لوحة خارج الإطار
الجزء الخامس
أُطُرٌ أُخرَى
الفَصْلُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ إطار (1)
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ بِسُرْعَةٍ هٰذِهِ المَرَّةِ.
لٰكِنَّ نُورَ — وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي شَاشَةِ هَاتِفِهَا الخَافِتَةِ فِي عَتْمَةِ غُرْفَتِهَا — لَمْ تَعُدْ تَرَى فِي التَّأْخِيرِ ذٰلِكَ الفَرَاغَ الثَّقِيلَ الَّذِي اعْتَادَتْ أَنْ تَمْلَأَهُ بِالخَوْفِ وَالتَّسَاؤُلِ. بَاتَ التَّأْخِيرُ يُشْبِهُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ قُبَيْلَ هُطُولِ المَطَرِ، حِينَ يَصْمُتُ كُلُّ شَيْءٍ قَلِيلًا، لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ مَا يُقَالُ، بَلْ لِأَنَّ مَا سَيُقَالُ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مُتَسَرِّعًا.
أَيَّ شَيْءٍ يُعَادُ فِيهِ تَرْتِيبُ الكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْكَ؟ فَكَّرَتْ. وَمَا الَّذِي يُجَهَّزُ هُنَاكَ، خَلْفَ الصَّمْتِ، اسْتِعْدَادًا لِشَيْءٍ لَمْ يُسَمَّ بَعْدُ؟
________________________________________
فِي اليَوْمِ التَّالِي، بَدَا كُلُّ شَيْءٍ فِي بَيْتِهَا عَادِيًّا. عَادِيًّا بِذٰلِكَ الشَّكْلِ المُتَعَمَّدِ تَقْرِيبًا، الَّذِي يَجْعَلُ العَادَةَ نَفْسَهَا مُثِيرَةً لِلرِّيبَةِ.
________________________________________
كَانَتْ نُورٌ تَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبِهَا الخَشَبِيِّ الثَّقِيلِ، ذٰلِكَ المَكْتَبُ الَّذِي وَرِثَتْهُ الشَّرِكَةُ عَنْ حِقْبَةٍ أُخْرَى، حِقْبَةٍ لَمْ تَكُنْ فِيهَا الحُرُوبُ تُحْصَى بِالسِّنِينَ بَلْ بِمَا تَتْرُكُهُ فِي وُجُوهِ النَّاسِ. أَمَامَهَا مَلَفَّاتٌ لَا تَنْتَهِي، وَخَلْفَهَا نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى شَارِعٍ دِمَشْقِيٍّ يَمْشِي فِيهِ النَّاسُ بِخُطًى مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الأَرْضَ قَدْ تَهْتَزُّ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، لٰكِنَّهُ اخْتَارَ أَلَّا يَتَوَقَّفَ.
كَانَتْ فِي الثَّلَاثِينَاتِ مِنْ عُمْرِهَا. تِلْكَ السَّنَوَاتُ الَّتِي تَظُنُّ المَرْأَةُ فِيهَا أَنَّهَا بَاتَتْ تَفْهَمُ الحَيَاةَ، ثُمَّ تَكْتَشِفُ أَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ فِي إِظْهَارِ مَا تُخَبِّئُهُ.
مُدِيرَةٌ إِدَارِيَّةٌ. لَقَبٌ يَبْدُو بَسِيطًا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ مَا مَعْنَى أَنْ تُدِيرَ شَرِكَةَ اسْتِيرَادٍ فِي دِمَشْقَ الَّتِي تَعِيشُ عَلَى حَافَةِ العُقُوبَاتِ وَالحِصَارَاتِ مُنْذُ عَامِ 2011. كَانَتِ الشَّرِكَةُ تَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، كَمَا يَتَنَفَّسُ رَجُلٌ يَسْبَحُ فِي بَحْرٍ هَائِجٍ وَيَعْرِفُ أَنَّ الشَّاطِئَ مَوْجُودٌ، لٰكِنَّهُ لَا يَرَاهُ.
كَيْفَ تَصْمُدُ شَرِكَةٌ فِي وَسَطِ كُلِّ هٰذَا؟
السُّؤَالُ لَمْ يَكُنْ يَطْرَحُهُ أَحَدٌ بِصَوْتٍ عَالٍ. لٰكِنَّ الجَوَابَ كَانَ مَكْتُوبًا فِي كُلِّ قَرَارٍ اتَّخَذَتْهُ نُورُ: بِالصَّبْرِ، وَبِالحِسَابَاتِ الدَّقِيقَةِ، وَبِذٰلِكَ النَّوْعِ مِنَ الهُدُوءِ الَّذِي لَا يَعْنِي غِيَابَ الخَوْفِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّكِ تَعَلَّمْتِ أَنْ تَضَعِي الخَوْفَ فِي جَيْبِكِ وَتَمْشِي.
________________________________________
الهُدُوءُ الدِّمَشْقِيُّ. ظَاهِرَةٌ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ فِي هٰذِهِ المَدِينَةِ العَجِيبَةِ.
دِمَشْقُ الَّتِي تُعَلِّمُ أَبْنَاءَهَا عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ أَنَّ البَقَاءَ فَنٌّ، وَأَنَّ الوَجْهَ المُسَالِمَ لَيْسَ ضَعْفًا بَلْ هُوَ الدِّرْعُ الأَمْتَنُ. كَانَ الدِّمَشْقِيُّونَ يُجِيدُونَ هٰذِهِ اللُّعْبَةَ بِبَرَاعَةٍ مُدْهِشَةٍ؛ يَبْتَسِمُونَ وَفِي صُدُورِهِمْ جِبَالٌ، يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الطَّقْسِ وَفِي عُقُولِهِمْ حَرَائِقُ، يَشْرَبُونَ قَهْوَتَهُمُ الصَّبَاحِيَّةَ وَيَسْمَعُونَ فِي الخَلْفِيَّةِ أَصْوَاتًا لَا يُسَمَّى اسْمُهَا فِي المَجَالِسِ العَامَّةِ.
نُورٌ كَانَتِ ابْنَةَ هٰذِهِ المَدْرَسَةِ بِامْتِيَازٍ.
لٰكِنْ مَا الَّذِي يَحْدُثُ حِينَ يَتْعَبُ حَارِسُ الهُدُوءِ الدَّاخِلِيِّ؟ حِينَ تَنَامُ الحَارِسَةُ الَّتِي تَقِفُ بَيْنَ الوَجْهِ وَالقَلْبِ؟
كَانَ الصَّمْتُ فِي بَيْتِهَا قَدْ تَغَيَّرَ. لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ الصَّمْتُ المُرِيحُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ اثْنَانِ يَثِقَانِ بِبَعْضِهِمَا دُونَ حَاجَةٍ إِلَى كَلَامٍ. كَانَ صَمْتًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ تَمَامًا. صَمْتٌ يُرَاقِبُ نَفْسَهُ. صَمْتٌ يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُحْدِثَ صَوْتًا يَكْسِرُ شَيْئًا هَشًّا لَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمَا كَيْفَ يُعِيدُ تَجْمِيعَهُ.
مَتَى تَحَوَّلَ الصَّمْتُ مِنْ رَاحَةٍ إِلَى مُرَاقَبَةٍ؟ وَمَنْ يَتَذَكَّرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي حَدَثَ فِيهَا ذٰلِكَ؟
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ رَامِي جَالِسًا أَمَامَهَا.
الكَنْبَةُ المُقَابِلَةُ. مَسَافَةُ مِتْرٍ أَوْ مِتْرَيْنِ، لٰكِنَّهَا فِي بَعْضِ الأَمْسِيَاتِ تُصْبِحُ مُحِيطًا.
كَانَتْ نُورٌ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَفِي دَاخِلِهَا ذٰلِكَ الحِوَارُ الصَّامِتُ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ:
هٰذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُحِبُّهُ. هٰذَا الرَّجُلُ الَّذِي أَثْبَتَ لِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا أَشْعُرُ بِهِ. كَمْ مَرَّةً تَخَلَّى عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِي؟ كَمْ مَرَّةً اخْتَارَنِي عَلَى حِسَابِ مَا يُرِيحُ غُرُورَهُ أَوْ يُرْضِي مُحِيطَهُ؟
رَامِي. مُوَظَّفٌ رَفِيعُ المُسْتَوَى، لَهُ مَكَانَتُهُ، لَهُ اسْمُهُ فِي الدَّوَائِرِ الَّتِي تُحْسَبُ. الرَّجُلُ الَّذِي يَعْرِفُهُ الجَمِيعُ، وَالَّذِي اخْتَارَ فِي اللَّحَظَاتِ الحَاسِمَةِ أَنْ يَعْرِفَهَا هِيَ.
تَذَكَّرَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، حِينَ كَانَ صَدِيقُهُ المُقَرَّبُ — خَالِدٌ، ذٰلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي يَمْلَأُ الغُرْفَةَ بِصَوْتِهِ وَبِثِقَتِهِ المُرْبِكَةِ — يَجْلِسُ فِي نَفْسِ هٰذَا البَيْتِ وَيَطْرَحُ آراءً تَجْعَلُ نُورًا تَشْعُرُ بِأَنَّ الهَوَاءَ يَخْرُجُ مِنَ الغُرْفَةِ بِبُطْءٍ. كَانَ رَامِي يَعْرِفُ مَا تَشْعُرُ بِهِ دُونَ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً وَاحِدَةً. وَفِي اليَوْمِ التَّالِي، اتَّخَذَ قَرَارًا هَدَّأَ كُلَّ شَيْءٍ بِدَاخِلِهَا دُونَ أَنْ يُعْلِنَ عَنْ بُطُولَةٍ.
وَكَذٰلِكَ عِنْدَمَا فَرَضَ عَلَى إِحْدَى أَخَوَاتِهِ أَنْ تَزُورَهُمْ بِمُفْرَدِهَا إِذَا رَغِبَتْ بِزِيَارَتِهِمْ — لِأَنَّ زَوْجَهَا وَأَوْلَادَهَا يُفْسِدُونَ عَلَى نُورٍ شَيْئًا مَا —
هَلْ هٰذَا مَا يُسَمَّى الحُبَّ؟ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَا لَا تَقُولُهُ المَرْأَةُ؟
________________________________________
كَانَتْ أُمُّ رَامِي — الحَاجَّةُ سُعَادُ، تِلْكَ السَّيِّدَةُ الَّتِي تَحْمِلُ دِمَشْقَ القَدِيمَةَ كُلَّهَا فِي طَرِيقَةِ جُلُوسِهَا — تَزُورُهُمْ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ. امْرَأَةٌ لَا تَقُولُ كُلَّ مَا تُفَكِّرُ فِيهِ، لٰكِنْ مَا تَقُولُهُ يَبْقَى يَرِنُّ فِي الرَّأْسِ لِأَيَّامٍ. كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى نُورٍ أَحْيَانًا بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الإِعْجَابِ وَالشَّيْءِ الآخَرِ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ، وَتَقُولُ بِصَوْتٍ دَافِئٍ يُخْفِي أَسْئِلَةً حَادَّةً:
«البَيْتُ الَّذِي فِيهِ سِتٌّ شَاطِرَةٌ مَا بْحْتَاجْ كْتِيرْ كَلَام.»
وَكَانَتْ نُورٌ تَبْتَسِمُ وَتُقَدِّمُ لَهَا الشَّايَ وَهِيَ تَتَسَاءَلُ فِي سِرِّهَا: هَلْ هٰذَا مَدْحٌ؟ أَمْ أَنَّ خَلْفَهُ سُؤَالًا لَمْ يُطْرَحْ بَعْدُ؟
________________________________________
كَانَتْ نُورٌ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ مَعَ زُمَلَائِهَا، كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ سُورِيَا تَعِيشُ فُصُولًا جَدِيدَةً مِمَّا بَاتُوا يُسَمُّونَهُ — «الثَّوْرَةَ» — حَسَبَ زَعْمِ بَعْضِ المُعَارِضِينَ.
وَهٰذِهِ الكَلِمَةُ وَحْدَهَا كَانَتْ تَحْمِلُ بِدَاخِلِهَا آلَافَ التَّفْسِيرَاتِ وَآلَافَ الوُجُوهِ.
فَمُنْذُ 2011، وَكُلُّ دِمَشْقِيٍّ يَحْمِلُ نُسْخَتَهُ الخَاصَّةَ مِنَ القِصَّةِ، نُسْخَتَهُ الَّتِي يُرَاجِعُهَا فِي سِرِّهِ لَيْلًا وَيُعَدِّلُ فِيهَا بِاسْتِمْرَارٍ.
فِي الشَّرِكَةِ، كَانَتْ لَيْلَى — المُحَاسِبَةُ الشَّابَّةُ الَّتِي انْتَقَلَتْ مِنْ حَلَبَ بَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ بَيْتَهَا وَكَثِيرًا مِمَّا هُوَ أَثْقَلُ مِنَ البَيْتِ — تَجْلِسُ أَمَامَ شَاشَتِهَا وَتَعْمَلُ بِصَمْتٍ مُتَعَمَّدٍ. صَمْتٌ مُخْتَلِفٌ عَنْ صَمْتِ نُورٍ. صَمْتٌ مِنْ يَعْرِفُ أَنَّ الكَلَامَ يُكَلِّفُ، وَأَنَّ بَعْضَ الحِكَايَاتِ لَا تُرْوَى إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ.
كَانَتْ نُورٌ تُلَاحِظُهَا، وَكَانَتْ تَسْأَلُ نَفْسَهَا: مَاذَا يَحْمِلُ هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ مُدُنٍ أُخْرَى بِدَاخِلِهِمْ؟ وَكَيْفَ يَمْشُونَ فِي دِمَشْقَ وَكَأَنَّهَا مَنْزِلُهُمْ، بَيْنَمَا مَنْزِلُهُمْ الحَقِيقِيُّ أَصْبَحَ ذِكْرَى؟
________________________________________
فِي المَسَاءِ، وَعَلَى الكَنْبَةِ المُقَابِلَةِ، كَانَ رَامِي يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ وَيَفْتَحُ فَمَهُ ثُمَّ يُغْلِقُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
كَانَتْ نُورٌ تَرَى ذٰلِكَ.
وَكَانَ الصَّمْتُ الَّذِي يُرَاقِبُ نَفْسَهُ يُسَجِّلُ كُلَّ شَيْءٍ.
مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ يَا رَامِي؟ وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ الكَلَامَ صَعْبًا عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَجِدِ الكَلَامَ صَعْبًا مِنْ قَبْلُ؟
هٰذَا السُّؤَالُ لَمْ تَطْرَحْهُ بِصَوْتٍ. لٰكِنَّهُ كَانَ يَمْلَأُ الغُرْفَةَ كُلَّهَا.
________________________________________
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ تِلْفَازٌ يَصْخَبُ، وَلَا هَاتِفٌ يُشَتِّتُ بِهِ الانْتِبَاهُ. فَقَطْ حُضُورٌ، كَثِيفٌ وَطَوِيلٌ وَصَامِتٌ، أَطْوَلُ مِنَ المُعْتَادِ.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، كَمَنْ يَلْفِظُ جُمْلَةً ظَلَّتْ تَتَشَكَّلُ طَوِيلًا فِي فَمِهِ:
— أَعْتَقِدُ أَنَّنَا نَقْتَرِبُ مِنْ لَحْظَةٍ لَا يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ نَبْقَى فِي المِنْطَقَةِ الرَّمَادِيَّةِ.
لَمْ تَرُدَّ فَوْرًا.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَا تَخُصُّكَ وَحْدَكَ يَا رَامِي. وَلَا تَخُصُّنِي وَحْدِي. تَخُصُّ مَا بَيْنَنَا جَمِيعًا، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ.
ثُمَّ قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— رُبَّمَا لَمْ نَعُدْ فِي تِلْكَ المِنْطَقَةِ أَصْلًا.
سَكَتَ.
وَهٰذِهِ المَرَّةُ، لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ حِيَادِيًّا كَعَادَتِهِ. كَانَ اعْتِرَافًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ؛ اعْتِرَافٌ غَيْرُ مُعْلَنٍ بِأَنَّ شَيْئًا تَغَيَّرَ فِعْلًا، حَتَّى لَوْ لَمْ يُسَمَّ بَعْدُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْهُمَا عَلَى تَسْمِيَتِهِ.
وَهَلْ كَانَتْ دِمَشْقُ نَفْسُهَا — بِكُلِّ مَا مَرَّ عَلَيْهَا — تُتْقِنُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ هٰذَا الفَنِّ؟ فَنَّ العَيْشِ فَوْقَ مَا لَا يُقَالُ؛ وَمَا لَا يُحْتَمَلُ؟
________________________________________
فِي غُرْفَةِ نَوْمِهِمَا لَيْلًا، جَلَسَتْ نُورٌ دُونَ تَشَتُّتٍ. فَتَحَتِ الهَاتِفَ مُبَاشَرَةً.
كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ مِنْ سَامِرٍ:
«إِذَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَدَخَّلَ إِلَى هٰذَا الحَدِّ فِي حَيَاتِكِ… فَسَيَكُونُ ذٰلِكَ مُخْتَلِفًا عَمَّا سَيَكُونُ بَيْنَنَا فِي المُسْتَقْبَلِ. إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى كَمَا هُوَ.»
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ تَحْذِيرًا يُرَهَّبُ بِهِ. وَلَيْسَتْ وَعْدًا يُغْرَى بِهِ. إِنَّهَا وَصْفٌ لِوَاقِعٍ بَدَأَ يَفْرِضُ نَفْسَهُ، كَتِلْكَ الأَشْجَارِ الَّتِي تَشُقُّ الإِسْفَلْتَ بِبُطْءٍ، بِلَا اسْتِئْذَانٍ.
كَتَبَتْ:
«أَعْرِفُ.»
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ قَبْلَ الإِرْسَالِ لَحْظَةً قَصِيرَةً جِدًّا.
لِأَنَّ «أَعْرِفُ» هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ إِجَابَةٍ عَلَى رِسَالَةٍ. كَانَتْ مُوَافَقَةً غَيْرَ مُعْلَنَةٍ عَلَى أَنَّ شَيْئًا مَا انْتَقَلَ مِنْ فَضَاءِ الكَلِمَاتِ إِلَى فَضَاءِ الحَيَاةِ، كَمَنْ يَفْتَحُ بَابًا كَانَ يَظُنُّهُ مُجَرَّدَ لَوْحَةٍ مَرْسُومَةٍ عَلَى الجِدَارِ.
أَرْسَلَتْ.
وَبَعْدَهَا، لَمْ تَعُدْ تَجْلِسُ كَمَا كَانَتْ تَجْلِسُ مِنْ قَبْلُ.
وَقَفَتْ.
نَظَرَتْ حَوْلَهَا فِي الغُرْفَةِ: التِّلْفَازُ الَّذِي نَادِرًا مَا يُشَغَّلُ، الكُتُبُ المُرَتَّبَةُ عَلَى الرَّفِّ تَرْتِيبًا يُشْعِرُ بِالوَحْدَةِ أَكْثَرَ مِنَ القِرَاءَةِ، السِّتَارَةُ ذَاتُ اللَّوْنِ الأَزْرَقِ البَاهِتِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ يَوْمَ زِفَافِهَا.
أَيُّ جُزْءٍ مِنْ هٰذِهِ الغُرْفَةِ سَيَبْقَى كَمَا هُوَ… بَعْدَ أَنْ لَمْ يَعُدْ هٰذَا الشَّيْءُ فِي الخَارِجِ فَقَطْ؟
________________________________________
نُورٌ لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ الهَاتِفَ كَنَافِذَةٍ تَطِلُّ مِنْهَا عَلَى عَالَمٍ آخَرَ. بَاتَ الهَاتِفُ فِي يَدِهَا كَأَدَاةٍ سَتُعْلِنُ شَيْئًا بَدَأَ بِالفِعْلِ فِي التَّكَوُّنِ فِي مَكَانٍ مَا بَيْنَ الرَّسَائِلِ وَالصَّمْتِ.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، لَاحَظَتْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِهَا اليَوْمِيَّةِ بَاتَ أَكْثَرَ «انْكِشَافًا». لَيْسَ لِأَنَّ الأَفْعَالَ تَغَيَّرَتْ — فَهِيَ لَا تَغْسِلُ الصُّحُونَ، وَلَا تَطْبُخُ الغَدَاءَ، فَقَطْ تُوَقِّعُ الأَوْرَاقَ — مَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ إِحْسَاسَهَا بِهٰذِهِ الأَوْرَاقِ قَدْ تَغَيَّرَ. صَارَ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَعِيشُ التَّفَاصِيلَ بَلْ تَرَاهَا وَهِيَ تَحْدُثُ، كَمُشَاهِدٍ فِي قَاعَةٍ تَعْرِفُ مَا سَيَحْدُثُ لٰكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَدَخَّلَ.
هَلْ هٰكَذَا تَشْعُرُ المُدُنُ حِينَ تَتَغَيَّرُ؟ هَلْ شَعَرَتْ دِمَشْقُ بِذٰلِكَ يَوْمًا؟ حِينَ رَأَتْ نَفْسَهَا تَتَشَقَّقُ مِنَ الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ تُعْلِنَ أَيَّ شَيْءٍ لِلْخَارِجِ؟
كَانَتْ ثَمَّةَ شَخْصِيَّاتٌ أُخْرَى تَمُرُّ بِأَطْرَافِ حَيَاتِهَا، كُلٌّ مِنْهَا يَحْمِلُ جُزْءً مِنَ الصُّورَةِ الكَامِلَةِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ:
أُمُّهَا، السَّيِّدَةُ وِدَادُ، الَّتِي تَتَّصِلُ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَتَسْأَلُهَا بِتِلْكَ النَّبْرَةِ الدِّمَشْقِيَّةِ القَدِيمَةِ: «كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ عِنْدَ رَامِي وَعِنْدَكِ؟» — سُؤَالٌ يَبْدُو عَادِيًّا لٰكِنَّهُ مَحْشُوٌّ بِالكَثِيرِ الكَثِيرِ، بِكُلِّ مَا تَعَلَّمَتْ وِدَادُ فِي عُمْرِهَا أَنْ تَشُمَّهُ دُونَ أَنْ تَرَاهُ.
صَدِيقَتُهَا رَنَا، الَّتِي تَعْمَلُ مُمَرِّضَةً فِي مَشْفَى تِشْرِين، وَقَدْ ظَلَّتْ طَوَالَ سِنِينَ الأَزْمَةِ تَقُولُ دَائِمًا: «أَنَا رَأَيْتُ نَاسًا خَسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ وَاحْتَفَظُوا بِعَلَاقَتِهِمْ، وَنَاسًا مَا خَسِرُوا شَيْئًا وَخَسِرُوا بَعْضَهُمْ.» — جُمْلَةٌ كَانَتْ تَبْدُو فَلْسَفِيَّةً فِي السَّابِقِ وَبَاتَتِ الآنَ تُحْكِمُ القَبْضَةَ عَلَى مَعِدَةِ نُورٍ كُلَّمَا تَذَكَّرَتْهَا.
زَمِيلُهَا فِي العَمَلِ أَيْمَنُ، الَّذِي لَاحَظَ مُنْذُ أَسَابِيعَ أَنَّ نُورًا صَارَتْ فِي «مَكَانٍ آخَرَ» حَتَّى وَهِيَ جَالِسَةٌ أَمَامَهُ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهَا لِأَنَّ الدِّمَشْقِيِّينَ تَعَلَّمُوا فِي سِنِينَ الأَزْمَةِ أَنَّ السُّؤَالَ أَحْيَانًا أَثْقَلُ مِنَ الصَّمْتِ.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، قَالَ رَامِي:
— أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ وَاضِحًا مَعَكِ… أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْرَارَ فِي شَيْءٍ لَا أَفْهَمُهُ.
هٰذِهِ المَرَّةُ لَيْسَتْ سُؤَالًا. هٰذِهِ حُدُودٌ جَدِيدَةٌ تُرْسَمُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. وَمَا أَخْطَرَ الحُدُودَ الَّتِي تُرْسَمُ بِهُدُوءٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ تُحَاوِلْ أَنْ تَحْمِيَ المَعْنَى بِكَلِمَاتٍ وُسْطِيَّةٍ تُرْضِي الجَمِيعَ وَتُنْقِذُ لَا شَيْءَ.
— لَا أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَفْهَمَ كُلَّ شَيْءٍ الآنَ.
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ هُدُوءً، كَمَنْ يُقِرُّ بِشَيْءٍ أَمَامَ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُقِرُّهُ أَمَامَ الآخَرِ:
— لٰكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَيْضًا أَنْ أَعُودَ إِلَى مَا قَبْلَ مَا أَفْهَمُهُ أَنَا.
سَكَتَ رَامِي.
وَهٰذَا الصَّمْتُ كَانَ مُخْتَلِفًا عَنْ سَابِقِيهِ. لَيْسَ صَمْتَ انْتِظَارٍ، بَلْ صَمْتُ إِدْرَاكٍ هَادِئٍ بِأَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَهُمَا بَدَأَتْ تُقَاسُ بِمِسْطَرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، بِوَحْدَاتٍ جَدِيدَةٍ لَمْ تُكْتَشَفْ بَعْدُ.
كَيْفَ يُقَاسُ الِابْتِعَادُ حِينَ لَا أَحَدَ تَحَرَّكَ مِنْ مَكَانِهِ؟
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا، وَقَفَتْ نُورٌ أَمَامَ المِرْآةِ.
نَظَرَتْ إِلَى نَفْسِهَا طَوِيلًا — لَيْسَ بَحْثًا عَنْ عَيْبٍ تُصْلِحُهُ، وَلَا تَفْتِيشًا عَنْ جَمَالٍ تُؤَكِّدُهُ. بَلْ كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَرَى «مَنْ هُوَ» خَارِجَ طَبَقَاتِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ، خَارِجَ الأَدْوَارِ المُعَلَّقَةِ عَلَيْهِ كَالمَلَابِسِ: زَوْجَةٌ، مُوَظَّفَةٌ، ابْنَةٌ، صَدِيقَةٌ.
مَنْ أَكُونُ حِينَ لَا يَرَانِي أَحَدٌ؟ وَهَلْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ المَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ كُلِّ هٰذَا؟
ثُمَّ جَلَسَتْ. فَتَحَتِ الهَاتِفَ.
كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ مِنْ سَامِرٍ:
«إِذَا كُنَّا سَنَخْرُجُ مِنَ الرَّسَائِلِ إِلَى الوَاقِعِ، فَلَا بُدَّ أَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِنَتِيجَةِ هٰذَا الخُرُوجِ، أَيًّا كَانَتْ.»
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تَعُدْ اقْتِرَاحًا. إِنَّهَا بَوَّابَةٌ: مُغْلَقَةٌ مِنْ جِهَةٍ، مَفْتُوحَةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَالبَوَّابَاتُ الَّتِي هِيَ كَذٰلِكَ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا طَوِيلًا.
كَتَبَتْ:
«أَنَا مُسْتَعِدَّةٌ لِرُؤْيَةِ مَا سَيُصْبِحُ عَلَيْهِ الأَمْرُ… حَتَّى لَوْ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ بَعْدُ.»
تَوَقَّفَتْ قَبْلَ الإِرْسَالِ.
هٰذِهِ المَرَّةُ، التَّرَدُّدُ لَيْسَ فِي الجُمْلَةِ، بَلْ فِي مَعْنَى «الِاسْتِعْدَادِ» حِينَ لَا يَكُونُ ثَمَّةَ طَرِيقُ عَوْدَةٍ وَاضِحٌ مِنْ بَعْدِهِ. هَلْ ثَمَّةَ اسْتِعْدَادٌ حَقِيقِيٌّ لِشَيْءٍ كَهٰذَا؟ أَمْ أَنَّ مَا نُسَمِّيهِ اسْتِعْدَادًا هُوَ مُجَرَّدُ اسْتِسْلَامٍ نُلْبِسُهُ ثِيَابًا أَنِيقَةً؟
أَرْسَلَتْ.
________________________________________
فِي الصَّبَاحِ، اسْتَيْقَظَتْ نُورٌ وَهِيَ تَشْعُرُ أَنَّ اللَّيْلَةَ لَمْ تَنْتَهِ بِالكَامِلِ فِي دَاخِلِهَا.
فِي العَمَلِ، كَانَتْ أَكْثَرَ دِقَّةً مِنَ المُعْتَادِ — تُوَقِّعُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ بِعِنَايَةٍ، تُجِيبُ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ بِوُضُوحٍ — كَأَنَّهَا تُثْبِتُ لِنَفْسِهَا أَنَّ «القَدِيمَ» مَا زَالَ يَعْمَلُ، وَلَوْ شَكْلِيًّا. لٰكِنَّ الحَقِيقَةَ ظَلَّتْ تَخْتَبِئُ خَلْفَ الكَفَاءَةِ: كُلُّ شَيْءٍ يَعْمَلُ، إِلَّا الإِحْسَاسُ القَدِيمُ نَفْسُهُ.
فِي مُنْتَصَفِ النَّهَارِ، وَصَلَ إِشْعَارٌ. قَرَأَتْ:
«إِذَا كُنْتِ مَا زِلْتِ عِنْدَ قَرَارِكِ… فَهُنَاكَ خُطْوَةٌ يَجِبُ أَنْ تُفْهَمَ كَخُطْوَةٍ، لَا كَكَلَامٍ فَقَطْ.»
وَضَعَتِ الهَاتِفَ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
الفِكْرَةُ لَمْ تَعُدْ نَظَرِيَّةً. أَصْبَحَتْ وَاضِحَةً بِمَا يَكْفِي لِتُرْبِكَ هٰذَا الهُدُوءَ الخَارِجِيَّ الَّذِي أَتْقَنْتِهِ طَوِيلًا. مَا الَّذِي يَحْدُثُ حِينَ تُصْبِحُ الكَلِمَاتُ عَتَبَةً؟
________________________________________
فِي المَسَاءِ، قَالَ رَامِي:
— أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ فَقَطْ… هَلْ مَا زِلْتِ هُنَا بِالكَامِلِ؟
هٰذَا لَيْسَ سُؤَالًا عَنِ الشَّكِّ. هٰذَا سُؤَالٌ عَنِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. عَنْ مَا إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ الَّتِي يَجْلِسُ أَمَامَهَا هِيَ ذَاتُهَا الَّتِي تَزَوَّجَهَا ذَاتَ يَوْمٍ رَبِيعِيٍّ فِي دِمَشْقَ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
— أَنَا هُنَا… لٰكِنْ لَيْسَ كَمَا كُنْتُ أَظُنُّ نَفْسِي.
لَمْ يَطْلُبْ تَفْسِيرًا.
لِأَنَّ الجُمْلَةَ — فِي إِيجَازِهَا وَثِقْلِهَا فِي آنٍ مَعًا — كَانَتْ كَافِيَةً لِتَغْيِيرِ طَبِيعَةِ اللَّحْظَةِ بَيْنَهُمَا تَغْيِيرًا لَا رَجْعَةَ فِيهِ.
كَانَ رَامِي رَجُلًا يُحِبُّ الوُضُوحَ. دَرَسَ الحُقُوقَ وَحَازَ فِيهَا عَلَى شَهَادَاتٍ عُلْيَا، وَأَضَافَ إِلَيْهَا خِبْرَاتٍ وَاسِعَةً، وَأَثْبَتَ كَفَاءَةً وَنَجَاحًا فِي كُلِّ المَنَاصِبِ الَّتِي أُوكِلَتْ إِلَيْهِ؛ وَآمَنَ دَائِمًا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ مُخَطَّطٌ، لَهُ شَكْلٌ، لَهُ حُدُودٌ يُمْكِنُ رَسْمُهَا. وَهَا هُوَ الآنَ أَمَامَ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ رَسْمُهُ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ نُورٌ دُونَ حَرَكَةٍ.
فَتَحَتِ الهَاتِفَ. كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ:
«إِذَا قَرَّرْتِ أَنْ نَلْتَقِيَ خَارِجَ هٰذَا الإِطَارِ… فَسَيَكُونُ ذٰلِكَ بِدَايَةً لَا يُمْكِنُ التَّحَكُّمُ بِنَتَائِجِهَا بِالكَامِلِ.»
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ لَبْسٌ. هٰذَا عَرْضٌ وَاضِحٌ لِانْتِقَالٍ كَامِلٍ مِنَ «الرَّسَائِلِ» إِلَى «الوَاقِعِ». وَالوَاقِعُ — كَمَا تَعَلَّمَتْ فِي سِنِينَ الأَزْمَةِ — لَا يَرْحَمُ مَنْ يَدْخُلُهُ مُتَرَدِّدًا.
كَتَبَتْ:
«أَعْرِفُ أَنَّ لَا شَيْءَ سَيَكُونُ كَمَا كَانَ.»
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَكُنِ التَّرَدُّدُ خَوْفًا مِنَ الخُطْوَةِ، بَلْ وَعْيًا بِأَنَّ الخُطْوَةَ نَفْسَهَا لَمْ تَعُدْ جُزْءً مِنَ الخَيَالِ. أَصْبَحَتْ جُزْءً مِنْ يَدٍ تَمُدُّهَا نَحْوَ بَابٍ حَقِيقِيٍّ.
أَرْسَلَتْ.
ثُمَّ أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَرَاهُ كَحُدُودٍ بَيْنَ عَالَمَيْنِ.
بَلْ كَبَابٍ بَدَأَ يُفْتَحُ بِبُطْءٍ، وَلَا يُمْكِنُ إِغْلَاقُهُ بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا مَرَّةً أُخْرَى.
________________________________________
الفَصْلُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ إطار (2)
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ بِصِيغَةٍ طَوِيلَةٍ. كَانَ أَقْصَرَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَ:
«غَدًا. الخَامِسَةُ. نَفْسُ المَكَانِ.»
قَرَأَتِ الجُمْلَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
لَيْسَ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ مَعْنَاهَا — فَالمَعْنَى وَاضِحٌ كَالشَّمْسِ فِي يَوْمٍ لَا غَيْمَ فِيهِ — بَلْ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ وَاقِعِيَّتِهَا. لِأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ، حَتَّى وَهِيَ تَقَعُ، تَظَلُّ تَشْعُرُ بِأَنَّهَا تَحْدُثُ لِشَخْصٍ آخَرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ.
وَهٰذَا الإِغْلَاقُ لَمْ يَكُنْ عَادَةً. كَانَ فِعْلًا، يُشْبِهُ وَضْعَ حَجَرٍ صَغِيرٍ عَلَى وَثِيقَةٍ حَتَّى لَا تُطِيّرَهَا الرِّيحُ.
________________________________________
فِي اليَوْمِ التَّالِي، بَدَا الصَّبَاحُ هَادِئًا بِشَكْلٍ لَا يُطَاقُ. كَأَنَّ العَالَمَ قَرَّرَ أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَ اليَوْمِ كَأَيِّ يَوْمٍ آخَرَ، رَغْمَ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ.
كَانَتْ سُعَادُ تُؤَدِّي أَعْمَالَهَا بِبُطْءٍ مَحْسُوبٍ. كُلُّ حَرَكَةٍ لَهَا وَزْنٌ مُخْتَلِفٌ، كُلُّ لَحْظَةٍ تَحْمِلُ دَاخِلَهَا مَا يَكْفِي مِنَ الوَعْيِ لِإِثْقَالِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ.
فِي الظَّهِيرَةِ، وَقَفَتْ أَمَامَ المِرْآةِ — لِلمَرَّةِ الثَّانِيَةِ هٰذَا الأُسْبُوعَ، وَهٰذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ كَانَ جَدِيدًا.
لَسْتِ تُغَيِّرِينَ شَكْلَكِ. أَنْتِ تُحَاوِلِينَ أَنْ تَفْهَمِيهِ فِي هٰذَا السِّيَاقِ الجَدِيدِ. مَنْ أَنْتِ الآنَ؟ وَهَلْ يَعْرِفُ وَجْهُكِ ذٰلِكَ؟
________________________________________
فِي المَسَاءِ، خَرَجَتْ.
لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ غَرِيبًا كَمَا فِي اللِّقَاءاتِ السابِقةِ — ذٰلِكَ الطَّرِيقُ الَّذِي كَانَتْ تَمْشِيهِ وَكَأَنَّهَا تَمْشِي فَوْقَ زُجَاجٍ. كَانَ مَأْلُوفًا هٰذِهِ المَرَّةَ، بِشَكْلٍ يُزْعِجُ أَكْثَرَ مِمَّا يُطْمَئِنُ. كَأَنَّ الطُّرُقَ نَفْسَهَا تَعْتَادُ عَلَى أَسْرَارِنَا أَسْرَعَ مِنَّا.
حِينَ اقْتَرَبَتْ مِنَ المَقْهَى، شَعَرَتْ أَنَّ الزَّمَنَ تَبَاطَأَ قَلِيلًا. لَيْسَ خَوْفًا وَاضِحًا. إِدْرَاكٌ فَقَطْ — هَادِئٌ وَدَقِيقٌ وَحَادٌّ كَرَأْسِ إِبْرَةٍ — بِأَنَّ اللَّحْظَةَ لَمْ تَعُدْ فِكْرَةً.
وَقَفَتْ عِنْدَ البَابِ.
دَخَلَتْ.
كَانَ زِيَادٌ هُنَاكَ.
لَمْ يَتَحَرَّكْ فَوْرًا. جَلَسَ كَمَا هُوَ، كَأَنَّ كِلَيْهِمَا يَتْرُكَانِ لِلَّحْظَةِ أَنْ تَأْخُذَ شَكْلَهَا دُونَ تَدَخُّلٍ مِنْ أَحَدٍ، دُونَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ:
— جِئْتِ.
لَيْسَتْ تَحِيَّةً. إِنَّهَا تَأْكِيدٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ بَيْنَ الرَّسَائِلِ قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَانِهِ القَدِيمِ. وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَكَانِهِ القَدِيمِ يُصْبِحُ شَيْئًا آخَرَ.
— نَعَمْ.
قَالَتْهَا. وَالكَلِمَةُ لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ — خَفِيفَةً كَأَنَّهَا تُجَرِّبُ. كَانَتِ الآنَ ذَاتَ وَزْنٍ، كَأَنَّهَا وُلِدَتْ فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ بِالتَّحْدِيدِ.
جَلَسَا.
الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ انْتِظَارًا. كَانَ بِدَايَةَ شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ تَمْهِيدًا طَوِيلًا كَيْ يَوْجَدَ.
قَالَ زِيَادٌ:
— لَا أَظُنُّ أَنَّ مَا بَيْنَنَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى فِي المُنْتَصَفِ بَعْدَ الآنَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سُؤَالٌ دَاخِلَهَا يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ. كَانَ هُنَاكَ إِدْرَاكٌ هَادِئٌ بِأَنَّ المُنْتَصَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا كَمَا كَانَ.
وَالمُنْتَصَفُ حِينَ يَخْتَفِي، لَا يَتْرُكُ فَرَاغًا. يَتْرُكُ ضِفَّتَيْنِ.
________________________________________
الصَّوْتُ فِي هٰذَا المَقْهَى الشَّعْبِيِّ كَانَ بَعِيدًا خَافِتًا، كَأَنَّ العَالَمَ وَافَقَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُمَا مَسَاحَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ — تِلْكَ المَسَاحَةَ الَّتِي لَا تُخَصَّصُ، تَنْشَأُ وَحْدَهَا حَوْلَ النَّاسِ حِينَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ مَا لَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
قَالَ:
— لَا أُرِيدُ أَنْ أَضْغَطَ عَلَيْكِ… لٰكِنَّ الِاسْتِمْرَارَ كَمَا هُوَ لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا بِالنِّسْبَةِ لِي.
لَيْسَ فِي جُمْلَتِهِ اسْتِعْجَالٌ. ثَمَّةَ وُضُوحٌ مُتْعَبٌ. وُضُوحٌ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ يُؤَجِّلُ طَوِيلًا، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ ذَاتَ صَبَاحٍ وَلَمْ يَعُدْ يَتَحَمَّلُ التَّأْجِيلَ.
— وَلَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا مِنَ البِدَايَةِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ. ثُمَّ أَضَافَتْ:
— لٰكِنَّنَا تَأَخَّرْنَا فِي الِاعْتِرَافِ بِذٰلِكَ.
لَمْ يَعْتَرِضْ.
لِأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ هُجُومًا. كَانَتْ وَصْفًا مُشْتَرَكًا لِزَمَنٍ امْتَدَّ بَيْنَ الصَّمْتِ وَالكَلَامِ، كَخَيْطٍ طَوِيلٍ عَلِقَ بَيْنَ نَافِذَتَيْنِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ.
فِي الخَارِجِ، بَدَأَتِ الإِضَاءَةُ تَتَغَيَّرُ. المَسَاءُ الدِّمَشْقِيُّ — ذٰلِكَ المَسَاءُ الَّذِي تَعَلَّمَ كَيْفَ يَكُونُ جَمِيلًا حَتَّى فِي أَصْعَبِ السَّنَوَاتِ — يَقْتَرِبُ بِبُطْءٍ، يَضَعُ خَلْفِيَّتَهُ الذَّهَبِيَّةَ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يَجْرِي دَاخِلَ هٰذَا المَقْهَى يَسْتَحِقُّ إِطَارًا.
— إِذًا… مَاذَا الآنَ؟
سَأَلَهَا زِيَادُ.
السُّؤَالُ لَمْ يَعُدْ فَلْسَفِيًّا. أَصْبَحَ عَمَلِيًّا، مُبَاشِرًا، مَكْشُوفًا كَجُرْحٍ لَمْ يُعَالَجْ.
نَظَرَتْ إِلَى كُوبِهَا، ثُمَّ إِلَيْهِ.
— لَا أَسْتَطِيعُ؛ فَزَوْجِي لَنْ يَتْرُكَنِي وَشَأْنِي، حَتَّى لَوِ انْفَصَلْتُ عَنْهُ، هٰذَا إِنْ حَدَثَ وَأَقَرَّ بِالِانْفِصَالِ.
سَكَتَتْ. ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
— لٰكِنِّي أَيْضًا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُقَرِّرَ كُلَّ شَيْءٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.
— لَا أَحَدَ يَطْلُبُ لَحْظَةً وَاحِدَةً.
لٰكِنَّ الحَقِيقَةَ كَانَتْ أَنَّ كُلَّ مَا وَصَلَا إِلَيْهِ حَتَّى الآنَ كَانَ يَضْغَطُ بَاتِّجَاهِ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. حَتَّى لَوْ لَمْ تُسَمَّ كَذٰلِكَ. حَتَّى لَوْ أُخْفِيَتْ بِكَلِمَاتٍ عَنِ التَّأَنِّي وَالحِكْمَةِ.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ:
— مَا أُرِيدُهُ فَقَطْ… أَلَّا يَكُونَ مَا بَيْنَنَا خِدَاعًا عَلَى حَيَاتِنَا الأُخْرَى.
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ أَعَادَتْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى وَزْنِهِ الحَقِيقِيِّ. لَيْسَ لِأَنَّ السُّؤَالَ جَدِيدٌ، بَلْ لِأَنَّهُ أَصْبَحَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّجَاهُلِ. كَالرَّمْلِ الَّذِي يَمْلَأُ الحِذَاءَ بِبُطْءٍ — فِي لَحْظَةٍ مَا لَا يُمْكِنُكَ المَشْيُ أَكْثَرَ.
— لَا أُرِيدُ خِدَاعًا أَيْضًا.
قَالَتْ.
وَسَكَتَتْ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا مَسَاحَةَ انْتِظَارٍ. كَانَ مَسَاحَةَ قَرَارٍ يَتَكَوَّنُ دُونَ إِعْلَانٍ، كَخُبْزٍ يَخْتَمِرُ فِي الظَّلَامِ.
حِينَ خَرَجَتْ لَاحِقًا، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَدَاعٌ وَاضِحٌ. وَلَا اتِّفَاقٌ. وَلَا نِهَايَةٌ.
لٰكِنْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا: لَمْ تَعُدِ العَلَاقَةُ «تُكْتَبُ» بَيْنَهُمَا. بَدَأَتْ «تُعْرَفُ» دَاخِلَ الوَاقِعِ.
________________________________________
الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ – إطار (3)
حِينَ ابْتَعَدَتْ عَنِ المَقْهَى، لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مُخْتَلِفًا كَمَا تَوَقَّعَتْ.
كَانَ عَادِيًّا بِشَكْلٍ يُرْبِكُ أَكْثَرَ مِمَّا يُطْمَئِنُ. كَأَنَّ العَالَمَ يَرْفُضُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ شَيْئًا مُهِمًّا قَدْ تَغَيَّرَ تَوًّا.
أَلَا يَعْرِفُ هٰذَا الشَّارِعُ مَا حَدَثَ؟ أَلَا تَشْعُرُ هٰذِهِ الأَرْصِفَةُ بِثِقَلِ مَا يَمْشِي عَلَيْهَا؟
لٰكِنَّ الشَّوَارِعَ لَا تَعْرِفُ. وَهٰذَا هُوَ الأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ الحَيَاةَ مُسْتَمِرَّةً رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، لَمْ يَحْدُثْ تَوَاصُلٌ جَدِيدٌ مُبَاشِرٌ بَيْنَهُمَا. لٰكِنَّ الصَّمْتَ لَمْ يَعُدْ فَرَاغًا. أَصْبَحَ تَوَاصُلًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، لَا يَحْتَاجُ جُمَلًا جَدِيدَةً كَيْ يَسْتَمِرَّ.
كَانَتْ تُلَاحِظُ ذٰلِكَ فِي أَبْسَطِ الأَشْيَاءِ: كَيْفَ تَفْتَحُ الهَاتِفَ دُونَ قَلَقٍ، كَيْفَ تَتَوَقَّفُ عَنْ إِعَادَةِ قِرَاءَةِ المُحَادَثَةِ، وَكَيْفَ أَصْبَحَ وُجُودُهُ فِي ذِهْنِهَا أَقَلَّ انْدِفَاعًا وَأَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا — بِشَكْلٍ غَرِيبٍ يُشْبِهُ اسْتِقْرَارَ الأَشْيَاءِ حِينَ تَجِدُ مَكَانَهَا.
لَيْسَ انْتِهَاءً. تَثْبِيتٌ.
________________________________________
فِي المَنْزِلِ، كَانَتِ الحَيَاةُ تَمْضِي كَأَنَّهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، لٰكِنَّ التَّشَقُّقَاتِ الصَّغِيرَةَ بَدَأَتْ تَظْهَرُ فِي التَّفَاصِيلِ: نَبْرَةُ حَازِمٍ حِينَ يَسْأَلُ، طَرِيقَةُ الصَّمْتِ بَيْنَهُمَا، تِلْكَ المَسَافَةُ غَيْرُ المُعْلَنَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً بِهٰذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ.
كَانَ ثَمَّةَ أَشْخَاصٌ آخَرُونَ فِي هٰذِهِ القِصَّةِ دُونَ أَنْ يَعْلَمُوا:
جَارَتُهُمْ أُمُّ سَعِيدٍ، الَّتِي تَمْلِكُ عُيُونًا تُبْصِرُ أَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ، وَالَّتِي لَاحَظَتْ أَنَّ سُعَادَ بَاتَتْ «تَنْزِلُ مِنَ البَيْتِ وَحْدَهَا أَكْثَرَ»، وَحَاكَتْ فِي ذِهْنِهَا قِصَّةً كَامِلَةً لَمْ تَسْأَلْهَا عَنْهَا بَعْدُ.
أَخُو حَازِمٍ، وَائِلٌ، الَّذِي يَعِيشُ فِي أَلْمَانِيَا مُنْذُ سِنِينَ، وَيَتَّصِلُ مَرَّةً كُلَّ شَهْرٍ لِيَسْأَلَ: «كَيْفَ الأَحْوَالُ؟» — سُؤَالٌ يَعْنِي مِئَةَ سُؤَالٍ لَا يَجْرُؤُ عَلَى طَرْحِهَا.
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، جَلَسَ حَازِمٍ أَمَامَهَا وَقَالَ:
— أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ إِنْ كُنَّا مَا زِلْنَا فِي نَفْسِ الحَيَاةِ، أَمْ أَنَّنَا فَقَطْ نَعِيشُ شَكْلَهَا.
هذا السؤالُ لَمْ يُفَاجِئْهَا. بَلْ شَعَرَتْ أَنَّهُ تَأَخَّرَ قَلِيلًا عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ. كَمَنْ يَطْرُقُ بَابًا فُتِحَ مُنْذُ أَمَدٍ.
— نَحْنُ فِي نَفْسِ الحَيَاةِ… لٰكِنْ لَيْسَ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
— وَهٰذَا لَيْسَ قَرَارًا وَاحِدًا.
لَمْ يَرُدَّ. لٰكِنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَتْرُكَاها.
وَكَانَتْ عَيْنَاهُ — تِلْكَ العُيُونُ الرَّمَادِيَّةُ الَّتِي أَحَبَّتْهَا يَوْمَ قَرَّرَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ — تَطْرَحَانِ السُّؤَالَ الَّذِي لَمْ يَجْتَرِئْ لِسَانُهُ عَلَى طَرْحِهِ: «هَلْ ثَمَّةَ شَخْصٌ آخَرُ؟»
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ عَلَى السَّرِيرِ دُونَ حَرَكَةٍ طَوِيلَةٍ. الهَاتِفُ أَمَامَهَا. فَتَحَتِ المُحَادَثَةَ.
كَتَبَتْ:
«لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ مَاذَا بَيْنَنَا… بَلْ كَيْفَ نَمْنَعُ مَا بَيْنَنَا مِنْ أَنْ يُدَمِّرَ مَا حَوْلَهُ دُونَ وَعْيٍ.»
«مَا حَوْلَهُ» لَمْ يَعُدْ شَيْئًا خَارِجَ القِصَّةِ. أَصْبَحَ جُزْءً مِنْ وَزْنِهَا الحَقِيقِيِّ. أَصْبَحَ هُوَ القِصَّةَ.
أَرْسَلَتْ.
ثُمَّ وَضَعَتِ الهَاتِفَ.
لَمْ تَنَمْ كَمَا فِي السَّابِقِ.
لِأَنَّ شَيْئًا كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ بِهُدُوءٍ: لَمْ يَعُدْ ثَمَّةَ طَرِيقَانِ وَاضِحَانِ أَمَامَهَا. بَلْ طَرِيقٌ وَاحِدٌ يَتَفَرَّعُ دَاخِلَهُ كُلُّ شَيْءٍ آخَرَ، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ إِذْنًا مِنْ أَحَدٍ.
________________________________________
مَرَّتْ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ بِلَا رَسَائِلَ جَدِيدَةٍ.
الغِيَابُ لَمْ يَكُنْ ثَقِيلًا. كَانَ أَشْبَهَ بِهُدُوءٍ مُشْحُونٍ، كَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُتَوَقِّفٌ مُؤَقَّتًا، لَا مُنْتَهٍ.
فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، بَدَأَتْ تُلَاحِظُ تَحَوُّلًا صَغِيرًا لٰكِنَّهُ حَاسِمٌ: لَمْ تَعُدْ تُفَكِّرُ فِي «مَاذَا سَيَكْتُبُ؟» بَلْ فِي «مَاذَا سَيَحْدُثُ إِنْ لَمْ يَكْتُبْ؟»
هٰذَا التَّحَوُّلُ الصَّغِيرُ، لَا الكَبِيرُ، هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. لَيْسَ الزِّلْزَالَ — بَلِ الشَّقَّ الدَّقِيقَ الَّذِي يَبْدَأُ قَبْلَهُ.
فِي المَنْزِلِ، كَانَ عَادِلٌ يُرَاقِبُ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ: نَبْرَةَ الإِجَابَةِ، تَوْقِيتَ الصَّمْتِ، طَرِيقَةَ النَّظَرِ قَبْلَ الرَّدِّ. وَهِيَ كَانَتْ تَشْعُرُ بِذٰلِكَ دُونَ أَنْ تَقُولَ. لَيْسَ كَاتِّهَامٍ. كَوَعْيٍ مُتَبَادَلٍ بِأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَعُدْ قَابِلًا لِلتَّجَاهُلِ.
وَهٰكَذَا — هٰكَذَا بِالضَّبْطِ — كَانَتِ الأَزْمَةُ السُّورِيَّةُ تَعْمَلُ أَيْضًا فِي أَعْمَقِ صُوَرِهَا: لَا بِالتَّدْمِيرِ الصَّاخِبِ دَائِمًا، بَلْ بِذٰلِكَ الوَعْيِ الصَّامِتِ المُتَرَاكِمِ الَّذِي يَتَسَرَّبُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ.
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، قَالَ عَادِلٌ بِهُدُوءٍ:
— لَا أُرِيدُ أَنْ نَصِلَ إِلَى نُقْطَةٍ لَا يُمْكِنُ فِيهَا التَّرَاجُعُ أَوِ الإِصْلَاحُ.
الجُمْلَةُ لَمْ تَعُدْ جَدِيدَةً فِي مَعْنَاهَا. لٰكِنَّهَا أَصْبَحَتْ أَقْرَبَ لِلْوَاقِعِ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ سَابِقٍ. كَمَسَافَةٍ بَيْنَ المَرْءِ وَحَافَّةٍ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْهَا.
— رُبَّمَا نَحْنُ بِالفِعْلِ تَجَاوَزْنَا فِكْرَةَ «الإِصْلَاحِ» كَمَا كُنَّا نَفْهَمُهَا؛ أَلسْتَ أَنتَ مَنْ بَدَأهَا؟.
سَكَتَ. ثُمَّ أَجَابَ:
— نَعَم! ولا أَنْكُرُ! لَكِّنِي اعتَذَرتُ وَتراجَعتُ، مِنْ أجلِكِ وَمِنْ أَجلِ أَبنَائِنَا.
ثُمَّ سَأَلَ:
— إِذًا مَا الَّذِي تَبَقَّى مِنَّا الآنَ؟
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا. لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَنِ العَلَاقَةِ فَقَطْ. بَلْ عَنْ مَعْنَى البَقَاءِ دَاخِلَهَا الآنَ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ عَلَى الأَرْضِ قُرْبَ النَّافِذَةِ.
الهَاتِفُ أَمَامَهَا، بِلَا إِشْعَارَاتٍ.
فَتَحَتْهُ. لَيْسَ بَحْثًا عَنْ رِسَالَةٍ. بَلْ بَحْثًا عَنْ أَثَرٍ.
كَتَبَتْ:
«أَشْعُرُ أَنَّنَا لَمْ نَعُدْ نَعِيشُ مَا بَدَأَناهُ… بَلْ نُحَاوِلُ إِدَارَةَ مَا أَصْبَحْنَا عَلَيْهِ.»
أَرْسَلَتْ.
وَبَعْدَهَا، لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا فَوْرًا. كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ — لَيْسَ رَدَّهُ — بَلْ نَتِيجَةً دَاخِلِيَّةً لِمَا كَتَبَتْهُ هِيَ نَفْسُهَا.
ثُمَّ وَصَلَ الرَّدُّ:
«الإِدَارَةُ نَفْسُهَا أَصْبَحَتِ اعْتِرَافًا بِأَنَّ مَا بَيْنَنَا لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ أَوْ إِيقَافُهُ بِسُهُولَةٍ.»
تَوَقَّفَتْ.
وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ وَهْمٌ مُتَبَقٍّ حَوْلَ مَا يَحْدُثُ. لَمْ يَكُنْ بِدَايَةَ عَاطِفَةٍ فَقَطْ، وَلَا خَطَأً عَابِرًا يُمْكِنُ مَحْوُهُ، بَلْ مَسَارًا كَامِلًا بَدَأَ يَفْرِضُ مَنْطِقَهُ الخَاصَّ حَتَّى عَلَى مَنْ يُحَاوِلُونَ مُقَاوَمَتَهُ بِالصَّمْتِ. كَالأَنْهَارِ الَّتِي تَجِدُ طَرِيقَهَا دَائِمًا.
________________________________________
الفَصْلُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ إطار (4)
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ جَدِيدٌ وَاضِحٌ بَيْنَهُمَا. لٰكِنَّ «عَدَمَ الجَدِيدِ» نَفْسَهُ بَاتَ يَأْخُذُ شَكْلًا مُخْتَلِفًا. لَمْ يَعُدْ فَرَاغًا. صَارَ اسْتِقْرَارًا غَيْرَ مُرِيحٍ، كَأَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ تَمَّ تَثْبِيتُهُ دُونَ إِعْلَانٍ وَدُونَ اسْتِئْذَانٍ.
وُجُودُهَا فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ بَاتَ مُوَزَّعًا بَيْنَ عَالَمَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ: عَالَمِ البَيْتِ بِسَعِيدٍ الرُّوتِينِ وَالصَّمْتِ الوَاعِي، وَعَالَمِ الرَّسَائِلِ وَالمَعْنَى بِطَارِقٍ المُتَرَاكِمِ وَالأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.
فِي المَنْزِلِ، بَدَأَ الصَّمْتُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَعِيدٍ يَأْخُذُ شَكْلًا أَكْثَرَ حَذَرًا. صَمْتٌ «وَاعٍ»، يُحْسَبُ فِيهِ كُلُّ طَرَفٍ أَثَرَ مَا لَمْ يُقَلْ.
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، قَالَ سَعِيدٌ:
— أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فِي عَلَاقَةٍ لَا أَعْرِفُ شَكْلَهَا الحَقِيقِيَّ.
لَيْسَ فِي صَوْتِهِ غَضَبٌ. ثَمَّةَ إِرْهَاقٌ وَاضِحٌ. إِرْهَاقُ مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ خَرِيطَةً لَا يَمْتَلِكُ مَفَاتِيحَهَا.
— أَحْيَانًا… الشَّكْلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَظْهَرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
قَالَتْ. ثُمَّ أَضَافَتْ:
— بَلْ يَتَكَوَّنُ مَعَ الوَقْتِ، حَتَّى نَنْتَبِهَ لَهُ مُتَأَخِّرِينَ.
لَمْ يعْتَرِضْ. لِأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ دِفَاعًا. كَانَتْ وَصْفًا لِشَيْءٍ يَحْدُثُ أَمَامَهُ هُوَ أَيْضًا، شَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْهُ بَعْدُ لٰكِنَّهُ يَشْعُرُ بِثِقْلِهِ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ دُونَ ضَوْءٍ قَوِيٍّ.
كَتَبَتْ لِطَارِقٍ:
«أَشْعُرُ أَنَّنَا لَمْ نَعُدْ نَسِيرُ نَحْوَ شَيْءٍ… بَلْ نَعِيشُ دَاخِلَهُ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ نُسَمِّيَهُ.»
لَمْ يَعُدْ التَّرَدُّدُ فِي الكَلِمَاتِ. بَلْ فِي الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ «الدَّاخِلَ» نَفْسَهُ أَصْبَحَ أَكْبَرَ مِنَ القُدْرَةِ عَلَى تَجَاهُلِهِ. وَمَا يَكْبُرُ عَنْ قُدْرَتِنَا عَلَى التَّجَاهُلِ يُصْبِحُ حَقِيقَةً، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مُوَافَقَتِنَا.
أَرْسَلَتْ.
وَبَعْدَ وَقْتٍ، وَصَلَ الرَّدُّ:
«إِذَا كُنَّا نَعِيشُ دَاخِلَهُ بِالفِعْلِ… فَالسُّؤَالُ لَمْ يَعُدْ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ، بَلْ كَيْفَ سَنَحْمِي مَا تَبَقَّى مِنْ خَارِجِهِ.»
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تَكُنْ عَنْهُمَا فَقَطْ. كَانَتْ عَنْ كُلِّ مَا يُحِيطُ بِهِمَا: سَعِيدٌ وَحَيْرَتُهُ الهَادِئَةُ. الأُمُّ وَتَسَاؤُلَاتُهَا الصَّامِتَةُ. الجَارَةُ المُمَرِّضَةُ وَمَعْرِفَتُهَا الحَادَّةُ بِأَثْمَانِ الخِيَارَاتِ. أَيْمَنُ وَنَظَرَاتُهُ المُتَسَائِلَةُ فِي العَمَلِ. غَيْثُ البَعِيدُ فِي أُورُبَّا. أُمُّ سَعِيدٍ ذَاتُ العُيُونِ الوَاسِعَةِ. كُلُّهُمْ كَوَاكِبُ فِي مَجَرَّةِ هٰذِهِ القِصَّةِ دُونَ أَنْ يَعْلَمُوا.
________________________________________
وَهُنَا، بَدَأَتْ تُدْرِكُ شَيْئًا دُونَ أَنْ تُصَرِّحَ بِهِ حَتَّى لِنَفْسِهَا:
أَنَّ مَا كَانَ بَيْنَ الرَّسَائِلِ قَدْ خَرَجَ تَمَامًا مِنْ إِطَارِ الرَّسَائِلِ. وَأَصْبَحَ جُزْءً مِنْ وَاقِعٍ يَحْتَاجُ إِلَى شَكْلٍ وَاضِحٍ — حَتَّى لَوْ كَانَ هٰذَا الشَّكْلُ مُؤْلِمًا. لِأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي لَا شَكْلَ لَهَا لَا تُؤْلِمُ فَقَطْ — تُشَوِّهُ.
وَكَانَتْ هَنَاءُ — تِلْكَ المَرْأَةُ الدِّمَشْقِيَّةُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَنْ تَعِيشَ فَوْقَ مَا لَا يُقَالُ — تُدْرِكُ الآنَ أَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءَ يَجِبُ أَنْ تُقَالَ. حَتَّى لَوْ كَلَّفَ القَوْلُ كُلَّ مَا تَبَقَّى.
________________________________________
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ بَعْدَ ذٰلِكَ مُبَاشَرَةً.
لٰكِنَّ هَنَاءَ لَمْ تَعُدْ تَتَعَامَلُ مَعَ غِيَابِهِ كَفَرَاغٍ يَجِبُ مَلْؤُهُ بِالقَلَقِ أَوِ التَّسَاؤُلِ. بَاتَ الغِيَابُ عِنْدَهَا كَجُزْءٍ مِنْ مَرْحَلَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ، كَأَنَّ كُلَّ طَرَفٍ بَدَأَ يَخْتَبِرُ — بِتَأَنٍّ وَحَذَرٍ — شَكْلَ الحَيَاةِ حِينَ لَا يَعُودُ الكَلَامُ هُوَ الوَسِيطَ الوَحِيدَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ.
هَلْ يُمْكِنُ لِلصَّمْتِ أَنْ يَكُونَ جِسْرًا أَحْيَانًا، لَا هُوَّةً؟ أَمْ أَنَّنَا نُسَمِّيهِ جِسْرًا لِأَنَّنَا نَخْشَى أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّهُ هُوَّةٌ؟
فِي الصَّبَاحِ، كَانَتْ أَكْثَرَ هُدُوءً مِنَ المُعْتَادِ. لٰكِنَّ هٰذَا الهُدُوءَ لَمْ يَكُنْ اسْتِقْرَارًا — ذٰلِكَ الِاسْتِقْرَارُ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ المَرْءُ حِينَ يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ. كَانَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الهُدُوءِ: هُدُوءُ الِانْتِبَاهِ المُسْتَمِرِّ، كَالصَّيَّادِ الَّذِي يَجْلِسُ سَاكِنًا لَا لِأَنَّهُ رَاضٍ، بَلْ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يَصْطَادُهُ يَقْتَرِبُ.
فِي العَمَلِ، لَاحَظَتْ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَتَفَاعَلُ مَعَ التَّفَاصِيلِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ. كُلُّ شَيْءٍ مَا زَالَ يُنْجَزُ — الأَوْرَاقُ تُوَقَّعُ، الِاجْتِمَاعَاتُ تُعْقَدُ، الهَاتِفُ يُرَدُّ — لٰكِنْ دُونَ ذٰلِكَ «الدَّاخِلِ» الَّذِي كَانَ يُرَافِقُهَا. كَأَنَّ جُزْءً مِنْهَا أَصْبَحَ دَائِمًا فِي مَكَانٍ آخَرَ، يَحْضُرُ الجَسَدُ وَتَغِيبُ الرُّوحُ.
وَكَمْ مِنَ النَّاسِ فِي دِمَشْقَ عَاشُوا هٰكَذَا طَوَالَ سِنِينَ طَوِيلَةِ؟ يَحْضُرُونَ بِأَجْسَادِهِمْ وَيَغِيبُونَ بِكُلِّ مَا عَدَاهَا؟
كَانَتْ رَنَا — جَارَتُهَا المُمَرِّضَةُ — قَدْ قَالَتْ لَهَا مَرَّةً فِي إِحْدَى تِلْكَ اللَّيَالِي الطَّوِيلَةِ: «النَّاسُ الَّذِينَ شَافُوا الحَرْبَ تَعَلَّمُوا يَكُونُوا فِي مَكَانَيْنِ بِنَفْسِ الوَقْتِ. هٰذَا الشَّيْءُ بِخَلِّيْهُمْ يَقْدِرُوا يُكَمِّلُوا، لٰكِنَّهُ بِكَلِّفْهُمْ شَيْءٍ مَا رَحْ يَعْرِفُوا اسْمَهُ إِلَّا بَعْدَ مَا يِنْتهِي الوَجَع.»
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ الزَّوْجُ أَقَلَّ حَدِيثًا مِنَ الأَيَّامِ السَّابِقَةِ. جَلَسَ أَمَامَهَا بِذٰلِكَ الجُلُوسِ الَّذِي يُخْبِرُكَ أَنَّ صَاحِبَهُ يَحْمِلُ جُمْلَةً مُنْذُ فَتْرَةٍ وَلَمْ يَجِدِ الوَقْتَ المُنَاسِبَ لَهَا.
ثُمَّ قَالَ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ شَيْئًا دُونَ أَنْ نَخَافَ مِنَ الإِجَابَةِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
هٰذِهِ المَرَّةَ لَيْسَ تَمْهِيدًا لِنِقَاشٍ طَوِيلٍ. هٰذِهِ مُحَاوَلَةٌ أَخِيرَةٌ — أَوْ مَا يَبْدُو أَنَّهَا أَخِيرَةٌ — لِفَهْمِ مَوْقِعِهِمَا مِنْ بَعْضِهِمَا.
— تَفَضَّلْ.
سَكَتَ لَحْظَةً. ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَمَنْ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ:
— هَلْ هُنَاكَ مَا يَجْعَلُ هٰذَا الِاسْتِمْرَارَ بَيْنَنَا الآنَ مُخْتَلِفًا جَذْرِيًّا عَمَّا كَانَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ؟
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا.
الجَوَابُ لَيْسَ «نَعَمْ» أَوْ «لَا». الجَوَابُ شَرْحٌ طَوِيلٌ لِمَسَارٍ كَامِلٍ، لِأَحْدَاثٍ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، لِكَلِمَاتٍ قِيلَتْ وَلِكَلِمَاتٍ أُحْجِمَ عَنْهَا، لِتَغَيُّرٍ يُشْبِهُ تَغَيُّرَ لَوْنِ الشَّعْرِ — لَا تَرَاهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ لٰكِنَّكَ تَنْظُرُ فِي المِرْآةِ يَوْمًا وَتَجِدُ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا. كَيْفَ تَخْتَزَلُ كُلُّ ذٰلِكَ فِي جُمْلَةٍ؟
— نَعَمْ.
قَالَتْ أَخِيرًا. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. لٰكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ بَسِيطَةً — كَانَتْ ثَقِيلَةً كَحَجَرٍ يُلْقَى فِي بِئْرٍ عَمِيقَةٍ وَلَا تَسْمَعُ صَوْتَ وُقُوعِهِ.
سَكَتَ.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
— لٰكِنَّ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَحْدُثْ فَجْأَةً.
لَمْ يُنَاقِشْ. لِأَنَّ هٰذِهِ الجُمْلَةَ تَحْدِيدًا كَانَتْ تَصِفُ مَا يَشْعُرُ بِهِ هُوَ أَيْضًا، ذٰلِكَ الشُّعُورَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ صِيَاغَتِهِ بِكَلِمَاتٍ.
وَكَانَ الزَّوْجُ — فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — يُشْبِهُ كَثِيرًا مِمَّنْ مَرَّ بِتَجْرِبَةِ الأَزْمَةِ: يَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا مَا تَغَيَّرَ فِي حَيَاتِهِ، لٰكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَ اليَوْمِ وَالسَّاعَةِ. التَّغْيِيرُ جَاءَ بِبُطْءٍ، كَالمَاءِ الَّذِي يَتَسَرَّبُ تَحْتَ الأَسَاسَاتِ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ.
الهَاتِفُ أَمَامَهَا. لَمْ تَفْتَحْهُ مُبَاشَرَةً. تَرَكَتْهُ لَحْظَةً — تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي لَا تُسَمَّى لٰكِنَّهَا ذَاتُ مَعْنًى. ثُمَّ فَتَحَتْهُ.
كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ مِنَ الآخَرِ:
«أَشْعُرُ أَنَّ مَا بَيْنَنَا الآنَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْمٍ… لَيْسَ لِيُفَسِّرَهُ، بَلْ لِيُحَدِّدَ مَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ بِهِ دُونَ أَنْ نَضِلَّ فِيهِ.»
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ المَرَّةَ السُّؤَالُ لَيْسَ عَنِ المَشَاعِرِ. لَيْسَ «هَلْ أُحِبُّكَ؟» أَوْ «مَاذَا تَعْنِي لِي؟». إِنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ «التَّعْرِيفِ». وَالتَّعْرِيفُ — كَمَا تَعَلَّمَتْ فِي سَنَوَاتِ دِرَاسَتِهَا — يَأْتِي بَعْدَ الفَهْمِ، لَا قَبْلَهُ. فَهَلْ فَهِمْنَا؟ وَهَلْ نُرِيدُ حَقًّا أَنْ نَعْرِفَ؟
كَتَبَتْ:
«وَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ اسْمًا… هَلْ نَكُونُ قَدْ حَسَمْنَاهُ، أَمْ فَقَطْ جَعَلْنَاهُ أَكْثَرَ وُضُوحًا؟»
تَوَقَّفَتْ قَبْلَ الإِرْسَالِ. لِأَنَّهَا شَعَرَتْ أَنَّ هٰذِهِ المَرَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جُمْلَةٍ جَدِيدَةٍ فِي حِوَارٍ طَوِيلٍ. بَلْ لَحْظَةُ اقْتِرَابٍ مِنْ نُقْطَةٍ لَا يُمْكِنُ بَعْدَهَا الِاسْتِمْرَارُ فِي الغُمُوضِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ القَدِيمَةِ المُرِيحَةِ.
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ بِبُطْءٍ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَنَمْ بِسُهُولَةٍ. لِأَنَّ سُؤَالًا وَاحِدًا بَدَأَ يُثْقُلُ المَسَافَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلِّ مَا تَعِيشُهُ:
مَا الَّذِي يَحْدُثُ حِينَ يُصْبِحُ مَا هُوَ غَيْرُ مُسَمًّى… مُطَالَبًا بِأَنْ يُسَمَّى أَخِيرًا؟ وَهَلْ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَسْتَحِقُّ أَسْمَاءَهَا؟ أَمْ أَنَّ بَعْضَهَا يَعِيشُ أَجْمَلَ دُونَ أَنْ يُعَرَّفَ؟
________________________________________
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ مُبَاشَرَةً. لٰكِنَّ الصَّمْتَ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا. كَانَ مُشْبَعًا بِإِحْسَاسٍ أَنَّ الجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ فَتَحَتْ بَابًا — لَا يُمْكِنُ إِغْلَاقُهُ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ القَدِيمَةِ.
فِي الصَّبَاحِ، كَانَتْ أَكْثَرَ هُدُوءً مِنَ المُعْتَادِ، لٰكِنَّ هُدُوءَهَا ذٰلِكَ كَانَ مُخْتَلِفًا: يُشْبِهُ اسْتِقْرَارًا، يَتَضَمَّنُ اسْتِعْدَادًا دَاخِلِيًّا لِشَيْءٍ لَمْ يُحْسَمْ بَعْدُ لٰكِنَّهُ اقْتَرَبَ حَتَّى أَصْبَحَتْ تَشْعُرُ بِدِفْئِهِ.
كُلُّ تَفَاصِيلِ يَوْمِهَا بَدَتْ كَأَنَّهَا تَتَحَرَّكُ عَلَى سَطْحٍ أَمْلَسَ، دُونَ ارْتِطَامٍ وَاضِحٍ، لٰكِنْ أَيْضًا دُونَ ذٰلِكَ العُمْقِ المَأْلُوفِ الَّذِي يَجْعَلُ الحَيَاةَ تَشْعُرُ بِثِقْلِهَا المُعْتَادِ.
كَانَتْ جَارَتُهُمْ أُمُّ سَعِيدٍ تَطْرُقُ البَابَ فِي تِلْكَ الصَّبَاحَاتِ أَحْيَانًا بِحُجَّةِ كُوبِ السُّكَّرِ أَوْ قِطْعَةِ خُبْزٍ. وَكَانَتْ هِيَ تَعْرِفُ أَنَّ أُمَّ سَعِيدٍ لَا تَأْتِي لِلسُّكَّرِ وَلَا لِلْخُبْزِ، بَلْ لِأَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي عَاشَتْ عُمْرًا كَامِلًا فِي تِلْكَ الحَارَّةِ الدِّمَشْقِيَّةِ العَتِيقَةِ تَشُمُّ التَّغْيِيرَ كَمَا تَشُمُّ المَطَرَ قَبْلَ نُزُولِهِ بِسَاعَاتٍ.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ الزَّوْجُ أَكْثَرَ مُبَاشَرَةً مِنْ قَبْلِ. جَلَسَ أَمَامَهَا وَقَالَ:
— أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ وَاضِحًا مَعَكِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ سَابِقٍ… لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِيشَ فِي عَلَاقَةٍ لَا أَعْرِفُ اسْمَهَا.
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تَعُدْ طَلَبًا لِلْفَهْمِ. إِنَّهَا طَلَبٌ لِتَعْرِيفِ الوَاقِعِ نَفْسِهِ. وَالوَاقِعُ حِينَ يُطَالَبُ بِتَعْرِيفِهِ، يَكْشِفُ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ، لَا كَمَا أَرَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ.
— وَمَا الَّذِي تَعْنِيهِ بِـ«الِاسْمِ»؟
قَالَتْ بِهُدُوءٍ.
سَكَتَ لَحْظَةً. ثُمَّ قَالَ بِتِلْكَ النَّبْرَةِ الَّتِي تَكْشِفُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَحَدَّثُ أَخِيرًا بِمَا أَخْفَاهُ طَوِيلًا:
— يَعْنِي أَنْ أَعْرِفَ: هَلْ نَحْنُ مَا زِلْنَا زَوْجَيْنِ وَأَبَوَيْنِ لِأَطْفَالِنَا كَمَا كُنَّا، أَمْ أَنَّنَا أَصْبَحْنَا شَيْئًا آخَرَ نُبْقِيهِ فَقَطْ لِأَنَّنَا لَمْ نَجْتَرِئْ عَلَى تَعْرِيفِهِ؟
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا.
الجَوَابُ لَمْ يَعُدْ لُغَوِيًّا. الجَوَابُ وُجُودِيٌّ. يَمَسُّ مَعْنَى الوُجُودِ نَفْسِهِ دَاخِلَ العَلَاقَةِ.
— نَحْنُ لَمْ نَعُدْ كَمَا كُنَّا.
قَالَتْ أَخِيرًا.
سَكَتَ. وَهٰذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَطْلُبْ مَزِيدًا مِنَ التَّفْسِيرِ. لِأَنَّ الجُمْلَةَ نَفْسَهَا — فِي إِيجَازِهَا وَثِقْلِهَا — كَانَتْ كَافِيَةً لِتَغْيِيرِ شَكْلِ اللَّحْظَةِ بَيْنَهُمَا تَغْيِيرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الكَلِمَاتِ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ عَلَى الأَرْضِ مُجَدَّدًا. لَيْسَ لِأَنَّ ذٰلِكَ أَصْبَحَ عَادَةً، بَلْ لِأَنَّ الوُقُوفَ أَمَامَ نَفْسِهَا — أَمَامَ تِلْكَ المَرْأَةِ فِي المِرْآةِ الَّتِي تَزْدَادُ غَرَابَةً كُلَّمَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا — أَصْبَحَ أَصْعَبَ قَلِيلًا هٰذِهِ الأَيَّامَ.
الهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْهَا. فَتَحَتِ المُحَادَثَةَ.
كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ:
«إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنِ اسْمٍ… فَلَا بُدَّ أَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، لَا لِمَا يَشْرَحُهُ فَقَطْ.»
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ المَرَّةَ، الِاسْمُ لَمْ يَعُدْ فِكْرَةً لُغَوِيَّةً تُدَارُ فِي مُحَادَثَاتِ اللَّيْلِ. إِنَّهُ بَدَايَةُ تَحْمِيلٍ كَامِلٍ لِلْوَاقِعِ بِمَعْنًى جَدِيدٍ. وَالمَعَانِي الجَدِيدَةُ — كَمَا تَعَلَّمَتْ دِمَشْقُ فِي سَنَوَاتِ الأَزْمَةِ — لَا تَأْتِي مَجَّانًا أَبَدًا.
كَتَبَتْ:
«وَأَنَا لَا أَظُنُّ أَنَّ الِاسْمَ يُغَيِّرُ الحَقِيقَةَ… لٰكِنَّهُ يَمْنَعُنَا مِنَ الِاخْتِبَاءِ مِنْهَا.»
تَوَقَّفَتْ قَبْلَ الإِرْسَالِ. لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ هٰذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَأْيٍ — إِنَّهَا خُطْوَةٌ أَخِيرَةٌ قَبْلَ خُرُوجِ الشَّيْءِ مِنْ ظِلِّهِ بِالكَامِلِ، إِلَى النُّورِ الَّذِي قَدْ لَا يَكُونُ رَحِيمًا.
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ وَضَعَتِ الهَاتِفَ جَانِبًا.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُفَكِّرُ فِي «هَلْ سَيُسَمَّى مَا بَيْنَهُمْ؟» بَلْ فِي شَيْءٍ أَعْمَقَ وَأَقَلَّ رَحْمَةً:
مَا الَّذِي يَحْدُثُ لِلْحَيَاةِ حِينَ تَتَوَقَّفُ عَنْ أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِلتَّأْجِيلِ؟
________________________________________
الفصل الخامس والعشرون اللوحة الأولى من خارج الإطار
لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَا يُوحِي بِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ. لَا رِيحَ تَحْمِلُ نُذُورًا، وَلَا صَمْتَ يَثْقُلُ الهَوَاءَ بِأَكْثَرَ مِنَ المُعْتَادِ. كُلُّ شَيْءٍ بَدَا عَادِيًّا… أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. وَهٰذَا بِالضَّبْطِ هُوَ مَا أَوْجَعَ؛ لِأَنَّ العَادِيَّ حِينَ يَصِيرُ مُفْرِطًا يَتَحَوَّلُ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الكَذِبِ.
كَانَتْ سَمَرُ تَعْرِفُ ذٰلِكَ جَيِّدًا. تَعَلَّمَتْهُ فِي سَنَوَاتٍ لَمْ تَكُنْ تَظُنُّ أَنَّهَا سَتُعَلِّمُهَا شَيْئًا سِوَى الِانْتِظَارِ.
________________________________________
جَلَسَتْ فِي غُرْفَتِهَا دُونَ أَنْ تُشْعِلَ الضَّوْءَ كَامِلًا. نِصْفُ العَتْمَةِ كَانَ كَافِيًا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ هُوَ الوَحِيدَ الصَّادِقَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. الضَّوْءُ الكَامِلُ يَكْشِفُ كُلَّ شَيْءٍ، وَالظَّلَامُ الكَامِلُ يُخْفِيهِ، أَمَّا هٰذَا الفَضَاءُ الرَّمَادِيُّ المُعَلَّقُ بَيْنَهُمَا… فَهُوَ وَحْدَهُ يُسْمَحُ لَكَ أَنْ تَرَى مَا لَا تُرِيدُ رُؤْيَتَهُ دُونَ أَنْ تُضْطَرَّ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ.
الهَاتِفُ كَانَ أَمَامَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ. لَمْ تَفْتَحْهُ فَوْرًا.
لِمَاذَا لَا أَفْتَحُهُ؟
سَأَلَتْ نَفْسَهَا، وَعَرَفَتِ الإِجَابَةَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ: لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تِلْكَ الفَتَاةَ الَّتِي كَانَتْ تَنُقُّ عَلَى الشَّاشَةِ بِعَجَلَةٍ مِنْ تَخْشَى أَنْ يَفُوتَهَا شَيْءٌ. وَلَمْ تَعُدْ أَيْضًا تِلْكَ المَرْأَةَ الَّتِي تَتَرَدَّدُ مِنْ تَخْشَى أَنْ تَقُولَ شَيْئًا. كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ ثَالِثٌ نَشَأَ فِيهَا، شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ بَعْدُ… هُدُوءٌ لَا يُشْبِهُ الرَّاحَةَ، لٰكِنَّهُ لَا يُشْبِهُ القَلَقَ أَيْضًا. هُدُوءٌ جَلَسَ عَلَى حَافَةِ قَرَارٍ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى نَسِيَ أَنَّهُ جَالِسٌ.
________________________________________
بَعْدَ وَقْتٍ – لَمْ تَحْسِبْهُ، وَلَمْ تُرِدْ – فَتَحَتْهُ.
كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ. مِنْ كَرِيمٍ.
«أَشْعُرُ أَنَّنَا اقْتَرَبْنَا مِنْ لَحْظَةٍ لَا يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ نَبْقَى كَمَا نَحْنُ… حَتَّى لَوْ لَمْ نَقُلْ شَيْئًا.»
قَرَأَتِ الجُمْلَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ. لَمْ تُعِدْهَا. لَمْ تَحْتَجْ إِلَى ذٰلِكَ. كَأَنَّ المَعْنَى لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ تَثْبِيتًا، لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِيهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْرَأَهُ. كَرِيمٌ لَمْ يَكْتُبْ جَدِيدًا؛ هُوَ فَقَطْ سَمَّى مَا كَانَا يَعِيشَانِهِ بِلَا اسْمٍ مُنْذُ أَشْهُرٍ.
أَشْهُرٌ؟ أَمْ مُنْذُ البِدَايَةِ؟
وَضَعَتْ إِصْبَعَهَا عَلَى لَوْحَةِ المَفَاتِيحِ.
كَتَبَتْ: «رُبَّمَا.»
تَوَقَّفَتْ. نَظَرَتْ إِلَى الكَلِمَةِ. رَأَتْ فِيهَا جُبْنًا مُتَنَكِّرًا فِي هَيْئَةِ حِكْمَةٍ. حَذَفَتْهَا.
كَتَبَتْ: «لَا أَعْرِفُ.»
تَوَقَّفَتْ مُجَدَّدًا. هٰذِهِ أَصْدَقُ، لٰكِنَّهَا أَيْضًا بَابٌ مَفْتُوحٌ عَلَى فَرَاغٍ. حَذَفَتْهَا أَيْضًا.
بَقِيَتِ الشَّاشَةُ فَارِغَةً.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، خَطَرَ لَهَا شَيْءٌ لَمْ يَخْطُرْ لَهَا مِنْ قَبْلُ: رُبَّمَا الفَرَاغُ لَيْسَ عَجْزًا. رُبَّمَا هُوَ احْتِمَالٌ. رُبَّمَا الصَّفْحَةُ البَيْضَاءُ لَيْسَتْ نِهَايَةَ الكَلَامِ، بَلْ بَدَايَتُهُ حِينَ لَا تَكُونُ هُنَاكَ كَلِمَاتٌ تَسْتَحِقُّ مَا سَيَأْتِي بَعْدَهَا.
أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ. وَضَعَتْهُ جَانِبًا. وَلَمْ تُرْسِلْ شَيْئًا.
________________________________________
نَهَضَتْ، وَمَشَتْ نَحْوَ النَّافِذَةِ.
دِمَشْقُ فِي الخَارِجِ كَانَتْ كَمَا هِيَ أَخِيرًا، تَتَحَرَّكُ بِثِقَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا يَحْدُثُ دَاخِلَ الآخَرِينَ. أَضْوَاءٌ مُتَنَاثِرَةٌ عَلَى المَبَانِي القَدِيمَةِ، أَصْوَاتُ سَيَّارَاتٍ مِنْ شَارِعٍ بَعِيدٍ، حَيَاةٌ تَمْضِي دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَ أَحَدًا لِيَحْسِمَ أَمْرَهُ. المَدِينَةُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَلَّا تَتَوَقَّفَ حَتَّى فِي أَحْلَكِ لَحَظَاتِهَا.
هَلْ تَذْكُرِينَ — قَالَتْ لِنَفْسِهَا — تِلْكَ اللَّيَالِي الأُولَى مِنَ الثَّوْرَةِ؟
كَانَتْ سَمَرُ طَالِبَةً فِي سَنَتِهَا الأَخِيرَةِ فِي دِرَاسَتِهَا الجَامِعِيَّةِ العُلْيَا حِينَ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ. كَانَتْ تَقِفُ خَلْفَ نَافِذَةٍ أُخْرَى، فِي شُقَّةٍ أَصْغَرَ، وَتَسْمَعُ أَصْوَاتَ الشَّارِعِ تَتَغَيَّرُ. لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ وَحْدَهُ مَا شَعَرَتْ بِهِ، بَلْ ذٰلِكَ الإِحْسَاسُ الغَرِيبُ بِأَنَّ شَيْئًا مَا بَلَغَ حَدَّهُ الأَخِيرَ دُونَ أَنْ يُعْلَنَ ذٰلِكَ. تَمَامًا كَمَا تَشْعُرُ الآنَ.
هَلْ كَانَتْ دِمَشْقُ تَمُرُّ بِمَا تَمُرُّ بِهِ هِيَ؟ لَحَظَاتٌ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ، لَا تَنْتَمِي إِلَى أَيِّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؟
وَقَفَتْ تَنْظُرُ إِلَى الِامْتِدَادِ كُلِّهِ. لَا إِلَى شَيْءٍ مُحَدَّدٍ. إِلَى المَدِينَةِ بِوَصْفِهَا فِكْرَةً لَا مَكَانًا.
________________________________________
فِي الغُرْفَةِ الأُخْرَى، كَانَ هُنَاكَ صَوْتٌ خَفِيفٌ. حَرَكَةٌ عَادِيَّةٌ.
أُمُّهَا.
تَتَحَرَّكُ الأُمَّهَاتُ فِي المَسَاءِ دَائِمًا بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ، كَأَنَّهُنَّ يُعِدْنَ تَرْتِيبَ العَالَمِ فِي صَمْتٍ بَعْدَ أَنْ أَتْعَبَ الجَمِيعُ أَثْنَاءَ النَّهَارِ. سَمَرُ كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ أُمَّهَا لَوْ رَأَتْهَا الآنَ وَاقِفَةً هٰكَذَا أَمَامَ النَّافِذَةِ فِي العَتْمَةِ شِبْهَ الكَامِلَةِ، لَسَأَلَتْهَا. لٰكِنَّ السُّؤَالَ لَنْ يَكُونَ: «مَاذَا تُفَكِّرِينَ؟» بَلْ سَيَكُونُ: «أَكَلْتِ؟» أَوْ «هَلْ تَحْتَاجِينَ شَيْئًا؟» لِأَنَّ الأُمَّهَاتِ الدِّمَشْقِيَّاتِ تَعَلَّمْنَ عَلَى مَدَى سِنِينَ طَوِيلَةٍ أَنْ يُتَرْجِمْنَ القَلَقَ إِلَى طَعَامٍ وَخِدْمَةٍ، لِأَنَّ الكَلَامَ المُبَاشِرَ عَنِ الرُّوحِ كَانَ دَائِمًا أَصْعَبَ مِنْ إِعْدَادِ طَبَقٍ حَارٍّ.
لَوْ أَخْبَرْتُهَا، مَاذَا سَتَقُولُ؟
كَانَتْ سَمَرُ تَعْرِفُ الإِجَابَةَ أَيْضًا. سَتَقُولُ: «الأَوْلَادُ الآنَ يَتَعَقَّدُونَ كَثِيرًا. زَمَانُكُمْ صَعْبٌ.» وَسَتُضِيفُ فِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ جُمْلَةً عَنِ الحَرْبِ، وَعَنِ النَّاسِ الَّذِينَ فَقَدُوا أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ، وَعَنَّ الحَيَاةَ يَجِبُ أَنْ تَمْضِي. وَسَتَكُونُ مُحِقَّةً، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ سَتَكُونُ مُخْطِئَةً تَمَامًا.
هٰذِهِ الحَيَاةُ الَّتِي تَمْضِي… هِيَ بِالضَّبْطِ المُشْكِلَةُ.
________________________________________
عَادَتْ بِعَيْنَيْهَا إِلَى الدَّاخِلِ.
الهَاتِفُ عَلَى الطَّاوِلَةِ. صَامِتٌ. كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يُكْتَبْ… وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كُتِبَ بِالفِعْلِ.
تَقَدَّمَتْ خُطْوَةً نَحْوَهُ، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
لَمْ يَكُنِ التَّوَقُّفُ خَوْفًا. وَلَا قَرَارًا. بَلْ لَحْظَةٌ مُعَلَّقَةٌ، لَا تَنْتَمِي إِلَى مَا قَبْلَهَا وَلَا إِلَى مَا بَعْدَهَا. نَوْعٌ مِنَ الوُجُودِ خَارِجَ الزَّمَنِ، تِلْكَ اللَّحْظَةُ الغَرِيبَةُ الَّتِي تَشْعُرُ فِيهَا أَنَّكَ عَلَى وَشْكِ أَنْ تَصِيرَ شَخْصًا مُخْتَلِفًا قَلِيلًا، وَتَعْرِفُ ذٰلِكَ، لٰكِنَّكَ لَمْ تُقَرِّرْ بَعْدُ مَنْ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ.
________________________________________
جَلَسَتْ.
لَمْ تَفْتَحِ الهَاتِفَ.
لَمْ تَذْهَبْ إِلَى الغُرْفَةِ الأُخْرَى.
بَقِيَتْ حَيْثُ هِيَ. تَمَامًا فِي المُنْتَصَفِ.
وَفِي هٰذَا المُنْتَصَفِ — سَأَلَتْ نَفْسَهَا — كَيْفَ يَعِيشُ كَرِيمُ الآنَ؟
هَلْ هُوَ أَيْضًا جَالِسٌ فِي مَكَانٍ مَا، يَنْتَظِرُ رَدًّا لَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَهُ حَتَّى لَوْ جَاءَ؟ هَلْ أَرْسَلَ رِسَالَتَهُ ثُمَّ نَدِمَ، أَمْ أَنَّهُ أَرْسَلَهَا لِأَنَّ الِاحْتِفَاظَ بِهَا أَصْبَحَ أَثْقَلَ مِنْ مُخَاطَرَةِ الإِرْسَالِ؟
كَرِيمُ الَّذِي لَقِيَتْهُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الغَرِيبَةِ بَعْدَ عَامِ 2011، حِينَ كَانَ الجَمِيعُ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ مَا الَّذِي تَغَيَّرَ وَمَا الَّذِي سَيَتَغَيَّرُ. كَرِيمُ الَّذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ سُورِيَّةَ كَأَنَّهَا شَخْصٌ مَرِيضٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشْفَى لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَحَبُّوهُ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ. كَرِيمُ الَّذِي آمَنَ وَشَكَّ وَآمَنَ مُجَدَّدًا، وَفِي كُلِّ ذٰلِكَ كَانَ يُشْبِهُهَا.
لَعَلَّ هٰذَا هُوَ الأَصْعَبُ: أَنْ تُحِبَّ شَخْصًا يُشْبِهُكَ فِي تَرَدُّدِكَ. لِأَنَّكَ حِينَ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُرْسِيْكَ، تَجِدُ أَنَّهُ عَائِمٌ مِثْلَكَ تَمَامًا.
________________________________________
وَفِي هٰذَا المُنْتَصَفِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جَوَابٌ وَلَا اتِّجَاهٌ وَاضِحٌ. لٰكِنْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُؤَكَّدٌ، شَيْءٌ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَتَجَاهَلَهُ:
أَنَّ مَا كَانَ مُمْكِنًا قَبْلَ هٰذِهِ اللَّحْظَةِ… لَمْ يَعُدْ كَذٰلِكَ بَعْدَهَا. حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ. حَتَّى لَوْ بَقِيَ الهَاتِفُ صَامِتًا طِيلَةَ اللَّيْلِ. حَتَّى لَوْ نَامَتِ الآنَ وَصَحَتْ غَدًا وَتَصَرَّفَتْ كَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ.
بَعْضُ الأَشْيَاءِ تَتَغَيَّرُ لَا لِأَنَّهَا تُقَرَّرُ، بَلْ لِأَنَّهَا تُعَاشُ.
وَهٰذِهِ اللَّيْلَةُ… عَاشَتْهَا.
________________________________________
فِي الغُرْفَةِ الأُخْرَى، تَوَقَّفَتْ حَرَكَةُ أُمِّهَا.
رُبَّمَا أَحَسَّتْ بِشَيْءٍ. الأُمَّهَاتُ يَفْعَلْنَ ذٰلِكَ أَحْيَانًا.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَطْرُقِ البَابَ.
وَسَمَرُ… لَمْ تَتَمَنَّ أَنْ تَفْعَلَ.
لٰكِنَّهَا، لِسَبَبٍ لَمْ تَفْهَمْهُ تَمَامًا، تَلَفَّتَتْ نَحْوَ البَابِ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ صَوْتًا رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
________________________________________
نُعْمَانُ البَرْبَرِيُّ
دِمَشْقُ – سُورِيَّة
يَوْمُ الِاثْنَيْنِ
٥ جُمَادَى الآخِرَةِ ١٤٣٧ هـ
١٤ آذَارَ ٢٠١٦ مـ
