اللقاء الحواري الأول
البسملة نموذجًا لمنهج دلالي معرفي
الجلسة الحوارية الأولى
هل المعنى في القرآن جاهز… أم يتكوّن أثناء القراءة؟
المشهد
جلسة دراسية هادئة من خلال إحدى منصّات الاتصال عبر الإنترنت.
تظهر على الشاشة مجموعة من الطلبة، كلٌّ في مربّعه الصغير، تتوسّطهم نافذة الأستاذ.
أصوات خافتة، دفاتر مفتوحة، واستعداد ذهني للحوار.
الأستاذ :
بسم الله الرحمن الرحيم.
صباح الخير جميعًا.
أودّ أن نبدأ اليوم بسؤال بسيط في شكله، لكنه أساسي في كل ما سنتعلّمه لاحقًا:
عندما نقرأ القرآن، هل يكون المعنى جاهزًا في أذهاننا، أم أنه يتكوّن أثناء القراءة نفسها؟
أحمد:
أعتقد يا أستاذ أن المعنى موجود أصلًا، ونحن نحاول اكتشافه من خلال الكلمات.
سارة:
نعم، الكلمات توضّح المعنى، لكنها ليست هي التي تصنعه.
توقّف الأستاذ لحظة، ثم قال بهدوء:
هذا رأي شائع، بل هو الرأي الذي نحمله غالبًا دون أن ننتبه.
لكن دعونا لا نكتفي به، بل نختبره معًا من خلال مثال نعرفه جميعًا.
السؤال الأول: البسملة التي نقرأها… أم التي لم نتساءل عنها؟
الأستاذ :
اقرؤوا معي:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾
هل هناك أحد بينكم يشعر أنه لا يفهم معناها؟
(ابتسامات تظهر على الشاشات)
محمد:
لا يا أستاذ، كلنا نعرف معناها، ونقرأها منذ الصغر.
الأستاذ :
صحيح.
لكن اسمحوا لي أن أطرح سؤالًا مختلفًا قليلًا:
لماذا جاءت البسملة بهذه الصيغة بالذات؟
ولماذا لم تأتِ مثلًا:
نبدأ بالله
أو
نستعين بالله الرحمن الرحيم؟
ساد صمت قصير، بدا واضحًا على الوجوه.
ليلى:
في الحقيقة، لم أفكّر في هذا من قبل.
الأستاذ :
وهنا نصل إلى نقطة مهمّة.
نحن نكرّر قراءة الآيات كثيرًا، فنظن أننا فهمناها، لكننا لم نسأل: كيف صُنع هذا المعنى أصلًا؟
هناك فرق كبير بين أمرين:
• أن يكون المعنى جاهزًا ثم نضعه في كلمات
• أو أن يكون المعنى متكوّنًا من الكلمات نفسها
لو كان المعنى جاهزًا:
• لاستطعنا تغيير الألفاظ دون أن يتغيّر المعنى
لكن إذا كان المعنى يُبنى من داخل اللغة:
• فكل كلمة
• وكل حرف
• وكل ترتيب
يصبح جزءً من المعنى لا يمكن الاستغناء عنه.
والقرآن يعمل بهذه الطريقة الثانية.
السؤال الثاني: لماذا تبدأ البسملة بحرف؟
الأستاذ :
لاحظوا معي أمرًا بسيطًا لكنه مهمّ:
البسملة لا تبدأ باسم الله مباشرة، ولا تبدأ بفعل، بل تبدأ بحرف:
الباء في (بِسْمِ(.
أحمد:
لكن يا أستاذ، هذا مجرد حرف… هل يحمل كل هذه الدلالة؟
الأستاذ :
سؤال ممتاز.
في اللغة العربية، حرف الباء يدل على:
• الاستعانة
• الارتباط
• عدم الاستقلال
وكأن المعنى منذ البداية يقول:
لا تبدأ وحدك ولا تبدأ معتمدًا على نفسك فقط
هذا المعنى لم يُذكَر صراحة، لكن اللغة نفسها صنعته.
السؤال الثالث: ماذا تعني كلمة “اسم”؟
ثم تأتي كلمة (اسم).
هل الاسم مجرد لفظ؟
أم أنه استحضار لصاحب الاسم وما يمثّله؟
عندما تقول:
باسم الطبيب
فأنت لا تقصد الكلمة، بل علمه وخبرته ومسؤوليته.
وكذلك حين تقول:
باسم الله فأنت لا تنطق كلمة فقط، بل تدخل في علاقة، وتحت مرجعية.
وهكذا يتكوّن المعنى خطوة بعد خطوة.
خلاصة الجلسة الأولى
الأستاذ :
إذن، ما الذي تعلّمناه اليوم؟
1. المعنى في القرآن لا يكون جاهزًا قبل القراءة، بل يتكوّن أثناءها.
2. اللغة القرآنية ليست غلافًا للمعنى، بل هي الأداة التي تبنيه.
3. البسملة ليست عبارة محفوظة فقط، بل نموذج نتعلّم منه كيف نقرأ القرآن كلّه.
ثم قال بنبرة هادئة:
من يظنّ أنه فهم البسملة قبل أن يسأل عنها… غالبًا لم يبدأ القراءة بعد.
الجلسة الحوارية الثانية
لماذا «اللَّه» بالذات؟ وهل الاسم مجرّد تعريف أم بوابة معنى؟
الأستاذ ينظر إلى الشاشة ثم يبدأ
في الجلسة السابقة توصّلنا إلى فكرة مهمّة:
أن المعنى في القرآن لا يكون جاهزًا، بل يتكوّن أثناء القراءة.
اليوم سنأخذ خطوة أخرى، ونطرح سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه في غاية العمق:
لماذا تقول البسملة: (بِسْمِ اللَّهِ)،
ولم تقل: باسم الرب، أو باسم الخالق، أو باسم الرحمن فقط؟
خالد:
لكن يا أستاذ، أليست كل هذه أسماء لله؟ أليس المعنى واحدًا في النهاية؟
الأستاذ :
سؤال ممتاز يا خالد، وهو بالضبط السؤال الذي نحتاجه اليوم.
دعونا نفكّر فيه بهدوء.
المثال الأول: الفرق بين الاسم والوصف
تخيّلوا معي هذا المثال البسيط من حياتنا اليومية:
إذا قلتُ:
حضر الطبيب فأنا أصف وظيفة.
وإذا قلتُ:
حضر الدكتور أحمد فأنا لم أذكر وظيفة فقط، بل استحضرت شخصًا محدّدًا، بعلاقته ومسؤوليته وحضوره.
الاسم هنا ليس وصفًا، بل تحديد وهوية.
سارة:
يعني الاسم يجعل العلاقة مباشرة، لا عامّة؟
الأستاذ :
بالضبط.
والآن نعود إلى البسملة.
المثال الثاني: لماذا «اللَّه» وليس وصفًا آخر؟
الأستاذ :
كلمة “الله” في القرآن ليست وصفًا مثل:
• الخالق
• الرازق
• الرحيم
هذه صفات تُعرِّف أفعالًا.
أما “الله” فهو الاسم الذي:
• يجمع كل الصفات
• ويُحيل إلى الذات الإلهية مباشرة
• دون وسيط
كأن البسملة تقول:
أنا لا أبدأ بصفة من صفات الله، بل أبدأ بالله نفسه.
أحمد:
لكن لماذا لا نبدأ بالرحمة مباشرة؟ أليست الرحمة أقرب إلى الإنسان؟
الأستاذ :
سؤال ذكي جدًا.
لو بدأتَ بالرحمة فقط، قد تتخيّل رحمة بلا قوة، أو رحمة بلا نظام، أو رحمة بلا مسؤولية.
لكن حين تبدأ بـ “الله”، ثم تأتي الرحمة بعده، تكون الرحمة:
• رحمة صادرة عن كمال
• لا عن ضعف
• ولا عن تسيّب
المثال الثالث: أثر الاسم في النفس قبل الفهم
الأستاذ :
لاحظوا أمرًا مهمًا:
عندما تسمع كلمة “الله”، حتى قبل أن تحلّلها لغويًا، تشعر بثقل خاص، وهيبة خاصة.
هذا ليس صدفة.
فالاسم نفسه:
• يضبط النبرة
• ويمنح البداية وقارًا
• ويمنع العبث بالمعنى منذ اللحظة الأولى
ليلى:
يعني الاسم ليس مجرد كلمة نتفق عليها؟
الأستاذ :
أبدًا.
الاسم هنا جزء من بناء المعنى، وليس لافتة خارجيّة.
لو تغيّر الاسم، لتغيّر الإحساس، ولتغيّر الإطار النفسي الذي تدخل به إلى القراءة.
مثال حياتي مبسّط
الأستاذ :
دعوني أقرّب الفكرة أكثر.
لو قال لك شخص:
أبدأ باسم القانون
غير أن يقول:
أبدأ باسم القاضي فلان
الأولى عامّة وباردة، والثانية شخصيّة ومسؤولة.
كذلك:
باسم الله
ليست عبارة عامّة، بل إعلان دخول في علاقة واعية.
خلاصة الجلسة الثانية
الأستاذ :
إذن، نلخّص ما تعلّمناه اليوم:
1. “الله” اسم، لا وصفًا فقط؛ والاسم يستحضر الذات لا الصفة وحدها.
2. البدء باسم الله؛ يعني الدخول في علاقة، لا مجرّد التلفّظ.
3. ترتيب البسملة مقصود:
اسم → ثم صفات؛ لا العكس.
ثم أضاف بنبرة هادئة:
من يبدأ باسمٍ جامع، يفهم الصفات في موضعها الصحيح.
سؤال مفتوح للطلبة (وللقارئ):
هل نقرأ أسماء الله… أم نمرّ عليها مرورًا سريعًا لأننا اعتدناها؟
الجلسة الحوارية الثالثة
لماذا «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»؟ ولماذا جاءتا معًا؟
الأستاذ :
توقّفنا في الجلسة الماضية عند كلمة “الله”، وقلنا إنها اسم جامع، لا وصفًا عابرًا.
اليوم ننتقل إلى ما يليها مباشرة في البسملة، ونسأل:
لماذا جاءت بعدها صفتا: الرحمن الرحيم؟
ولماذا لم تُذكر صفة واحدة فقط؟
مريم:
الرحمة صفة جميلة ومحبّبة…
لكن بصراحة، كنت أظن أن «الرحمن» و«الرحيم» معناهما واحد.
الأستاذ :
وهذا ظنّ شائع، بل طبيعي.
لكن القرآن لا يكرّر الألفاظ عبثًا، وإذا اجتمعت كلمتان متقاربتان، فغالبًا لأن بينهما فرقًا دقيقًا له أثر في المعنى.
المثال الأول: رحمة واسعة… ورحمة قريبة
الأستاذ :
لنبدأ بتقريب الفكرة.
الرحمن تدل على:
• الرحمة الواسعة
• الشاملة
• التي تشمل الجميع
مؤمنًا كان أو غير مؤمن، صالحًا أو مخطئًا.
أما الرحيم فتدل على:
• الرحمة القريبة
• الخاصة
• التي تمسّ الإنسان في لحظاته الدقيقة
خالد:
يعني «الرحمن» رحمة عامة، و«الرحيم» رحمة شخصية؟
الأستاذ :
نعم، هذا توصيف بسيط ودقيق.
المثال الثاني: تشبيه من الحياة اليومية
الأستاذ :
تخيّلوا مستشفى كبيرًا مفتوحًا للجميع.
هذا يشبه الرحمن:
باب الرحمة مفتوح، لا يُغلق في وجه أحد.
لكن داخل المستشفى، هناك طبيب يجلس معك، يسمع شكواك، ويختار لك العلاج المناسب.
هذا يشبه الرحيم.
الرحمة الأولى تُدخلك إلى الدائرة، والثانية تُرافقك داخلها.
أحمد:
لكن لماذا نحتاج الصفتين معًا؟
الأستاذ :
سؤال مهم.
لو ذُكرت الرحمة العامة فقط، لشعر الإنسان أنها بعيدة، شاملة، لكنها غير شخصيّة.
ولو ذُكرت الرحمة الخاصة فقط، لتخيّل البعض أنها انتقائية، أو مشروطة.
اجتماعهما معًا يقول للإنسان:
رحمة واسعة لا تُقصيك، ورحمة قريبة لا تُهمِلك.
المثال الثالث: أثر الرحمة في التعامل مع الخطأ
الأستاذ :
دعوني أقرّب الفكرة أكثر.
حين يخطئ الإنسان، غالبًا ما يفكّر:
• هل ما زال مقبولًا؟
• هل أُغلق الباب في وجهه؟
وجود الرحمن الرحيم معًا في بداية القراءة يؤسّس معنى مهمًا جدًا:
الخطأ لا يُخرجك من الرحمة، ولا يمنع القرب.
لكن في الوقت نفسه، الرحمة ليست تسيّبًا، ولا إلغاءً للمسؤولية.
ليلى:
يعني الرحمة هنا تشجّع على العودة، لا على الاستهانة؟
الأستاذ :
بالضبط.
الرحمة في القرآن ليست مكافأة للكمال، بل مساحة للإنسان وهو يتعلّم ويخطئ ويعود.
ملاحظة منهجية مهمّة
الأستاذ :
انتبهوا لأمر دقيق:
الرحمة جاءت بعد اسم الله، لا قبله.
وهذا يعني:
• أن الرحمة ليست منفصلة عن الحكمة
• ولا عن العدل
• ولا عن النظام
هي رحمة صادرة عن كمال، لا عن ضعف.
مثال بسيط من التربية
الأستاذ :
تخيّلوا معلّمًا يرحم طلابه، لكن بلا نظام ولا حدود.
هذه ليست رحمة، بل فوضى.
وتخيّلوا معلّمًا صارمًا بلا رحمة.
هذا ليس عدلًا، بل قسوة.
اجتماع الرحمة مع الإطار هو ما يصنع التوازن.
خلاصة الجلسة الثالثة
الأستاذ :
نلخّص ما وصلنا إليه اليوم:
1. الرحمن: رحمة واسعة تشمل الجميع.
2. الرحيم: رحمة قريبة تمسّ الفرد.
3. اجتماعهما يمنح الإنسان:
o أمانًا
o وقربًا
o دون إسقاط المسؤولية.
ثم قال بهدوء:
من يفهم الرحمة هكذا… لا ييأس، ولا يستخفّ.
سؤال مفتوح للقارئ والطلبة:
كيف تغيّر فهم الرحمة سلوكك حين تخطئ… أو حين يُخطئ غيرك؟
الجلسة الحوارية الرابعة
هل البسملة مجرّد افتتاح كلام… أم إعلان منهج في العمل والقرار؟
الأستاذ :
قرأنا البسملة آلاف المرّات، قبل الطعام، قبل القراءة، وقبل أيّ عمل تقريبًا.
لكن دعوني أسألكم بصراحة:
هل نراها مجرّد افتتاح لفظي… أم إعلان طريقة في التفكير والعمل؟
يوسف:
بصراحة يا أستاذ، أغلب الأحيان نقولها تلقائيًا، كأنها عادة أكثر منها وعيًا.
الأستاذ :
وهذا اعتراف صادق، وهو نقطة البداية الصحيحة.
المثال الأول: الفرق بين العادة والمنهج
الأستاذ :
تخيّلوا شخصًا يضع حزام الأمان في السيارة:
• مرة لأنه اعتاد ذلك
• ومرة لأنه يفهم خطر الطريق ومسؤوليته
في الحالتين، السلوك واحد، لكن الوعي مختلف تمامًا.
كذلك البسملة:
• قد تكون عادة لفظية
• وقد تكون إعلان منهج
سارة:
وما معنى أن تكون «إعلان منهج»؟
الأستاذ :
سؤال ممتاز.
تفكيك العبارة بلغة حياتية
حين تقول:
بِسْمِ اللَّهِ
فأنت تقولين ضمنًا:
• أنا لا أعمل بمعزل عن القيم
• ولا أتحرّك بلا مرجعية
• ولا أبرّر لنفسي كلّ شيء
وحين تقولين:
الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
فأنت تُضيفين:
• سأعمل دون قسوة
• وأقرّر دون تعسّف
• وأحاسب دون تحطيم
هذا ليس دعاءً فقط، بل تحديد نبرة العمل قبل أن يبدأ.
المثال الثاني: البسملة في الدراسة
لنأخذ مثالًا قريبًا منكم.
طالب يبدأ المذاكرة ويقول:
بسم الله
إن قالها بوعي، فهو يقول:
• سأجتهد
• لكن دون غش
• ودون ظلم نفسي أو غيري
• ودون يأس إن أخطأت
أما إن قالها عادة، فقد يغش بعد دقائق دون أن يشعر بالتناقض.
أحمد:
يعني البسملة تكشف التناقض إن وُجد؟
الأستاذ :
بالضبط.
البسملة لا تمنع الخطأ آليًا، لكنها تُحرج التناقض.
المثال الثالث: البسملة في القرار
تخيّلوا شخصًا على وشك اتخاذ قرار صعب:
• في عمل
• أو علاقة
• أو موقف أخلاقي
إن قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
بصدق، فهو يُلزم نفسه بثلاثة أمور:
1. أن يكون القرار منسجمًا مع القيم
2. أن لا يُؤذي بلا ضرورة
3. أن يتحمّل نتيجة اختياره
مريم:
وهل هذا يعني أن كل من قال البسملة سيتصرّف بشكل صحيح؟
الأستاذ :
لا.
البسملة لا تصنع ملائكة، بل تصنع مساءلة داخلية.
هي لا تلغي الحرية، لكنها تضعها تحت الضوء.
ملاحظة مهمّة
انتبهوا جيدًا:
القرآن لم يقل:
باسم الله أعملوا بل وضع البسملة قبل كل شيء.
كأنها تقول:
قبل أن تبدأ، اسأل نفسك:
تحت أي معنى سأعمل؟
مثال بسيط من الحياة اليومية
شخص يقول:
باسم القانون هذا يعني:
سألتزم بإطار، حتى لو لم يكن مناسبًا لي دائمًا.
وكذلك:
باسم الله
تعني:
سألتزم بإطار أخلاقي، حتى حين يكون الالتزام صعبًا.
خلاصة الجلسة الرابعة
نخرج اليوم بهذه النقاط:
1. البسملة ليست مجرّد افتتاح لفظي.
2. هي إعلان مرجعية قبل الفعل.
3. وهي ميزان يُراجَع به السلوك بعد الفعل.
ثم قال بنبرة هادئة:
من قال البسملة بوعي… صار فعله سؤالًا مفتوحًا.
سؤال للقارئ والطلبة:
هل نستخدم البسملة لتزيين أفعالنا… أم لمحاسبتها؟
الجلسة الحوارية الخامسة
كيف تُغيّر البسملة صورة الإنسان عن نفسه؟ ومن نكون حين نبدأ «باسم الله»؟
الأستاذ :
تحدّثنا عن البسملة:
• بوصفها لغة
• وبوصفها معنى
• وبوصفها منهجًا في العمل
اليوم نقترب أكثر، ونسأل سؤالًا قد يكون الأصعب:
ماذا تفعل البسملة بالإنسان نفسه؟
كيف تغيّر صورته عن ذاته؟
يوسف:
هل تقصد يا أستاذ الشعور الديني؟
الأستاذ :
ليس الشعور فقط، بل الصورة الداخلية التي يعيش بها الإنسان مع نفسه.
المثال الأول: الفرق بين “أنا أفعل” و“أنا أبدأ باسم”
الأستاذ :
لاحظوا هذا الفرق الدقيق:
أن تقول في داخلك:
أنا أفعل
أو
أنا أقرّر
غير أن تقول:
أنا أبدأ باسم الله
في الحالة الأولى:
• الأنا في المركز
• وأنا المقياس
• وأنا المرجع
في الحالة الثانية:
• الأنا حاضرة
• لكنها ليست وحدها
• ولا مطلقة
وهذا الفرق يغيّر الكثير.
سارة:
يعني البسملة تُخفّف تضخّم الأنا؟
الأستاذ :
نعم، دون أن تُلغي الإنسان أو تُضعِفه.
المثال الثاني: بين الغرور وجلد الذات
الأستاذ :
الإنسان غالبًا يتأرجح بين طرفين:
• إمّا تضخيم الذات عند النجاح
• أو تحقير الذات عند الخطأ
البسملة تضعه في منطقة ثالثة:
أنت فاعل… لكنك لست مطلقًا؛ وأنت مسؤول… لكنك لست وحدك
مريم:
وكيف يظهر هذا عمليًا؟
الأستاذ :
سأقرّب لك الصورة.
مثال حياتي واضح
طالب نجح بتفوّق.
إن قال في داخله:
أنا فعلتُ كلّ شيء وحدي فسيصعب عليه:
• تقبّل النقد
• أو الاعتراف بالخطأ لاحقًا
لكن إن قال:
بدأتُ باسم الله فسيشعر بالفخر، نعم، لكن دون أن يتحوّل إلى غرور.
والأمر نفسه عند الفشل.
أحمد:
يعني البسملة تحمينا من القسوة على أنفسنا أيضًا؟
الأستاذ :
بالضبط.
هي لا تبرّر الخطأ، لكنها تمنع تحوّله إلى حكم نهائي على الذات.
المثال الثالث: الإنسان بين القوة والحاجة
حين يبدأ الإنسان “باسم الله”، فهو يعترف بأمرين في آن واحد:
1. أنه قادر على الفعل
2. وأنه محتاج إلى العون
وهذا الاعتراف المزدوج:
• يُحرّره من وهم السيطرة
• ويُحرّره من وهم العجز
ليلى:
كأن البسملة تعلّمنا أن نكون متوازنين؟
الأستاذ :
نعم، وهذا من أعظم آثارها.
ملاحظة دقيقة
لاحظوا أن البسملة لا تقول:
باسم الله أنا كامل
ولا:
باسم الله أنا معذور
بل تقول فقط:
باسم الله أبدأ
أي:
• أتحرّك
• وأتحمّل
• وأراجع نفسي إن أخطأت
خلاصة الجلسة الخامسة
نخرج اليوم بهذه الفكرة المركزية:
1. البسملة تُعيد ترتيب صورة الإنسان عن نفسه
2. تُخفّف الغرور دون أن تُحطّم الثقة
3. وتمنع جلد الذات دون أن تُلغي المسؤولية
ثم قال بهدوء صادق:
من بدأ باسم الله… لم يَعُد وحده، ولم يَعُد فوق المساءلة.
سؤال للقارئ:
حين تقول: بسم الله، هل تشعر أنك أقوى… أم أصدق؟
الجلسة الحوارية السادسة
هل تُغيّر البسملة علاقتنا بالآخرين؟ وكيف تظهر الرحمة في التعامل لا في القول فقط؟
الأستاذ :
تحدّثنا عن أثر البسملة في:
• الفهم
• والعمل
• وصورة الإنسان عن نفسه
لكن يبقى سؤال لا يقلّ أهميّة:
ماذا تفعل البسملة بعلاقتنا بالناس؟
هل تبقى كلمة… أم تتحوّل إلى أسلوب تعامل؟
خالد:
أحيانًا نسمع شخصًا يبدأ كلامه بـ”بسم الله”، ثم يكون قاسيًا أو ظالمًا في تعامله.
الأستاذ :
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين قول البسملة؛ والبدء بها فعليًا.
المثال الأول: الرحمة كشعار… والرحمة كسلوك
الأستاذ :
الرحمة كشعار سهلة:
• تُقال
• وتُكتب
• وتُعلَّق على الجدران
لكن الرحمة كسلوك:
• تحتاج صبرًا
• وتحتاج عدلًا
• وأحيانًا تحتاج كبح الغضب
البسملة لا تُطالبك بأن تكون لطيفًا دائمًا، بل بأن تكون عادلًا رحيمًا.
سارة:
كيف يكون الإنسان رحيمًا وهو حازم في الوقت نفسه؟
الأستاذ :
سؤال جوهري.
المثال الثاني: الرحمة لا تعني التنازل عن الحق
تخيّلي معلّمًا يقول لطالبه:
أخطأتَ، وسأحاسبك
لكن دون إهانة
ودون تشفٍّ
هذا معلّم بدأ “باسم الله”.
أما من يعفو بلا تمييز، أو يعاقب بقسوة، فكلاهما لم يُدرك معنى الرحمة في البسملة.
أحمد:
يعني الرحمة تحتاج وعيًا لا عاطفة فقط؟
الأستاذ :
نعم.
العاطفة وحدها قد تُفسد، لكن الرحمة الواعية تُصلح.
المثال الثالث: البسملة عند الخلاف
دعونا نكون صريحين:
الخلاف هو المكان الحقيقي لاختبار المعاني.
حين تختلف مع شخص:
• في رأي
• أو مصلحة
• أو موقف
هل تظلّ البسملة حاضرة؟
أن تبدأ «باسم الله» في الخلاف
يعني:
• لا تكذب لتنتصر
• لا تُهين لتقوى
• ولا تُلغِي الآخر لتُثبت نفسك
مريم:
هذا صعب جدًا…
الأستاذ :
نعم، ولهذا كانت البسملة منهجًا لا شعارًا.
مثال بسيط من الحياة اليومية
تخيّلوا موظفًا يقول:
بسم الله، سأُنجز عملي
ثم:
• يُماطل
• أو يُهمِل
• أو يستغلّ موقعه
هذا قال البسملة، لكنه لم يبدأ بها.
ملاحظة دقيقة
القرآن لم يجعل الرحمة:
• ضعفًا
• ولا مجاملة
• ولا تنازلًا عن الحق
بل جعلها:
طريقة حمل الحق دون سحق الإنسان
ليلى:
يعني البسملة تغيّر نبرة القوة؟
الأستاذ :
أحسنتِ.
هي لا تنزع القوة، بل تُهذّبها.
خلاصة الجلسة السادسة
نخرج اليوم بهذه المعاني:
1. البسملة معيار للسلوك لا للقول فقط
2. الرحمة فيها وعي وعدل لا عاطفة عمياء
3. وهي تظهر أوضح ما تكون عند الخلاف والقدرة
ثم قال بتأنٍّ:
من بدأ باسم الله… ثَقُل ميزانه، وخفّ أذاه.
سؤال للقارئ:
هل نستخدم القيم لننتصر… أم لنُصلِح؟
الجلسة الحوارية السابعة
هل البسملة مفتاح قراءة… أم مفتاح حياة كاملة؟
الأستاذ :
مررنا معًا بسلسلة من الأسئلة:
• هل المعنى جاهز أم يتكوّن؟
• لماذا اسم «الله»؟
• لماذا «الرحمن الرحيم»؟
• هل البسملة عادة أم منهج؟
• كيف تغيّر صورتنا عن أنفسنا؟
• وكيف تغيّر علاقتنا بالآخرين؟
والآن نسأل السؤال الذي يجمع كل ذلك:
هل البسملة مفتاح لفهم النص فقط… أم مفتاح لفهم الحياة نفسها؟
يوسف:
في البداية ظننت أننا نحلّل عبارة قصيرة، لكن الآن أشعر أن الأمر أوسع من ذلك بكثير.
الأستاذ :
وهذا الشعور بحد ذاته جزء من الجواب.
المثال الأول: القراءة التي لا تتوقّف عند الكتاب
لو كانت البسملة مفتاح قراءة فقط، لانتهى أثرها عند إغلاق المصحف.
لكن القرآن لا يريد قارئًا ذهنيًا فقط، بل إنسانًا يتشكّل أثناء القراءة.
البسملة تقول لك:
لا تقرأ النص وحده، اقرأ نفسك وأنت تقرأه.
سارة:
يعني نحن لا نفهم البسملة مرة واحدة؟
الأستاذ :
أبدًا.
نحن نفهمها:
• حسب وعينا
• وتجربتنا
• وأخطائنا
• ونضجنا
كل مرحلة من الحياة تكشف لك طبقة جديدة من معناها.
المثال الثاني: البسملة كبوصلة لا كقيد
البعض يخاف من المعنى الديني، ويظن أنه يُقيّد الحياة.
لكن البسملة لا تقول:
لا تتحرّك
بل تقول:
تحرّك… ولكن بوعي
هي لا تُغلق الأسئلة، بل تمنع التيه.
أحمد:
يعني هي توجّه لا تُصادِر؟
الأستاذ :
بالضبط.
هي بوصلة، وليست سلاسل.
المثال الثالث: الحياة بلا بسملة
تخيّلوا إنسانًا:
• يعمل بلا مرجعية
• ينجح بلا معنى
• ويخفق بلا رحمة
هذا الإنسان قد يكون قويًا، لكن متعبًا.
وقد يكون ناجحًا، لكن فارغًا.
البسملة لا تضمن لك راحة دائمة، لكنها تمنحك اتجاهًا.
ليلى:
وهل يكفي أن نقولها لنعيش هذا المعنى؟
الأستاذ :
لا.
كما قلنا منذ البداية:
المعنى لا يُسلَّم… بل يُبنى
البسملة بداية طريق، لا نهايته.
ملاحظة منهجية أخيرة
الأستاذ :
انتبهوا لهذه الفكرة جيدًا:
القرآن لم يبدأ بالأحكام، ولا بالأوامر، ولا بالحدود.
بدأ بـ:
بسم الله الرحمن الرحيم
كأنه يقول:
قبل أن تُطالَب… تعالَ لنتعرّف كيف نبدأ.
الخلاصة الكبرى
نستطيع الآن أن نقول باطمئنان:
1. البسملة مفتاح قراءة واعية
2. ومفتاح عمل مسؤول
3. ومفتاح علاقة متوازنة
4. ومفتاح تصالح مع الذات
ثم قال بنبرة ختامية هادئة:
من بدأ باسم الله…
لم يبحث عن الكمال،
بل عن الصدق في الطريق.
السؤال الأخير (للقارئ لا للطلبة فقط):
كيف ستختلف حياتك
لو لم تعد تقول البسملة عادة…
بل بداية وعي؟
كَلِمَةُ خِتَام
بهذه الجلسة نكون قد أنهينا هذا المسارَ الحواريّ،
لا بوصفِه إجابةً نهائيّة،
بل بوصفِه مَنهجَ تفكيرٍ يمكن أن يُعادَ تطبيقُه:
على سُوَرٍ أُخرى،
وعلى مفاهيمَ أُخرى،
وعلى الحياةِ كلِّها.
وما هذه الدعوةُ…
إلّا محاولةٌ لأن نبدأ القراءةَ باسمِ الله حقًّا؛
قراءةً لا اكتفاءَ فيها.
لا دعوةً إلى تفسيرٍ جديد،
ولا محاولةً لإضافةِ معنى من خارجِ النصّ،
ولا ادّعاءً بأنّ ما قيل هنا هو القولُ الأخير أو الأصحّ.
إنّه – ببساطةٍ وعمقٍ معًا – دعوةٌ إلى إعادةِ فتحِ العينين:
عينٍ تقرأُ اللَّفظ،
وعينٍ تُصغي إلى ما وراءَ اللَّفظ.
لقد اعتدنا – في كثيرٍ من قراءاتنا –
أن نبحثَ في المصحف عن الإجابةِ الجاهزة،
فنمرَّ على الآياتِ مرورَ العارف،
لا مرورَ السائل.
نقرأ لأنّنا نعرف أنّ علينا أن نقرأ،
لا لأنّنا نُصغي حقًّا
لما تقوله الآياتُ لنا الآن،
في هذه اللحظة من وعينا،
وتجربتنا،
وأسئلتنا.
وهنا، تحديدًا، تبدأ المشكلة…
لا في القرآن،
بل في طريقتنا في الاقترابِ منه.
فالقرآن – كما نؤمن – كتابُ هداية،
لكنّ الهداية لا تُمنَح لمن أغلق سؤالَه،
ولا تُسلَّم لمن استعجل الجواب.
الهداية ثمرةُ سؤالٍ صادق،
وبحثٍ متأنٍّ،
وصبرٍ على المعنى وهو يتشكّل،
لا وهو يُلقَى جاهزًا.
إنّ أخطرَ ما يمكن أن يُصيب علاقتَنا بكتابِ الله
أن يتحوّل من نصٍّ يُنصِتُ لنا
إلى نصٍّ نُسقِطُ عليه ما اعتدناه.
أن نقرأه بذاكرةٍ ممتلئة،
لا بقلبٍ حاضر.
أن نبحث فيه عمّا يؤكّد ما نعرف،
لا عمّا يوقظ ما غفل عنّا.
ولهذا، لم يكن الهدفُ من هذه الصفحات
شرحَ البسملةِ بقدرِ ما كان البدءَ بها:
البدءَ قراءةً،
والبدءَ وعيًا،
والبدءَ شجاعةً في السؤال.
فالأسئلة – على خلافِ ما يُشاع –ليست خطرًا على الإيمان، بل قد تكون دليلَه الأصدق.
والقرآن لا يخاف من الأسئلة، بل يُنشِئها، ويُربّيها، ويفتح لها الآياتِ آيةً آية.
وإذا كان في هذا العمل معنىً يُرجى، فهو أن نُعيدَ إلى القارئ ثقتَه بأنّ المصحف لا يُقرأ بسطحيّةٍ مُطمئنة، بل بقلقٍ جميل، وبفضولٍ صادق، وباستعدادٍ لأن نُراجعَ أنفسَنا قبل أن نُراجعَ النصّ.
اقرؤوا القرآن… لا لتبحثوا عن آيةٍ تؤيّد رأيًا جاهزًا، بل لتدعوا الآياتِ تسألُكم:
من أنتم؟
وأين تقفون؟
وماذا تفعلون بما فهمتم؟
اقرؤوه قراءةً تتّسع، لا قراءةً تُضيّق.
اقرؤوه بعينين مفتوحتين:
عينٍ على السياق،
وعينٍ على الإنسان.
وابحثوا عن الجواب
لا في آيةٍ واحدةٍ معزولة، بل في شبكةِ المعنى التي ينسجها المصحفُ كلُّه حين تُضيء الآياتُ بعضَها بعضًا.
وإن انتهيتَ من هذه الصفحات
وأنت تحمل سؤالًا جديدًا
أكثرَ ممّا تحمل إجابة، فهذا – في ظنّي – نجاحٌ لا نقص، وبدايةٌ لا ختام.
فالقرآن لا يُغلَق عند آخرِ صفحة، بل يُفتَح عند أوّلِ سؤال.
واللهُ من وراءِ القصد، وهو الهادي إلى سواءِ السبيل.
نعمان البربري
ألمانيا – ولاية بادن – فورتمبيرغ – فايسخ أم تال
يوم الثلاثاء الواقع في 27 شعبان 1438هـ
الموافق 23 / 5 / 2017م
اللقاء الحواري الثاني
الفاتحة
الجلسة الأولى
الفاتحة: المعنى لا يُعطى … بل يُبنى
الفكرة الأساسية:
نحن عادةً نقرأ النصوص لنفهم ماذا تقول.
لكن القرآن — وخاصة سورة الفاتحة — لا يريد فقط أن يخبرنا، بل يريد أن يدرّبنا على كيف نفهم.
الفاتحة لا تعطيك المعنى جاهزًا،
بل تعلّمك كيف تصنع المعنى بنفسك.
تخيّل أستاذًا لا يقول للطلبة:
“هذه هي الإجابة، احفظوها”
بل يقول:
“انظروا، فكّروا، قارنوا، واستنتجوا”
الطالب هنا لا يحفظ فقط، بل يتعلّم كيف يفكّر.
الفاتحة تفعل الشيء نفسه مع القارئ.
أحمد:
يعني أستاذ، هل تقصد أن الفاتحة لا تشرح كل شيء مباشرة؟
سارة:
لكننا نحفظها منذ الصغر… أليست معانيها واضحة؟
يوسف:
أنا دائمًا أقرأها، لكن لم أفكّر يومًا : كيف بُني المعنى!
الأستاذ:
ممتاز، هذا هو السؤال الصحيح يا يوسف.
الفاتحة لا تبدأ بأن تقول لك: “افعل كذا ولا تفعل كذا”.
بل تبدأ بتدريبك على الانتباه:
• انتبه للترتيب
• انتبه للصيغة
• انتبه لِما قيل… ولِما لم يُقَل
هي لا تعطيك الطريق كخريطة جاهزة، بل تعطيك بوصلة.
“المعنى لا يُعطى… بل يُبنى”
بصيغة أبسط جدًا:
المعنى لا يقع في حضنك، بل أنت تبنيه خطوة خطوة أثناء القراءة.
مثل مشاهدة فيلم:
• طفل يسأل: “ماذا حدث؟”
• شخص ناضج يسأل: “لماذا حدث؟ وكيف؟”
الفاتحة تريدك أن تكون من الصنف الثاني.
هل قرأنا الفاتحة يومًا لنفهمها؟
أم لننهي القراءة فقط؟
سنترك هذا السؤال مفتوحًا… لأن الفاتحة نفسها تحبّ الأسئلة أكثر من الأجوبة السريعة
الجلسة الثانية
الصراط لا يُعرَّف إلا بضدّه
كيف نعرف الطريق من خلال ما ليس طريقًا؟
في الجلسة السابقة فهمنا أن:
الفاتحة لا تُعطي المعنى جاهزًا، بل تُدرّبنا على بنائه.
اليوم سنلاحظ أمرًا غريبًا جدًا:
الفاتحة لم تُعرِّف الصراط المستقيم تعريفًا مباشرًا.
لم تقل:
الصراط المستقيم هو كذا وكذا وكذا…
بل قالت:
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
وكأنها تقول:
ستعرف الطريق… حين تعرف ما ليس طريقًا.
تخيّل أنك في مدينة لا تعرفها، وسألت شخصًا:
أين الطريق الآمن؟
فقال لك:
اسلك هذا الطريق، لكن انتبه:
لا تذهب يمينًا، فهناك خطر، ولا يسارًا، فهناك ضياع.
أنت الآن:
• لم يُشرح لك الطريق بالتفصيل
• لكنك أصبحت أكثر حذرًا
• وأقدر على التمييز
هذا بالضبط ما تفعله الفاتحة.
مريم:
لكن أستاذ، لماذا لم يشرح الله لنا الصراط بوضوح؟
أحمد:
نعم، أليس أسهل أن يقول: افعلوا كذا فقط؟
سارة:
أشعر أن التعريف بالنفي يجعل الأمر مُربكًا!
الأستاذ:
سؤالكم ممتاز.
لو قيل لكم: “هذا هو الطريق الصحيح” فقط، قد تحفظونه… لكن هل ستُحسنون التمييز؟
الفاتحة تريد:
• قارئًا يقظًا
• لا حافظًا مطمئنًا أكثر من اللازم
الطريق في الحياة لا يضيع لأننا لا نعرفه، بل لأن الطرق تتشابه.
حين تقول الفاتحة:
غير المغضوب عليهم ولا الضالين
فهي لا تضيف معلومات زائدة، بل ترسم حدودًا.
كأنها تقول:
• هذا طريق،
• لكن ليس كل من يسير متحمسًا عليه،
• وليس كل من يملك معرفة فيه.
طالبان في الجامعة:
🔹 الأول:
• ذكي
• يعرف كل شيء
• لكنه يستخدم علمه في الغش أو الاستعلاء
🔹 الثاني:
• نيّته طيبة
• لكنه لا يسأل، ولا يتعلّم
• يمشي بلا فهم
كلاهما:
• يسير
• لكن ليس بالضرورة على الصراط
الصراط ليس:
• ذكاءً فقط
• ولا نيةً فقط
يوسف:
يعني ممكن شخص يعرف الحق… ويكون خارج الصراط؟
الأستاذ:
نعم، وهذا أخطر أنواع الانحراف.
سارة:
وممكن شخص نيته طيبة… لكنه ضائع؟
الأستاذ:
بالضبط، ولهذا قالت الفاتحة:
ولا الضالين
ولم تقل: “ولا الجاهلين”
الفاتحة لم تقل:
صراط الذين لم يخطئوا
بل قالت:
صراط الذين أنعمت عليهم
أي:
• الطريق يُعرف بثمرته
• لا بادّعائه
النعمة هنا:
• استقامة
• اتزان
• سلامة مسار
لماذا هذا الأسلوب مهم؟
لأن الفاتحة:
• لا تعطيك بطاقة تقول: “أنت على الصراط”
• بل تعطيك مرآة تسأل فيها نفسك كل يوم
هل أنا:
• أتحرّك بعلم بلا التزام؟
• أم بنيّة بلا بوصلة؟
• أم أراجع نفسي فعلًا؟
الأستاذ يسأل الطلبة:
ما الذي تغيّر في فهمكم الآن؟
هل عرفنا الصراط؟
أم تعلّمنا فقط كيف لا نضيعه بسهولة؟
والإجابة الصحيحة: الثانية
الجلسة الثالثة
المغضوب عليهم والضالون
حين يصف النصّ المصير… لا الفعل
في الجلسة السابقة تعلّمنا أن:
الصراط لا يُعرَّف وحده، بل يُعرَّف بما ليس هو.
اليوم سنقف عند تفصيل دقيق جدًا:
لماذا قالت الفاتحة:
المغضوب عليهم
والضالين
ولم تقل:
• الغاضبين
• أو المضلّين
• أو المخطئين؟
هذا الاختيار ليس لغويًا فقط، بل يحمل رسالة تربوية عميقة.
تخيّل شخصين:
– الأول:
• يعرف القوانين
• يخالفها عن وعي
• يكرر المخالفة
• ثم يقول: “لا يهم”
– الثاني:
• لا يعرف الطريق
• يمشي بثقة
• يرفض السؤال
• ويظن نفسه مصيبًا
النتيجة؟
كلاهما ليس على الطريق، لكن الطريقة التي خرجا بها مختلفة.
أحمد:
أستاذ، ما الفرق أصلًا بين المغضوب عليهم والضالين؟
مريم:
أنا دائمًا أفهمهما بمعنى واحد: ناس بعيدة عن الحق.
يوسف:
لكن لماذا جاءت الصيغ مختلفة؟
الأستاذ:
سؤال ممتاز يا يوسف.
لاحظوا الفرق:
– المغضوب عليهم
• صيغة مفعول
• لا نرى الفاعل
• نرى النتيجة فقط
– الضالين
• صيغة فاعل
• حركة مستمرة
• مسار لم يتوقّف
الفاتحة لا تسأل: ماذا فعلوا؟
بل تسأل: إلى أين انتهوا؟
المغضوب عليهم:
• لم يعودوا في مرحلة الخطأ العابر
• بل وصلوا إلى نهاية طريق
• الغضب هنا نتيجة، لا لحظة
مثل طالب:
• غُشّ
• نُبّه
• أُعطي فرصًا
• ثم رسب نهائيًا
لا يُحاسَب على غشّة واحدة، بل على مسار كامل.
أما الضالون؟
الضال:
• لا يقف
• يتحرّك
• يسير
• لكنه بلا وجهة
كشخص يقود سيارة:
• بثقة
• بسرعة
• لكنه لا يعرف أين يذهب
الخطر هنا:
ليس الجهل فقط، بل رفض التوقّف والمراجعة.
سارة:
يعني الضال ليس بالضرورة سيّئ النية؟
الأستاذ:
بالضبط.
قد يكون حسن النية… لكنه بلا بوصلة.
أحمد:
والمغضوب عليهم؟
الأستاذ:
غالبًا كانوا يعرفون… لكنهم فصلوا المعرفة عن الالتزام.
لماذا هذا التفريق مهم لنا؟
لأن الفاتحة:
• لا تُصنّف الناس
• بل تُحذّر من المسارات
هي لا تقول:
أنت مغضوب عليك؛ بل تقول:
انتبه… هذا طريق إن استمررتَ فيه، قد يُوصلك إلى هناك.
لاحظوا أن الفاتحة:
• لم تضع القارئ خارج المشهد
• بل جعلته يقول:
اهدنا الصراط المستقيم
أي:
• أنا لستُ في أمان مطلق
• ولا في اتهام دائم
• بل في طلب ومراجعة
معلّم يقول لطالب:
أنت ذكي جدًا، لكن إن استمررت في الاستهزاء، ستفشل.
هذا ليس شتيمة، بل إنذار مبكر.
الفاتحة تفعل الشيء نفسه معنا.
فليس السؤال: هل أنا مغضوب عليّ أو هل أنا ضالّ؟
بل:
• هل أراجع مساري؟
• أم أبرّر؟
• أم أتحرّك بلا وجهة؟
وهنا تبدأ المسؤولية.
الجلسة الرابعة
هل الضلال نقيض الجهل؟ أم نقيض الهداية؟
حين لا تكون المعرفة كافية
في الجلسة السابقة رأينا أن:
• المغضوب عليهم = وصلوا إلى نتيجة مسار خاطئ
• الضالون = يسيرون بلا وجهة واضحة
اليوم سنطرح سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه خطير:
هل الضلال يعني أن الإنسان جاهل فقط؟
الجواب الذي تقدّمه الفاتحة:
لا.
تخيّل شخصين:
– الأوّل:
• لا يعرف الطريق
• يسأل
• يتوقّف
• يراجع نفسه
– الثاني:
• يعرف الخرائط
• قرأ كثيرًا
• يتكلّم بثقة
• لا يسأل أحدًا
من منهما أقرب للهداية؟
ليس الجواب دائمًا: الأعلم.
يوسف:
كنت أظن أن الضلال يعني الجهل فقط.
مريم:
وأنا أيضًا، كأن العلم وحده يكفي.
أحمد:
لكن لماذا نطلب الهداية في كل صلاة، ونحن نعرف الحق؟
الأستاذ:
انتبهوا جيدًا:
الفاتحة لا تضع الضلال في مقابل الجهل، بل في مقابل الهداية.
والفرق كبير.
– الجهل = نقص معلومة
-الضلال = خلل في الاتجاه
قد:
• تعرف
• تفهم
• تحفظ
لكن:
• تمشي في الاتجاه الخاطئ
كمن يعرف قوانين القيادة، لكنه يقود عكس السير.
فلماذا هذا مهم؟
لأن الفاتحة تقول:
اهدنا الصراط المستقيم
ولا تقول:
علّمنا المعلومات الصحيحة
الهداية:
• طريق يُسلك
• لا فكرة تُحفظ
طبيب:
• يعلم مخاطر التدخين
• يشرحها للناس
• لكنه يدخّن
هل يجهل؟
لا.
هل مساره مستقيم؟
السؤال هنا.
سارة:
يعني ممكن عالم أو مثقف يكون ضالًا؟
الأستاذ:
نعم، إذا انفصل علمه عن البوصلة.
يوسف:
وممكن شخص بسيط يكون مهتديًا؟
الأستاذ:
نعم، إذا كان صادق الطلب، حسن الاتجاه.
الفاتحة:
• لا تُهين العلم
• ولا تُقدّس الجهل
بل تقول:
العلم أداة
والهداية اتجاه
والأداة بلا اتجاه قد تُؤذي.
لماذا نكرّر طلب الهداية؟
لأن:
• المعرفة قد تثبت
• لكن الاتجاه قد ينحرف دون أن نشعر
الهداية:
• لا تُمتلك مرة واحدة
• بل تُصان بالمراجعة
فليس السؤال: ماذا أعرف؟
بل:
إلى أين يأخذني ما أعرفه؟
وهنا يظهر الفرق بين:
العلم الذي يهدي
والعلم الذي يُضلّ.
الجلسة الخامسة
لماذا الصراط مفرد لا جمع؟
وحدة المعيار لا إلغاء التعدّد
تعلّمنا في الجلسات السابقة أن:
• الضلال ليس جهلًا فقط
• والهداية ليست معلومة
• والصراط يُطلب ولا يُمتلك
اليوم نقف عند كلمة واحدة فقط:
الصراط
لماذا قالت الفاتحة:
الصراط المستقيم
ولم تقل:
الصُّرُط المستقيمة؟ أو الطُّرُق؟
تخيّل بوصلة:
🔹 البوصلة تشير دائمًا إلى الشمال
🔹 لكن الطرق التي تسير بها كثيرة
🔹 يمكنك أن تمشي شرقًا أو غربًا أو شمالًا…
لكن الاتجاه المرجعي واحد
الصراط في الفاتحة يعمل كبوصلة، لا كطريق إسفلتي واحد.
أحمد:
أستاذ، أليس في الحياة طرق كثيرة للخير؟
مريم:
نعم، لماذا إذًا طريق واحد فقط؟
يوسف:
أشعر أن المفرد يوحي بالإقصاء.
الأستاذ:
سؤالكم في محلّه.
لو كان المقصود إلغاء كل طريق مختلف،
لقال النصّ ذلك صراحة.
لكن الفاتحة لا تلغي الطرق،
بل تثبّت المعيار.
الصراط المفرد يعني:
• مرجعًا واحدًا
• ميزانًا واحدًا
• اتجاهًا واحدًا
ولا يعني:
• نسخة واحدة من البشر
• أو طريقة واحدة للتعبير
• أو إلغاء الاجتهاد
في الجامعة:
• هناك طرق مختلفة للنجاح
• مذاكرة، بحث، عمل جماعي، تجربة
لكن:
• معيار النجاح واحد: الإتقان
من يخالف المعيار لا ينجح،
ولو كانت طريقته “مختلفة”.
لاحظوا أن الفاتحة قالت:
الصراط المستقيم
ولم تقل:
الصراط الصحيح
الاستقامة:
• ليست تطابقًا تامًا
• بل سلامة اتجاه
قد تختلف خطواتنا،
لكن لا نلتوي عن الوجهة.
سارة:
يعني الاختلاف مقبول؟
الأستاذ:
نعم، ما دام داخل الاتجاه.
يوسف:
ومتى يصبح الاختلاف انحرافًا؟
الأستاذ:
حين يُكسر المعيار، لا حين يتنوّع الأسلوب.
خطر سوء الفهم
حين يُساء فهم الصراط المفرد:
• يتحوّل إلى راية
• لا إلى ميزان
ويبدأ الناس بسؤال:
من معنا؟ ومن ضدّنا؟
بينما الفاتحة تريدنا أن نسأل:
هل ما نفعله ينسجم مع الصراط؟
شخص يقول:
“طريقتي مختلفة”
السؤال الصحيح ليس:
هل هي مختلفة؟
بل:
هل تحقّق العدل؟ الرحمة؟ الأمانة؟
هنا يظهر الصراط،
لا في الشعارات.
فهل نبحث عن الصراط لنهتدي؟
أم لنُثبت أننا وحدنا عليه؟
والفرق بين السؤالين…
هو الفرق بين الهداية والادّعاء.
الجلسة السادسة
من الغائب إلى المخاطَب
حين لا يسمح لك النصّ بالبقاء متفرّجًا
حتى الآن، لاحظنا أن الفاتحة:
• تبني المعنى تدريجيًا
• تضبط الاتجاه
• وتؤخّر الطلب حتى يكتمل الوعي
اليوم سنقف عند تحوّل مفاجئ في السورة.
اقرؤوا معي:
الحمد لله ربّ العالمين
الرحمن الرحيم
مالك يوم الدين
ثم فجأة:
إيّاك نعبد وإيّاك نستعين
ما الذي حدث هنا؟
في الآيات الأولى:
• الحديث عن الله
• بصيغة الغائب
• وصفٌ، تقريرٌ، معرفة
ثم فجأة:
• الحديث مع الله
• مواجهة مباشرة
• التزام
هذا ليس انتقالًا لغويًا فقط،
بل انتقال في موقع القارئ.
تخيّل شخصًا يحضر محاضرة عن:
أهمية الرياضة
ثم يقول له المدرّب:
الآن، قِف… وابدأ التمرين.
الفرق كبير بين:
• أن تسمع
• وأن تدخل التجربة
الفاتحة تفعل هذا بالضبط.
مريم:
أشعر أن الجو تغيّر فجأة في السورة.
أحمد:
نعم، كأننا لم نعد نقرأ فقط.
يوسف:
هل هذا مقصود فعلًا؟
الأستاذ:
نعم، مقصود بدقّة.
الفاتحة لا تريد قارئًا:
• يعرف فقط
• أو يُعجب بالمعاني
بل تريد قارئًا:
• يدخل في العلاقة
• ويتحمّل الموقف
فلماذا لم تبدأ السورة بـ “إيّاك نعبد”؟
لأن:
• العبادة دون معرفة → عادة
• والمعرفة دون التزام → فراغ
الفاتحة رتّبت الطريق:
1. رؤية
2. اعتراف
3. ثم التزام
لاحظوا:
إيّاك نعبد
وإيّاك نستعين
صيغة جمع، لا مفرد.
حتى في لحظة المواجهة:
• لا أنت وحدك
• ولا ادّعاء فردي
• ولا بطولة دينية
العبادة هنا:
• مسؤولية مشتركة
• لا تجربة معزولة
سارة:
يعني لا يمكن أن أقول: علاقتي مع الله تخصّني وحدي؟
الأستاذ:
هي علاقة شخصية، نعم…
لكنها ليست أنانية ولا معزولة عن الجماعة.
يوسف:
ولماذا الاستعانة بعد العبادة؟
الأستاذ:
لأن الالتزام بلا عون… إنهاك.
فبعد:
إيّاك نعبد
لم يعد ممكنًا أن تقرأ الفاتحة ببرود.
النصّ:
• أدخلك في الكلام
• جعلك متكلّمًا لا سامعًا
• حمّلك مسؤولية ما تقول
وبعد أن دخلتَ العلاقة،
صار من حقّك أن تطلب:
اهدنا الصراط المستقيم
الطلب هنا:
• ليس رغبة عابرة
• بل نتيجة التزام
فقبل “إيّاك نعبد” كنا نعرف.
بعدها… ماذا أصبحنا؟
والجواب:
لم نعد قرّاء فقط،
بل أطرافًا في علاقة.
الجلسة السابعة
ترتيب آيات الفاتحة
هل هو مصادفة… أم منهج تربوي؟
في الجلسة السادسة رأينا أن:
• القارئ انتقل من الوصف إلى المواجهة
• ومن المعرفة إلى الالتزام
اليوم نسأل:
لماذا جاءت آيات الفاتحة بهذا الترتيب بالذات؟
ولماذا لم تبدأ السورة بـ:
اهدنا الصراط المستقيم؟
تخيّل شخصًا يدخل إلى مكتب طبيب ويقول فورًا:
أعطني الدواء.
الطبيب سيسأله:
• من أنت؟
• ما حالتك؟
• ماذا تشعر؟
• ما تاريخك الصحي؟
الطلب قبل الفهم… عبث.
والفاتحة لا تقبل هذا العبث.
الفاتحة تُبنى على ثلاث مراحل واضحة:
1. التعرّف
الحمد لله ربّ العالمين
الرحمن الرحيم
مالك يوم الدين
2. الالتزام
إيّاك نعبد وإيّاك نستعين
3. الطلب
اهدنا الصراط المستقيم
هذا ترتيب تربوي، لا شعوري فقط.
أحمد:
يعني لا يحقّ لي أن أطلب الهداية مباشرة؟
مريم:
لكننا نحتاج الهداية منذ البداية!
يوسف:
هل الترتيب يغيّر قيمة الطلب؟
الأستاذ:
الفاتحة لا تمنع الطلب،
بل تُهذّبه.
هي تقول:
اطلب…
لكن اعرف ممّن تطلب
ولماذا تطلب
وبأي موقع تقف
طفل يقول لأبيه:
أعطني.
شيء طبيعي.
لكن الشاب الناضج يقول:
أنا مسؤول، وأحتاج مساعدتك لأُحسن التصرّف.
الطلب الثاني:
• أعمق
• أصدق
• وأكثر التزامًا
الفاتحة تريد هذا النوع من الطلب.
لاحظوا:
الفاتحة لم تقل:
علّمني الصراط
بل قالت:
اهدنا الصراط
الهداية:
• مرافقة
• توجيه
• تصحيح مستمر
كأنك تقول:
سر معي، لا دلّني فقط.
سارة:
يعني الدعاء هنا ليس كلمات؟
الأستاذ:
نعم، هو موقف كامل.
يوسف:
ولماذا جاء الطلب بصيغة الجمع؟
الأستاذ:
لأن الهداية الفردية دون جماعة… هشّة.
ماذا يحدث لو اختلّ الترتيب؟
• معرفة بلا التزام → استعلاء
• التزام بلا معرفة → تطرّف
• طلب بلا الاثنين → وهم
الفاتحة توازن هذه الثلاثة بدقّة.
فالفاتحة ليست:
• مقدّمة صلاة فقط
• ولا نصًّا للحفظ
بل:
منهج تكوين إنساني
تُعيد ترتيب علاقتك:
• بالمعرفة
• بالالتزام
• وبالطلب
حين نقرأ الفاتحة…
هل نعيش ترتيبها؟
أم نقفز مباشرة إلى الطلب؟
والسؤال موجّه لنا جميعًا.
الجلسة الثامنة
الفاتحة كنصّ مفتوح
لماذا نعود إليها كلّ يوم… ولا تنتهي؟
بعد سبع جلسات، قد يظنّ بعض الطلبة:
“الآن فهمنا الفاتحة.”
لكن الفاتحة نفسها تبتسم لهذا الظنّ.
لأنها:
• لا تُغلق معناها
• ولا تُعطيك خاتمة نهائية
• بل تعيدك إلى البداية… كلّ يوم
تخيّل مرآة:
• الطفل يرى فيها شكله
• الشاب يرى ملامحه
• الكبير يرى التجاعيد والخبرة
المرآة واحدة،
لكن الناظر تغيّر.
الفاتحة تعمل بالطريقة نفسها.
مريم:
أستاذ، لماذا لا نشعر بالملل من الفاتحة؟
أحمد:
نقرأها في كل صلاة… ومع ذلك لا تبدو مكرّرة.
يوسف:
هل هذا لأن معانيها كثيرة؟
الأستاذ:
ليس لأن المعاني لا تنتهي فقط،
بل لأن القارئ نفسه لا يبقى كما هو.
الفاتحة:
• لا تتغيّر
• لكنك أنت تتغيّر
فتقرأها بعين مختلفة كل مرة.
فالفاتحة ليست:
• كتاب تعليمات
• ولا لائحة أوامر
هي:
نصّ يعيد تشكيل وعيك تدريجيًا
في كل مرة تقول:
اهدنا الصراط المستقيم
أنت:
• أقلّ ثقة بنفسك
• أكثر وعيًا بضعفك
• أصدق في طلبك
شخص يقرأ:
مالك يوم الدين
وهو طفل → يفهم الخوف
وهو شاب → يفهم المسؤولية
وهو كبير → يفهم المصير
الكلمة نفسها،
لكن العمق يتبدّل.
سارة:
يعني الفاتحة تشتغل علينا نحن؟
الأستاذ:
نعم، لا تشرح لك العالم فقط،
بل تُعيد ترتيبك داخليًا.
يوسف:
وهل هذا مقصود تربويًا؟
الأستاذ:
بدقّة شديدة.
فلو كانت الفاتحة:
• نصًّا مغلقًا
لكانت تُقرأ مرة وتُترك.
لكنها:
• وُضعت في الصلاة
• وفي البداية
• وفي التكرار
لتكون:
مراجعة يومية للاتجاه
لماذا لا نملّها؟
لأنها:
• لا تخاطب مرحلة واحدة
• ولا عقلًا واحدًا
• ولا ظرفًا واحدًا
هي نصّ:
• يتّسع
• ولا يُستنزف
الفاتحة لا تقول لك:
“تعال أفهمك”
بل تقول:
“تعال أرافقك”
من الطفولة إلى النضج،
ومن الغفلة إلى الوعي،
ومن الثقة الزائدة إلى التواضع الصادق.
إذا كانت الفاتحة تُعيد تشكيلنا كل يوم،
فهل نحن نسمح لها بذلك؟
أم نقرأها… ونغلق الباب؟
وهنا ينتهي الشرح،
ويبدأ الطريق.
نعم…
بهذه العبارة بالذات يُغلق النصّ باب الشرح،
ويُفتح باب السلوك.
«وهنا ينتهي الشرح، ويبدأ الطريق.»
ليست خاتمة أدبية،
بل تحويل للمسؤولية.
كأن الفاتحة — بعد أن:
• عرّفتك بالاتجاه
• وأدخلتك في العلاقة
• وعلّمتك كيف تطلب
تقول لك بهدوء:
الآن… امشِ.
لا مزيد من التفسير سيُغني عن الخطوة الأولى،
ولا كثرة الفهم ستعفي من التجربة.
الطريق:
• لا يُشرح كاملًا
• ولا يُختصر بكلمات
• بل يُكتشف بالسير، وبالتصحيح، وبالعودة حين نميل
ومن هنا سرّ تكرار الفاتحة:
ليست لتضيف علمًا جديدًا،
بل لتسأل في كل مرة:
هل ما زلتَ على الطريق؟
فإذا أحسستَ أنك تحتاج الشرح من جديد،
فاعلم أن الطريق أعادك إلى البداية…
لا لتُوبَّخك،
بل لتُرافِقك.
نعمان البربري
يوم الجمعة الواقع في 29 رمضان 1438 هـ
الموافق لـ 23/06/2017 مـ
فايسخ ام تال
ولاية بادن – فورتمبيرغ
ألمانيا
Weissach im Tal
(Baden-Württemberg)
(Deutschland)
