مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِين
الْفَصْلُ السَّابِعُ
اخْتَارَ رَامِي عَاصِي مَكَانَ اللِّقَاءِ بِعِنَايَةِ مَنْ يَعْرِفُ ثِقَلَ الْأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ: لَا مَرْكَزَ الشُّرْطَةِ، وَلَا أَيَّ فَضَاءٍ عَامٍّ يُثِيرُ سُؤَالًا فِي عَيْنِ مَارٍّ عَابِرٍ، بَلْ شُقَّةً مُتَوَاضِعَةً فِي حَيٍّ سَكَنِيٍّ هَادِئٍ، بَعِيدَةً عَنْ ضَجِيجِ الْمَدِينَةِ، وَصَفَهَا بِأَنَّهَا “شُقَّةُ أُخْتِي، لَا صِلَةَ لَهَا بِعَمَلِي عَلَى الْإِطْلَاقِ”. وَصَلَ سَلِيمٌ وَلَيَانُ وَيَاسَمِينُ مَعًا، بَعْدَ أَنْ أَقَلَّتْهُمَا يَاسَمِينُ بِسَيَّارَتِهَا، مُتَجَنِّبِينَ أَيَّ طَرِيقٍ مُبَاشِرٍ قَدْ يُسَهِّلُ تَعَقُّبَهُمْ، وَمُتَوَقِّفِينَ مَرَّتَيْنِ فِي الطَّرِيقِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ خُلُوِّ الشَّارِعِ الْخَلْفِيِّ مِنْ أَيِّ سَيَّارَةٍ صَامِتَةٍ تُلَاحِقُهُمْ، وَفْقَ تَعْلِيمَاتِ يَاسَمِينَ الْحَذِرَةِ، تِلْكَ الَّتِي صَقَلَتْهَا سَنَواتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِصَحَافَةٍ لَا تَغْفِرُ الثِّقَةَ الْعَمْيَاءَ.
طَوَالَ الطَّرِيقِ، لَزِمَ سَلِيمٌ صَمْتَهُ، عَيْنَاهُ عَالِقَتَانِ بِنَافِذَةِ السَّيَّارَةِ، يَتَأَمَّلُ شَوَارِعَ الْمَدِينَةِ الَّتِي أَخَذَتْ تَسْتَعِيدُ أُلْفَتَهَا فِيهِ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ؛ لَا أُلْفَةَ الْحَنِينِ الْبَرِيءِ الَّذِي اجْتَاحَهُ فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ، بَلْ أُلْفَةً أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ قَلَقًا، مَعْرِفَةً تَتَنَامَى بِالظِّلَالِ الْكَامِنَةِ خَلْفَ كُلِّ وَاجِهَةٍ هَادِئَةٍ، خَلْفَ كُلِّ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ يَتَظَاهَرُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْخَارِجِ.
فَتَحَ لَهُمْ رَامِي الْبَابَ بِنَفْسِهِ: رَجُلٌ فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينَاتِ، طَوِيلُ الْقَامَةِ، بِعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ تُوحِيَانِ بِيَقَظَةٍ لَا تَهْدَأُ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ مَدَنِيَّةً بَسِيطَةً لَا تُشِي بِمِهْنَتِهِ فِي شَيْءٍ، قَمِيصًا كَاجُوَالًا وَبَنْطَالًا رِيَاضِيًّا، وَكَأَنَّهُ يَقْضِي عُطْلَةً عَادِيَّةً لَا يَسْتَقْبِلُ فِيهَا ضُيُوفًا فِي قَضِيَّةٍ خَطِيرَةٍ. صَافَحَهُمْ بِحَرَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُمْ بِإِحْكَامٍ، وَتَأَكَّدَ مِنْ إِسْدَالِ السَّتَائِرِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ الْحَدِيثَ، بِحَرَكَاتٍ دَقِيقَةٍ تُنْبِئُ بِأَنَّهُ يُمَارِسُ هَذَا الطَّقْسَ الْأَمْنِيَّ أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيحُ أَيَّ إِنْسَانٍ عَادِيٍّ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ جَادٌّ: “شُكْرًا لِثِقَتِكُمْ. أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ هَذَا قَدْ يَبْدُو مُبَالَغًا فِيهِ، لَكِنِّي بَعْدَ مَا جَرَى مَعَكَ فِي بَيْتِ تَوْفِيقٍ، يَا سَيِّدَ مُرَادٍ، لَمْ أَعُدْ قَادِرًا عَلَى تَجَاهُلِ حَجْمِ الْخَطَرِ الَّذِي تَتَحَرَّكُونَ دَاخِلَهُ.”
جَلَسُوا حَوْلَ طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الصَّالَةِ الْمُتَوَاضِعَةِ، وَشَرَعَ رَامِي يَرْوِي خَلْفِيَّتَهُ بِإِيجَازٍ: “أَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، أَغْلَبُهَا فِي قِسْمِ التَّحْقِيقَاتِ الْجِنَائِيَّةِ. انْضَمَمْتُ إِلَى الشُّرْطَةِ بِدَافِعٍ مِثَالِيٍّ بَسِيطٍ، رُبَّمَا سَاذِجٍ بَعْضَ الشَّيْءِ حِينَ أَسْتَعِيدُهُ الْآنَ: أَرَدْتُ أَنْ أَحْمِيَ النَّاسَ، أَنْ أَكُونَ جُزْءًا مِنْ نِظَامِ عَدَالَةٍ حَقِيقِيٍّ فِي مَدِينَةٍ أُحِبُّهَا رَغْمَ كُلِّ عُيُوبِهَا. عَرَفْتُ يَاسَمِينَ مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، حِينَ كُنْتُ أُحَقِّقُ فِي قَضِيَّةِ فَسَادٍ صَغِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِرُشًى فِي تَرَاخِيصِ الْبِنَاءِ، وَأَعَانَتْنِي مَعْلُومَةٌ قَدَّمَتْهَا هِيَ عَلَى كَشْفِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ بِأَكْمَلِهَا قَدْ أُغْلِقَتْ لَاحِقًا بِضَغْطٍ مِنْ جِهَاتٍ أَعْلَى، كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا يَبْدُو.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ أَرْدَفَ: “مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، نَتَشَارَكُ أَحْيَانًا مَعْلُومَاتٍ حَسَّاسَةً حِينَ يَطْمَئِنُّ كُلٌّ مِنَّا إِلَى أَنَّ الْآخَرَ يَسْعَى إِلَى الْحَقِيقَةِ ذَاتِهَا، لَا إِلَى مَصْلَحَةٍ شَخْصِيَّةٍ أَوْ سَبْقٍ صَحَفِيٍّ أَوْ تَرْقِيَةٍ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الثِّقَةِ نَادِرٌ جِدًّا فِي مِهْنَتَيْنَا، وَأُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ.”
نَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً، وَتَغَيَّرَتْ نَبْرَتُهُ فَغَدَتْ أَثْقَلَ وَأَكْثَرَ جِدِّيَّةً. “حِينَ تُوُفِّيَ وَالِدُكَ، يَا سَيِّدَ مُرَادٍ، كُنْتُ مِنْ أَوَائِلِ الضُّبَّاطِ الَّذِينَ بَلَغُوا مَسْرَحَ الْحَادِثِ، ضِمْنَ فَرِيقِ الدَّعْمِ الْأَوَّلِيِّ الْمُكَلَّفِ بِتَأْمِينِ الْمَكَانِ قَبْلَ وُصُولِ الْمُحَقِّقِينَ الرَّسْمِيِّينَ. ثَمَّةَ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ لَمْ يَسْتَقِمْ فِي ذِهْنِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ، حَدْسٌ مِهَنِيٌّ تَرَاكَمَ لَدَيَّ عَبْرَ سِنِينَ مِنْ مُعَايَنَةِ مَسَارِحِ جَرَائِمَ حَقِيقِيَّةٍ، لَكِنَّ الْمِلَفَّ أُغْلِقَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَاعَةً، بِتَوْقِيعٍ مُبَاشِرٍ مِنْ ضَابِطٍ أَعْلَى رُتْبَةً مِنِّي، دُونَ تَحْقِيقٍ حَقِيقِيٍّ يُذْكَرُ، وَبِسُرْعَةٍ أَثَارَتِ اسْتِغْرَابِي حَتَّى فِي حِينِهَا.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ: “مَاذَا رَأَيْتَ بِالضَّبْطِ؟”
تَوَقَّفَ رَامِي، وَتَفَحَّصَ الْحَاضِرِينَ بِنَظْرَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ مَدَى اسْتِعْدَادِهِمْ لِسَمَاعِ التَّفَاصِيلِ. “دَعُونِي أُرِيكُمْ شَيْئًا، بَدَلَ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ بِالْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا.”
نَهَضَ، وَأَحْضَرَ مِنْ غُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً قَدِيمَةً، أَخْرَجَ مِنْهَا مُغَلَّفًا بُنِّيًّا سَمِيكًا، وَفَتَحَهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَكَأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ شَيْءٍ هَشٍّ يَتَحَطَّمُ بِلَمْسَةٍ خَاطِئَةٍ. أَخْرَجَ مِنْهُ صُوَرًا فُوتُوغْرَافِيَّةً، بَعْضُهَا مُلَوَّنٌ وَبَعْضُهَا بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَنَشَرَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ بِتَرْتِيبٍ دَقِيقٍ يُوحِي بِأَنَّهُ رَتَّبَهَا وَأَعَادَ تَرْتِيبَهَا مِرَارًا خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ، وَحِيدًا، دُونَ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا أَحَدًا.
قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: “هَذِهِ نُسَخٌ غَيْرُ رَسْمِيَّةٍ احْتَفَظْتُ بِهَا مِنْ مَسْرَحِ الْحَادِثِ، قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ الْمِلَفُّ رَسْمِيًّا. الْتَقَطْتُهَا بِهَاتِفِي الشَّخْصِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ فَرِيقُ التَّحْقِيقِ الرَّسْمِيُّ وَيَشْرَعَ فِي ‘تَرْتِيبِ’ الْمَشْهَدِ عَلَى طَرِيقَتِهِ. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ حِينَهَا أَنِّي سَأَحْتَاجُهَا يَوْمًا، لَكِنَّ حَدْسِي الْمِهَنِيَّ قَالَ لِي أَلَّا أَدَعَ كُلَّ الْأَدِلَّةِ تَتَبَخَّرُ فِي أَدْرَاجٍ مُغْلَقَةٍ إِلَى الْأَبَدِ، كَمَا حَدَثَ فِي قَضَايَا أُخْرَى شَهِدْتُهَا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَبْرَ السِّنِينَ.”
أَشَارَ إِلَى الصُّورَةِ الْأُولَى: مَكْتَبُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ كَمَا وُجِدَ يَوْمَ وَفَاتِهِ، الْكُرْسِيُّ مَقْلُوبٌ جُزْئِيًّا، وَأَوْرَاقٌ مُتَنَاثِرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ. حَدَّقَ سَلِيمٌ فِي الصُّورَةِ بِأَلَمٍ صَامِتٍ، مُتَخَيِّلًا أَبَاهُ فِي لَحَظَاتِهِ الْأَخِيرَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، الْمَكَانِ نَفْسِهِ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ هُوَ قَبْلَ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ يَقْرَأُ رِسَالَةَ أَبِيهِ الْأَخِيرَةَ. شَعَرَ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهِ، وَتَمَنَّى لِلَحْظَةٍ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ الطَّاوِلَةِ، لَكِنَّهُ أَرْغَمَ نَفْسَهُ عَلَى الْبَقَاءِ وَالتَّدْقِيقِ، مَدِينًا لِأَبِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الشَّجَاعَةِ.
قَالَ رَامِي، مُشِيرًا إِلَى زَاوِيَةِ الصُّورَةِ: “لَاحِظُوا هُنَا.” حَيْثُ بَدَا كُوبَا شَايٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، أَحَدُهُمَا فَارِغٌ تَمَامًا، وَالْآخَرُ لَا يَزَالُ مُمْتَلِئًا جُزْئِيًّا. “التَّقْرِيرُ الرَّسْمِيُّ وَصَفَ الْوَفَاةَ بِأَنَّهَا وَقَعَتْ أَثْنَاءَ عَمَلِ وَالِدِكَ الْمُنْفَرِدِ فِي مَكْتَبِهِ، لَيْلًا، وَحِيدًا تَمَامًا. لَكِنَّ هُنَا كُوبَيْنِ، لَا كُوبًا وَاحِدًا. وَكِلَاهُمَا كَانَ لَا يَزَالُ دَافِئًا حِينَ وَصَلْنَا، بِحَسَبِ مُلَاحَظَتِي الشَّخْصِيَّةِ فِي حِينِهَا، وَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ تَوْثِيقَ حَرَارَتِهِمَا رَسْمِيًّا، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنْ لَدَيَّ حِينَهَا خِبْرَةٌ كَافِيَةٌ لِأُدْرِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أُوَثِّقَ كُلَّ تَفْصِيلٍ بِنَفْسِي، مَهْمَا بَدَا تَافِهًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.”
شَعَرَتْ لَيَانُ بِيَدِهَا تَرْتَجِفُ وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ، وَعَيْنَاهَا تَمْتَلِئَانِ بِدُمُوعٍ عَجَزَتْ عَنْ كَبْحِهَا. قَالَتْ: “أُمِّي كَانَتْ تُعِدُّ لَهُ الشَّايَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا، لَكِنَّهَا أَكَّدَتْ لِي أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ مَكْتَبَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، احْتِرَامًا لِرَغْبَتِهِ فِي الْعَمَلِ بِهُدُوءٍ. أَيَعْنِي هَذَا أَنَّ أَحَدًا آخَرَ كَانَ مَعَهُ؟ شَخْصًا شَرِبَ الشَّايَ مَعَهُ، وَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ، رُبَّمَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ؟”
أَوْمَأَ رَامِي بِجِدِّيَّةٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْمِهَنِيَّةِ الْبَارِدَةِ. “هَذَا مَا أُرَجِّحُهُ بِقُوَّةٍ. وَثَمَّةَ الْمَزِيدُ، لِلْأَسَفِ.”
أَخْرَجَ صُورَةً ثَانِيَةً أَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْقَلَقِ: لَقْطَةٌ بِزَاوِيَةٍ وَاسِعَةٍ لِنَافِذَةِ الْمَكْتَبِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، حَيْثُ بَدَا السِّتَارُ مُزَاحًا جُزْئِيًّا، وَعَلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ الْخَارِجِيَّةِ أَثَرُ يَدٍ غَيْرُ وَاضِحٍ تَمَامًا، كَأَنَّ يَدًا اسْتَنَدَتْ عَلَيْهِ ثَوَانِيَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ.
قَالَ رَامِي مُوَضِّحًا، وَهُوَ يُقَرِّبُ الصُّورَةَ لِيُرِيَهُمُ التَّفَاصِيلَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ: “كَانَتِ النَّافِذَةُ مَفْتُوحَةً جُزْئِيًّا حِينَ وَصَلْنَا، رَغْمَ أَنَّ التَّقْرِيرَ الرَّسْمِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الْبَابَ الرَّئِيسَ وَحْدَهُ كَانَ السَّبِيلَ الْوَحِيدَ لِلدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُقْفَلًا مِنَ الدَّاخِلِ، مَا دَعَمَ فَرَضِيَّةَ ‘الْحَادِثِ الْمُنْفَرِدِ’ الَّتِي تَبَنَّاهَا التَّقْرِيرُ النِّهَائِيُّ بِسُرْعَةٍ مَشْبُوهَةٍ. لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ هَذِهِ النَّافِذَةَ، وَلَا هَذَا الْأَثَرَ عَلَيْهَا، فِي أَيَّةِ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ. وَحِينَ سَأَلْتُ عَنْهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قِيلَ لِي إِنَّ ‘فَرِيقَ التَّحْقِيقِ النِّهَائِيَّ’ أَعَادَ فَحْصَ الْمَكَانِ وَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ، وَكَأَنَّ نَافِذَةً بِأَكْمَلِهَا يُمْكِنُ أَنْ تُغْلَقَ وَتُمْحَى آثَارُهَا فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَةٍ.”
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ فَجْأَةً تَفْصِيلًا مُشَابِهًا مِنْ تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ: النَّافِذَةُ الْمُزَاحَةُ فِي بَيْتِهِ، ذَلِكَ الصَّوْتُ الْغَرِيبُ الَّذِي سَمِعَهُ فِي الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ لَيْلَةَ عَوْدَتِهِ الْأُولَى، وَالَّذِي أَقْنَعَ نَفْسَهُ حِينَهَا بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ أَوْ قِطٍّ ضَالٍّ. تَسَاءَلَ الْآنَ، بِقَلَقٍ يَتَصَاعَدُ، إِنْ كَانَ الرَّابِطُ بَيْنَ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الْمُتَنَاثِرَةِ أَوْضَحَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ، نَمَطًا وَاحِدًا يَتَكَرَّرُ عَبْرَ الزَّمَنِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.
سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِحِدَّةٍ مِهَنِيَّةٍ: “مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ ‘يُعِيدَ فَحْصَ’ مَسْرَحِ جَرِيمَةٍ وَيُغَيِّرَ نَتِيجَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟”
أَجَابَ رَامِي بِمَرَارَةٍ: “شَخْصٌ يَمْلِكُ سُلْطَةً كَافِيَةً لِإِصْدَارِ أَوَامِرَ مُبَاشِرَةٍ لِضُبَّاطٍ أَعْلَى رُتْبَةً مِنِّي. وَهَذَا يُضَيِّقُ دَائِرَةَ الْمُشْتَبَهِ بِهِمْ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ تَحْدِيدًا.”
أَخْرَجَ أَخِيرًا صُورَةً ثَالِثَةً، أَكْثَرَ غُمُوضًا مِنْ سَابِقَتَيْهَا: لَقْطَةٌ بَعِيدَةٌ الْتَقَطَهَا أَحَدُ ضُبَّاطِ الدَّوْرِيَّةِ أَثْنَاءَ تَأْمِينِ مُحِيطِ الْمَبْنَى فِي الدَّقَائِقِ الْأُولَى بَعْدَ تَلَقِّي الْبَلَاغِ، تُظْهِرُ شَارِعًا جَانِبِيًّا خَلْفَ الْمَبْنَى، وَفِي أَقْصَى الْإِطَارِ ظِلُّ شَخْصٍ يَبْتَعِدُ مُسْرِعًا، غَيْرُ وَاضِحِ الْمَلَامِحِ بِسَبَبِ بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَضَعْفِ الْإِضَاءَةِ، لَكِنَّ هَيْئَتَهُ الْعَامَّةَ تُوحِي بِأَنَّهُ رَجُلٌ طَوِيلٌ نِسْبِيًّا، يَرْتَدِي مِعْطَفًا دَاكِنًا.
سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ، وَهُوَ يُقَرِّبُ الصُّورَةَ مِنْ عَيْنَيْهِ: “مَنْ هَذَا؟”
اعْتَرَفَ رَامِي بِصِدْقٍ: “لَا أَعْلَمُ. حَاوَلْتُ تَكْبِيرَ الصُّورَةِ بِكُلِّ الْوَسَائِلِ الْمُتَاحَةِ لِي حِينَهَا، لَكِنَّ جَوْدَتَهَا لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِتَحْدِيدِ هُوِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، خَاصَّةً أَنَّ الْكَامِيرَا الْمُسْتَخْدَمَةَ كَانَتْ كَامِيرَا هَاتِفٍ بَسِيطَةً لِضَابِطِ دَوْرِيَّةٍ عَادِيٍّ، لَا مُعَدَّاتِ تَحْقِيقٍ احْتِرَافِيَّةً. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ، أَيًّا كَانَ، كَانَ يَبْتَعِدُ عَنِ الْمَبْنَى فِي الْوَقْتِ التَّقْدِيرِيِّ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا لِوَفَاةِ وَالِدِكَ، حَسْبَ تَقْرِيرِ الطَّبِيبِ الشَّرْعِيِّ الْأَوَّلِيِّ غَيْرِ الْمُعَدَّلِ، ذَلِكَ التَّقْرِيرِ الَّذِي اخْتَفَى لَاحِقًا وَاسْتُبْدِلَ بِنُسْخَةٍ ‘مُنَقَّحَةٍ’ غُيِّرَ فِيهَا الْوَقْتُ التَّقْدِيرِيُّ بِأَكْمَلِهِ لِيَتَوَافَقَ مَعَ رِوَايَةِ ‘الْحَادِثِ الْمُنْفَرِدِ’.”
حَدَّقَتْ يَاسَمِينُ فِي الصُّورَةِ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، مُقَرِّبَةً عَيْنَيْهَا، مُسْتَحْضِرَةً كُلَّ خِبْرَتِهَا الصَّحَفِيَّةَ فِي تَحْلِيلِ الصُّوَرِ وَالْأَدِلَّةِ الْبَصَرِيَّةِ. قَالَتْ: “رَامِي، هَلِ احْتَفَظْتَ بِالصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِدِقَّةٍ أَعْلَى؟ رُبَّمَا تِقْنِيَّةُ تَحْلِيلٍ حَدِيثَةٌ تَسْتَخْرِجُ تَفَاصِيلَ أَوْضَحَ مِمَّا تَرَاهُ الْعَيْنُ الْمُجَرَّدَةُ. لَدَيَّ مَعَارِفُ مُتَخَصِّصُونَ فِي تَحْلِيلِ الصُّوَرِ الرَّقْمِيَّةِ قَدْ يُسَاعِدُونَ، دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا بِالضَّرُورَةِ السِّيَاقَ الْكَامِلَ لِلْقَضِيَّةِ.”
أَجَابَ رَامِي: “لَدَيَّ النُّسْخَةُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، نَعَمْ. كُنْتُ أَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِاسْتِخْدَامِهَا، حِينَ أَجِدُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُخَاطَرَةَ مَعَهُ، وَمَنْ يَمْلِكُ أَيْضًا الْوَسَائِلَ التِّقْنِيَّةَ الَّتِي أَفْتَقِرُ إِلَيْهَا بِنَفْسِي.”
انْتَقَلَ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَى الْإِخْطَارِ الْعَقَارِيِّ الَّذِي وَصَلَ ذَلِكَ الصَّبَاحَ، فَأَخْرَجَتْ لَيَانُ نُسْخَةً مِنْهُ وَسَلَّمَتْهَا لِرَامِي، الَّذِي قَرَأَهَا بِعِنَايَةٍ فَاحِصَةٍ، مُتَمَعِّنًا فِي كُلِّ بَنْدٍ بِعَيْنَيْنِ مُدَرَّبَتَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الْقَانُونِيَّةِ الدَّقِيقَةِ.
قَالَ أَخِيرًا، وَاضِعًا الْوَثِيقَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِعِنَايَةٍ: “هَذَا مُثِيرٌ لِلْقَلَقِ حَقًّا. الطَّلَبُ مُقَدَّمٌ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَأُسْلُوبُ الصِّيَاغَةِ يُوحِي بِخِبْرَةٍ قَانُونِيَّةٍ عَالِيَةِ الْمُسْتَوَى، لَيْسَتْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مُحَامٍ عَادِيٌّ. سَأُحَاوِلُ التَّحَقُّقَ مِنْ هُوِيَّةِ الْكَاتِبِ الْعَدْلِ الَّذِي وَثَّقَ التَّفْوِيضَ الْأَصْلِيَّ، وَلَدَيَّ صَلَاحِيَّةُ الْوُصُولِ إِلَى بَعْضِ سِجِلَّاتِ كُتَّابِ الْعَدْلِ الْمُرَخَّصِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَسْتَطِيعُ مُضَاهَاةَ التَّوْقِيعِ وَالْخَتْمِ مَعَ سِجِلَّاتِهِمِ الرَّسْمِيَّةِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا.”
سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ، تَعْرِفُ مِنْ تَجْرِبَتِهَا الطَّوِيلَةِ مَعَهُ أَنَّ كُلَّ اسْتِعْلَامٍ رَسْمِيٍّ، مَهْمَا بَدَا رُوتِينِيًّا، يَتْرُكُ أَثَرًا رَقْمِيًّا قَدْ يُتَعَقَّبُ لَاحِقًا: “أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ أَحَدٌ؟”
أَجَابَ رَامِي: “سَأُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ حَذِرًا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. سَأَصُوغُ الِاسْتِعْلَامَ كَجُزْءٍ مِنْ تَحْقِيقٍ رُوتِينِيٍّ آخَرَ أَعْمَلُ عَلَيْهِ فِعْلِيًّا، قَضِيَّةِ احْتِيَالٍ عَقَارِيٍّ صَغِيرَةٍ لَا صِلَةَ لَهَا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَبْدُو الِاسْتِعْلَامُ غَرِيبًا أَوْ مُثِيرًا لِلشُّبْهَةِ إِنْ رَاجَعَهُ أَحَدٌ لَاحِقًا. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ أَكُونَ صَرِيحًا مَعَكُمْ: كُلُّ خُطْوَةٍ أَخْطُوهَا فِي هَذَا الْمِلَفِّ تَزِيدُ مِنْ خُطُورَةِ مَوْقِفِي الشَّخْصِيِّ دَاخِلَ الْجِهَازِ. لَسْتُ الْوَحِيدَ الَّذِي أَثَارَ الشُّكُوكَ حَوْلَ هَذِهِ الشَّبَكَةِ مِنْ قَبْلُ، وَأَذْكُرُ جَيِّدًا مَا حَدَثَ لِضَابِطٍ سَبَقَنِي بِسَنَوَاتٍ، كُنْتُ أَعْرِفُهُ شَخْصِيًّا، حَاوَلَ فَتْحَ مِلَفٍّ مُشَابِهٍ، ثُمَّ نُقِلَ فَجْأَةً إِلَى مِنْطَقَةٍ نَائِيَةٍ عَلَى الْحُدُودِ، وَانْتَهَتْ مَسِيرَتُهُ الْمِهَنِيَّةُ هُنَاكَ عَمَلِيًّا، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُحَقِّقِينَ الَّذِينَ عَمِلْتُ مَعَهُمْ فِي حَيَاتِي.”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي الْغُرْفَةِ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ رَامِي بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حَزْمًا: “لَكِنِّي قَرَّرْتُ الْمُخَاطَرَةَ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ. رَأَيْتُ مِنَ الْفَسَادِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ مَا يَكْفِي لِأُدْرِكَ أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ خِيَارًا أَخْلَاقِيًّا حَقِيقِيًّا، مَهْمَا كَلَّفَ الْكَلَامُ مِنْ ثَمَنٍ. انْضَمَمْتُ إِلَى هَذَا الْعَمَلِ لِأَحْمِيَ النَّاسَ، لَا لِأَتَفَرَّجَ عَلَى ظُلْمٍ يَتَكَرَّرُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ دُونَ أَنْ أُحَرِّكَ سَاكِنًا.”
فَتَحَ رَامِي حَاسُوبَهُ الْمَحْمُولَ، وَأَدْخَلَ كَلِمَةَ مُرُورٍ طَوِيلَةً، ثُمَّ فَتَحَ مُجَلَّدًا مُشَفَّرًا يَحْتَوِي عَلَى النُّسَخِ الرَّقْمِيَّةِ عَالِيَةِ الدِّقَّةِ مِنْ صُوَرِ مَسْرَحِ الْحَادِثِ، مُحْتَفِظًا بِهَا بَعِيدًا عَنْ أَيِّ نِظَامٍ رَسْمِيٍّ قَدْ يَخْضَعُ لِلْمُرَاقَبَةِ. كَبَّرَ صُورَةَ الظِّلِّ الْغَامِضِ تَدْرِيجِيًّا، مُسْتَخْدِمًا بَرْنَامَجَ تَحْرِيرٍ بَسِيطًا عَلَى جِهَازِهِ الشَّخْصِيِّ، مُحَاوِلًا اسْتِخْرَاجَ أَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ رَغْمَ ضَعْفِ جَوْدَةِ الصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
قَالَ أَخِيرًا، مُشِيرًا إِلَى تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ لَمْ يَلْحَظْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ: “هُنَا.” انْعِكَاسٌ خَافِتٌ عَلَى مِعْصَمِ الشَّخْصِ الْغَامِضِ، رُبَّمَا سَاعَةٌ، أَوْ سِوَارٌ مَعْدِنِيٌّ، يَلْمَعُ خَفِيفًا تَحْتَ ضَوْءِ الشَّارِعِ الْبَعِيدِ.
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ مِنَ الشَّاشَةِ، مُحَدِّقًا بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ مُتَصَاعِدٍ. شَيْءٌ فِي ذَلِكَ الِانْعِكَاسِ، رَغْمَ غُمُوضِهِ الشَّدِيدِ، أَيْقَظَ فِي ذِهْنِهِ ذِكْرَى غَامِضَةً، كَأَنَّهُ رَأَى شَيْئًا مُشَابِهًا مُؤَخَّرًا، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ تَحْدِيدَ أَيْنَ بِالضَّبْطِ. حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الْبَصَرِيَّةِ الَّتِي جَمَعَهَا خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ: مَلَابِسَ كَمَالٍ الْأَنِيقَةَ فِي الْعَزَاءِ، بَدْلَتَهُ السَّوْدَاءَ الْمُصَمَّمَةَ بِعِنَايَةٍ، مُصَافَحَتَهُ الْحَارَّةَ، تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ الْمُصْطَنَعَةَ، وَتِلْكَ السَّاعَةَ الْفِضِّيَّةَ الَّتِي لَمَعَتْ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ حِينَ مَدَّ يَدَهُ لِيُصَافِحَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ مَدْخَلِ بَيْتِ الْعَزَاءِ، لَمَعَانٌ لَفَتَ انْتِبَاهَهُ حِينَهَا لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْشَغِلَ بِحُزْنِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَارْتِبَاكِهِ الْأَكْبَرِ.
قَالَ فَجْأَةً، وَصَوْتُهُ يَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنَ الْإِثَارَةِ الْمُفَاجِئَةِ: “يَاسَمِينُ، أَلَا يُشْبِهُ هَذَا السِّوَارَ ذَاكَ الَّذِي كَانَ يَرْتَدِيهِ كَمَالٌ يَوْمَ الْعَزَاءِ؟ سَاعَتُهُ الْفِضِّيَّةُ اللَّامِعَةُ الَّتِي لَفَتَتْ انْتِبَاهِي حِينَ صَافَحَنِي أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَاحَظْتُهَا مَرَّةً أُخْرَى حِينَ جَلَسَ فِي صَالَةِ بَيْتِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَعْرِضُ عَلَيَّ شِرَاءَ الْبَيْتِ؟”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى الصُّورَةِ الْمُكَبَّرَةِ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ إِلَى سَلِيمٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا بَرِيقُ تَحَقُّقٍ مُتَصَاعِدٍ. قَالَتْ: “لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ بِهَذَا مِنْ صُورَةٍ بِهَذَا الْغُمُوضِ يَا سَلِيمُ، لَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُحِقًّا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كَمَالَ دَرْوِيشَ نَفْسَهُ رُبَّمَا كَانَ آخِرَ مَنْ رَأَى وَالِدَكَ حَيًّا، وَرُبَّمَا، اللَّهُ وَحْدَهُ يَعْلَمُ، مَنْ شَهِدَ لَحْظَاتِهِ الْأَخِيرَةَ، أَوْ تَسَبَّبَ فِيهَا مُبَاشَرَةً.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَأَضَافَتْ بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ اعْتَادَتْ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ الدَّقِيقِ: “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ سَاعَاتٍ فِضِّيَّةً مِنْ هَذَا الطِّرَازِ لَيْسَتْ نَادِرَةً، خَاصَّةً بَيْنَ رِجَالِ الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَبْنِيَ اتِّهَامًا كَامِلًا عَلَى انْعِكَاسٍ ضَوْئِيٍّ غَامِضٍ وَحْدَهُ، مَهْمَا بَدَا مُقْنِعًا لَنَا شَخْصِيًّا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. الْقَاضِي، إِنْ وَصَلْنَا يَوْمًا إِلَى قَاضٍ حَقِيقِيٍّ، سَيَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ لِيَقْتَنِعَ، وَأَنَا شَخْصِيًّا، كَصَحَفِيَّةٍ، لَنْ أَنْشُرَ اتِّهَامًا بِهَذَا الْحَجْمِ دُونَ تَأْكِيدٍ إِضَافِيٍّ قَوِيٍّ.”
نَظَرَ رَامِي بَيْنَهُمَا بِجِدِّيَّةٍ مُتَصَاعِدَةٍ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ تَعْبِيرًا مُعَقَّدًا مِنَ الْإِثَارَةِ الْمِهَنِيَّةِ وَالْقَلَقِ الْعَمِيقِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. قَالَ: “إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَنَحْنُ لَا نَتَحَدَّثُ بَعْدَ الْآنِ عَنْ مُجَرَّدِ نِزَاعٍ عَقَارِيٍّ أَوْ تَزْوِيرٍ تَارِيخِيٍّ قَدِيمٍ. نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ قَضِيَّةِ قَتْلٍ مُبَاشِرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُعَادَ فَتْحُهَا رَسْمِيًّا، إِنِ اسْتَطَعْنَا إِثْبَاتَ هَذَا الرَّابِطِ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ.” تَوَقَّفَ، وَنَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً بِجِدِّيَّةٍ آسِرَةٍ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ أُحَذِّرَكَ يَا سَلِيمُ: إِعَادَةُ فَتْحِ قَضِيَّةِ قَتْلٍ ضِدَّ رَجُلٍ بِنُفُوذِ كَمَالٍ دَرْوِيشَ لَيْسَتْ مُغَامَرَةً بَسِيطَةً. سَتَحْتَاجُ أَدِلَّةً دَامِغَةً، لَا مُجَرَّدَ احْتِمَالَاتٍ وَظُنُونٍ، مَهْمَا بَدَتْ مَنْطِقِيَّةً لَنَا الْآنَ. الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، كَمَا رَأَيْتَ بِنَفْسِكَ مِنْ قِصَّةِ وَالِدِي، لَيْسَ دَائِمًا فِي صَفِّ مَنْ يَمْلِكُ الْحَقِيقَةَ، بَلْ غَالِبًا فِي صَفِّ مَنْ يَمْلِكُ النُّفُوذَ وَالْمَالَ.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِإِحْبَاطٍ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَوْتِهِ: “إِذَنْ مَاذَا نَفْعَلُ؟ كَيْفَ نَبْنِي قَضِيَّةً قَوِيَّةً بِمَا يَكْفِي فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ كَهَذَا، بَيْنَمَا نُحَاوِلُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَنْعَ كَمَالٍ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى بَيْتِنَا خِلَالَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ؟”
أَجَابَ رَامِي بِثَبَاتٍ: “نَعْمَلُ عَلَى الْجَبْهَتَيْنِ مَعًا. أَنَا سَأُرَكِّزُ عَلَى التَّحْقِيقِ الْجِنَائِيِّ، مُحَاوِلًا جَمْعَ أَدِلَّةٍ تَرْبُطُ كَمَالًا مُبَاشَرَةً بِوَفَاةِ وَالِدِكَ، بَيْنَمَا تُرَكِّزُونَ أَنْتُمْ، مَعَ مُحَامٍ إِنْ وَجَدْتُمْ وَاحِدًا مَوْثُوقًا، عَلَى الْجَانِبِ الْمَدَنِيِّ، الطَّعْنِ فِي التَّفْوِيضِ وَنَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ. الْقَضِيَّتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ قَانُونِيًّا، لَكِنَّ نَجَاحَ إِحْدَاهُمَا قَدْ يُقَوِّي الْأُخْرَى كَثِيرًا.”
بَقِيَ الْجَمِيعُ صَامِتِينَ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، يَسْتَوْعِبُونَ ثِقَلَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْجَدِيدِ. كَانَ سَلِيمٌ يُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ الْمُكَبَّرَةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَخَيَّلَ كَمَالَ دَرْوِيشَ، الرَّجُلَ الَّذِي احْتَضَنَهُ بِحَرَارَةٍ يَوْمَ الْعَزَاءِ، الرَّجُلَ الَّذِي جَلَسَ فِي صَالَةِ بَيْتِهِ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً مُصْطَنَعَةً، وَاقِفًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاةِ أَبِيهِ، رُبَّمَا شَاهِدًا صَامِتًا، وَرُبَّمَا أَسْوَأَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
قَالَتْ لَيَانُ أَخِيرًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَجِدَ تَفْسِيرًا أَقَلَّ رُعْبًا: “لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ بِنَفْسِهِ مُبَاشَرَةً. كَمَالٌ رَجُلُ أَعْمَالٍ، لَا قَاتِلٌ مُحْتَرِفٌ. رُبَّمَا كَانَ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ، أَوْ رُبَّمَا جَاءَ بَعْدَ وُقُوعِ الْحَادِثِ بِلَحَظَاتٍ، وَلَمْ يَتَدَخَّلْ لِأَسْبَابٍ لَا نَعْرِفُهَا بَعْدُ. رُبَّمَا حَتَّى حَاوَلَ مُسَاعَدَةَ أَبِي وَلَمْ يَنْجَحْ، وَخَافَ مِنْ تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ وُجُودِهِ هُنَاكَ فَهَرَبَ.”
وَافَقَ رَامِي بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ، دُونَ أَنْ يَرْفُضَ الِاحْتِمَالَ كُلِّيًّا: “مُمْكِنٌ. لَا يَنْبَغِي أَنْ نَقْفِزَ إِلَى اسْتِنْتَاجَاتٍ مُتَسَرِّعَةٍ بِنَاءً عَلَى صُورَةٍ غَامِضَةٍ وَحْدَهَا. لَكِنْ حَتَّى لَوْ كَانَ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ صَامِتٍ، فَهَذَا يَجْعَلُهُ مُتَوَاطِئًا فِي التَّسَتُّرِ عَلَى وَفَاةٍ مُرِيبَةٍ، وَهَذَا وَحْدَهُ جَرِيمَةٌ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا الْقَانُونُ، وَتَسْتَحِقُّ تَحْقِيقًا كَامِلًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ دَرَجَةِ تَوَرُّطِهِ الْفِعْلِيِّ.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ: “هَذَا قَدْ يُفَسِّرُ أَيْضًا سُلُوكَهُ الْغَرِيبَ فِي زِيَارَتِهِ اللَّيْلِيَّةِ لِبَيْتِنَا. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ صَدِيقٍ قَدِيمٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْنَا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ يَتَفَقَّدُ مَا إِذَا كُنَّا قَدِ اكْتَشَفْنَا شَيْئًا يَرْبِطُهُ مُبَاشَرَةً بِمَوْتِ أَبِي.” تَوَقَّفَ، وَتَذَكَّرَ تَفْصِيلًا آخَرَ أَغْفَلَهُ سَابِقًا. “وَذَلِكَ السُّؤَالُ الَّذِي طَرَحَهُ عَلَيَّ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، عَمَّا إِذَا كَانَ أَبِي قَدْ تَرَكَ لِي أَوْرَاقًا تَخُصُّ الْمِلْكِيَّةَ، رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ أَدِلَّةِ التَّزْوِيرِ الْقَدِيمِ، بَلْ أَيْضًا عَنْ أَيِّ دَلِيلٍ قَدْ يُوَرِّطُهُ شَخْصِيًّا فِي وَفَاةِ أَبِي نَفْسِهَا.”
نَهَضَتْ يَاسَمِينُ، وَبَدَأَتْ تَمْشِي فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ جِيئَةً وَذَهَابًا، عَادَتُهَا حِينَ تُفَكِّرُ بِعُمْقٍ فِي قَضِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. قَالَتْ: “نَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْ صُورَةٍ غَامِضَةٍ وَانْعِكَاسِ ضَوْءٍ عَلَى مِعْصَمٍ قَدْ يَكُونُ أَيَّ شَيْءٍ. نَحْتَاجُ شَاهِدًا حَقِيقِيًّا، أَوْ دَلِيلًا مَادِّيًّا مَلْمُوسًا يَرْبِطُ كَمَالًا مُبَاشَرَةً بِمَسْرَحِ الْحَادِثِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، شَيْئًا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ أَمَامَ قَاضٍ نَزِيهٍ، إِنْ وَجَدْنَا وَاحِدًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ.”
اقْتَرَحَ سَلِيمٌ: “تَوْفِيقٌ قَدْ يَكُونُ لَدَيْهِ مَعْلُومَةٌ إِضَافِيَّةٌ. لَكِنَّهُ رَفَضَ إِكْمَالَ الْحَدِيثِ بَعْدَ الِاقْتِحَامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُعَرِّضَهُ لِخَطَرٍ أَكْبَرَ إِنْ ضَغَطْتُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى قَرِيبًا جِدًّا.”
أَضَافَتْ يَاسَمِينُ، مُتَذَكِّرَةً تَفْصِيلًا كَادَتْ تَنْسَاهُ وَسْطَ زَحْمَةِ الْأَحْدَاثِ الْأَخِيرَةِ: “هُنَاكَ أَيْضًا ‘الشَّاهِدَةُ الْأَخِيرَةُ’ الَّتِي ذَكَرَهَا وَالِدُكَ فِي قَائِمَتِهِ. لَمْ نُتَابِعْ هَذَا الْخَيْطَ بَعْدُ بِالشَّكْلِ الْكَافِي. إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، أَيًّا كَانَتْ، لَا تَزَالُ حَيَّةً، فَقَدْ تَحْمِلُ مَعْلُومَاتٍ أَدَقَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَسْتَطِيعُ تَوْفِيقٌ أَنْ يُقَدِّمَهُ لَنَا، خَاصَّةً أَنَّهَا، حَسْبَ مَا فَهِمْتُهُ مِنَ الْوَثَائِقِ، كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى مَرْكَزِ الْأَحْدَاثِ الْأَصْلِيَّةِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا.”
سَأَلَ رَامِي بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ مُتَزَايِدٍ: “مَنْ هِيَ بِالضَّبْطِ؟”
أَوْضَحَ سَلِيمٌ: “لَا نَعْرِفُ اسْمَهَا الْكَامِلَ بَعْدُ. فَقَطْ إِشَارَةٌ غَامِضَةٌ فِي أَوْرَاقِ أَبِي إِلَى ‘الشَّاهِدَةِ الْأَخِيرَةِ’، رُبَّمَا إِحْدَى النَّاجِيَاتِ مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ نَفْسِهَا، أَوْ شَخْصٌ آخَرُ كَانَ قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي مِنَ الْأَحْدَاثِ لِيَشْهَدَهَا مُبَاشَرَةً.”
فَكَّرَ رَامِي بِصَوْتٍ عَالٍ: “إِنْ كَانَتْ مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ نَفْسِهَا، فَقَدْ تَكُونُ غَادَرَتِ الْمَدِينَةَ تَمَامًا بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، رُبَّمَا حَتَّى غَيَّرَتِ اسْمَهَا خَوْفًا مِنَ الْمُلَاحَقَةِ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَبْحَثَ فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، رَغْمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُكْتَمِلَةِ الْأَرْشَفَةِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ لِهَذِهِ الْحِقْبَةِ الْبَعِيدَةِ، لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُحَاوَلَةَ. لَدَيَّ أَيْضًا مَعْرِفَةٌ قَدِيمَةٌ فِي أَرْشِيفِ وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَدْ تُسَاعِدُنِي عَلَى الْوُصُولِ إِلَى سِجِلَّاتٍ لَمْ تُرَقْمَنْ بَعْدُ، وَلَا تَزَالُ مَحْفُوظَةً وَرَقِيًّا فَقَطْ فِي مُسْتَوْدَعَاتٍ قَدِيمَةٍ.”
أَضَافَتْ يَاسَمِينُ: “سَأَبْحَثُ أَنَا أَيْضًا فِي أَرْشِيفِي الصَّحَفِيِّ. لَدَيَّ بَعْضُ السِّجِلَّاتِ الْقَدِيمَةِ لِجَمْعِيَّاتٍ حُقُوقِيَّةٍ كَانَتْ نَشِطَةً فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ، رُبَّمَا وَثَّقَتْ حَالَاتِ تَهْجِيرٍ أَوِ اخْتِفَاءٍ مُشَابِهَةً، وَقَدْ تَحْتَوِي عَلَى أَسْمَاءَ أَوْ تَفَاصِيلَ تَقُودُنَا إِلَيْهَا. سَأَتَحَقَّقُ أَيْضًا مِنْ سِجِلَّاتِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ الْقَدِيمَةِ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُجَاوِرَةِ، فَرُبَّمَا وَلَدَتْ هَذِهِ الشَّاهِدَةُ أَطْفَالًا لَاحِقًا تَحْتَ اسْمٍ جَدِيدٍ، وَقَدْ يَقُودُنَا هَذَا الْخَيْطُ إِلَيْهَا بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ بَيْنَهُمَا بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، مُدْرِكًا حَجْمَ الشَّبَكَةِ مِنَ الْحُلَفَاءِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ حَوْلَهُ خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ: صَحَفِيَّةٌ شُجَاعَةٌ، وَضَابِطٌ نَزِيهٌ، وَأُخْتٌ وَاقِفَةٌ بِجَانِبِهِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. شَعَرَ لِلَحْظَةٍ أَنَّ الْعِبْءَ الَّذِي بَدَا مُسْتَحِيلًا أَنْ يَحْمِلَهُ وَحِيدًا قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، أَصْبَحَ الْآنَ أَخَفَّ قَلِيلًا، مُوَزَّعًا عَلَى أَكْتَافِ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ يُؤْمِنُونَ بِالْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا.
سَأَلَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، مَدْفُوعًا بِفُضُولٍ إِنْسَانِيٍّ تِجَاهَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُخَاطِرُ بِمَسِيرَتِهِ الْمِهَنِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا مِنْ أَجْلِ قَضِيَّةٍ لَيْسَتْ قَضِيَّتَهُ شَخْصِيًّا، وَهُوَ يُرَاقِبُ رَامِي وَهُوَ يُرَتِّبُ الصُّوَرَ بِعِنَايَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ: “رَامِي، لِمَاذَا تُخَاطِرُ بِكُلِّ هَذَا؟ لَدَيْكَ عَمَلٌ مُسْتَقِرٌّ، وَمَسِيرَةٌ مِهَنِيَّةٌ، وَرُبَّمَا عَائِلَةٌ تُعِيلُهَا. لِمَاذَا تَضَعُ كُلَّ هَذَا عَلَى الْمِحَكِّ مِنْ أَجْلِ قَضِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لَا تَخُصُّكَ مُبَاشَرَةً؟”
تَوَقَّفَ رَامِي عَنِ الْحَدِيثِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ بَعِيدًا نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمُغْلَقَةِ بِسَتَائِرِهَا، وَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذِكْرَى شَخْصِيَّةً عَمِيقَةً. قَالَ: “لَدَيَّ زَوْجَةٌ وَطِفْلَانِ صَغِيرَانِ، نَعَمْ. وَأَعْتَرِفُ أَنَّ زَوْجَتِي تَعْرِفُ جُزْءًا بَسِيطًا فَقَطْ مِمَّا أَفْعَلُهُ الْآنَ، لِأَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُثْقِلَهَا بِقَلَقٍ لَا دَاعِيَ لَهُ إِنْ كَانَ بِإِمْكَانِي تَحَمُّلَهُ وَحْدِي.” تَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ أَكْمَلَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا: “لَكِنْ لَدَيَّ سَبَبًا شَخْصِيًّا أَعْمَقَ مِمَّا قَدْ تَتَخَيَّلُهُ. كَانَ أَبِي يَعْمَلُ حَارِسًا فِي أَحَدِ الْمَصَانِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِعَائِلَةٍ نَافِذَةٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، لَيْسَتْ عَائِلَةَ دَرْوِيشَ، لَكِنْ مِنَ النَّوْعِ نَفْسِهِ مِنَ الْعَائِلَاتِ ذَاتِ النُّفُوذِ الْخَفِيِّ. وَحِينَ اكْتَشَفَ تَلَاعُبًا مَالِيًّا كَبِيرًا، أَبْلَغَ عَنْهُ بِضَمِيرٍ حَيٍّ، فَطُرِدَ مِنْ عَمَلِهِ بِتُهْمَةٍ مُلَفَّقَةٍ، وَأَمْضَى بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَبْحَثُ عَنْ عَمَلٍ مُسْتَقِرٍّ لَمْ يَجِدْهُ أَبَدًا، بَيْنَمَا اسْتَمَرَّ مَنْ سَرَقَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي حَيَاةٍ مُرَفَّهَةٍ دُونَ أَيَّةِ مُحَاسَبَةٍ.”
نَظَرَ إِلَى الْحَاضِرِينَ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِعَزْمٍ صَادِقٍ. قَالَ: “لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُسَاعِدَ أَبِي حِينَ كُنْتُ طِفْلًا عَاجِزًا عَنْ فَهْمِ مَا يَجْرِي حَوْلَهُ. لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ الْآنَ أَنْ أُسَاعِدَ رَجُلًا آخَرَ، ابْنًا آخَرَ، يُحَاوِلُ أَنْ يَفْعَلَ لِأَبِيهِ مَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَفْعَلَهُ لِأَبِي. رُبَّمَا هَذَا سَبَبٌ سَخِيفٌ بِمَا يَكْفِي لِمُخَاطَرَةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ، لَكِنَّهُ السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ الْوَحِيدُ الَّذِي أَمْلِكُهُ.”
سَادَ صَمْتٌ مُؤَثِّرٌ فِي الْغُرْفَةِ، قَبْلَ أَنْ تَكْسِرَهُ لَيَانُ بِصَوْتٍ مُتَأَثِّرٍ: “هَذَا لَيْسَ سَبَبًا سَخِيفًا عَلَى الْإِطْلَاقِ يَا رَامِي. هَذَا أَنْبَلُ سَبَبٍ سَمِعْتُهُ مُنْذُ أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى رَامِي بِتَقْدِيرٍ جَدِيدٍ، شَاعِرًا أَنَّ دَائِرَةَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَثِقُ بِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَالَّتِي بَدَأَتْ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ غَرِيبَةٍ فِي الْمَطَارِ، تَوَسَّعَتِ الْآنَ لِتَشْمَلَ شُرْطِيًّا نَزِيهًا يَحْمِلُ جُرْحًا شَخْصِيًّا عَمِيقًا يُشْبِهُ جُرْحَهُ هُوَ نَفْسَهُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ. قَالَ: “شُكْرًا لَكَ يَا رَامِي، عَلَى صِدْقِكَ، وَعَلَى كُلِّ الْمُخَاطَرَةِ الَّتِي تَتَحَمَّلُهَا مِنْ أَجْلِنَا.”
صَحَّحَ رَامِي بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ حَزِينَةٍ: “لَسْتُ أَفْعَلُ هَذَا مِنْ أَجْلِكُمْ فَقَطْ. أَفْعَلُهُ مِنْ أَجْلِ نَفْسِي أَيْضًا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي كُنْتُهُ، وَالَّذِي شَاهَدَ أَبَاهُ يَنْكَسِرُ أَمَامَ ظُلْمٍ لَمْ يَسْتَطِعْ مُوَاجَهَتَهُ. كُلَّ مَرَّةٍ أُسَاعِدُ فِيهَا شَخْصًا مِثْلَكَ، أَشْعُرُ أَنِّي أُعِيدُ كِتَابَةَ جُزْءٍ صَغِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَلَوْ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ.”
سَأَلَتْهُ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ: “أَمَا زَالَ وَالِدُكَ حَيًّا؟”
هَزَّ رَامِي رَأْسَهُ بِحُزْنٍ هَادِئٍ. قَالَ: “تُوُفِّيَ مُنْذُ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ، دُونَ أَنْ يَرَى الْعَدَالَةَ الَّتِي كَانَ يَسْتَحِقُّهَا. لَكِنِّي أَحْمِلُ ذِكْرَاهُ مَعِي فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ أَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَكَأَنِّي أَقُولُ لَهُ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا: أَنَا أُحَاوِلُ يَا أَبِي، أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْتَ أَنْ تَكُونَهُ فِي ذَلِكَ النِّظَامِ الْفَاسِدِ.”
قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ الِاجْتِمَاعَ، أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ لِيُصَوِّرَ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ بِعِنَايَةٍ، لِلِاحْتِفَاظِ بِنُسْخَةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِهِ، تَحَسُّبًا لِأَيِّ طَارِئٍ قَدْ يُفْقِدُهُمُ الْأُصُولَ الَّتِي يَحْتَفِظُ بِهَا رَامِي. وَافَقَ رَامِي عَلَى ذَلِكَ بِتَرَدُّدٍ بَسِيطٍ، مُدْرِكًا أَنَّ انْتِشَارَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بَيْنَ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ مَوْثُوقِينَ، رَغْمَ زِيَادَةِ الْخَطَرِ النَّظَرِيِّ لِتَسَرُّبِهَا، يُقَلِّلُ أَيْضًا مِنْ خَطَرِ ضَيَاعِهَا بِالْكَامِلِ إِنِ اسْتُهْدِفَ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ.
اقْتَرَحَ رَامِي، وَهُوَ يَجْمَعُ الصُّوَرَ الْمَطْبُوعَةَ بِعِنَايَةٍ وَيُعِيدُهَا إِلَى مُغَلَّفِهَا الْبُنِّيِّ: “دَعُونَا نَتَّفِقُ عَلَى طَرِيقَةٍ آمِنَةٍ لِلتَّوَاصُلِ فِيمَا بَيْنَنَا. هَاتِفِي الشَّخْصِيُّ قَدْ يَكُونُ مُرَاقَبًا، خَاصَّةً إِنْ بَدَأَ مَنْ يَقِفُ خَلْفَ كَمَالٍ يَشُكُّ فِي تَحَرُّكَاتِي. سَأَشْتَرِي هَاتِفًا مُؤَقَّتًا غَدًا، وَأُرْسِلُ رَقْمَهُ لِيَاسَمِينَ عَبْرَ قَنَاةٍ آمِنَةٍ نَتَّفِقُ عَلَيْهَا الْآنَ. لَا تَتَّصِلُوا بِي عَلَى رَقْمِي الرَّسْمِيِّ إِلَّا فِي حَالَةِ طَوَارِئَ قُصْوَى لَا تَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ.”
اتَّفَقُوا عَلَى نِظَامٍ بَسِيطٍ: رِسَالَةٌ تَحْتَوِي عَلَى كَلِمَةِ “يَاسَمِينُ” فَقَطْ، بِلَا أَيَّةِ تَفَاصِيلَ إِضَافِيَّةٍ، سَتُرْسِلُهَا يَاسَمِينُ إِلَى رَقْمِ رَامِي الْقَدِيمِ إِنِ احْتَاجَتِ التَّوَاصُلَ الْعَاجِلَ، فَيَتَّصِلُ هُوَ بِهَا مِنَ الْهَاتِفِ الْجَدِيدِ خِلَالَ سَاعَةٍ. نِظَامٌ بِدَائِيٌّ، لَكِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ لَا شَيْءٍ فِي ظِلِّ هَذَا الْمُسْتَوَى مِنْ جُنُونِ الشَّكِّ الَّذِي بَدَأَ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، حَتَّى إِنَّ سَلِيمًا وَجَدَ نَفْسَهُ يَتَسَاءَلُ بِمَرَارَةٍ صَامِتَةٍ مَتَى أَصْبَحَتْ حَيَاتُهُ الْيَوْمِيَّةُ تَتَطَلَّبُ رُمُوزًا سِرِّيَّةً وَتَرْتِيبَاتٍ أَمْنِيَّةً مُعَقَّدَةً لِمُجَرَّدِ التَّوَاصُلِ مَعَ صَدِيقٍ.
قَبْلَ مُغَادَرَتِهِمْ، صَافَحَ رَامِي سَلِيمًا بِحَرَارَةٍ صَادِقَةٍ. قَالَ: “اعْتَنِ بِنَفْسِكَ يَا سَلِيمُ. وَالِدُكَ كَانَ، مِنْ كُلِّ مَا سَمِعْتُهُ عَنْهُ، رَجُلًا شُجَاعًا حَاوَلَ أَنْ يُصَحِّحَ خَطَأً لَمْ يَقْتَرِفْهُ. أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَكُونُ فَخُورًا بِكَ الْآنَ، لَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرَى إِصْرَارَكَ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، عَاجِزًا عَنِ الرَّدِّ بِكَلِمَاتٍ كَافِيَةٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُؤَثِّرَةِ. صَافَحَ رَامِي بِقُوَّةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَنْقُلَ عَبْرَ تِلْكَ الْمُصَافَحَةِ كُلَّ الِامْتِنَانِ الَّذِي عَجَزَ لِسَانُهُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْكَلِمَاتِ.
عَانَقَتْ لَيَانُ رَامِي بِدَوْرِهَا بِحَرَارَةٍ أُخْوِيَّةٍ عَفْوِيَّةٍ، شَاكِرَةً إِيَّاهُ عَلَى مُخَاطَرَتِهِ مِنْ أَجْلِ عَائِلَةٍ لَا يَرْبِطُهَا بِهِ سِوَى قَضِيَّةِ عَدَالَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. حَتَّى يَاسَمِينُ، الَّتِي عَرَفَتْ رَامِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ وَحَافَظَتْ عَادَةً عَلَى مَسَافَةٍ مِهَنِيَّةٍ مَحْسُوبَةٍ مَعَهُ، سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا بِعِنَاقٍ سَرِيعٍ، مُعَبِّرَةً عَنْ تَقْدِيرٍ عَمِيقٍ لِصَدَاقَةٍ أَثْبَتَتْ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ أَنَّهَا أَكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ عَلَاقَةِ عَمَلٍ نَفْعِيَّةٍ.
خَرَجُوا أَخِيرًا مِنَ الشُّقَّةِ مَعًا، وَالْمَسَاءُ يَهْبِطُ عَلَى الْمَدِينَةِ بِرِفْقٍ، أَضْوَاءُ الشَّوَارِعِ تُضَاءُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، بَيْنَمَا كَانُوا يَحْمِلُونَ مَعَهُمْ ثِقَلَ مَعْرِفَةٍ جَدِيدَةٍ أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ عَرَفُوهُ قَبْلَ هَذَا اللِّقَاءِ، وَأَمَلًا جَدِيدًا أَيْضًا، هَشًّا لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، بِأَنَّ الْعَدَالَةَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرَةً خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً، لَا تَزَالُ مُمْكِنَةً.
جَلَسَ سَلِيمٌ فِي مَقْعَدِ سَيَّارَةِ يَاسَمِينَ الْخَلْفِيِّ، بِجَانِبِ لَيَانَ، بَيْنَمَا قَادَتْ يَاسَمِينُ السَّيَّارَةَ بِعِنَايَةٍ عَبْرَ الشَّوَارِعِ الْمَسَائِيَّةِ، مُرَاقِبَةً الْمَرَايَا الْجَانِبِيَّةَ بِانْتِظَامٍ كَعَادَتِهَا. لَمْ يَتَحَدَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَثِيرًا خِلَالَ الطَّرِيقِ، مُسْتَغْرِقِينَ فِي أَفْكَارِهِمُ الْخَاصَّةِ حَوْلَ كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ فِي تِلْكَ الشُّقَّةِ الْمُتَوَاضِعَةِ: كُوبَا شَايٍ، وَنَافِذَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَظِلٌّ غَامِضٌ يَحْمِلُ سِوَارًا فِضِّيًّا، وَقِصَّةُ شُرْطِيٍّ فَقَدَ أَبَاهُ لِظُلْمٍ مُشَابِهٍ قَرَّرَ أَلَّا يَسْمَحَ بِتَكْرَارِهِ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ مُقَاوَمَةٍ.
نَظَرَ سَلِيمٌ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُضَاءَةِ تَدْرِيجِيًّا، مُتَسَائِلًا كَمْ عَدَدُ الْقِصَصِ الْمُشَابِهَةِ الْأُخْرَى الْمُخْتَبِئَةِ خَلْفَ كُلِّ نَافِذَةٍ مُضَاءَةٍ يَرَاهَا، كَمْ عَدَدُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ الَّذِينَ دَفَعُوا ثَمَنَ صَمْتٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ، وَكَمْ عَدَدُ الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ، مِثْلَهُ وَمِثْلَ رَامِي، قَرَّرُوا يَوْمًا أَلَّا يَصْمُتُوا كَمَا صَمَتَ مَنْ سَبَقَهُمْ.
فِي سَيَّارَةٍ رَمَادِيَّةِ اللَّوْنِ، مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى بُعْدِ مَبْنَيَيْنِ مِنَ الشُّقَّةِ الْمُتَوَاضِعَةِ الَّتِي جَرَى فِيهَا الِاجْتِمَاعُ، جَلَسَ رَجُلٌ يُرَاقِبُ الْمَدْخَلَ بِصَبْرٍ، وَكَامِيرَا بِعَدَسَةٍ طَوِيلَةٍ مَوْضُوعَةٌ عَلَى حِجْرِهِ. كَانَ يَجْلِسُ فِي تِلْكَ السَّيَّارَةِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ، يَحْتَسِي قَهْوَتَهُ الْبَارِدَةَ مِنْ كُوبٍ وَرَقِيٍّ، مُنْتَظِرًا بِصَبْرٍ مِهَنِيٍّ اكْتَسَبَهُ مِنْ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَهَامِّ الْحَسَّاسَةِ الَّتِي لَا تُذْكَرُ فِي أَيَّةِ سِيرَةٍ ذَاتِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ.
حِينَ خَرَجَ سَلِيمٌ وَلَيَانُ وَيَاسَمِينُ أَخِيرًا، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ الْمُطَوَّلِ، الْتَقَطَ الرَّجُلُ عِدَّةَ صُوَرٍ سَرِيعَةٍ لَهُمْ وَهُمْ يُوَدِّعُونَ رَامِي عَاصِي عِنْدَ الْبَابِ، بِضَغَطَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ سَرِيعَةٍ عَلَى زِرِّ الْكَامِيرَا، مُلْتَقِطًا كُلَّ زَاوِيَةٍ مُمْكِنَةٍ لِوُجُوهِهِمْ وَتَعَابِيرِهِمْ، ثُمَّ أَخْرَجَ هَاتِفَهُ وَأَرْسَلَ الصُّوَرَ فَوْرًا إِلَى رَقْمٍ مَحْفُوظٍ بِاسْمٍ مُخْتَصَرٍ: “الرَّئِيسَةُ”.
جَاءَ الرَّدُّ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، رِسَالَةً نَصِّيَّةً مُقْتَضَبَةً: “مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الرَّابِعُ؟”
كَتَبَ الرَّجُلُ الْمُرَاقِبُ رَدًّا سَرِيعًا: “أَتَحَقَّقُ مِنْ هُوِيَّتِهِ الْآنَ.” بَحَثَ بِسُرْعَةٍ فِي قَاعِدَةِ بَيَانَاتٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ يَمْلِكُ صَلَاحِيَّةَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بِفَضْلِ مَعَارِفِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي أَوْسَاطٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى وَجَدَ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ: صُورَةَ رَامِي عَاصِي الرَّسْمِيَّةَ مِنْ سِجِلَّاتِ الشُّرْطَةِ، مُرْفَقَةً بِرُتْبَتِهِ وَوَحْدَتِهِ وَتَارِيخِ خِدْمَتِهِ الْكَامِلِ.
أَرْسَلَ الْمَعْلُومَةَ فَوْرًا: “مُقَدَّمُ شُرْطَةٍ، رَامِي عَاصِي، قِسْمُ التَّحْقِيقَاتِ الْجِنَائِيَّةِ. مَعْرُوفٌ بِنَزَاهَتِهِ، لَمْ يُخْضَعْ لِلتَّوْجِيهِ مِنْ قَبْلُ رَغْمَ مُحَاوَلَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.”
جَاءَ الرَّدُّ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَسْرَعَ، وَنَبْرَتُهُ حَتَّى فِي النَّصِّ الْمَكْتُوبِ بَدَتْ أَشَدَّ حِدَّةً: “هَذَا تَطَوُّرٌ خَطِيرٌ. رَاقِبْ تَحَرُّكَاتِهِ مِنَ الْآنِ فَصَاعِدًا بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ عَنْ مُرَاقَبَةِ الِابْنِ. إِنْ حَاوَلَ الْوُصُولَ إِلَى أَيَّةِ سِجِلَّاتٍ حَسَّاسَةٍ، أَخْبِرْنِي فَوْرًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ السَّاعَةِ.” تَوَقَّفَتِ الرَّسَائِلُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ وَصَلَتْ رِسَالَةٌ إِضَافِيَّةٌ بَعْدَ دَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، وَكَأَنَّ الْمُرْسِلَةَ أَعَادَتِ التَّفْكِيرَ فِي الْأَمْرِ: “وَابْحَثْ عَنْ أَيَّةِ صِلَةٍ عَائِلِيَّةٍ أَوْ مِهَنِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَيِّ شَخْصٍ يَعْمَلُ فِي مَكْتَبِ النَّائِبِ الْعَامِّ. إِنْ كَانَ نَزِيهًا كَمَا تَصِفُهُ، فَقَدْ يُحَاوِلُ تَجَاوُزَ الْقَنَوَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ لِلْوُصُولِ إِلَى قَاضٍ يَثِقُ بِهِ مُبَاشَرَةً.”
كَتَبَ الرَّجُلُ الْمُرَاقِبُ: “سَأَبْدَأُ التَّحْقِيقَ فَوْرًا.” ثُمَّ أَضَافَ بِفُضُولٍ شَخْصِيٍّ تَجَاوَزَ حُدُودَ مُهِمَّتِهِ الْمُعْتَادَةِ: “أَيَعْنِي هَذَا أَنَّ الْوَضْعَ أَصْبَحَ أَخْطَرَ مِمَّا تَوَقَّعْنَا؟”
جَاءَ الرَّدُّ قَاسِيًا وَمُوجَزًا: “هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ. رَاقِبْ فَقَطْ، وَأَبْلِغْ.”
ابْتَلَعَ الرَّجُلُ مُلَاحَظَتَهُ بِصَمْتٍ، مُعْتَادًا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الرُّدُودِ الْحَادَّةِ مِنْ “الرَّئِيسَةِ”، امْرَأَةٍ لَمْ يَرَ وَجْهَهَا قَطُّ طَوَالَ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ مَعَهَا، يَتَلَقَّى أَوَامِرَهُ فَقَطْ عَبْرَ رَسَائِلَ نَصِّيَّةٍ مُشَفَّرَةٍ وَمُكَالَمَاتٍ هَاتِفِيَّةٍ قَصِيرَةٍ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ عَنْهَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا سِوَى صَوْتِهَا الْهَادِئِ الْبَارِدِ الَّذِي يَحْمِلُ دَائِمًا نَبْرَةَ سُلْطَةٍ لَا تَقْبَلُ النِّقَاشَ.
أَغْلَقَ الرَّجُلُ الْمُرَاقِبُ هَاتِفَهُ، وَأَشْعَلَ سِيجَارَةً، وَوَاصَلَ مُرَاقَبَتَهُ الصَّامِتَةَ لِلْمَبْنَى، بَيْنَمَا كَانَتْ سَيَّارَةُ يَاسَمِينَ تَبْتَعِدُ تَدْرِيجِيًّا فِي الشَّارِعِ، حَامِلَةً ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ لَا يَعْرِفُونَ بَعْدُ أَنَّ دَائِرَةَ الْمُرَاقَبَةِ حَوْلَهُمُ اتَّسَعَتْ لِلتَّوِّ لِتَشْمَلَ حَلِيفَهُمُ الْجَدِيدَ الْأَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً.
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى سَاعَتِهِ، وَسَجَّلَ فِي دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرٍ وَقْتَ مُغَادَرَةِ كُلِّ شَخْصٍ مِنَ الشُّقَّةِ، بِدِقَّةٍ تَعْكِسُ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّدْرِيبِ الْمِهَنِيِّ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ. طَوَى الدَّفْتَرَ، وَأَشْعَلَ مُحَرِّكَ سَيَّارَتِهِ، وَبَدَأَ يَتَتَبَّعُ سَيَّارَةَ يَاسَمِينَ مِنْ مَسَافَةٍ آمِنَةٍ، حَرِيصًا أَلَّا يَلْفِتَ انْتِبَاهَ صَحَفِيَّةٍ اعْتَادَتِ الْحَذَرَ أَكْثَرَ مِنْ أَغْلَبِ مَنْ رَاقَبَهُمْ فِي حَيَاتِهِ الْمِهَنِيَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ الرَّمَادِيِّ بَيْنَ الْقَانُونِ وَخَارِجِهِ.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ، وَهُوَ يَقُودُ سَيَّارَتَهُ بِبُطْءٍ عَبْرَ شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْمَسَائِيَّةِ، فِي طَبِيعَةِ هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي أَصْبَحَ يُمَارِسُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ: مُرَاقَبَةٌ صَامِتَةٌ، وَتَقَارِيرُ مُقْتَضَبَةٌ، وَأَوَامِرُ تَصِلُ دُونَ تَفْسِيرٍ كَامِلٍ لِأَسْبَابِهَا الْحَقِيقِيَّةِ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَبَدًا، مَنْ هِيَ هَذِهِ “الرَّئِيسَةُ” الَّتِي يَتَلَقَّى أَوَامِرَهُ مِنْهَا مُبَاشَرَةً، وَلَا لِمَاذَا تَهْتَمُّ بِهَذِهِ الْعَائِلَةِ تَحْدِيدًا إِلَى هَذَا الْحَدِّ. كَانَ يَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّ الْأَجْرَ سَخِيٌّ، وَأَنَّ الْعَمَلَ يَتَطَلَّبُ صَمْتًا مُطْلَقًا، وَأَنَّ التَّسَاؤُلَ عَنِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ وَظِيفَتِهِ.
قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا نِهَائِيًّا فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، تَوَقَّفَتْ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ سَيَّارَتِهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فِي نَبْرَتِهَا الْمِهَنِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ. قَالَتْ: “سَلِيمُ، أَعْرِفُ أَنَّ الْيَوْمَ كَانَ مُرْهِقًا بِكُلِّ الْمَقَايِيسِ، لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا: نَادِرًا جِدًّا مَا أَلْتَقِي بِشَخْصٍ يَمْتَلِكُ شَجَاعَتَكَ فِي مُوَاجَهَةِ الْحَقِيقَةِ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً. أَغْلَبُ مَنْ قَابَلْتُهُمْ فِي تَحْقِيقَاتِي الطَّوِيلَةِ يُفَضِّلُونَ الْهُرُوبَ مِنْ حَقَائِقَ أَقَلَّ إِيلَامًا بِكَثِيرٍ مِمَّا تُوَاجِهُهُ أَنْتَ الْآنَ.”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ. قَالَ: “لَمْ أَكُنْ لِأَصِلَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا لَوْلَا مُسَاعَدَتُكِ يَا يَاسَمِينُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى فِي الْمَطَارِ. رُبَّمَا كُنْتُ سَأَهْرُبُ أَنَا أَيْضًا، لَوْ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَقِفُ بِجَانِبِي فِي كُلِّ خُطْوَةٍ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ أَطْوَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَشَيْءٌ فِي عَيْنَيْهَا بَدَا وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَحَتْ بِهِ الْكَلِمَاتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُتْعَبَةِ، قَبْلَ أَنْ تَبْتَسِمَ أَخِيرًا وَتَقُولَ: “سَأُوصِلُكُمَا إِلَى الْبَيْتِ الْآنَ. غَدًا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَمَعْرَكَةٌ جَدِيدَةٌ تَنْتَظِرُنَا جَمِيعًا.”
خِلَالَ الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتِ، جَلَسَ سَلِيمٌ صَامِتًا فِي الْمَقْعَدِ الْأَمَامِيِّ، يُرَاقِبُ الْمَدِينَةَ تَمُرُّ مِنْ حَوْلِهِ بِأَضْوَائِهَا الْمُتَنَاثِرَةِ، بَيْنَمَا غَفَتْ لَيَانُ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ مِنْ شِدَّةِ الْإِرْهَاقِ. فَكَّرَ فِي كُلِّ مَا حَدَثَ خِلَالَ هَذَا الْيَوْمِ الْوَاحِدِ: اعْتِرَافُ أُخْتِهِ، وَالْإِخْطَارُ الرَّسْمِيُّ الْمُرَوِّعُ، وَسَنَدُ الْمِلْكِيَّةِ الْقَدِيمُ الَّذِي مَنَحَهُمْ بَصِيصَ أَمَلٍ، ثُمَّ هَذَا اللِّقَاءُ الْمُطَوَّلُ مَعَ رَامِي الَّذِي كَشَفَ احْتِمَالًا أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ مُجْتَمِعًا.
شَعَرَ بِإِرْهَاقٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْجَسَدِ إِلَى أَعْمَاقِ رُوحِهِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضًا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ وُصُولِهِ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْأَمَلَ الْحَقِيقِيَّ، لَا مُجَرَّدَ إِصْرَارٍ عَنِيدٍ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ. كَانَ يَعْرِفُ الْآنَ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ وَحِيدًا، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ، مَهْمَا بَدَتْ مُسْتَحِيلَةً أَمَامَهُ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، أَصْبَحَتِ الْآنَ مَعْرَكَةً يَخُوضُهَا إِلَى جَانِبِهِ أَشْخَاصٌ حَقِيقِيُّونَ يُؤْمِنُونَ بِالْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا، كُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ جُرْحَهُ الْخَاصَّ وَسَبَبَهُ الشَّخْصِيَّ الْعَمِيقَ لِلِاسْتِمْرَارِ.
وَصَلَتِ السَّيَّارَةُ أَخِيرًا إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ، فَأَيْقَظَ سَلِيمٌ أُخْتَهُ بِلُطْفٍ، وَوَدَّعَا يَاسَمِينَ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ قَبْلَ أَنْ تَنْطَلِقَ سَيَّارَتُهَا مُبْتَعِدَةً فِي الظَّلَامِ. وَقَفَ الْأَخَوَانِ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، يَنْظُرَانِ إِلَى شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ الْعَجُوزِ الَّتِي بَدَتْ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ الْخَافِتِ وَكَأَنَّهَا تَحْرُسُ الْمَكَانَ بِصَمْتٍ أَبَدِيٍّ، شَاهِدَةً عَلَى أَجْيَالٍ مِنْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ وَأَسْرَارِهَا الْمُتَرَاكِمَةِ.
قَالَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ: “غَدًا سَنَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ. خُطْوَةٌ أُخْرَى أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، وَدَخَلَا مَعًا إِلَى الْبَيْتِ الْهَادِئِ، حَيْثُ كَانَتْ أُمُّهُمَا نَائِمَةً بِسَلَامٍ نِسْبِيٍّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَيَّامٍ، غَافِلَةً عَنْ حَجْمِ الْعَاصِفَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ حَوْلَ عَائِلَتِهَا الصَّغِيرَةِ، عَاصِفَةٍ لَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ بَعْدُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَرَغْمَ كُلِّ الْإِرْهَاقِ الْمُتَرَاكِمِ، لَمْ يَنَمْ سَلِيمٌ بِسُهُولَةٍ. ظَلَّ يُفَكِّرُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْفِضِّيَّةِ اللَّامِعَةِ، فِي الظِّلِّ الْغَامِضِ الْمُبْتَعِدِ عَنْ مَسْرَحِ الْجَرِيمَةِ، وَفِي كَلِمَاتِ رَامِي الْأَخِيرَةِ عَنْ وَالِدِهِ الَّذِي لَمْ يَنَلْ عَدَالَتَهُ أَبَدًا. تَسَاءَلَ بِصَمْتٍ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي سَقْفِ غُرْفَتِهِ الْمُظْلِمَةِ، كَمْ عَدَدُ الْقِصَصِ الْمُشَابِهَةِ الْأُخْرَى الْمَدْفُونَةِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا، وَكَمْ مِنْهَا لَنْ يَجِدَ أَبَدًا مَنْ يَحْمِلُ شَجَاعَةً كَافِيَةً لِكَشْفِهَا.
أَخِيرًا، مَعَ اقْتِرَابِ الْفَجْرِ، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَاسْتَسْلَمَ لِنَوْمٍ مُضْطَرِبٍ مَلِيءٍ بِأَحْلَامٍ مُتَقَطِّعَةٍ عَنْ ظِلَالٍ مُبْتَعِدَةٍ، وَشَوَارِعَ صَامِتَةٍ، وَأَبٍ يَبْتَسِمُ مِنْ بَعِيدٍ دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ، أَحْلَامٍ لَمْ تَكُنْ سِوَى انْعِكَاسٍ لِكُلِّ مَا حَمَلَهُ ذِهْنُهُ مِنْ ثِقَلٍ خِلَالَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَدَأَ بِاعْتِرَافِ أُخْتِهِ وَانْتَهَى بِمَعْرِفَةٍ قَدْ تُغَيِّرُ مَصِيرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا.
وَفِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَفْسِهَا مِنَ اللَّيْلِ، كَانَ رَامِي عَاصِي جَالِسًا وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ فِي مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَى نَوْبَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ بِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَفْتَحُ مِلَفًّا إِلِكْتْرُونِيًّا جَدِيدًا عَلَى حَاسُوبِهِ الرَّسْمِيِّ، مُتَخَفِّيًا وَرَاءَ عُنْوَانٍ بَرِيءٍ: “مُرَاجَعَةُ إِجْرَاءَاتٍ رُوتِينِيَّةٍ – أَرْشِيفُ سِجِلِّ الْأَرَاضِي”. بَدَأَ يَكْتُبُ أُولَى مُلَاحَظَاتِهِ حَوْلَ التَّحْقِيقِ الْجَدِيدِ الَّذِي قَرَّرَ أَنْ يَخُوضَهُ، مَهْمَا كَلَّفَهُ مِنْ ثَمَنٍ.
كَتَبَ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ مِنْ مُلَاحَظَاتِهِ السِّرِّيَّةِ عُنْوَانًا بَسِيطًا: “قَضِيَّةُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ – إِعَادَةُ فَتْحٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ.” ثُمَّ تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ، يَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ الْمُضِيئَةِ فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ الْهَادِئِ، قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلَ الْكِتَابَةَ بِعَزْمٍ مُتَجَدِّدٍ، مُدْرِكًا أَنَّهُ بِهَذِهِ الْخُطْوَةِ الصَّغِيرَةِ قَدْ عَبَرَ بِالْفِعْلِ نُقْطَةَ اللَّاعَوْدَةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْخَطِيرَةِ.
خَارِجَ نَافِذَةِ مَكْتَبِهِ، كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَغُطُّ فِي نَوْمٍ مُضْطَرِبٍ، غَافِلَةً عَنْ أَنَّ مِلَفًّا قَدِيمًا، ظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّهُ أُغْلِقَ إِلَى الْأَبَدِ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، قَدْ أُعِيدَ فَتْحُهُ لِلتَّوِّ، مِنْ جَدِيدٍ، بِيَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَرَّرَ أَلَّا يَصْمُتَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
نِهَايَةُ الْفَصْلِ السَّابِعِ.
كَانَ الْغَدُ يَحْمِلُ مَعَهُ، دُونَ أَنْ يُدْرِكَا ذَلِكَ بَعْدُ، خَيْطًا جَدِيدًا كُلِّيًّا سَيَقُودُهُمَا إِلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، بَحْثًا عَنِ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ قَدْ تَحْمِلُ آخِرَ ذِكْرَى حَيَّةٍ لِلَيْلَةِ اخْتِفَاءِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، امْرَأَةٍ لَمْ يَكُنِ اسْمُهَا مَعْرُوفًا بَعْدُ، لَكِنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ عَلَى وَشْكِ أَنْ تَتَشَابَكَ مَعَ قِصَّتِهِمْ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا أَيٌّ مِنْهُمْ.
لَكِنَّ هَذِهِ، كَمَا هِيَ الْعَادَةُ دَائِمًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، حِكَايَةُ الْفَصْلِ الْقَادِمِ.
حِكَايَةٌ لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ غُمُوضًا أَوْ خُطُورَةً مِمَّا سَبَقَهَا.
— نِهَايَةُ الْفَصْلِ السَّابِعِ —
