Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 08

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِين

الْفَصْلُ الثَّامِنُ

اسْتَغْرَقَ الْبَحْثُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ مِنَ الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ، لَا تَهْدَأُ فِيهَا هِمَّةٌ وَلَا يَفْتُرُ فِيهَا أَمَلٌ. أَمَّا رَامِي فَقَدْ غَاصَ فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، مُتَجَاوِزًا عَشَرَاتِ الْمِلَفَّاتِ الْوَرَقِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُؤَرْشَفْ رَقْمِيًّا قَطُّ، مُتَسَلِّلًا إِلَى مُسْتَوْدَعَاتِ وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ بَيْنَ نَوْبَاتِهِ الرَّسْمِيَّةِ، بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ أَقْنَعَ بِهَا زُمَلَاءَهُ دُونَ أَنْ يُثِيرَ رِيبَتَهُمْ. وَفِي الْمُقَابِلِ، نَبَشَتْ يَاسَمِينُ فِي أَرْشِيفِهَا الصَّحَفِيِّ وَأَرْشِيفِ جَمْعِيَّاتٍ حُقُوقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَوَقَّفَتْ عَنِ الْعَمَلِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، مُتَوَاصِلَةً مَعَ مَعَارِفَ قُدَامَى هَجَرُوا الْمِهْنَةَ الصَّحَفِيَّةَ مُنْذُ عُقُودٍ، تُنَقِّبُ فِي ذَاكِرَتِهِمْ عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ قَدْ يُعِينُ.
وَفِي مَسَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، الْتَقَتْ خُيُوطٌ مُتَفَرِّقَةٌ أَخِيرًا فِي نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ: امْرَأَةٌ تُدْعَى “سَمِيرَةَ سَمَاحَةَ”، سُجِّلَتْ فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا بِالضَّبْطِ تَحْتَ اسْمِ عَائِلَةٍ مُخْتَلِفٍ هُوَ “سَمِيرَةُ الْحَلَبِيِّ”، وَانْتَقَلَتْ إِلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ عَلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، بَعِيدَةٍ عَنْ أَيِّ طَرِيقٍ رَئِيسِيٍّ، وَكَأَنَّ مَنْ رَتَّبَ لَهَا هَذَا الِاسْمَ الْجَدِيدَ أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَهَا فِي أَبْعَدِ نُقْطَةٍ مُمْكِنَةٍ عَنْ أَيِّ احْتِمَالٍ لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِهَا.
قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تُقَارِنُ التَّوَارِيخَ بِعِنَايَةٍ عَلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهَا الْمَحْمُولِ، وَعَيْنَاهَا مُتْعَبَتَانِ مِنْ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّنْقِيبِ: “الْعُمْرُ يَتَطَابَقُ. لَوْ كَانَتْ طِفْلَةً صَغِيرَةً لَيْلَةَ الِاخْتِفَاءِ، فَهِيَ الْآنَ فِي أَوَاخِرِ الْخَمْسِينِيَّاتِ أَوْ أَوَائِلِ السِّتِّينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا. وَهَذَا يَتَطَابَقُ تَمَامًا مَعَ الْوَصْفِ الَّذِي عَثَرْتُ عَلَيْهِ فِي سِجِلٍّ قَدِيمٍ لِجَمْعِيَّةٍ حُقُوقِيَّةٍ: امْرَأَةٌ تَعِيشُ وَحِيدَةً فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ مُنْذُ عُقُودٍ، لَا يَعْرِفُ عَنْهَا جِيرَانُهَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا سِوَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ قَدِمَتْ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.”
اتَّصَلَ سَلِيمٌ بِلَيَانَ لِيُطْلِعَهَا عَلَى الْخُطَّةِ، فَأَصَرَّتْ عَلَى الْمَجِيءِ، لَكِنَّهُ أَقْنَعَهَا بِالْبَقَاءِ فِي الْبَيْتِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، خَشْيَةَ أَنْ يَلْحَظَ أَحَدٌ غِيَابَهُمَا مَعًا، وَحِرْصًا عَلَى أَنْ يَبْقَى فَرْدٌ وَاحِدٌ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الْعَائِلَةِ قَرِيبًا مِنْ أُمِّهِمَا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْحَسَّاسَةِ. وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ تَبْقَى لَيَانُ عَلَى تَوَاصُلٍ هَاتِفِيٍّ دَائِمٍ، تُرْسِلُ رِسَالَةً كُلَّ سَاعَةٍ لِلِاطْمِئْنَانِ.
قَالَتْ لَيَانُ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ عَبْرَ الْهَاتِفِ: “كُنْ حَذِرًا. هَذِهِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ حَقًّا مَنْ عَرَفَتْهَا يَاسَمِينُ، تَعِيشُ فِي عُزْلَةٍ لِسَبَبٍ مَا، وَلَرُبَّمَا لَنْ تُرَحِّبَ بِزَائِرَيْنِ مُفَاجِئَيْنِ يُعِيدَانِ فَتْحَ جُرْحٍ قَدِيمٍ عُمْرُهُ خَمْسُونَ عَامًا.”
طَمْأَنَهَا سَلِيمٌ قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ الْمُكَالَمَةَ: “سَأَكُونُ حَذِرًا، أَعِدُكِ.”
انْطَلَقَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، بَاكِرَيْنِ جِدًّا، بِسَيَّارَةِ يَاسَمِينَ، نَحْوَ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي بَدَتْ أَبْعَدَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَا، عَبْرَ طُرُقٍ تُرَابِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ تُحِيطُ بِهَا حُقُولُ زَيْتُونٍ عَتِيقَةٌ، وَتِلَالٌ جَرْدَاءُ تَمْتَدُّ حَتَّى الْأُفُقِ. تَحَدَّثَا قَلِيلًا خِلَالَ الرِّحْلَةِ، كُلٌّ مِنْهُمَا غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ الْخَاصَّةِ حَوْلَ مَا قَدْ تَكْشِفُهُ هَذِهِ الشَّاهِدَةُ الْأَخِيرَةُ، حَتَّى كَسَرَتْ يَاسَمِينُ الصَّمْتَ أَخِيرًا: “سَلِيمُ، أَيًّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَأَيًّا كَانَتْ قِصَّتُهَا، فَعَلَيْنَا أَنْ نُعَامِلَهَا بِرِفْقٍ بَالِغٍ. تَخَيَّلْ أَنْ تَفْقِدَ عَائِلَتَكَ بِأَسْرِهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ تُجْبَرَ عَلَى أَنْ تَعِيشَ بِهُوِيَّةٍ مُزَيَّفَةٍ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً، خَائِفَةً أَنْ يَنْكَشِفَ سِرُّهَا فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ. هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الصَّدْمَةِ لَا يُشْفَى بِيُسْرٍ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، مُدْرِكًا ثِقَلَ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ، وَشَعَرَ بِمَسْؤُولِيَّةٍ إِضَافِيَّةٍ تُجَاهَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَهَا بَعْدُ، وَقَدْ بَدَأَ فِعْلًا يُحِسُّ نَحْوَهَا بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ.
وَصَلَا إِلَى الْقَرْيَةِ بَعْدَ رِحْلَةٍ اسْتَغْرَقَتْ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ، قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تَضُمُّ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا مُتَنَاثِرًا، أَغْلَبُهَا بَسِيطٌ مَبْنِيٌّ بِالْحَجَرِ وَالطِّينِ، مُحَاطَةً بِحُقُولٍ خَضْرَاءَ وَأَشْجَارِ زَيْتُونٍ مُعَمَّرَةٍ يَعُودُ بَعْضُهَا، حَسْبَ تَقْدِيرِ سَلِيمٍ الْمِعْمَارِيِّ، إِلَى مِئَاتِ السِّنِينَ. كَانَتِ الْقَرْيَةُ هَادِئَةً بِمَا يُوحِي بِحَيَاةٍ بَطِيئَةٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ كَثِيرًا عَبْرَ الْعُقُودِ: دَجَاجٌ يَتَجَوَّلُ بِحُرِّيَّةٍ فِي الْأَزِقَّةِ التُّرَابِيَّةِ، وَامْرَأَةٌ عَجُوزٌ تَنْشُرُ غَسِيلَهَا عَلَى حَبْلٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ شَجَرَتَيْنِ، وَأَطْفَالٌ قَلَائِلُ يَلْعَبُونَ بَعِيدًا فِي حَقْلٍ مُجَاوِرٍ.
سَأَلَا أَحَدَ الْمَارَّةِ، رَجُلًا مُسِنًّا يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا خَشَبِيَّةٍ، عَنْ بَيْتِ “سَمِيرَةَ الْحَلَبِيِّ”، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا بِفُضُولٍ صَامِتٍ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يُشِيرَ نَحْوَ بَيْتٍ صَغِيرٍ فِي أَقْصَى الْقَرْيَةِ، مُنْعَزِلٍ قَلِيلًا عَنْ بَقِيَّةِ الْبُيُوتِ، تُحِيطُ بِهِ سِيَاجَةٌ خَشَبِيَّةٌ بَسِيطَةٌ وَحَدِيقَةٌ صَغِيرَةٌ مُهْمَلَةٌ. وَأَضَافَ الرَّجُلُ بِنَبْرَةٍ فُضُولِيَّةٍ خَفِيفَةٍ، كَأَنَّهُ يَتَسَاءَلُ بِصَمْتٍ عَنْ سَبَبِ اهْتِمَامِ غَرِيبَيْنِ بِهَا فَجْأَةً: “تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَعِيشُ وَحِيدَةً مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا، لَا يَكَادُ يَزُورُهَا أَحَدٌ.”
شَكَرَهُ سَلِيمٌ، وَاتَّجَهَا نَحْوَ الْبَيْتِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، يَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتَوَتُّرٍ مُتَصَاعِدٍ كُلَّمَا اقْتَرَبَا أَكْثَرَ مِنْ عَتَبَةِ الْبَابِ.
طَرَقَ سَلِيمٌ الْبَابَ بِلُطْفٍ، وَانْتَظَرَا دَقَائِقَ طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يُفْتَحَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، لِيَكْشِفَ عَنِ امْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ، نَحِيلَةِ الْجِسْمِ، شَعْرُهَا الْأَبْيَضُ مَشْدُودٌ بِإِحْكَامٍ إِلَى الْخَلْفِ، وَعَيْنَانِ حَادَّتَانِ رَغْمَ تَقَدُّمِ عُمْرِهَا الْوَاضِحِ، تَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، حَذَرِ مَنْ عَاشَ عُمْرًا كَامِلًا وَهُوَ يَتَوَقَّعُ أَنَّ كُلَّ طَارِقِ بَابٍ غَرِيبٍ قَدْ يَحْمِلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا.
سَأَلَتْ بِصَوْتٍ خَشِنٍ قَلِيلًا مِنْ قِلَّةِ الِاسْتِعْمَالِ: “مَنْ أَنْتُمَا؟”
بَدَأَ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ غَيْرَ مُهَدِّدٍ قَدْرَ الْإِمْكَانِ: “اسْمِي سَلِيمٌ مُرَادٌ، وَهَذِهِ صَدِيقَتِي يَاسَمِينُ نُورٌ، صَحَفِيَّةٌ. نَبْحَثُ عَنِ امْرَأَةٍ تُدْعَى سَمِيرَةَ سَمَاحَةَ، وَنَظُنُّ أَنَّكِ قَدْ تَكُونِينَهَا.”
شَحَبَ وَجْهُ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ تَمَامًا عِنْدَ سَمَاعِ الِاسْمِ، وَاسْمِ “سَمَاحَةَ” بِالتَّحْدِيدِ، وَتَرَاجَعَتْ خُطْوَةً إِلَى الْوَرَاءِ، كَأَنَّهَا سَمِعَتْ طَيْفًا مِنَ الْمَاضِي بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ، وَيَدُهَا تَقْبِضُ عَلَى حَافَّةِ الْبَابِ بِقُوَّةٍ مُفَاجِئَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ أَصَابِعُهَا. هَمَسَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ: “لَمْ يُنَادِنِي أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ مُنْذُ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ. مَنْ أَرْسَلَكُمَا؟”
أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ، رَافِعًا يَدَيْهِ قَلِيلًا بِحَرَكَةٍ سِلْمِيَّةٍ تِلْقَائِيَّةٍ: “لَا أَحَدَ أَرْسَلَنَا. أَنَا حَفِيدُ إِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ. تُوُفِّيَ أَبِي قَبْلَ أُسْبُوعٍ، وَأَظُنُّهُ كَانَ يُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْكِ قَبْلَ مَوْتِهِ، لِيَكْشِفَ حَقِيقَةَ مَا حَدَثَ لِعَائِلَتِكِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا.”
تَجَمَّدَتِ الْمَرْأَةُ فِي مَكَانِهَا لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، تَفْحَصُ وَجْهَ سَلِيمٍ بِتَمَعُّنٍ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَبَهٍ عَائِلِيٍّ يُصَدِّقُ كَلَامَهُ، أَوْ لَعَلَّهَا تَسْتَعِيدُ وَجْهًا رَأَتْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ. وَأَخِيرًا، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ مُثْقَلٍ بِالتَّرَدُّدِ، وَبَعْدَ أَنْ نَظَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى يَمِينًا وَيَسَارًا فِي الشَّارِعِ الْخَالِي، فَتَحَتِ الْبَابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ: “ادْخُلَا. بِسُرْعَةٍ.”
دَخَلَا بَيْتًا صَغِيرًا بَسِيطًا، مُرَتَّبًا بِعِنَايَةٍ عَلَى شِدَّةِ بَسَاطَتِهِ، تَمْلَأُ الْمَكَانَ رَائِحَةُ الْقَهْوَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَصُوَرٌ قَدِيمَةٌ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْجُدْرَانِ بِإِطَارَاتٍ مُتَوَاضِعَةٍ، أَغْلَبُهَا أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ لِأَشْخَاصٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ سَلِيمٌ مِنَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمُ الْعَائِلَةُ الَّتِي تَبَنَّتْهَا بَعْدَ الِاخْتِفَاءِ، لَا عَائِلَتَهَا الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي لَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَيُّ أَثَرٍ مُصَوَّرٍ. لَاحَظَ سَلِيمٌ غِيَابًا لَافِتًا لِأَيِّ صُورَةٍ تَعُودُ إِلَى مَا قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَأَنَّ سَمِيرَةَ نَفْسَهَا فَقَدَتْ كُلَّ دَلِيلٍ بَصَرِيٍّ عَلَى هُوِيَّتِهَا الْأُولَى، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مِنْ مَاضِيهَا سِوَى الذِّكْرَيَاتِ الْمُجَرَّدَةِ الْمَحْفُوظَةِ فِي عَقْلِهَا وَحْدَهُ.
أَجْلَسَتْهُمَا سَمِيرَةُ حَوْلَ طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَأَعَدَّتْ لَهُمَا قَهْوَةً بِيَدَيْنِ مَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنَ الصَّدْمَةِ، بِحَرَكَاتٍ بَطِيئَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ تُوحِي بِرُوتِينٍ يَوْمِيٍّ اعْتَادَتْهُ طَوَالَ سِنِي عُزْلَتِهَا الطَّوِيلَةِ. ثُمَّ جَلَسَتْ أَخِيرًا مُقَابِلَهُمَا، وَأَمْسَكَتْ فِنْجَانَهَا بِكِلْتَي يَدَيْهَا، كَأَنَّهَا تَسْتَمِدُّ مِنْهُ دِفْئًا تَحْتَاجُهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْمُضْطَرِبَةِ.
بَدَأَتْ سَمِيرَةُ رِوَايَتَهَا أَخِيرًا: “كُنْتُ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ.” بِصَوْتٍ يَزْدَادُ ثَبَاتًا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَكَأَنَّ سَنَوَاتِ الصَّمْتِ الْمَكْبُوتِ بَدَأَتْ تَتَحَرَّرُ أَخِيرًا بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنِ انْتِظَارِ مَنْ يَسْتَحِقُّ سَمَاعَهَا. نَظَرَتْ إِلَى نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ خَلْفَ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ، كَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ الْمَشْهَدَ أَمَامَ عَيْنَيْهَا مِنْ جَدِيدٍ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ الْمُؤْلِمَةِ: “أَذْكُرُ الشَّاحِنَاتِ، وَالرِّجَالَ الْمُلَثَّمِينَ، وَأُمِّي تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِيَنِي بِجَسَدِهَا وَهِيَ تَهْمِسُ لِي أَنْ أَبْقَى صَامِتَةً مَهْمَا حَدَثَ. أَذْكُرُ رَائِحَةَ الْقُمَاشِ الْخَشِنِ الَّذِي وَضَعُوهُ عَلَى وَجْهِي، وَرَائِحَةَ الْبِنْزِينِ مِنَ الشَّاحِنَةِ، وَصَوْتَ أُخْتِي الْكُبْرَى تَبْكِي بِصَمْتٍ فِي مَكَانٍ مَا قَرِيبٍ مِنِّي فِي الْعَتْمَةِ.”
تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ تَمْسَحُ دَمْعَةً انْحَدَرَتْ رَغْمًا عَنْهَا، ثُمَّ وَاصَلَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ارْتِجَافًا: “أَذْكُرُ أَنَّهُمْ فَصَلُونَا بَعْضَنَا عَنْ بَعْضٍ فِي مَكَانٍ مَا بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ السَّفَرِ، لَا أَعْرِفُ أَيْنَ بِالضَّبْطِ، فَقَدْ كُنْتُ طِفْلَةً مَذْعُورَةً جِدًّا لِأَتَذَكَّرَ التَّفَاصِيلَ الْجُغْرَافِيَّةَ. وَضَعُونِي مَعَ عَائِلَةٍ أُخْرَى، غُرَبَاءَ تَمَامًا، وَقَالُوا لِي إِنَّ اسْمِيَ الْجَدِيدَ هُوَ سَمِيرَةُ الْحَلَبِيُّ، وَإِنَّ عَائِلَتِيَ الْحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً، وَإِنِّي إِنْ ذَكَرْتُ اسْمِيَ الْقَدِيمَ لِأَحَدٍ فَسَيُصِيبُنِي مَكْرُوهٌ فَظِيعٌ. كُنْتُ طِفْلَةً، فَصَدَّقْتُ كُلَّ كَلِمَةٍ، وَكَبِرْتُ وَأَنَا أَحْمِلُ هَذَا الْخَوْفَ كَجُزْءٍ مِنْ جَسَدِي، حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزْتُ الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِي.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُفْعَمٍ بِالتَّعَاطُفِ، عَاجِزًا عَنْ تَخَيُّلِ حَجْمِ الرُّعْبِ الَّذِي عَاشَتْهُ طِفْلَةٌ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: “وَمَاذَا عَنْ وَالِدَيْكِ؟ إِخْوَتِكِ؟”
اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا سَمِيرَةَ بِالدُّمُوعِ، وَارْتَجَفَتْ يَدَاهَا حَوْلَ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ الَّذِي وَضَعَتْهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ كَيْ لَا تَسْكُبَهُ: “لَمْ أَرَ أَيًّا مِنْهُمْ مَرَّةً أُخْرَى. حَاوَلْتُ، لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ أَنْ كَبِرْتُ، أَنْ أَبْحَثَ عَنْهُمْ سِرًّا، خَشْيَةَ أَنْ يَكْتَشِفَ أَحَدٌ مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ. كَتَبْتُ رَسَائِلَ لَمْ أُرْسِلْهَا قَطُّ، وَبَحَثْتُ فِي وُجُوهِ الْغُرَبَاءِ فِي السُّوقِ عَنْ مَلَامِحَ تُشْبِهُ مَلَامِحَ أُمِّي الَّتِي بَدَأَتْ تَتَلَاشَى تَدْرِيجِيًّا مِنْ ذَاكِرَتِي رَغْمَ مُحَاوَلَاتِيَ الْيَائِسَةِ لِلتَّشَبُّثِ بِهَا. لَكِنَّ كُلَّ خَيْطٍ كُنْتُ أَتَتَبَّعُهُ كَانَ يَنْتَهِي بِجِدَارِ صَمْتٍ مُطْبِقٍ، وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ بِأَسْرِهَا تَوَاطَأَتْ عَلَى مَحْوِ أَيِّ أَثَرٍ لِعَائِلَتِي.”
أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا مُرْتَجِفًا قَبْلَ أَنْ تَتَابَعَ بِصَوْتٍ أَضْعَفَ: “أَظُنُّ، وَهَذَا أَصْعَبُ اعْتِرَافٍ أَقُولُهُ بِصَوْتٍ عَالٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَنَّهُمْ جَمِيعًا مَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ، وَأَنِّي كُنْتُ الْوَحِيدَةَ الَّتِي أَبْقَوْا عَلَيْهَا حَيَّةً، رُبَّمَا لِأَنِّي كُنْتُ طِفْلَةً صَغِيرَةً يَسْهُلُ إِدْمَاجُهَا فِي عَائِلَةٍ أُخْرَى دُونَ إِثَارَةِ أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ رُبَّمَا لِسَبَبٍ آخَرَ لَا أَعْرِفُهُ وَلَنْ أَعْرِفَهُ عَلَى الْأَرْجَحِ.”
مَسَحَتْ دَمْعَةً سَقَطَتْ عَلَى خَدِّهَا بِظَهْرِ يَدِهَا الْمُرْتَجِفَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِعَيْنَيْنِ مُثْقَلَتَيْنِ بِأَلَمٍ قَدِيمٍ لَمْ يَشْفَ قَطُّ رَغْمَ مُرُورِ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ: “تَعْرِفُ يَا بُنَيَّ، أَصْعَبُ مَا فِي هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ فَقْدَ عَائِلَتِي وَحْدَهُ، بَلْ فَقْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ عَلَى نَحْوٍ طَبِيعِيٍّ. لَمْ أُقِمْ لَهُمْ جَنَازَةً، وَلَمْ أَعْرِفْ أَيْنَ دُفِنُوا، إِنْ كَانُوا قَدْ دُفِنُوا أَصْلًا بِكَرَامَةٍ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ حَتَّى أَنْ أَزُورَ قَبْرًا أَضَعُ عَلَيْهِ الزُّهُورَ. حُزْنٌ بِلَا طُقُوسٍ، بِلَا نِهَايَةٍ وَاضِحَةٍ، يَبْقَى مُعَلَّقًا فِي دَاخِلِكَ إِلَى الْأَبَدِ.”
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهِمَا بِعَيْنَيْنِ أَكْثَرَ ثَبَاتًا فَجْأَةً، وَكَأَنَّهَا اتَّخَذَتْ قَرَارًا دَاخِلِيًّا بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْبَوْحِ: “لَكِنِّي احْتَفَظْتُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، هُوَ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي اسْتَطَعْتُ إِنْقَاذَهُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ حِينَهَا أَهَمِّيَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ.”
نَهَضَتْ بِبُطْءٍ، وَاتَّجَهَتْ نَحْوَ خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَعَادَتْ بَعْدَ دَقَائِقَ حَامِلَةً صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا مَنْحُوتًا بِعِنَايَةٍ، فَتَحَتْهُ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، وَأَخْرَجَتْ مِنْهُ مِلَفًّا جِلْدِيًّا قَدِيمًا مَحْفُوظًا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنَّهُ وَاثِقٌ، وَهِيَ تُمْسِكُ بِالْمِلَفِّ الْجِلْدِيِّ بِحِرْصٍ شَدِيدٍ، كَمَنْ يَحْمِلُ شَيْئًا أَثْمَنَ مِنَ الذَّهَبِ: “هَذَا سَنَدُ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيُّ لِأَرْضِ عَائِلَتِي، الْأَرْضِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا حَيُّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ. أَعْطَانِيهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ بَعْدَ لَيْلَةِ الِاخْتِفَاءِ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَقَالَ إِنَّهُ وَجَدَهُ فِي جَيْبِ مِعْطَفِ أَبِي، وَإِنَّهُ شَعَرَ بِذَنْبٍ كَافٍ لِيُخَاطِرَ بِحَيَاتِهِ فِي إِيصَالِهِ إِلَيَّ، دُونَ أَنْ يُخْبِرَنِي اسْمَهُ قَطُّ.”
ثُمَّ اسْتَعَادَتْ تَفْصِيلًا لَمْ تَذْكُرْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَعَيْنَاهَا شَاخِصَتَانِ إِلَى نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ كَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ وَجْهًا غَامِضًا مِنْ مَاضٍ سَحِيقٍ: “أَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ شَابًّا حِينَذَاكَ، رُبَّمَا فِي عِشْرِينِيَّاتِ عُمْرِهِ، يَرْتَدِي زِيَّ حَارِسٍ لَيْلِيٍّ بَسِيطًا، ثِيَابًا مُتَوَاضِعَةً بَالِيَةً بَعْضَ الشَّيْءِ، وَوَجْهًا شَاحِبًا يَحْمِلُ خَوْفًا وَاضِحًا لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ رَغْمَ شَجَاعَتِهِ الظَّاهِرَةِ فِي الْمَجِيءِ أَصْلًا. جَاءَنِي لَيْلًا، فِي بَيْتِ الْعَائِلَةِ الَّتِي تَبَنَّتْنِي، دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا بِزِيَارَتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَفَّ فِي يَدِي بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَالَ لِي جُمْلَةً وَاحِدَةً لَمْ أَفْهَمْهَا جَيِّدًا حِينَهَا، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَتِي طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ: احْتَفِظِي بِهَذَا جَيِّدًا يَا صَغِيرَتِي، فَقَدْ يَكُونُ يَوْمًا مَا الدَّلِيلَ الْوَحِيدَ عَلَى أَنَّ عَائِلَتَكِ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَقًّا.”
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ فِي مَكَانِهِ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَعَ يَاسَمِينَ: “هَلْ كَانَ اسْمُهُ تَوْفِيقَ؟”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا سَمِيرَةَ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: “كَيْفَ عَرَفْتَ هَذَا الِاسْمَ؟ نَعَمْ، أَذْكُرُ الْآنَ أَنِّي سَمِعْتُ أَحَدًا يُنَادِيهِ بِهِ مَرَّةً، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ لِي نَفْسَهُ مُبَاشَرَةً.”
قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ يَفِيضُ إِثَارَةً مُتَصَاعِدَةً: “إِنَّهُ مَا يَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. وَقَابَلْنَاهُ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.”
اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا سَمِيرَةَ بِدُمُوعٍ جَدِيدَةٍ، لَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ دُمُوعُ اكْتِشَافٍ مُفَاجِئٍ أَنَّ جُزْءًا مِنْ مَاضِيهَا الْمَفْقُودِ مَا يَزَالُ حَيًّا وَقَرِيبًا: “بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ… لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْكُرَهُ شَخْصِيًّا عَلَى شَجَاعَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.”
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَتَنَاوَلَ الْمِلَفَّ الْجِلْدِيَّ الْقَدِيمَ، فَاتِحًا إِيَّاهُ بِرِفْقٍ بَالِغٍ خَشْيَةَ أَنْ تَتَفَتَّتَ أَوْرَاقُهُ الْهَشَّةُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. كَانَتِ الْوَثِيقَةُ فِي الدَّاخِلِ أَصِيلَةً بِلَا رَيْبٍ، أَقْدَمَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْعَقْدِ الْمُزَوَّرِ الَّذِي عَثَرَ عَلَيْهِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، تَحْمِلُ خَتْمًا رَسْمِيًّا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا وَضَعَهُ فَارِسُ دَرْوِيشٍ لَاحِقًا، خَتْمًا يَعُودُ إِلَى عَهْدٍ إِدَارِيٍّ سَابِقٍ لِلْمَدِينَةِ، وَتَوْقِيعَ فَادِي سَمَاحَةَ نَفْسِهِ، جَدِّ سَمِيرَةَ، بِخَطٍّ وَاضِحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، خَطِّ رَجُلٍ وَاثِقٍ مِنْ مِلْكِيَّتِهِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَرْضِهِ.
قَرَأَ سَلِيمٌ النَّصَّ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، يُقَارِنُ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِيهِ بِمَا يَعْرِفُهُ عَنِ الْعَقْدِ الْمُزَوَّرِ: حُدُودُ الْأَرْضِ مُتَطَابِقَةٌ تَقْرِيبًا، غَيْرَ أَنَّ تَارِيخَ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَسْبِقُ تَارِيخَ “الْعَقْدِ الْمُعَدَّلِ” بِسَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ، مَا يُثْبِتُ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ أَنَّ مِلْكِيَّةَ آلِ سَمَاحَةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مَحَلَّ نِزَاعٍ حَقِيقِيٍّ قَبْلَ عَمَلِيَّةِ التَّزْوِيرِ الْمُتَعَمَّدَةِ الَّتِي نُفِّذَتْ لَاحِقًا.
هَمَسَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْوَثِيقَةِ فَوْقَ كَتِفِ سَلِيمٍ، صَوْتُهَا يَرْتَجِفُ مِنَ الْإِثَارَةِ رَغْمَ مُحَاوَلَتِهَا الْحِفَاظَ عَلَى هُدُوئِهَا الْمِهْنِيِّ الْمُعْتَادِ: “هَذَا يُثْبِتُ كُلَّ شَيْءٍ. الْمِلْكِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ، دُونَ أَيِّ تَلَاعُبٍ أَوْ تَزْوِيرٍ، مُوَثَّقَةٌ عَلَى نَحْوٍ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ. وَمَعَ شَهَادَةِ سَمِيرَةَ الْحَيَّةِ، وَشَهَادَةِ تَوْفِيقَ، وَكُلِّ الْوَثَائِقِ الْأُخْرَى الَّتِي جَمَعْنَاهَا، أَصْبَحَتْ لَدَيْنَا الْآنَ قَضِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ يَصْعُبُ عَلَى أَيِّ مُحَامٍ، مَهْمَا كَانَ بَارِعًا، أَنْ يَدْحَضَهَا بِيُسْرٍ.” ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى سَمِيرَةَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ: “سَيِّدَةَ سَمِيرَةَ، لَعَلَّ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ هِيَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ مُنْذُ أَيَّامٍ لِإِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ كَامِلَةً، وَاسْتِرْدَادِ حَقِّ عَائِلَتِكِ الَّذِي سُلِبَ مِنْهَا بِهَذِهِ الْقَسْوَةِ.”
ابْتَسَمَتْ سَمِيرَةُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً صَغِيرَةً، أَوَّلَ ابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ رَأَيَاهَا عَلَى وَجْهِهَا مُنْذُ دُخُولِهِمَا: “إِنِ اسْتَطَاعَ هَذَا الْمِلَفُّ أَنْ يُعِيدَ لِعَائِلَتِي بَعْضًا مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي سُلِبَتْ مِنْهَا، وَلَوْ بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا، فَسَيَكُونُ هَذَا أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لِي فِيمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِي.”
وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ سَلِيمٌ مِنْ شُكْرِ سَمِيرَةَ عَلَى هَذِهِ الْهَدِيَّةِ الثَّمِينَةِ بِمَا يَكْفِي، سَمِعُوا جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا صَوْتَ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الْقَرْيَةِ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ لِطَرِيقٍ تُرَابِيٍّ هَادِئٍ كَهَذَا، ثُمَّ صَوْتَ إِطَارَاتٍ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً أَمَامَ الْبَيْتِ مُبَاشَرَةً، وَأَصْوَاتَ أَبْوَابِ سَيَّارَةٍ تُغْلَقُ بِعُنْفٍ.
شَحَبَ وَجْهُ سَمِيرَةَ فَوْرًا، وَقَفَزَتْ مِنْ مَكَانِهَا بِحَيَوِيَّةٍ لَمْ يَتَوَقَّعَاهَا مِنِ امْرَأَةٍ فِي عُمْرِهَا، حَيَوِيَّةٍ غَرِيزِيَّةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الْعَيْشِ فِي خَوْفٍ دَائِمٍ مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِذَاتِهَا: “لَا وَقْتَ لِلْأَسْئِلَةِ. اتْبَعَانِي الْآنَ.” قَالَتْهَا بِصَوْتٍ آمِرٍ حَادٍّ، يُخَالِفُ تَمَامًا نَبْرَتَهَا الْهَادِئَةَ الْحَزِينَةَ قَبْلَ لَحَظَاتٍ.
سَمِعَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ، مِنْ خِلَالِ النَّافِذَةِ الْأَمَامِيَّةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الطَّرِيقِ، صَوْتَ رَجُلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ لَكِنْ حَادٍّ عِنْدَ مَدْخَلِ الْبَيْتِ، وَكَشَفَتْ نَظْرَةٌ سَرِيعَةٌ عَنْ سَيَّارَةٍ سَوْدَاءَ دَاكِنَةِ النَّوَافِذِ، مِنَ الطِّرَازِ نَفْسِهِ الَّذِي رَأَى سَلِيمٌ رِجَالَ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ يَسْتَخْدِمُونَهُ فِي مُنَاسَبَاتٍ سَابِقَةٍ.
قَادَتْهُمَا سَمِيرَةُ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ بَابٍ خَلْفِيٍّ صَغِيرٍ فِي مَطْبَخِهَا الْبَسِيطِ، يُفْضِي مُبَاشَرَةً إِلَى حَقْلِ زَيْتُونٍ وَاسِعٍ يَمْتَدُّ خَلْفَ الْبَيْتِ: “اهْرُبَا عَبْرَ الْحَقْلِ، نَحْوَ التَّلَّةِ الْبَعِيدَةِ، سَتَجِدَانِ طَرِيقًا تُرَابِيًّا يَقُودُكُمَا إِلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ سَيْرًا تَقْرِيبًا. لَا تَنْظُرَا خَلْفَكُمَا، وَلَا تَتَوَقَّفَا مَهْمَا سَمِعْتُمَا.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِقَلَقٍ، وَهُوَ يُمْسِكُ الْوَثِيقَةَ الثَّمِينَةَ بِقُوَّةٍ، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْفِرَارِ وَحِمَايَةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا سِوَى دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ لَكِنَّهُ بَدَأَ يَشْعُرُ تُجَاهَهَا بِمَسْؤُولِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ: “وَأَنْتِ؟”
قَالَتْ سَمِيرَةُ بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ مِنْهَا، وَكَأَنَّ كُلَّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ مِنَ الْحَذَرِ الْمَكْتُومِ تَحَوَّلَتِ الْآنَ، فِي لَحْظَةِ الْخَطَرِ الْفِعْلِيِّ، إِلَى قُوَّةٍ عَمَلِيَّةٍ حَاسِمَةٍ: “سَأُدَبِّرُ أَمْرِي. عِشْتُ خَمْسِينَ عَامًا أَخْتَبِئُ، وَأَعْرِفُ كَيْفَ أَخْتَفِي حِينَ يَلْزَمُ الْأَمْرُ. خُذَا الْوَثِيقَةَ، وَاحْمِيَا الْحَقِيقَةَ الَّتِي عَجَزْتُ أَنَا عَنْ حِمَايَتِهَا وَحْدِي طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ. اذْهَبَا الْآنَ!”
تَرَدَّدَتْ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ، غَيْرَ رَاغِبَةٍ فِي تَرْكِ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ وَحِيدَةٍ تُوَاجِهُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا بِمُفْرَدِهَا، لَكِنَّ سَمِيرَةَ دَفَعَتْهَا بِلُطْفٍ حَازِمٍ نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ: “لَا وَقْتَ لِلتَّرَدُّدِ يَا ابْنَتِي. أَنَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْأَرْضَ كَمَا أَعْرِفُ يَدِي، وَسَأَجِدُ طَرِيقِي لِلِاخْتِفَاءِ أَسْرَعَ مِنْ رَجُلَيْنِ غَرِيبَيْنِ لَا يَعْرِفَانِ هَذِهِ الْقَرْيَةَ. اذْهَبَا، أَرْجُوكُمَا، قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى سَمِيرَةَ نَظْرَةً أَخِيرَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يَنْقُلَ عَبْرَهَا كُلَّ الِامْتِنَانِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَقْتٌ كَافٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْكَلِمَاتِ: “سَنَعُودُ إِلَيْكِ، أَعِدُكِ. حِينَ يَنْتَهِي هَذَا كُلُّهُ بِسَلَامٍ.”
قَالَتْ سَمِيرَةُ بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ أَخِيرَةٍ: “اذْهَبْ الْآنَ يَا بُنَيَّ، لَا تَقْلَقْ عَلَيَّ.” قَبْلَ أَنْ تَدْفَعَهُمَا بِلُطْفٍ نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ وَتُغْلِقَهُ خَلْفَهُمَا بِسُرْعَةٍ.
انْدَفَعَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ عَبْرَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، يَرْكُضَانِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ مُمْكِنَةٍ عَبْرَ صُفُوفِ أَشْجَارِ الزَّيْتُونِ الْمُعَمَّرَةِ، تُوَفِّرُ أَغْصَانُهَا الْكَثِيفَةُ غِطَاءً جُزْئِيًّا مِنْ أَيِّ عَيْنٍ قَدْ تُرَاقِبُ مِنَ الْخَلْفِ. كَانَتْ أَرْضُ الْحَقْلِ غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ، مَلِيئَةً بِالْحِجَارَةِ الصَّغِيرَةِ وَجُذُورِ الْأَشْجَارِ الْبَارِزَةِ، مَا جَعَلَ الرَّكْضَ صَعْبًا وَمُرْهِقًا مُنْذُ الْخُطُوَاتِ الْأُولَى. سَمِعَا خَلْفَهُمَا أَصْوَاتَ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ مَدْخَلِ بَيْتِ سَمِيرَةَ، ثُمَّ صَوْتَ بَابٍ يُفْتَحُ بِعُنْفٍ، وَصَوْتَ سَمِيرَةَ نَفْسِهَا يَرْتَفِعُ فَجْأَةً بِلَهْجَةٍ غَاضِبَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَتَعَمَّدُ لَفْتَ انْتِبَاهِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْهَا وَإِبْعَادَهُمَا عَنِ التَّفْكِيرِ فِي وُجُودِ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ فَرَّا لِتَوِّهِمَا مِنْ بَيْتِهَا.
هَمَسَتْ يَاسَمِينُ بِلَهَاثٍ وَهِيَ تَرْكُضُ بِجَانِبِهِ، وَالْوَثِيقَةُ الثَّمِينَةُ مَدْسُوسَةٌ بِإِحْكَامٍ دَاخِلَ حَقِيبَتِهَا الْمُعَلَّقَةِ عَلَى كَتِفِهَا، تَتَأَرْجَحُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ سَرِيعَةٍ: “لَا تَتَوَقَّفْ!”
رَكَضَا دَقَائِقَ طَوِيلَةً عَبْرَ الْحَقْلِ الْوَاسِعِ، تَتَعَثَّرُ أَقْدَامُهُمَا أَحْيَانًا بِجُذُورِ الْأَشْجَارِ الْبَارِزَةِ وَتُرْبَةِ الْحَقْلِ غَيْرِ الْمُسْتَوِيَةِ، وَتَتَقَطَّعُ أَنْفَاسُهُمَا مِنَ الْجَهْدِ الْمُضْنِي تَحْتَ شَمْسِ الصَّبَاحِ الْحَارِقَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَعْلُو فِي السَّمَاءِ. شَعَرَ سَلِيمٌ بِعَرَقٍ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ، وَبِأَلَمٍ حَادٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى سَاقَيْهِ مِنَ الْجَرْيِ الْمُتَّصِلِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ، لَكِنَّهُ أَجْبَرَ نَفْسَهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، مُدْرِكًا أَنَّ التَّوَقُّفَ الْآنَ قَدْ يَعْنِي خَسَارَةَ كُلِّ مَا سَعَوْا إِلَيْهِ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ تَقْرِيبًا، وَالْتَفَتَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الْخَلْفِ رَغْمَ تَحْذِيرِ سَمِيرَةَ، فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَيْتِهَا، يَتَفَحَّصَانِ الْمَكَانَ بِحَرَكَاتٍ سَرِيعَةٍ مُحْتَرِفَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَّجِهَ أَحَدُهُمَا نَحْوَ الْحَقْلِ مُبَاشَرَةً، وَكَأَنَّهُ لَمَحَ شَيْئًا يَتَحَرَّكُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ مِنْ بَعِيدٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ، مُسْرِعًا الْخُطَى مَرَّةً أُخْرَى، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ مُتَزَايِدٍ مِنْ مَزِيجِ الْإِرْهَاقِ الْجَسَدِيِّ وَالْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ: “إِنَّهُمَا يُلَاحِقَانِنَا!”
وَاصَلَا الرَّكْضَ، مُتَجَاوِزَيْنِ صُفُوفَ الْأَشْجَارِ نَحْوَ التَّلَّةِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا سَمِيرَةُ، حَتَّى وَصَلَا أَخِيرًا، وَقَدْ أَنْهَكَهُمَا الْجَهْدُ تَمَامًا، إِلَى طَرِيقٍ تُرَابِيٍّ ضَيِّقٍ يَمْتَدُّ عَبْرَ التَّلَّةِ. تَوَقَّفَا لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ، يَلْتَقِطَانِ أَنْفَاسَهُمَا بِصُعُوبَةٍ، أَيْدِيهِمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِمَا، وَيَنْظُرَانِ خَلْفَهُمَا بِقَلَقٍ: لَمْ يَعُودَا يَرَيَانِ أَحَدًا يُلَاحِقُهُمَا مُبَاشَرَةً، لَكِنَّ صَوْتَ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ بَعِيدٍ كَانَ لَا يَزَالُ يُسْمَعُ مِنِ اتِّجَاهِ الْقَرْيَةِ، يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ كَأَنَّهُ يُمَشِّطُ الْمِنْطَقَةَ بَحْثًا عَنْهُمَا، وَهُوَ صَوْتٌ أَضَافَ قُشَعْرِيرَةً جَدِيدَةً إِلَى إِرْهَاقِهِمَا الْجَسَدِيِّ الْمُتَرَاكِمِ.
قَالَتْ يَاسَمِينُ وَهِيَ تَتَحَقَّقُ مِنَ الْوَثِيقَةِ فِي حَقِيبَتِهَا لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ، تُطَمْئِنُ نَفْسَهَا أَنَّهَا مَا تَزَالُ آمِنَةً جَافَّةً رَغْمَ كُلِّ الْجَرْيِ وَالِاهْتِزَازِ: “يَجِبُ أَنْ نَصِلَ إِلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ. سَيَّارَتِي مَتْرُوكَةٌ عِنْدَ مَدْخَلِ الْقَرْيَةِ، لَكِنَّ الْعَوْدَةَ إِلَيْهَا الْآنَ قَدْ تَكُونُ بَالِغَةَ الْخُطُورَةِ، فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ يَنْتَظِرُنَا هُنَاكَ بِالتَّحْدِيدِ، مُتَوَقِّعًا أَنَّنَا سَنَعُودُ إِلَيْهَا عَاجِلًا أَمْ آجِلًا.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَيَّ مَعْرِفَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ قَدْ تُعِينُهُمَا، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَزُرْ هَذِهِ الْمِنْطَقَةَ قَطُّ مِنْ قَبْلُ: “اتَّصِلِي بِرَامِي. لَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْسِلَ لَنَا مُسَاعَدَةً، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ يَنْصَحَنَا بِأَفْضَلِ طَرِيقٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ هُنَا بِأَمَانٍ، فَهُوَ أَكْثَرُ دِرَايَةً بِطُرُقِ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ الرِّيفِيَّةِ مِنَّا كِلَيْنَا.”
أَخْرَجَتْ يَاسَمِينُ هَاتِفَهَا بِيَدٍ مَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ مِنَ الْإِرْهَاقِ وَالْخَوْفِ، وَبَدَأَتْ تَطْبَعُ رِسَالَةَ الطَّوَارِئِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يُرَاقِبُ الْأُفُقَ خَلْفَهُمَا بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ، يَتَسَاءَلُ بِصَمْتٍ عَنْ مَصِيرِ سَمِيرَةَ الْعَجُوزِ الَّتِي ضَحَّتْ بِأَمَانِهَا الْمُعْتَادِ، بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الِاخْتِبَاءِ الْحَذِرِ، مِنْ أَجْلِ تَسْلِيمِهِمَا وَثِيقَةً قَدْ تُغَيِّرُ مَصِيرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَسْرِهَا.
جَاءَ رَدُّ رَامِي بِسُرْعَةٍ مُفَاجِئَةٍ، مُتَّصِلًا مُبَاشَرَةً بَدَلًا مِنَ الرِّسَالَةِ النَّصِّيَّةِ الْمُعْتَادَةِ. سَأَلَ بِصَوْتٍ جَادٍّ يُوحِي بِجَاهِزِيَّةٍ فَوْرِيَّةٍ لِلتَّحَرُّكِ: “أَيْنَ أَنْتُمَا بِالضَّبْطِ؟”
وَصَفَ سَلِيمٌ مَوْقِعَهُمَا التَّقْرِيبِيَّ بِأَفْضَلِ مَا اسْتَطَاعَ، مُسْتَعِينًا بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ وَاتِّجَاهِ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الَّذِي يَقِفَانِ عَلَيْهِ، بَيْنَمَا كَانَ رَامِي يُصْغِي بِتَرْكِيزٍ، يُسَجِّلُ التَّفَاصِيلَ، وَيَطْرَحُ أَسْئِلَةً سَرِيعَةً دَقِيقَةً عَنْ مَعَالِمَ مُمَيَّزَةٍ فِي الْمِنْطَقَةِ.
قَالَ رَامِي أَخِيرًا: “ثَمَّةَ طَرِيقٌ زِرَاعِيٌّ فَرْعِيٌّ يَتَّصِلُ بِالطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ عَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرٍ وَاحِدٍ تَقْرِيبًا شَمَالَ مَوْقِعِكُمَا الْحَالِيِّ، إِنْ كُنْتُ أَفْهَمُ وَصْفَكَ عَلَى نَحْوٍ صَحِيحٍ. سَأَنْطَلِقُ إِلَيْكُمَا الْآنَ بِسَيَّارَتِي الشَّخْصِيَّةِ، لَا سَيَّارَةِ الشُّرْطَةِ الرَّسْمِيَّةِ، تَجَنُّبًا لِأَيِّ انْتِبَاهٍ غَيْرِ مَرْغُوبٍ فِيهِ. امْشِيَا نَحْوَ الشَّمَالِ، بِمُحَاذَاةِ خَطِّ التِّلَالِ، وَسَأَصِلُ إِلَيْكُمَا خِلَالَ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا.”
قَالَ سَلِيمٌ بِامْتِنَانٍ صَادِقٍ، شَاعِرًا بِرَاحَةٍ نِسْبِيَّةٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدْءِ هَذَا الْهُرُوبِ الْمَحْمُومِ: “شُكْرًا لَكَ يَا رَامِي.”
أَجَابَهُ رَامِي: “اعْتَنِيَا بِأَنْفُسِكُمَا فَقَطْ حَتَّى وُصُولِي. لَا تَسْتَخْدِمَا الطَّرِيقَ الرَّئِيسِيَّ مُبَاشَرَةً، وَابْقَيَا عَلَى الطُّرُقِ الْفَرْعِيَّةِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.”
مَشَيَا بِسُرْعَةٍ حَذِرَةٍ عَبْرَ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الضَّيِّقِ، مُتَّجِهَيْنِ شَمَالًا كَمَا أَرْشَدَهُمَا رَامِي، بَيْنَمَا كَانَتِ الشَّمْسُ تَعْلُو أَكْثَرَ فِي السَّمَاءِ، وَحَرَارَةُ النَّهَارِ تَتَصَاعَدُ تَدْرِيجِيًّا فَوْقَ التِّلَالِ الْجَرْدَاءِ الْمُحِيطَةِ بِهِمَا.

عَادَ الرَّجُلَانِ إِلَى سَيَّارَتِهِمَا السَّوْدَاءِ بَعْدَ بَحْثٍ غَيْرِ مُثْمِرٍ فِي مُحِيطِ بَيْتِ سَمِيرَةَ، إِذْ لَمْ يَجِدَا أَثَرًا وَاضِحًا لِلْهَارِبَيْنِ رَغْمَ تَفْتِيشِهِمَا جُزْءًا مِنَ الْحَقْلِ. جَلَسَ أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْمِقْوَدِ، بَيْنَمَا أَخْرَجَ الْآخَرُ هَاتِفَهُ وَطَلَبَ رَقْمًا مَحْفُوظًا.
قَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ حِينَ أُجِيبَتِ الْمُكَالَمَةُ: “لَمْ نَجِدْهُمَا. الْعَجُوزُ لَمْ تَقُلْ شَيْئًا مُفِيدًا، ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتْ وَحِيدَةً طَوَالَ الصَّبَاحِ، وَلَمْ نَجِدْ أَيَّ أَثَرٍ لِلْهَارِبَيْنِ فِي مُحِيطِ الْبَيْتِ أَوِ الْحَقْلِ الْمُجَاوِرِ مُبَاشَرَةً.”
جَاءَ صَوْتُ “الرَّئِيسَةِ” بَارِدًا حَادًّا عَبْرَ الْهَاتِفِ: “هَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ. كَانَا هُنَاكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ سَيَّارَتُهُمَا مَا تَزَالُ مُتَوَقِّفَةً عِنْدَ مَدْخَلِ الْقَرْيَةِ.”
“نَعَمْ، السَّيَّارَةُ مَا تَزَالُ هُنَاكَ، لَكِنَّهُمَا اخْتَفَيَا تَمَامًا. رُبَّمَا هَرَبَا عَبْرَ الْحُقُولِ الْخَلْفِيَّةِ قَبْلَ وُصُولِنَا بِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.”
صَمَتَتِ الْمَرْأَةُ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهَا تُفَكِّرُ بِسُرْعَةٍ فِي الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ: “ابْقَيَا قُرْبَ سَيَّارَتِهِمَا. سَيَعُودَانِ إِلَيْهَا عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، أَوْ سَيُرْسِلَانِ مَنْ يُقِلُّهُمَا. رَاقِبَا بِصَمْتٍ، وَلَا تَتَدَخَّلَا هَذِهِ الْمَرَّةَ إِلَّا بِأَمْرٍ مُبَاشِرٍ مِنِّي.”
“وَمَاذَا عَنِ الْعَجُوزِ؟ أَنَأْخُذُهَا مَعَنَا لِلِاسْتِجْوَابِ؟”
“لَا، لَيْسَ الْآنَ. اتْرُكَاهَا، فَأَخْذُهَا الْآنَ سَيُثِيرُ أَسْئِلَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَحُلُّ. سَنَتَعَامَلُ مَعَهَا لَاحِقًا، عَلَى نَحْوٍ أَهْدَأَ، حِينَ تَخِفُّ حِدَّةُ الِانْتِبَاهِ حَوْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ قَلِيلًا.”
أَنْهَتِ الْمَرْأَةُ الْمُكَالَمَةَ، تَارِكَةً الرَّجُلَيْنِ يَتَبَادَلَانِ نَظْرَةً قَلِقَةً، مُدْرِكَيْنِ أَنَّ فَشَلَهُمَا فِي هَذِهِ الْمُهِمَّةِ الْبَسِيطَةِ نِسْبِيًّا لَنْ يَمُرَّ دُونَ عَوَاقِبَ فِي نَظَرِ مَنْ يَعْمَلَانِ لِحِسَابِهِ.

وَصَلَ رَامِي بِسَيَّارَتِهِ الْمُتَوَاضِعَةِ بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ بِالضَّبْطِ كَمَا وَعَدَ، مُلْتَقِطًا سَلِيمًا وَيَاسَمِينَ مِنْ نُقْطَةِ لِقَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ الْفَرْعِيِّ، مُنْهَكَيْنِ وَمُتَعَرِّقَيْنِ لَكِنْ سَالِمَيْنِ، وَالْوَثِيقَةُ الثَّمِينَةُ مَا تَزَالُ مَحْفُوظَةً بِأَمَانٍ فِي حَقِيبَةِ يَاسَمِينَ. تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ بِجَانِبِهِمَا بِصَوْتِ احْتِكَاكِ إِطَارَاتٍ خَفِيفٍ عَلَى التُّرَابِ، وَنَزَلَ رَامِي بِسُرْعَةٍ، عَيْنَاهُ تَفْحَصَانِ مُحِيطَ الطَّرِيقِ بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِمَا.
سَأَلَ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ يَتَفَقَّدُهُمَا بِعَيْنَيْنِ سَرِيعَتَيْنِ، يَتَأَكَّدُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ إِصَابَاتٍ ظَاهِرَةٍ، وَيَدَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِحَرَكَاتٍ شِبْهِ طِبِّيَّةٍ مُدَرَّبَةٍ وَهُوَ يَتَفَقَّدُ ذِرَاعَيْهِمَا وَوَجْهَيْهِمَا بَحْثًا عَنْ أَيِّ جُرُوحٍ أَوْ كُدُمَاتٍ خَفِيَّةٍ: “أَبِخَيْرٍ أَنْتُمَا؟”
أَجَابَ سَلِيمٌ وَهُوَ يَسْتَقِرُّ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، شَاعِرًا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدْءِ الْهُرُوبِ بِرَاحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَسْمَحُ لِجَسَدِهِ بِالِاسْتِرْخَاءِ أَخِيرًا، وَعَضَلَاتُ سَاقَيْهِ مَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنَ الْجَهْدِ الْمُضْنِي لِلرَّكْضِ الْمُتَّصِلِ عَبْرَ الْحَقْلِ الْوَعِرِ: “بِخَيْرٍ، فَقَطْ مُنْهَكَانِ تَمَامًا.”
قَصَّا عَلَى رَامِي، خِلَالَ الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، كُلَّ تَفَاصِيلِ مَا حَدَثَ: لِقَاءَ سَمِيرَةَ، وَرِوَايَتَهَا الْمُؤَثِّرَةَ، وَاكْتِشَافَ سَنَدِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ وُصُولَ الرَّجُلَيْنِ الْمُرِيبَيْنِ وَالْهُرُوبَ الْمَحْمُومَ عَبْرَ الْحُقُولِ.
أَصْغَى رَامِي بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، تَضِيقُ عَيْنَاهُ بِتَرَكُّزٍ مِهْنِيٍّ وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ كُلَّ تَفْصِيلٍ، ثُمَّ قَالَ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ حِينَ انْتَهَيَا: “هَذَا يَعْنِي أَنَّ كَمَالًا، أَوْ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ، كَانَ يُرَاقِبُ تَحَرُّكَاتِكُمَا مُبَاشَرَةً لِيَعْرِفَ بِالضَّبْطِ أَيْنَ تَتَّجِهَانِ. لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ جِهَازَ تَعَقُّبٍ أَوْ مُرَاقَبَةً مُسْتَمِرَّةً لِسَيَّارَةِ يَاسَمِينَ، أَوْ لِأَحَدِ هَاتِفَيْكُمَا. هَذَا مُسْتَوًى مِنَ التَّطَوُّرِ التِّقْنِيِّ وَالتَّنْظِيمِيِّ يَتَجَاوَزُ مَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ مِنْ رَجُلِ أَعْمَالٍ عَادِيٍّ مَهْمَا بَلَغَ نُفُوذُهُ، وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ عِنْدَ هَذَا الِاحْتِمَالِ: “أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا يَتَنَصَّتُونَ عَلَى مُكَالَمَاتِنَا أَيْضًا؟”
قَالَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ: “مَنْ قَدْ يَمْلِكُ هَذَا الْمُسْتَوَى مِنَ التَّنْظِيمِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، يَا رَامِي؟ رِجَالُ الْأَعْمَالِ الْعَادِيُّونَ، مَهْمَا بَلَغَ نُفُوذُهُمُ الْمَالِيُّ، نَادِرًا مَا يَسْتَثْمِرُونَ فِي مُعَدَّاتِ مُرَاقَبَةٍ مُتَطَوِّرَةٍ كَهَذِهِ، أَوْ فِي شَبَكَةِ مُرَاقِبِينَ مُحْتَرِفِينَ بِهَذَا الشَّكْلِ.”
فَكَّرَ رَامِي بِجِدِّيَّةٍ، وَهُوَ يُشَغِّلُ الْمُحَرِّكَ أَخِيرًا لِيُقِلَّهُمَا نَحْوَ الْمَدِينَةِ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ. مُسْتَوَى التَّنْظِيمِ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٍ مُنَظَّمَةٍ مِنْهُ إِلَى عَمَلِ رَجُلِ أَعْمَالٍ طَمُوحٍ وَاحِدٍ، مَهْمَا كَانَ ثَرِيًّا أَوْ نَافِذًا. أَظُنُّ أَنَّنَا نُوَاجِهُ شَيْئًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ وَحْدَهُ، شَبَكَةً تَمْتَدُّ رُبَّمَا إِلَى خَارِجِ حُدُودِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا.”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى سَلِيمٍ بِقَلَقٍ يَزْدَادُ وُضُوحًا فِي عَيْنَيْهَا: “هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمَخَاطِرَ الَّتِي نُوَاجِهُهَا أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَصَوَّرْنَا فِي الْبِدَايَةِ. لَمْ يَعُودُوا يُرَاقِبُونَنَا مِنْ بَعِيدٍ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَحَرَّكُونَ مُبَاشَرَةً لِمَنْعِنَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى أَيِّ دَلِيلٍ جَدِيدٍ.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، مُسْتَوْعِبًا ثِقَلَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْجَدِيدِ، وَنَظَرَ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُمْتَدِّ أَمَامَهُمْ، يُفَكِّرُ فِي سَمِيرَةَ الَّتِي تَرَكَاهَا وَحِيدَةً، وَفِي تَوْفِيقَ الَّذِي مَا يَزَالُ يَرْفُضُ الْحَدِيثَ، وَفِي كُلِّ الْخُيُوطِ الْمُتَشَابِكَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَقَارَبُ أَخِيرًا نَحْوَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ، حَقِيقَةٍ يَبْدُو أَنَّ أَحَدًا مَا مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ لِيُبْقِيَهَا مَدْفُونَةً إِلَى الْأَبَدِ.
وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى مَدْخَلِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ وَدَّعَ رَامِي سَلِيمًا وَيَاسَمِينَ عِنْدَ نُقْطَةٍ آمِنَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ بَيْتِ الْعَائِلَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ سَيُحْضِرُ لَهُمَا هَاتِفَيْنِ مُؤَقَّتَيْنِ بِحُلُولِ الْمَسَاءِ، وَأَنَّهُ سَيُحَاوِلُ أَيْضًا إِيجَادَ طَرِيقَةٍ آمِنَةٍ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَى سَمِيرَةَ دُونَ أَنْ يُعَرِّضَهَا لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ بِزِيَارَةٍ مُبَاشِرَةٍ قَدْ تُرَاقَبُ.
وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، أَمْسَكَتْ يَاسَمِينُ بِذِرَاعِ سَلِيمٍ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَعْمَقَ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ تَمَامًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُرْهِقَةِ، وَعَيْنَاهَا مَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ أَثَرَ الْخَوْفِ وَالْإِرْهَاقِ، لَكِنْ أَيْضًا شَيْئًا دَافِئًا جَدِيدًا بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِمَا رَغْمًا عَنْهَا: “سَلِيمُ، كَانَ الْيَوْمُ مُخِيفًا حَقًّا. لَمْ أَشْعُرْ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي عَمَلِي، لَكِنِّي أَيْضًا لَمْ أَشْعُرْ مِنْ قَبْلُ بِأَنَّ مَا أَفْعَلُهُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْخَطَرَ بِقَدْرِ مَا أَشْعُرُ بِهِ الْآنَ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا سَلِيمٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، مُدْرِكًا أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، الَّتِي الْتَقَاهَا غَرِيبَةً تَمَامًا فِي مَطَارٍ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، أَصْبَحَتِ الْآنَ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ حَيَاتِهِ، لَا مُجَرَّدَ حَلِيفَةٍ فِي تَحْقِيقٍ صَحَفِيٍّ. شَعَرَ بِرَغْبَةٍ مُفَاجِئَةٍ فِي قَوْلِ شَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْمَحُ بِهِ هَذِهِ اللَّحْظَةُ الْمُتَوَتِّرَةُ، لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِقَوْلِ: “لَمْ أَكُنْ لِأَصِلَ إِلَى أَيٍّ مِنْ هَذَا مِنْ دُونِكِ يَا يَاسَمِينُ. مَهْمَا حَدَثَ بَعْدَ الْيَوْمِ، أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنِّي مُمْتَنٌّ لَكِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ الْكَلِمَاتُ أَنْ تُعَبِّرَ عَنْهُ.”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا دَافِئَةٌ، ابْتِسَامَةً حَمَلَتْ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ الِامْتِنَانِ الْمِهْنِيِّ الْمُعْتَادِ، شَيْئًا جَعَلَ قَلْبَ سَلِيمٍ يَخْفِقُ عَلَى نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَرْكَبَ سَيَّارَةَ أُجرَةٍ مُتَّجِهَةً نَحْوَ مَنْزِلِهَا لِتَسْتَرِيحَ قَلِيلًا، تَارِكَةً سَلِيمًا يَمْشِي الْمَسَافَةَ الْقَصِيرَةَ الْمُتَبَقِّيَةَ نَحْوَ بَيْتِ الْعَائِلَةِ، حَامِلًا مَعَهُ وَثِيقَةً قَدْ تُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَذِكْرَى امْرَأَةٍ عَجُوزٍ ضَحَّتْ بِأَمَانِهَا مِنْ أَجْلِ حَقِيقَةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.

عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ فِي الْمَسَاءِ، مُنْهَكًا عَلَى نَحْوٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ، فَوَجَدَ لَيَانَ تَنْتَظِرُهُ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ عَلَى وَجْهِهَا، بَعْدَ أَنْ تَلَقَّتْ رَسَائِلَهُ الْمُتَقَطِّعَةَ طَوَالَ الْيَوْمِ دُونَ تَفَاصِيلَ كَافِيَةٍ تُطَمْئِنُهَا كَامِلًا.
احْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ فَوْرَ دُخُولِهِ: “سَلِيمُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ بِخَيْرٍ!” ثُمَّ ابْتَعَدَتْ لِتَفْحَصَ وَجْهَهُ بِعَيْنَيْنِ قَلِقَتَيْنِ: “مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ؟ كَانَتْ رَسَائِلُكَ مُقْتَضَبَةً جِدًّا وَمُخِيفَةً.”
جَلَسَا مَعًا فِي الصَّالَةِ، وَرَوَى لَهَا سَلِيمٌ كُلَّ تَفَاصِيلِ الْيَوْمِ الطَّوِيلِ: لِقَاءَ سَمِيرَةَ، وَقِصَّتَهَا الْمُؤْلِمَةَ، وَاكْتِشَافَ سَنَدِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ الْهُرُوبَ الْمَحْمُومَ عَبْرَ الْحُقُولِ. أَصْغَتْ لَيَانُ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ، تُغَطِّي يَدَاهَا فَمَهَا فِي لَحَظَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنَ الْقِصَّةِ.
هَمَسَتْ حِينَ انْتَهَى سَلِيمٌ مِنَ الرِّوَايَةِ: “امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ. خَمْسُونَ عَامًا مِنَ الْعَيْشِ بِهُوِيَّةٍ مُزَيَّفَةٍ، خَائِفَةً طَوَالَ الْوَقْتِ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ حَجْمَ الْأَلَمِ الَّذِي عَاشَتْهُ.”
أَضَافَ سَلِيمٌ بِإِعْجَابٍ صَادِقٍ: “وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ شَجَاعَتَهَا فِي تَسْلِيمِنَا تِلْكَ الْوَثِيقَةَ رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْخَوْفِ الْمُتَرَاكِمِ. خَاطَرَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ حَقِيقَةٍ قَدْ لَا تَرَاهَا مُكْتَمِلَةً أَبَدًا فِي حَيَاتِهَا.”
أَخْرَجَ سَلِيمٌ الْوَثِيقَةَ مِنْ حَقِيبَتِهِ، وَعَرَضَهَا عَلَى لَيَانَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، فَتَفَحَّصَتْهَا بِعَيْنَيْنِ مُتَأَثِّرَتَيْنِ، تَلْمِسُ الْوَرَقَ الْقَدِيمَ الْهَشَّ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا بِرِفْقٍ، كَأَنَّهَا تَلْمِسُ قِطْعَةً مِنْ تَارِيخِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ أُبِيدَتْ مِنَ الْوُجُودِ.
سَأَلَتْ بِأَمَلٍ حَذِرٍ: “هَذَا سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ: “أَتَمَنَّى ذَلِكَ. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَحْمِيَ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. سَنَحْتَاجُ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً، مُخَبَّأَةً فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، تَحَسُّبًا لِأَيِّ طَارِئٍ.”
قَضَيَا السَّاعَةَ التَّالِيَةَ يُصَوِّرَانِ الْوَثِيقَةَ مِنْ زَوَايَا مُتَعَدِّدَةٍ، بِجَوْدَةٍ عَالِيَةٍ، وَيُرْسِلَانِ نُسَخًا مُشَفَّرَةً إِلَى بَرِيدٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ آمِنٍ أَنْشَأَهُ سَلِيمٌ خِصِّيصًا لِهَذَا الْغَرَضِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى أَرْسَلَهَا إِلَى يَاسَمِينَ وَرَامِي كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ، مُوَزِّعًا بِذَلِكَ مَخَاطِرَ فُقْدَانِ الدَّلِيلِ الْوَحِيدِ عَلَى عِدَّةِ أَطْرَافٍ مَوْثُوقَةٍ بَدَلًا مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ تُسْرَقُ أَوْ تُتْلَفُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ أَوَتْ لَيَانُ إِلَى فِرَاشِهَا مُنْهَكَةً، جَلَسَ سَلِيمٌ وَحِيدًا فِي غُرْفَتِهِ، يَتَأَمَّلُ الْوَثِيقَةَ الْأَصْلِيَّةَ الْمَوْضُوعَةَ أَمَامَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، يَسْتَعِيدُ وَجْهَ سَمِيرَةَ الْعَجُوزِ وَهِيَ تَرْوِي قِصَّتَهَا الْمُؤْلِمَةَ، وَصَوْتَهَا الْمُرْتَجِفَ وَهُوَ يَصِفُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي غَيَّرَتْ مَصِيرَ عَائِلَتِهَا بِأَكْمَلِهِ إِلَى الْأَبَدِ.
تَأَمَّلَ الْمَسَافَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي قَطَعَتْهَا هَذِهِ الْوَثِيقَةُ عَبْرَ الزَّمَنِ: مِنْ جَيْبِ مِعْطَفِ فَادِي سَمَاحَةَ لَيْلَةَ اخْتِفَائِهِ، إِلَى يَدِ حَارِسٍ لَيْلِيٍّ شَابٍّ خَائِفٍ لَكِنَّهُ شُجَاعٌ، إِلَى طِفْلَةٍ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا فَقَدَتْ عَالَمَهَا بِأَسْرِهِ فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ، إِلَى امْرَأَةٍ عَجُوزٍ حَافَظَتْ عَلَيْهَا بِصَمْتٍ طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً، وَأَخِيرًا إِلَيْهِ هُوَ، حَفِيدِ رَجُلٍ تَوَرَّطَ دُونَ قَصْدٍ فِي هَذِهِ الْمَأْسَاةِ الْقَدِيمَةِ، يَحْمِلُ الْآنَ مَسْؤُولِيَّةَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ هَذَا الْأَلَمَ الْمُتَرَاكِمَ يَعْنِي شَيْئًا أَخِيرًا.
أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَكَتَبَ رِسَالَةً قَصِيرَةً لِيَاسَمِينَ، رَغْمَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ: “شُكْرًا لَكِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْيَوْمَ. أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي قَدْ وَصَلْتِ إِلَى بَيْتِكِ بِأَمَانٍ، وَاسْتَطَعْتِ أَنْ تَرْتَاحِي قَلِيلًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ.”
جَاءَ رَدُّهَا بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ: “وَصَلْتُ بِأَمَانٍ، شُكْرًا لِسُؤَالِكَ. لَا أَسْتَطِيعُ التَّوَقُّفَ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي سَمِيرَةَ، أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ بِخَيْرٍ اللَّيْلَةَ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ طَرِيقَةً آمِنَةً لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهَا غَدًا، دُونَ أَنْ أُعَرِّضَهَا لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ.”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ وَهُوَ يَقْرَأُ الرِّسَالَةَ، شَاعِرًا بِامْتِنَانٍ مُتَجَدِّدٍ لِوُجُودِ مَنْ يُشَارِكُهُ الْقَلَقَ نَفْسَهُ، وَيَهْتَمُّ بِالتَّفَاصِيلِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ الْقَانُونِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ. كَتَبَ رَدًّا أَخِيرًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلنَّوْمِ: “تُصْبِحِينَ عَلَى خَيْرٍ يَا يَاسَمِينُ. غَدًا مَعْرَكَةٌ جَدِيدَةٌ، لَكِنَّ اللَّيْلَةَ، فَقَطْ، دَعِينَا نَرْتَاحُ.”

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، وَعَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بَيْتِ الْعَائِلَةِ، جَلَسَتْ سَمِيرَةُ سَمَاحَةَ وَحِيدَةً فِي بَيْتِهَا الصَّغِيرِ، بَعْدَ أَنْ نَجَحَتْ فِي الِاخْتِفَاءِ عَنْ أَعْيُنِ الرَّجُلَيْنِ طَوَالَ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُضْطَرِبِ، مُخْتَبِئَةً فِي قَبْوِ جَارَتِهَا الْعَجُوزِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي تَثِقُ بِهَا فِي الْقَرْيَةِ، إِلَى أَنْ غَادَرَ الرَّجُلَانِ أَخِيرًا بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ الِانْتِظَارِ غَيْرِ الْمُثْمِرِ.
عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا مَعَ حُلُولِ الظَّلَامِ، وَأَغْلَقَتْ كُلَّ الْأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ بِإِحْكَامٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، جَالِسَةً فِي الْعَتْمَةِ دُونَ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى إِضَاءَةِ أَيِّ مِصْبَاحٍ قَدْ يَكْشِفُ مَوْقِعَهَا لِمَنْ قَدْ يَكُونُ مَا يَزَالُ يُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ. فَكَّرَتْ فِي سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ، تَتَمَنَّى بِصَمْتٍ أَنْ يَكُونَا قَدْ وَصَلَا إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ، وَأَنَّ الْوَثِيقَةَ الَّتِي حَمَلَتْهَا بِأَمَانَةٍ طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً سَتَجِدُ أَخِيرًا طَرِيقَهَا إِلَى تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ الَّتِي طَالَ انْتِظَارُهَا.
شَعَرَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ السَّلَامَ الدَّاخِلِيَّ، رَغْمَ كُلِّ الْخَطَرِ الْمُحِيطِ بِهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِذَاتِهَا. لَمْ تَعُدْ وَحِيدَةً تَحْمِلُ هَذَا الْعِبْءَ بِمُفْرَدِهَا؛ شَارَكَتْهُ أَخِيرًا مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَمَهْمَا حَدَثَ لَهَا بَعْدَ الْآنَ، كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ، عَلَى الْأَقَلِّ، لَمْ تَعُدْ رَهِينَةَ صَمْتِهَا الْمُنْفَرِدِ.
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا فِي الْعَتْمَةِ، وَهَمَسَتْ لِنَفْسِهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ، مُوَجِّهَةً كَلِمَاتِهَا إِلَى عَائِلَةٍ لَمْ تَرَهَا مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا: “رُبَّمَا، أَخِيرًا، سَتَنَالُونَ بَعْضَ الْعَدَالَةِ الَّتِي حُرِمْتُمْ مِنْهَا يَا أَحِبَّائِي. رُبَّمَا لَمْ يَذْهَبْ أَلَمُكُمْ سُدًى بَعْدَ كُلِّ هَذَا الِانْتِظَارِ الطَّوِيلِ.”

وَفِي مَكْتَبٍ فَخْمٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَانَ كَمَالُ دَرْوِيشٍ يَتَلَقَّى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنَ اللَّيْلِ تَقْرِيرًا هَاتِفِيًّا مُقْتَضَبًا مِنْ أَحَدِ رِجَالِهِ، تَقْرِيرًا يُخْبِرُهُ بِفَشَلِ مُهِمَّةِ اسْتِعَادَةِ الْوَثِيقَةِ مِنْ بَيْتِ الْعَجُوزِ، وَبِاخْتِفَاءِ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ رَغْمَ كُلِّ الْجَهْدِ الْمَبْذُولِ لِتَعَقُّبِهِمَا عَبْرَ الْحُقُولِ الرِّيفِيَّةِ. أَغْلَقَ كَمَالٌ الْهَاتِفَ بِغَضَبٍ مَكْتُومٍ، وَجَلَسَ صَامِتًا فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ، مُدْرِكًا أَنَّ دَائِرَةَ الْخَطَرِ حَوْلَهُ بَدَأَتْ تَضِيقُ أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَ حِينَ بَدَأَ هَذَا الْمُخَطَّطَ كُلَّهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
نَظَرَ إِلَى صُورَةِ وَالِدِهِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْجِدَارِ، وَتَسَاءَلَ بِصَمْتٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، إِنْ كَانَ الثَّمَنُ الَّذِي يَدْفَعُهُ الْآنَ يَسْتَحِقُّ حَقًّا كُلَّ مَا وَرِثَهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِرْثِ الْمُلَوَّثِ.
لَمْ يَجِدْ إِجَابَةً وَاضِحَةً، سِوَى صَمْتٍ ثَقِيلٍ يَمْلَأُ مَكْتَبَهُ الْفَخْمَ الْخَالِيَ فَجْأَةً مِنْ كُلِّ مَعْنًى.
نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّامِنِ.


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 09


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 07