْحُزْنِ وَالتَّرْتِيبَاتِ، وَلَمْ أُفَكِّرْ بِعُمْقٍ كَافٍ فِيمَا كُنْتُ أُوَقِّعُ عَلَيْهِ بِالضَّبْطِ.”
“وَمَاذَا كَانَ نَصُّ التَّفْوِيضِ بِالتَّحْدِيدِ؟ هَلِ احْتَفَظْتِ بِنُسْخَةٍ مِنْهُ؟”
هَزَّتْ لَيَانُ رَأْسَهَا بِحُزْنٍ. “لَمْ أَحْتَفِظْ بِنُسْخَةٍ، وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ الْآنَ. وَقَّعْتُ فِي مَكْتَبِ أَبِي نَفْسِهِ، وَأَخَذَهَا مَعَهُ فَوْرَ تَوْقِيعِي، قَائِلًا إِنَّهُ سَيُرْسِلُ لِي نُسْخَةً مُصَوَّرَةً لِـ’الْأَرْشِيفِ الْعَائِلِيِّ’، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ قَطُّ.”
نَهَضَ سَلِيمٌ مِنْ مَكَانِهِ، وَمَشَى ذَهَابًا وَإِيَابًا فِي الصَّالَةِ الصَّغِيرَةِ لِدَقَائِقَ، يُحَاوِلُ أَنْ يُهَدِّئَ نَفْسَهُ. “لَيَانُ، هَذَا قَدْ يُفَسِّرُ الْكَثِيرَ. تَذْكُرِينَ حِينَ سَأَلَنِي كَمَالٌ فِي الْعَزَاءِ إِنْ كَانَ أَبِي قَدْ تَرَكَ لِي أَوْرَاقًا تَخُصُّ الْمِلْكِيَّةَ؟ رُبَّمَا كَانَ يَتَحَقَّقُ مِمَّا إِذَا كَانَ التَّفْوِيضُ الَّذِي وَقَّعْتِهِ كَافِيًا بِالْفِعْلِ.”
“سَلِيمُ، أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا.” قَالَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ يَخْنُقُهُ الْبُكَاءُ. “لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُ حِينَهَا وَلَوْ جُزْءًا بَسِيطًا مِمَّا تَكْتَشِفُهُ أَنْتَ الْآنَ، لَمَا وَقَّعْتُ عَلَى تِلْكَ الْوَرَقَةِ أَبَدًا.”
جَلَسَ بِجَانِبِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَاحْتَضَنَهَا بِلُطْفٍ. “لَا تَلُومِي نَفْسَكِ يَا لَيَانُ. كُنْتِ فِي أَضْعَفِ لَحْظَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَكَمَالٌ اسْتَغَلَّ ذَلِكَ بِدِقَّةٍ مَحْسُوبَةٍ، تَمَامًا كَمَا فَعَلَ مَعَ أَبِي بِطُرُقٍ أُخْرَى، وَمَعَ جَدِّي مِنْ قَبْلِهِ. أَنْتِ ضَحِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَا شَرِيكَةٌ فِي أَيَّةِ جَرِيمَةٍ.”

فَكَّرَ سَلِيمٌ لَحْظَةً، ثُمَّ سَأَلَهَا: “هَلْ تَتَذَكَّرِينَ أَيَّةَ تَفَاصِيلَ أُخْرَى مِنْ نَصِّ التَّفْوِيضِ؟”
حَاوَلَتْ لَيَانُ أَنْ تَسْتَعِيدَ الذَّاكِرَةَ بِصُعُوبَةٍ. “أَذْكُرُ عِبَارَةً غَرِيبَةً، شَيْئًا عَنْ ‘حَقِّ الِاطِّلَاعِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْأَرْشِيفِ الْقَانُونِيِّ وَالْوَثَائِقِيِّ لِلْمَرْحُومِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ أَيَّةُ مُحْتَوَيَاتٍ مُخَزَّنَةٍ دَاخِلَ مُمْتَلَكَاتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ أَمَاكِنِ حِفْظِهِ الشَّخْصِيَّةِ.’ ظَنَنْتُهَا حِينَهَا صِيَاغَةً قَانُونِيَّةً رُوتِينِيَّةً.”
شَحَبَ وَجْهُ سَلِيمٍ. “أَمَاكِنُ حِفْظِهِ الشَّخْصِيَّةُ… لَيَانُ، هَذَا قَدْ يَشْمَلُ الْغُرْفَةَ السِّرِّيَّةَ نَفْسَهَا. هَلْ وَقَّعْتِ فِعْلِيًّا عَلَى تَفْوِيضٍ يَمْنَحُ كَمَالًا الْحَقَّ الْقَانُونِيَّ، وَلَوِ الشَّكْلِيَّ، لِلْوُصُولِ إِلَى كُلِّ مَا كَانَ أَبِي يُخْفِيهِ؟”
شَحَبَ وَجْهُ لَيَانَ أَكْثَرَ. “يَا إِلَهِي، سَلِيمُ.”

سُمِعَ صَوْتُ خُطُوَاتٍ خَفِيفَةٍ قَادِمَةً مِنَ الْمَمَرِّ: كَانَتِ الْأُمُّ، مُسْتَيْقِظَةً رَغْمَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ. “سَمِعْتُ أَصْوَاتًا. هَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟”
قَالَتْ لَيَانُ: “أُمِّي، تَعَالَيْ وَاجْلِسِي. هُنَاكَ شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفِيهِ.” أَعَادَتْ لَيَانُ رِوَايَتَهَا بِاخْتِصَارٍ. شَحَبَ وَجْهُ الْأُمِّ تَمَامًا.
“ذَلِكَ الرَّجُلُ.” قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِمَرَارَةٍ عَمِيقَةٍ. “كُنْتُ أَشُكُّ فِيهِ دَائِمًا، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. أَذْكُرُ لَيْلَةً وَاحِدَةً، قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا، سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ فِي الْهَاتِفِ بِوُضُوحٍ: ‘لَنْ أَسْمَحَ لَكَ بِأَنْ تَسْتَمِرَّ فِي هَذَا يَا كَمَالُ، لَيْسَ عَلَى حِسَابِ أَرْوَاحِ النَّاسِ.’ حِينَ سَأَلْتُهُ فِي الصَّبَاحِ، أَنْكَرَ.”
احْتَضَنَتْ لَيَانُ أُمَّهَا بِحَرَارَةٍ.

بَعْدَ أَنْ عَادَتِ الْأُمُّ إِلَى غُرْفَتِهَا، عَادَ سَلِيمٌ وَلَيَانُ إِلَى التَّخْطِيطِ الْعَمَلِيِّ. “لَيَانُ، هَلْ تَعْرِفِينَ اسْمَ الْكَاتِبِ الْعَدْلِ الَّذِي وَثَّقَ التَّفْوِيضَ؟”
“أَذْكُرُ أَنَّ كَمَالًا أَحْضَرَ مَعَهُ كَاتِبَ عَدْلٍ خَاصًّا، لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. حَتَّى مَكَانُ التَّوْقِيعِ لَمْ يَكُنْ مَكْتَبَ الْكَاتِبِ الرَّسْمِيِّ، بَلْ هُنَا فِي بَيْتِنَا.”
“هَذَا قَدْ يَكُونُ فِي صَالِحِنَا فِي الْوَاقِعِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِأَمَلٍ حَذِرٍ. “إِنْ كَانَتِ الْوَثِيقَةُ غَيْرَ مُوَثَّقَةٍ بِالشَّكْلِ الْقَانُونِيِّ الصَّحِيحِ، فَقَدْ نَسْتَطِيعُ الطَّعْنَ فِي شَرْعِيَّتِهَا بِالْكَامِلِ.”
قَالَتْ لَيَانُ: “لِهَذَا نَحْتَاجُ رَامِي عَاصِي، أَوْ مُحَامِيًا يَثِقُ بِهِ هُوَ.”
نَظَرَتْ لَيَانُ إِلَى أَخِيهَا بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ فَجْأَةً: “سَلِيمُ، هَلْ تُسَامِحُنِي عَلَى مَا فَعَلْتُهُ؟”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَضَمَّهَا مَرَّةً أُخْرَى. “لَا يُوجَدُ شَيْءٌ لِأُسَامِحَكِ عَلَيْهِ يَا لَيَانُ. نَحْنُ الِاثْنَانِ الْآنَ فِي نَفْسِ الْجَانِبِ، ضِدَّ نَفْسِ الْخَصْمِ.”

فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ سَلِيمٌ مِنَ الِاتِّصَالِ بِأَيِّ أَحَدٍ، وَصَلَ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ مُغَلَّفٌ رَسْمِيٌّ كَبِيرٌ، يَحْمِلُ خَتْمَ الْبَلَدِيَّةِ وَشِعَارَ دَائِرَةِ السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ، مُوَجَّهٌ بِاسْمِ “وَرَثَةِ الْمَرْحُومِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ”.
فَتَحَتْهُ لَيَانُ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ. كَانَتِ الْوَثِيقَةُ إِخْطَارًا رَسْمِيًّا يُفِيدُ بِأَنَّ “الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ كَمَالَ دَرْوِيشٍ” قَدْ تَقَدَّمَ بِطَلَبٍ رَسْمِيٍّ، قَبْلَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، لِتَسْجِيلِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ بَيْتِ الْعَائِلَةِ ضِمْنَ مُخَطَّطِ “تَطْوِيرِ حَيِّ الْيَاسْمِينِ”، اسْتِنَادًا إِلَى التَّفْوِيضِ الْمُوَقَّعِ مِنْ “لَيَانَ مُرَادٍ بِصِفَتِهَا مُمَثِّلَةَ الْوَرَثَةِ”، وَأَنَّ الطَّلَبَ سَيُبَتُّ فِيهِ خِلَالَ خَمْسَةِ أَيَّامِ عَمَلٍ مَا لَمْ يُقَدَّمْ اعْتِرَاضٌ رَسْمِيٌّ مُوَثَّقٌ قَبْلَ ذَلِكَ.
“خَمْسَةُ أَيَّامٍ.” هَمَسَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. “خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ لِنُثْبِتَ أَنَّ هَذَا التَّفْوِيضَ بَاطِلٌ، أَوْ سَنَخْسَرُ الْبَيْتَ بِأَكْمَلِهِ رَسْمِيًّا.”
“لِمَاذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ. “لِمَاذَا يَتَحَرَّكُ كَمَالٌ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، فِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِالذَّاتِ، بَعْدَ أَنْ بَدَأْنَا نَقْتَرِبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ؟”
“لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّنَا نَقْتَرِبُ.” أَجَابَتْ لَيَانُ. “رُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّهُ إِنْ أَتَمَّ نَقْلَ الْمِلْكِيَّةِ رَسْمِيًّا قَبْلَ أَنْ نَجِدَ أَيَّ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، فَلَنْ يُهِمَّ بَعْدَهَا مَاذَا نَكْتَشِفُ.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ: “هَذَا مَنْطِقِيٌّ مِنْ مَنْظُورِهِ، لَكِنَّهُ يُخْبِرُنَا أَيْضًا بِشَيْءٍ مُهِمٍّ: هُوَ خَائِفٌ. هَذَا يَعْنِي أَنَّنَا أَقْرَبُ إِلَى إِيذَائِهِ فِعْلِيًّا مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ.”
“أَوْ أَنَّ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ هُوَ مَنْ يَضْغَطُ عَلَيْهِ لِيُسَرِّعَ الْأُمُورَ.” أَضَافَتْ لَيَانُ. “تَذَكَّرْ مَا قَالَهُ تَوْفِيقٌ: الْعَائِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا يَبْدَأُ اسْمُهَا بِحَرْفِ الدَّالِ.”

فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ الْمُطِلِّ عَلَى سَاحَةِ الْمَدِينَةِ الرَّئِيسِيَّةِ، كَانَ كَمَالُ دَرْوِيشٍ يَقْرَأُ تَقْرِيرًا قَانُونِيًّا يُؤَكِّدُ أَنَّ طَلَبَ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ قُدِّمَ رَسْمِيًّا بِنَجَاحٍ. عَلَى الْجِدَارِ خَلْفَهُ، كَانَتْ مُعَلَّقَةً صُورَةٌ كَبِيرَةٌ لِوَالِدِهِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ.
رَنَّ هَاتِفُهُ. “هَلْ تَمَّ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ؟” سَأَلَ صَوْتٌ أُنْثَوِيٌّ هَادِئٌ.
“تَمَّ بِنَجَاحٍ.” أَجَابَ كَمَالٌ بِثِقَةٍ. “خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَسَيُصْبِحُ الْبَيْتُ مِلْكًا لَنَا رَسْمِيًّا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَكْتَشِفُهُ الِابْنُ الْعَنِيدُ أَوْ صَحَفِيَّتُهُ.”
“لَا تَسْتَهِنْ بِهِمَا.” حَذَّرَتِ الْمَرْأَةُ. “الِابْنُ يَحْمِلُ دَمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ مَعًا. اسْتَمِرَّ فِي مُرَاقَبَتِهِمَا، وَأَخْبِرْنِي فَوْرًا بِأَيِّ تَحَرُّكٍ جَدِيدٍ.”
أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، تَارِكَةً كَمَالًا يُحَدِّقُ فِي هَاتِفِهِ، وَشَيْءٌ مِنَ الْقَلَقِ يَتَسَلَّلُ رَغْمَ إِرَادَتِهِ إِلَى ثِقَتِهِ الْمُعْتَادَةِ. تَذَكَّرَ جُمْلَةً قَالَهَا لَهُ وَالِدُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ: “الْأَرْضُ الَّتِي نَبْنِي عَلَيْهَا ثَرْوَتَنَا يَا كَمَالُ، أَسَاسُهَا لَيْسَ صُخُورًا وَطِينًا فَحَسْبُ، بَلْ صَمْتًا طَوِيلًا اشْتَرَيْنَاهُ بِثَمَنٍ بَاهِظٍ. احْرِصْ دَائِمًا أَلَّا يَتَكَلَّمَ هَذَا الصَّمْتُ يَوْمًا.”

اتَّصَلَ سَلِيمٌ بِيَاسْمِينَ فَوْرَ مُغَادَرَةِ سَاعِي الْبَرِيدِ، وَشَرَحَ لَهَا كُلَّ شَيْءٍ. صَمَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِجِدِّيَّةٍ: “هَذَا أَسْوَأُ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. دَعْنِي أَتَّصِلُ بِبَعْضِ مَعَارِفِي فِي دَائِرَةِ السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ فَوْرًا. لَدَيَّ أَيْضًا مَعَارِفُ قُدَامَى فِي أَرْشِيفِ الْمَحْكَمَةِ قَدْ يُسَاعِدُونَنِي بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ إِنْ طَلَبْتُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا شَخْصِيًّا.”
“وَهَذِهِ حَالَةٌ قُصْوَى، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
“بِالتَّأْكِيدِ.” أَجَابَتْ بِحَزْمٍ. “خَمْسَةُ أَيَّامٍ لَا تَسْمَحُ لِي بِرَفَاهِيَةِ الِالْتِزَامِ بِكُلِّ قَوَاعِدِي الْمُعْتَادَةِ. أَوَّلًا، يَجِبُ أَنْ نَجِدَ نُسْخَةً مِنَ التَّفْوِيضِ نَفْسِهِ. ثَانِيًا، يَجِبُ أَنْ نَتَحَدَّثَ إِلَى رَامِي عَاصِي الْيَوْمَ بِالذَّاتِ.”
اتَّفَقَا أَنْ يَلْتَقِيَا عِنْدَ الظُّهْرِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ يُحَدِّدُهُ رَامِي عَاصِي نَفْسُهُ.

قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ سَلِيمٌ لِلِقَاءِ يَاسْمِينَ، ذَهَبَ مَعَ لَيَانَ إِلَى غُرْفَةِ أُمِّهِمَا لِلْبَحْثِ عَنِ الصُّنْدُوقِ الْمَعْدِنِيِّ الَّذِي ذَكَرَتْهُ لَيَانُ سَابِقًا. وَجَدَاهُ فِي أَسْفَلِ خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ، مُغَطًّى بِطَبَقَةٍ مِنَ الْغُبَارِ. فَتَحَتْهُ لَيَانُ بِمِفْتَاحٍ صَغِيرٍ احْتَفَظَتْ بِهِ أُمُّهَا مُعَلَّقًا عَلَى سِلْسِلَةِ رَقَبَتِهَا، فَوَجَدَا بِدَاخِلِهِ أَوْرَاقًا عَائِلِيَّةً مُتَنَوِّعَةً: شَهَادَاتِ مِيلَادٍ، عَقْدَ زَوَاجِ الْوَالِدَيْنِ، صُوَرًا قَدِيمَةً، وَرِسَالَةَ حُبٍّ صَغِيرَةً كَتَبَهَا الْأَبُ لِأُمِّهِمَا قَبْلَ زَوَاجِهِمَا بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ.
وَفِي الْأَسْفَلِ، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، وَجَدَا وَثِيقَةً تَبْدُو أَقْدَمَ مِنَ الْبَقِيَّةِ: سَنَدُ مِلْكِيَّةٍ أَصْلِيٌّ لِلْبَيْتِ وَالْأَرْضِ الْمُحِيطَةِ بِهِ، مُؤَرَّخٌ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، يَحْمِلُ اسْمَيْ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ وَزَوْجَتِهِ مَعًا كَمَالِكَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ.
“هَذَا قَدْ يَكُونُ مَا نَحْتَاجُهُ بِالضَّبْطِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِأَمَلٍ مُتَجَدِّدٍ، وَهُوَ يُصَوِّرُ الْوَثِيقَةَ بِهَاتِفِهِ. “إِنْ كَانَتِ الْمِلْكِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ مُسَجَّلَةً بِاسْمِ أَبِي وَأُمِّي مَعًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَيَّ تَفْوِيضٍ وَقَّعْتِهِ أَنْتِ وَحْدَكِ، دُونَ تَوْقِيعِ أُمِّي أَيْضًا، قَدْ يَكُونُ قَانُونِيًّا غَيْرَ كَافٍ.”
ابْتَسَمَتْ لَيَانُ ابْتِسَامَةَ أَمَلٍ حَذِرَةً لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ اعْتِرَافِهَا اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ. “أَخِيرًا شَيْءٌ إِيجَابِيٌّ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الظَّلَامِ.”

وَقَفَ سَلِيمٌ لَحْظَةً عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، يَنْظُرُ إِلَى الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ وَشَجَرَةِ الْيَاسْمِينِ الْعَجُوزِ الَّتِي شَهِدَتْ، بِصَمْتِهَا النَّبَاتِيِّ الْهَادِئِ، كُلَّ هَذَا التَّارِيخِ الْمُتَرَاكِمِ مِنَ الْأَفْرَاحِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَسْرَارِ. فَكَّرَ فِي جَدِّهِ الَّذِي بَكَى حِينَ اكْتَشَفَ حَقِيقَةَ تَوْقِيعِهِ، وَفِي أَبِيهِ الَّذِي أَمْضَى سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةَ يُحَاوِلُ تَصْحِيحَ خَطَأٍ لَمْ يَقْتَرِفْهُ هُوَ، وَفِي نَفْسِهِ الْآنَ، الْحَلْقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ بِفَارِقٍ وَاحِدٍ مُهِمٍّ: لَمْ يَعُدْ وَحِيدًا كَمَا كَانَا.
خَرَجَ الْأَخَوَانِ مَعًا مِنَ الْبَيْتِ، تَارِكَيْنِ وَرَاءَهُمَا شَجَرَةَ الْيَاسْمِينِ الْعَجُوزَ تَتَمَايَلُ بِهُدُوءٍ فِي نَسِيمِ الظَّهِيرَةِ الْحَارِّ. فِي مَقْعَدِ السَّيَّارَةِ، قَبْلَ أَنْ يُشَغِّلَ سَلِيمٌ الْمُحَرِّكَ، نَظَرَتْ إِلَيْهِ لَيَانُ نَظْرَةً أَخِيرَةً: “مَهْمَا اكْتَشَفْنَا الْيَوْمَ، أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي سَعِيدَةٌ أَنَّكَ عُدْتَ، سَلِيمُ.”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ لَهَا، وَشَغَّلَ الْمُحَرِّكَ أَخِيرًا. “أَنَا أَيْضًا سَعِيدٌ أَنِّي عُدْتُ يَا لَيَانُ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.”
قَادَ السَّيَّارَةَ بِبُطْءٍ عَبْرَ شَوَارِعِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ، مُبْتَعِدًا عَنْ بَيْتِ الْعَائِلَةِ نَحْوَ مَوْعِدِهِمَا الْمَصِيرِيِّ، بَيْنَمَا بَقِيَتْ شَجَرَةُ الْيَاسْمِينِ خَلْفَهُمَا، صَامِتَةً كَعَادَتِهَا، شَاهِدَةً صَبُورَةً عَلَى فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَكُنْ قَدِ اقْتَرَبَتْ بَعْدُ مِنْ نِهَايَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ.


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 07


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 05