الجزء الثاني

لوحة خارج الإطار

الجزء الثاني

الفَصْلُ السَّادِسُ
________________________________________
مَرَّتْ سَاعاتٌ هٰذِهِ المَرَّةَ.
لٰكِنَّ سَمَرَ لَمْ تَعُدْ تَقِيسُ الوَقْتَ كَما اعْتادَتْ. كانَتْ تُلاحِظُهُ—نَعَمْ—لٰكِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَأَنَّ الزَّمَنَ فَقَدَ اسْتِقامَتَهُ وَصارَ يَلْتَفُّ حَوْلَ شَيْءٍ لا يُرَى، كَخَيْطٍ يُلَفُّ حَوْلَ إِصْبَعٍ غائِبٍ.
حِينَ وَصَلَ الإِشْعارُ، لَمْ تَكُنْ فِي لَحْظَةِ تَوَتُّرٍ. كانَتْ فِي لَحْظَةِ هُدُوءٍ غَرِيبٍ—ذٰلِكَ الهُدُوءُ الَّذِي لا يُشْبِهُ الرَّاحَةَ بَلْ يُشْبِهُ ما يَأْتِي قَبْلَ شَيْءٍ لَمْ يُقَرَّرْ بَعْدُ.
فَتَحَتِ الرِّسالَةَ.
“رُبَّما لِأَنَّ بَعْضَ الأَشْياءِ لا تُفْهَمُ إِلّا إِذا تُرِكَتْ دُونَ مُحاوَلَةِ فَهْمٍ.”
تَوَقَّفَتْ طَوِيلًا.
الجُمْلَةُ لَمْ تَنْتَهِ عِنْدَ نُقْطَتِها—اسْتَمَرَّتْ فِي الدّاخِلِ، تَمْشِي فِي مَمَرّاتٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّها مَوْجُودَةٌ. لَيْسَ لِأَنَّها عَمِيقَةٌ بِمَعْنًى فَلْسَفِيٍّ، بَلْ لِأَنَّها كانَتْ تَلْمِسُ شَيْئًا حَيًّا فِيها—شَيْئًا اعْتادَتْ إِغْلاقَهُ بِكَلِمَةِ “لاحِقًا” وَلَمْ يَأْتِ اللاحِقُ.
وَضَعَتِ الهاتِفَ. وَقَفَتْ. مَشَتْ نَحْوَ النّافِذَةِ.
الشّارِعُ فِي الأَسْفَلِ كانَ عادِيًّا بِكُلِّ مَعْنَى الكَلِمَةِ—سَيّاراتٌ تَمُرُّ، أَضْواءٌ تُومِضُ، أَشْخاصٌ يَمْشُونَ بِأَثْقالِهِمْ غَيْرِ المَرْئِيَّةِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدُهُمْ أَنَّ امْرَأَةً تَقِفُ فَوْقَهُمْ بِطابِقٍ واحِدٍ وَشَيْءٌ ما فِيها يَتَحَوَّلُ بِبُطْءٍ، بِصَمْتٍ، بِلا شاهِدٍ.
“هَلْ يَشْعُرُ أَحَدٌ بِما أَشْعُرُ بِهِ الآنَ؟” تَساءَلَتْ. “هَلْ يَمْشِي أَحَدٌ فِي الشّارِعِ وَبِداخِلِهِ هٰذا الشَّيْءُ بِالذّاتِ—لا ضِيقٌ وَلا راحَةٌ، بَلْ شَيْءٌ بَيْنَهُما لا اسْمَ لَهُ فِي أَيِّ قامُوسٍ رَأَتْهُ؟”
عادَتْ إِلَى الهاتِفِ. وَكَتَبَتْ—بِتَرَدُّدٍ أَقَلَّ مِمَّا تَوَقَّعَتْ:
“وَإِذا لَمْ تُحاوِلْ فَهْمَها… كَيْفَ تَعْرِفُ أَنَّها تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعاشَ؟”
أَرْسَلَتْ.
ثُمَّ جاءَ الفَراغُ.
________________________________________
الفَراغُ هٰذِهِ المَرَّةَ كانَ مُخْتَلِفًا عَنِ الِانْتِظارِ المُعْتادِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ غِيابِ رَدٍّ—كانَ حُضُورًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ. كَأَنَّ المَسافَةَ بَيْنَهُما، تِلْكَ المَسافَةُ المَجْهُولَةُ الَّتِي لا تَعْرِفُ كَمْ كِيلُومِتْرًا تَقِيسُها وَلا أَيُّ مَدِينَةٍ تَقِفُ فِي طَرَفِها الآخَرِ، باتَتْ مَرْئِيَّةً فَجْأَةً.
وَفِي هٰذا الفَراغِ تَحْدِيدًا، تَسَلَّلَتِ الفِكْرَةُ—هادِئَةً، بِلا إِنْذارٍ:
لَمْ يَعُدْ هٰذا تَبادُلَ كَلِماتٍ.
صارَ شَيْئًا يُشْبِهُ اتِّجاهًا. خَطًّا يَمْتَدُّ مِنْ نُقْطَةٍ إِلَى نُقْطَةٍ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ تُرْسِلُها تُبْعِدُ النُّقْطَتَيْنِ عَنْ مَكانِهِما الأَوَّلِ.
“مَتَى حَدَثَ هٰذا؟” سَأَلَتْ نَفْسَها. “مَتَى انْتَقَلْنا مِنَ الحَدِيثِ عَنِ اللَّوْحاتِ إِلَى هٰذا؟ وَمَنْ هُوَ ‘نَحْنُ’ هٰذا أَصْلًا؟”
________________________________________
فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، كانَ وائِلٌ يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ فِي هاتِفِهِ—كَلِماتٌ مُتَقَطِّعَةٌ تَصِلُ إِلَيْها: أَرْقامٌ، مَواعِيدُ، تَفاصِيلُ صَفْقَةٍ لَمْ تَسْمَعْ بِدايَتَها وَلَمْ تَعْرِفْ نِهايَتَها. كانَ يَبْدُو، كَما يَبْدُو دائِمًا، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ يَقِفُ وَماذا يُرِيدُ.
“هَلْ كانَ يَعْرِفُ دائِمًا؟” تَساءَلَتْ. “أَمْ أَنَّهُ يُحْسِنُ إِخْفاءَ ما يَعْرِفُهُ؟ وَيُظْهِرُ أنَّهُ لَا يَعرِفُهُ”
جَلَسَتْ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ. الهاتِفُ بِجانِبِها. لَمْ تَفْتَحْهُ، لٰكِنَّ وُجُودَهُ كانَ يُضَيِّقُ الغُرْفَةَ—أَوْ رُبَّما كانَتْ هِيَ الَّتِي تَوَسَّعَتْ قَلِيلًا، وَصارَ كُلُّ ما حَوْلَها يَبْدُو أَصْغَرَ مِمَّا كانَ.
“أَنا لَسْتُ مَوْجُودَةً بِالْكَامِلِ فِي أَيِّ مَكانٍ الآنَ.” فَكَّرَتْ بِوُضُوحٍ مُباغِتٍ. “لا هُنا فِي هٰذِهِ الغُرْفَةِ، وَلا هُناكَ فِي تِلْكَ الشّاشَةِ. أَنا فِي المَسافَةِ بَيْنَ المَكانَيْنِ. وَهٰذِهِ المَسافَةُ—لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ أَسابِيعَ قَلِيلَةٍ.”
________________________________________
اهْتَزَّ الهاتِفُ.
لٰكِنْ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكُنْ رِسالَةً عامَّةً مِنْ صَفْحَتِهِ.
كانَتْ مِنْهُ. مُباشَرَةً. بِاسْمِهِ.
فَتَحَتْ.
“أَشْعُرُ أَنَّنِي أَكْتُبُ لَكِ أَكْثَرَ مِمَّا أَكْتُبُ عَنْ نَفْسِي.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
لَمْ تَبْتَسِمْ كَما تَبْتَسِمُ المَرْأَةُ حِينَ تَتَلَقّى ما تُرِيدُ. وَلَمْ تَتَوَتَّرْ كَما يَتَوَتَّرُ الإِنْسانُ حِينَ يَتَلَقّى ما يَخافُ.
حَدَثَ شَيْءٌ أَهْدَأُ وَأَخْطَرُ مِنَ الِاثْنَيْنِ—بَدَأَتْ تَفْهَمُ الجُمْلَةَ دُونَ تَرْجَمَةٍ.
لا تَحْتاجُ أَنْ تُفَكِّكَها، وَلا أَنْ تَسْأَلَ: ماذا يَقْصِدُ؟ الجُمْلَةُ وَصَلَتْ إِلَيْها كامِلَةً، كَما تَصِلُ الأَشْيَاءُ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَى لُغَتِكِ الحَقِيقِيَّةِ—اللُّغَةِ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمِيها فِي مَدْرَسَةٍ، بَلِ الَّتِي كانَتْ فِيكِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمِي أَيَّ شَيْءٍ.
“يَكْتُبُ لِي. لا عَنْ لَوْحاتِهِ. لا عَنْ فَنِّهِ. لِي أَنا.”
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، داخِلَ سَمَرَ، بَدَأَ حِوارٌ لَمْ تَخْتَرْهُ:
“هٰذا خَطَرٌ.”
“ماذا تَقْصِدِينَ؟”
“تَعْرِفِينَ ماذا أَقْصِدُ.”
“إِنَّهُ يَتَحَدَّثُ فَقَط.”
“وَالَّذِي يَتَحَدَّثُ إِلَيْكِ بِهٰذِهِ الطَّرِيقَةِ—هَلْ تَحَدَّثَ إِلَيْكِ أَحَدٌ هٰكَذا مِنْ قَبْلُ؟”
صَمْتٌ داخِلِيٌّ. ثُمَّ:
“لَا.”
“وَهٰذا بِالضَّبْطِ هُوَ الخَطَرُ.”
________________________________________
لَمْ تَرُدَّ عَلَى رِسالَتِهِ فَوْرًا.
وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى السَّرِيرِ، وَجْهُهُ إِلَى الأَسْفَلِ هٰذِهِ المَرَّةَ—كَأَنَّها تُرِيدُ أَنْ تُخْفِيَ الشّاشَةَ عَنِ الغُرْفَةِ، أَوْ تُخْفِيَ الغُرْفَةَ عَنِ الشّاشَةِ.
مَشَتْ إِلَى الحَمّامِ. فَتَحَتِ المَاءَ البارِدَ. وَقَفَتْ أَمامَ المِرْآةِ.
وَجْهُها. عَيْناها. تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي تَعْرِفُها مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ.
“مَنْ أَنْتِ الآنَ؟” سَأَلَتِ الوَجْهَ فِي المِرْآةِ. “وَهَلْ أَنْتِ نَفْسُ مَنْ كانَتْ هُنا قَبْلَ أُسْبُوعَيْنِ؟”
المَرْأَةُ فِي المِرْآةِ لَمْ تُجِبْ. لٰكِنَّها لَمْ تُنْكِرِ السُّؤالَ.
________________________________________
فِي مَكانٍ ما مِنْ هٰذِهِ المَدِينَةِ الَّتِي تَحْمِلُ آثارَ حَرْبٍ لَمْ تَنْتَهِ كُلِّيًّا فِي الذّاكِرَةِ حَتّى لَوِ انْتَهَتْ فِي الشَّوارِعِ—كانَتْ أُمُّ سَمَرَ، تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي رَبَّتِ ابْنَتَها عَلَى أَنَّ “البَيْتَ نِعْمَةٌ لا تُعَوَّضُ”، تَنامُ بِهُدُوءِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الأَشْيَاءَ فِي مَكانِها. وَكانَتْ رَنا، الصَّدِيقَةُ الَّتِي تَضْحَكُ بِسُهُولَةٍ وَتَسْأَلُ بِسَطْحِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ، لَوْ رَأَتْ سَمَرَ الآنَ لَقالَتْ: “شُو فِي؟ مالِ وَجْهِكِ مُخْتَلِف؟” ثُمَّ سَتَضْحَكُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَ الجَوابَ.
وَالْمَدِينَةُ نَفْسُها—دِمَشْقُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَنْ تَعِيشَ فَوْقَ جُرُوحِها كَما يَعِيشُ الإِنْسانُ فَوْقَ ذاكِرَتِهِ—كانَتْ لا تَزالُ تَحْمِلُ فِي جُدْرانِها القَدِيمَةِ كُلَّ القِصَصِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ. كُلَّ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ فِي مِثْلِ هٰذِهِ اللَّحْظَةِ وَأَغْلَقَتِ البابَ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ فِي مِثْلِ هٰذِهِ اللَّحْظَةِ وَفَتَحَتْهُ.
لَمْ تَكُنْ سَمَرُ تَعْرِفُ بَعْدُ أَيَّتُهُنَّ سَتَكُونُ.
________________________________________
عادَتْ إِلَى الغُرْفَةِ.
رَفَعَتِ الهاتِفَ. قَلَبَتْهُ. نَظَرَتْ إِلَى الرِّسالَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
“أَشْعُرُ أَنَّنِي أَكْتُبُ لَكِ أَكْثَرَ مِمَّا أَكْتُبُ عَنْ نَفْسِي.”
وَكَتَبَتْ، بِبُطْءٍ هٰذِهِ المَرَّةَ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحْتاجُ أَنْ تُوزَنَ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ:
“وَأَنا أَقْرَؤُكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْرَأُ أَيَّ شَيْءٍ كَتَبْتُهُ لِنَفْسِي مُنْذُ زَمَنٍ.”
تَوَقَّفَتْ عِنْدَ الجُمْلَةِ.
كانَتْ أَصْدَقَ شَيْءٍ قالَتْهُ مُنْذُ وَقْتٍ لا تَعْرِفُ طُولَهُ.
أَرْسَلَتْ.
ثُمَّ أَطْفَأَتِ الضَّوْءَ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَسابِيعَ، لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُ الرَّدَّ.
كانَتْ تَنْتَظِرُ الصَّباحَ—لِتَرَى مَنْ سَتَكُونُ فِيهِ.
________________________________________
الفَصْلُ السَّابِعُ
________________________________________
حَدَّقَتْ فِي الرِّسالَةِ طَوِيلًا.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ—لا اعْتِرافٌ مُباشِرٌ، وَلا إِعْلانٌ عَنْ شَيْءٍ. وَمَعَ ذٰلِكَ، كانَتْ أَقْرَبَ شَيْءٍ إِلَى اعْتِرافٍ لَمْ يَجِدْ بَعْدُ صَوْتَهُ الكامِلَ. كَتِلْكَ اللَّحَظاتِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الإِنْسانُ شَيْئًا وَيَقْصِدُ شَيْئًا آخَرَ، وَكِلاهُما صَحِيحٌ.
“أَكْتُبُ لَكِ أَكْثَرَ مِمَّا أَكْتُبُ عَنْ نَفْسِي.”
أَعَادَتْ قِراءَتَها. مَرَّةً. مَرَّةً أُخْرَى. وَفِي المَرَّةِ الثَّالِثَةِ، لَمْ تَعُدِ الكَلِماتُ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ—صارَتْ إِزاحَةً صَغِيرَةً فِي المَعْنَى. كَأَنَّ وُجُودَها، ذٰلِكَ الوُجُودَ الِافْتِراضِيَّ المَجْهُولَ المَلامِحِ، أَصْبَحَ مِرْآةً لَهُ—مِرْآةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ، وُجِدَتْ دُونَ أَنْ يَطْلُبَها أَحَدٌ، وَأَظْهَرَتْ أَشْياءَ لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْها.
“وَهٰذا ماذا يَعْنِي؟” سَأَلَتْ نَفْسَها. “أَنْ يَكْتُبَ لَكِ؟ أَنْ تَصِيرِي أَنْتِ—أَنْتِ الَّتِي لا يَعْرِفُ اسْمَكِ وَلا وَجْهَكِ وَلا اليَوْمَ الَّذِي وُلِدْتِ فِيهِ—أَنْ تَصِيرِي المَكانَ الَّذِي يَكْتُبُ مِنْهُ لا إِلَيْهِ؟”
وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى السَّرِيرِ.
ثُمَّ أَعَادَتْهُ إِلَى يَدِها فَوْرًا—بِحَرَكَةٍ لا إِرادِيَّةٍ، كَما يَمُدُّ الإِنْسانُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ نَحْوَ الغِطاءِ حِينَ يَشْعُرُ بِبَرْدٍ لَمْ يُدْرِكْهُ بَعْدُ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ لِماذا لا تَتْرُكُهُ. أَوْ لِماذا فِكْرَةُ تَرْكِهِ باتَتْ تَبْدُو كَقَرارٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِقِطْعَةٍ إِلِكْتِرُونِيَّةٍ بارِدَةٍ لا تَزِنُ شَيْئًا.
________________________________________
فِي الخارِجِ، كانَ وائِلٌ قَدْ أَنْهَى مُكالَمَتَهُ.
سَمِعَتْ خُطُواتِهِ تَقْتَرِبُ—تِلْكَ الخُطُواتُ الَّتِي تَعْرِفُها مُنْذُ سَنَواتٍ، ثَقِيلَةً بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ لٰكِنْ مُسْتَقِيمَةً كَعادَتِها. خُطُواتُ رَجُلٍ يَعْرِفُ وِجْهَتَهُ.
— غَدًا سَأَمُرُّ عَلَى المَكْتَبِ مُبَكِّرًا.
— حَسَنًا.
كَلِمَةٌ واحِدَةٌ. خَرَجَتْ دُونَ جُهْدٍ، كَما تَخْرُجُ الإِجابَاتُ الَّتِي صارَتِ انْعِكاسًا لا اخْتِيارًا.
دَخَلَ. جَلَسَ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ—تِلْكَ الحَرَكَةُ المُعْتادَةُ لِجَسَدٍ يَصِلُ إِلَى مَكانِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ العَقْلُ قَدْ أَعْطَى أَمْرًا. نَظَرَ إِلَيْها بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الِانْتِباهِ وَالتَّعَبِ.
— أَنْتِ صامِتَةٌ كَثِيرًا هٰذِهِ الأَيّامَ.
قالَها دُونَ اتِّهامٍ. مُلاحَظَةٌ فَقَط، كَما يُلاحِظُ الإِنْسانُ تَغَيُّرًا فِي الطَّقْسِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ السَّبَبِ.
ابْتَسَمَتْ تِلْكَ الابْتِسامَةَ الَّتِي لا تُكَلِّفُها جُهْدًا:
— أُفَكِّرُ فَقَطْ.
— فِي ماذا؟
وَهُنا تَوَقَّفَتْ.
السُّؤالُ بَسِيطٌ—مِنْ أَبْسَطِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُسْأَلَ. لٰكِنَّهُ وَقَعَ عَلَيْها فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِثِقَلٍ مُخْتَلِفٍ، كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْها إِجابَةً كامِلَةً عَنْ شَيْءٍ لا يَمْلِكُ شَكْلَهُ بَعْدُ. كَأَنَّهُ فَتَحَ بابًا لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لَهُ، فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ قَدْ رَتَّبَتْ ما وَراءَهُ.
“ماذا تَقُولِينَ؟ تَقُولِينَ: أُفَكِّرُ فِي رَجُلٍ لا أَعْرِفُهُ يَرْسِمُ لَوْحاتٍ وَيَتْرُكُ فَراغاتٍ وَيَكْتُبُ جُمَلًا تُشْعِرُنِي أَنَّ شَيْئًا فِيَّ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ نَوْمٍ طَوِيلٍ؟ تَقُولِينَ: أُفَكِّرُ فِي سُؤالٍ يَسْأَلُنِي إِيّاهُ غَرِيبٌ فَيَجْعَلُنِي أَرَى بَيْتِي كَأَنِّي أَرَاهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ؟”
— فِي أَشْياءَ كَثِيرَةٍ.
هَزَّ رَأْسَهُ—ذٰلِكَ الهَزُّ الَّذِي يَعْنِي: “قَبِلْتُ الإِجابَةَ دُونَ أَنْ أُقَرِّرَ إِنْ كُنْتُ مُقْتَنِعًا.” ثُمَّ قامَ.
— المُهِمُّ أَلّا تُجْهِدِي نَفْسَكِ.
وَمَضَى.
________________________________________
وَبَقِيَتِ الغُرْفَةُ كَما هِيَ.
وَالجُمْلَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَمْ تُقَلْ كانَتْ تَمْلَأُ الهَواءَ:
لِماذا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا حَقِيقِيًّا؟
لَيْسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ. وَلَيْسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِلِاسْتِماعِ—لا تَعْرِفُ إِنْ كانَ مُسْتَعِدًّا أَمْ لا، لِأَنَّها لَمْ تُجَرِّبْ. السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ كانَ أَبْسَطَ وَأَشَدَّ إِيلامًا: لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ هِيَ نَفْسُها ما الَّذِي تُرِيدُ قَوْلَهُ. وَالإِنْسانُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْطِيَ ما لَمْ يَجْمَعْهُ بَعْدُ.
“وائِلُ”، فَكَّرَتْ وَهُوَ يَبْتَعِدُ، “أَنْتَ تَسْأَلُ لٰكِنَّكَ لا تَنْتَظِرُ. وَأَنا أُجِيبُ لٰكِنِّي لا أَقُولُ. وَبَيْنَنا هٰذا الصَّمْتُ الَّذِي سَمَّيْناهُ قَبُولًا وَلَعَلَّهُ كانَ شَيْئًا آخَرَ مُنْذُ البِدايَةِ.”
________________________________________
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ تَفْتَحِ الرَّسائِلَ مُباشَرَةً.
جَلَسَتْ عَلَى الأَرْضِ قُرْبَ النّافِذَةِ—لَيْسَ لِأَنَّها اخْتارَتْ ذٰلِكَ، بَلْ لِأَنَّ جَسَدَها أَرادَ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الأَرْضِ، أَقَلَّ ارْتِفاعًا، كَمَنْ يَحْتاجُ أَنْ يَشْعُرَ بِشَيْءٍ صُلْبٍ تَحْتَهُ حِينَ يَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ يَتَحَرَّكُ.
الزُّجاجُ كانَ بارِدًا قَلِيلًا حِينَ لَمَسَتْهُ بِأَطْرافِ أَصابِعِها. وَالمَدِينَةُ فِي الخارِجِ كانَتْ تَعِيشُ حَياتَها اللامُبالِيَةَ المُعْتادَةَ—أَضْواءٌ، حَرَكَةٌ، أَشْخاصٌ يَمْشُونَ دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّ امْرَأَةً تَجْلِسُ خَلْفَ زُجاجٍ بارِدٍ وَشَيْءٌ ما فِيها يُعادُ رَسْمُهُ دُونَ أَنْ تُمْسِكَ الرِّيشَةَ.
“المَسافَةُ بَيْنَ الدّاخِلِ وَالخارِجِ”، فَكَّرَتْ، “لَمْ تَكُنْ دائِمًا هٰكَذا. أَمْ كانَتْ؟”
ثُمَّ فَتَحَتِ الهاتِفَ.
“أَنا لا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَقْتَرِبُ مِنْكَ… أَمْ أَقْتَرِبُ مِنْ فِكْرَةٍ عَنْكَ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
لَمْ تَبْحَثْ عَنْ مَعْنًى هٰذِهِ المَرَّةَ. المَعْنَى كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الجُمْلَةِ—كَأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا، بَلْ أَعْطَتِ اسْمًا لِما كانَ مَوْجُودًا فِي الهَواءِ بَيْنَ رَسائِلِهِما مُنْذُ البِدايَةِ.
“فِكْرَةٌ عَنِّي.”
هٰذا هُوَ الأَصْدَقُ رُبَّما. كَرِيمٌ لا يَعْرِفُها—لا يَعْرِفُ كَيْفَ تَشْرَبُ قَهْوَتَها وَلا كَيْفَ تَنامُ حِينَ تَتْعَبُ، وَلا ذٰلِكَ الصَّوْتَ الخاصَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْها حِينَ تَضْحَكُ ضِحْكَةً حَقِيقِيَّةً لا مُصْطَنَعَةً. يَعْرِفُ كَلِماتِها—تِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي اخْتارَتْها بِعِنايَةٍ أَوْ بِلا عِنايَةٍ، وَالَّتِي رُبَّما لا تُمَثِّلُها كامِلَةً، بَلْ تُمَثِّلُ الجُزْءَ مِنْها الَّذِي قَرَّرَ أَنْ يُشارَكَ.
“أَقْتَرِبُ مِنْ فِكْرَةٍ عَنْكَ.”
وَهِيَ؟ ماذا تَقْتَرِبُ مِنْهُ؟ مِنْ فِكْرَةٍ عَنْهُ؟ مِنْ رَجُلٍ يَتْرُكُ فَراغاتٍ فِي لَوْحاتِهِ وَيَكْتُبُ جُمَلًا تُشْعِرُها أَنَّها كانَتْ تَنْتَظِرُها دُونَ أَنْ تَعْرِفَ؟
وَكَتَبَتْ—بِلا تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، كَما تَخْرُجُ الأَشْياءُ حِينَ تَتَوَقَّفُ عَنْ السَّيْطَرَةِ عَلَيْها:
“وَأَنا… لا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَهْرُبُ مِنْ حَياتِي، أَمْ أَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.”
________________________________________
أَرْسَلَتْ.
وَبَقِيَتْ تَنْظُرُ إِلَى الشّاشَةِ فِي الظَّلامِ.
“أَهْرُبُ مِنْ حَياتِي.”
هَلْ هٰذا ما تَفْعَلُهُ؟ الهُرُوبُ كَلِمَةٌ ثَقِيلَةٌ—تَحْمِلُ حُكْمًا، وَتَفْتَرِضُ أَنَّ ما تَهْرُبِينَ مِنْهُ مَعْرُوفٌ وَما تَهْرُبِينَ إِلَيْهِ اخْتِيارٌ. لٰكِنَّ ما تَشْعُرُ بِهِ لَمْ يَكُنْ هُرُوبًا بِهٰذا الوُضُوحِ. كانَ أَشْبَهَ بِالوُقُوفِ أَمامَ بابٍ لَمْ تَنْتَبِهْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَالسُّؤالِ: هَلْ كانَ هٰذا البابُ هُنا دائِمًا؟ وَإِنْ كانَ، لِماذا لَمْ أَرَهُ؟
“شَيْءٌ لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.”
وَما هُوَ؟ هَلْ هُوَ الرَّغْبَةُ فِي أَنْ تُرَى؟ فِي أَنْ يَسْأَلَها أَحَدٌ السُّؤالَ الصَّحِيحَ وَيَصْبِرَ عَلَى الإِجابَةِ؟ فِي أَنْ تَعِيشَ يَوْمًا واحِدًا دُونَ أَنْ تُرَتِّبَ حَياتَها لِكَيْ تَبْدُو مَقْبُولَةً لِعَيْنٍ خارِجِيَّةٍ؟
أَمْ أَنَّهُ أَبْسَطُ مِنْ كُلِّ هٰذا وَأَكْثَرُ خُطُورَةً—أَنَّها تُرِيدُ أَنْ تَشْعُرَ، مَرَّةً واحِدَةً، أَنَّها مَوْجُودَةٌ بِكُلِّ ثِقَلِها لا بِنِصْفِ انْتِباهِها؟
________________________________________
لَمْ يَأْتِ رَدٌّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
وَفِي ذٰلِكَ الصَّمْتِ، فَتَحَتْ غُرَفًا—واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، بِلا مَفاتيحَ، بِلا اسْتِئْذانٍ. غُرَفًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّها مَوْجُودَةٌ بِداخِلِها. غُرْفَةٌ فِيها كُلُّ جُمْلَةٍ ابْتَلَعَتْها. وَغُرْفَةٌ فِيها كُلُّ سُؤالٍ لَمْ تَسْأَلْهُ. وَغُرْفَةٌ فِيها تِلْكَ النُّسْخَةُ مِنْها الَّتِي كانَتْ قَبْلَ البَيْتِ وَالأَطْفالِ وَقَوائِمِ المُشْتَرَياتِ وَصَوْتِ وائِلٍ الواثِقِ عَبْرَ الهاتِفِ.
“مَنْ كُنْتُ؟”
“وَمَنْ أَنا الآنَ؟”
“وَهَلِ المَسافَةُ بَيْنَ الإِجابَتَيْنِ قابِلَةٌ لِلْعُبُورِ؟”
الزُّجاجُ لا يَزالُ بارِدًا. وَالمَدِينَةُ لا تَزالُ تَتَحَرَّكُ. وَالهاتِفُ فِي يَدِها يَنْتَظِرُ—أَوْ رُبَّما هِيَ الَّتِي تَنْتَظِرُ. لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ مَنْ يَمْلِكُ الِانْتِظارَ وَمَنْ يُمْلِكُهُ.
________________________________________
فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى مِنْ دِمَشْقَ الَّتِي تَحْمِلُ فِي حِجارَتِها كُلَّ ما عاشَهُ النّاسُ وَلَمْ يَقُولُوهُ—كانَ كَرِيمٌ يَجْلِسُ أَمامَ لَوْحَةٍ لَمْ يُكْمِلْها. الرِّيشَةُ فِي يَدِهِ، لٰكِنَّ يَدَهُ لا تَتَحَرَّكُ. كانَ يُفَكِّرُ فِي جُمْلَةٍ وَصَلَتْهُ—”لا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَهْرُبُ مِنْ حَياتِي أَمْ أَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ”—وَكانَ يُفَكِّرُ أَنَّ هٰذا بِالضَّبْطِ هُوَ السُّؤالُ الَّذِي رَسَمَ مِنْهُ كُلَّ ما رَسَمَ مُنْذُ سَنَواتٍ. وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ إِنْ كانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ ذٰلِكَ أَمْ يَتْرُكَهُ، كَما يَتْرُكُ الفَراغَ فِي لَوْحاتِهِ، يَقُولُ ما لا تَقُولُهُ الرِّيشَةُ.
________________________________________
ٱلْفَصْلُ ٱلثَّامِنُ
_______________________________________
لَمْ يَأْتِ ٱلرَّدُّ مُبَاشِرَةً.
لَكِنَّ ٱلْغِيَابَ هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا.
كَانَ مُمتَلِئًا—بِشَيْءٍ لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا لَوْنَ، لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ كَالْهَوَاءِ فِي ٱلْغُرْفَةِ ٱلْمُغْلَقَةِ. كَأَنَّ ٱلصَّمْتَ نَفْسَهُ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَحْمِلُ مَعْنًى، كَيْفَ يَقُولُ شَيْئًا دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
لَمْ تَعُدْ سَمَرُ تَقْفِزُ إِلَى ٱلْهَاتِفِ كُلَّ دَقِيقَةٍ. لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعُودُ إِلَيْهِ—بِتِلْكَ ٱلطَّرِيقَةِ ٱلَّتِي يَمُرُّ بِهَا ٱلْإِنْسَانُ أَمَامَ بَابٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ يُفْتَحُ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، دُونَ أَنْ يَقِفَ أَمَامَهُ وَدُونَ أَنْ يَبْتَعِدَ كَثِيرًا.
فِي ٱلصَّبَاحِ، أَثْنَاءَ إِعْدَادِ ٱلْقَهْوَةِ، لَمْ تُفَكِّرْ فِي ٱلرِّسَالَةِ أَوَّلًا.
ٱلْمَاءُ. ٱلْبُنُّ. ٱلرَّكْوَةُ. ٱلْحَرَكَاتُ ٱلْمُعْتَادَةُ فِي ٱلْمَطْبَخِ ٱلْمُعْتَادِ. ثُمَّ—فَجْأَةً، كَتَذَكُّرِ شَيْءٍ كَانَ مَوْجُودًا فِي ٱلْخَلْفِيَّةِ طُولَ ٱلْوَقْتِ دُونَ أَنْ يُعْلِنَ عَنْ نَفْسِهِ—جَاءَتِ ٱلْفِكْرَةُ.
فَتَحَتِ ٱلْهَاتِفَ. لَا جَدِيدَ.
لَكِنَّهَا لَمْ تُغْلِقْهُ.
جَلَسَتْ، وَٱلْقَهْوَةُ أَمَامَهَا، وَقَرَأَتْ رِسَالَتَهَا ٱلْأَخِيرَةَ مَرَّةً أُخْرَى—تِلْكَ ٱلَّتِي أَرْسَلَتْهَا هِيَ، لَا ٱلَّتِي أَرْسَلَهَا هُوَ:
“لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَهْرُبُ مِنْ حَيَاتِي، أَمْ أَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَجْرُؤْ عَلَىٰ تَسْمِيَتِهِ.”
ٱلْجُمْلَةُ لَمْ تَعُدْ جَدِيدَةً. لَكِنْ إِحْسَاسُهَا بِهَا تَغَيَّرَ—كَمَا يَتَغَيَّرُ ٱلْإِحْسَاسُ بِٱلْمَكَانِ حِينَ تَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ غِيَابٍ وَتَجِدُ أَنَّكَ لَمْ تَعُدْ نَفْسَ مَنْ غَادَرَ. ٱلْجُمْلَةُ وَاحِدَةٌ، وَٱلْكَلِمَاتُ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّ ٱلثِّقَلَ مُخْتَلِفٌ.
كَانَ فِيهَا ٱلْآنَ شَيْءٌ يُشْبِهُ ٱلِٱعْتِرَافَ ٱلْمُشْتَرَكَ. لَمْ تَعُدْ كَلِمَاتُهَا وَحْدَهَا—صَارَتْ كَلِمَةً بَيْنَهُمَا، جِسْرًا صَغِيرًا فَوْقَ مَسَافَةٍ لَا تُقَاسُ بِٱلْكِيلُومِتْرَاتِ.
“أَنَا لَمْ أَعُدْ أَتَحَدَّثُ مَعَ شَخْصٍ فَقَطْ.”
ٱلْفِكْرَةُ جَاءَتْ وَاضِحَةً، دُونَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ:
“أَنَا أَتَحَدَّثُ مَعَ ٱحْتِمَالٍ.”
________________________________________
فِي ٱلْمَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ يَتَكَلَّمُ.
عَنْ شَيْءٍ عَمَلِيٍّ—شِرَاءٍ أَوْ مَوْعِدٍ أَوْ تَفْصِيلٍ مَنْزِلِيٍّ لَا يَحْمِلُ وَزْنًا كَبِيرًا فِي مِيزَانِ ٱلْأَيَّامِ. وَسَمَرُ تَسْتَمِعُ—أَوْ تَبْدُو كَمَنْ يَسْتَمِعُ. لَكِنَّ جُزْءً مِنْهَا كَانَ يَعْمَلُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، كَآلَةٍ تَعْمَلُ عَلَىٰ طَاقَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا تُعْلِنُ عَنْ ذَٰلِكَ.
ثُمَّ قَالَ، بِلَا مُقَدِّمَةٍ:
— أَنْتِ فِعْلًا بَعِيدَةٌ ٱلْيَوْمَ.
تَوَقَّفَتْ.
هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ لَمْ تُجِبْ بِسُرْعَةٍ. نَظَرَتْ إِلَيْهِ—نَظْرَةً حَقِيقِيَّةً، مِنْ تِلْكَ ٱلنَّظَرَاتِ ٱلَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تَرَىٰ لَا أَنْ تُقْنِعَ—ثُمَّ قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— لَسْتُ بَعِيدَةً.
كَذِبَةٌ نَاعِمَةٌ. لَا تَجْرَحُ أَحَدًا. لَكِنَّهَا لَمْ تُقْنِعْهَا هِيَ.
“أَنَا بَعِيدَةٌ.” قَالَتْ نَفْسُهَا ٱلدَّاخِلِيَّةُ بِوُضُوحٍ لَا يَرْحَمُ. “بَعِيدَةٌ عَنْ هَذِهِ ٱلْغُرْفَةِ، وَعَنْ هَذَا ٱلْحَدِيثِ، وَعَنْ تِلْكَ ٱلْمَرْأَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ هُنَا قَبْلَ أَسَابِيعَ وَتَسْمَعُ بِكُلِّ ٱنْتِبَاهِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا مَكَانٌ آخَرُ تَذْهَبُ إِلَيْهِ.”
ٱبْتَسَمَ وَائِلٌ ٱبْتِسَامَةً قَصِيرَةً—تِلْكَ ٱلِٱبْتِسَامَةُ ٱلَّتِي تَعْنِي: “حَسَنًا، ٱنْتَهَىٰ ٱلْمَوْضُوعُ.” وَٱنْتَهَىٰ ٱلْحَدِيثُ.
كَٱلْعَادَةِ.
لَكِنَّ “كَٱلْعَادَةِ” هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ كَانَتْ تَحْمِلُ وَزْنًا مُخْتَلِفًا. كَانَتْ فِي ٱلسَّابِقِ جُمْلَةً مُحَايِدَةً—طَبِيعَةُ ٱلْحَيَاةِ، طَبِيعَةُ ٱلزَّوَاجِ ٱلطَّوِيلِ، طَبِيعَةُ ٱلْإِنْسَانِ. أَمَّا ٱلْآنَ، فَصَارَتْ تُشِيرُ إِلَىٰ شَيْءٍ—إِلَىٰ نَمَطٍ رَأَتْهُ ٱلْآنَ بِوُضُوحٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ قَبْلُ. كَأَنَّ شَخْصًا أَضَاءَ مِصْبَاحًا فِي غُرْفَةٍ كَانَتْ مُظْلِمَةً، وَبَعْدَ أَنْ رَأَيْتَ مَا فِيهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَظَاهَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَنَّكَ لَا تَعْرِفُ مَا هُوَ مَوْجُودٌ.
“هَكَذَا نَكُونُ دَائِمًا”، فَكَّرَتْ. “هُوَ يُلَاحِظُ ثُمَّ يَبْتَسِمُ ثُمَّ يَنْتَهِي. وَأَنَا أُجِيبُ بِمَا يُنْهِـي ٱلْمَوْضُوعَ. وَبَيْنَنَا هَذَا ٱلِٱتِّفَاقُ ٱلضِّمْنِيُّ ٱلَّذِي لَمْ نُوَقِّعْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ سَارٍ مِنْذُ سَنَوَاتٍ—أَلَّا نَفْتَحَ مَا لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نُغْلِقُهُ.”
________________________________________
فِي ٱللَّيْلِ، كَانَ ٱلْمَنْزِلُ هَادِئًا.
لَكِنَّ ٱلْهُدُوءَ لَمْ يَعُدْ مُرِيحًا كَمَا كَانَ. كَانَ ٱلْهُدُوءُ فِي ٱلسَّابِقِ يُشْبِهُ ٱلرَّاحَةَ—غِيَابُ ٱلضَّجِيجِ، غِيَابُ ٱلْمَطَالِبِ، غِيَابُ مَا يُزْعِجُ. أَمَّا ٱلْآنَ فَصَارَ يُشْبِهُ ٱلسُّؤَالَ—هُدُوءٌ يَسْأَلُ، هُدُوءٌ يَنْتَظِرُ، هُدُوءٌ فِيهِ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ لَمْ يَجِدْ مَكَانَهُ.
فَتَحَتِ ٱلْهَاتِفَ.
رِسَالَةٌ جَدِيدَةٌ.
“إِذَا لَمْ نُسَمِّ مَا يَحْدُثُ… هَلْ يَبْقَىٰ أَقَلَّ خُطُورَةً؟”
________________________________________
وَضَعَتِ ٱلْهَاتِفَ عَلَى ٱلطَّاوِلَةِ.
جَلَسَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ—كَأَنَّهَا تَحْتَاجُ مَسَافَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ ٱلْجُمْلَةِ لِكَيْ تَرَىٰ شَكْلَهَا كَامِلًا.
“هَلْ هَذَا ٱلسُّؤَالُ مِنْهُ؟”
“أَمْ مِنْهَا هِيَ، وَصَلَهَا بِصِيغَةٍ أُخْرَى؟”
لِأَنَّ هَذَا بِٱلضَّبْطِ مَا كَانَتْ تَسْأَلُهُ نَفْسَهَا مُنْذُ أَيَّامٍ—بِكَلِمَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، فِي تِلْكَ ٱللَّحَظَاتِ بَيْنَ ٱلْيَقَظَةِ وَٱلنَّوْمِ حِينَ تَخْرُجُ ٱلْأَسْئِلَةُ ٱلْحَقِيقِيَّةُ لِأَنَّ ٱلْحِرَاسَةَ تَكُونُ مُخَفَّفَةً.
“إِذَا لَمْ نُسَمِّهِ…”
مَا هُوَ “مَا يَحْدُثُ”؟ حَتَّىٰ هُوَ لَا يُسَمِّيهِ. يَسْأَلُ عَنِ ٱلتَّسْمِيَةِ دُونَ أَنْ يُسَمِّي. وَهِيَ تَفْهَمُ ٱلسُّؤَالَ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ ٱلْإِجَابَةَ. وَكِلَاهُمَا يَقِفُ أَمَامَ شَيْءٍ وَاضِحِ ٱلْحُضُورِ غَامِضِ ٱلْهُوِيَّةِ.
“أَقَلَّ خُطُورَةً.”
هُوَ يَعْرِفُ إِذًا—يَعْرِفُ أَنَّ ثَمَّةَ خُطُورَةً. لَمْ يَتَظَاهَرْ بِأَنَّ مَا يَحْدُثُ بَيْنَهُمَا حَدِيثٌ عَادِيٌّ بَيْنَ غَرِيبَيْنِ تَقَاطَعَتِ ٱهْتِمَامَاتُهُمَا. قَالَ ٱلْكَلِمَةَ. أَوْ بِٱلْأَحْرَىٰ، سَأَلَ عَنْهَا—وَهَذَا رُبَّمَا كَانَ أَصْدَقَ مِنْ قَوْلِهَا.
“أَعْتَقِدُ أَنَّ مَا لَا نُسَمِّيهِ…” بَدَأَتْ تَكْتُبُ، بِبُطْءٍ كَمَنْ يُمْلِي شَيْئًا يَكْتَشِفُهُ وَهُوَ يَقُولُهُ:
“هُوَ مَا يَبْدَأُ بِتَغْيِيرِنَا قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَهُ.”
أَرْسَلَتْ.
________________________________________
وَبَعْدَهَا جَاءَ ٱلصَّمْتُ. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ ٱلصَّمْتَ نَفْسَهُ.
كَانَ صَمْتًا فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ ٱنْتِظَارَ ٱلْقَرَارِ—لَيْسَ قَرَارًا يُتَّخَذُ بِجَلْسَةٍ وَاحِدَةٍ وَجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ ذَٰلِكَ ٱلْقَرَارُ ٱلَّذِي يُصْنَعُ بِبُطْءٍ، بِتَرَاكُمِ ٱللَّحَظَاتِ، حَتَّىٰ تَجِدَ نَفْسَكَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدِ ٱتَّخَذْتَهُ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ مَتَىٰ بِٱلضَّبْطِ حَدَثَ ذَٰلِكَ.
“حَيَاتِي”، فَكَّرَتْ سَمَرُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى ٱلْهَاتِفِ ٱلسَّاكِتِ، “لَمْ تَعُدْ تَقِفُ فِي مَكَانِهَا ٱلْقَدِيمِ. لَكِنَّهَا لَمْ تَتَحَرَّكْ بَعْدُ إِلَىٰ مَكَانٍ آخَرَ. أَنَا ٱلْآنَ فِي تِلْكَ ٱلْمَسَافَةِ بَيْنَ ٱلْمَكَانَيْنِ—تِلْكَ ٱلْمَسَافَةُ ٱلَّتِي لَا خَرَائِطَ لَهَا وَلَا أَسْمَاءَ.”
وَفِي دِمَشْقَ ٱلَّتِي تَعْرِفُهَا—تِلْكَ ٱلْمَدِينَةُ ٱلَّتِي عَاشَتْ عُمْرَهَا فِي ٱلْمَسَافَةِ بَيْنَ مَا كَانَ وَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ—كَانَتْ سَمَرُ تَكْتَشِفُ أَنَّ بَعْضَ ٱلْمَسَافَاتِ لَا تُقْطَعُ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَبَعْضُهَا لَا يُقْطَعُ أَبَدًا.
وَبَعْضُهَا—وَهَذَا ٱلْأَخْطَرُ—لَا تَعُودُ فِيهَا إِلَىٰ حَيْثُ بَدَأْتَ، حَتَّىٰ لَوْ أَرَدْتَ.
________________________________________
فِي ٱلْغُرْفَةِ ٱلْمُجَاوِرَةِ، كَانَ وَائِلٌ يَنَامُ.
وَفِي يَدِهَا، كَانَ هَاتِفٌ فِيهِ رَجُلٌ لَا تَعْرِفُ وَجْهَهُ.
وَبَيْنَهُمَا كَانَتْ هِيَ—لَا هُنَا تَمَامًا، وَلَا هُنَاكَ تَمَامًا.
فِي تِلْكَ ٱلْمَسَافَةِ ٱلَّتِي لَمْ تَعْرِفِ ٱسْمَهَا بَعْدُ.
________________________________________
الفَصْلُ التَّاسِعُ
________________________________________
فِي اليَوْمِ التَّالِي، كانَتْ أَكْثَرَ هُدُوءًا مِمَّا تَوَقَّعَتْ.
لَيْسَ ذٰلِكَ الهُدُوءُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ قَرارٍ، وَلَا ذٰلِكَ الَّذِي يَسْبِقُ العاصِفَةَ فِي القِصَصِ. بَلْ هُدُوءٌ مِنْ نَوْعٍ ثالِثٍ—هُدُوءُ المُراقِبِ. كَأَنَّ شَيْئًا بِداخِلِها قَرَّرَ، دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَها، أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الِانْدِفاعِ وَأَنْ يَجْلِسَ وَيَرَى.
فَتَحَتِ الهاتِفَ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ الصَّباحِ—مُتَأَخِّرٍ بِمَعاييرِها الجَديدَةِ، تِلْكَ المَعاييرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لَها قَبْلَ أَسابيعَ قَلِيلَةٍ.
رِسالَةٌ واحِدَةٌ.
“أَنا لَا أُرِيدُ أَنْ أُفْسِدَ شَيْئًا فِي حَياتِكِ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ كانَتْ مُخْتَلِفَةً—مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ ما سَبَقَها. لَا شاعِرِيَّةَ فِيها، وَلَا فَضاءٌ مَفْتُوحٌ لِلتَّأْوِيلِ. كانَتْ مُباشِرَةً بِشَكْلٍ غَيْرِ مُعْتادٍ مِنْهُ، وَهٰذِهِ المُباشَرَةُ بِالذَّاتِ كانَتْ تَحْمِلُ ثِقْلًا لَا تَحْمِلُهُ الجُمَلُ الجَميلَةُ.
“لَا أُرِيدُ أَنْ أُفْسِدَ شَيْئًا فِي حَياتِكِ.”
فَكَّرَتْ—بِذٰلِكَ الجُزْءِ مِنْها الَّذِي باتَ يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ أَعْلَى مِمَّا اعْتادَتْ:
“وَماذا لَوْ أَنَّ «حَياتِي» الَّتِي تَخْشَى أَنْ تُفْسِدَها لَيْسَتْ كامِلَةً أَصْلًا؟ ماذا لَوْ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي تُحاوِلُ حِمايَتَهُ يَحْتاجُ هُوَ نَفْسُهُ إِلى مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ؟”
لٰكِنَّها لَمْ تَقُلْ هٰذا. كَتَبَتْ بَدَلًا مِنْهُ—بَعْدَ دَقائِقَ طَوِيلَةٍ مِنَ الجُلُوسِ مَعَ الجُمْلَةِ:
“وَماذا لَوْ أَنَّ ما نَعْتَبِرُهُ «حَياتِي» لَمْ يَعُدْ يُطابِقُ ما أَشْعُرُ بِهِ؟”
أَرْسَلَتْ. وَأَغْلَقَتِ الهاتِفَ فَوْرًا.
لَيْسَ لِأَنَّها خافَتْ مِنَ الرَّدِّ—بَلْ لِأَنَّها خافَتْ مِنْ شَكْلِها هِيَ وَهِيَ تَنْتَظِرُهُ. مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ لِامْرَأَةٍ تُحَدِّقُ فِي شاشَةٍ تَنْتَظِرُ أَنْ يُعْطِيَها غَرِيبٌ ما لَمْ تَجِدْهُ فِي حَياتِها القَرِيبَةِ. كانَتْ هٰذِهِ الصُّورَةُ تُزْعِجُها—لَيْسَ لِأَنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ، بَلْ لِأَنَّها صَحِيحَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
________________________________________
مَرَّ اليَوْمُ مِنْ خارِجِهِ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ تامٍّ.
وائِلٌ تَحَدَّثَ عَنْ مَواعِيدَ وَعُقودٍ وَتَفاصِيلَ تَحْتاجُ قَراراتٍ. وَسَمَرٌ اسْتَمَعَتْ وَأَجابَتْ وَقامَتْ بِدَوْرِها كَما يَنْبَغِي لِامْرَأَةٍ تَعْرِفُ دَوْرَها جَيِّدًا.
لٰكِنَّها لاحَظَتْ شَيْئًا—شَيْئًا صَغِيرًا بَدَأَ يَكْبُرُ:
أَنَّها باتَتْ تُؤَدِّي حَياتَها.
لَيْسَ تَعِيشُها—تُؤَدِّيها. كَمُمَثِّلَةٍ تَعْرِفُ النَّصَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَتَقُولُ الكَلِماتِ فِي وَقْتِها الصَّحِيحِ، وَتَقِفُ فِي المَكانِ الصَّحِيحِ، وَتُعْطِي الِانْطِباعَ الصَّحِيحَ. لٰكِنَّ شَيْئًا ما—ذٰلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي يَجْعَلُ الأَداءَ حَياةً لا مَسْرَحِيَّةً—كانَ فِي مَكانٍ آخَرَ.
“هَلْ كُنْتُ دائِمًا هٰكَذا؟” سَأَلَتْ نَفْسَها وَهِيَ تُرَتِّبُ صُحونَ الغَداءِ. “أَمْ أَنَّ كَرِيمًا فَقَطْ أَضاءَ مِصْباحًا عَلى شَيْءٍ كانَ مَوْجودًا قَبْلَهُ بِسَنَواتٍ؟”
لَمْ تَجِدْ جَوابًا. أَوْ رُبَّما وَجَدَتْ جَوابًا وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُكْمِلَهُ.
________________________________________
فِي المَساءِ، وَأَثْناءَ إِعْدادِ العَشاءِ، قالَ وائِلٌ—دُونَ مُقَدِّماتٍ، كَعادَتِهِ فِي الأَشْياءِ الَّتِي تَهُمُّهُ حَقًّا:
— هَلْ هُناكَ شَيْءٌ تَغَيَّرَ فِيكِ؟
لَمْ تَلْتَفِتْ فَوْرًا. واصَلَتْ تَقْلِيبَ الطَّعامِ—تِلْكَ الحَرَكَةَ الدَّوْرِيَّةَ الَّتِي تَعْرِفُها يَدُها دُونَ أَنْ تُفَكِّرَ.
— لِماذا؟
— لا أَعْرِفُ… فَقَطْ أَشْعُرُ أَنَّكِ لَسْتِ هُنا بِالكامِلِ.
تَوَقَّفَتْ يَدُها. لَحْظَةً واحِدَةً فَقَطْ. ثُمَّ عادَتْ.
“لَسْتِ هُنا بِالكامِلِ.”
كَمْ مَرَّةً شَعَرَ بِذٰلِكَ وَلَمْ يَقُلْهُ؟ وَكَمْ مَرَّةً قالَهُ وَلَمْ تُكْمِلْ هِيَ الإِجابَةَ؟ وَكَمْ مَرَّةً “هُنا بِالكامِلِ” كانَتْ مُجَرَّدَ وَهْمٍ اتَّفَقا ضِمْنًا عَلى الإِيمانِ بِهِ؟
— أَحْيانًا الإِنْسانُ يَحْتاجُ أَنْ يُفَكِّرَ.
جُمْلَةٌ آمِنَةٌ. لا كَذِبَ فِيها وَلا حَقِيقَةَ كامِلَةً. تِلْكَ المِنْطَقَةُ الرَّمادِيَّةُ الَّتِي يَعِيشُ فِيها كُلُّ ما لا يُقالُ فِي البُيُوتِ العَرِيقَةِ.
لَمْ يُناقِشْ.
وَهٰذا الصَّمْتُ بَيْنَهُما—الصَّمْتُ الَّذِي كانَ يَعْنِي فِي السَّابِقِ “قَبِلْتُ”—بَدا اللَّيْلَةَ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي شَيْئًا آخَرَ. أَوْ رُبَّما هُوَ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَهِيَ الَّتِي تَقْرَأُهُ الآنَ بِعُيُونٍ مُخْتَلِفَةٍ.
“وائِلٌ”، فَكَّرَتْ وَهِيَ تُكْمِلُ الطَّبْخَ، “أَنْتَ تُلاحِظُ. هٰذا ما لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ جَيِّدًا—أَنَّكَ تُلاحِظُ. لٰكِنَّ المُلاحَظَةَ عِنْدَكَ تَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدودٍ مُعَيَّنَةٍ. تُلاحِظُ ثُمَّ تَنْتَظِرُ أَنْ أَنا مَنْ أَفْتَحَ، وَأَنا لا أَفْتَحُ، وَبَيْنَنا هٰذِهِ الدَّائِرَةُ الصَّامِتَةُ نَسِيرُ فِيها مُنْذُ سَنَواتٍ.”
“هَلْ أَنْتَ مُرْتاحٌ فِي هٰذِهِ الدَّائِرَةِ؟ أَمْ أَنَّكَ، مِثْلِي، تَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا ما لا يَعْمَلُ لٰكِنَّكَ لا تَعْرِفُ كَيْفَ تُصْلِحُهُ وَلا تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ الثَّمَنَ؟”
________________________________________
حِينَ دَخَلَتْ غُرْفَتَها لاحِقًا، كانَ الصَّمْتُ فِي البَيْتِ مُخْتَلِفًا.
أَصْبَحَ لَهُ وَزْنٌ—كَأَنَّ الكَلِماتِ الَّتِي لَمْ تُقَلْ تَراكَمَتْ فِي الهَواءِ وَصارَتْ جِسْمًا يَشْغَلُ مَساحَةً.
فَتَحَتِ الهاتِفَ.
“إِذا كانَ ما نَشْعُرُ بِهِ لا يُطابِقُ ما نَعِيشُهُ… فَأَيُّهُما الحَقِيقَةُ؟”
جَلَسَتْ. الهاتِفُ أَمامَها عَلَى السَّرِيرِ. لَمْ تَرُدَّ بِسُرْعَةٍ هٰذِهِ المَرَّةَ—كَأَنَّها تُحاوِلُ، بِوَعْيٍ مُتَعَمَّدٍ، أَنْ تَفْصِلَ بَيْنَ “الكِتابَةِ” وَ”القَرارِ”. بَيْنَ ما يُقالُ فِي لَحْظَةِ انْفِعالٍ وَما يُقالُ حِينَ يَكُونُ الإِنْسانُ مُسْتَيْقِظًا بِالكامِلِ.
“أَيُّهُما الحَقِيقَةُ؟”
سُؤالٌ يَبْدو فَلْسَفِيًّا لٰكِنَّهُ لَيْسَ كَذٰلِكَ. هُوَ سُؤالٌ جَسَدِيٌّ—تَشْعُرُ بِهِ فِي الصَّدْرِ لا فِي الرَّأْسِ. لِأَنَّ الحَياةَ الَّتِي تَعِيشُها—البَيْتُ، وائِلٌ، الأَطْفالُ حِينَ يَأْتُونَ، القَوائِمُ وَالمَواعِيدُ وَالأَدْوارُ—هٰذِهِ حَقِيقِيَّةٌ. لَها وَزْنٌ وَمَلْمَسٌ وَتارِيخٌ. أَمّا ما تَشْعُرُ بِهِ—ذٰلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي أَيْقَظَهُ كَرِيمٌ بِجُمَلِهِ وَفَراغاتِهِ—فَلا وَزْنَ لَهُ وَلا مَلْمَسَ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَبْدو أَحْيانًا أَكْثَرَ حُضورًا مِنْ كُلِّ ما يُمْكِنُ لَمسُهُ.
فَكَتَبَتْ:
“رُبَّما الحَقِيقَةُ لَيْسَتْ فِي أَحَدِهِما… بَلْ فِي المَسافَةِ بَيْنَهُما.”
________________________________________
أَرْسَلَتْ.
وَبَعْدَ الإِرْسالِ، لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ خارِقٌ. لا إِعْلانَ، لا انْهِيارَ، لا تَحَوُّلَ مُفاجِئًا فِي مُوسِيقَى الخَلْفِيَّةِ. فَقَطْ ذٰلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَتْبَعُ الأَشْياءَ الحَقِيقِيَّةَ—صَمْتٌ يُشْبِهُ ما يَأْتِي بَعْدَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ بِهِ حَتَّى قُلْتَهُ.
“المَسافَةُ بَيْنَهُما.”
أَعَادَتْ قِراءَةَ جُمْلَتِها.
وَلِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدَأَ كُلُّ هٰذا، شَعَرَتْ أَنَّ ما كَتَبَتْهُ لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا لَهُ فَقَطْ. كانَ مُوَجَّهًا لَها هِيَ—كَأَنَّها كانَتْ تُجِيبُ عَنْ سُؤالٍ قَديمٍ لَمْ تَجِدْ لَهُ شَكْلًا حَتَّى الآنَ.
لِأَنَّ هٰذا بِالضَّبْطِ هُوَ مَكانُها—فِي المَسافَةِ. لا فِي الحَياةِ الَّتِي تَعِيشُها كامِلَةً، وَلا فِي الشَّيْءِ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ كامِلًا. فِي تِلْكَ المِنْطَقَةِ بَيْنَهُما، تِلْكَ المِنْطَقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ راحَةً وَلا جَحِيمًا، بَلْ شَيْءٌ أَصْعَبُ مِنْهُما مَعًا—يَقَظَةٌ لا مَخْرَجَ مِنْها.
________________________________________
وَفِي مَكانٍ ما، كانَ كَرِيمٌ يَقْرَأُ جُمْلَتَها.
“المَسافَةُ بَيْنَهُما.”
وَكانَ يَعْرِفُ—بِذٰلِكَ الحَدْسِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ يَعِيشُ فِي المَسافاتِ—أَنَّ هٰذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ إِجابَةً.
بَلْ هِيَ الِاعْتِرافُ الأَوَّلُ.
الِاعْتِرافُ بِأَنَّ ثَمَّةَ مَسافَةً. وَأَنَّ المَسافَةَ مَسْكونَةٌ. وَأَنَّ مَنْ يَسْكُنُ مَسافَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ واقِفٌ.
كَتَبَ. ثُمَّ مَحا. ثُمَّ كَتَبَ مَرَّةً أُخْرى.
لِأَنَّ بَعْضَ الرُّدودِ تَحْتاجُ وَقْتًا لا لِأَنَّها صَعْبَةٌ—بَلْ لِأَنَّها مُهِمَّةٌ.
________________________________________
وَهُنا، فِي هٰذا الفَصْلِ بِالذَّاتِ، نَقِفُ عَلَى العَتَبَةِ.
لِأَنَّ سَمَرَ أَدْرَكَتْ—بِهُدوءِ ذٰلِكَ المُراقِبِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي اسْتَيْقَظَ فِي بِدايَةِ هٰذا اليَوْمِ—أَنَّ هٰذا الاقْتِرابَ البَطِيءَ لا يَحْتاجُ حادِثًا كَبيرًا كَيْ يَصِيرَ نُقْطَةَ لا عَوْدَةَ بَعْدَها. لا خِيانَةَ صَرِيحَةً، وَلا اعْتِرافاً دِرامِيًّا، وَلا مَشْهَدَ بُكاءٍ أَمامَ المِرْآةِ.
يَكْفِي أَنْ يَسْتَمِرَّ.
يَكْفِي أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي تَأْدِيَةِ حَياتِها بَيْنَما حَياتُها الحَقِيقِيَّةُ تَنْمو فِي مَكانٍ آخَرَ، بِبُطْءٍ وَصَمْتٍ وَبِلا إِعْلانٍ—كَالجُذورِ تَحْتَ الأَرْضِ، لا تُرى حَتَّى تَكْسِرَ الرَّصِيفَ.
________________________________________
الفَصْلُ العاشِرُ
________________________________________
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ يَحْتاجُ إِلى رَسائِلَ كَثِيرَةٍ.
هٰذا ما لاحَظَتْهُ سَمَرُ بِذٰلِكَ الجُزْءِ مِنْها الَّذِي باتَ يُراقِبُ كُلَّ شَيْءٍ—أَنَّ وُجودَهُ لَمْ يَعُدْ مُرْتَبِطًا بِالشَّاشَةِ. لَمْ يَعُدْ يَحْتاجُ أَنْ تَفْتَحَ الهاتِفَ لِكَيْ يَكُونَ مَوْجودًا. صارَ يَظْهَرُ فِي لَحْظَةِ صَمْتٍ أَثْناءَ الطَّبْخِ—تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي تَتَوَقَّفُ فِيها اليَدُ دُونَ سَبَبٍ. وَفِي نَظْرَةٍ سَريعَةٍ لِلْهاتِفِ دُونَ فَتْحِهِ، كَتَحَقُّقٍ مِنْ أَنَّ شَيْئًا ما لا يَزالُ فِي مَكانِهِ. وَفِي تِلْكَ الفِكْرَةِ الخَفيفَةِ الَّتِي تَأْتِي دُونَ اسْتِدْعاءٍ—فِكْرَةٌ لا اسْمَ لَها، مُجَرَّدُ حُضورٍ يُشْبِهُ ضَوْءً خافِتًا فِي الزَّاوِيَةِ.
لَمْ يَعُدْ “شَخْصًا تَكْتُبُ لَهُ.”
صارَ “جُزْءً مِنَ الخَلْفِيَّةِ”—كَالمُوسيقى الَّتِي لا تَسْمَعُها لٰكِنَّكَ تَشْعُرُ حِينَ تَتَوَقَّفُ.
________________________________________
فِي إِحْدَى اللَّيالِي، جاءَ الرَّدُّ مُخْتَلِفًا:
“أَحْيانًا أُفَكِّرُ أَنَّ الرَّسائِلَ بَيْنَنا لَيْسَتْ تَواصُلًا… بَلْ اخْتِبارُ مَسافَةٍ.”
تَوَقَّفَتْ طَويلًا.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تَكُنْ سُؤالًا وَلا اعْتِرافًا. كانَتْ وَصْفًا—وَصْفًا لِشَيْءٍ كانَتْ تَعِيشُهُ هِيَ دُونَ أَنْ تَجِدَ لَهُ اسْمًا. كَأَنَّهُ نَظَرَ إِلى ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّاوِيَةِ الصَّحِيحَةِ وَرَسَمَهُ بِدِقَّةٍ لَمْ تَجْتَرِئْ هِيَ عَلَى اسْتِخْدامِها.
“اخْتِبارُ مَسافَةٍ.”
نَعَمْ. هٰذا ما كانَ يَحْدُثُ—لا تَقَرُّبًا وَلا ابْتِعادًا، بَلْ قِياسًا مُسْتَمِرًّا: كَمْ يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ؟ وَكَمْ يُمْكِنُ أَنْ تَسْمَعَ؟ وَأَيْنَ تَقَعُ الحُدودُ؟ وَهَلِ الحُدودُ ثابِتَةٌ؟
كَتَبَتْ—بِتَرَدُّدٍ أَقَلَّ مِمَّا اعْتادَتْ:
“وَما الَّذِي نَخْتَبِرُهُ بِالضَّبْطِ؟”
أَرْسَلَتْ. وَلَمْ يَكُنِ الِانْتِظارُ هادِئًا هٰذِهِ المَرَّةَ. كانَ فِيهِ شَيْءٌ جَديدٌ—إِحْساسٌ بِأَنَّ السُّؤالَ نَفْسَهُ، بِمُجَرَّدِ أَنْ يُرْسَلَ، قَدْ يَكُونُ خُطْوَةً داخِلَ اتِّجاهٍ لا رَجْعَةَ فِيهِ. لَيْسَ لِأَنَّ السُّؤالَ خَطيرٌ فِي كَلِماتِهِ، بَلْ لِأَنَّ طَرْحَهُ يَعْنِي أَنَّها باتَتْ تُريدُ جَوابًا. وَالرَّغْبَةُ فِي الجَوابِ تَعْنِي أَنَّ شَيْئًا تَغَيَّرَ.
________________________________________
فِي اليَوْمِ التَّالِي، جاءَتْ رِسالَةٌ خارِجَ سِياقِ كُلِّ ما سَبَقَ:
“إِذا كانَ مُناسِبًا لَكِ… رُبَّما نَتَحَدَّثُ يَوْمًا بِشَكْلٍ مُباشِرٍ.”
وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِسُرْعَةٍ—بِحَرَكَةٍ لا إِرادِيَّةٍ، كَمَنْ لَمَسَ شَيْئًا ساخِنًا بِدَرَجَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا.
ثُمَّ جَلَسَتْ.
وَنَظَرَتْ إِلَى الهاتِفِ مِنْ مَسافَةٍ، كَأَنَّها تَحْتاجُ أَنْ تَرَى شَكْلَهُ كامِلًا قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ مَرَّةً أُخْرى.
“بِشَكْلٍ مُباشِرٍ.”
الكَلِمَتانِ بَسيطَتانِ. لٰكِنَّهُما تَحْمِلانِ ثِقَلًا لا يَتَناسَبُ مَعَ حَجْمِهِما. لِأَنَّ “بِشَكْلٍ مُباشِرٍ” يَعْنِي صَوْتًا—صَوْتًا حَقيقِيًّا بِنَبَراتِهِ وَتَوَقُّفاتِهِ وَتِلْكَ الأَشْياءَ الَّتِي لا تَسْتَطيعُ الكَلِماتُ المَكْتوبَةُ أَنْ تَحْمِلَها. يَعْنِي إِنْسانًا يَتَنَفَّسُ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ. يَعْنِي لَحْظَةً لا يُمْكِنُ مَحْوُها كَما يُمْحى النَّصُّ.
حَتَّى الآنَ، كانَ بِإِمْكانِها أَنْ تَقُولَ—لِنَفْسِها، فِي تِلْكَ اللَّحَظاتِ الَّتِي يُحاكِمُ فِيها الإِنْسانُ نَفْسَهُ—إِنَّهُ مُجَرَّدُ تَبادُلِ كَلِماتٍ. مُجَرَّدُ أَفْكارٍ تَتَقاطعُ عَبْرَ شاشَةٍ. مُجَرَّدُ شَخْصٍ يَكْتُبُ لِشَخْصٍ فِي الفَضاءِ الإِلِكْتْرونِيِّ الَّذِي لا يَنْتَمِي لِأَحَدٍ وَلا يَخُصُّ أَحَدًا.
لٰكِنَّ الصَّوْتَ؟
الصَّوْتُ يَنْتَمِي إِلى الواقِعِ. الصَّوْتُ يَسْكُنُ الأُذُنَ ثُمَّ يَبْقى فِيها—لا تَسْتَطيعُ أَنْ تَمْحُوَهُ كَما تَمْحُو نَصًّا. لا تَسْتَطيعُ أَنْ تُعيدَ قِراءَتَهُ بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ كَيْ يَعْنِي شَيْئًا آخَرَ. الصَّوْتُ يَقُولُ ما يَقُولُ، وَيَتْرُكُكَ تَحْمِلُهُ وَحْدَكَ.
“ماذا يَعْنِي أَنْ أَسْمَعَهُ بَدَلَ أَنْ أَقْرَأَهُ؟”
جَلَسَتْ مَعَ هٰذا السُّؤالِ وَقْتًا طَويلًا. أَطْوَلَ مِمَّا جَلَسَتْ مَعَ أَيِّ سُؤالٍ سابِقٍ.
لِأَنَّ هٰذا لَمْ يَكُنْ سُؤالًا عَنْهُ. كانَ سُؤالًا عَنْها—عَنِ المَرْأَةِ الَّتِي سَتُمْسِكُ الهاتِفَ وَتَسْمَعُ صَوْتَ رَجُلٍ لا تَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَعَمّا سَتَكُونُ عَلَيْهِ بَعْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ. لِأَنَّ بَعْضَ اللَّحْظاتِ تُغَيِّرُ الإِنْسانَ لا بِما تَحْتَويهِ، بَلْ بِمُجَرَّدِ حُدوثِها.
________________________________________
فِي المَساءِ، كانَ وائِلٌ أَكْثَرَ هُدُوءً مِنَ المُعْتادِ—ذٰلِكَ الهُدُوءُ الَّذِي لَيْسَ راحَةً بَلْ تَجْمِيعًا. جَلَسَ أَمامَها وَقالَ، بِتِلْكَ المُباشَرَةِ النَّادِرَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ حِينَ يُقَرِّرُ فِعْلًا أَنْ يَقُولَ:
— لاحَظْتُ أَنَّكِ تُفَكِّرينَ كَثيرًا هٰذِهِ الأَيَّامِ.
لَمْ تُنْكِرْ. وَلَمْ تَشْرَحْ.
— أَحْيانًا التَّفْكيرُ ضَروريٌّ.
هَزَّ رَأْسَهُ. وَعادَ إِلى صَمْتِهِ.
وَكانَ الصَّمْتُ هٰذِهِ المَرَّةَ أَثْقَلَ مِنَ المُعْتادِ—كَأَنَّ الغُرْفَةَ احْتَوَتْ عَلى كَلامٍ لَمْ يُقَلْ وَأَخَذَ وَزْنَهُ عَلَيْها.
“وائِلٌ”، فَكَّرَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، “أَنْتَ تُلاحِظُ أَكْثَرَ مِمَّا تَقُولُ. وَأَنا أَقُولُ أَقَلَّ مِمَّا أَشْعُرُ. وَبَيْنَنا هٰذِهِ الهُوَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي ظَلَلْنا نُسَمِّيها «اسْتِقْرارًا» طَوالَ هٰذِهِ السَّنَواتِ—هَلْ كانَتِ اسْتِقْرارًا فِعْلًا؟ أَمْ كانَتْ مُجَرَّدَ اتِّفاقٍ عَلَى عَدَمِ الاقْتِرابِ مِنَ الأَسْئِلَةِ الصَّعْبَةِ؟”
“وَأَنْتَ—هَلْ تَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا يَحْدُثُ؟ وَإِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ، هَلْ تُريدُ أَنْ تَعْرِفَ أَكْثَرَ؟ أَمْ أَنَّ هُناكَ جُزْءً مِنْكَ يُفَضِّلُ أَنْ يَبْقى البابُ مُوصَدًا لِأَنَّ ما وَراءَهُ قَدْ يَتَطَلَّبُ مِنْكَ أَيْضًا أَنْ تَتَغَيَّرَ؟”
لَمْ تَقُلْ شَيْئًا مِنْ هٰذا. لا لِأَنَّها لَمْ تُرِدْ، بَلْ لِأَنَّ هٰذِهِ الأَسْئِلَةَ كانَتْ تَتَطَلَّبُ مُحادَثَةً كامِلَةً—مُحادَثَةً لَمْ يَكُونا قَدْ تَدَرَّبا عَلى خَوْضِها مَعًا. وَرُبَّما هٰذا كانَ جُزْءً مِنَ المُشْكِلَةِ: أَنَّهُما بَنَيا حَياةً مُشْتَرَكَةً دُونَ أَنْ يَبْنِيا اللُّغَةَ المُشْتَرَكَةَ الَّتِي تَسْمَحُ بِمِثْلِ هٰذِهِ المُحادَثاتِ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِها، بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَ البابُ، نَظَرَتْ إِلى الهاتِفِ طَويلًا.
ثُمَّ كَتَبَتْ—بِبُطْءٍ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحْتاجُ أَنْ تَعْرِفَ مَكانَها قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ:
“قَدْ يَكُونُ الحَديثُ المُباشِرُ أَوْضَحَ… لٰكِنَّهُ أَيْضًا أَكْثَرُ خُطورةً.”
تَوَقَّفَتْ.
هٰذا التَّرَدُّدُ الأَخيرُ لَمْ يَكُنْ خَوْفًا. كانَ شَيْئًا أَكْثَرَ نُضْجًا مِنَ الخَوْفِ—إِدْراكًا. إِدْراكًا بِأَنَّ ما سَيَأْتِي بَعْدَ هٰذِهِ الجُمْلَةِ لَنْ يَبْقى فِي تِلْكَ المَساحَةِ الرَّمادِيَّةِ الآمِنَةِ الَّتِي عاشَتْ فِيها الأَسَابيعَ الماضِيَةَ. مَساحَةٌ يُمْكِنُ فِيها تَأْوِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَساحَةٌ لا يُمْكِنُ فِيها اتِّهامُها بِشَيْءٍ—لا لِنَفْسِها وَلا لِأَحَدٍ.
الصَّوْتُ يَكْسِرُ هٰذِهِ المَساحَةَ.
الصَّوْتُ يَقُولُ: نَعَمْ، هٰذا حَقِيقِيٌّ.
أَرْسَلَتْ.
________________________________________
وَفِي الجانِبِ الآخَرِ مِنْ هٰذِهِ المَسافَةِ الرَّقْمِيَّةِ الَّتِي لا كيلومتراتَ لَها—كانَ كَرِيمٌ يَقْرَأُ.
“أَكْثَرُ خُطورةً.”
جَلَسَ مَعَ الجُمْلَةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلى اللَّوْحَةِ غَيْرِ المُكْتَمِلَةِ عَلَى الجِدارِ—تِلْكَ اللَّوْحَةُ الَّتِي لَمْ يُغْلِقْ إِطارَها مُنْذُ أَسَابيعَ. كانَ هُناكَ شَيْءٌ فِي اليَسارِ لَمْ يُقَرِّرْ بَعْدُ ما سَيَكُونُ. فَراغٌ تَرَكَهُ عَنْ سابِقِ قَصْدٍ، ثُمَّ نَسِيَ لِماذا.
“أَكْثَرُ خُطورةً.”
كانَتْ صادِقَةً—كَما كانَتْ دائِمًا، هٰذِهِ المَرْأَةُ الَّتِي لا يَعْرِفُ وَجْهَها. صادِقَةً بِطَريقَةٍ تُزْعِجُ وَتُرِيحُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ.
كَتَبَ رَدًّا. ثُمَّ مَحاهُ. كَتَبَ آخَرَ. ثُمَّ تَوَقَّفَ.
لِأَنَّ بَعْضَ الأَشْياءِ تَحْتاجُ وَقْتًا—لا لِأَنَّها صَعْبَةٌ، بَلْ لِأَنَّها مُهِمَّةٌ. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اعْتادَ أَنْ يَتْرُكَ الفَراغاتِ فِي لَوْحاتِهِ كانَ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الفَراغاتِ لا تُمْلَأُ بِسُرْعَةٍ.
وَهُوَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كانَ يَقِفُ أَمامَ فَراغٍ فِي حَياتِهِ لَمْ يُسَمِّهِ بَعْدُ—فَراغٌ بِشَكْلِ امْرَأَةٍ لا يَعْرِفُها، وَبِحَجْمِ شَيْءٍ كانَ يَنْقُصُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ ناقِصٌ.
________________________________________
خارِجَ النَّافِذَةِ، كانَتْ دِمَشْقُ—أَوْ ما تَبَقّى مِنْها فِي الذَّاكِرَةِ وَالقَلْبِ—تَحْمِلُ كَعادَتِها كُلَّ ما لَمْ يُقَلْ. كُلَّ الحُبِّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُ. كُلَّ الكَلامِ الَّذِي ابْتَلَعَتْهُ الأَزْمَةُ وَالخَوْفُ وَالرَّحيلُ. وَكُلَّ تِلْكَ اللَّحَظاتِ الَّتِي وَقَفَ فِيها النَّاسُ عَلى عَتَبَةِ شَيْءٍ مُهِمٍّ وَتَرَاجَعُوا—لِأَنَّ ما كانَ يَنْتَظِرُهُمْ فِي الدَّاخِلِ كانَ أَكْبَرَ مِمَّا تَعَلَّمُوا أَنْ يَحْمِلُوا.
سَمَرُ لَمْ تَتَراجَعِ اللَّيْلَةَ.
لَمْ تَتَقَدَّمْ أَيْضًا.
لٰكِنَّها، كانَتْ واقِفَةً عَلَى العَتَبَةِ بِوَعْيٍ كامِلٍ—تَعْرِفُ أَنَّها عَتَبَةٌ، وَتَعْرِفُ أَنَّ وَراءَها شَيْئًا لا يُشْبِهُ ما قَبْلَها.
وَهٰذا—هٰذا الوَعْيُ بِذاتِهِ—كانَ أَخْطَرَ ما يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لِإِنْسانٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ حَياتَهُ مُسْتَقِرَّةٌ.

________________________________________

الجزء الثالث