Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 10

مَدينَةُ الْيَاسَمِينِ

الْفَصْلُ الْعَاشِرُ

كَانَ الطَّرِيقُ الْخَارِجِيُّ يَتَلَوَّى بَيْنَ حُقُولٍ صَفْرَاءَ يَابِسَةٍ، وَبُيُوتٍ مُتَنَاثِرَةٍ نِصْفِ مَهْجُورَةٍ، حَتَّى بَدَأَتِ الطَّبِيعَةُ الزِّرَاعِيَّةُ تَتَرَاجَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِتُفْسِحَ الْمَجَالَ لِمَنْطِقَةٍ صِنَاعِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، أَشْبَهَ بِبَقَايَا حِقْبَةٍ نَسِيَهَا الزَّمَنُ: مَصَانِعُ مُتَوَقِّفَةٌ عَنِ الْعَمَلِ مُنْذُ عُقُودٍ، وَمُسْتَوْدَعَاتٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَدِئَةٌ تَقِفُ شَامِخَةً كَهَيَاكِلَ عِظَامٍ عِمْلَاقَةٍ فِي عَرَاءِ الصَّبَاحِ. لَمْ يَنْبِسْ أَحَدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ رُبُعِ سَاعَةٍ، وَكَانَ صَوْتُ مُحَرِّكِ السَّيَّارَةِ وَحْدَهُ يَمْلَأُ الصَّمْتَ الثَّقِيلَ بَيْنَهُمْ.
قَادَ رَامِي السَّيَّارَةَ بِنَفْسِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ مُنْذُ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، وَكَانَ يُلْقِي بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ نَظَرَاتٍ سَرِيعَةً إِلَى مِرْآةِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيَّةِ، كَمَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُتَابِعُهُمْ. كَانَ يَرْتَدِي ثِيَابًا مَدَنِيَّةً بَسِيطَةً لَا تُوحِي بِصِفَتِهِ الرَّسْمِيَّةِ، وَمُسَدَّسُهُ الرَّسْمِيُّ مُخَبَّأٌ تَحْتَ سُتْرَتِهِ الْجِلْدِيَّةِ الْخَفِيفَةِ.
“نَحْنُ عَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرَيْنِ تَقْرِيبًا مِنَ الْإِحْدَاثِيَّاتِ.” قَالَ رَامِي أَخِيرًا، مُلْقِيًا نَظْرَةً عَلَى هَاتِفِهِ الْمُثَبَّتِ عَلَى حَامِلٍ صَغِيرٍ فَوْقَ لَوْحَةِ الْقِيَادَةِ، حَيْثُ كَانَتْ خَرِيطَةٌ رَقْمِيَّةٌ تُظْهِرُ نُقْطَةً حَمْرَاءَ تَقْتَرِبُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ نُقْطَةٍ زَرْقَاءَ ثَابِتَةٍ. “تَحَقَّقْتُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمَا. إِنَّهَا مَنْطِقَةُ مُسْتَوْدَعَاتٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ تَابِعَةً لِمَعْمَلِ نَسِيجٍ أُغْلِقَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا. لَا سِجِلَّاتٍ حَدِيثَةً عَنْ مِلْكِيَّتِهَا الْحَالِيَّةِ، وَهَذَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَمْرٌ مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ.”
لَاحَظَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يُرَاقِبُ رَامِي بِطَرَفِ عَيْنِهِ، أَنَّ الضَّابِطَ الشَّابَّ بَدَا هَذَا الصَّبَاحَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الرَّجُلِ الْمُتَرَدِّدِ الَّذِي عَرَفَهُ فِي أَوَّلِ لِقَاءَاتِهِمَا: كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ الْآنَ أَقْرَبَ إِلَى تَصَرُّفَاتِ رَجُلٍ اتَّخَذَ قَرَارَهُ نِهَائِيًّا، وَتَجَاوَزَ نُقْطَةَ اللَّا عَوْدَةِ فِي مُوَاجَهَتِهِ لِلْجِهَةِ الَّتِي أَرَادَتْ إِغْلَاقَ الْمِلَفِّ.
جَلَسَتْ يَاسْمِينُ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، تُرَاجِعُ عَلَى هَاتِفِهَا صُوَرًا لِلْمِنْطَقَةِ الْتَقَطَتْهَا خَرَائِطُ الْأَقْمَارِ الِاصْطِنَاعِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يَجْلِسُ بِجِوَارِ رَامِي فِي الْمَقْعَدِ الْأَمَامِيِّ، عَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَانِ عَلَى الْأُفُقِ الَّذِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ فِيهِ خُطُوطُ الْمَبَانِي الصِّنَاعِيَّةِ الْمُتَهَالِكَةِ.
“هَلْ لَا يَزَالُ الرَّقْمُ يُرْسِلُ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، وَهُوَ يُخْرِجُ هَاتِفَهُ لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ فِي نِصْفِ سَاعَةٍ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُصُولِ رِسَالَةٍ جَدِيدَةٍ.
“لَا.” أَجَابَتْ يَاسْمِينُ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنِ الشَّاشَةِ. “رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، ثُمَّ صَمْتٌ تَامٌّ. لَوْ كَانَ الْأَمْرُ اخْتِرَاقًا لِحِسَابِ وَالِدِكَ كَمَا اقْتَرَحَ رَامِي، لَكَانَ مَنْطِقِيًّا أَنْ يُحَاوِلَ الْمُخْتَرِقُ التَّوَاصُلَ مَرَّةً أُخْرَى، أَوِ الضَّغْطَ عَلَيْكَ بِطَرِيقَةٍ مَا. رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ تَحْمِلُ إِحْدَاثِيَّاتٍ، ثُمَّ لَا شَيْءَ، هَذَا يُشْبِهُ أَكْثَرَ آلِيَّةً مُبَرْمَجَةً سَلَفًا، لَا شَخْصًا حَيًّا يَتَابِعُ رَدَّةَ فِعْلِكَ.”
هَزَّ رَامِي رَأْسَهُ مُوَافِقًا. “خِدْمَاتُ الرَّسَائِلِ الْمُجَدْوَلَةِ تَعْمَلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالضَّبْطِ: تُكْتَبُ الرِّسَالَةُ مُسْبَقًا، وَيُحَدَّدُ لَهَا تَارِيخٌ وَوَقْتٌ لِلْإِرْسَالِ، وَبَعْدَهَا لَا حَاجَةَ لِتَدَخُّلٍ بَشَرِيٍّ إِضَافِيٍّ. إِنْ كَانَ هَذَا مَا حَدَثَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ وَالِدَكَ، سَلِيمُ، بَرْمَجَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِوَقْتٍ كَافٍ، رُبَّمَا أَسَابِيعَ، لِتُرْسَلَ فِي تَارِيخٍ لَاحِقٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا سَيَحْدُثُ فِيهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَضْمَنَ وُصُولَ هَذِهِ الْإِحْدَاثِيَّاتِ إِلَيْكَ فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ.”
“لِمَاذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، أَشْبَهَ بِمَنْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُحَدِّثُ رَفِيقَيْهِ. “لِمَاذَا لَمْ تَصِلْنِي هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي يَوْمِ وَصُولِي، أَوْ فِي يَوْمِ الْجِنَازَةِ، أَوْ حِينَ اكْتَشَفْتُ الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ؟ لِمَاذَا الْآنَ، بَعْدَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ مِنَ التَّحَرِّي؟”
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْإِجَابَةَ الْمُحْتَمَلَةَ الْوَحِيدَةَ كَانَتْ تَحْمِلُ ثِقَلًا يَصْعُبُ التَّفَوُّهُ بِهِ بِسُهُولَةٍ: رُبَّمَا كَانَ عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٍ قَدْ رَبَطَ إِرْسَالَ الرِّسَالَةِ بِشَرْطٍ مَا، لَا بِتَارِيخٍ ثَابِتٍ، شَرْطٍ تَحَقَّقَ لِتَوِّهِ، رُبَّمَا حِينَ وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى مَرْحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ اسْتَحَقَّ مَعَهَا أَنْ يَعْرِفَ الْخُطْوَةَ التَّالِيَةَ. فَكْرَةٌ كَهَذِهِ كَانَتْ تَعْنِي أَنَّ ثَمَّةَ نِظَامًا مُعَقَّدًا وَضَعَهُ الْأَبُ، نِظَامًا يُرَاقِبُ تَقَدُّمَ ابْنِهِ مِنْ مَكَانٍ مَا، حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ.
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى هَذَا الْمَشْهَدِ الصِّنَاعِيِّ الْمُتَهَالِكِ، أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ فِي طُفُولَتِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنَاطِقِ مَعَ وَالِدِهِ فِي رِحْلَاتٍ عَابِرَةٍ لَمْ يَفْهَمْ يَوْمَهَا الْغَرَضَ مِنْهَا، رِحْلَاتٍ كَانَ عَبْدُ الْكَرِيمُ يُسَمِّيهَا “جَوْلَاتِ تَفَقُّدِ الْأَمْلَاكِ”، دُونَ أَنْ يُوَضِّحَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَيَّةَ أَمْلَاكٍ بِالضَّبْطِ كَانَ يَتَفَقَّدُهَا. كَانَ سَلِيمٌ، فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، يَشْعُرُ فَقَطْ بِالْمَلَلِ أَمَامَ هَذِهِ الْمَبَانِي الصَّدِئَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ فِيهَا شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الِاهْتِمَامَ، لَكِنَّهُ الْآنَ، وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَحْمِلُ رُبَّمَا مِفْتَاحَ سِرِّ حَيَاةِ أَبِيهِ كُلِّهَا، شَعَرَ بِأَنَّ تِلْكَ الرِّحْلَاتِ الْقَدِيمَةَ لَمْ تَكُنْ عَبَثِيَّةً كَمَا ظَنَّ يَوْمَهَا، بَلْ كَانَتْ رُبَّمَا جُزْءًا مِنْ رُوتِينٍ سِرِّيٍّ كَانَ وَالِدُهُ يُمَارِسُهُ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، مُتَنَقِّلًا بَيْنَ مَخَابِئَ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يَكُنِ ابْنُهُ يَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا.
اقْتَرَبَتِ السَّيَّارَةُ مِنْ بَوَّابَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ صَدِئَةٍ نِصْفِ مَفْتُوحَةٍ، مُعَلَّقَةٌ عَلَى مِفْصَلٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، تُصْدِرُ صَرِيرًا خَافِتًا كُلَّمَا حَرَّكَتْهَا رِيحُ الصَّبَاحِ الْخَفِيفَةُ. أَوْقَفَ رَامِي السَّيَّارَةَ عَلَى بُعْدِ مِئَةِ مِتْرٍ تَقْرِيبًا مِنَ الْبَوَّابَةِ، فِي مَكَانٍ مَحْجُوبٍ جُزْئِيًّا خَلْفَ أَكْوَامٍ مِنَ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ الْمُلْقَى عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ.
“سَنَتْرُكُ السَّيَّارَةَ هُنَا، وَنُكْمِلُ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ.” قَالَ رَامِي وَهُوَ يُطْفِئُ الْمُحَرِّكَ. “لَا أُرِيدُ أَنْ يُعْلِنَ صَوْتُ الْمُحَرِّكِ عَنْ وُصُولِنَا قَبْلَ أَنْ نَرَى مَا يَنْتَظِرُنَا بِأَعْيُنِنَا.”
خَرَجُوا مِنَ السَّيَّارَةِ بِحَذَرٍ، وَسَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ يُقَطِّعُهُ فَقَطْ صَوْتُ الرِّيحِ وَهِيَ تَمُرُّ عَبْرَ الْهَيَاكِلِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْمُهْمَلَةِ، مُصْدِرَةً أَنِينًا مَعْدِنِيًّا مُنْخَفِضًا أَشْبَهَ بِتَنَفُّسِ عِمْلَاقٍ نَائِمٍ. تَفَحَّصَ رَامِي الْمَكَانَ بِعَيْنَيْنِ مُدَرَّبَتَيْنِ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ إِلَى وُجُودِ حَرَاسَةٍ أَوْ مُرَاقَبَةٍ، ثُمَّ أَشَارَ لَهُمَا بِأَنْ يَتْبَعَاهُ بِصَمْتٍ.
عَبَرُوا الْبَوَّابَةَ الصَّدِئَةَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، لِيَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَاحَةٍ وَاسِعَةٍ مُحَاطَةٍ بِعِدَّةِ مَبَانٍ صِنَاعِيَّةٍ مُتَهَالِكَةٍ، أَكْبَرُهَا مُسْتَوْدَعٌ طَوِيلٌ ذُو سَقْفٍ مَعْدِنِيٍّ مُقَوَّسٍ، تُغَطِّي نَوَافِذَهُ الْعُلْيَا طَبَقَاتٌ سَمِيكَةٌ مِنَ الْغُبَارِ وَالصَّدَأِ حَتَّى بَدَتْ عَمْيَاءَ. كَانَتِ الْإِحْدَاثِيَّاتُ الَّتِي أَرْسَلَتْهَا الرِّسَالَةُ تُشِيرُ بِدِقَّةٍ إِلَى هَذَا الْمُسْتَوْدَعِ بِالتَّحْدِيدِ، لَا أَيَّ مَبْنًى آخَرَ فِي الْمُجَمَّعِ.
“هُنَا.” هَمَسَتْ يَاسْمِينُ وَهِيَ تُقَارِنُ هَاتِفَهَا بِالْمَكَانِ الَّذِي وَقَفُوا عِنْدَهُ. “الْإِحْدَاثِيَّاتُ تُشِيرُ إِلَى الْبَابِ الْجَانِبِيِّ عَلَى الْيَمِينِ بِالضَّبْطِ.”
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَيَاسْمِينُ نَظْرَةً صَامِتَةً، مَلِيئَةً بِخَلِيطٍ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالْخَوْفِ الَّذِي حَاوَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِخْفَاءَهُ عَنِ الْآخَرِ دُونَ نَجَاحٍ كَبِيرٍ. تَقَدَّمُوا نَحْوَ الْبَابِ الْجَانِبِيِّ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، بَابٌ مَعْدِنِيٌّ صَغِيرٌ نِسْبِيًّا بِجَانِبِ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ الْكَبِيرَةِ الْمُقْفَلَةِ بِسِلْسِلَةٍ ثَقِيلَةٍ وَقُفْلٍ صَدِئٍ يَبْدُو أَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. لَكِنَّ الْبَابَ الْجَانِبِيَّ، عَلَى عَكْسِ مَا كَانَ سَلِيمٌ يَتَوَقَّعُ، كَانَ قُفْلُهُ حَدِيثًا نِسْبِيًّا، مُعَلَّقًا بِأَقْفَالٍ لَامِعَةٍ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ حَالَةِ الصَّدَأِ الْعَامَّةِ لِبَقِيَّةِ الْمَبْنَى، وَكَأَنَّ أَحَدًا مَا اسْتَبْدَلَهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ.
مَدَّ رَامِي يَدَهُ لِيَتَحَسَّسَ حَوَافَّ الْبَابِ الْمَعْدِنِيِّ بِحَذَرِ رَجُلِ أَمْنٍ مُتَمَرِّسٍ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ أَسْلَاكٍ أَوْ أَجْهِزَةٍ خَفِيَّةٍ قَدْ تَكُونُ مَنْصُوبَةً لِلْإِنْذَارِ أَوْ حَتَّى لِشَيْءٍ أَخْطَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَيَتَرَاجَعَ خُطْوَةً. “هَذَا الْقُفْلُ جَدِيدٌ.” قَالَ رَامِي وَهُوَ يَتَفَحَّصُهُ عَنْ قُرْبٍ، دُونَ أَنْ يَلْمِسَهُ مُبَاشَرَةً. “لَيْسَ قَدِيمًا كَمَا يُوحِي بَاقِي الْمَكَانِ. شَخْصٌ مَا كَانَ يَأْتِي إِلَى هُنَا، وَبِانْتِظَامٍ رُبَّمَا، خِلَالَ الْأَشْهُرِ أَوِ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ.”
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ إِلَى جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ، حَيْثُ كَانَ يَحْتَفِظُ بِالْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ الَّذِي وَجَدَهُ فِي الْغُرْفَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، ذَلِكَ الَّذِي فَتَحَ لَهُ بَابَ الصَّنَادِيقِ السِّرِّيَّةِ. أَخْرَجَهُ، وَجَرَّبَهُ فِي الْقُفْلِ الْجَدِيدِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُلَائِمْهُ.
“لَيْسَ هَذَا الْمِفْتَاحَ.” قَالَ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ خَفِيفَةٍ. “لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ مِفْتَاحًا آخَرَ فِي مَكَانٍ مَا.”
بَدَأَتْ يَاسْمِينُ تَفْحَصُ مُحِيطَ الْبَابِ بِعِنَايَةٍ، تَبْحَثُ عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ خَفِيَّةٍ، أَيِّ عَلَامَةٍ صَغِيرَةٍ رُبَّمَا تَرَكَهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ عَمْدًا لِمَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُ. وَفَجْأَةً، لَاحَظَتْ شَيْئًا: حَجَرًا صَغِيرًا مُلَوَّنًا، أَحْمَرَ اللَّوْنِ، مُثَبَّتًا بِإِحْكَامٍ فِي شَقٍّ ضَيِّقٍ بَيْنَ لَبِنَتَيْنِ فِي الْجِدَارِ الْمُجَاوِرِ لِلْبَابِ، عَلَى ارْتِفَاعٍ لَا يَتَجَاوَزُ رُكْبَةَ طِفْلٍ.
“سَلِيمُ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْحَذَرُ بِالدَّهْشَةِ. “أَلَيْسَ هَذَا حَجَرًا مُلَوَّنًا؟ أَلَمْ تَقُلْ لِي إِنَّ لُعْبَتَكُمَا، أَنْتَ وَوَالِدُكَ، كَانَتْ تَعْتَمِدُ عَلَى إِخْفَاءِ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ مِثْلَ الْأَحْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ؟”
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ، وَانْحَنَى لِيَتَفَحَّصَ الْحَجَرَ، وَشَعَرَ بِقَشْعَرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. كَانَ ذَلِكَ الْحَجَرُ بِالضَّبْطِ نَوْعَ الْحِجَارَةِ الَّتِي كَانَ وَالِدُهُ يَخْتَارُهَا فِي طُفُولَتِهِ لِلُعْبَةِ “الْكَنْزِ الْمَفْقُودِ”، حِجَارَةٌ نَهْرِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مُلَسَاءُ، يَجْمَعُهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ مِنْ ضِفَافِ النَّهْرِ فِي رِحْلَاتِهِمَا الصَّيْفِيَّةِ. سَحَبَ الْحَجَرَ بِحَذَرٍ، وَاكْتَشَفَ خَلْفَهُ فَجْوَةً صَغِيرَةً فِي الْجِدَارِ، بِالْكَادِ تَتَّسِعُ لِإِصْبَعَيْنِ، وَبِدَاخِلِهَا مِفْتَاحٌ صَغِيرٌ لَامِعٌ، حَدِيثُ الصُّنْعِ، مُلَفٌّ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ رَقِيقَةٍ لِحِمَايَتِهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ.
“وَجَدْتُهُ.” هَمَسَ سَلِيمٌ، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا وَهُوَ يُخْرِجُ الْمِفْتَاحَ مِنَ الْقُمَاشِ. “أَبِي كَانَ هُنَا فِعْلًا. كَانَ يَتْرُكُ لِي دَلِيلًا آخَرَ، تَمَامًا كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ فِي طُفُولَتِي.”
جَرَّبَ الْمِفْتَاحَ فِي الْقُفْلِ، وَبَعْدَ لَحْظَةِ تَرَدُّدٍ، دَارَ بِسَلَاسَةٍ، وَانْفَتَحَ الْبَابُ بِصَرِيرٍ خَفِيفٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُفْتَحُ وَيُغْلَقُ بِانْتِظَامٍ حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ.
اسْتَقْبَلَهُمْ دَاخِلُ الْمُسْتَوْدَعِ ظَلَامٌ نِصْفِيٌّ، تَخْتَرِقُهُ خُيُوطٌ رَقِيقَةٌ مِنْ ضَوْءِ الصَّبَاحِ الْمُتَسَلِّلَةِ عَبْرَ فَتَحَاتِ السَّقْفِ الْعُلْيَا، مُحَمَّلَةً بِذَرَّاتِ غُبَارٍ رَاقِصَةٍ. كَانَتِ الرَّائِحَةُ خَلِيطًا غَرِيبًا مِنَ الرُّطُوبَةِ الْقَدِيمَةِ وَرَائِحَةِ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ، لَكِنْ تَحْتَ ذَلِكَ، كَانَتْ ثَمَّةَ رَائِحَةٌ أُخْرَى أَحْدَثَ عَهْدًا: رَائِحَةُ وَرَقٍ، وَرَائِحَةُ زَيْتٍ يُسْتَخْدَمُ لِتَشْحِيمِ الْمَعَادِنِ.
أَشْعَلَ رَامِي مِصْبَاحًا يَدَوِيًّا قَوِيًّا كَانَ يَحْمِلُهُ فِي حَقِيبَتِهِ، وَبَدَأَ يُمَشِّطُ الْمَكَانَ بِضَوْئِهِ بِحَرَكَاتٍ بَطِيئَةٍ وَمُنَظَّمَةٍ، مِنَ الْيَمِينِ إِلَى الْيَسَارِ، ثُمَّ نَحْوَ الْأَعْلَى، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمَ فِي دَوْرَاتِ التَّدْرِيبِ الْأَمْنِيِّ الَّتِي خَاضَهَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَذَرًا مِنْ أَيِّ حَرَكَةٍ مُفَاجِئَةٍ قَدْ تُبَاغِتُهُمْ مِنَ الظَّلَامِ. كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ يَبْدُو فَارِغًا مِنَ الْخَارِجِ، لَكِنَّ دَاخِلَهُ حَمَلَ مُفَاجَأَةً: فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ، حَيْثُ لَا يَصِلُ ضَوْءُ الصَّبَاحِ إِلَّا خَافِتًا، كَانَتْ ثَمَّةَ غُرْفَةٌ صَغِيرَةٌ مُقَامَةٌ مِنْ أَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ وَمَعْدِنِيَّةٍ، أَشْبَهَ بِمَكْتَبٍ مُؤَقَّتٍ أُقِيمَ دَاخِلَ الْمُسْتَوْدَعِ الْكَبِيرِ، بِبَابٍ صَغِيرٍ وَنَافِذَةٍ وَاحِدَةٍ مُغَطَّاةٍ بِسِتَارَةٍ سَمِيكَةٍ.
تَقَدَّمُوا نَحْوَ هَذِهِ الْغُرْفَةِ الدَّاخِلِيَّةِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَشَارَ رَامِي لَهُمَا بِأَنْ يَقِفَا خَلْفَهُ بَيْنَمَا يَتَقَدَّمُ هُوَ أَوَّلًا، يَدُهُ عَلَى مِقْبَضِ مُسَدَّسِهِ تَحْتَ سُتْرَتِهِ، جَاهِزًا لِأَيِّ طَارِئٍ. دَفَعَ بَابَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةَ بِرِفْقٍ، وَتَوَقَّفَ فِي عَتَبَتِهَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَنَارَ الدَّاخِلَ بِمِصْبَاحِهِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ. سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ لِبُرْهَةٍ، وَتَنَفَّسَ الثَّلَاثَةُ بِارْتِيَاحٍ ظَاهِرِيٍّ، وَإِنْ ظَلَّتْ حَوَاسُّهُمْ مُتَوَتِّرَةً، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْغِيَابَ الظَّاهِرِيَّ لِلْخَطَرِ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمْ فِي مَأْمَنٍ حَقِيقِيٍّ.
لَكِنَّ مَا رَأَوْهُ دَاخِلَ تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ جَعَلَ الثَّلَاثَةَ يَتَوَقَّفُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ، عَاجِزِينَ عَنِ النُّطْقِ لِلَحْظَاتٍ.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ مُنَظَّمَةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ الْمَكَانِ الْمُهْمَلِ الْمُحِيطِ بِهَا: طَاوِلَةٌ خَشَبِيَّةٌ بَسِيطَةٌ فِي الْوَسَطِ، وَعَلَيْهَا صَفٌّ مُرَتَّبٌ مِنَ الصَّنَادِيقِ الْمُقَوَّاةِ، كُلُّ صُنْدُوقٍ مُوَسَّمٌ بِرَقْمٍ وَتَارِيخٍ بِخَطِّ يَدٍ مَعْرُوفٍ جَيِّدًا لِسَلِيمٍ: خَطُّ يَدِ وَالِدِهِ. عَلَى الْجِدَارِ الْخَلْفِيِّ، كَانَتْ ثَمَّةَ خَرِيطَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْحَيِّ الْقَدِيمِ، حَيِّ الْيَاسَمِينِ، مُعَلَّقَةٌ بِدَبَابِيسَ، مَرْسُومٌ عَلَيْهَا خُطُوطٌ وَدَوَائِرُ حَمْرَاءُ وَزَرْقَاءُ، تُشِيرُ إِلَى مَوَاقِعَ مُخْتَلِفَةٍ، وَبَعْضُهَا مَرْبُوطٌ بِخُيُوطٍ صَغِيرَةٍ إِلَى صُوَرٍ فُوتُوغْرَافِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لِأَشْخَاصٍ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِمْ سَلِيمٌ.
فِي الرُّكْنِ، كَانَتْ ثَمَّةَ خِزَانَةٌ حَدِيدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مُقْفَلَةٌ، وَبِجَانِبِهَا كُرْسِيٌّ وَحِيدٌ، وَعَلَى الطَّاوِلَةِ، بِجِوَارِ الصَّنَادِيقِ مُبَاشَرَةً، كَانَ ثَمَّةَ ظَرْفٌ أَبْيَضُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِخَطِّ يَدٍ وَاضِحٍ: “لِمَنْ يَصِلُ إِلَى هُنَا.”
“يَا إِلَهِي.” هَمَسَتْ يَاسْمِينُ، وَهِيَ تَتَقَدَّمُ بِبُطْءٍ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ، مُتَجَاوِزَةً حَذَرَهَا الْمُعْتَادَ تَحْتَ وَطْأَةِ الدَّهْشَةِ. “سَلِيمُ، هَذَا… هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مَخْبَإٍ. هَذَا مَكْتَبُ عَمَلٍ حَقِيقِيٌّ. أَبُوكَ كَانَ يَأْتِي إِلَى هُنَا بِانْتِظَامٍ، رُبَّمَا لِسَنَوَاتٍ، لِيَبْنِيَ كُلَّ هَذَا.”
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ مِنَ الطَّاوِلَةِ بِخُطُوَاتٍ مُتَرَدِّدَةٍ، وَمَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الظَّرْفِ الْأَبْيَضِ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، كَأَنَّهُ يَخَافُ مِمَّا سَيَجِدُهُ بِدَاخِلِهِ.
“هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟” سَأَلَتْهُ يَاسْمِينُ بِلُطْفٍ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ لِلَحْظَةٍ.
“لَا أَعْرِفُ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. “كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ خُطْوَةً مِنَ الْحَقِيقَةِ، أَكْتَشِفُ أَنَّ أَبِي كَانَ إِنْسَانًا لَمْ أَعْرِفْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. رَجُلٌ يَبْنِي مَكَاتِبَ سِرِّيَّةً، وَيَتْرُكُ أَحْجَارًا مُلَوَّنَةً كَدَلَائِلَ، وَيَحْتَفِظُ بِخَرَائِطَ وَصُوَرٍ لِأَشْخَاصٍ لَا أَعْرِفُهُمْ. كَانَ يَعِيشُ حَيَاةً كَامِلَةً بِمُوَازَاةِ حَيَاتِهِ الَّتِي عَرَفْتُهَا، وَأَنَا لَمْ أَلْحَظْ شَيْئًا.”
“لَمْ يَكُنْ لِيَسْمَحَ لَكَ بِأَنْ تُلَاحِظَ.” قَالَ رَامِي مِنْ خَلْفِهِمَا، وَهُوَ لَا يَزَالُ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ، عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الْخَرِيطَةِ عَلَى الْجِدَارِ وَالصَّنَادِيقِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ. “رَجُلٌ يَبْنِي شَيْئًا بِهَذَا الْحَجْمِ مِنَ السِّرِّيَّةِ، وَيَحْمِيهِ لِسَنَوَاتٍ، لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَبَثًا. كَانَ يَحْمِي شَيْئًا، أَوْ يَحْمِي أَشْخَاصًا، أَوْ رُبَّمَا كِلَيْهِمَا مَعًا. وَجُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْحِمَايَةِ كَانَ إِبْقَاءَكَ أَنْتَ وَأُخْتَكَ خَارِجَ دَائِرَةِ الْخَطَرِ، بَعِيدَيْنِ عَنْ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ قَدْ يُعَرِّضُكُمَا لِلْأَذَى.”
فَتَحَ سَلِيمٌ الظَّرْفَ أَخِيرًا بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ وَرَقَةً وَاحِدَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، مَكْتُوبَةً بِخَطِّ يَدِ وَالِدِهِ الْمَعْرُوفِ، لَكِنَّهُ خَطٌّ أَكْثَرُ ارْتِجَافًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَأَنَّهُ كُتِبَ فِي لَحْظَةِ إِرْهَاقٍ أَوْ خَوْفٍ شَدِيدَيْنِ.
قَرَأَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَصَوْتُهُ يَتَقَطَّعُ مَعَ كُلِّ سَطْرٍ:
“يَا وَلَدِي، إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُبَرْمَجَةَ قَدْ وَصَلَتْكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ، وَأَنَّكَ قَطَعْتَ شَوْطًا كَافِيًا فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ لِتَسْتَحِقَّ أَنْ تَعْرِفَ مَا هُوَ أَبْعَدُ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَتَى بِالضَّبْطِ سَتَصِلُ إِلَى هُنَا، لَكِنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَصِلُ، لِأَنَّكَ ابْنِي، وَلِأَنَّ فِي دَمِكَ نَفْسَ الْعِنَادِ الَّذِي جَعَلَنِي أُقَاوِمُ كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
لَقَدْ خَشِيتُ، فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِي، أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَعُدْ فِي صَالِحِي. لَاحَظْتُ أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ طَبِيعِيَّةً: سَيَّارَاتٌ تَقِفُ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ أَمَامَ الْبَيْتِ، مُكَالَمَاتٌ هَاتِفِيَّةٌ صَامِتَةٌ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَأَخِيرًا، مُحَادَثَةٌ عَرَضِيَّةٌ سَمِعْتُهَا صُدْفَةً بَيْنَ كَمَالٍ وَشَخْصٍ آخَرَ لَمْ أَتَعَرَّفْ عَلَى صَوْتِهِ، تَتَحَدَّثُ عَنْ ‘ضَرُورَةِ إِغْلَاقِ الْمِلَفِّ نِهَائِيًّا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.’ فَهِمْتُ حِينَهَا أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ الِانْتِظَارَ، وَبَدَأْتُ أُجَهِّزُ هَذَا الْمَكَانَ كَخُطَّةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ أَخِيرَةٍ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، يُحَاوِلُ السَّيْطَرَةَ عَلَى ارْتِجَافِ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
“فِي الصُّنْدُوقِ رَقْمِ وَاحِدٍ، سَتَجِدُ نُسَخًا مُصَوَّرَةً مِنْ كُلِّ الْوَثَائِقِ الَّتِي جَمَعْتُهَا عَلَى مَدَى ثَلَاثِينَ عَامًا، مِنْ سِجِلَّاتِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ إِلَى الْمُرَاسَلَاتِ الَّتِي تُثْبِتُ تَوَاطُؤَ أَطْرَافٍ عَدِيدَةٍ فِي عَمَلِيَّةِ تَهْجِيرِ عَائِلَةِ الْحُورَانِيِّ عَنْ أَرْضِهَا قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا. فِي الصُّنْدُوقِ رَقْمِ اثْنَيْنِ، سَتَجِدُ تَسْجِيلَاتٍ صَوْتِيَّةً لِمُحَادَثَاتٍ سَجَّلْتُهَا سِرًّا خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، بَعْضُهَا مَعَ كَمَالٍ نَفْسِهِ، وَبَعْضُهَا مَعَ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ لَنْ أُسَمِّيَهُمْ هُنَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي أَيْدٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا.”
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ عَنِ الْوَرَقَةِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى الصَّنَادِيقِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِنَظْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا الْآنَ، نَظْرَةٍ تَحْمِلُ خَلِيطًا مِنَ الرَّهْبَةِ وَالْفَخْرِ وَالْأَلَمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ أَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ:
“أَمَّا الصُّنْدُوقُ الثَّالِثُ، فَهُوَ الْأَخْطَرُ، وَأَرْجُو أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ مُحْتَوَاهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَلَّا تَفْتَحَهُ إِلَّا حِينَ تَكُونُ فِي مَكَانٍ آمِنٍ تَمَامًا، مَعَ أَشْخَاصٍ تَثِقُ بِهِمْ ثِقَةً كَامِلَةً. فِيهِ وَثَائِقُ تَخُصُّ عَائِلَتَنَا نَحْنُ، لَا عَائِلَةَ الْحُورَانِيِّ فَقَطْ، وَثَائِقُ سَتُغَيِّرُ فَهْمَكَ لِتَارِيخِ جَدِّكَ، وَلِلطَّرِيقَةِ الَّتِي انْتَقَلَتْ بِهَا مِلْكِيَّةُ بَعْضِ الْأَرَاضِي فِي الْحَيِّ إِلَى عَائِلَتِنَا. لَسْتُ فَخُورًا بِكُلِّ مَا سَتَجِدُهُ فِيهِ، لَكِنِّي أُؤْمِنُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ مُؤْلِمَةً، أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي عِشْتُ فِيهِ أَنَا طَوَالَ حَيَاتِي.”
اضْطَرَبَتْ يَدُ سَلِيمٍ فَجْأَةً، وَكَادَتِ الْوَرَقَةُ تَسْقُطُ مِنْهَا. نَظَرَتْ إِلَيْهِ يَاسْمِينُ بِقَلَقٍ، لَكِنَّهُ أَشَارَ لَهَا بِرَأْسِهِ أَنَّهُ بِخَيْرٍ، وَأَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَمَنْ يُحَاوِلُ حِمَايَةَ نَفْسِهِ عَاطِفِيًّا مِمَّا هُوَ آتٍ:
“أَخِيرًا، يَا سَلِيمُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّنِي لَمْ أَتَخَلَّ عَنْكَ يَوْمًا، وَإِنْ بَدَا لَكَ ذَلِكَ خِلَالَ سَنَوَاتِ صَمْتِنَا الطَّوِيلَةِ. كُلُّ يَوْمٍ فِيهِ لَمْ أَتَّصِلْ بِكَ، كَانَ يَوْمًا أَحْمِيكَ فِيهِ مِنْ بُعْدٍ، أُبْقِيكَ خَارِجَ هَذِهِ الْحَرْبِ الصَّامِتَةِ الَّتِي خُضْتُهَا وَحْدِي. رُبَّمَا كَانَ هَذَا خَطَأً كَبِيرًا مِنِّي، رُبَّمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُشْرِكَكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَكِنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ تَعِيشَ حَيَاةً طَبِيعِيَّةً، بَعِيدًا عَنْ ظِلِّ مَاضٍ لَمْ يَكُنْ ذَنْبَكَ أَنْتَ.
إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْآنَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ مَوْجُودًا لِأَحْمِيَكَ بِنَفْسِي، وَأَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ انْتَقَلَتْ إِلَيْكَ، سَوَاءً أَرَدْتَ ذَلِكَ أَمْ لَا. لَكِنِّي أَعِدُكَ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: لَسْتَ وَحْدَكَ فِي هَذَا. سَتَجِدُ فِي الصُّنْدُوقِ رَقْمِ اثْنَيْنِ اسْمَ شَخْصٍ يُمْكِنُكَ أَنْ تَثِقَ بِهِ ثِقَةً كَامِلَةً، شَخْصٌ سَاعَدَنِي كَثِيرًا فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أُرِيدُ ذِكْرَ اسْمِهِ فِي رِسَالَةٍ مَكْتُوبَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِي أَيَّةِ يَدٍ.
كُنْ حَذِرًا يَا وَلَدِي. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ بِسُرْعَةٍ، حَتَّى وَلَوْ بَدَا صَدِيقًا. وَاعْلَمْ أَنَّنِي، مَهْمَا حَدَثَ، كُنْتُ أَفْتَخِرُ بِكَ دَائِمًا، حَتَّى فِي صَمْتِي، حَتَّى فِي غِيَابِي.
وَالِدُكَ، عَبْدُ الْكَرِيمُ.”
انْتَهَى سَلِيمٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَسَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ، لَا يُقَطِّعُهُ إِلَّا صَوْتُ أَنْفَاسِهِمُ الثَّلَاثَةِ وَصَرِيرٌ خَفِيفٌ لِلرِّيحِ خَارِجَ الْمُسْتَوْدَعِ. طَوَى سَلِيمٌ الْوَرَقَةَ بِعِنَايَةٍ، وَمَسَحَ دَمْعَةً وَاحِدَةً سَقَطَتْ عَلَى خَدِّهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهَا حَتَّى انْزَلَقَتْ.
“أَنَا آسِفَةٌ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى ذِرَاعِهِ بِلُطْفٍ.
“لَا تَأْسَفِي.” أَجَابَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَتَنَفَّسُ بِعُمْقٍ لِيُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِهِ. “لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عُدْتُ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي أَعْرِفُ أَبِي أَكْثَرَ مِمَّا عَرَفْتُهُ طَوَالَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ بَيْنَنَا. رَجُلٌ كَانَ يُحَارِبُ وَحْدَهُ، وَيَحْمِينِي مِنْ بُعْدٍ، وَلَمْ يَقُلْ لِي كَلِمَةً وَاحِدَةً عَنْ كُلِّ هَذَا.”
وَقَفَتْ يَاسْمِينُ صَامِتَةً لِلَحْظَةٍ، تُرَاقِبُ سَلِيمًا وَهُوَ يَتَمَالَكُ نَفْسَهُ بِبُطْءٍ، وَشَعَرَتْ فِي دَاخِلِهَا بِشَيْءٍ لَمْ تَعْتَدْ عَلَى الشُّعُورِ بِهِ فِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ الْمُعْتَادِ: رَغْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي حِمَايَةِ هَذَا الرَّجُلِ، لَا لِمُجَرَّدِ إِتْمَامِ قِصَّةٍ صَحَفِيَّةٍ سَتُثِيرُ ضَجَّةً كَبِيرَةً حِينَ تُنْشَرُ يَوْمًا مَا، بَلْ لِأَنَّهَا بَدَأَتْ تَرَى فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَصْدَرٍ أَوْ شَرِيكٍ فِي مُغَامَرَةٍ خَطِرَةٍ. كَانَتْ تُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الشُّعُورَ قَدْ يَكُونُ خَطَأً مِهَنِيًّا فَادِحًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى إِنْكَارِهِ بَعْدَ الْآنَ، لَا وَهِيَ تُشَاهِدُهُ يُعِيدُ اكْتِشَافَ صُورَةِ وَالِدِهِ قِطْعَةً قِطْعَةً أَمَامَ عَيْنَيْهَا.
اقْتَرَبَ رَامِي مِنَ الطَّاوِلَةِ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنِ اسْتَنْفَدَ فَحْصَهُ الْأَمْنِيَّ لِلْغُرْفَةِ وَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ أَيِّ خَطَرٍ مُبَاشِرٍ. نَظَرَ إِلَى الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ بِتَقْدِيرٍ مِهَنِيٍّ وَاضِحٍ.
وَقَفَ لِلَحْظَةٍ يَتَأَمَّلُ الْخَرِيطَةَ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى الْجِدَارِ، بِخُطُوطِهَا الْحَمْرَاءِ وَالزَّرْقَاءِ وَصُوَرِهَا الْمَرْبُوطَةِ بِخُيُوطٍ رَفِيعَةٍ، وَشَعَرَ بِإِعْجَابٍ مِهَنِيٍّ صَامِتٍ بِمَا أَنْجَزَهُ عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٍ وَحْدَهُ، بِلَا دَعْمٍ رَسْمِيٍّ، بِلَا فَرِيقِ عَمَلٍ، فَقَطْ بِإِصْرَارِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى أَلَّا تُطْمَسَ حَقِيقَةٌ يَعْرِفُهَا. “يَجِبُ أَنْ نَنْقُلَ هَذِهِ الصَّنَادِيقَ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ فَوْرًا.” قَالَ بِحَزْمٍ. “لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْرُكَهَا هُنَا، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَحَقَّقَ مِنْ مُحْتَوَاهَا كَامِلًا فِي هَذَا الْمَكَانِ. مَنْ يَعْلَمُ مَتَى قَدْ يَعُودُ مَنْ كَانَ يَسْتَخْدِمُ هَذَا الْمَكَانَ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِكَ، إِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ أَصْلًا.”
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ مُوَافِقًا، وَإِنْ كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ يَرْفُضُ فِكْرَةَ الرَّحِيلِ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي شَعَرَ فِيهِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، بِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى فَهْمِ وَالِدِهِ حَقًّا، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَتْرُكَا الظَّرْفَ الْأَبْيَضَ الْفَارِغَ الْآنَ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ رِسَالَةَ وَالِدِهِ الْأَخِيرَةَ. ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ الصُّنْدُوقِ الثَّالِثِ، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُ وَالِدُهُ بِأَنَّهُ “الْأَخْطَرُ”، وَتَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ نَحْوَهُ.
“لَا.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِسُرْعَةٍ، مُمْسِكَةً بِذِرَاعِهِ بِلُطْفٍ لَكِنْ بِحَزْمٍ. “لَا تَفْتَحْهُ الْآنَ. وَالِدُكَ حَذَّرَكَ بِوُضُوحٍ أَلَّا تَفْتَحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ آمِنٍ. دَعْنَا نَنْقُلَ الصَّنَادِيقَ الثَّلَاثَةَ أَوَّلًا، وَنَفْتَحُهَا بِتَرْتِيبٍ فِي مَكَانٍ آمِنٍ حَقًّا.”
وَافَقَ سَلِيمٌ بِتَرَدُّدٍ، وَبَدَأَ الثَّلَاثَةُ فِي تَحْضِيرِ الصَّنَادِيقِ لِنَقْلِهَا، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ لِئَلَّا يُتْلِفُوا أَيًّا مِنْ مُحْتَوَيَاتِهَا الثَّمِينَةِ. بَيْنَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بِصَمْتٍ، لَاحَظَ سَلِيمٌ شَيْئًا فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ: خِزَانَةٌ خَشَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، شِبْهُ مَخْفِيَّةٍ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ، بِبَابٍ نِصْفِ مَفْتُوحٍ.
اقْتَرَبَ مِنْهَا بِفُضُولٍ، وَفَتَحَهَا بِالْكَامِلِ، لِيَجِدَ بِدَاخِلِهَا جِهَازَ تَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ قَدِيمًا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُ الْأَشْرِطَةَ الْمُصْغَرَةَ، مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي كَانَتْ شَائِعَةً قَبْلَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ، لَكِنَّهُ يَبْدُو مَحْفُوظًا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، خَالِيًا مِنَ الْغُبَارِ الَّذِي يُغَطِّي كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ فِي الْمُسْتَوْدَعِ.
“يَاسْمِينُ.” نَادَاهَا سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ. “انْظُرِي إِلَى هَذَا.”
اقْتَرَبَتْ يَاسْمِينُ وَرَامِي مَعًا، وَحَدَّقَا فِي الْجِهَازِ الصَّغِيرِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ مُلْصَقًا صَغِيرًا، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِخَطِّ يَدِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ نَفْسِهِ: “اسْتَمِعْ إِلَيْهِ فَقَطْ حِينَ تَكُونُ جَاهِزًا حَقًّا.”
“جَاهِزًا لِمَاذَا بِالضَّبْطِ؟” هَمَسَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَحْمِلُ الْجِهَازَ بِكِلْتَا يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ شَيْئًا مُقَدَّسًا.
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ، دُونَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ بِصَوْتٍ عَالٍ، أَنَّ هَذَا الْجِهَازَ الصَّغِيرَ رُبَّمَا كَانَ يَحْمِلُ آخِرَ كَلِمَاتٍ سَجَّلَهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٍ بِصَوْتِهِ الْحَقِيقِيِّ، رُبَّمَا قَبْلَ سَاعَاتٍ أَوْ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ مِنْ مَوْتِهِ.
“يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَهُ مَعَنَا.” قَالَ رَامِي بِهُدُوءٍ. “لَكِنْ لَيْسَ هُنَا. لَيْسَ الْآنَ. أُرِيدُ أَنْ أَتَأَكَّدَ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمِنْطِقَةَ آمِنَةٌ تَمَامًا قَبْلَ أَنْ نَغْرَقَ فِي مُحْتَوًى يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتِنَا وَتَرْكِيزِنَا الْكَامِلَيْنِ.”
وَبَيْنَمَا كَانُوا يُنْهُونَ تَحْضِيرَ الصَّنَادِيقِ وَجِهَازِ التَّسْجِيلِ لِلنَّقْلِ، سَمِعَ رَامِي فَجْأَةً صَوْتَ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الْمَجْمَعِ الصِّنَاعِيِّ مِنَ الْخَارِجِ. تَجَمَّدَ الثَّلَاثَةُ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَأَشَارَ رَامِي بِإِصْبَعِهِ إِلَى فَمِهِ طَالِبًا الصَّمْتَ، ثُمَّ تَسَلَّلَ بِحَذَرٍ نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمُغَطَّاةِ بِالسِّتَارَةِ، وَفَتَحَ زَاوِيَةً صَغِيرَةً مِنْهَا لِيُطِلَّ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ عَلَى السَّاحَةِ الْخَارِجِيَّةِ.
مِنْ خَلْفِ الْبَوَّابَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ الَّتِي دَخَلُوا مِنْهَا قَبْلَ دَقَائِقَ، كَانَتْ سَيَّارَةٌ سَوْدَاءُ فَخْمَةٌ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَتَوَقَّفَتْ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ الرَّئِيسِيِّ، وَبَدَأَ رَجُلَانِ يَخْرُجَانِ مِنْهَا، يَرْتَدِيَانِ ثِيَابًا رَسْمِيَّةً دَاكِنَةً، وَيَتَحَرَّكَانِ بِطَرِيقَةٍ مُنَظَّمَةٍ تُوحِي بِتَدْرِيبٍ مُسْبَقٍ لَا يَتَنَاسَبُ إِطْلَاقًا مَعَ صُورَةِ زَائِرَيْنِ عَابِرَيْنِ لِمَكَانٍ مَهْجُورٍ. كَانَ أَحَدُهُمَا طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْنِ، يَحْمِلُ فِي يَدِهِ جِهَازًا صَغِيرًا يُشْبِهُ جِهَازَ اتِّصَالٍ لَاسِلْكِيٍّ، بَيْنَمَا كَانَ الْآخَرُ أَقْصَرَ قَامَةً لَكِنَّهُ أَسْرَعُ حَرَكَةً، يَتَفَحَّصُ مُحِيطَ السَّاحَةِ بِعَيْنَيْنِ يَقِظَتَيْنِ، تَمَامًا كَمَا يَفْعَلُ حُرَّاسُ الْأَمْنِ الْمُحْتَرِفُونَ حِينَ يُؤَمِّنُونَ مِنْطِقَةً قَبْلَ وُصُولِ شَخْصِيَّةٍ مُهِمَّةٍ.
“لَدَيْنَا مُشْكِلَةٌ.” هَمَسَ رَامِي، وَهُوَ يَبْتَعِدُ عَنِ النَّافِذَةِ بِسُرْعَةٍ، وَجْهُهُ قَدْ فَقَدَ لِتَوِّهِ كُلَّ آثَارِ الِاسْتِرْخَاءِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ لَحْظَاتٍ.
“مَنْ هُمْ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَقَلَقٌ حَقِيقِيٌّ يَعْلُو وَجْهَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدَأَ هَذَا الصَّبَاحُ.
“لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّهُمَا لَا يَتَحَرَّكَانِ كَرَجُلَيْ أَعْمَالٍ عَادِيَّيْنِ جَاءَا لِيَتَفَقَّدَا عَقَارًا مُهْمَلًا.” أَجَابَ رَامِي بِسُرْعَةٍ، وَهُوَ يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ فِي الْخِيَارَاتِ الْمُتَاحَةِ. “هُنَاكَ بَابٌ خَلْفِيٌّ صَغِيرٌ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ، لَاحَظْتُهُ حِينَ كُنْتُ أَتَفَحَّصُ الْمَكَانَ عِنْدَ دُخُولِنَا. سَنَخْرُجُ مِنْهُ، وَسَنَتَجَنَّبُ الْمُوَاجَهَةَ الْمُبَاشِرَةَ قَدْرَ الْإِمْكَانِ. الْأَوْلَوِيَّةُ الْآنَ هِيَ إِخْرَاجُ الصَّنَادِيقِ وَجِهَازِ التَّسْجِيلِ سَالِمَيْنِ، لَا الْمُوَاجَهَةُ.”
بَدَأُوا فِي جَمْعِ الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ وَجِهَازِ التَّسْجِيلِ بِسُرْعَةٍ لَكِنْ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ لِئَلَّا يُصْدِرُوا ضَجِيجًا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ. كَانَ وَزْنُ الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ مَعًا كَبِيرًا نِسْبِيًّا، فَقَسَّمُوا الْحِمْلَ بَيْنَهُمْ: حَمَلَ رَامِي الصُّنْدُوقَ الْأَكْبَرَ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا حَمَلَ سَلِيمٌ الصُّنْدُوقَيْنِ الْأَصْغَرَيْنِ، وَحَمَلَتْ يَاسْمِينُ جِهَازَ التَّسْجِيلِ مَلْفُوفًا بِعِنَايَةٍ دَاخِلَ سُتْرَتِهَا لِحِمَايَتِهِ.
تَسَلَّلُوا نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَامِي، بَابٌ صَغِيرٌ مُغَطًّى بِطَبَقَةٍ سَمِيكَةٍ مِنَ الصَّدَأِ وَالْأَوْسَاخِ يُوحِي بِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ عَلَى عَكْسِ الْبَابِ الْجَانِبِيِّ الَّذِي دَخَلُوا مِنْهُ. حَاوَلَ رَامِي فَتْحَهُ بِهُدُوءٍ، لَكِنَّ الْمِفْصَلَ الصَّدِئَ قَاوَمَ بِعِنَادٍ، وَحِينَ اسْتَسْلَمَ أَخِيرًا، أَصْدَرَ صَرِيرًا حَادًّا ارْتَجَّ صَدَاهُ فِي أَرْجَاءِ الْمُسْتَوْدَعِ الْفَارِغِ.
تَجَمَّدَ الثَّلَاثَةُ لِلَحْظَةٍ، يُصْغُونَ بِتَوَتُّرٍ لِأَيِّ رَدَّةِ فِعْلٍ مِنَ الْخَارِجِ. سَمِعُوا أَصْوَاتَ خُطُوَاتٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ الرَّئِيسِيِّ، وَأَصْوَاتَ حَدِيثٍ خَافِتٍ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، لَكِنَّهُمَا كَانَا لَا يَزَالَانِ بَعِيدَيْنِ نِسْبِيًّا، عِنْدَ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ الْمُقْفَلَةِ.
“الْآنَ.” هَمَسَ رَامِي، وَانْزَلَقَ عَبْرَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ إِلَى الْخَارِجِ، تَبِعَهُ سَلِيمٌ وَيَاسْمِينُ بِسُرْعَةٍ. وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَمَرٍّ ضَيِّقٍ بَيْنَ الْمُسْتَوْدَعِ الْكَبِيرِ وَجِدَارٍ خَرَسَانِيٍّ عَالٍ يَفْصِلُ الْمُجَمَّعَ الصِّنَاعِيَّ عَنِ الْحُقُولِ الْمُجَاوِرَةِ.
سَارُوا بِسُرْعَةٍ وَحَذَرٍ عَبْرَ الْمَمَرِّ الضَّيِّقِ، مُثْقَلِينَ بِالصَّنَادِيقِ الَّتِي كَانَتْ تَزْدَادُ ثِقَلًا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى فَتْحَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الْجِدَارِ الْخَرَسَانِيِّ، رُبَّمَا كَانَتْ بَابًا سِرِّيًّا آخَرَ أُضِيفَ فِي وَقْتٍ سَابِقٍ، أَوْ رُبَّمَا مُجَرَّدَ فَجْوَةٍ نَاتِجَةٍ عَنِ التَّلَفِ الْقَدِيمِ لِلْجِدَارِ. كَانَتْ كَافِيَةً بِالْكَادِ لِمُرُورِ شَخْصٍ بَالِغٍ مُحَمَّلٍ.
مِنْ خَلْفِهِمْ، سَمِعُوا فَجْأَةً صَوْتَ رَجُلٍ يَصِيحُ: “هُنَاكَ! الْبَابُ الْجَانِبِيُّ مَفْتُوحٌ! شَخْصٌ مَا كَانَ هُنَا لِتَوِّهِ!”
تَسَارَعَتْ ضَرَبَاتُ قَلْبِ سَلِيمٍ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَعَ يَاسْمِينَ، الَّتِي كَانَتْ عَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ نَفْسَ الْخَوْفِ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ هُوَ الْآنَ.
“اخْرُجَا مِنَ الْفَتْحَةِ الْآنَ.” أَمَرَ رَامِي بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنْ حَازِمٍ، وَهُوَ يُسَاعِدُ يَاسْمِينَ عَلَى الْمُرُورِ أَوَّلًا، ثُمَّ سَلِيمًا الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى تَوَازُنِ الصُّنْدُوقَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْمِلُهُمَا أَثْنَاءَ الِانْسِلَالِ عَبْرَ الْفَتْحَةِ الضَّيِّقَةِ.
وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي حَقْلٍ مَفْتُوحٍ خَلْفَ الْمُجَمَّعِ الصِّنَاعِيِّ، حَقْلٌ يَابِسٌ مُتَّسِعٌ لَا يُوَفِّرُ الْكَثِيرَ مِنَ الِاحْتِمَاءِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْتَدُّ نَحْوَ خَطٍّ مِنَ الْأَشْجَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ عَلَى مَسَافَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً جِدًّا.
“نَحْوَ الْأَشْجَارِ.” قَالَ رَامِي، وَبَدَأُوا الرَّكْضَ، أَوْ مَا يُشْبِهُ الرَّكْضَ تَحْتَ ثِقَلِ الصَّنَادِيقِ الَّتِي يَحْمِلُونَهَا، عَبْرَ الْحَقْلِ الْمَكْشُوفِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَصْوَاتُ الرَّجُلَيْنِ خَلْفَهُمْ تَزْدَادُ وُضُوحًا، وَاضِحٌ أَنَّهُمَا اكْتَشَفَا الْفَتْحَةَ فِي الْجِدَارِ وَبَدَآ يُلَاحِقَانِهِمْ.
كَانَ التَّنَفُّسُ صَعْبًا، وَالصَّنَادِيقُ تَزْدَادُ ثِقَلًا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، لَكِنَّ الْخَوْفَ كَانَ دَافِعًا أَقْوَى مِنَ الْإِرْهَاقِ. وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى خَطِّ الْأَشْجَارِ، وَانْدَفَعُوا خِلَالَهَا، مُسْتَخْدِمِينَ جُذُوعَهَا كَغِطَاءٍ جُزْئِيٍّ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى طَرِيقٍ تُرَابِيٍّ ثَانَوِيٍّ يَمْتَدُّ مُوَازِيًا لِلطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ.
“السَّيَّارَةُ عَلَى بُعْدِ خَمْسِمِئَةِ مِتْرٍ فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ.” قَالَ رَامِي، مُشِيرًا بِرَأْسِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ، وَهُوَ يَلْهَثُ قَلِيلًا تَحْتَ ثِقَلِ الصُّنْدُوقِ الْكَبِيرِ. “لَكِنْ إِنْ كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ يَعْرِفَانِ مِنْطِقَةَ الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْنَا مِنْهُ، فَقَدْ يَتَوَقَّعَانِ أَنَّنَا سَنَعُودُ إِلَيْهِ. سَنَسْلُكُ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا، أَطْوَلَ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ أَمَانًا.”
سَارُوا بِسُرْعَةٍ عَبْرَ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الثَّانَوِيِّ، مُلْتَفِّينَ حَوْلَ حَافَّةِ الْمُجَمَّعِ الصِّنَاعِيِّ فِي مَسَارٍ أَطْوَلَ نَحْوَ سَيَّارَتِهِمْ، مُتَجَنِّبِينَ الْمُرُورَ مَرَّةً أُخْرَى بِالْقُرْبِ مِنَ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ حَيْثُ رُبَّمَا كَانَ الرَّجُلَانِ لَا يَزَالَانِ يَبْحَثَانِ عَنْهُمْ. مَرَّتْ دَقَائِقُ طَوِيلَةٌ مُتَوَتِّرَةٌ، خِلَالَهَا لَمْ يَسْمَعُوا أَيَّ صَوْتِ مُطَارَدَةٍ إِضَافِيٍّ، مَا مَنَحَهُمْ بَصِيصَ أَمَلٍ بِأَنَّهُمْ نَجَحُوا فِي فُقْدَانِ الرَّجُلَيْنِ.
حِينَ وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى السَّيَّارَةِ، مَخْبَأَةً خَلْفَ أَكْوَامِ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ كَمَا تَرَكُوهَا، أَلْقَوْا بِالصَّنَادِيقِ فِي صُنْدُوقِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيِّ بِسُرْعَةٍ، وَقَفَزُوا إِلَى الدَّاخِلِ، وَانْطَلَقَ رَامِي بِالسَّيَّارَةِ بَعِيدًا عَنِ الْمَكَانِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ يَسْمَحُ بِهَا الطَّرِيقُ التُّرَابِيُّ غَيْرُ الْمُمَهَّدِ، مُتَّجِهًا فِي اتِّجَاهٍ مُغَايِرٍ تَمَامًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ فِي الصَّبَاحِ.
جَلَسَ الثَّلَاثَةُ فِي صَمْتٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْفَاسُهُمْ لَا تَزَالُ مُتَقَطِّعَةً، قُلُوبُهُمْ لَا تَزَالُ تَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ فِي صُدُورِهِمْ.
“مَنْ كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي رَأْيِكَ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنِ اسْتَعَادَتْ بَعْضًا مِنْ هُدُوئِهَا.
“لَا أَعْرِفُ.” أَجَابَ رَامِي بِصِدْقٍ، وَعَيْنَاهُ مَا زَالَتَا تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الطَّرِيقِ أَمَامَهُ وَمِرْآةِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيَّةِ بِتَوَتُّرٍ. “لَكِنَّ حَقِيقَةَ أَنَّهُمَا وَصَلَا إِلَى نَفْسِ الْمَكَانِ بِالضَّبْطِ فِي نَفْسِ الصَّبَاحِ الَّذِي وَصَلْنَا فِيهِ، بَعْدَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ مِنْ إِرْسَالِ الرِّسَالَةِ الْغَامِضَةِ إِلَى هَاتِفِ سَلِيمٍ، هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صُدْفَةً. إِمَّا أَنَّ أَحَدَهُمْ يُرَاقِبُ هَاتِفَكَ، سَلِيمُ، وَتَعَقَّبَ إِرْسَالَ الرِّسَالَةِ الْمُبَرْمَجَةِ حِينَ صَدَرَتْ، أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ مُسْبَقًا، وَيُرَاقِبُونَهُ مِنْ بُعْدٍ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبَرْدٍ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ رَغْمَ حَرِّ الصَّبَاحِ. “إِنْ كَانُوا يُرَاقِبُونَ هَاتِفِي، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ خُطُوَةٍ اتَّخَذْتُهَا مُنْذُ عَوْدَتِي رُبَّمَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً لَهُمْ مُسْبَقًا.”
“لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ مُحَاوِلَةً تَهْدِئَتَهُ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ بِجِدِّيَّةٍ مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا. رَامِي، هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُنَظِّمَ فَحْصًا تِقَنِيًّا لِهَاتِفِ سَلِيمٍ؟ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ بَرْنَامَجِ تَجَسُّسٍ عَلَيْهِ؟”
“سَأَفْعَلُ ذَلِكَ فَوْرَ وُصُولِنَا.” أَجَابَ رَامِي.
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي السَّيَّارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، كُلٌّ مِنْهُمْ غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ الْخَاصَّةِ. كَانَ سَلِيمٌ يَنْظُرُ إِلَى الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ الْمُكَدَّسَةِ فِي صُنْدُوقِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيِّ مِنْ خِلَالِ الْمِرْآةِ، وَيَشْعُرُ بِثِقَلٍ مُزْدَوَجٍ: ثِقَلُ الْأَوْرَاقِ الْمَادِّيَّةِ نَفْسِهَا، وَثِقَلُ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي بَاتَتْ تَنْتَظِرُهُ دَاخِلَهَا، مَعْرِفَةٌ لَنْ يَسْتَطِيعَ التَّرَاجُعَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ يَكْتَشِفَهَا. تَذَكَّرَ فَجْأَةً جُمْلَةً قَالَتْهَا لَهُ يَاسْمِينُ فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ لَهُمَا عِنْدَ الْمَطَارِ: “وَالِدُكَ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا فِي الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ.” بَدَتْ لَهُ الْآنَ تِلْكَ الْجُمْلَةُ، بَعْدَ كُلِّ مَا رَآهُ فِي الْمُسْتَوْدَعِ، أَقَلَّ مِنَ الْحَقِيقَةِ بِكَثِيرٍ.

فِي بَيْتِ الْعَائِلَةِ، كَانَتْ لَيَانُ تَجْلِسُ عِنْدَ نَافِذَةِ الصَّالُونِ مُنْذُ سَاعَتَيْنِ، تُرَاقِبُ الطَّرِيقَ الْفَارِغَ أَمَامَ الْبَيْتِ بِقَلَقٍ لَا يَهْدَأُ، وَفِنْجَانُ الْقَهْوَةِ أَمَامَهَا قَدْ بَرَدَ تَمَامًا دُونَ أَنْ تَلْمَسَهُ. كَانَتْ قَدْ حَاوَلَتِ الِاتِّصَالَ بِسَلِيمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُنْذُ الصَّبَاحِ، لَكِنَّ هَاتِفَهُ كَانَ دَائِمًا خَارِجَ نِطَاقِ التَّغْطِيَةِ، رُبَّمَا بِسَبَبِ بُعْدِ الْمِنْطِقَةِ الصِّنَاعِيَّةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَا كَانَ يَزِيدُ قَلَقَهَا بَدَلَ أَنْ يُهَدِّئَهُ.
رَنَّ هَاتِفُهَا فَجْأَةً، فَقَفَزَتْ مِنْ مَكَانِهَا وَأَمْسَكَتْهُ بِسُرْعَةٍ، لَكِنَّ خَيْبَةَ أَمَلٍ خَفِيفَةً عَلَتْ وَجْهَهَا حِينَ رَأَتِ اسْمَ الْمُتَّصِلِ: كَمَالُ دَرْوِيشُ.
تَرَدَّدَتْ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ. “أُسْتَاذُ كَمَالُ، صَبَاحُ الْخَيْرِ.”
“صَبَاحُ النُّورِ يَا ابْنَتِي.” جَاءَ صَوْتُهُ دَافِئًا كَعَادَتِهِ، لَكِنَّ لَيَانَ لَاحَظَتْ فِيهِ نَبْرَةً خَفِيفَةً مِنَ التَّرَقُّبِ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ. “أَتَّصِلُ لِأَطْمَئِنَّ عَلَيْكِ فَقَطْ، وَأَسْأَلُ إِنْ كَانَ سَلِيمٌ بِخَيْرٍ. لَمْ أَرَهُ مُنْذُ عَشَائِنَا الْوَدِّيِّ أَوَّلَ أَمْسِ، وَسَمِعْتُ أَنَّهُ خَرَجَ بَاكِرًا هَذَا الصَّبَاحِ.”
شَعَرَتْ لَيَانُ بِبَرْدٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهَا. “كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّهُ خَرَجَ بَاكِرًا؟” سَأَلَتْ بِحَذَرٍ، مُحَاوِلَةً أَلَّا يَظْهَرَ التَّوَتُّرُ فِي صَوْتِهَا.
ضَحِكَ كَمَالُ ضَحِكَةً خَفِيفَةً. “الْمَدِينَةُ صَغِيرَةٌ يَا ابْنَتِي، وَالنَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ. لَا تَقْلَقِي، لَمْ أَقْصِدْ شَيْئًا سِيِّئًا. فَقَطْ أَخْبِرِيهِ حِينَ يَعُودُ أَنِّي سَأَلْتُ عَنْهُ، وَأَنَّنِي مَا زِلْتُ أَتَمَنَّى أَنْ نَجِدَ حَلًّا يُرْضِي الْجَمِيعَ فِي مَوْضُوعِ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ.”
أَنْهَتْ لَيَانُ الْمُكَالَمَةَ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُجَامِلِ الْفَارِغِ، وَجَلَسَتْ مِنْ جَدِيدٍ عِنْدَ النَّافِذَةِ، قَلَقُهَا قَدِ ازْدَادَ بَدَلَ أَنْ يَخِفَّ. كَيْفَ عَرَفَ كَمَالُ أَنَّ سَلِيمًا خَرَجَ بَاكِرًا هَذَا الصَّبَاحِ بِالتَّحْدِيدِ؟ وَلِمَ اتَّصَلَ الْآنَ بِالذَّاتِ، فِي هَذَا التَّوْقِيتِ الَّذِي بَدَا لَهَا مَحْسُوبًا بِعِنَايَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا تُوحِي بِهِ نَبْرَتُهُ الْمَرِحَةُ؟

فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ وَسْطَ الْمَدِينَةِ، وَضَعَ كَمَالُ دَرْوِيشُ هَاتِفَهُ جَانِبًا بَعْدَ إِنْهَاءِ الْمُكَالَمَةِ مَعَ لَيَانَ، وَنَظَرَ نَحْوَ الرَّجُلِ الْوَاقِفِ أَمَامَ مَكْتَبِهِ، أَحَدُ حُرَّاسِهِ الشَّخْصِيِّينَ الْمَوْثُوقِينَ، الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ هَاتِفًا آخَرَ فِي يَدِهِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُنْهِيَ سَيِّدُهُ اتِّصَالَهُ الْأَوَّلَ.
“وَمَاذَا عَنِ الرَّجُلَيْنِ؟” سَأَلَ كَمَالُ بِحِدَّةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهَا مُحَدِّثُوهُ عَادَةً فِي حُضُورِهِ.
“لَمْ يَجِدَا أَحَدًا فِي الْمَكَانِ حِينَ وَصَلَا، سَيِّدِي.” أَجَابَ الرَّجُلُ بِحَذَرٍ. “لَكِنَّ الْبَابَ الْجَانِبِيَّ كَانَ مَفْتُوحًا، وَهُنَاكَ آثَارٌ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ فِي الْغُرْفَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِتَوِّهِ، وَغَادَرَ عَبْرَ فَتْحَةٍ فِي الْجِدَارِ الْخَلْفِيِّ. حَاوَلَا مُطَارَدَتَهُمْ فِي الْحَقْلِ الْمُجَاوِرِ، لَكِنَّهُمَا فَقَدَا أَثَرَهُمْ عِنْدَ خَطِّ الْأَشْجَارِ.”
ضَرَبَ كَمَالُ بِقَبْضَتِهِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِعُنْفٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ مِنْهُ، وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ فَجْأَةً مِنَ الْهُدُوءِ الْمُصْطَنَعِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ دَائِمًا أَمَامَ النَّاسِ إِلَى شَيْءٍ أَكْثَرَ خُشُونَةً وَقَسْوَةً. “كَانَ عَلَيْكُمَا أَنْ تَصِلَا قَبْلَ سَاعَةٍ كَامِلَةٍ عَلَى الْأَقَلِّ! هَلْ تُدْرِكَانِ مَاذَا يَعْنِي أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ قَبْلَنَا؟”
لَمْ يَجْرُؤِ الرَّجُلُ عَلَى الْإِجَابَةِ، وَاكْتَفَى بِإِطْرَاقِ رَأْسِهِ بِصَمْتٍ. أَشَارَ كَمَالُ لَهُ بِالِانْصِرَافِ، وَبَقِيَ وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ، يَتَأَمَّلُ صُورَةَ وَالِدِهِ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى الْجِدَارِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ هَاتِفَهُ الْآخَرَ، الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ فَقَطْ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ “الرَّئِيسَةِ”، وَبَدَأَ يَكْتُبُ رِسَالَةً بِأَصَابِعَ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنَ الْغَضَبِ: “لَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْمُسْتَوْدَعِ قَبْلَنَا. أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ. نَحْتَاجُ إِلَى خُطَّةٍ جَدِيدَةٍ فَوْرًا.”

قَادَ رَامِي السَّيَّارَةَ لِمُدَّةِ نِصْفِ سَاعَةٍ إِضَافِيَّةٍ، مُتَجَنِّبًا الطَّرِيقَ الْمُبَاشِرَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَمُتَأَكِّدًا مِرَارًا وَتَكْرَارًا مِنْ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُتَابِعُهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّجِهَ أَخِيرًا نَحْوَ مَكَانٍ اقْتَرَحَهُ بِنَفْسِهِ: شَقَّةٌ صَغِيرَةٌ يَمْتَلِكُهَا خَالُهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَارِغَةٌ حَالِيًّا، وَبَعِيدَةٌ تَمَامًا عَنْ أَيِّ ارْتِبَاطٍ مَعْرُوفٍ بِسَلِيمٍ أَوْ يَاسْمِينَ أَوْ رَامِي نَفْسِهِ.
كَانَتِ الشَّقَّةُ بَسِيطَةً، بِأَثَاثٍ قَلِيلٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تُوَفِّرُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: الْخَصُوصِيَّةُ وَالْأَمَانُ. غُرْفَتَانِ صَغِيرَتَانِ، وَصَالُونٌ مُتَوَاضِعٌ تُطِلُّ نَافِذَتُهُ الْوَحِيدَةُ عَلَى شَارِعٍ هَادِئٍ نِصْفِ مَهْجُورٍ، وَمَطْبَخٌ صَغِيرٌ لَمْ يُسْتَخْدَمْ مُنْذُ أَشْهُرٍ إِنِ اسْتُدِلَّ بِطَبَقَةِ الْغُبَارِ الرَّقِيقَةِ عَلَى أَدَوَاتِهِ. أَغْلَقَ رَامِي السَّتَائِرَ الرَّقِيقَةَ بِعِنَايَةٍ، وَتَحَقَّقَ مَرَّتَيْنِ مِنْ إِحْكَامِ غَلْقِ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ قَبْلَ أَنْ يَسْمَحَ لِنَفْسِهِ بِالِاسْتِرْخَاءِ قَلِيلًا. وَضَعُوا الصَّنَادِيقَ الثَّلَاثَةَ عَلَى طَاوِلَةِ الطَّعَامِ الْمُتَوَاضِعَةِ، وَجِهَازَ التَّسْجِيلِ بِجَانِبِهَا، وَجَلَسُوا حَوْلَهَا فِي صَمْتٍ لِلَحْظَاتٍ، كَأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ يَجْرُؤُ عَلَى اتِّخَاذِ الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ.
فَتَحَ رَامِي الصُّنْدُوقَ الْأَوَّلَ أَوَّلًا، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُ عَبْدُ الْكَرِيمُ فِي رِسَالَتِهِ بِأَنَّهُ يَحْتَوِي عَلَى نُسَخٍ مُصَوَّرَةٍ مِنْ وَثَائِقِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْمُرَاسَلَاتِ. وَبِالْفِعْلِ، وَجَدُوا دَاخِلَهُ عَشَرَاتِ الْمِلَفَّاتِ الْمُرَتَّبَةِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، كُلُّ مِلَفٍّ يَحْمِلُ عُنْوَانًا وَتَارِيخًا بِخَطِّ يَدِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الدَّقِيقِ: “سِجِلُّ مِلْكِيَّةِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ 1974″، “مُرَاسَلَاتُ الْبَلَدِيَّةِ 1975-1976″، “شَهَادَاتٌ شَفَهِيَّةٌ مُدَوَّنَةٌ 1998-2010”.
تَصَفَّحَتْ يَاسْمِينُ بَعْضَ الْمِلَفَّاتِ بِعَيْنَيْ صَحَفِيَّةٍ مُتَمَرِّسَةٍ، وَعَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ دَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ كُلِّ صَفْحَةٍ تُقَلِّبُهَا. “سَلِيمُ، هَذَا… هَذَا أَرْشِيفٌ كَامِلٌ. لَوْ نُشِرَ جُزْءٌ صَغِيرٌ فَقَطْ مِنْ هَذِهِ الْوَثَائِقِ، لَتَغَيَّرَتْ مَعَادَلَةُ الْقُوَّةِ فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا. أَبُوكَ لَمْ يَكُنْ يَجْمَعُ مَعْلُومَاتٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يَبْنِي قَضِيَّةً كَامِلَةً، قَضِيَّةً قَانُونِيَّةً وَإِعْلَامِيَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ.”
فَتَحَ رَامِي بَعْدَهَا الصُّنْدُوقَ الثَّانِيَ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ، لِيَجِدَ دَاخِلَهُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْأَشْرِطَةِ الصَّوْتِيَّةِ الْمُرَقَّمَةِ، وَدَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرًا يَبْدُو أَنَّهُ خَاصٌّ بِعَبْدِ الْكَرِيمِ، مَلِيءٌ بِتَوَارِيخَ وَأَسْمَاءَ وَمُلَاحَظَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ لَا تَزَالُ بِحَاجَةٍ إِلَى وَقْتٍ طَوِيلٍ لِفَهْمِ سِيَاقِهَا الْكَامِلِ. فِي الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَجَدَ سَلِيمٌ اسْمًا مُحَاطًا بِدَائِرَةٍ حَمْرَاءَ: “الْمُقَدَّمُ رَامِي عَاصِي – مَوْثُوقٌ.”
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ نَحْوَ رَامِي بِدَهْشَةٍ، وَقَلَبَ الدَّفْتَرَ لِيُرِيَهُ الصَّفْحَةَ. “أَبِي كَتَبَ اسْمَكَ هُنَا. كَانَ يَثِقُ بِكَ.”
اِبْيَضَّ وَجْهُ رَامِي قَلِيلًا، وَبَدَا مُتَأَثِّرًا بِشِدَّةٍ لِلَحْظَةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهَا مَنْ يَعْرِفُهُ فِي عَمَلِهِ الرَّسْمِيِّ الصَّارِمِ. “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ بِمَدَى ثِقَتِهِ بِي حَقًّا حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.” قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ. “كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي فَقَطْ أُقَدِّمُ لَهُ مَعْلُومَاتٍ رَسْمِيَّةً بَسِيطَةً بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ حِينَ كَانَ يَسْأَلُنِي عَنْ حَالَةِ بَعْضِ الْمِلَفَّاتِ الْقَدِيمَةِ فِي أَرْشِيفِ الشُّرْطَةِ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُنِي جُزْءًا مِنْ خُطَّتِهِ الْكَامِلَةِ.”
أَغْلَقُوا الصُّنْدُوقَ الثَّانِيَ بِحَذَرٍ، تَارِكِينَ فَحْصَ الْأَشْرِطَةِ لِوَقْتٍ لَاحِقٍ، وَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنَ الصُّنْدُوقِ الثَّالِثِ، ذَلِكَ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ عَبْدُ الْكَرِيمُ بِوُضُوحٍ فِي رِسَالَتِهِ. بَقِيَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الطَّاوِلَةِ، صَامِتًا، وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ ثِقَلًا خَاصًّا بِهِ يَجْعَلُهُ مُخْتَلِفًا عَنِ الصُّنْدُوقَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا حَوْلَ الطَّاوِلَةِ لِفَتْحِ الصَّنَادِيقِ، أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ وَبَعَثَ رِسَالَةً قَصِيرَةً إِلَى لَيَانَ: “أَنَا بِخَيْرٍ. أُخْبِرُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ حِينَ أَعُودُ. لَا تَقْلَقِي.” تَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهَا، مُدْرِكًا أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهَا وَلَوْ جُزْئِيًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِخَيْرٍ حَقًّا، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضِيفَ إِلَى قَلَقِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهَا فِي مَكَانٍ لَا تَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا. جَاءَ رَدُّهَا بَعْدَ ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ: “اتَّصِلْ بِي بِمُجَرَّدِ أَنْ تَسْتَطِيعَ. أَنَا خَائِفَةٌ جِدًّا يَا سَلِيمُ.” قَرَأَ الرِّسَالَةَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَعَادَ الْهَاتِفَ إِلَى جَيْبِهِ دُونَ أَنْ يَرُدَّ فَوْرًا، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إِيجَادِ كَلِمَاتٍ تُطَمْئِنُهَا حَقًّا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى سَاعَتِهِ، ثُمَّ إِلَى جِهَازِ التَّسْجِيلِ الصَّغِيرِ الَّذِي وَضَعُوهُ بِعِنَايَةٍ فِي مُنْتَصَفِ الطَّاوِلَةِ، وَشَعَرَ أَنَّ كُلَّ دَقِيقَةٍ إِضَافِيَّةٍ يُؤَجِّلُ فِيهَا الِاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ إِنَّمَا هِيَ مُحَاوَلَةٌ يَائِسَةٌ لِتَأْجِيلِ لَحْظَةٍ يَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهِ أَنَّهَا حَتْمِيَّةٌ، لَا مَفَرَّ مِنْهَا.
“حَسَنًا.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى جِهَازِ التَّسْجِيلِ الصَّغِيرِ أَمَامَهُ. “أَعْتَقِدُ أَنِّي جَاهِزٌ الْآنَ.”
“هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ؟” سَأَلَتْهُ يَاسْمِينُ بِلُطْفٍ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى يَدِهِ لِلَحْظَةٍ.
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ ظِلٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. “لَنْ أَكُونَ جَاهِزًا تَمَامًا أَبَدًا، أَعْتَقِدُ. لَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْتَظِرَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. لَقَدِ انْتَظَرْتُ عِشْرِينَ عَامًا لِأَفْهَمَ أَبِي، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُضِيفَ يَوْمًا وَاحِدًا آخَرَ إِلَى هَذَا الِانْتِظَارِ.”
مَدَّ يَدَهُ الْمُرْتَجِفَةَ قَلِيلًا نَحْوَ جِهَازِ التَّسْجِيلِ، وَفَحَصَ أَزْرَارَهُ الْقَدِيمَةَ بِعَيْنَيْهِ حَتَّى وَجَدَ زِرَّ التَّشْغِيلِ. تَبَادَلَ نَظْرَةً أَخِيرَةً مَعَ يَاسْمِينَ وَرَامِي، الْجَالِسَيْنِ عَلَى جَانِبَيْهِ فِي صَمْتٍ دَاعِمٍ، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى الزِّرِّ.
مَرَّتْ ثَانِيَتَانِ مِنَ الصَّمْتِ التَّامِّ، لَا يُقَطِّعُهُمَا سِوَى صَوْتِ طَقْطَقَةٍ خَفِيفَةٍ لِلشَّرِيطِ الْقَدِيمِ وَهُوَ يَبْدَأُ فِي الدَّوَرَانِ دَاخِلَ الْجِهَازِ.
ثُمَّ، فَجْأَةً، امْتَلَأَتِ الْغُرْفَةُ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعْهُ سَلِيمٌ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ، صَوْتٌ أَجَشُّ قَلِيلًا، مُتْعَبٌ، لَكِنَّهُ لَا يُخْطِئُهُ أَبَدًا: صَوْتُ وَالِدِهِ، عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، يَتَحَدَّثُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فِي الزَّمَنِ، مِنْ لَحْظَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِيهَا بِالضَّبْطِ مَنْ سَيَسْتَمِعُ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، أَوْ مَتَى.
اِرْتَجَفَتْ يَدُ سَلِيمٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَأَمْسَكَتْ يَاسْمِينُ بِهَا بِقُوَّةٍ، بَيْنَمَا كَانَ صَوْتُ الْأَبِ يَمْلَأُ الْغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ بِجُمْلَتِهِ الْأُولَى، جُمْلَةٍ جَعَلَتْ قَلْبَ سَلِيمٍ يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ كَامِلَةٍ:
“إِذَا كُنْتَ تَسْمَعُ هَذَا، فَأَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّ كَمَالَ قَدْ وَجَدَنِي أَخِيرًا.”


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 11


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 09