مَدينَةُ الْيَاسَمِينِ
الْفَصْلُ التَّاسِعُ
وَصَلَتِ الدَّعْوَةُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، رَسْمِيَّةً هَذِهِ الْمَرَّةَ، مَطْبُوعَةً عَلَى وَرَقٍ فَاخِرٍ يَحْمِلُ شِعَارَ مَشْرُوعِ “أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ” الْمُذَهَّبَ: دَعْوَةٌ لِحُضُورِ لِقَاءِ “مُصَالَحَةٍ عَائِلِيَّةٍ” فِي أَحَدِ أَفْخَمِ مَطَاعِمِ الْمَدِينَةِ، بِحُضُورِ عَدَدٍ مِنْ وُجَهَاءِ الْحَيِّ وَمُمَثِّلِينَ إِعْلَامِيِّينَ، بِمُبَادَرَةٍ مِنَ “الْأُسْتَاذِ كَمَالَ دَرْوِيشَ، الْحَرِيصِ دَائِمًا عَلَى وَحْدَةِ نَسِيجِ مَدِينَتِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ”.
قَرَأَ سَلِيمٌ الدَّعْوَةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَعَادَ قِرَاءَتَهَا مَرَّةً أُخْرَى، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ دَوَافِعَ كَمَالٍ الْحَقِيقِيَّةَ وَرَاءَ هَذِهِ الْخُطْوَةِ الْعَلَنِيَّةِ الْمُفَاجِئَةِ. لَاحَظَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا أَثَارَ قَلَقَهُ أَكْثَرَ: قَائِمَةُ الْحُضُورِ تَضَمَّنَتِ اسْمَيْنِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَفِيِّينَ فِي الْمَدِينَةِ، إِلَى جَانِبِ اسْمِ يَاسْمِينَ نُورَ نَفْسِهَا، وَكَأَنَّ كَمَالًا يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هَذَا اللِّقَاءِ حَدَثًا إِعْلَامِيًّا مُوَثَّقًا بِعِنَايَةٍ، لَا مُجَرَّدَ عَشَاءٍ وُدِّيٍّ عَابِرٍ.
“هَذَا فَخٌّ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ حِينَ اتَّصَلَ بِهَا سَلِيمٌ لِيُطْلِعَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ. “لَكِنَّهُ فَخٌّ ذَكِيٌّ جِدًّا. لِقَاءٌ عَلَنِيٌّ، بِحُضُورِ إِعْلَامِيِّينَ وَشُهُودٍ، يَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْكَ رَفْضَهُ دُونَ أَنْ تَبْدُوَ كَأَنَّكَ تَرْفُضُ “الْمُصَالَحَةَ” عَلَنًا، مَا قَدْ يُفَسَّرُ ضِدَّكَ اجْتِمَاعِيًّا، خَاصَّةً أَمَامَ وُجَهَاءَ قَدْ يَظُنُّونَ أَنَّ كَمَالًا يَمُدُّ يَدَ الصُّلْحِ بِنُبْلٍ بَيْنَمَا تَرْفُضُهُ أَنْتَ بِعِنَادٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ.”
“لِمَاذَا يَفْعَلُ هَذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟”
“أَظُنُّ أَنَّهُ يُحَاوِلُ أَمْرَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.” فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَسَلِيمٌ يَسْمَعُ صَوْتَ قَلَمِهَا يَتَحَرَّكُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ. “أَوَّلًا، يُرِيدُ أَنْ يَقِيسَ بِنَفْسِهِ، مِنْ خِلَالِ أَسْئِلَةٍ ظَاهِرُهَا بَرِيءٌ، كَمْ تَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، وَمَا مَدَى اسْتِعْدَادِكَ لِلتَّصْعِيدِ. ثَانِيًا، وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ، أَظُنُّ أَنَّهُ سَيُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَدْرِجَنِي أَنَا شَخْصِيًّا لِلْحَدِيثِ عَنْ مَصَادِرِي بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، بَعْدَ أَنْ بَدَأَ يَشُكُّ، عَلَى الْأَرْجَحِ، أَنَّ مَصْدَرِي الْأَسَاسِيَّ مُرْتَبِطٌ بِجِهَازِ الشُّرْطَةِ نَفْسِهِ.”
“هَلْ يَجِبُ أَنْ نَرْفُضَ الدَّعْوَةَ؟”
“لَا.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِحَزْمٍ بَعْدَ تَفْكِيرٍ قَصِيرٍ. “الرَّفْضُ قَدْ يَبْدُو أَسْوَأَ، وَقَدْ يُفَسَّرُ اعْتِرَافًا ضِمْنِيًّا بِالْخَوْفِ أَوِ الذَّنْبِ. سَنَحْضُرُ، لَكِنْ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَنَسْتَعِدُّ جَيِّدًا لِكُلِّ الْأَسْئِلَةِ الْمُحْتَمَلَةِ قَبْلَ الذَّهَابِ.”
قَضَيَا بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي التَّحْضِيرِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، يُرَاجِعَانِ التَّفَاصِيلَ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى مَا يُمْكِنُ الْإِفْصَاحُ عَنْهُ عَلَنًا وَمَا يَجِبُ أَنْ يَبْقَى سِرِّيًّا بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ، حَتَّى وَضَعَا إِشَارَاتٍ صَامِتَةً بَيْنَهُمَا: لَمْسَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى الذِّرَاعِ تَعْنِي “تَوَقَّفْ عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ”، وَنَظْرَةٌ مُعَيَّنَةٌ تَعْنِي “دَعْنِي أَتَوَلَّى الرَّدَّ”، وَلَمْسُ الْأُذُنِ بِخِفَّةٍ يَعْنِي “هَذَا السُّؤَالُ خَطِرٌ، غَيِّرِ الْمَوْضُوعَ فَوْرًا”.
“تَذَكَّرْ يَا سَلِيمُ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِجِدِّيَّةٍ أَخِيرَةٍ، وَهِيَ تَجْمَعُ أَوْرَاقَهَا الْمُبَعْثَرَةَ. “الْهَدَفُ اللَّيْلَةَ لَيْسَ أَنْ نَكْسِبَ مَعْرَكَةً، بَلْ فَقَطْ أَلَّا نَخْسَرَ شَيْئًا. الصُّمُودُ دُونَ انْكِشَافٍ هُوَ نَجَاحُنَا الْوَحِيدُ الْمَطْلُوبُ. لَا تُحَاوِلْ أَنْ تَكُونَ بَطَلًا، وَلَا تُحَاوِلْ اسْتِفْزَازَهُ. فَقَطِ ابْقَ هَادِئًا، مُبْتَسِمًا، وَغَامِضًا بِمَا يَكْفِي.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ سَلِيمٌ إِلَى الْمَطْعَمِ، تَوَقَّفَ فِي الْبَيْتِ لِيُخْبِرَ لَيَانَ بِالْخُطَّةِ، فَبَدَتْ عَلَيْهَا عَلَامَاتُ قَلَقٍ فَوْرِيَّةٍ. “لِقَاءٌ عَلَنِيٌّ مَعَ كَمَالٍ؟ هَذَا يَبْدُو خَطِرًا يَا سَلِيمُ.”
“أَعْرِفُ، لَكِنَّ رَفْضَهُ كَانَ سَيَبْدُو أَسْوَأَ.” طَمْأَنَهَا سَلِيمٌ. “سَأَكُونُ حَذِرًا، وَيَاسْمِينُ مَعِي طَوَالَ الْوَقْتِ.”
عَانَقَتْهُ لَيَانُ بِقُوَّةٍ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، وَهَمَسَتْ: “كُنْ حَذِرًا جِدًّا. لَقَدْ فَقَدْنَا أَبًا بِالْفِعْلِ، لَا أُرِيدُ أَنْ أَفْقِدَ أَخِي أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ.”
وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى الْمَطْعَمِ فِي الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ، بِبَدْلَتِهِ الدَّاكِنَةِ الَّتِي أَحْضَرَهَا مَعَهُ مِنْ أَلْمَانْيَا لِمُنَاسَبَاتٍ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَسْتَخْدِمُهَا فِي مُوَاجَهَةٍ كَهَذِهِ، وَيَاسْمِينُ بِجِوَارِهِ بِبَدْلَةِ عَمَلٍ أَنِيقَةٍ. كَانَ الْمَكَانُ مُهَيَّأً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، طَاوِلَةٌ طَوِيلَةٌ، شُمُوعٌ خَافِتَةٌ، وَحُضُورٌ مُخْتَارٌ بِعِنَايَةٍ مِنْ وُجَهَاءِ الْحَيِّ، بَعْضُهُمْ وُجُوهٌ مَأْلُوفَةٌ لِسَلِيمٍ لَكِنَّ أَسْمَاءَهَا تَلَاشَتْ مِنْ ذَاكِرَتِهِ عَبْرَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الْغِيَابِ.
اسْتَقْبَلَهُمَا كَمَالُ بِحَرَارَةٍ مُصْطَنَعَةٍ، يَرْتَدِي بَدْلَةً رَمَادِيَّةً أَنِيقَةً، وَسَاعَتَهُ الْفِضِّيَّةَ اللَّامِعَةَ بَارِزَةً عَلَى مِعْصَمِهِ، تِلْكَ الَّتِي صَارَتِ الْآنَ، بَعْدَ اكْتِشَافِ الصُّورَةِ الْغَامِضَةِ، رَمْزًا مُقْلِقًا لِسَلِيمٍ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ حِلْيَةٍ أَنِيقَةٍ. “سَلِيمُ! يَا وَلَدِي، سَعِيدٌ جِدًّا أَنَّكَ قَبِلْتَ الدَّعْوَةَ. وَيَاسْمِينُ نُورُ، الصَّحَفِيَّةُ الْمَرْمُوقَةُ، يُشَرِّفُنِي حُضُورُكِ.”
جَلَسُوا حَوْلَ الطَّاوِلَةِ، وَبَدَأَ الْعَشَاءُ بِحَدِيثٍ سَطْحِيٍّ عَامٍّ، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يُرَاقِبُ كَمَالًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ ابْتِسَامَةٍ. لَاحَظَ أَنَّ كَمَالًا بَارِعٌ جِدًّا فِي هَذَا الدَّوْرِ الِاجْتِمَاعِيِّ، رَجُلٌ تَدَرَّبَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً عَلَى إِتْقَانِ فَنِّ الظُّهُورِ الْمِثَالِيِّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ يُخْفِي تَحْتَ هَذَا الْقِنَاعِ نَوَايَا مُخْتَلِفَةً تَمَامًا.
بَعْدَ مُنْتَصَفِ الْعَشَاءِ تَقْرِيبًا، الْتَفَتَ كَمَالُ إِلَى سَلِيمٍ بِابْتِسَامَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً، وَنَبْرَةٍ تَحْمِلُ ثِقَلًا خَفِيًّا تَحْتَ سَطْحِهَا الْوَدُودِ. “سَلِيمُ، أَخْبِرْنِي، كَيْفَ تَسِيرُ أُمُورُكَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ مَاضِي عَائِلَتِكَ؟ سَمِعْتُ أَنَّكَ تَزُورُ أَشْخَاصًا كَثِيرِينَ مُؤَخَّرًا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِتَوَتُّرٍ خَفِيٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى مَعِدَتِهِ، لَكِنَّهُ حَافَظَ عَلَى هُدُوءٍ ظَاهِرِيٍّ تَامٍّ. “مُجَرَّدُ فُضُولٍ طَبِيعِيٍّ لِابْنٍ عَائِدٍ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ يَا عَمَّ كَمَالَ. أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ تَارِيخَ عَائِلَتِي، هَذَا كُلُّ شَيْءٍ.”
“فُضُولٌ طَبِيعِيٌّ جِدًّا، بِالطَّبْعِ.” ابْتَسَمَ كَمَالُ ابْتِسَامَةً لَا تَصِلُ إِلَى عَيْنَيْهِ. “لَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَّكَ زُرْتَ رَجُلًا عَجُوزًا فِي الْحَيِّ، الْحَاجَّ تَوْفِيقَ، وَأَنَّ زِيَارَتَكَ تِلْكَ صَادَفَتْ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ بِالطَّبْعِ، حَادِثَةَ اقْتِحَامٍ مُؤْسِفَةً لِبَيْتِهِ فِي اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا. الْمَدِينَةُ أَصْبَحَتْ مَلِيئَةً بِالْحَوَادِثِ الْغَرِيبَةِ هَذِهِ الْأَيَّامَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ دَاخِلِيًّا، لَكِنَّهُ أَجْبَرَ وَجْهَهُ عَلَى الْهُدُوءِ. “سَمِعْتُ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا، حَادِثَةٌ مُؤْسِفَةٌ فِعْلًا.”
الْتَفَتَ كَمَالُ بَعْدَهَا نَحْوَ يَاسْمِينَ بِسَلَاسَةٍ مُحْتَرِفَةٍ. “وَأَنْتِ يَا آنِسَةَ نُورَ، أَفْتَرِضُ أَنَّ لَدَيْكِ مَصَادِرَ مُمْتَازَةً تَصِلُكِ بِمَعْلُومَاتٍ دَقِيقَةٍ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ أَحْيَانًا. مِنْ بَابِ الْفُضُولِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَبَادَلِ: كَيْفَ تَحْمِينَ مَصَادِرَكِ عَادَةً؟ خَاصَّةً حِينَ تَكُونُ رُبَّمَا دَاخِلَ مُؤَسَّسَاتٍ حَسَّاسَةٍ كَالشُّرْطَةِ مَثَلًا؟”
شَعَرَتْ يَاسْمِينُ بِحِدَّةِ السُّؤَالِ الْمُسْتَتِرِ، لَكِنَّهَا ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً مِهَنِيَّةً هَادِئَةً. “سِرُّ الْمِهْنَةِ الْأَوَّلُ يَا أُسْتَاذَ كَمَالَ: صَحَفِيٌّ جَيِّدٌ لَا يَكْشِفُ طُرُقَ حِمَايَةِ مَصَادِرِهِ أَبَدًا، حَتَّى فِي حَدِيثٍ وُدِّيٍّ كَهَذَا. أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّكَ تَفْهَمُ أَهَمِّيَّةَ السِّرِّيَّةِ فِي عَمَلِكَ أَنْتَ أَيْضًا، خَاصَّةً فِي الصَّفَقَاتِ الْعَقَارِيَّةِ الْحَسَّاسَةِ.”
ضَحِكَ كَمَالُ ضَحِكَةً قَصِيرَةً، لَكِنَّ سَلِيمًا لَاحَظَ تَوَتُّرًا خَفِيفًا فِي زَاوِيَةِ عَيْنِهِ. “بِالطَّبْعِ، بِالطَّبْعِ. مُجَرَّدُ فُضُولٍ عَابِرٍ.”
قُرْبَ نِهَايَةِ الْعَشَاءِ، بَيْنَمَا كَانَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ يُلْقِي خِطَابًا رَتِيبًا عَنْ “أَهَمِّيَّةِ التَّنْمِيَةِ الْعُمْرَانِيَّةِ الْمُتَوَازِنَةِ”، شَعَرَ سَلِيمٌ بِاهْتِزَازِ هَاتِفِهِ فِي جَيْبِهِ. أَخْرَجَهُ بِهُدُوءٍ تَحْتَ الطَّاوِلَةِ، مُتَوَقِّعًا رِسَالَةً عَادِيَّةً مِنْ لَيَانَ، لَكِنَّ مَا رَآهُ عَلَى الشَّاشَةِ جَعَلَ قَلْبَهُ يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ كَامِلَةٍ.
كَانَتِ الرِّسَالَةُ وَارِدَةً مِنْ رَقْمِ هَاتِفِ وَالِدِهِ، الرَّقْمِ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُ أَحَدٌ مُنْذُ وَفَاةِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادَ قَبْلَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ. نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى النَّصِّ بِذُهُولٍ تَامٍّ، يَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ:
“سَلِيمُ. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ فِي تِلْكَ الطَّاوِلَةِ. اذْهَبْ إِلَى هَذَا الْمَوْقِعِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَسْتَطِيعَ، وَحْدَكَ: 34.5721، 36.2891. لَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِوِجْهَتِكَ.”
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى مُرْسِلٍ، فَقَطِ الْإِحْدَاثِيَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ وَتِلْكَ الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ الَّتِي بَدَتْ مُسْتَحِيلَةً تَمَامًا، مُسْتَحِيلَةً لِأَنَّ مُرْسِلَهَا، حَسَبَ كُلِّ مَنْطِقٍ يَعْرِفُهُ الْعَالَمُ، كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ، وَدُفِنَ أَمَامَ عَشَرَاتِ الشُّهُودِ، بِمَنْ فِيهِمْ سَلِيمٌ نَفْسُهُ الَّذِي وَقَفَ عِنْدَ حَافَّةِ الْقَبْرِ يُشَاهِدُ التُّرَابَ يُهَالُ عَلَى تَابُوتِ أَبِيهِ.
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ بِذُهُولٍ، وَنَظَرَ حَوْلَهُ فِي الْمَطْعَمِ الْمُزْدَحِمِ، وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى بُعْدِ مَقَاعِدَ قَلِيلَةٍ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي بَدَأَ يَشْتَبِهُ أَنَّهُ الْمَسْؤُولُ الْمُبَاشِرُ عَنْ تِلْكَ الْوَفَاةِ نَفْسِهَا. شَعَرَ بِدُوَارٍ خَفِيفٍ، وَبِضَرَبَاتِ قَلْبٍ مُتَسَارِعَةٍ، وَبِرَغْبَةٍ مُفَاجِئَةٍ فِي الْهُرُوبِ مِنْ هَذِهِ الطَّاوِلَةِ عَلَى الْفَوْرِ.
هَلْ كَانَ هُنَاكَ رَقْمٌ آخَرُ مُطَابِقٌ بِالصُّدْفَةِ؟ هَلِ اسْتَوْلَى أَحَدٌ عَلَى شَرِيحَةِ أَبِيهِ الْقَدِيمَةِ؟ أَمْ أَنَّ هَذِهِ رِسَالَةٌ مُزَيَّفَةٌ، مُصَمَّمَةٌ لِدَفْعِهِ نَحْوَ فَخٍّ آخَرَ؟
بَعْدَ انْتِهَاءِ هَذَا التَّبَادُلِ الْمُتَوَتِّرِ، اقْتَرَبَ أَحَدُ الصَّحَفِيِّينَ الْمَدْعُوِّينَ، رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينِيَّاتِ يَعْمَلُ فِي جَرِيدَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِوَلَائِهَا لِمَصَالِحِ كَمَالٍ، وَطَرَحَ سُؤَالًا بَدَا بَرِيئًا: “سَيِّدُ مُرَادَ، بِصِفَتِكَ مُهَنْدِسًا مِعْمَارِيًّا دَرَسَ فِي أَلْمَانْيَا، مَا رَأْيُكَ فِي تَصَامِيمِ مَشْرُوعِ أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ؟”
أَدْرَكَ سَلِيمٌ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُصَمَّمٌ لِوَضْعِهِ فِي مَوْقِفٍ حَرِجٍ. فَكَّرَ بِسُرْعَةٍ: “كَمُهَنْدِسٍ مِعْمَارِيٍّ، أُؤْمِنُ دَائِمًا أَنَّ أَيَّ تَطْوِيرٍ حَقِيقِيٍّ يَجِبُ أَنْ يَحْتَرِمَ تَارِيخَ الْمَكَانِ وَهُوِيَّةَ سُكَّانِهِ الْأَصْلِيِّينَ، لَا أَنْ يَمْحُوَهُمَا بِحُجَّةِ الْحَدَاثَةِ. التَّطْوِيرُ النَّاجِحُ هُوَ الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْمَاضِي، لَا الَّذِي يُدَمِّرُهُ لِيَبْدَأَ مِنْ فَرَاغٍ.”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، وَابْتَسَمَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بِتَقْدِيرٍ لِهَذَا الرَّدِّ الدِّبْلُومَاسِيِّ، بَيْنَمَا شَعَرَ سَلِيمٌ بِنَظْرَةِ كَمَالٍ تَزْدَادُ حِدَّةً لِلَحْظَةٍ. “إِجَابَةٌ حَكِيمَةٌ جِدًّا يَا سَلِيمُ.”
بَعْدَهَا حَاوَلَتْ يَاسْمِينُ أَنْ تَسْتَرْجِعَ زِمَامَ الْمُبَادَرَةِ: “أُسْتَاذَ كَمَالَ، هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ هُنَاكَ خُطَطًا لِإِجْرَاءِ تَوْثِيقٍ تَارِيخِيٍّ شَامِلٍ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ قَبْلَ هَدْمِ أَيٍّ مِنْ مَبَانِيهِ الْقَدِيمَةِ؟”
تَرَدَّدَ كَمَالُ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ. “بِالتَّأْكِيدِ، نَحْنُ نُولِي أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً لِتَوْثِيقِ تُرَاثِ الْحَيِّ. لَدَيْنَا فَرِيقٌ مُتَخَصِّصٌ يَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْجَانِبِ بِالْفِعْلِ.”
“رَائِعٌ.” ابْتَسَمَتْ يَاسْمِينُ. “سَأَكُونُ سَعِيدَةً جِدًّا بِمُتَابَعَةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي تَحْقِيقٍ صَحَفِيٍّ مُسْتَقِلٍّ.”
لَاحَظَ سَلِيمٌ، مِنْ زَاوِيَةِ عَيْنِهِ، أَنَّ أَحَدَ مُسَاعِدِي كَمَالٍ كَتَبَ مُلَاحَظَةً سَرِيعَةً عَلَى هَاتِفِهِ. تَحْتَ الطَّاوِلَةِ، لَمَسَ سَلِيمٌ رُكْبَةَ يَاسْمِينَ بِلُطْفٍ، الْإِشَارَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا لِـ”شَيْءٍ طَارِئٍ يَجِبُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِهِ بِمُجَرَّدِ أَنْ نَخْرُجَ”.
عِنْدَ سَيَّارَةِ يَاسْمِينَ، فِي زُقَاقٍ هَادِئٍ بَعِيدًا عَنِ الْمَطْعَمِ، تَوَقَّفَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، وَوَجْهُهُ لَا يَزَالُ شَاحِبًا. “سَلِيمُ، مَاذَا حَدَثَ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ.
أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، وَأَرَاهَا الرِّسَالَةَ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ. قَرَأَتْهَا يَاسْمِينُ مَرَّتَيْنِ. “هَذَا… هَذَا مُسْتَحِيلٌ. رَقْمُ أَبِيكَ؟”
“نَفْسُهُ تَمَامًا.” أَكَّدَ سَلِيمٌ. “الرَّقْمُ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُ أَحَدٌ مُنْذُ وَفَاتِهِ.”
فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ بِسُرْعَةٍ. “هُنَاكَ احْتِمَالَاتٌ عِدَّةٌ. رُبَّمَا اسْتَوْلَى أَحَدٌ عَلَى شَرِيحَةِ أَبِيكَ الْقَدِيمَةِ. أَوْ، وَهَذَا أَكْثَرُ إِثَارَةً لِلْقَلَقِ، رُبَّمَا يَكُونُ فَخًّا مُصَمَّمًا بِدِقَّةٍ نَفْسِيَّةٍ عَالِيَةٍ لِيَسْتَغِلَّ حُزْنَكَ وَشَوْقَكَ لِأَبِيكَ، لِيَدْفَعَكَ نَحْوَ مَكَانٍ مَعْزُولٍ يَسْهُلُ فِيهِ اسْتِهْدَافُكَ.”
“تَقْصِدِينَ أَنَّ كَمَالًا هُوَ مَنْ أَرْسَلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ؟”
“لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ.” أَجَابَتْ يَاسْمِينُ بِحَذَرٍ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ أَيْضًا فِي احْتِمَالٍ آخَرَ، رُبَّمَا الْأَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْأَمَلِ: مَاذَا لَوْ كَانَ وَالِدُكَ، قَبْلَ وَفَاتِهِ، قَدْ أَعَدَّ نِظَامًا لِإِرْسَالِ رَسَائِلَ مُؤَجَّلَةٍ، تُرْسَلُ تِلْقَائِيًّا فِي ظَرْفٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ مَوْتِهِ؟”
فَتَحَ سَلِيمٌ تَطْبِيقَ خَرَائِطَ بِيَدٍ لَا تَزَالُ مُرْتَجِفَةً، وَأَدْخَلَ الْأَرْقَامَ. ظَهَرَتْ نُقْطَةٌ تُشِيرُ إِلَى مِنْطَقَةٍ نَائِيَةٍ خَارِجَ حُدُودِ الْمَدِينَةِ، جَبَلِيَّةٍ وَعِرَةٍ، بَعِيدَةٍ عَنْ أَيِّ طَرِيقٍ رَئِيسِيٍّ. “لَا أَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ إِطْلَاقًا. لَمْ أَزُرْهُ مِنْ قَبْلُ قَطُّ.”
“هَذَا يَزِيدُ مِنَ الْغُمُوضِ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ. “مِنْطَقَةٌ مَعْزُولَةٌ كَهَذِهِ قَدْ تَكُونُ مَكَانًا آمِنًا حَقًّا لِإِخْفَاءِ شَيْءٍ مُهِمٍّ، أَوْ فَخًّا مِثَالِيًّا.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِصَمْتٍ. الرِّسَالَةُ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ وَحِيدًا، وَهُوَ يَقِفُ الْآنَ أَمَامَ يَاسْمِينَ الَّتِي أَطْلَعَهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، نَاقِضًا بِذَلِكَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ. “لَنْ أَذْهَبَ وَحِيدًا.” قَالَ أَخِيرًا بِحَزْمٍ. “إِنْ كَانَتْ هَذِهِ رِسَالَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ أَبِي بِطَرِيقَةٍ مَا، فَأَنَا وَاثِقٌ أَنَّهُ لَنْ يُمَانِعَ أَنْ تَكُونِي مَعِي، فَقَدْ كُنْتِ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الَّذِي حَاوَلَ التَّوَاصُلَ مَعَهُ فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ. وَإِنْ كَانَتْ فَخًّا، فَمُوَاجَهَتُهُ بِمُفْرَدِي سَتَكُونُ غَبَاءً مَحْضًا.”
“سَأَكُونُ مَعَكَ بِالطَّبْعِ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نُخْبِرَ رَامِي، وَنُحَدِّدَ مَوْقِعَنَا لَهُ بِدِقَّةٍ.”
فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ، بَعْدَ انْتِهَاءِ الْأُمْسِيَّةِ، جَلَسَ كَمَالُ دَرْوِيشُ يُرَاجِعُ ذِهْنِيًّا كُلَّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ اللِّقَاءِ. لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا تَمَامًا عَنِ النَّتِيجَةِ؛ كِلَاهُمَا أَثْبَتَ حَذَرًا أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ. رَنَّ هَاتِفُهُ.
“كَيْفَ سَارَ اللِّقَاءُ؟” سَأَلَ صَوْتُ الْمَرْأَةِ الْبَارِدَةُ الْمُعْتَادَةُ.
“لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَسْتَخْرِجَ مَعْلُومَاتٍ حَاسِمَةً، لَكِنِّي لَاحَظْتُ شَيْئًا غَرِيبًا.” أَجَابَ كَمَالُ. “فِي مُنْتَصَفِ الْعَشَاءِ تَقْرِيبًا، تَلَقَّى سَلِيمٌ رِسَالَةً نَصِّيَّةً جَعَلَتْ وَجْهَهُ يَشْحَبُ، ثُمَّ أَصْبَحَ أَكْثَرَ تَوَتُّرًا طَوَالَ بَقِيَّةِ الْأُمْسِيَّةِ.”
صَمَتَتِ الْمَرْأَةُ لِلَحْظَةٍ. “رَاقِبْ تَحَرُّكَاتِهِ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ اللَّيْلَةَ وَالْغَدَ. وَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّ مُرَاقِبِينَا جَاهِزُونَ لِلتَّحَرُّكِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.”
جَاءَ رَدُّ رَامِي بَعْدَ دَقَائِقَ، مُتَّصِلًا مُبَاشَرَةً. “إِحْدَاثِيَّاتٌ مِنْ رَقْمِ مُتَوَفًّى؟” كَرَّرَ بِذُهُولٍ. “هَلْ تَأَكَّدْتُمَا مِنْ أَنَّ الرَّقْمَ لَمْ يُسْتَنْسَخْ أَوْ يُخْتَرَقْ بِطَرِيقَةٍ مَا؟ هُنَاكَ أَيْضًا احْتِمَالٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمُ اخْتَرَقَ حِسَابَ وَالِدِكَ الرَّقْمِيَّ، وَاسْتَخْدَمَ خِدْمَةَ إِرْسَالِ رَسَائِلَ مُجَدْوَلَةٍ مُسْبَقًا.”
“لَا نَعْرِفُ بَعْدُ.” أَجَابَ سَلِيمٌ. “لَكِنَّنَا قَرَّرْنَا أَلَّا نَذْهَبَ دُونَ احْتِيَاطَاتٍ. هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُسَاعِدَنَا؟”
“بِالتَّأْكِيدِ.” أَجَابَ رَامِي دُونَ تَرَدُّدٍ. “أَرْسِلْ لِيَ الْإِحْدَاثِيَّاتِ الْآنَ، وَسَأُحَاوِلُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ طَبِيعَةِ الْمِنْطَقَةِ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَا. لَا تَذْهَبَا فِي الظَّلَامِ، انْتَظِرَا حَتَّى الصَّبَاحِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَسَأُحَاوِلُ أَنْ أُرَافِقَكُمَا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ أَكُونَ عَلَى مَقْرُبَةٍ كَافِيَةٍ لِلتَّدَخُّلِ.”
عِنْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَجَدَ سَلِيمٌ لَيَانَ لَا تَزَالُ مُسْتَيْقِظَةً. رَوَى لَهَا بِإِيجَازٍ تَفَاصِيلَ الْعَشَاءِ الْمُتَوَتِّرِ، ثُمَّ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ارْتِجَافًا، أَخْبَرَهَا عَنِ الرِّسَالَةِ الْغَامِضَةِ.
شَحَبَ وَجْهُ لَيَانَ تَمَامًا. “رَقْمُ أَبِي؟ سَلِيمُ، هَذَا… هَذَا مُرْعِبٌ حَقًّا.”
“أَعْرِفُ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. “جُزْءٌ مِنِّي يُرِيدُ أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّ هَذِهِ رِسَالَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مِنْهُ بِطَرِيقَةٍ مَا. وَجُزْءٌ آخَرُ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ فَخًّا مُصَمَّمًا بِعِنَايَةٍ.”
“هَلْ سَتَذْهَبُ غَدًا؟”
“نَعَمْ، صَبَاحًا، بِرُفْقَةِ رَامِي أَيْضًا.” أَكَّدَ سَلِيمٌ. “لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَجَاهَلَ احْتِمَالَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رِسَالَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ أَبِي، مَهْمَا بَدَا الْأَمْرُ مُسْتَحِيلًا مَنْطِقِيًّا.”
بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ لَيَانُ إِلَى فِرَاشِهَا، جَلَسَ سَلِيمٌ وَحِيدًا فِي غُرْفَتِهِ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى النَّوْمِ. أَعَادَ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ لِلْمَرَّةِ الْعِشْرِينَ عَلَى الْأَقَلِّ. “لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ فِي تِلْكَ الطَّاوِلَةِ.” كَرَّرَهَا لِنَفْسِهِ. هَلْ كَانَتْ تَحْذِيرًا عَامًّا مِنْ كَمَالٍ وَحْدَهُ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا آخَرَ عَلَى تِلْكَ الطَّاوِلَةِ كَانَ جُزْءًا مِنَ هَذِهِ الْمُؤَامَرَةِ؟
فَكَّرَ فِي الْمُغَلَّفِ الْأَحْمَرِ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَبُوهُ: “حِينَ يَكُونُ جَاهِزًا، وَلَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ.” تَسَاءَلَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةَ، وَسْطَ كُلِّ هَذَا الْغُمُوضِ، هِيَ أَخِيرًا اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَقْصِدُهَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بَعْدُ بِالْجَاهِزِيَّةِ الْكَامِلَةِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَنْتَظِرَ قَلِيلًا بَعْدُ.
فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ نَفْسِهَا، كَانَتْ يَاسْمِينُ نُورُ جَالِسَةً فِي مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ، غَيْرَ قَادِرَةٍ هِيَ الْأُخْرَى عَلَى النَّوْمِ، تُرَاجِعُ مُلَاحَظَاتِهَا. فَتَحَتْ مِلَفًّا جَدِيدًا، وَكَتَبَتْ تَقْرِيرًا شَخْصِيًّا مُوجَزًا عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ، لَا بِنِيَّةِ النَّشْرِ، بَلْ كَسِجِلٍّ احْتِيَاطِيٍّ تَحَسُّبًا لِأَيِّ طَارِئٍ فِي رِحْلَةِ الْغَدِ. تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، تَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهَا الْهَادِئِ، وَتَسَاءَلَتْ بِصَمْتٍ عَنْ مَصِيرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَعَنْ مَصِيرِهَا الشَّخْصِيِّ وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ. لَمْ تَكُنْ قَدْ شَعَرَتْ مِنْ قَبْلُ، فِي كُلِّ سِنِينِ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ، بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الِالْتِزَامِ الشَّخْصِيِّ الْعَمِيقِ تِجَاهَ قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تِجَاهَ شَخْصٍ وَاحِدٍ بِالتَّحْدِيدِ كَمَا بَدَأَتْ تَشْعُرُ تِجَاهَ سَلِيمٍ.
فِي مَنْزِلِهِ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَى مُكَالَمَتَهُ مَعَ “الرَّئِيسَةِ” الْمَجْهُولَةِ، جَلَسَ كَمَالُ دَرْوِيشُ وَحِيدًا فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، يَنْظُرُ إِلَى صُورَةِ وَالِدِهِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْجِدَارِ، مُتَسَائِلًا بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ عَنْ طَبِيعَةِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الَّتِي غَيَّرَتْ مَلَامِحَ وَجْهِ سَلِيمٍ بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ، وَعَنْ حَجْمِ مَا لَا يَزَالُ يَجْهَلُهُ هُوَ نَفْسُهُ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي ظَنَّ يَوْمًا أَنَّهُ يُسَيْطِرُ عَلَيْهَا بِالْكَامِلِ.
قُبَيْلَ الْفَجْرِ، حِينَ اسْتَسْلَمَ سَلِيمٌ أَخِيرًا لِنَوْمٍ مُتَقَطِّعٍ، رَأَى فِي حُلْمِهِ صُورَةَ وَالِدِهِ، وَاقِفًا عِنْدَ حَافَّةِ حَقْلٍ مَفْتُوحٍ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَيَدُهُ مَمْدُودَةٌ كَأَنَّهُ يَدْعُوهُ لِلِاقْتِرَابِ. حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَقْتَرِبَ، لَكِنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا ظَلَّتْ ثَابِتَةً مَهْمَا تَقَدَّمَ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَجْأَةً عَلَى صَوْتِ هَاتِفِهِ يَرِنُّ.
نَهَضَ سَلِيمٌ مُتَذَكِّرًا مَوْعِدَهُ مَعَ يَاسْمِينَ وَرَامِي بَعْدَ سَاعَتَيْنِ فَقَطْ. اغْتَسَلَ بِسُرْعَةٍ، وَنَزَلَ لِيَجِدَ لَيَانَ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ بِالْفِعْلِ، تُحَضِّرُ لَهُ فُطُورًا بَسِيطًا بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ أَثَرَ الْقَلَقِ. “هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟” سَأَلَتْهُ.
“مُسْتَعِدٌّ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. عَانَقَتْهُ لَيَانُ بِقُوَّةٍ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، وَهَمَسَتْ فِي أُذُنِهِ: “عُدْ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ، مَهْمَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الَّتِي تَجِدُهَا.”
خَرَجَ سَلِيمٌ إِلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، حَيْثُ كَانَتْ سَيَّارَةُ يَاسْمِينَ تَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الزَّاوِيَةِ، وَرَامِي يَقِفُ بِجِوَارِهَا يَتَفَقَّدُ خَرِيطَةً وَرَقِيَّةً احْتِيَاطِيَّةً. تَبَادَلُوا تَحِيَّةً سَرِيعَةً صَامِتَةً، مَلِيئَةً بِالتَّوَتُّرِ الْمُشْتَرَكِ، قَبْلَ أَنْ يَرْكَبُوا السَّيَّارَةَ مَعًا، مُتَّجِهِينَ نَحْوَ الْإِحْدَاثِيَّاتِ الْغَامِضَةِ الَّتِي قَدْ تَحْمِلُ أَخِيرًا بَعْضَ الْإِجَابَاتِ الْحَاسِمَةِ لِكُلِّ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ مُنْذُ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ.
انْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ عَبْرَ شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الصَّبَاحِيَّةِ الْهَادِئَةِ، مُتَّجِهَةً نَحْوَ الطَّرِيقِ الْخَارِجِيِّ، نَحْوَ مِنْطَقَةٍ لَمْ يَطَأْهَا أَيٌّ مِنْهُمْ مِنْ قَبْلُ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا، كَمَا شَعَرَ سَلِيمٌ بِيَقِينٍ غَرِيبٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ، مِفْتَاحًا لِفَصْلٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ.
كَانَ الطَّرِيقُ أَمَامَهُمْ طَوِيلًا، وَالْغُمُوضُ الْمُحِيطُ بِوِجْهَتِهِمْ أَطْوَلَ، لَكِنَّ الْعَزْمَ الَّذِي يَمْلَأُ قَلْبَ سَلِيمٍ فِي هَذَا الصَّبَاحِ كَانَ أَقْوَى مِنْ أَيِّ خَوْفٍ تَبَقَّى لَدَيْهِ.
