الفن والجمال في الإسلام

الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ: «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
— الْمُلْحَقُ الثَّالِثُ عَشَرَ —
«الرُّوحُ الَّتِي أُهْمِلَتْ»
الْفَنُّ وَالْجَمَالُ فِي الْإِسْلَامِ — حِينَ يَكُونُ الْجَمَالُ عِبَادَةً
«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»
حَدِيثٌ شَرِيفٌ — صَحِيحُ مُسْلِمٍ.
«الْجَمَالُ سَهْمٌ يُصِيبُ الْقَلْبَ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ الْعَقْلُ»
يُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عَرَبِيٍّ.
تَمْهِيدٌ — صَوْتٌ مِنْ خَارِجِ الزَّمَنِ
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَنَامُ فِي بَيْتِ الْخَطَّاطِ.
لَا لِأَنَّ ثَمَّةَ ضَيْفًا، وَلَا لِأَنَّ ثَمَّةَ عُرْسًا أَوْ مُصِيبَةً، بَلْ لِأَنَّ الْحَرْفَ لَمْ يَكْتَمِلْ.
كَانَ يَاقُوتُ الْمُسْتَعْصِمِيُّ — آخِرَ خَطَّاطِي الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَالَّذِي سَيُؤْسَرُ غَدًا حِينَ يَدْخُلُ الْمَغُولُ بَغْدَادَ — يَجْلِسُ أَمَامَ لَوْحَتِهِ مُنْذُ فَجْرِ الْبَارِحَةِ.
أَمَامَهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ؛ كَلِمَةٌ يَكْتُبُهَا لِلْمَرَّةِ الْأَلْفِ فِي حَيَاتِهِ، لَكِنَّهَا، تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَمْ تَكُنْ تُطِيعُهُ.
الْكَلِمَةُ كَانَتْ:
«اللَّهُ».
كَتَبَهَا مَرَّةً فَمَزَّقَهَا.
وَمَرَّتَيْنِ فَمَزَّقَهَا.
وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ فَمَزَّقَهَا.
لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ.
كَانَ يَبْحَثُ عَنْ كِتَابَةٍ جَمِيلَةٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْجَمِيلِ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ.
جَاءَهُ تِلْمِيذُهُ الصَّغِيرُ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، يَحْمِلُ قِنْدِيلًا وَقَلَقًا:
— أُسْتَاذِي، غَدًا يَدْخُلُ الْمَغُولُ الْمَدِينَةَ.
قَالُوا إِنَّهُمْ يَقْتُلُونَ مَنْ يَجِدُونَهُ فِي الشَّوَارِعِ.
نَظَرَ يَاقُوتُ إِلَى وَرَقَتِهِ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ.
— أَعْرِفُ.
— أَفَلَا نَرْحَلُ؟
— حِينَ أُكْمِلُ الْحَرْفَ.
— لَكِنْ…
— قُلْتُ: حِينَ أُكْمِلُ الْحَرْفَ.
جَلَسَ التِّلْمِيذُ فِي الرُّكْنِ.
مَضَتْ سَاعَةٌ.
وَسَاعَتَانِ.
ثُمَّ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسْبِقُ الْفَجْرَ بِقَلِيلٍ — ذَلِكَ الْوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الظَّلَامُ فِي أَشَدِّهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكَسِرَ — رَفَعَ يَاقُوتُ قَلَمَهُ وَكَتَبَ.
وَوَضَعَ الْقَلَمَ.
وَنَظَرَ إِلَى مَا كَتَبَ.
وَبَكَى.
لَمْ يَسْأَلْهُ التِّلْمِيذُ لِمَاذَا يَبْكِي؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ بِدَوْرِهِ إِلَى الْوَرَقَةِ.
وَفَهِمَ.
الْكَلِمَةُ كَانَتْ كَامِلَةً.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَرْفٌ زَائِدٌ أَوْ نَاقِصٌ.
وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا خَطَأٌ.
لَكِنَّ فِيهَا شَيْئًا آخَرَ.
شَيْئًا لَا يُقَالُ.
كَأَنَّ مَنْ كَتَبَهَا لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ حُرُوفًا، بَلْ كَانَ يَكْتُبُ لَحْظَةً.
فِي الصَّبَاحِ، حِينَ دَخَلَ الْمَغُولُ بَغْدَادَ، وَأَحْرَقُوا الْمَكْتَبَاتِ، وَأَسَالُوا الْحِبْرَ فِي دِجْلَةَ حَتَّى اسْوَدَّ النَّهْرُ، أَخَذَ يَاقُوتُ وَرَقَتَهُ الْوَاحِدَةَ وَخَبَّأَهَا تَحْتَ ثِيَابِهِ.
وَحِينَ أُسِرَ، وَحِينَ سَأَلُوهُ:
— «مَاذَا تَحْمِلُ؟»
قَالَ بِهُدُوءِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْجَمَالَ لَا يَمُوتُ:
— أَحْمِلُ شَيْئًا لَنْ تَسْتَطِيعُوا إِحْرَاقَهُ.
لِأَنَّ الْجَمَالَ الْحَقِيقِيَّ — كَمَا سَنَرَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ — لَا يُحْرَقُ.
لَكِنَّهُ يُهْمَلُ.
وَهَذَا أَشَدُّ مِنَ الْإِحْرَاقِ.
لَكِنَّهُ يُهْمَلُ، وَهَذَا أَشَدُّ مِنَ الْإِحْرَاقِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ – الْحَرْفُ وَالسَّيْفُ
بَغْدَادُ — ٦٥٦هـ / ١٢٥٨م
كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَحْتَرِقُ حِينَ الْتَقَيَا.
الْخَطَّاطُ يَاقُوتٌ الْمُسْتَعْصِمِيُّ كَانَ يَمْشِي فِي حَارَةِ الْوَرَّاقِينَ، وَالْكُتُبُ مِنْ حَوْلِهِ تَطِيرُ مُحْتَرِقَةً كَأَجْنِحَةِ طُيُورٍ سَوْدَاءَ.
وَالْفَقِيهُ الشَّابُّ حَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ — الَّذِي جَاءَ بَغْدَادَ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْكُوفَةِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ — كَانَ يَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ يَنْظُرُ إِلَى الْكُتُبِ تَحْتَرِقُ، بِعُيُونٍ مَفْتُوحَةٍ لَا يَتَحَرَّكُ فِيهَا شَيْءٌ؛
كَأَنَّ مَا يَرَاهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَوْعَبَ.
لَمْ يَكُنْ يَاقُوتٌ يَعْرِفُ حَسَنًا، لَكِنَّهُ رَأَى فِي وَجْهِ الشَّابِّ شَيْئًا لَفَتَ نَظَرَهُ:
لَمْ يَكُنْ يَبْكِي، لَمْ يَكُنْ يَصْرُخُ؛
كَانَ يَنْظُرُ.
تَوَقَّفَ يَاقُوتٌ.
— مَا اسْمُكَ؟
— حَسَنٌ.
— مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟
— مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ الْآنَ يَحْتَرِقُ.
نَظَرَ يَاقُوتٌ إِلَى يَدِ حَسَنٍ؛
كَانَتْ تُمْسِكُ كِتَابًا، كِتَابًا وَاحِدًا أَنْقَذَهُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ مَا يَحْتَرِقُ.
نَظَرَ إِلَى عُنْوَانِهِ:
«كِتَابُ الْمُوسِيقَى الْكَبِيرِ» — أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ.
— هَذَا مَا أَنْقَذْتَهُ؟
مِنْ كُلِّ كُتُبِ بَغْدَادَ — هَذَا؟
قَالَ حَسَنٌ بِهُدُوءٍ:
— لِأَنَّهُ الْكِتَابُ الْوَحِيدُ الَّذِي لَنْ يَكْتُبَهُ أَحَدٌ ثَانِيَةً.
الْفِقْهُ سَيُعَادُ كِتَابَتُهُ، وَالتَّارِيخُ سَيُعَادُ؛
لَكِنَّ هَذَا — إِنِ احْتَرَقَ — احْتَرَقَ إِلَى الْأَبَدِ.
نَظَرَ يَاقُوتٌ إِلَى الشَّابِّ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ.
— وَأَنْتَ فَقِيهٌ؟
— كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ، قَبْلَ الْيَوْمِ.
مَشَيَا مَعًا فِي الْمَدِينَةِ الْمُحْتَرِقَةِ، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَدَأَتْ صَدَاقَةٌ غَرِيبَةٌ:
بَيْنَ خَطَّاطٍ يَعْبُدُ الْجَمَالَ وَيَرَى فِيهِ طَرِيقًا إِلَى اللَّهِ، وَفَقِيهٍ شَابٍّ يَحْمِلُ كِتَابَ مُوسِيقَى فِي مَدِينَةٍ تَحْتَرِقُ، وَلَا يَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ يُوَفِّقُ بَيْنَ مَا تَعَلَّمَهُ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ.
كَانُوا ثَلَاثَةً يَجْلِسُونَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي خَرِبَةٍ كَانَتْ بَيْتًا:
يَاقُوتٌ — سِتِّينِيُّ السِّنِّ، عَيْنَاهُ حَادَّتَانِ كَطَرْفِ الْقَلَمِ، أَصَابِعُهُ حِبْرٌ لَا يَمْحُوهُ مَاءٌ.
حَسَنٌ — سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا، وَجْهٌ فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْجُرْحَ الطَّازِجَ، يَحْضُنُ كِتَابَ الْفَارَابِيِّ كَأَنَّهُ طِفْلٌ.
زَيْنَبُ — وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَاقُوتٌ يَتَوَقَّعُهُ.
امْرَأَةٌ فِي الثَّلَاثِينَ، وَجْهُهَا مُغَطًّى جُزْئِيًّا، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ بِشَكْلٍ لَا تُشْتَبَهَانِ مَعَهُ بِعُيُونٍ خَائِفَةٍ أَوْ مُخْتَبِئَةٍ؛
عُيُونٌ تُلَاحِظُ.
وَكَانَتْ حِينَ دَخَلَتِ الْخَرِبَةَ تَحْمِلُ لِفَافَةً تَحْتَ ذِرَاعِهَا.
سَأَلَهَا يَاقُوتٌ:
— مَاذَا تَحْمِلِينَ؟
— نَفْسَ مَا تَحْمِلُهُ أَنْتَ.
فَتَحَتِ اللِّفَافَةَ:
أَلْوَاحٌ خَشَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا نُقُوشٌ مُلَوَّنَةٌ، زَخَارِفُ هَنْدَسِيَّةٌ بِأَلْوَانِ الْأَزْرَقِ وَالذَّهَبِيِّ وَالْأَخْضَرِ الدَّاكِنِ، أَنْمَاطٌ تَتَكَرَّرُ وَتَتَشَعَّبُ حَتَّى تَبْدُوَ لَا نِهَايَةَ لَهَا.
قَالَ يَاقُوتٌ بِبُطْءٍ:
— مَنْ رَسَمَ هَذَا؟
— أَنَا.
صَمَتَ.
— مُنْذُ مَتَى؟
— مُنْذُ كُنْتُ أَتَذَكَّرُ.
— وَمَنْ عَلَّمَكِ؟
— أَبِي، ثُمَّ نَفْسِي، ثُمَّ —
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
— ثُمَّ اللَّهُ، أَظُنُّ.
نَظَرَ إِلَيْهَا حَسَنٌ الْفَقِيهُ الشَّابُّ بِنَظْرَةٍ فِيهَا الدَّهْشَةُ وَشَيْءٌ آخَرُ لَمْ يَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ.
— وَقَالَ لَكِ أَحَدٌ إِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ؟
— قَالُوا لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَأَنَا رَسَمْتُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُحْتَرِقَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ بَغْدَادُ تَنْتَهِي مِنْ كَوْنِهَا عَاصِمَةَ الْعَالَمِ، جَلَسَ الثَّلَاثَةُ وَتَكَلَّمُوا.
تَكَلَّمُوا عَنِ الْجَمَالِ، عَنِ التَّحْرِيمِ، عَنِ الْمَضْمُونِ وَالشَّكْلِ، عَنِ الْخَطِّ وَالنَّقْشِ وَالصَّوْتِ، عَنِ اللَّهِ الْجَمِيلِ الَّذِي يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَعَنِ الْفِقْهِ الَّذِي يُحَرِّمُ بَعْضَ الْجَمَالِ وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ تَمَامًا أَيْنَ الْحَدُّ.
كَانَ حَدِيثُهُمْ حَدِيثَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ يَجْلِسُونَ عَلَى أَطْلَالِ مَدِينَةٍ، لَكِنَّهُ كَانَ — فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ — حَدِيثًا يَبْدَأُ وَلَنْ يَنْتَهِيَ.
قَالَ يَاقُوتٌ فِي نِهَايَةِ اللَّيْلِ:
— بَغْدَادُ انْتَهَتْ، لَكِنَّ الْجَمَالَ لَمْ يَنْتَهِ؛
لِأَنَّ الْجَمَالَ لَا يُقِيمُ فِي الْمُدُنِ، يُقِيمُ فِي الْإِنْسَانِ.
قَالَ حَسَنٌ:
— لَكِنَّ الْإِنْسَانَ يَمُوتُ.
— وَالْجَمَالُ يُولَدُ فِي إِنْسَانٍ آخَرَ؛
هَكَذَا مُنْذُ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا إِلَى الْآخِرِ.
نَظَرَتْ زَيْنَبُ إِلَى أَلْوَاحِهَا فِي الظَّلَامِ.
— وَأَنَا — مَاذَا أَفْعَلُ بِهَذَا كُلِّهِ؟
— تُكْمِلِينَ.
— حَتَّى لَوْ قَالُوا لَا يَجُوزُ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا يَاقُوتٌ بِعَيْنَيْ مَنْ رَأَى خِلَافَاتٍ كَثِيرَةً وَعُصُورًا تَتَعَاقَبُ:
— حَتَّى لَوْ قَالُوا لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّ الْجَمَالَ الَّذِي تُبْدِعِينَهُ لَيْسَ مِلْكَكِ وَحْدَكِ؛
هُوَ أَمَانَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَخِيَانَةُ الْأَمَانَةِ أَشَدُّ حُرْمَةً مِنْ أَيِّ شَكْلٍ فَنِّيٍّ.
فِي الصَّبَاحِ افْتَرَقُوا.
يَاقُوتٌ بَقِيَ فِي بَغْدَادَ الْمُنْكَسِرَةِ.
حَسَنٌ ذَهَبَ جَنُوبًا.
زَيْنَبُ — لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ إِلَى أَيْنَ ذَهَبَتْ.
لَكِنَّ أَلْوَاحَهَا الْخَشَبِيَّةَ الصَّغِيرَةَ بَقِيَتْ؛
بَعْضُهَا فِي مَتَاحِفَ الْيَوْمِ لَا يَعْرِفُ زُوَّارُهَا مَنْ رَسَمَهَا.
كِتَابُ الْفَارَابِيِّ الْمُوسِيقِيُّ بَقِيَ، نُسِخَ مِرَارًا وَوَصَلَ إِلَى أُورُوبَّا وَأَثَّرَ فِي نَظَرِيَّةِ الْمُوسِيقَى الْغَرْبِيَّةِ.
وَيَاقُوتٌ — فِي بَغْدَادَ الَّتِي أَخَذَتْ تَنْهَضُ مِنْ رَمَادِهَا تَحْتَ الْحُكْمِ الْجَدِيدِ — كَتَبَ فِي السَّنَوَاتِ الَّتِي تَلَتِ السُّقُوطَ أَجْمَلَ مَا كَتَبَهُ فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى تُوُفِّيَ فِيهَا نَحْوَ سَنَةِ ٦٩٨هـ / ١٢٩٨م؛
كَأَنَّ الْخَسَارَةَ فَتَحَتْ فِيهِ بَابًا.
هَكَذَا يَعْمَلُ الْجَمَالُ أَحْيَانًا:
يَنْمُو فِي الْأَطْلَالِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي – الْمُوَشَّحُ وَالْمِنْبَرُ
غَرْنَاطَةُ — ٨٨٠هـ / ١٤٧٥م
كَانَتْ غَرْنَاطَةُ تَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَسْقُطُ.
لَيْسَ لِأَنَّ أَحَدًا أَعْلَنَ ذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّ الْمُدُنَ — كَالْإِنْسَانِ — تَشْعُرُ بِنِهَايَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَرَاهَا.
فِي تِلْكَ الْحُقْبَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَعِيشُ حَيَاةً مُزْدَوِجَةً:
فِي النَّهَارِ — الْحَرَسُ وَالِاسْتِعْدَادُ وَالْخُطَبُ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الصُّمُودِ.
وَفِي اللَّيْلِ — فِي الْبُيُوتِ وَالْحَدَائِقِ وَالْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ — كَانَتِ الْمَدِينَةُ تُغَنِّي.
لَمْ تَكُنْ تُغَنِّي مِنْ فَرَحٍ؛
كَانَتْ تُغَنِّي مِنْ ضَرُورَةٍ، كَأَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ يَقْتَرِبُ مِنَ الْخَسَارَةِ يَتَمَسَّكُ بِأَجْمَلِ مَا لَدَيْهِ.
فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ قُرْبَ الْحَمْرَاءِ كَانَ يَجْتَمِعُ كُلَّ جُمُعَةٍ خَمْسَةُ أَشْخَاصٍ:
أَبُو الْحَسَنِ الْمُوَشِّحُ — شَيْخٌ فِي السِّتِّينَ، كَانَ قَاضِيًا وَتَرَكَهَا لِيَكُونَ مُوَشِّحًا.
قَدَمَاهُ لَا تَعُودَانِ تَحْمِلَانِهِ جَيِّدًا، لَكِنَّ صَوْتَهُ مَا زَالَ كَمَا كَانَ:
مَاءً يَجْرِي فِي اللَّيْلِ.
فَاطِمَةُ بِنْتُ يُوسُفَ — شَاعِرَةٌ فِي الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ.
كَتَبَتِ الشِّعْرَ مُنْذُ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ، وَلَمْ تَقْرَأْهُ أَمَامَ أَحَدٍ غَيْرِ جَدَّتِهَا حَتَّى بَلَغَتِ الْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ.
دَاوُدُ الطَّبِيبُ — يَهُودِيٌّ مِنْ قُرْطُبَةَ جَاءَ غَرْنَاطَةَ قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً.
يُغَنِّي فِي هَذَا الْمَجْلِسِ الْخَاصِّ مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ.
لَا أَحَدَ خَارِجَ هَذَا الْبَيْتِ يَعْرِفُ.
أَبُو الْحَكَمِ — شَابٌّ فِي الْعِشْرِينَ تَعَلَّمَ الْعُودَ مِنْ أَبِيهِ وَمِنَ الْهَوَاءِ.
يُقَلِّدُ الطُّيُورَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ يُقَلِّدُهَا.
الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ — الْوَحِيدُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ لِيُغَنِّيَ؛
جَاءَ لِيُجَادِلَ، وَبَقِيَ — لِأَنَّ مَا سَمِعَهُ جَعَلَهُ يُرَاجِعُ كَثِيرًا مِمَّا ظَنَّ.
تِلْكَ الْجُمُعَةَ كَانَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ مُتَوَتِّرًا أَكْثَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ.
قَالَ حِينَ جَلَسُوا:
— سَمِعْتُ أَنَّ خَطِيبَ مَسْجِدِ الرُّمَيْلَةِ قَالَ الْأُسْبُوعَ الْمَاضِيَ:
«مَنْ يُغَنِّ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَكَأَنَّمَا يُعِينُ الْعَدُوَّ».
صَمَتَ الْمَجْلِسُ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بِبُطْءٍ:
— وَمَاذَا يُرِيدُ مِنَّا؟
أَنْ نُغَنِّيَ فِي أَيِّ زَمَنٍ غَيْرِ هَذَا؟
— يُرِيدُ أَنْ نَصْمُتَ.
— الصَّمْتُ لَيْسَ دِينًا؛
الصَّمْتُ خَوْفٌ.
قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بِحِدَّةٍ خَفِيفَةٍ:
— أَوْ زُهْدٌ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ — وَكَانَتْ عَادَةً لَا تَتَدَخَّلُ فِي هَذَا الْجَدَلِ الْمُتَكَرِّرِ:
— الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ، أَسْأَلُكَ سُؤَالًا وَاحِدًا.
أَجِبْنِي بِصِدْقٍ.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
— حِينَ تَسْمَعُ الْأَذَانَ بِصَوْتٍ جَمِيلٍ — مَاذَا تُحِسُّ؟
لَمْ يُجِبْ فَوْرًا.
— حِينَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِتَجْوِيدٍ عَالٍ — مَاذَا تُحِسُّ؟
— شَيْئًا —
— قُلِ الشَّيْءَ.
— شَيْئًا يَهْدَأُ فِي دَاخِلِي.
— هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي يَهْدَأُ — هُوَ نَفْسُ الشَّيْءِ الَّذِي يَهْدَأُ حِينَ نُغَنِّي، لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ.
فَلِمَاذَا يُقْبَلُ الْأَذَانُ وَيُرْفَضُ الْغِنَاءُ؟
— لِأَنَّ الْأَذَانَ شَعِيرَةٌ، وَالْغِنَاءُ —
— الْغِنَاءُ مَاذَا؟
لَمْ يُكْمِلْ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ بِهُدُوءٍ كَامِلٍ:
— الْغِنَاءُ يَفْعَلُ فِي الْقَلْبِ مَا تَفْعَلُهُ الشَّعِيرَةُ فِي الْجَسَدِ.
يُذَكِّرُ الْقَلْبَ بِأَنَّهُ حَيٌّ، وَأَنَّ الْجَمَالَ مَوْجُودٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ، وَأَنَّ الْعَالَمَ — رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ — يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ.
فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ غَنَّوْا.
غَنَّى أَبُو الْحَسَنِ أَوَّلًا — مُوَشَّحٌ قَدِيمٌ كَتَبَهُ قَبْلَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، عَنْ غَرْنَاطَةَ، عَنِ الْمَاءِ، عَنْ وَجْهٍ لَمْ يَعُدْ يَذْكُرُ صَاحِبَهُ لَكِنْ يَذْكُرُ شُعُورَهُ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ غَنَّتْ فَاطِمَةُ — قَصِيدَةً كَتَبَتْهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، عَنْ أُمٍّ تُوَدِّعُ وَلَدًا ذَاهِبًا إِلَى الْحَرْبِ.
لَمْ تَقُلْ فِيهَا كَلِمَةَ «حَرْبٍ»، وَلَا كَلِمَةَ «وَدَاعٍ»؛
قَالَتْ:
«الطَّيْرُ يَرْحَلُ وَالسَّمَاءُ تَحْزَنُ».
وَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ.
ثُمَّ عَزَفَ أَبُو الْحَكَمِ وَحْدَهُ، بِلَا كَلِمَاتٍ.
وَلَمْ يَكُنِ الْعَزْفُ مُوسِيقَى الْفَرَحِ وَلَا مُوسِيقَى الْحُزْنِ؛
كَانَ مُوسِيقَى شَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ لَا اسْمَ لَهُ فِي أَيِّ لُغَةٍ.
وَدَاوُدُ الْيَهُودِيُّ كَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِكَلِمَاتٍ لَا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ.
رُبَّمَا يُصَلِّي، رُبَّمَا يُغَنِّي، رُبَّمَا لَا فَرْقَ.
وَالشَّيْخُ سُلَيْمَانُ — كَانَ يَجْلِسُ وَعَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَانِ.
وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا حِينَ انْتَهَوْا، لَمْ يُجَادِلْ، لَمْ يُوَافِقْ؛
جَلَسَ فَقَطْ.
وَبَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ قَالَ:
— لِمَاذَا لَمْ يُعَلِّمُونَا هَذَا فِي الْمَدْرَسَةِ؟
— مَاذَا؟ — سَأَلَتْ فَاطِمَةُ.
— أَنَّ الْجَمَالَ يَفْعَلُ هَذَا.
— وَمَاذَا يَفْعَلُ؟
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ.
— يَجْعَلُ الْيَهُودِيَّ وَالْمُسْلِمَ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَشْعُرَانِ أَنَّ شَيْئًا مُخْتَلِفًا بَيْنَهُمَا.
قَالَ دَاوُدُ الطَّبِيبُ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ:
— هَذَا لِأَنَّ الْجَمَالَ لَا يَقْرَأُ وَثَائِقَ الْمِيلَادِ.
بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا سَقَطَتْ غَرْنَاطَةُ.
ذَهَبَ كَثِيرُونَ:
إِلَى الْمَغْرِبِ، إِلَى تُونِسَ، إِلَى الْمَشْرِقِ.
وَذَهَبَ مَعَهُمُ الْمُوَشَّحُ وَالزَّجَلُ وَالْمُوسِيقَى وَالطَّعَامُ وَالْحِرَفُ وَالذَّاكِرَةُ.
وَفِي كُلِّ مَكَانٍ حَلُّوا فِيهِ — بَنَوْا مَجَالِسَ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
بُيُوتٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا مُوسِيقَى خَفِيَّةٌ.
لَيْسَ سِرًّا بِالْمَعْنَى الْخَائِفِ، بَلْ سِرًّا بِالْمَعْنَى الْمُقَدَّسِ:
مَا لَا يُقَالُ فِي الْعَلَنِ لِأَنَّهُ أَثْمَنُ مِنْ أَنْ يُقَالَ.
قَصِيدَةُ فَاطِمَةَ — نُسِخَتْ وَنُسِخَتْ.
وَصَلَتْ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمِنْهُ إِلَى الْجَزَائِرِ، وَمِنْهَا إِلَى الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ الْحَدِيثِ — دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ مَصْدَرَهَا.
وَالْمُوَشَّحُ الْأَنْدَلُسِيُّ — بَقِيَ حَيًّا.
ظَلَّ يُغَرِّدُ عَلَى حِبَالِ الذَّاكِرَةِ، فِي مَجَالِسِ شَمَالِ أَفْرِيقِيَا، فِي صَوْتِ أُمِّ كُلْثُومٍ الَّتِي لَوْ سَمِعَهَا أَبُو الْحَسَنِ لَبَكَى مِنَ الْفَرَحِ.
الْجَمَالُ لَا يَمُوتُ، لَكِنَّهُ أَحْيَانًا يُنْسَى اسْمُهُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ – الْمِنْبَرُ الصَّامِتُ
إِسْطَنْبُولُ — ١٠٥٠هـ / ١٦٤٠م
كَانَ السُّلْطَانُ إِبْرَاهِيمُ الْأَوَّلُ يَشْكُو إِلَى خَادِمِهِ:
— لِمَاذَا يَبْدُو الْمَسْجِدُ الْكَبِيرُ حَزِينًا هَذِهِ الْأَيَّامَ؟
قَالَ الْخَادِمُ — وَكَانَ رَجُلًا يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَنْجَى مِنَ الْمُجَامَلَةِ:
— لِأَنَّ الْعِمَارَةَ تُسَبِّحُ وَالصَّوْتَ غَائِبٌ.
— الصَّلَاةُ تُقَامُ.
— الصَّلَاةُ تُقَامُ، لَكِنَّ الْمُؤَذِّنَ الْجَدِيدَ صَوْتُهُ مِثْلُ جَرَسِ الْحَدِيدِ، وَالْمُقْرِئَ الْجَدِيدَ يَقْرَأُ كَأَنَّهُ يُعِدُّ قَائِمَةً.
الْتَفَتَ السُّلْطَانُ:
— وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ؟
— كَانَ الشَّيْخُ حُسَيْنٌ النَّوَوِيُّ مُؤَذِّنًا ثَلَاثِينَ سَنَةً.
لَمْ يَكُنْ صَوْتُهُ أَقْوَى مَا يَكُونُ وَلَا أَجْمَلَ مَا يَكُونُ مِنَ النَّاحِيَةِ التِّقْنِيَّةِ، لَكِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ يَجْعَلُ مَنْ يَسْمَعُهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ يُدْعَى هُوَ شَخْصِيًّا، بِاسْمِهِ، لَا النَّاسَ عُمُومًا.
— وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ؟
— مَاتَ مُنْذُ سَنَةٍ.
— وَمُؤَذِّنُهُ بَعْدَهُ؟
— لَا مُؤَذِّنَ بَعْدَهُ؛
اخْتَارُوا مَنْ حَضَرَ.
فِي تِلْكَ الْحُقْبَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ كَانَ الْقَرْنُ السَّابِعَ عَشَرَ يَحْمِلُ تَوَتُّرًا لَاهُوتِيًّا جَدِيدًا.
التَّيَّارَاتُ الْمُحَافِظَةُ الَّتِي قَدِمَتْ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَانَتْ تَنْتَشِرُ بِبُطْءٍ، وَكَانَتْ تَحْمِلُ مَعَهَا رَأْيًا فِي الْجَمَالِ:
الْجَمَالُ فِي الْعِبَادَةِ — نَعَمْ.
الْجَمَالُ فِي الْحَيَاةِ — تَبْسِيطٌ مَطْلُوبٌ.
وَفِي مَدْرَسَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ الْكُبْرَى كَانَ يَدُورُ نِقَاشٌ طَوِيلٌ بَيْنَ عَالِمَيْنِ:
الشَّيْخُ مُصْطَفَى أَفَنْدِي — عَالِمُ الْعِمَارَةِ وَالْفُنُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
دَرَسَ فِي فَارِسَ وَبُخَارَى وَالْقَاهِرَةِ.
يَرَى أَنَّ الْجَمَالَ فِي الْمَسْجِدِ عِبَادَةٌ لَا زَخْرَفَةٌ.
الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ — فَقِيهٌ مِنَ الْأَنَاضُولِ.
مُتَأَثِّرٌ بِالتَّيَّارَاتِ الْجَدِيدَةِ.
يَرَى أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ زَخَارِفِ الْمَسَاجِدِ إِسْرَافًا يُشْغِلُ عَنِ الْعِبَادَةِ.
كَانَا يَتَجَادَلَانِ كُلَّ يَوْمٍ فِي صَالَةِ الْمَدْرَسَةِ، وَطُلَّابُهُمَا يَجْلِسُونَ وَيَسْتَمِعُونَ وَيَخْتَارُونَ.
فِي أَحَدِ أَيَّامِ الرَّبِيعِ دَخَلَ عَلَيْهِمَا طَالِبٌ شَابٌّ اسْمُهُ مُرَادٌ — ابْنُ نَجَّارٍ مِنْ بُورْصَةَ.
جَاءَ يَدْرُسُ الْفِقْهَ، لَكِنَّهُ كَانَ يُمْضِي نِصْفَ وَقْتِهِ فِي الرَّسْمِ عَلَى أَوْرَاقٍ صَغِيرَةٍ يُخَبِّئُهَا حِينَ يَمُرُّ أَحَدٌ.
قَالَ مُرَادٌ فِي مُنْتَصَفِ جِدَالِهِمَا:
— سَادَتِي — لِي سُؤَالٌ.
نَظَرَا إِلَيْهِ.
— هَلْ أَيٌّ مِنْكُمَا دَخَلَ آيَا صُوفْيَا وَصَلَّى فِيهَا؟
— طَبْعًا.
— وَكَيْفَ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِيهَا غَيْرَ غَيْرِهَا؟
صَمَتَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى لَحْظَةً ثُمَّ قَالَ:
— كَانَتْ أَشَدَّ خُشُوعًا.
— وَلِمَاذَا؟
— لِأَنَّ —
— لِأَنَّ الْجَمَالَ يُعِينُ عَلَى الْخُشُوعِ.
هَذَا مَا قَصَدْتُ.
لَيْسَ الْجَمَالُ شَاغِلًا؛
الْجَمَالُ — حِينَ يَكُونُ فِي خِدْمَةِ الْعِبَادَةِ — يُنَبِّهُ الرُّوحَ قَبْلَ أَنْ يُغْرِيَ الْعَيْنَ.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ بِتَحَفُّظٍ:
— وَهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى طَبِيعَةِ الْجَمَالِ.
آيَا صُوفْيَا شَيْءٌ، وَالْمُوسِيقَى فِي الْحَانَةِ شَيْءٌ آخَرُ.
— مُوَافِقٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمَضْمُونُ وَالْغَايَةُ، لَا الْجَمَالُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى:
— الْوَلَدُ يَقُولُ شَيْئًا صَحِيحًا.
الْجَمَالُ أَدَاةٌ، وَالْأَدَاةُ تُقَيَّمُ بِمَا تُسْتَخْدَمُ فِيهِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَتَبَ مُرَادٌ النَّجَّارُ فِي دَفْتَرِهِ:
«الْيَوْمَ فَهِمْتُ شَيْئًا:
الْجَمَالُ لَيْسَ ضِدَّ الْإِيمَانِ.
الْجَمَالُ هُوَ إِيمَانُ الْحَوَاسِّ.
كَمَا أَنَّ الْعَقْلَ يُؤْمِنُ بِالدَّلِيلِ، وَالْقَلْبَ يُؤْمِنُ بِالْحُبِّ، تُؤْمِنُ الْحَوَاسُّ بِالْجَمَالِ.
وَإِنْسَانٌ لَا تُؤْمِنُ حَوَاسُّهُ — إِيمَانُهُ نَاقِصٌ.»
ثُمَّ رَسَمَ تَحْتَ الْكَلِمَاتِ:
قُبَّةً، ضَوْءٌ يَدْخُلُ مِنْهَا، وَتَحْتَ الضَّوْءِ — إِنْسَانٌ سَاجِدٌ لَا يُعْرَفُ إِنْ كَانَ يُصَلِّي أَمْ يَتَأَمَّلُ أَمْ يَبْكِي.
حِينَ أَتَمَّ مُرَادٌ دِرَاسَتَهُ صَارَ مِعْمَارِيًّا، وَحِينَ كُلِّفَ بِتَصْمِيمِ مَسْجِدٍ صَغِيرٍ فِي بُورْصَةَ مَسْقِطِ رَأْسِهِ — صَمَّمَهُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ:
جَعَلَ نَوَافِذَهُ تُوَاجِهُ الْجَبَلَ لِيَدْخُلَ مِنْهَا الضَّوْءُ مَصْحُوبًا بِلَوْنِ الْأَشْجَارِ، وَجَعَلَ قُبَّتَهُ أَقَلَّ ارْتِفَاعًا مِمَّا هُوَ مُعْتَادٌ لِتَبْدُوَ السَّمَاءُ أَقْرَبَ، وَزَيَّنَهُ بِزَخَارِفَ هَنْدَسِيَّةٍ بَسِيطَةٍ فِي لَوْنَيْنِ فَقَطْ:
الْأَبْيَضِ وَالْأَزْرَقِ الدَّاكِنِ.
حِينَ صَلَّى النَّاسُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى — بَكَى بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا لِمَاذَا.
مُرَادٌ يَعْرِفُ لِمَاذَا.
الْجَمَالُ الْحَقِيقِيُّ لَا يُشْغِلُ عَنِ اللَّهِ؛
يُقَرِّبُ مِنْهُ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ – الصَّوْتُ الْمَحْجُوبُ
الْقَاهِرَةُ — ١٣٠٠هـ / ١٨٨٢م
كَانَتْ مِصْرُ تَدْخُلُ عَصْرًا جَدِيدًا وَهِيَ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَكُونُ فِيهِ نَفْسَهَا.
الْإِنْجِلِيزُ فِي السُّلْطَةِ، وَالنَّهْضَةُ فِي الطَّرِيقِ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَبْدُهُ يَكْتُبُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْعَقْلِ وَالْحَدَاثَةِ، وَالْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ يَبْدَأُ، وَالْمُوسِيقَى تَتَحَرَّكُ، وَصُحُفٌ جَدِيدَةٌ، وَأَفْكَارٌ جَدِيدَةٌ، وَسُؤَالٌ قَدِيمٌ يَتَجَدَّدُ:
مَنْ نَحْنُ الْآنَ؟
فِي هَذَا السِّيَاقِ كَانَتْ نَجَاةُ — ابْنَةُ السَّبْعَةَ عَشَرَ عَامًا.
بِنْتُ حَلَّاقٍ قَاهِرِيٍّ.
صَوْتُهَا — بِحَسَبِ كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ — لَمْ يَكُنْ صَوْتًا عَادِيًّا؛
كَانَ صَوْتًا يَجْعَلُ الشَّارِعَ يَتَوَقَّفُ.
فِي بَيْتِهِمْ، فِي شَارِعٍ صَغِيرٍ وَرَاءَ مَسْجِدِ الْحُسَيْنِ، كَانَ أَبُوهَا يَسْمَحُ لَهَا بِالْغِنَاءِ فِي الْمَنْزِلِ، وَأُمُّهَا كَانَتْ تُغْمِضُ عَيْنَيْهَا وَهِيَ تَسْمَعُهَا كَأَنَّهَا تُصَلِّي، وَإِخْوَتُهَا الصِّغَارُ كَانُوا يَجْلِسُونَ دَائِرَةً حَوْلَهَا.
لَكِنَّ خَارِجَ الْبَيْتِ — كَانَ الْعَالَمُ مُخْتَلِفًا.
الشَّيْخُ الَّذِي عَلَّمَهَا الْقُرْآنَ حِينَ كَانَتْ طِفْلَةً قَالَ لِأَبِيهَا يَوْمًا:
— بِنْتُكَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِصَوْتٍ يُبْكِي الْحِجَارَةَ، لَكِنْ لَا تَجْعَلْهَا تُغَنِّي أَغَانِيَ الدُّنْيَا فِي الْعَلَنِ؛
فَالْمَرْأَةُ وَصَوْتُهَا —
لَمْ يُكْمِلِ الشَّيْخُ الْجُمْلَةَ، وَأَبُوهَا لَمْ يَسْأَلْهُ.
الْجُمْلَةُ غَيْرُ الْمُكْتَمَلَةِ كَانَتْ تَحْمِلُ ثِقَلًا أَكْبَرَ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمُكْتَمَلَةِ.
كَانَتْ نَجَاةُ تَذْهَبُ كُلَّ جُمُعَةٍ إِلَى مَجْلِسِ سَيِّدَةٍ تُسَمَّى السِّتَّ حَنَانَ — امْرَأَةٌ فِي السِّتِّينَ كَانَتْ فِي شَبَابِهَا مُغَنِّيَةً فِي مَجَالِسِ الْخَاصَّةِ، ثُمَّ تَرَكَتْ وَصَارَتْ تُعَلِّمُ الْبَنَاتِ الْمُوسِيقَى سِرًّا.
فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ كُنَّ خَمْسَ بَنَاتٍ، وَلَا رَجُلَ يَعْلَمُ مَا يَجْرِي فِيهِ — أَوْ هَكَذَا كُنَّ يُفَضِّلْنَ أَنْ يَعْتَقِدْنَ.
قَالَتِ السِّتُّ حَنَانُ لِنَجَاةَ يَوْمًا:
— صَوْتُكِ أَمَانَةٌ، لَيْسَ مِلْكَكِ.
اللَّهُ أَعْطَاكِ إِيَّاهُ لِتَفْعَلِي بِهِ شَيْئًا.
مَا هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ؟
— لَا أَعْرِفُ.
— فَكِّرِي.
فَكَّرَتْ نَجَاةُ طَوِيلًا.
ثُمَّ قَالَتْ:
— أُرِيدُ أَنْ أُغَنِّيَ حَتَّى يَشْعُرَ مَنْ يَسْمَعُنِي أَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ.
— وَهَلْ تَظُنِّينَ هَذَا مُمْكِنًا؟
— أَظُنُّ.
— وَإِذَا قَالَ أَحَدٌ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَنِّيَ فِي الْعَلَنِ؟
— مَاذَا يَقُولُ فِي الْأَذَانِ؟
— الْأَذَانُ لِلرَّجُلِ.
— وَصَوْتُ الرَّجُلِ فِي الْأَذَانِ مَاذَا يَفْعَلُ؟
يَجْمَعُ النَّاسَ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُمْ.
فَإِذَا كَانَ صَوْتِي يَفْعَلُ نَفْسَ الشَّيْءَ — فَمَا الْمَسْأَلَةُ؟
قَالَتِ السِّتُّ حَنَانُ بِنَظْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ بَيْنَ الْإِعْجَابِ وَالْحُزْنِ:
— الْمَسْأَلَةُ يَا نَجَاةُ أَنَّ الْفِقْهَ لَيْسَ دَائِمًا عَادِلًا، لَكِنَّهُ قَوِيٌّ.
— وَأَنَا؟
— وَأَنْتِ — أَقْوَى مَا تَكُونِينَ حِينَ لَا تُقَاتِلِينَهُ مُبَاشَرَةً؛
حِينَ تُغَنِّينَ وَتَدَعِينَ الْغِنَاءَ يَتَكَلَّمُ بَدَلًا عَنْكِ.
فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ كَانَتْ نَجَاةُ تُغَنِّي فِي ثَلَاثَةِ أَمَاكِنَ:
فِي الْبَيْتِ — دَائِمًا، وَأَبُوهَا يَفْخَرُ بِصَمْتٍ.
وَفِي مَجْلِسِ السِّتِّ حَنَانَ — سِرًّا شِبْهَ عَلَنِيٍّ.
وَفِي حَفَلَاتِ الْأَعْرَاسِ — حَيْثُ لَا يَسْأَلُ أَحَدٌ.
وَفِي حَفَلَاتِ الْأَعْرَاسِ الْتَقَتْ مَرَّةً بِشَيْخٍ شَابٍّ اسْمُهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ — لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَسْمَعَهَا.
كَانَ قَدْ حَضَرَ الْعُرْسَ بِسَبَبِ أَهْلِ الْعَرِيسِ لَا الْعَرُوسَ.
وَحِينَ غَنَّتْ نَجَاةُ — جَلَسَ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
لَمْ يَقُمْ؛
جَلَسَ حَتَّى انْتَهَتْ.
وَبَعْدَ الْعُرْسِ ذَهَبَ إِلَى أَبِيهَا وَقَالَ:
— ابْنَتُكَ — أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟
— مَاذَا تَقْصِدُ يَا شَيْخُ؟
— أَقْصِدُ — أَيُّ شَيْءٍ هَذَا الَّذِي فِي صَوْتِهَا.
لَيْسَ مُوسِيقَى فَقَطْ.
شَيْءٌ آخَرُ.
— أَبْكَاكَ؟
نَظَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَعِيدًا.
— لَيْسَ بِالضَّبْطِ.
جَعَلَنِي أَتَذَكَّرُ.
— مَاذَا؟
— لَا أَعْرِفُ.
لَكِنَّ شَيْئًا قَدِيمًا.
شَيْءٌ كَانَ فِيَّ قَبْلَ سَنَوَاتٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ وَالْفَتَاوَى.
الشَّيْخُ أَحْمَدُ — فِي الْأَعْوَامِ الَّتِي تَلَتْ — صَارَ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ تَسَامُحًا فِي مَسَائِلِ الْفَنِّ.
لَمْ يُحَلِّلْ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يُفَرِّقُ — وَهَذَا التَّفْرِيقُ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ — بَيْنَ الْفَنِّ الَّذِي يَرْفَعُ الْإِنْسَانَ وَالْفَنِّ الَّذِي يُسْقِطُهُ.
كَانَ يَقُولُ لِطُلَّابِهِ:
— الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُحَرِّمَ كُلَّ فَنٍّ — لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ نَجَاةَ.
وَأَنَا سَمِعْتُهُ.
وَلَنْ أُحَرِّمَ مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْقَلْبِ.
وَحِينَ يَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فِي قَلْبِكَ؟
كَانَ يَقُولُ: ذَكَّرَنِي بِاللَّهِ.
وَكَانُوا يَصْمُتُونَ.
نَجَاةُ لَمْ تَصِرْ مَشْهُورَةً.
مَاتَتْ شَابَّةً مِنْ حُمَّى عَادِيَّةٍ.
لَكِنَّ بَنَاتِ السِّتِّ حَنَانَ — الْخَمْسَ اللَّوَاتِي تَعَلَّمْنَ مَعَهَا — نَشَرْنَ مَا تَعَلَّمْنَ، وَبَنَاتُ بَنَاتِهِنَّ مِنْ بَعْدِهِنَّ؛
وَهَكَذَا — فِي تِلْكَ السِّلْسِلَةِ الْخَفِيَّةِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي أَحْبَبْنَ الْجَمَالَ وَرَفَضْنَ أَنْ يُدْفَنَ مَعَهُ — وَصَلَتْ رُوحُ شَيْءٍ إِلَى مُوسِيقَى لَمْ يُكْتَبِ اسْمُ مَصْدَرِهَا.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ – ثَلَاثَةُ أَصْوَاتٍ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
بَارِيسُ — ١٩٦٢م
كَانَتْ غُرْفَةً صَغِيرَةً فِي حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ بَارِيسَ اللَّاتِينِيِّ، بِهَا سَرِيرٌ وَطَاوِلَةٌ وَكُتُبٌ حَتَّى السَّقْفِ، وَثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ لَمْ يَكُونُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَجْلِسُوا فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.
كَمَالٌ — جَزَائِرِيٌّ فِي الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ.
جَاءَ بَارِيسَ لِيَدْرُسَ الْفَلْسَفَةَ وَبَقِيَ يُفَكِّرُ.
الِاسْتِقْلَالُ صَارَ قَبْلَ أَشْهُرٍ، وَبِلَادُهُ تَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ، وَهُوَ فِي بَارِيسَ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ يَبْنِي نَفْسَهُ أَوْ يَبْحَثُ عَنْهَا.
إِيزَابِيلُ — فَرَنْسِيَّةٌ أُمُّهَا جَزَائِرِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَبُوهَا جَزَائِرِيٌّ مَسِيحِيٌّ هَاجَرَ قَبْلَ الْحَرْبِ.
تُصَوِّرُ بِالْكَامِيرَا.
تَعْتَقِدُ أَنَّ الصُّورَةَ وَحْدَهَا قَادِرَةٌ عَلَى قَوْلِ مَا لَا تَسْتَطِيعُهُ الْكَلِمَاتُ.
مُصْطَفَى — مَغْرِبِيٌّ، مُوسِيقَارٌ.
يَمْزُجُ الْمُوسِيقَى الْأَنْدَلُسِيَّةَ الْمَوْرُوثَةَ بِالْجَازِ الْأَمْرِيكِيِّ.
يَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ ذَلِكَ؛
هَذَا مَا خَرَجَ مِنْهُ حِينَ يَعْزِفُ.
جَمَعَهُمُ الْمَقْهَى أَوَّلًا، ثُمَّ النِّقَاشُ، ثُمَّ هَذِهِ الْغُرْفَةُ كُلَّ أُسْبُوعٍ.
فِي تِلْكَ الْأَمْسِيَةِ كَانَ مُصْطَفَى قَدْ عَزَفَ قِطْعَةً جَدِيدَةً، يَمْزُجُ فِيهَا لَحْنًا أَنْدَلُسِيًّا قَدِيمًا بِإِيقَاعِ جَازٍ حَدِيثٍ.
حِينَ انْتَهَى، قَالَتْ إِيزَابِيلُ:
— هَذَا جَمِيلٌ جِدًّا.
لَكِنْ أَسْأَلُكَ — هَلْ تَشْعُرُ أَنَّكَ خُنْتَ شَيْئًا؟
— مَاذَا تَعْنِينَ؟
— الْأَصْلَ.
الْأَنْدَلُسِيَّ الْقَدِيمَ.
أَضَفْتَ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ.
هَلْ تَشْعُرُ أَنَّ الْأَصْلَ يَرْضَى؟
ضَحِكَ مُصْطَفَى.
— الْأَصْلُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ.
الْمُوسِيقَى الْأَنْدَلُسِيَّةُ نَفْسُهَا مَزِيجٌ:
أَصْلُهَا عَرَبِيٌّ وَمَغْرِبِيٌّ وَفَارِسِيٌّ وَبَرْبَرِيٌّ وَقُوطِيٌّ.
وَالْمُوسِيقَى الْقُوطِيَّةُ أَصْلُهَا رُومَانِيٌّ وَجَرْمَانِيٌّ.
وَالرُّومَانِيُّ أَصْلُهُ —
— حَسَنًا، حَسَنًا.
— لَا شَيْءَ نَقِيٌّ فِي الْجَمَالِ، وَالنَّقَاوَةُ الْمَزْعُومَةُ أَحْيَانًا هِيَ الْمَوْتُ.
قَالَ كَمَالٌ — وَكَانَ طَوَالَ الْوَقْتِ يَسْتَمِعُ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ:
— لَكِنَّ ثَمَّةَ فَرْقًا بَيْنَ التَّطَوُّرِ الطَّبِيعِيِّ لِلتُّرَاثِ وَالتَّشْوِيهِ الْخَارِجِيِّ لَهُ.
— وَالْفَرْقُ؟
— النِّيَّةُ وَالِانْتِمَاءُ.
حِينَ تُطَوِّرُ تُرَاثَكَ أَنْتَ — فَهَذَا تَطَوُّرٌ.
حِينَ تَأْخُذُ تُرَاثَ غَيْرِكَ وَتُفَرِّغُهُ وَتَمْلَؤُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ — فَهَذَا مُخْتَلِفٌ.
نَظَرَ مُصْطَفَى إِلَيْهِ.
— وَأَنَا — فِي رَأْيِكَ — أَيُّ النَّوْعَيْنِ؟
صَمَتَ كَمَالٌ.
— لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ فِيكَ؛
قُلْتُهُ فِي السُّؤَالِ بِشَكْلٍ عَامٍّ.
— لَكِنَّ السُّؤَالَ وُجِّهَ إِلَيَّ.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ:
— أَظُنُّ أَنَّ مَا تَفْعَلُهُ أَصِيلٌ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُ الِاثْنَيْنِ فِي دَاخِلِكَ.
الْأَنْدَلُسُ وَالْجَازُ لَيْسَا عِنْدَكَ خِيَارَيْنِ تَخْتَارُ بَيْنَهُمَا؛
كِلَاهُمَا أَنْتَ.
قَالَتْ إِيزَابِيلُ:
— وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ قَوْلَهُ بِالْكَامِيرَا.
أَنَا نِصْفِي هُنَا وَنِصْفِي هُنَاكَ.
وَحِينَ أُصَوِّرُ — لَا أَخْتَارُ نِصْفًا؛
أُصَوِّرُ بِكُلِّي.
تَحَدَّثُوا طَوِيلًا فِي تِلْكَ الْأَمْسِيَةِ عَنْ سُؤَالٍ كَانَ الثَّلَاثَةُ يَحْمِلُونَهُ:
هَلْ يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ فَنَّانًا عَالَمِيًّا دُونَ أَنْ يُقَلِّدَ الْغَرْبَ وَدُونَ أَنْ يُقَيِّدَ نَفْسَهُ بِالتُّرَاثِ فَقَطْ؟
قَالَ كَمَالٌ:
— أَظُنُّ السُّؤَالَ خَاطِئًا.
«الْمُسْلِمُ الْفَنَّانُ» — لِمَاذَا تَبْدَأُ بِهُوِيَّةٍ دِينِيَّةٍ؟
تَبْدَأُ بِإِنْسَانٍ فَنَّانٍ يَحْدُثُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا.
وَإِسْلَامُهُ — إِذَا كَانَ حَقِيقِيًّا — يَظْهَرُ فِي الْفَنِّ دُونَ أَنْ يُعْلِنَ.
قَالَ مُصْطَفَى:
— لَكِنَّ الْإِسْلَامَ جُزْءٌ مِنْ هُوِيَّتِي أَيْضًا، وَأَرْفُضُ أَنْ أُخَبِّئَهُ.
— لَمْ أَقُلْ تُخَبِّئَهُ؛
قُلْتُ لَا تُعْلِنَهُ.
الْفَرْقُ كَبِيرٌ.
— اشْرَحْ.
— التَّدَيُّنُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَحْتَاجُ إِعْلَانًا.
حِينَ تُبْدِعُ بِإِخْلَاصٍ وَعُمْقٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ — إِسْلَامُكَ مَوْجُودٌ، دُونَ أَنْ تَضَعَ شِعَارًا.
قَالَتْ إِيزَابِيلُ:
— وَهَذَا مَا يُفَرِّقُ الْفَنَّ الدِّينِيَّ عَنِ الدِّعَايَةِ الدِّينِيَّةِ.
الْفَنُّ الدِّينِيُّ يَحْمِلُ رُوحًا.
الدِّعَايَةُ تَحْمِلُ رِسَالَةً.
— وَالرُّوحُ أَبْقَى مِنَ الرِّسَالَةِ.
— دَائِمًا.
فِي النِّهَايَةِ قَالَ مُصْطَفَى:
— سَأَعْزِفُ شَيْئًا أَخِيرًا.
عَزَفَ، وَكَانَتِ الْقِطْعَةُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِلَا اسْمٍ.
لَا أَنْدَلُسَ وَلَا جَازَ؛
مُجَرَّدَ نَغَمَاتٍ خَرَجَتْ مِنْ مَكَانٍ مَا فِي دَاخِلِهِ.
وَحِينَ انْتَهَى — كَانَتْ إِيزَابِيلُ تُمْسِكُ كَامِيرَتَهَا بِيَدٍ وَاحِدَةٍ دُونَ أَنْ تُصَوِّرَ، وَكَمَالٌ يَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ وَخَلْفَهَا أَضْوَاءُ بَارِيسَ الْبَارِدَةِ.
قَالَ كَمَالٌ:
— مَا هَذَا الَّذِي فَعَلْتَهُ بِنَا؟
قَالَ مُصْطَفَى بِهُدُوءٍ:
— هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الْجَمَالُ الْحَقِيقِيُّ:
يَجْعَلُكَ تَشْعُرُ بِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْكَ، وَلَا تَعْرِفُ مَاذَا تَفْعَلُ بِهَذَا الشُّعُورِ.
— هَلْ هَذَا هُوَ اللَّهُ؟
— رُبَّمَا.
أَوْ رُبَّمَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ فِينَا وَأَسْمَاهُ رُوحًا، وَأَعْطَانَا الْجَمَالَ لِنُذَكِّرَهَا بِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ – الشَّاشَةُ وَالصَّلَاةُ
لَنْدَنُ — ٢٠١٥م
أَمِيرَةُ — ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ عَامًا.
مُخْرِجَةٌ مِصْرِيَّةٌ بَرِيطَانِيَّةٌ.
تَعِيشُ فِي لَنْدَنَ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
فِيلْمُهَا الْأَوَّلُ فَازَ بِجَائِزَةٍ صَغِيرَةٍ فِي مَهْرَجَانٍ صَغِيرٍ.
فِيلْمُهَا الثَّانِي لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ.
طَارِقٌ — أَخُوهَا الْأَصْغَرُ.
سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا.
يَدْرُسُ الشَّرِيعَةَ فِي جَامِعَةِ لَنْدَنَ.
يَعِيشُ فِي شَقَّةٍ صَغِيرَةٍ مَعَ كُتُبِ الْفِقْهِ حَتَّى السَّقْفِ.
كَانَا يَجْلِسَانِ فِي مَطْبَخِ أُمِّهِمَا حِينَ بَدَأَتِ الْمُحَادَثَةُ.
كَانَا يَتَجَادَلَانِ — كَمَا كَانَا يَتَجَادَلَانِ مُنْذُ طُفُولَتِهِمَا، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ الْجِدَالُ مُخْتَلِفًا.
قَالَتْ أَمِيرَةُ:
— فِيلْمِي الثَّانِي — أُرِيدُ أَنْ أُصَوِّرَ فِيهِ قِصَّةَ مُسْلِمَةٍ فِي لَنْدَنَ.
تُحِبُّ.
تَشُكُّ.
تَبْحَثُ.
تَجِدُ.
أَوْ لَا تَجِدُ.
الْقِصَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
— وَمَا الْمُشْكِلَةُ؟
— الْمُشْكِلَةُ أَنَّ فِيهِ مَشْهَدًا يُظْهِرُ ضَعْفَ الشَّخْصِيَّةِ وَتَذَبْذُبَهَا.
مَشْهَدٌ وَاقِعِيٌّ، مَشْهَدٌ أَنَا رَأَيْتُهُ فِي حَيَاتِي الْحَقِيقِيَّةِ.
وَأَنْتَ سَتَقُولُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
قَالَ طَارِقٌ بِهُدُوءٍ:
— صِفِيهِ لِي.
— الشَّخْصِيَّةُ تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَهِيَ لَا تُصَلِّي مُنْذُ زَمَنٍ.
وَالْمَشْهَدُ يُظْهِرُ تَنَاقُضَهَا — تُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ تَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ.
وَتَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا تُصَلِّي.
فَقَطْ تَجْلِسُ.
— وَمَا الْمُشْكِلَةُ فِي هَذَا الْمَشْهَدِ؟
فَاجَأَهَا السُّؤَالُ.
— ظَنَنْتُ أَنَّكَ سَتَقُولُ إِنَّ صُورَةَ الضَّعْفِ —
— الضَّعْفُ الْإِنْسَانِيُّ الْحَقِيقِيُّ — لَيْسَ مُشْكِلَةً فِي الْفَنِّ.
الْمُشْكِلَةُ فِي الْفَنِّ الَّذِي يُجَمِّلُ الْخَطَأَ أَوْ يَجْعَلُهُ مَقْبُولًا دُونَ حِسَابٍ.
مَشْهَدُكِ — كَمَا وَصَفْتِهِ — لَا يَفْعَلُ هَذَا.
تَوَقَّفَتْ أَمِيرَةُ.
— أَنْتَ تُوَافِقُ؟
— أُوَافِقُ عَلَى هَذَا الْمَشْهَدِ.
أَمَّا الْمَشَاهِدُ الْأُخْرَى — أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ عَنْهَا.
جَلَسَا سَاعَتَيْنِ.
أَمِيرَةُ تَصِفُ فِيلْمَهَا مَشْهَدًا مَشْهَدًا، وَطَارِقٌ يَسْمَعُ وَيَسْأَلُ وَيُعَلِّقُ.
لَمْ يَكُنْ طَارِقٌ «الْمَانِعَ» الَّذِي تَوَقَّعَتْهُ أَمِيرَةُ.
كَانَ — بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ — يُفَرِّقُ بِدِقَّةٍ:
هَذَا الْمَشْهَدُ يَبْنِي الْإِنْسَانَ، هَذَا يُسْقِطُهُ؛
هَذَا ضَرُورِيٌّ لِفَهْمِ الشَّخْصِيَّةِ، هَذَا زِيَادَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا.
قَالَتْ أَمِيرَةُ فِي نِهَايَةِ النِّقَاشِ:
— لِمَاذَا لَمْ نَتَكَلَّمْ هَكَذَا مِنْ قَبْلُ؟
— لِأَنَّكِ كُنْتِ تَتَوَقَّعِينَ أَنَّنِي سَأَرْفُضُ كُلَّ شَيْءٍ، فَكُنْتِ تُخَبِّئِينَ مِنِّي كُلَّ شَيْءٍ.
— وَأَنْتَ؟
— وَأَنَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَفْعَلِينَهُ إِمَّا انْحِلَالٌ أَوْ تَشَبُّهٌ بِالْغَرْبِ.
وَالِاثْنَانِ كَانَا مُخْطِئَيْنِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
— مَا الَّذِي غَيَّرَكَ؟
فَكَّرَ.
— دَرَسْتُ الْفِقْهَ الْمُقَارَنَ، وَوَجَدْتُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَائِلَ — حِينَ كَانُوا فِي قِمَّةِ حَضَارَتِهِمْ — لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ «هَلْ يَجُوزُ؟» بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الدِّفَاعِيَّةِ.
كَانُوا يَسْأَلُونَ:
«كَيْفَ نَفْعَلُ هَذَا بِأَفْضَلِ طَرِيقَةٍ؟»
سُؤَالٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا.
قَالَتْ أَمِيرَةُ:
— سُؤَالٌ بَانٍ لَا سُؤَالٌ مَانِعٌ.
— بِالضَّبْطِ.
فِيلْمُ أَمِيرَةَ خَرَجَ بَعْدَ عَامَيْنِ.
فَازَ بِجَوَائِزَ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ.
وَمَا أَدْهَشَهَا أَنَّ الْجُمْهُورَ الْأَكْثَرَ صَدًى لَهُ لَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ — الَّذِينَ قَالُوا:
«لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَرَى مُسْلِمَةً عَلَى الشَّاشَةِ كَإِنْسَانَةٍ، لَا كَرَمْزٍ وَلَا كَضَحِيَّةٍ وَلَا كَبَطَلَةٍ».
الْإِنْسَانِيَّةُ — حِينَ تَكُونُ حَقِيقِيَّةً — تَعْبُرُ الْحُدُودَ.
وَهَذَا مَا يَفْعَلُهُ الْجَمَالُ دَائِمًا.
الْفَصْلُ السَّابِعُ – الْمَجْلِسُ الْأَخِيرُ
مَكَانٌ خَارِجَ الزَّمَنِ — دَائِمًا
لَيْسَ مَكَانًا بِالْمَعْنَى الْجُغْرَافِيِّ، لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَلْتَقِي فِيهِ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ الْجَمَالَ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِحُبِّهِ، مَنْ أَبْدَعَ وَتَسَاءَلَ، مَنْ أُهْمِلَ وَأَكْمَلَ.
فِي هَذَا الْمَجْلِسِ يَجْلِسُونَ:
يَاقُوتٌ الْمُسْتَعْصِمِيُّ — أَصَابِعُهُ مَا زَالَتْ تَحْمِلُ الْحِبْرَ.
زَيْنَبُ الرَّسَّامَةُ الْبَغْدَادِيَّةُ — لَوْحُهَا الْخَشَبِيُّ فِي يَدِهَا.
أَبُو الْحَسَنِ الْمُوَشِّحُ الْأَنْدَلُسِيُّ — عَيْنَاهُ تَضْحَكَانِ.
فَاطِمَةُ بِنْتُ يُوسُفَ — دَفْتَرُ الشِّعْرِ عَلَى رُكْبَتِهَا.
مُرَادٌ النَّجَّارُ الْمِعْمَارِيُّ — يَرْسُمُ فِي الْهَوَاءِ بِإِصْبَعِهِ.
نَجَاةُ الْمُغَنِّيَةُ — تَجْلِسُ صَامِتَةً لَكِنَّ صَمْتَهَا مُوسِيقَى.
مُصْطَفَى الْمُوسِيقَارُ الْمَغْرِبِيُّ — يَحْمِلُ عُودَهُ.
أَمِيرَةُ الْمُخْرِجَةُ — كَامِيرَتُهَا عَلَى عَاتِقِهَا.
وَكُلُّهُمْ يَعْرِفُونَ بَعْضَهُمْ؛
لِأَنَّ الْجَمَالَ — عَبْرَ الزَّمَانِ — يَجْمَعُ مَنْ أَحَبَّهُ.
قَالَتْ زَيْنَبُ:
— فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي احْتَرَقَتْ فِيهَا بَغْدَادُ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْتَهِي، وَأَنَّ أَلْوَاحِي الصَّغِيرَةَ لَا مَعْنَى لَهَا أَمَامَ الْمَغُولِ.
— وَمَا الَّذِي حَدَثَ؟
— حَدَثَ أَنَّ الْمَغُولَ حَكَمُوا مِئَةَ سَنَةٍ ثُمَّ ذَهَبُوا، وَأَلْوَاحِي — بَعْضُ صُوَرِهَا فِي مَتَاحِفَ الْيَوْمِ.
قَالَ يَاقُوتٌ:
— وَالْخُلَاصَةُ؟
— الْخُلَاصَةُ أَنَّ الْقُوَّةَ تَبْنِي الْجُدْرَانَ، وَالْجَمَالُ يَبْقَى بَعْدَهَا.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ:
— حِينَ سَقَطَتْ غَرْنَاطَةُ أَخَذْتُ مَعِي مُوَشَّحَاتِي، وَفِي الْمَغْرِبِ غَنَّيْتُهَا، وَأَبْنَاءُ الْمَغْرِبِ حَمَلُوهَا، وَأَبْنَاؤُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ؛
حَتَّى الْيَوْمَ — فِي فَاسَ وَتِطْوَانَ وَالْجَزَائِرِ — هُنَاكَ مَنْ يُغَنِّي بِلَحْنٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَأَبُوهُ مِنْ جَدِّهِ، وَجَدُّهُ مِنْ أَنْدَلُسٍ لَمْ يَرَهَا.
— وَهَذَا مَا يَعْنِيهِ أَنْ يَكُونَ الْجَمَالُ أَمَانَةً؟
— بِالضَّبْطِ.
أَمَانَةٌ لَا تَمُوتُ مَعَ صَاحِبِهَا، بَلْ تَنْتَقِلُ.
قَالَتْ نَجَاةُ — وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ تَتَكَلَّمُ:
— أَنَا مُتُّ شَابَّةً، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ إِنَّ صَوْتِي أَثَّرَ فِي أَحَدٍ.
لَمْ يُسْمَحْ لِي بِالْمَسَارِحِ، وَلَمْ أُسَجَّلْ فِي زَمَنٍ لَمْ يَعْرِفِ التَّسْجِيلَ بَعْدُ.
صَمَتَتْ.
— لَكِنَّ السِّتَّ حَنَانَ كَانَتْ تَقُولُ:
«صَوْتُكِ يَبْقَى فِيمَنْ سَمِعُوهُ، وَالَّذِينَ سَمِعُوهُ يَنْقُلُونَ شَيْئًا مِنْهُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ، وَهَكَذَا حَتَّى النِّهَايَةِ».
— هَلْ آمَنْتِ بِهَا؟
— آمَنْتُ؛
لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ خِيَارٌ آخَرُ سِوَى الْإِيمَانِ أَوِ الصَّمْتِ، وَاخْتَرْتُ الْإِيمَانَ.
قَالَتْ أَمِيرَةُ:
— أَنَا الْوَحِيدَةُ هُنَا مِنَ الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، مِمَّنْ عَاشَتْ فِي عَالَمِ الشَّاشَاتِ وَالْإِنْتِرْنِتِ وَمِلْيَارِ صُورَةٍ كُلَّ يَوْمٍ.
— وَكَيْفَ تَجِدِينَ الْجَمَالَ فِيهِ؟
— أَصْعَبُ.
لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَشَابَهُ.
الضَّوْضَاءُ الْجَمَالِيَّةُ — وَهَذَا تَعْبِيرٌ يَبْدُو غَرِيبًا — تُصَعِّبُ سَمَاعَ الْجَمَالِ الْحَقِيقِيِّ.
— إِذَنْ؟
— إِذَنِ الْجَمَالُ الْحَقِيقِيُّ الْيَوْمَ يَحْتَاجُ شَجَاعَةً:
شَجَاعَةَ الصَّمْتِ وَسَطَ الضَّجِيجِ، وَالْعُمْقَ وَسَطَ السَّطْحِيَّةِ، وَالْإِنْسَانِيَّةَ وَسَطَ الصُّوَرِ الْمُصْطَنَعَةِ.
— وَهَلْ هَذَا يَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ عَصْرٍ مَضَى؟
فَكَّرَتْ أَمِيرَةُ.
— لَا.
أَظُنُّ كُلَّ عَصْرٍ لَهُ ضَجِيجُهُ، وَفِي كُلِّ عَصْرٍ الْجَمَالُ يَحْتَاجُ شَجَاعَةً.
قَالَ يَاقُوتٌ:
— فِي لَيْلَةِ بَغْدَادَ — كَانَ الضَّجِيجُ سُيُوفَ الْمَغُولِ، وَأَنَا كُنْتُ أَكْتُبُ.
— وَهُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ.
— نَفْسُ الْفِعْلِ بِالضَّبْطِ:
الْكِتَابَةُ، الرَّسْمُ، الْغِنَاءُ، الْعَزْفُ، التَّصْوِيرُ.
الْجَمَالُ وَسَطَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَهُ — هُوَ أَشَدُّ الْأَفْعَالِ شَجَاعَةً.
فِي نِهَايَةِ الْمَجْلِسِ — حِينَ هَدَأَ الْهَوَاءُ وَبَقِيَ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ لَا اسْمَ لَهُ — قَالَ مُصْطَفَى الْمُوسِيقَارُ الْمَغْرِبِيُّ:
— كُلَّ مَرَّةٍ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ الْمُوسِيقَى — لِأَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ لَا يَجُوزُ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ أَنْتَ تُقَلِّدُ، أَوْ لِأَنَّ الشَّكَّ جَاءَ — كُنْتُ أَعْزِفُ.
— وَلِمَاذَا؟
— لِأَنَّنِي حِينَ أَعْزِفُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً.
— وَمَا هُوَ هَذَا الشَّيْءُ؟
— لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ مَا يَشْعُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ حِينَ يُصَلِّي بِخُشُوعٍ حَقِيقِيٍّ.
صَمَتَ.
— وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ يَشْعُرُ بِهَذَا وَأَنَا أَعْزِفُ — فَالْعَزْفُ إِيمَانٌ.
قَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ — الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ لَكِنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً دَائِمًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ:
— أَنَا أَحْبَبْتُ اللَّهَ، وَحُبِّي كَانَ أَجْمَلَ شَيْءٍ عِشْتُهُ، وَأَجْمَلَ شَيْءٍ أَعْطَيْتُهُ.
تَوَقَّفَتْ.
— وَمَنْ يَقُولُ إِنَّ الْجَمَالَ لَا مَكَانَ لَهُ فِي الدِّينِ — لَمْ يُحِبَّ بَعْدُ.
——-
خَاتِمَةٌ — مَا يَبْقَى
لَمْ يَكُنْ هَذَا كِتَابًا فِي الْفِقْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَتْوَى.
كَانَ رِوَايَةً، وَكُلُّ رِوَايَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا:
تُقْنِعُكَ بِأَنَّ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي فِيهَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً، أَوْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ.
يَاقُوتٌ الْمُسْتَعْصِمِيُّ — حَقِيقِيٌّ.
أَحْرَقَ الْمَغُولُ بَغْدَادَ عَامَ ١٢٥٨م، وَبَقِيَ يَاقُوتٌ فِيهَا يَكْتُبُ فِي ظِلِّ الْحُكْمِ الْجَدِيدِ حَتَّى وَفَاتِهِ نَحْوَ عَامِ ١٢٩٨م، وَأَنْتَجَ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ أَعْظَمَ أَعْمَالِهِ الْخَطِّيَّةِ.
الْمُوَشَّحُ الْأَنْدَلُسِيُّ — حَقِيقِيٌّ، وَمَا زَالَ حَيًّا فِي مَجَالِسِ فَاسَ وَوَهْرَانَ حَتَّى الْيَوْمِ.
«كِتَابُ الْمُوسِيقَى الْكَبِيرِ» لِلْفَارَابِيِّ — حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَا كَتَبَهُ إِنْسَانٌ فِي نَظَرِيَّةِ الصَّوْتِ.
نِقَاشُ الْجَمَالِ وَالتَّحْرِيمِ — حَقِيقِيٌّ، دَائِرٌ مُنْذُ قُرُونٍ وَمَا زَالَ.
وَالشَّيْءُ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ حِينَ يَسْمَعُ صَوْتًا جَمِيلًا، أَوْ يَرَى عِمَارَةً عَظِيمَةً، أَوْ يَقْرَأُ قَصِيدَةً تَصِفُهُ — ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ فِي أَيِّ لُغَةٍ —
هُوَ أَيْضًا حَقِيقِيٌّ.
وَهُوَ — عَلَى الْأَرْجَحِ — مَا كَانَتْ كُلُّ هَذِهِ الْأَصْوَاتُ، فِي كُلِّ هَذِهِ الْعُصُورِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَقُولَهُ.
«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»
وَهَذَا — يَكْفِي.
مُلَاحَظَةُ الْمُؤَلِّفِ:
الشَّخْصِيَّاتُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّارِيخِيِّ وَالْمُتَخَيَّلِ.
يَاقُوتٌ الْمُسْتَعْصِمِيُّ وَالْفَارَابِيُّ وَابْنُ عَرَبِيٍّ وَرَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ — وُجِدُوا.
لَكِنَّ الْحِوَارَاتِ وَالتَّفَاصِيلَ وَبَعْضَ الشَّخْصِيَّاتِ الْمُرَافِقَةَ — مِنْ صُنْعِ الرِّوَايَةِ.
هَذَا هُوَ حَقُّ الرِّوَائِيِّ:
أَنْ يُعْطِيَ التَّارِيخَ صَوْتًا حِينَ صَمَتَ.

ما قاله الله وما فعل الإنسان