Numan Albarbari نعمان البربري

ثلاثون صمتًا (رواية)

ثلاثون صمتًا
رواية
عن مجموعة أعمال كنت كتبتها في أوقات متفرقة حملت عنوان “الأرض الخضراء”

كلمة قبل أن نبدأ

أيها القارئ العزيز، اسمح لي أن أوقفك عند العتبة لحظة، كما يفعل صاحب البيت مع ضيفٍ لم يزره من قبل؛ لا ليمنعه من الدخول، بل ليقول له: خذ وقتك، فالبيت ليس مرتّبًا كما تتخيل.
سأحكي لك في الصفحات التالية حكاية رجل عاش ثمانيةً وخمسين عامًا وهو مقتنع بأنه لا يكذب. وهي حكاية لن تعجبك في أولها، لكنك ستحب بطلها؛ ولن تعجبك في آخرها، لأنك ستعرف لماذا أحببته. فإن أحسستَ في منتصف الطريق بأن شيئًا ما يضغط على صدرك، فلا تُلقِ بهذا الكتاب جانبًا؛ إنه ليس ضيقًا من الرواية، بل هو الضمير يتململ في غرفةٍ أغلقتَها منذ زمن.
لقد قيل لنا منذ الطفولة إن الكاذب شرير، وإن الصادق طيب، وإن الدنيا مقسومة بين الفريقين كما يُنظر إلى الأبيض والأسود. لكنني بعد عمرٍ طويل في مراقبة الناس، لم أعثر على كاذبين كثيرين بالمعنى الذي علّمونا إياه. ما وجدتُه هو أكثر إيلامًا: ملايين من الطيبين الذين لا يقولون كلمة كاذبة واحدة في حياتهم، ومع ذلك يتركون الباطل يمرّ من أمامهم كما يمرّ القطار أمام محطةٍ لا يقف فيها.
هؤلاء هم أبطال هذه الرواية. وهم، كما سترى، نحن.
سأرافقك في الطريق. أحيانًا سأقف إلى جانبك وأهمس بما لم تقله الشخصيات، وأحيانًا سأقاطع الحكاية لأسألك سؤالًا لا جواب عنده سواك. فاغفر لي ثرثرتي مقدّمًا؛ فالراوي الذي يصمت تمامًا قد يكون، في بعض الأحيان، واحدًا من الثلاثين.
ن. ب.

الجزء الأول: الظرف

الفصل الأول

“الرجل الذي لا يكذب”
اليوم الأول
في الخامسة والنصف صباحًا كان آدم وحده في المطبخ، يصبّ الماء الساخن على أوراق الشاي ببطء رجلٍ يؤدي طقسًا لا يعرف أنه طقس. كان يراقب اللون وهو يتبدّل في الكوب، من الشفافية إلى الذهب، ومن الذهب إلى ذلك الاحمرار الدافئ الذي يشبه غروبًا صغيرًا داخل الزجاج.
هذه هي اللحظة الوحيدة في يومه التي لا يشاركه فيها أحد. وهي أيضًا اللحظة الوحيدة التي تمرّ فيها ذاكرته قرب بابٍ لا يفتحه، فتتباطأ قليلًا كما يتباطأ المارّ أمام بيتٍ مهجور، ثم تواصل سيرها.
دعني أقل لك شيئًا عن هذا الرجل قبل أن تقابله، فمن حقك أن تعرف مع من ستقضي الأسابيع القادمة. إنه في الثامنة والخمسين، يعمل محاسبًا رئيسيًّا منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، ولم يُعرف عنه في الحيّ كله أنه قال كذبةً واحدة، حتى تلك الكذبات الصغيرة التي نتبادلها كل يوم كما نتبادل التحية: “أنا بخير”، “لا أذكر”، “كنتُ على وشك الاتصال بك”. ولهذا يسمّونه “الرجل الذي لا يكذب”.
سمع آدم هذه العبارة مئات المرات، وفي كل مرة كان يبتسم الابتسامة نفسها، هادئةً ومقتنعة، ابتسامة من لا يسأل نفسه متى بدأت. وأنا أُنبّهك منذ الآن: احذر الابتسامات التي لا تسأل نفسها متى بدأت.
دخلت سميرة وهي تربط شعرها.
— نمتَ جيدًا؟
— كما ينام رجل لا يخفي شيئًا.
ضحكت. كانت تضحك كل صباح منذ خمسةٍ وعشرين عامًا، كأن الجملة نكتة جديدة، وكأن الأزواج الذين يعيشون معًا طويلًا يتفقون في السرّ على ألّا يملّوا من أكاذيبهم الصغيرة اللطيفة. لكنّ هذه لم تكن كذبة؛ كانت إيمانًا. وهذا ما يجعلها أخطر.
ثم دخل يوسف يجرّ حقيبته المدرسية من كتفٍ واحد. ابن أربعة عشر عامًا، لا ينظر إلى أحدٍ حين يدخل، وكأنه يعتذر سلفًا عن حضوره في العالم.
— يوسف، قالت سميرة، معلّمتك اتصلت أمس.
— ماذا قالت؟
— قالت إنك كسرتَ زجاج النافذة ولم تخبرها.
احمرّ وجه الصبي.
— لم أكسره أنا. كان…
— انظر إليّ، قال آدم.
رفع يوسف عينيه. وفي ذلك الرفع البطيء كانت تقوم محكمة كاملة، أبٌ على المنصة، وابنٌ في القفص، وأمٌّ تتظاهر بأنها تغسل كوبًا.
— من يكذب اليوم في شيءٍ صغير، يكذب غدًا في شيءٍ كبير.
— لم أكذب يا أبي.
— لم تقل الحقيقة. وهذا قريب جدًا من الكذب.
— لكن…
— لا أطلب منك أن تكون كاملًا. أطلب أن تكون واضحًا.
أطرق يوسف وقال: سأقول لها اليوم. فأجاب آدم: حسنًا. وابتسمت سميرة بفخرٍ قديم لم يتغيّر منذ يوم زواجهما.
هل لاحظتَ ما فعله آدم للتوّ؟ لقد وزن ابنه بميزانٍ لم يضع نفسه عليه قط. وهذا، يا صديقي، هو أكثر الأوزان رواجًا بين البشر: نحن نبيع الفضيلة بالجملة للآخرين، ونحتفظ لأنفسنا بحصة الاستثناء.
لم تلاحظ سميرة أن الكوب تحرّك أمام زوجها بضعة سنتيمتراتٍ بلا سبب، ثم توقّف. ولم يلاحظ يوسف. آدم وحده لاحظ. فكّر لحظة: هل أنا فعلًا ذلك الرجل؟ ثم شرب شايه، وقال لنفسه إن السؤال لا يستحق صباحًا كاملًا.
وهكذا، أيها القارئ، تُدفن الأسئلة الكبرى: لا بالقوة، بل بالتأجيل اللطيف.

عند باب البيت كان أبو ماجد يقف مع جاره عزّام، وصوتاهما يعلوان كما يعلو الدخان من موقدين متجاورين.
— صباح الخير يا آدم! جئتَ في وقتك. هذا الرجل يقول إنه بنى الجدار داخل أرضه.
— وقد بناه داخل أرضي، قال عزّام.
— كم متراً؟ سأل آدم.
— متر على الأقل.
— نصف متر، قال أبو ماجد بسرعة. ثم أطرق. حسنًا… ربما ثلاثون سنتيمترًا.
— وأنت يا عزّام؟
— وأنا… لم أقِس. لكنني أعرف.
— إذن الذي بينكما ليس خلافًا على الحقيقة، قال آدم، بل خلاف على من يبدو محقًّا.
واقترح أن يأتي مهندسٌ يقيس، وأن يقبل الجميع ما يقوله المتر. فسكت الرجلان، وقال أبو ماجد لجاره بصوتٍ مرتاح: رأيتَ؟ لهذا نأتي إليه. رجل الحيّ لا يكذب.
— لا تقل ذلك، قال آدم.
— لماذا؟
— لأن اللقب أثقل من صاحبه.
ضحك أبو ماجد وربّت على كتفه. ولم ينتبه أحدٌ إلى أن آدم قال، في لحظةٍ عابرة، أصدق جملةٍ في ذلك الصباح.
وفي الطرف الآخر من الشارع مرّت رؤى، حفيدة أبي ماجد، بحقيبتها المدرسية. فتاة في السابعة عشرة، تتباطأ قرب كل حديث كأنها تجمع الكلمات في جيبها لتفحصها لاحقًا. قالت: صباح الخير يا عمّ آدم. ونظرت إليه نظرة أطول مما ينبغي، ثم مضت.

عند منعطف الجامع الكبير كان الرجل العجوز في مكانه، جالسًا على الرصيف، ثيابه بالية وظهره إلى الجدار. مدّ يده من دون أن يرفع رأسه، فوضع آدم في راحته بضع عملات، كما يفعل كل صباح منذ تسع سنوات.
أودّ أن أتوقف هنا عند هذا المشهد المألوف، لأنه أخطر مشاهد الرواية. تسع سنوات، وكل صباح. رجلٌ يعطي ورجلٌ يأخذ، ولم يسأل أحدهما الآخر عن اسمه. نحن نسمّي هذا “صدقة”، ونشعر بعدها بخفةٍ لذيذة، كمن سدّد فاتورة. ولا نسأل: هل اشترينا بالعملات المعدنية حقَّنا في ألّا ننظر إلى الوجه؟ إن الصدقة التي لا تسأل عن الاسم قد تكون أرقى أنواع التجاهل.
— الله يعطيك يا ابني.
— ويرزقك.
استدار آدم ليكمل طريقه.
— كنتُ أعرف رجلًا اسمه فخري، قال العجوز.
توقّفت قدما آدم. لم يسمع هذا الاسم بصوتٍ عالٍ منذ ثلاثين عامًا.
— ماذا قلت؟
— قلتُ إن الأيام تمرّ، ولا أحد يسأل عن أسماء الذين يمدّون أيديهم.
— أيّ فخري؟
— فخري الذي كان في شركة الحاج توفيق. الله يرحمه.
عاد آدم خطوتين وجلس القرفصاء أمامه.
— هل عملتَ يومًا في التجارة الحديثة؟
رفع العجوز عينيه أخيرًا. كانتا عسليتين باهتتين، وفيهما شيء لا يشبه عيون المتسوّلين.
— كلنا عملنا هناك يومًا يا ابني. بشكلٍ أو بآخر.
— ما اسمك؟
— ما حاجتك باسمي؟
— أريد أن أعرف عمّن تتحدث.
— أنا لا أتحدث عن أحد. أنا أتذكّر فقط.
ثم أطرق من جديد، وبدأ يتمتم بكلماتٍ عن البرد والجوع، كأن بابًا صغيرًا فُتح لحظةً وأُغلق. نهض آدم ومشى نحو عمله بسرعةٍ لم يعتدها. وفي طريقه التفت مرةً واحدة. كان العجوز يعدّ العملات في كفّه، واحدةً بعد أخرى، بدقة رجلٍ يعرف كم أخذ، ثم يضعها في كيسٍ صغير.
قال لنفسه: اسمٌ شائع، لا أكثر. لكنّ يده لم تكفّ عن الارتجاف حتى وصل.

كان آدم يصل إلى شركة التجارة الحديثة قبل الجميع بربع ساعة، عادةً لم يغيّرها منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا. في الردهة كانت أمّ سعد، عاملة التنظيف، تمسح الأرضية.
— صباح الخير يا أستاذ.
— صباح النور يا أم سعد. كيف حال ابنك؟
— الحمد لله. نجح في الامتحان.
— أبشري.
— كله بدعائك.
— لم أدعُ.
— دعوتَ. أنا أعرف.
ابتسم. وكان يظن أن طيبته أمرٌ مجّاني، لا ثمن له.
عند المصعد لحق به وسيم، محاسبٌ في الثلاثين، يحمل ملفًّا مفتوحًا: عندي فرق صغير في ميزانية الصندوق، خمسة قروش. اقترحتُ أن نسجّلها في بند المتفرقات ونغلق الصفحة.
— وماذا يقول الفرق؟
— يقول إن هناك خطأً.
— إذن لا نغلق.
— لكنها خمسة قروش!
— الخمسة قروش لا تهمّني. يهمّني أنها تعرف أين تختبئ.
— هذا كلام فلسفي.
— هذا كلام محاسب. ابحث عن الخطأ. وإن لم تجده فقل: لم أجده. ولا تقل: لا يوجد.
تنهّد وسيم: لو كان الجميع مثلك يا أستاذ… فأجابه آدم: لتأخّر الجميع. وضحكا.
تأمّل معي هذه العبارة الأخيرة: “لا تقل: لا يوجد”. إنها حكمةٌ عميقة يقولها آدم عن الأرقام، وهو لا يعلم أنها ستُقال له بعد أسابيع عن نفسه. فما أقسى أن نكتشف أن الحِكَم التي ننثرها على الآخرين كانت رسائل مؤجلة إلينا.
عند باب الاستقبال وقف كريم، مدير الموارد البشرية، بقميصه المكوي ووجهه الحاسم: الحاج مزاجه سيئ اليوم. لم ينم الليلة الماضية. سائقه قال. وسيطلبك قريبًا، أظنه بسبب الحسابات. وأشار برأسه كمن يسلّم بريدًا ثم يغسل يديه منه.
وفي الثامنة والنصف دخل سامر، شابٌّ في السادسة والعشرين، شاحب الوجه، يداه في جيبيه كي لا تظهرا. قال: الحاج توفيق يريدك الآن، ومعك دفاتر الأشهر الثلاثة الأخيرة. هناك عجز في الحسابات. لا أعرف كم. لكنّ القيود كلها بيدي أنا.
— اهدأ، قال آدم. انظر إليّ.
كان مكتب الحاج توفيق ساحة معركة صغيرة، الأوراق منثورة كجنود سقطوا. والحاج نفسه رجلٌ في الثانية والسبعين، ثقيل الحركة، يتكئ على عصا لا يحتاجها دائمًا، ورائحة تبغه معلّقة في المكان كما كانت منذ سنين. وقف كريم إلى جانبه.
— عجزٌ متكرر منذ ثلاثة أشهر. مبالغ صغيرة لكنها منتظمة. ثلاثةٌ وأربعون ألفًا. والقيود التي تحمل الخطأ كلها باسم سامر.
— وهل رأى المجلس هذا؟
— لم أُخبره. المشترون يزورننا الأربعاء، ولا أريدهم أن يسمعوا كلمة “عجز”. أريدك أن تفتّش في صمت.
— هذا لا يشبه ما نفعله.
— ولا يشبهني، قال الحاج، لكنه يشبه هذا الأسبوع.
نظر سامر إلى آدم كما ينظر الغريق إلى حبل: والله ما لمستُ قرشًا لا يخصّني.
— لا أحد اتهمك بالسرقة، قال كريم. لكنني أقول إن الأمر يجب أن يُغلق اليوم: إيقاف مؤقت ثم تحقيق، إجراء عادي.
— إجراء عادي بالنسبة لك، قال سامر بصوتٍ مبحوح.
كم مرةً سمعتَ هذه العبارة، أيها القارئ؟ “إجراء عادي”. إنها عبارة اخترعها البشر ليُحوّلوا الظلم إلى روتين، فيرتاح فاعله لأنه لم يفعل شيئًا إلا ما يفعله الجميع. فالظلم الفرديّ يُرعب صاحبه، أما الظلم الإداريّ فينام معه في فراشٍ واحد دون أن يوقظه.
التفت آدم إلى الحاج: أمهلني إلى المساء.
— لماذا؟
— لأن الرجل الذي يُوقَف ظلمًا لا يعود كما كان.
تبادل الحاج وكريم نظرةً قصيرة. قال الحاج: إلى المساء. لكنك المسؤول. أنت الوحيد الذي أصدّق حين يقول إن الأرقام بريئة. قالها بلا ابتسامة، ثم سعل سعلةً طويلة، وغطّى فمه بمنديل، ولم يرفع عينيه عن آدم.
— الأرقام لا تكذب، قال آدم.
— لا، قال الحاج. لكنها لا تقول كل شيء أيضًا.
خرج آدم وهو يشعر أن الجملة الأخيرة لم تكن موجّهة إلى الأرقام.

أغلق باب مكتبه، وهذا نادرٌ منه، وفتح الدفاتر على الشاشة وبدأ يقارن رقمًا برقم. مبلغ صغير هنا ومبلغ صغير هناك، لا يتجاوز أيٌّ منها ثمن عشاءٍ في مطعم، لكنها تتكرر في نمطٍ ثابت. ثم توقّف. شيء في الشكل قديمٌ جدًا؛ ليس الأرقام نفسها، بل الطريقة التي رُتّبت بها، كأن يدًا خبيرة تعرف أين تضع الخطأ كي لا يُرى.
نهض إلى النافذة وأخذ نفسًا طويلًا، فعاد به الزمن من دون أن يستأذنه.
كان في الثامنة والعشرين، كاتبًا صغيرًا تحت إشراف فخري، كبير المحاسبين وأخي الحاج توفيق. بقي ليلتها متأخرًا ليُكمل تقريرًا، وظنّ أن الجميع غادر. لكنّ باب غرفة الصندوق كان نصف مفتوح، ومن الشقّ رأى فخري يعدّل رقمًا في دفتر، ثم يمزّق إيصالًا ويضعه في جيبه.
خانه صوتُ حذائه على الأرضية الخشبية. التفت فخري. ولم يغضب. ابتسم ابتسامة رجلٍ اعتاد أن يقرأ في وجوه الشبّان من يصلح منهم شريكًا صامتًا.
— تأخرتَ الليلة يا آدم.
— كنتُ… أنهي التقرير.
— أحسنت.
وفي اليوم التالي استدعاه إلى مكتبه، وقال له: أنت شابٌّ طموح ولك مستقبل هنا. ثم فتح درجه وأخرج مبلغًا من المال ووضعه أمامه بلا مقدمات: مكافأةٌ على اجتهادك.
نظر آدم إلى المال طويلًا، وشعر بشيء يشبه الغثيان.
— لا أستحقها يا سيدي.
— بل تستحقها. أنت تعرف أنك تستحقها.
والآن أسألك سؤالًا لا أريد جوابه الآن، بل بعد أن تُنهي الكتاب: لو كنتَ مكان آدم، شابًّا في الثامنة والعشرين، فقيرًا، مطموحًا، وأمامك رجلٌ كبير يضع المال على المكتب ولا يقول كلمة تربطه بما رأيتَ… ماذا كنتَ ستفعل؟
لاحظ أن فخري لم ينطق بكلمةٍ واحدة تربط المال بالسرقة. وهذا بالضبط ما جعل آدم، لسنواتٍ طويلة، قادرًا على أن يقنع نفسه بأنه لم يُشترَ، بل كُوفئ. إن أمهر المفسدين لا يقولون “سأرشوك”، بل يقولون “أنت تستحق”؛ فلا يبقى لضميرك ما يعترض عليه إلا غثيانٌ لا اسم له.
مدّ آدم يده وأخذ المال.

عند الظهر رنّ هاتفه.
— أين أنت؟ قالت سميرة. لم تجب على رسالتي.
— في المكتب. يومٌ طويل.
— يوسف اتصل من المدرسة. قال إنه أخبر المعلمة بكل شيء، ولم تغضب. وقال إنه لم يكسر النافذة فعلًا.
سكت آدم.
— من كسرها؟
— ولدٌ اسمه رامي. هدّدوه إن تكلّم. فقال يوسف إنه سيتحمّل اللوم كي لا يتورّط أحد.
ضحكت سميرة ضحكةً قصيرة فيها فخر وقلق: يشبهك.
— لا، قال آدم.
— ماذا؟
— لا شيء. سأتأخر قليلًا الليلة.
أنهى المكالمة وبقي ينظر إلى الهاتف. ابنه كاد يتحمّل ذنب غيره ليحمي صبيًّا، وهو، حين كان في ريعان شبابه، حمى نفسه.
خرج إلى الشارع ليستنشق هواءً لا يعرف ما يبحث فيه. وعند الجامع الكبير رأى تجمّعًا صغيرًا: رجلٌ يحمل رجلًا آخر على كتفيه، وبين الذراعين ثيابٌ بالية وحذاء ممزق ورأسٌ يتدلّى. عرف المعطف قبل أن يعرف الوجه.
— ما الذي حدث؟
— انهار فجأة، قال الرجل الذي يحمله. سأحمله إلى عيادة الحيّ القديم.
— هل أساعدك؟
— لا، لا. اذهب أنت. إنه متسوّل، لا أحد يعرفه.
نظر آدم إلى الوجه المتدلّي. شفتان زرقاوان، وعرقٌ بارد على الجبين. أحسّ بشيءٍ يشدّه إلى أن يمشي معهما، فخطا خطوتين. ثم رنّ هاتفه: كريم. أين أنت؟ الحاج يسأل عنك.
— قادم.
نظر إلى الرجلين وهما يبتعدان. وقال لنفسه الجملة التي كان سيقولها مئة ألف إنسانٍ مكانه: هناك من يحمله. لا حاجة إلى أن أكون أنا.
وعاد إلى المكتب. ولم يعرف، وهو يعبر الباب الزجاجي، لماذا خجل من هذه الجملة بالذات.
سأخبرك أنا لماذا خجل. لأن “هناك من يحمله” هي أكثر الجمل الأخلاقية فتكًا في تاريخ البشرية. بها نُغلق أبواب المستشفيات في وجه المنهارين، وبها نمرّ أمام الحادث ونحن نحسب أن غيرنا سيتصل بالإسعاف. إنها جملة لا يقولها الأشرار، بل المشغولون الطيبون؛ ولهذا لا تُقاومها محكمة.

في الاستراحة وجد سامر جالسًا وحده في المقصف أمام شطيرة لم يلمسها. جلس آدم قبالته.
— كُل. الجوع لا يساعد الأرقام.
— لو أوقفوني لن أُخبر أمي. إنها مريضة، ولا تعرف أنني أدفع ثمن دوائها من هذا الراتب.
— لن يوقفك أحد.
نظر إليه الشاب بامتنانٍ خجول: أستاذ آدم، هل أقول لك شيئًا؟ ليلة أمس مررتُ أمام الشركة متأخرًا، وكان النور مضاءً في مكتب الحاج. الساعة الثانية فجرًا.
— الحاج يسهر كثيرًا. ربما كان مريضًا.
— ربما.
— لا تقل هذا لأحد، قال آدم.
— لماذا؟
— لأن نصف الحقيقة في فمٍ خائف يصير تهمة.
هزّ سامر رأسه. ولم يفهم آدم، وهو يقولها، لماذا شعر بأنه يحذّر نفسه أيضًا.
في الممر اعترض كريم طريقه: لا أحب أن يُغلق ملف بهذه السرعة. الأرقام أحيانًا تنتهي حين يريد أحدٌ أن تنتهي. البرنامج الجديد ركّبه الحاج بنفسه، وطلب من شركة التركيب أن يعمل عليه وحده في آخر ليلة.
— ولماذا تقول لي هذا؟
ابتسم كريم ابتسامةً رسمية: لأنك رجلٌ صادق. وأردتُ أن أعرف ماذا ستفعل بمعلومةٍ لا تعرف ماذا تعني.
— سأكتبها في الملف.
— لا تفعل. لأنه حين يكتب رجلٌ مثلك شيئًا، يصدّقه الناس.
وانصرف. وقف آدم في الممر، لا يعرف أيهما أثقل: ما قاله كريم، أم الارتياح الغريب الذي أحسّ به حين طُلب منه ألا يكتب.
وفي المصعد وجد معاذ القاسم، عضو مجلس الإدارة، في الخامسة والستين، ببدلةٍ سوداء أنيقة ومعطف صوفي، رجلٌ اعتاد أن يبتسم قبل أن يتكلم. قال: سمعتُ ما فعلتَ مع الشاب. حميتَه من ظلم.
— حميتُ الأرقام.
— هذا أجمل. وأمرٌ صغير: الأرشيف سيُغلق قريبًا، هدم المخزن الثالث كما تعلم. ولا داعي أن تنزل إلى هناك أكثر من اللازم. الرطوبة تؤذي الصدر.
وانفتح الباب. خرج آدم وهو يشعر أن عبارةً قيلت له مرتين في يومٍ واحد، من فمين مختلفين، بالنبرة نفسها.

عاد إلى الشاشة وعمل ساعات حتى سقط الضوء الأصفر للعصر على الورق. ثم رأى. الأخطاء كلها تتبع نمط الاستيراد الآلي في البرنامج الجديد؛ القيود تتكرر حين يعيد النظام قراءة الملفات نفسها، فتخرج بأرقام ناقصة. لا يدٌ بشرية فيها. إلا أنها، وهذا ما أزعجه وهو يكتب ملاحظاته، كانت مرتبة أكثر مما ينبغي لخطأ برنامج. خطأ البرنامج فوضوي. وهذا الخطأ كان مهذّبًا.
دفع الفكرة بعيدًا، ونزل بالملف إلى مكتب سامر.
— الخطأ في البرنامج. قيدٌ واحد يُقرأ مرتين فينقص المبلغ. سأريه للحاج بالأرقام.
بقي سامر ينظر إليه، ثم انحنى على مكتبه ووضع رأسه بين ذراعيه وكتفاه ترتجفان: لن أنسى لك هذا.
— لا تنسَ شيئًا، قال آدم. تعلّم فقط ألّا تدخل غرفة الحاج وأنت تقول “والله ما لمستُ قرشًا”.
— لماذا؟
— لأن من يحلف قبل أن يُسأل يبدو كأنه يخفي شيئًا.
ضحك سامر وهو يبكي.
في مكتب الحاج كان الدخان كثيفًا. عرض آدم الأرقام فاستمع الحاج بلا مقاطعة، وكريم يتأمّل السقف.
— عجزٌ في الورق فقط، قال آدم. سيُصحَّح الاستيراد غدًا. وسامر بريء تمامًا.
أغمض الحاج عينيه لحظة، كأنه ارتاح من وزنٍ لم يعترف به: شكرًا يا آدم.
— الإجراء العادي لم يعد لازمًا إذن، قال كريم بلهجة من يفقد ورقة.
— كنتُ متأكدًا أنك ستقول ذلك.
— لم تكن متأكدًا، قال الحاج بحدّة. اخرج يا كريم.
بقي الحاج وآدم وحدهما، بينهما دخانٌ وصمت.
— بعد أسابيع، قال الحاج فجأة، تمرّ ثلاثون سنة على وفاة أخي. تتذكّره؟
— كان رجلًا مرتبًا.
— نعم. كان مرتبًا دائمًا.
نظر إلى سيجارته المنطفئة ولم يُشعلها. ثم قال: المشترون يريدون عقد ملكية المخزن الثالث؛ سيوقّعون الأربعاء. المخزن القديم عند الميناء، يريدون هدمه. قرّر المجلس. لم يكن لي رأي. قالها بنبرةٍ غريبة. والعقد في الأرشيف، في القبو، في صناديق السنة التي بدأتَ فيها العمل.
نظر آدم إليه: أتتذكّر السنة التي بدأتُ فيها؟
— أنا أتذكّر كل شيء يا آدم. هذا هو ما يتعبني.
ثم أشار بيده كأن الحديث انتهى.

عند باب الأرشيف كان الحارس يقفل دفتره: الأرشيف يُغلق في السادسة يا أستاذ. فقال آدم إن الحاج طلب منه النزول. فتح الحارس الباب بمفتاحٍ ثقيل: منذ سنواتٍ لا ينزل أحدٌ إلا عامل التنظيف. وهذا الباب في آخر القبو مسدودٌ منذ زمن، يؤدي إلى المخزن القديم عند الميناء. أغلقوه أيام الحاج الكبير ولم يفتحه أحد. ولا تتأخر. الرطوبة هناك تؤذي الصدر.
كان القبو باردًا رطبًا، تفوح منه رائحة ورقٍ قديم. المصباح الوحيد يرتجف في آخر الممر، وصناديق الكرتون مرصوصة على الرفوف كتحفٍ لا يزورها أحد. مرّ بين الرفوف الطويلة. على كل صندوقٍ تاريخ، وعلى كل تاريخٍ غبار. مرّت أمام عينيه سنواتٌ كاملة كان فيها شابًّا، ثم رجلًا، ثم هذا الذي هو الآن. وخلفه، من أنبوبٍ قديم، تقطّر الماء قطرةً بعد قطرة كأن أحدًا يعدّ.
وجد الصندوق، مغبرًّا، أثقل مما توقّع، وفي غطائه رقم السنة بخط كاتبٍ ميت. ملفات عن إيجارات ومخازن، رائحتها حامضة. مرّر أصابعه بين الأوراق حتى بلغ كشف رواتب قديمًا، أصفر الحواف، وفيه أسماء الموظفين في ذلك العام. وفي السطر الخامس رأى اسمه:
“آدم الخطيب. كاتب”.
وبجانبه، بقلم رصاص، بخطٍّ صغير، عبارةٌ لم يكن يتذكّر أنه سيراها يومًا:
“مكافأة استثنائية”.
لم يكن المبلغ مكتوبًا، ولم يكن بحاجةٍ إليه. أعاد الورقة إلى مكانها كأنها ساخنة. وتذكّر جنازة فخري. كان في الثامنة والعشرين، يقف في الصف الثاني بين رجالٍ لا يعرفهم، وبعد الدفن اقترب منه شابٌّ في الثانية والأربعين، عيناه حمراوان.
— أنت آدم؟ أنا توفيق، أخو فخري. كان يذكرك. قال لي إنك رجلٌ عاقل… وإنك لا تتكلم كثيرًا.
— أحاول.
— هذا ما أحبّه فيك.
ثم شدّ على يده بقوّةٍ تتجاوز اللياقة وانصرف. ولم يفهم آدم يومها لماذا ترك ذلك السلام أثرًا في كفّه حتى المساء.
وفي أثناء بحثه لاحظ رائحةً أخرى، ضعيفة لكنها حديثة. رائحة تبغ. قال لنفسه: ربما مرّ الحارس قبل قليل. وسقط من بين الملفات ظرفٌ أصفر صغير، لا رقم عليه ولا ختم، ولا يظهر في أيّ فهرس. وعليه بخطٍّ لم يعرفه: “شهادة – سرّية”.
التقطه. ثقل الورق في يده أكبر من حجمه. فتحه بيدٍ لم تعد ثابتة: ورقة رسمية مطوية مرتين، بخطٍّ أنيق وتوقيعٍ يعرفه كما يعرف اسمه. توقيع فخري. وتاريخ: بعد أسبوعٍ واحد من الليلة التي رأى فيها ما رأى.
قرأ:
“أنا الموقّع أدناه، كبير المحاسبين، أشهد أن الكاتب آدم، العامل في هذه الشركة، قد علم بالواقعة المتعلقة بالصندوق، وأنه وافق بملء إرادته على عدم الإفصاح عنها لأحد”.
وأسفلها أسطرٌ أخرى، ثم التاريخ، ثم الاسم. لم يكن قد وافق على شيءٍ بصوته. لم يقل كلمةً واحدة في ذلك الأسبوع. لكنّ فخري، كما يبدو، كان حريصًا على أن يوثّق صمته؛ لا خوفًا من آدم، بل ضمانًا له وضمانًا عليه في آنٍ واحد.
توقّف هنا معي لحظة، أيها القارئ. هل تدرك ما فعله فخري؟ لقد حوّل الصمتَ إلى عقد. والعقد، كما تعلم، لا يحتاج إلى توقيع الطرفين كي يُلزمهما؛ يكفي أن يقبل أحدهما بيده ما وُضع في يده. وهكذا، في قبوٍ مظلم، اكتشف رجلٌ في الثامنة والخمسين أن أقدم صفقاته لم تكن مع الشيطان، بل مع رجلٍ مرتّب يجيد الحسابات.
نزل الورق ببطء إلى ركبته. وسمع، من مكانٍ ما في الأعلى، صوتًا خفيفًا: صريرُ باب.
— من هناك؟ نادى.
لم يجبه سوى صدى صوته في الممر. قلّب الورقة من الخلف دون أن يعرف لماذا. كان على ظهرها رقمٌ واحد، مكتوبٌ بحبرٍ أزرق، بخطٍّ مائل متعب:
21.
ولمّا لمسه بإبهامه بقي أثرٌ أزرق على جلده. حدّق في إصبعه. الحبر لم يجفّ بعد.
وفي هواء القبو البارد علقت رائحة التبغ، كأن صاحبها لم يغادر المكان إلا قبل دقائق.

الفصل الثاني

“عينا أبيك”
اليوم الأول
كانت العيادة في زقاقٍ ضيق خلف السوق القديم: بابٌ خشبي أخضر، ولافتةٌ باهتة، وردهةٌ لا تتسع لأكثر من ثمانية كراسٍ. لا أحد يسأل المريض فيها عن جيبه قبل أن يسأله عن وجعه، ولهذا كان الزقاق يمتلئ كل صباحٍ قبل أن تُفتح.
وصلت مريم في السابعة والنصف، كعادتها، قبل الجميع. في الثلاثين من عمرها، نحيلة، هادئة العينين، تلفّ شعرها بمشبكٍ بسيط. وكان زملاؤها يقولون إنها تشبه أمًّا لكل مريضٍ يدخل. ولم يكونوا يعلمون أنها لا تملك من الأمومة إلا اسمها ومعطفها الأبيض.
في التاسعة دخلت امرأة مسنّة تتكئ على عصا.
— الدواء نفد يا ابنتي. دواء الضغط. قالوا لي إن ثمنه تغيّر. وليس معي الآن شيء. سأعود الأسبوع القادم.
— لا تعودي الأسبوع القادم. ضغطك لا يعرف الأسابيع.
أخرجت مريم من حقيبتها الخاصة ثمن العبوة ووضعته في كفّ المرأة.
— لا أقدر أن آخذه.
— هذا واجب، لا مِنّة.
خرجت المرأة تبتسم وتبكي معًا. وجاء الدكتور هشام من الغرفة المجاورة وفي يده فنجان قهوة: الثالثة هذا الأسبوع. أعدّ كم تدفعين من جيبك. المدير سيحاسبنا.
— فليحاسبني.
— مريم، الجميع يحبونك هنا، لكنني لا أعرف عنك شيئًا. تعالجين الجميع ولا تحكين لأحد. أليس لك أهل؟
— لي أمّ.
— وإخوة؟
تأخّرت قليلًا عن الجواب. ثم قالت: لا.
هزّ هشام رأسه ومضى. ولم تكن كاذبة تمامًا، لكنها لم تقل إن لها أخًا اسمه بلال، لم تكلّمه منذ ثلاث سنوات، وأنها تعرف رقمه عن ظهر قلب.
ستسمّي مريم هذا “نصف صدق”، وسأسمّيه أنا “الكذب المهذّب”؛ ذاك الذي لا يحتاج إلى أن تقول ما ليس موجودًا، بل يكفيه أن تُخفي ما هو موجود. وأنا لا أذكر هذا لأحاسبها، فمن منّا لم يُسأل عن أخٍ أو أبٍ أو صديقٍ قديم فقال “لا” بنبرةٍ هادئة، وهو يعلم أن “لا” هذه هي أطول جدارٍ بناه في حياته؟

عند الظهر فُتح الباب بقوة. دخل رجلٌ عريض الكتفين، متعرّق، يحمل على ظهره رجلًا آخر: ساعدوني! انهار عند الجامع!
هرع الجميع. وُضع المسنّ على الأرض أولًا ثم على السرير القريب: نحيل، ثيابه بالية، حذاؤه ممزّق، وشفتاه زرقاوان.
— من هو؟ سألت مريم.
— لا أعرف. متسوّل. وجدتُه عند الرصيف.
— رجلٌ مشرّد، قال هشام من الباب بلا اكتراث. ضعوه في الردهة وليتصل أحد بالإسعاف.
نظرت إليه مريم: كل إنسانٍ يستحق العناية نفسها.
— الإسعاف سيأتي بعد ساعة.
— إذن نعتني به ساعة. هشام، قم وأحضر لي جهاز الضغط.
قام. قاست الضغط فوجدته منخفضًا، وقاست السكر فكان شبه معدوم. محلولٌ وريدي، وأكسجين. جفاف وجوع، ورئتاه أيضًا تؤلمانه. وحين التفتت لتشكر الرجل الذي أحضره كان قد خرج بسرعة، كمن لا يريد أن يرتبط بما حدث.
لاحظ هذا الذي ركض إلى الباب. إنه ليس شريرًا؛ لقد حمل رجلًا على ظهره مسافةً طويلة، وهذا أكثر مما فعله مئاتٌ مرّوا قبله. لكنه وضع الحدّ عند العتبة، لأن بعد العتبة تبدأ الأسئلة، وبعد الأسئلة تبدأ المسؤولية. وما أكثر الذين يحملون الجرحى ثم يهربون من أسمائهم!
عملت عليه أكثر من ساعة: غيّرت المحلول مرتين، وغطّته، ومسحت عرق جبينه. وبينما كانت تفكّ أزرار معطفه القديم لتُسهّل التنفس سقطت منه ورقةٌ صغيرة على الأرض. لم تنتبه؛ كانت الردهة تضجّ وأحدهم يصرخ باسمها. التقطتها مع منديلٍ ورقي ودسّتهما معًا في جيب معطفها الأبيض.

في الثالثة بدأ يهذي: الباب… الباب الحديدي… لم آخذ شيئًا… والله لم آخذ شيئًا… المخزن… الثالث…
مسحت جبينه بقطعة قماشٍ مبلولة: أنت في العيادة. لن يؤذيك أحد.
فتح عينين عسليتين باهتتين تحدّقان في السقف: من أنتِ؟
— طبيبة. أنا مريم.
أمسكت يده، باردةً خشنةً مليئةً بالتشقّقات. قال: رحمك الله يا ابنتي. أنتِ مثل… ثم سكت. وبعد دقائق، وهو بين النوم واليقظة، قال بصوتٍ يكاد لا يُسمع: فخري لم يكن يستحق أن يُفلت هكذا.
تجمّدت يدها.
— من فخري؟
— فخري… وكلنا… سكتنا…
— هل تعرف أحدًا اسمه منصور؟
فتح عينيه فجأة. ولأول مرةٍ رآها فعلًا. بقي ينظر إليها طويلًا، وشفتاه ترتجفان.
— من أين تعرفين هذا الاسم؟
— كان أبي.
أغمض عينيه، وانزلقت دمعةٌ صغيرة على صدغه وسط التجاعيد.
— لماذا تبكي؟
— لا شيء. المرض.
— قلتَ اسم أبي. مع اسم فخري.
سكت. وبعد لحظة قال بصوت رجلٍ يمشي على جليد: لديكِ عيناه.
— عينا من؟
— رجلٍ كنتُ أعرفه.
— أمي تقول دائمًا إن لي عيني أبي.
— ربما.
— أين رأيتَه؟ ماذا تعرف عنه؟
— وماذا تعرفين أنتِ؟
— أنه كان حارسًا في شركة التجارة الحديثة. وأنه اتُّهم بسرقةٍ لم يرتكبها. وأنه مات وأنا في السابعة. هذا كل ما قالوه لي.
أطرق الرجل: ربما يعرف غيري أكثر. اسألي آدم. في شركة التجارة الحديثة. محاسب. هو كان هناك.
— وكيف أجده؟
— ستجدينه. إنه رجلٌ لا يكذب.
وابتسم ابتسامةً صغيرة مريرة، كأنه قال نكتةً لا يضحك عليها أحدٌ غيره. وحين سألته: من أنت؟ كان قد أغمض عينيه وتنفّس بعمق ونام.
هل رأيتَ كيف دخلت الجملة الأولى في الرواية، “رجلٌ لا يكذب”، إلى هذه الغرفة، من فم رجلٍ مسنٍّ تحت المحلول؟ إنها هنا ليست مدحًا. إنها طعنة. إنها تُقال بالنبرة التي يُقال بها “الذي رأى كل شيء ولم يقل شيئًا”. فحاول أن تحتفظ بهذا في ذهنك: كل لقبٍ يُمنح لإنسانٍ يحمل، في ظلّه، لقبًا آخر لا يذكره أحد.

في الرابعة دخل هشام ليبدّل المحلول، ورفع معطف الرجل المعلّق على الكرسي ليبعده عن المصباح، فسقطت من الجيب الداخلي صرّةُ قماشٍ صغيرة وتبعثر منها صوت معدن. عملاتٌ، مئات العملات الصغيرة، مرتبة في أكياسٍ ورقية صغيرة، على كل كيسٍ رقمٌ بخطٍّ متعب.
— متسوّلٌ يدّخر، قال هشام مبتسمًا.
— انظر إلى الأرقام. تتسلسل. كل كيسٍ يوم. وكل الأيام متقاربة، كأن أحدًا يعطيه المبلغ نفسه كل صباح.
— ربما صاحب دكان.
— أو رجلٌ عنده عادة.
أعادت الكيس إلى الصرّة، والصرّة إلى الجيب: لا تُخبر أحدًا بهذا. إنه ماله. وربما هو كل ما يملكه.
نظر إليها هشام: أنتِ غريبة اليوم.
— ربما.
وحين أُغلقت العيادة لم يكن الإسعاف قد جاء. نقلوا الرجل إلى سريرٍ جانبي وتركوا إلى جواره مصباحًا خافتًا. قالت مريم إنها ستبقى قليلًا لتطمئنّ عليه. فقال هشام وهو يرتدي معطفه: أنتِ تعاملينه كأنه أحد من أهلك. ليس بهذه الطريقة يا مريم. لم ترد. وبقيت وحدها مع الأنبوب والمحلول وصوت الأنفاس. كتبت على قصاصة: “آدم – التجارة الحديثة – محاسب”. ثم دسّتها في جيبها.

مرّت في طريقها بمشغل دانية، استوديو صغير في الطابق الأول فيه أقمشةٌ ومقصّات وبخار كيّ. كانت دانية صديقتها منذ الجامعة، مصمّمةً مستقلة تتباهى بأنها لا تسمح لأحدٍ بأن يُملي عليها قرارًا.
— تبدين كمن رأى شبحًا.
— رجلٌ مسنّ دخل العيادة اليوم. ذكر اسم أبي. وذكر فخري، الاسم الذي كان يكرّره بلال.
— بلال مرةً أخرى؟ اسمعيني، أنا لا أقول لا تفعلي، أنا أقول إنني أخاف عليكِ. أنتِ امرأة بقوّتك، ولا تحتاجين أن تركضي وراء من لم يقدّرك.
— بلال لم يتخلَّ عني. أنا من تخلّيت.
— هذا هو الكلام الذي يقولونه لك حتى تعودي. العائلة. من يريدونك أن تحملي ذنبًا لم ترتكبيه.
سحبت مريم يدها بلطف: لن أتصل به. فقط أردتُ أن أحكي لك. ثم وقفت عند الباب: دانية، لو كنتُ سأتصل، هل ستقولين لي لا؟
ابتسمت دانية ابتسامةً حزينة جميلة: سأقول لك افعلي ما يريحك. لكنني سأخاف.
— هذا هو السبب، قالت مريم بصوتٍ خافت. الذي جعلني أنتظر ثلاث سنوات.
ونزلت الدرج.
وفي الطريق رنّ هاتفها: أمها. هل أكلتِ؟ هل كلّمتِ أخاك؟ — لا يا أمي، ولن أفعل. هو اختار أن يعيش في أوهامه بدل أن يساعدنا حين احتجنا إليه. — لم يكن الأمر هكذا. — بل كان. — تعالي يوم الجمعة. أطبخ لك ما تحبين. — لا أستطيع. عندي عمل. — أنا أيضًا عندي ما أفعله يوم الجمعة، قالت الأم، وكان في صوتها شيء لم تفهمه مريم. وأنهت المكالمة بسرعة.

في شقتها أضاءت المصباح الصغير وجلست على الأرض أمام خزانةٍ قديمة، وأخرجت منها صندوقًا صغيرًا كتبت عليه أمها: “أشياء منصور”. بطاقة عملٍ باهتة. خطاب إنهاء خدمةٍ يتهمه باختلاس مبلغ، بتوقيعٍ لم تتعرف عليه. وصورةٌ صغيرة بالأبيض والأسود لرجلٍ يقف أمام مخزن، وعلى وجهه ابتسامةٌ متردّدة.
نظرت إلى الصورة طويلًا. كانت العينان عسليتين. قالت لنفسها: كثيرٌ من الناس لهم عينان عسليتان. لكنّ قلبها لم يصدّق.
تذكّرت مساءً قبل عشر سنوات: بلال، متحمّسًا، يحمل دفترًا مليئًا بالملاحظات: مريم، أنا متأكد أن أبي كان بريئًا. هناك رجل اسمه فخري، كان في الشركة نفسها.
— كُفّ عن هذا الهراء. أبي مات يا بلال. دعه في قبره.
غادر بلال يومها بصمتٍ ثقيل. ولم تكن كراهيتها له لأنه مخطئ، بل لأنها خافت أن يكون محقًّا.
هذه، يا صديقي، أصدق جملةٍ في الفصل: لقد كرهَتْ أخاها لأنها خافت أن يكون محقًّا. قلّما نكره من يكذب علينا؛ إنما نكره من يقول لنا ما لا نريد أن نكون مستعدين لسماعه. فإن وجدتَ يومًا في قلبك كراهيةً غامضة لإنسانٍ لم يفعل لك شيئًا، فاسأل نفسك بهدوء: ما الذي قاله لي، ذات يوم، وأنا أعرف أنه صحيح؟
أخرجت هاتفها. كان رقمه في ذاكرتها منذ ثلاث سنواتٍ دون أن تسأل نفسها لماذا. ضغطت. رنّ مرة. مرتين.
— آلو؟ صوتٌ حذر، أقرب إلى الهمس.
فتحت فمها ولم تجد كلمةً واحدة.
— من المتصل؟
— بلال.
— مريم؟ لم أصدّق. ثلاث سنوات. لماذا الآن؟
— لأن رجلًا مسنًّا دخل العيادة اليوم وذكر اسم فخري. ثم قال لي أن أسأل آدم، محاسب في التجارة الحديثة.
شهق بلال شهقةً صغيرة: آدم الخطيب؟ أعرفه. هو في الدفاتر التي جمعتُها. كاتبٌ صغير كان هناك ذلك العام. كنتُ أبحث عن عنوانه منذ سنة.
— لماذا لم تُخبرني؟
— لأنك لم تكوني تسمعين.
خيّم صمتٌ ثقيل.
— كنتُ مخطئة، قالت أخيرًا.
— لا أريد أن أسمع هذا الآن. لأني إن سمعتُه اليوم سأبكي، وأريد أن أبقى قادرًا على التفكير. غدًا سأذهب إلى الإذاعة. هناك برنامجٌ صباحي تقدّمه امرأة اسمها رنا، تواجه الناس على الهواء. سأحكي لها كل شيء.
— هل هذا حكيم؟
— لا أعرف. لكنني تعبتُ من الحكمة.
أنهيا المكالمة ولم يقل أحدهما “مع السلامة”. وبقيت مريم جالسةً على الأرض وحولها أشياء أبيها.
ثم خلعت معطفها الأبيض لتعلّقه، فسقط شيءٌ على السجاد: قصاصة الاسم، ومنديلٌ ورقي، ومعهما ورقةٌ مطويّة مرتين لم تكتبها هي. التقطتها. كانت صورة. صورةٌ قديمة جدًا، حوافّها مهترئة: رضيعةٌ نائمة في لفافةٍ بيضاء. وعلى ظهرها بخطٍّ تعرفه كما تعرف يدها:
“مريم، أسبوعان”.
خطّ أمها.
جمدت. حدّقت في الخط، ثم في الصورة، ثم في صندوق أبيها المفتوح على الأرض. أمها لا تملك صورةً لها وهي رضيعة. قالت لها ذلك مراتٍ كثيرة: “ضاع كل شيءٍ حين رحلنا”. وهذه الصورة كانت في جيب متسوّلٍ عجوز عند رصيف الجامع الكبير.
أمسكت هاتفها وهي ترتجف.
— أمي؟ رجلٌ مسنّ دخل العيادة اليوم. كان معه صورةٌ لي وأنا رضيعة. وعلى ظهرها خطّك.
لم تجب الأم.
— أمي، أجيبيني.
— أين هو الآن؟

الفصل الثالث

“الحقيقة أولاً”
اليوم الثاني
في السادسة وعشرين دقيقة صباحًا أضاء الضوء الأحمر فوق باب الاستوديو. جلست رنا أمام الميكروفون وشدّت سمّاعتيها وأخذت نفسًا قصيرًا. صوتها معروفٌ في المدينة قبل أن يُعرف وجهها: حادٌّ كجرسٍ معدني، لا يجامل أحدًا.
— صباح الخير يا مدينة. أنا رنا، وهذه “الحقيقة أولاً”.
رفع ماهر المنتج إصبعه من غرفة التحكّم: على الهواء.
— اليوم خطّ الشكاوى مفتوح. تفضّل.
— صباح الخير يا أستاذة. أنا موظف في دائرةٍ حكومية، وراتبي تأخّر أربعة أشهر.
— وماذا فعلتَ؟
— انتظرتُ.
— هل قدّمتَ شكوى رسمية؟
— لا. خفتُ من ردّ فعل مديري.
— الخوف لا يُطعم أولادك، قالت رنا بحدّة. أعطني اسم الدائرة ورقم الشكوى. سأتابع.
— أنا لا أستطيع…
— إذن لا تلمني إن بقي راتبك أربعة أشهر أخرى. شكرًا لاتصالك.
أنهت الاتصال وشعرت بذلك الرضا الخفيف الذي يلازمها كلما قالت ما لا يجرؤ غيرها على قوله. ولم تسأل نفسها: هل يملك كل إنسانٍ رفاهية الجرأة التي تملكها هي، امرأةً مستقلة لا يهدّدها فقدان وظيفةٍ بجوع أحد؟
سأقف مع رنا قليلًا، لأنني أحبّها وأخافها في آنٍ واحد. إن الشجاعة التي لا تعرف ثمن الشجاعة عند غيرها، تتحوّل ببطء إلى استعراض. وما أسهل أن يقول المرء “قُل الحقيقة!” وهو يعلم أن لسانه محميٌّ بسقف بيته وراتبه وجمهوره. أما الذي ينتظر راتبه منذ أربعة أشهر فهو يعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ يكلّف فيه كلُّ “لا” وجبةً من وجبات أولاده.
في غرفة التحكّم قال ماهر لمتدرّبه عمر: لا تتعلّم منها هذه النبرة. إنها تنجح بها، أما أنت فسيقولون إنك وقح. ضحك عمر، وكان في الثالثة والعشرين، في سنته الأخيرة من كلية الإعلام، ويكتب على غلاف دفتره: “الصحفي الحقيقي لا يعرف إلا الحقيقة”.

في السابعة وعشر دقائق أضاء خطٌّ جديد.
— لدينا متصل. اسمه بلال.
— صباح الخير.
صوت رجلٍ متعب لكنه هادئ، يختار كلماته بحرص.
— أريد أن أحكي قصةً قديمة عن أبي. عمرها ثلاثون عامًا. اتُّهم أبي ظلمًا بسرقة في شركةٍ اسمها “التجارة الحديثة”. كان حارس مخزن. طُرد، ثم ضاعت حياته.
— كل متّهمٍ يقول إنه لم يسرق.
— أنا لا أقول ذلك لأنه أبي. أقوله لأن هناك من رأى. لا أستطيع أن أذكر أسماء على الهواء.
— ممتاز، قالت رنا. على الأقل أنت تعرف القواعد. ولماذا الآن؟
— لأنني كنتُ وحدي كل هذه السنين. حتى أختي رفضت أن تسمعني. اتصلت بي أمس فجأة.
أحسّت رنا بحماسةٍ مهنية فورية، تشبه إحساس رجلٍ يرى ضوءًا في نهاية نفق.
— وماذا تريد مني؟
— أريد أن يُسمع صوت أبي.
سكتت رنا لحظة. هذه الجملة لم تكن في حساباتها.
— سيدي، إن ذكرتَ اسمًا الآن قد يتّهمك أحدٌ بالتشهير. أنا أخاف نيابةً عنك. تعلّمتُ ذلك بالطريقة الصعبة. سأخصّص لك حلقةً كاملة الأسبوع القادم. أحضر كل ما لديك، ولا تذكر اسمًا قبل أن أتحقق منه.
نظر إليها ماهر من وراء الزجاج ورفع حاجبًا. هذا الحذر غريبٌ على رنا. وهو يعرف أن وراءه قصةً قديمة لم تُروَ.
في استراحة القهوة لحق ماهر بها إلى الشرفة: لم تسأليه عن شيء. لم تجادلي. أنتِ عادةً تُسقطين المتصل في الدقيقة الثالثة. أنتِ تفكرين في سعيد.
— لا.
— رنا، قبل ثماني سنوات…
— لا.
— كنتُ في غرفة التحكّم، وأنتِ تعرفين أنني لم أقل لك شيئًا يومها.
— وهذا ما لا أنساه لك. لأنك أنت أيضًا صمتّ.
نظر إليها طويلًا: ربما.
— أنا لن أكرّر ذلك.
— لا أعرف إن كنتِ ستستطيعين.
— ولا أنا، قالت، وشربت قهوتها دفعةً واحدة، كأنها تتعمّد أن تحرق لسانها.

في التاسعة انتهت الحلقة. خرج عمر إلى الممر وهاتفه يهتزّ في جيبه.
— سمعتُ برنامجكم هذا الصباح، قال صوتٌ نسائي شاب. سمعتُ اسم شركة أبي.
اتّسعت عينا عمر. كان يعرف أن لمى ابنة الحاج توفيق، ويعرف منذ سنة أنها الشخص الوحيد الذي يجعله يشعر أنه ليس ابن أبيه.
— لم يُذكر أحدٌ بالاسم.
— ذُكرت الشركة. أبي كان في الليل متعبًا وطلب مني ألّا أزعجه. وحين دخلتُ غرفته وجدتُه يكتب بقلمٍ أزرق، وحين رآني أخفى الورقة. كان يبدو كمن يكتب وصيّة.
— لا تقلقي. هذه قصة قديمة، لا علاقة لك بها.
— أنت متأكد؟
— لا، قال بصدق. فضحكت ضحكةً ضعيفة: ظننتُ أنك ستقول نعم.
— أنا لا أكذب عليك.
— إن أعطتك رنا القصة، أخبرني قبل أن تفعل شيئًا.
— لمى، أنا أحبك.
— وأنا أخاف، قالت، وأغلقت.
عند العاشرة ناداه ماهر إلى مكتب رنا. كانت جالسةً خلف مكتبها وأمامها دفترٌ مفتوح.
— عمر، أريدك أن تُعدّ لي ملفًّا عن شركة التجارة الحديثة: تاريخها وملاكها وموظفيها القدامى، وأيّ خبرٍ عن طرد حارسِ مخزنٍ اسمه منصور قبل ثلاثين عامًا. ولا تحدّث أحدًا خارج هذه الغرفة. وهل لديك ما تقوله لي؟ شيء عن الشركة؟
وقف عمر لحظة. كانت فرصته أن يقول لها إن حبيبته ابنة المالك، وكان صوتٌ داخلي يهمس: أخبرها الآن، وإلا ستصير هذه الكذبة أكبر.
— لا شيء، قال.
خرج ويده على مقبض الباب باردة. لم يكن ذلك كذبًا صريحًا، لكنه كان يعرف أنه أول سرٍّ سينتهي بتحطيم أحدهم.
هنا أودّ أن أهمس لك بقانونٍ صغير اكتشفته من مراقبة الناس: الكذبة الكبرى لا تبدأ كذبةً كبرى. إنها تبدأ بـ”لا شيء” تُقال في لحظة ارتباك، ثم تحتاج إلى “لا شيء” ثانية كي تحميها، ثم ثالثة. والمدهش أن أحدًا لا يكتشف متى أصبح هذا السلّم عاليًا؛ كلُّ درجة تبدو صغيرةً حين نخطوها، وكلُّها تبدو شاهقةً حين ننظر إلى الوراء.

جلس عمر في غرفة الأرشيف الصغيرة وفتح الحاسوب. “التجارة الحديثة. تأسست قبل أربعين عامًا. المالك المؤسس: الحاج عبد الرحيم. الابنان: فخري وتوفيق”. توفي فخري بعد سنواتٍ قليلة فورث توفيق الشركة. وفي أرشيف صحيفةٍ محلية وجد خبرًا صغيرًا منسيًّا: “طرد حارس مخزن بتهمة الاختلاس. اسمه منصور”. ثلاثة أسطر في صفحةٍ داخلية، لا صورة ولا تعليق. وفي أسفل السجلّ، في قائمة أعضاء مجلس الإدارة الحاليين: “الحاج توفيق. وابنته لمى، عضو شرفي”.
حدّق في الشاشة، ثم أغلق الصفحة بسرعة كأن أحدًا يقف خلفه. وحين سأله ماهر: وجدتَ شيئًا؟ قال: خبرٌ صغير عن الحارس. فقط. نسخه وأرسله لرنا، ولم ينسخ سطر المجلس. وفي الممر كتب رسالةً للمى: “لا تقلقي. لم أذكر شيئًا”. ثم حذفها قبل أن يرسلها.

عند الظهر جاءها زائر: شابٌّ في أواخر العشرينات عليه ثيابٌ مرتبة ووجهٌ متوتر.
— هل تتذكّرين اسم سعيد؟
شعرت بارتباكٍ بارد.
— مقاول. كان يعمل في مشاريع إسكانٍ حكومية. قبل ثماني سنوات اتّهمتِه على الهواء باستعمال مواد رديئة. أنا ابنه، واسمي معتزّ.
— لم أتّهمه أنا. كان متصلٌ يقول…
— وأنتِ نقلتِ الاسم كاملًا.
— نعم. نقلتُ.
— أبي مات قبل عامين وهو مديونٌ ومحطّم. وكل ما قاله لنا في آخر أيامه: “لم أفعل شيئًا”. وقلتِ في نهاية حلقةٍ جملةً واحدة: “يبدو أن المعلومات كانت غير دقيقة”.
— هذا ما حدث.
— أراهن أنك ستقولين إنك نقلتِ المعلومة فقط. هذا ما يقوله الجميع.
فتحت فمها بالجملة نفسها التي سمعتها من عشرات ضيوفها المتّهمين على مدى السنين. وأغلقته.
— لا أريد اعتذارًا متأخرًا، قال معتزّ. أريدك أن تفعلي هذه المرة ما لم تفعليه مع أبي: تحقّقي قبل أن تفتحي فمك على الهواء.
— سأفعل.
— أصدّقك، لا لأني أثق بك، بل لأن أمامك فرصةً أخيرة. ثم أضاف وهو يستدير: الصراحة بلا تحقّق ليست شجاعة. إنها إهمال.
احفظ هذه الجملة: “الصراحة بلا تحقق ليست شجاعة، إنها إهمال”. لقد قالها شابٌّ في الثامنة والعشرين ولم يقرأ فلسفةً في حياته، لكنه دفع ثمنها من لحم أبيه. وأنا أضعها هنا، في وسط الرواية، كمسمارٍ في الجدار؛ فمهما علّقتَ عليه في الأسابيع القادمة من أحكامٍ سريعة، عُد وانظر إليه.
جلست رنا بلا حراك، ثم فتحت دفترًا جديدًا. كتبت بخطٍّ متعب: “قضية التجارة الحديثة. الأطراف: بلال (الشاكي)، شهودٌ قدامى لم تُحدَّد أسماؤهم”. وتحتها، بيدٍ لا تزال ترتجف: “قاعدة: لا اسم قبل التحقق ثلاث مرات”.

في التاسعة مساءً كان للبرنامج فقرةٌ قصيرة اسمها “الخط المفتوح”، نصف ساعة يتصل فيها المستمعون بلا موضوع. جلست رنا خلف الميكروفون، متعبةً، وشعرت أن يومًا كاملًا لم يكفِ. اتصلت امرأةٌ قالت إنها تسمع البرنامج منذ عشر سنين وكانت تراها أقسى مما يجب، لكنها أحسّت اليوم أنها تغيّرت. وابتسمت رنا رغمًا عنها.
— لدينا اتصال آخر. تفضّل.
— مساء الخير.
صوتٌ مختلف: رجلٌ منخفض الصوت، لا يشبه أحدًا من متصلي الصباح، وفيه هدوءٌ غير طبيعي.
— أردتُ أن أخبرك بشيءٍ عن قضية الصباح. الظرف الأصفر الذي وجده آدم أمس.
تجمّدت رنا. في غرفة التحكّم رفع ماهر رأسه فجأة.
— أيّ ظرف؟
— ليس الوحيد. هناك غيره. وكل ظرفٍ عند شخصٍ مختلف.
— من أنت؟
— مجرّد من يعرف أن الوقت ينفد. واحدٌ وعشرون يومًا، يا أستاذة. ثم يسقط كل شيء. اسألي عن آدم. واسألي عن الباب الحديدي.
— من آدم؟
— يعرف هو. صدّقيني، لا تريدين أن تعرفي.
انقطع الخط. بقيت رنا ممسكةً بالميكروفون والضوء الأحمر لا يزال مضاءً. خمس ثوانٍ كاملة من الصمت على الهواء، وهذا لم يحدث في برنامجها منذ سنين. قالت أخيرًا بصوتٍ أقلّ حدّة: عذرًا، سنعود بعد قليل. وأوقفت البثّ.
ركضت إلى غرفة التحكّم: من أيّ رقمٍ اتصل؟ — مخفي. — هل سجّلت المكالمة؟ — طبعًا. وبينما كانا يستمعان إلى الشريط قال ماهر بصوتٍ منخفض: رنا، هل ذكرتِ كلمة “ظرف” على الهواء اليوم؟
— لا.
— ولا بلال؟ ولا أيّ متصل؟
— لا أحد.
نظر إليها: إذن كيف عرف؟
لم تجب. كانت تحدّق في الدفتر أمامها، حيث كتبت في الصباح كلمتين فقط عن القضية. لم تكتب فيهما شيئًا عن ظرف. ولم يكن أحدٌ قد نطق بتلك الكلمة على الهواء.

الفصل الرابع

“التاسعة”
اليوم الثالث
مكتب هدى في الطابق الثاني من بنايةٍ قديمة قرب المحكمة: درجٌ ضيق، وبابٌ خشبي ثقيل، ولافتةٌ نحاسية لم تبدّلها بعد: “سعد الدين وشركاه، محامون”. مات الأستاذ سعد الدين قبل شهرين، وترك لها المكتب وما فيه، وكل ما لم يقله في حياته. وكانت تقول لنفسها كل صباح وهي تصعد الدرج: سأغيّر اللافتة الأسبوع القادم. ولا تغيّرها.
جلست خلف مكتبه الكبير وهي لا تزال تشعر أنها ضيفة. وعلى الجدار صورته: رجلٌ نحيل، عينان حادتان، نظارةٌ بإطارٍ رقيق. وتذكّرت مساءً قبل عشر سنوات، حين كانت في الرابعة والعشرين، متدرّبةً خسرت قضيةً صغيرة بسبب تفصيل.
— أستاذ، لماذا نقبل قضايا فيها ظلمٌ واضح بلا أتعاب؟
— لأن هذا ما يميّزنا. يميّزنا أننا لا نكذب. المحامي لا يكذب أبدًا يا هدى.
— لكنه لا يقول كل شيء؟
ابتسم: أحسنتِ. هذه هي المهنة كلها: أن تعرف ما تقوله وما تسكت عنه.
— ومن يقرّر؟
— الضمير.
— وإن كان الضمير مخطئًا؟
— عندها يُسمّى خبرة.
ضحكت يومها. وتذكّرت ضحكتها الآن فلم تعد تشبه ضحكة أحد.
سأتوقف هنا لأقول شيئًا عن هذا الأستاذ الميّت الذي سيبقى حاضرًا في الرواية أكثر من كثيرٍ من الأحياء. إن أخطر المعلّمين ليسوا الذين يعلّمونك الخطأ، بل الذين يعلّمونك نصف الصواب بابتسامةٍ آسرة. وأخطر العبارات في لغة البشر هي تلك التي يمكن أن تُقرأ بطريقتين: “تعرف ما تقوله وما تسكت عنه”. إنها تصلح شعارًا للحكمة، وتصلح شعارًا للجبن؛ والفرق بينهما ليس في الجملة، بل في من يقولها ولماذا.

على مكتبها جهاز تسجيلٍ صغير. كانت قد سجّلت البرنامج أمس، لا لسببٍ واضح. ضغطت الزر: صوت رنا الحاد، ثم صوت بلال المتعب، وفي النهاية ذلك الصوت الهادئ الغريب: “واحد وعشرون يومًا، يا أستاذة. ثم يسقط كل شيء”. أوقفت التسجيل. قالت لنفسها: رجلٌ يعرف القانون. ثم: أو رجلٌ أخبره أحد. وكتبت على ورقةٍ جانبية: “من يعرف التقادم ويعرف الظرف ولا يظهر؟”. وتحتها: “من المستفيد؟”. شطبت السؤال الثاني، لأنها تعرف أن جوابه أقدم من أن يُكتب.
في الثامنة والنصف رنّ الجرس. دخل رجلٌ في الرابعة والثلاثين، نحيل، عيناه ساهرتان، وفي ذراعه حقيبةٌ جلدية منتفخة. كان بلال. وضع الحقيبة على المكتب وفتحها: دفاتر، مئات الورقات، قصاصات صحفٍ صفراء، رسائل مصوّرة، جداول بخطٍّ صغير.
— هذا كله؟
— ثلاثون سنة. أنا أجمع منذ كنتُ في الرابعة عشرة. لأن أمي لم تكن تريد أن تتكلم، وأنا لم أكن أريد أن أنسى.
قلّبت هدى الورق ببطء ثم قالت: قبل ثلاثين عامًا، في مثل هذا اليوم تقريبًا، أُنهيت خدمة أبيك. هذا هو التاريخ الذي تبدأ منه مدة التقادم. بعد ثلاثين سنة من الواقعة تسقط الدعوى الجنائية وتسقط معها المطالبة بالتعويض. حتى لو ثبتت الجريمة، لا يُحاسَب أحد.
— وكم بقي؟
نظرت إلى التقويم: اليوم الثالث. بقي تسعة عشر يومًا.
— وماذا يبقى بعد ذلك؟
— الاسم. وهذا ما لا يسقط.
ها قد وصلنا إلى العقدة التي سأجعلك تتأمّلها حتى آخر صفحة. القانون، هذا الاختراع النبيل، يقرّر أن الجريمة تموت بعد زمنٍ محدّد؛ وحجّته في ذلك معقولة: فالمجتمع لا يستطيع أن يحاكم الماضي إلى الأبد، والشهود يموتون، والأدلة تتعفّن. لكنّ هذا النبل نفسه يحمل في أحشائه فخًّا: أن يعيش المجرم ثلاثين عامًا مطمئنًّا، فيتحوّل الاطمئنان إلى حقٍّ مكتسب. وأن يُدفن الضحية ثلاثين عامًا، فيتحوّل الدفن إلى قدر. فيا ترى، من الذي يحدّد متى ينتهي الظلم؟ ومن قال إن الألم يتقادم مثل الدَّين؟
— لماذا اتصلتِ بي؟ سأل بلال.
— لأنني سمعتُ اسم أبيك على الإذاعة، ثم اسم الشركة. وهناك صندوق في القبو. ورثتُه مع المكتب ولم أفتحه، لأن مكتوبًا عليه: “لا يُفتح إلا إذا سأل أحدٌ عن منصور”.
تجمّد بلال.
— لا يمكن.
— جئتُ هذا الصباح وأنا أقول لنفسي: ربما أخطأتُ في القراءة. ولم أخطئ. من كتب ذلك أستاذي سعد الدين.
— وهل كان يعرف؟
— لا أعرف بعد.
— هل تثقين بي؟
— لا، قالت. وأنت لم تثق بي أيضًا. جئتَ بحقيبة كاملة ولم تقل لي كيف جمعتَ هذه الأسماء.
— بحثتُ. وكان عندي مصدر. لا أعرف اسمه الحقيقي. نتواصل بالبريد. يرسل لي ما يجد منذ سنتين. قال إنه يكره الظلم.
— وصدّقتَه؟
— لم يكن عندي من أصدّقه غيره.
نظرت إليه هدى بشيءٍ يشبه الإشفاق: كل من يساعدك بلا مقابل يريد منك شيئًا يا بلال. وأول ما يفعله المرء حين يقترب من القصة أن يسأل: من المستفيد؟
— أنا. أنا من يريد أن يعرف.
— إجابةٌ جميلة، وليست إجابة.

كان قبو المكتب ضيقًا، بلا نوافذ، تفوح منه رائحة ورقٍ وحبرٍ وأنفاسٍ قديمة. قادته هدى إلى الزاوية الأبعد؛ وهناك، تحت رفٍّ صدئ، صندوقٌ صغير بلون الرماد مربوطٌ بخيط. وعلى غطائه بخطٍّ مائل: “أمانةٌ خاصة. فخري. لا يُفتح إلا إذا سأل أحدٌ عن منصور”.
وقف بلال أمامه ولم يتحرك. قالت هدى: يدك ترتجف. — لا أعرف كيف أفتحه. — بالسكين. — أعني، كيف أعرف ما بداخله. — لا أحد يعرف. هذا هو معنى الصندوق.
قطعت الخيط ورفعت الغطاء، فخرجت رائحة ورقٍ مطويٍّ منذ عقود. في الأعلى ورقةٌ واحدة مطوية مرتين. فتحتها بحذرٍ وقرأت بصوتٍ منخفض:
“إلى من يفتح هذا الصندوق. إن كنتَ تقرأ هذه الأسطر فهذا يعني أن أحدًا سأل عن منصور، وأن الوقت قد حان. أترك لكم أسماء ثمانية أشخاص، كلٌّ منهم يعرف جزءًا صغيرًا. لا أحد منهم يعرف الصورة كلها. ولا تكتمل الصورة إلا إن جلسوا معًا”.
وتحتها، بحبرٍ أزرق: “سليم. آمنة. إياد. نبيل. عادل. بشير. منير. رامز”.
— ثمانية، قال بلال. لا أعرف أيًّا منهم.
— وليس بينهم آدم، مع أن المتصل المجهول قال: “اسألي عن آدم”. هناك من يعرف أكثر من الثمانية. وفخري يقول إنهم لا يعرفون الصورة كلها… ولا هو.
— ماذا تعنين؟
— لو كان يعرف لكتبها.
قلبت الورقة نحو الضوء. تحت السطر الثامن، بحبرٍ باهت، سطرٌ تاسع فارغ، وبعده عبارةٌ قصيرة: “والتاسع هو من يفتح هذا الصندوق”.
قرأتها مرتين. ثم سقط من قاع الصندوق مغلّفٌ صغير، ملصوقٌ بشريط، عليه بخطٍّ تعرفه أكثر من أيّ خطٍّ في العالم: “إيصال استلام”. وارتجفت يدها. هذا خطّ الأستاذ سعد الدين، مائلٌ كالسيف، لا يخطئ.
“استلمتُ هذا الصندوق من المرحوم فخري، وسجّلتُ طلبه ألّا يُفتح إلا إذا سأل أحدٌ عن منصور. وقد نصحتُ المودِع بالسكوت. ولا أحسب أن النصيحة كانت خطأ”.
وتحتها توقيع الأستاذ، وتاريخ: قبل ثلاثين عامًا.
قرأت الجملة مرةً ثم مرةً ثم ثالثة: “نصحتُ المودِع بالسكوت”.
— هدى؟ ما هذا؟
— إيصال. يقول إن أستاذي، الرجل الذي علّمني أن المحامي لا يكذب أبدًا، كان يعرف كل شيء. وصمت.
ثم قالت وهي لا تزال ممسكةً بالورقة: إذن أنا التاسعة. من يفتح الصندوق يصير شاهدًا. وأنا فتحتُه.
نظر إليها بلال، وفي عينيه ما يشبه الاعتذار، كأنه هو الذي أوقعها في هذا. — أنا آسف. — لا تعتذر. أنت لم تفعل شيئًا. أنت سألتَ فقط.
أعادت الورقة إلى الصندوق وأغلقته. سألها: ماذا ستفعلين؟ فقالت: سأخرج من هنا، ثم أتصل بكل واحدٍ من هؤلاء الثمانية. — وإن رفضوا؟ — هذا هو سؤال اليوم الرابع.
وصعدت الدرج أمامه وكتفاها مشدودتان، كامرأةٍ اكتشفت للتوّ أن الأرض تحت قدميها لم تكن ملكها.
أيها القارئ، لقد صار عندنا الآن تسعة أشخاص، وسيصير عندنا ثلاثون. وأرجو ألّا تتعجل فتبحث بينهم عن الشرير؛ فمنذ هذه الصفحة سأتركك وحدك مع لغزٍ أصعب: كيف يمكن أن تكون مجموعةٌ كاملة من الناس الطيبين مسؤولةً عن جريمةٍ لم يرتكبها أحدٌ منهم وحده؟

الفصل الخامس

“المكان المناسب”

الأيام 2 إلى 4

في العاشرة وربع من تلك الليلة كانت رؤى واقفةً عند زاوية الشارع المقابل للإذاعة: بنتٌ في السابعة عشرة، حقيبتها على كتفٍ واحد، وهاتفٌ مضاء في يدها. قالت لأهلها إنها عند صديقتها نور، ولم تكن عند نور. لم تكن تعرف تمامًا لماذا جاءت؛ فقط كان في صدرها فضولٌ من ذلك النوع الذي يدفع المرء إلى الاقتراب من ضوءٍ في آخر الشارع.
فُتح الباب الجانبي للإذاعة وخرج رجل. عرفته فورًا: عمّ آدم، جار جدّها، الذي يعلّم صبيان الحيّ كيف لا يكذبون. كان يمشي بخطواتٍ غير ثابتة، شعره مبعثر ووجهه مبلّل. يبكي. رجلٌ في الثامنة والخمسين يبكي في الشارع ولا يمسح دموعه.
وخرجت وراءه موظفة الاستقبال تركض وفي يدها ورقة: أستاذ! سقطت منك هذه! توقّف ونظر إلى الورقة كأنها ثعبان. قال بصوتٍ مرتعش: ليست لي. — لكنها سقطت من حقيبتك… — ليست لي. وابتعد.
رفعت رؤى هاتفها وضغطت زرّ التصوير، بعد فوات الأوان. لم تلتقط إلا ظهره وهو يغيب في آخر الشارع.
وفي مبنى الإذاعة وقفت هند، موظفة الاستقبال، عند مكتبها والورقة المطوية بين أصابعها. سألتها زميلتها: ما هذه؟ فقالت: ورقةٌ سقطت من رجل. كان يبكي. قال إنها ليست له. — إذن ارميها. — لا أستطيع. — لماذا؟ — لأنها لو كانت ليست له، لما ركض هكذا. وفتحت الدرج السفلي، ووضعت الورقة تحت دفتر الزوار، وأغلقته: سأحتفظ بها يومًا أو يومين. وإن سأل عنها أحد؟ — عندها سأعرف أنها له.
والآن، يا صديقي، دعني أريك كيف تُصنع الفضيحة. لا تُصنع في الظلام، ولا في غرف المتآمرين؛ بل في الفناء المدرسي، بين الدرس والدرس، بأيدٍ بريئة تمامًا. وسأروي لك المراحل واحدةً بعد أخرى، لتتعلّم كيف تتعرّف على الفخّ حين تكون أنت إحدى حلقاته.
في الصباح التالي همست رؤى لصديقتها نور في فناء المدرسة: رأيتُ شيئًا غريبًا البارحة. عمّ آدم خرج من الإذاعة يبكي. وسقطت منه ورقة، وهو قال إنها ليست له. قالت نور: ربما شيءٌ شخصي. لا تحكي لأحد. — لن أفعل.
المرحلة الأولى: الواقعة. رأت رؤى رجلًا يبكي. لا أكثر.
بعد ساعة كانت نور تقف مع شادي، ابن عمّ رؤى، في ركن الكافتيريا: لن تصدّق. رؤى رأت آدم الخطيب خارجًا من الإذاعة يبكي. — وهل كان يهرب؟ — لا أعرف. قالت إنه كان يمشي بسرعة. — كان يهرب إذن. — لم تقل ذلك. — أنتِ قلتِ إنه كان يمشي بسرعة وهو يبكي. هذا يعني أنه يهرب. وماذا كان يفعل في الإذاعة؟ من يخرج باكيًا من الإذاعة يكون قد اعترف بشيء. — اعترف بماذا؟ — بما فعله. — ومن قال إنه فعل شيئًا؟ — لا أحد يبكي هكذا من دون سبب.
حدّقت نور فيه: أنت تُضيف. — أنا أحلّل، قال شادي بفخر.
المرحلة الثانية: التفسير. إن الإنسان لا يحتمل فراغ المعنى، فيملؤه بأقرب تفسيرٍ مظلم. والتفسير المظلم يلمع أكثر من الحقيقة الرمادية.
وفي مقهى صغير قرب البوابة كان فادي، ابن التاسعة عشرة، يصبّ الشاي لزبون. سمع شادي ونور على الطاولة المجاورة: وبعد أن اعترف خرج يبكي. — من قال إنه اعترف؟ سأل فادي. — هذا ما يقوله الجميع. — من “الجميع”؟ — الجميع. — أنا أعرفه. لا يُشبه ذلك الرجل. — الناس لا يشبهون ما نظن. — لكنك لم تسأل عمّا حدث. أنت فقط قرّرتَ. — لكلٍّ منا نسخته، قال شادي وهو يشيح بوجهه. فوضع فادي الإبريق على الطاولة بقوةٍ أكبر مما أراد: نسخةٌ تقتل أحيانًا. — لا أحد سيقتل أحدًا. — انتظر وسترى.
وفي غرفةٍ تضمّ سارة وصديقتها سمر، كانت سارة تقلّب هاتفها. في الثانية والعشرين، ولها أربعون ألف متابع على حسابٍ اسمه “عين الحيّ”، وتفتخر بأنها لا تنشر إلا ما رأته أو سمعته. قالت: شادي قال لي إن آدم الخطيب، المحاسب الذي يعرفه الجميع، خرج باكيًا من الإذاعة بعد أن اعترف.
— اعترف بماذا؟
— لا يعرف.
— إذن لا تنشري.
— لن أقول إنه اعترف. سأقول: “ما قصة الرجل الذي يبكي؟”.
— سارة، هذه ليست أسئلة. هذه اتهاماتٌ متنكّرة. الناس لا يقرأون الأسئلة، يقرأون الاسم.
— أنا لن أذكر الاسم.
— إذن كيف سيعرف الناس؟
— سيعرفون.
نظرت سمر إليها. كانت مصوّرة، تحمل كاميرا صغيرة أينما ذهبت وتلتقط صور الشارع في الليل لمشروع تخرّجها. قالت: أنا كنتُ في ذلك الشارع ليلة أمس. التقطتُ صورًا ولم أنتبه ماذا فيها. لم أحمّلها بعد. — حمّليها وأرسليها لي غدًا. — سارة، إن كان بريئًا؟ — البريء لا يخسر شيئًا من سؤال. — أحيانًا يخسر كل شيء. — أنتِ تبالغين.
وكتبت سارة وهي تبتسم: “الاستقامة المزعومة. ما قصة رجلٍ يعرفه الجميع بأنه لا يكذب، ثم يُرى خارجًا من مكانٍ غريب في الليل، باكيًا، هاربًا؟ لا نتّهم أحدًا. نسأل فقط”. ونشرت. وفي الدقائق العشر التالية وصلها تسعةٌ وأربعون تعليقًا، وفي الدقيقة العشرين تجاوزت المئة. كانت أولى التعليقات بلا أسماء، ثم صارت بأسماء.
المرحلة الثالثة: “نحن فقط نسأل”. وما أقدس هذه العبارة عند من يريد أن يرمي حجرًا ويحتفظ بيده نظيفة! إن السؤال المتهِم أخبثُ من الاتهام الصريح؛ فالاتهام يمكن أن يُنفى، أما السؤال فلا يُنفى، لأنه لم يُقَل. وقد اكتشف مجتمعنا الرقمي أن أسرع طريقةٍ لقتل إنسانٍ هي ألّا تقتله بنفسك، بل أن تضع علامة استفهام فوق رأسه وتغادر الغرفة.
وفي الفصل كان يوسف جالسًا في مقعده الأخير حين مال إليه رامي: سمعتُ شيئًا عن أبيك. يقولون إنه كان في الإذاعة. وإنه… خرج يبكي. — أبي لا يبكي. — هذا ما قلتُه. — من قال لك؟ — الجميع. نظر يوسف إلى المقاعد حوله، وكانت بعض الرؤوس تلتفت إليه ثم تلتفت بعيدًا بسرعة. شعر بشيءٍ ثقيل يهبط على صدره. — سأسأل أبي. — لا تفعل. إن كان صحيحًا لن يقول لك. — أبي لا يكذب. — حسنًا. ولم يكن في صوت رامي ما يقنع أحدًا، وهو الذي كسر نافذة المدرسة ولم يعترف بعد.

وفي الصباح الثالث توقّف آدم عند منعطف الجامع الكبير. الرصيف فارغ. وللمرة الأولى منذ تسع سنوات لا أحد جالسًا إلى الجدار. نظر إلى البقعة الباهتة على الأرض حيث كان العجوز يجلس، ثم إلى المارّة. بعضهم نظر إليه ثم أشاح، وامرأةٌ همست لأخرى حين مرّ. ظنّ أنه يتخيّل. ثم رأى رجلًا يُخرج هاتفه ويصوّره من بعيد وهو يتظاهر بأنه يتصل. ضغط آدم على حقيبته بيده، وفيها الظرف الأصفر. حمله إلى كل مكانٍ منذ يومين ولا يعرف أين يضعه. قال لنفسه: سأعرف قريبًا من أين ينظرون. ثم بصوتٍ أخفض: وسيعرفون هم أيضًا.
وفي بيت آدم كانت سميرة تغسل الأطباق حين رنّ جرس الباب. فتحت: أم ماجد، زوجة جارهم، تبتسم ابتسامةً غريبة: مررتُ لأطمئنّ على أحوالكم. سمعتُ أن آدم متعب. — متعب؟ — لا أعرف. الناس يتكلمون. — عن ماذا؟ — عن لا شيء. عن لا شيء، والله.
وتراجعت خطوتين ثم عادت إلى بيتها. أغلقت سميرة الباب ووقفت لحظةً ويدها على المقبض. رأت نفسها في المرآة: وجه امرأةٍ في الخمسين، تعرف أن الجيران حين يقولون “لا شيء” بهذه الطريقة فهذا يعني أن هناك شيئًا. وعادت إلى المطبخ وفتحت الماء وتركته يسيل طويلًا على صحنٍ لم يعد فيه شيء.
وفي تلك الليلة جلست رؤى على سريرها تتأمل هاتفها. شعرت بذنبٍ خفيف لا تعرف مصدره؛ كانت قد قالت لنور شيئًا، وهو الآن شيءٌ آخر. ثم رأت في صندوق الرسائل رسالةً من رقمٍ لا تعرفه، وصلت الساعة التاسعة والربع من ليلة أمس ولم تنتبه لها لأن الهاتف كان على الصامت:
“الساعة العاشرة والربع، عند باب الإذاعة الجانبي. ستفهمين لماذا”.
قرأتها مرتين وارتجف قلبها. لم يكن أحدٌ يعرف أنها ستذهب. هي نفسها لم تكن تعرف حتى التاسعة والنصف. وبينما تحدّق في الشاشة اهتزّ الهاتف في يدها: رسالةٌ جديدة من الرقم نفسه.
“شكرًا لأنك كنتِ في المكان المناسب”.

الفصل السادس

“سجلّ الدخول”
اليوم الرابع
في الحادية عشرة ليلًا كانت سميرة جالسةً على حافة السرير وظهرها إلى الباب. دخل آدم الغرفة بصمت.
— لماذا لم تنامي؟
— أنتظرك.
— هل حدث شيء؟
— قل لي أنت. أين كنتَ ليلة الثلاثاء؟
— في المكتب.
— حتى العاشرة والنصف؟ أمّ ماجد جاءت اليوم. لم تقل شيئًا. وهذا هو الشيء الذي قالته. وهناك منشورٌ على الإنترنت عن رجلٍ يعرفه الجميع بأنه لا يكذب، رأوه خارجًا من الإذاعة باكيًا.
أغمض آدم عينيه. جلس على الكرسي المقابل.
— كنتُ في الإذاعة. أردتُ أن أقول شيئًا لامرأةٍ اسمها رنا. لا أعرف كيف أبدأ.
— ابدأ من أول الكلمة.
— حين كنتُ في الثامنة والعشرين…
رفعت يدها: لا. لا تحكِ لي قصة. قل لي الجملة التي تخاف منها.
نظر إليها طويلًا. ثم قال: رأيتُ رجلًا يزوّر دفاتر. وأعطاني مالًا. وقبلتُه. وسكتّ.
بقيت سميرة بلا حركة، ومرّت ثوانٍ طويلة.
— متى؟
— قبل ثلاثين عامًا.
— قبل أن نتزوج بخمسة أعوام. المال الذي جعلنا نتزوج؟
— جزءٌ منه.
أطرقت. وفي وجهها لم يكن غضبٌ ولا دهشة؛ كان شيئًا أشبه بتعبٍ قديم وجد أخيرًا مكانًا يجلس فيه.
— كنتُ أعرف، قالت. كنتُ أعرف أن المكافأة أكبر مما ينبغي.
— ولم تقولي شيئًا.
— ولا أنت. لأنني أحببتك. ولأنني خفتُ أن أسأل فتجيب.
— كان يجب أن تسألي.
— وكان يجب أن تقول.
جلس كلٌّ منهما في مكانه. وبينهما، لأول مرةٍ منذ خمسةٍ وعشرين عامًا، شيءٌ لا يُرى.
أرجو ألّا تحكم على سميرة بسرعة. لقد قالت أعمق ما يمكن أن تقوله زوجةٌ في بيتٍ هادئ: “خفتُ أن أسأل فتجيب”. إن في كل بيتٍ سؤالًا واحدًا على الأقل لم يُطرح منذ عشرين سنة، لأن أحدًا لا يريد أن يسمع الجواب. والأزواج الذين يُسمّون “متفاهمين” هم، في كثيرٍ من الأحيان، الذين اتفقوا على ألّا يفتحوا ذلك الدرج. فهل في بيتك درجٌ كهذا؟ لا تجبني؛ أجب نفسك، في الليلة التي تنام فيها وحدك.
— لا أعرف ماذا أفعل، قال آدم.
— أنت تعرف. لكنك تريدني أن أقولها لك: أن تقول الحقيقة لمن يهمّه الأمر. الرجل الذي دفع ثمن صمتك.
— لا أعرف حتى من هو.
— إذن اعرفه.
خلعت ثوب الصلاة عن كتفيها وطوته بهدوء ووضعته على الكرسي: أنا لن أحكم عليك الليلة. لكنني لن أقول لك إن كل شيءٍ بخير. وأطفأت المصباح.

في الصباح كان يوسف جالسًا أمام صحنه لا يأكل. نظر إلى أبيه: هل صحيحٌ أنك بكيتَ أمام الإذاعة؟
ساد صمتٌ قصير. قال آدم: نعم.
— لماذا؟
— لأنني تذكّرتُ شيئًا.
— شيئًا سيئًا؟ هل ارتكبتَ خطأ؟
— نعم.
— ولماذا لم تقل لي؟
— لأنني لم أكن مستعدًّا.
أنزل يوسف عينيه: قلتَ لي ألّا أكذب. — ولم أكذب. — لكنك لم تقل. — وهذا ما أحاسب نفسي عليه.
رفع الصبي رأسه. وفي عينيه شيءٌ جديد: ليس خيبةً، بل جدّية رجلٍ صغير يزن أباه لأول مرة. — هل ستقول الآن؟ — سأقول. — لمن؟ — لمن يجب. — ومتى؟ — قريبًا. — كم هو قريب؟ — لا أعرف، قال آدم بصوتٍ لم يعرفه هو نفسه. لكنه أقرب مما ظننت.

وصل إلى الشركة في الثامنة. في الردهة كانت الأنظار تلاحقه. لم يقل أحدٌ شيئًا، لكنّ موظفة الاستقبال أخفضت صوتها حين رأته، ومرّ رجلان من قسم المبيعات وهما يتهامسان. عند باب مكتبه كان سامر ينتظر: أستاذ آدم، أريد أن أريك شيئًا. لكن في الداخل.
دخلا وأغلق سامر الباب. — لم أنم. بسبب ما قلتُه لك أمس عن النور في مكتب الحاج. لم أحكِ لأحد، لكنني بحثتُ في سجلّ دخول النظام. أنا مسؤول عن النسخ الاحتياطي ولديّ صلاحية القراءة.
قلب شاشة حاسوبه نحو آدم: ملفٌّ طويل من الأسطر الصغيرة، تواريخ وأوقات وأسماء مستخدمين. أشار إلى سطرٍ باهت:
“02:13. دخول: ح. توفيق. جهاز: المكتب الرئيسي. عملية: استيراد دفعة آلية”.
“02:14. إدخال قيود: 17 قيدًا. حالة: مكتمل”.
“02:16. خروج”.
— هذا ليس استيرادًا آليًّا، قال سامر. الاستيراد الآلي لا يحتاج أن يدخل أحدٌ بحسابه الشخصي؛ يعمل وحده تحت حساب “النظام”. هذا شخصٌ جلس خلف مكتب وأدخل القيود بيده ثم سمّاها “استيرادًا آليًّا” ليبدو كل شيءٍ طبيعيًّا. في الثانية والربع فجرًا. من حساب الحاج.
سكت آدم. ثم قال ببطء: قد يكون أيّ شخص. الحاج لا يحفظ كلمة سرّه عن ظهر قلب، تكتبها له السكرتيرة على ورقة. وكريم. ومعاذ. ومن يدخل المكتب.
— لكن لماذا يعمل أحدٌ في هذه الساعة؟ ولماذا يتّهمني؟
وقف آدم عند النافذة. كان يعرف السؤال أكثر مما يعرف جوابه. لماذا يدخل رجلٌ مكتبه في منتصف الليل ويضع أخطاءً صغيرة مرتّبة أكثر مما ينبغي، ثم يجرّ المحاسب الأول إلى كشف الأرقام؟ ثم إلى الأرشيف؟ ثم إلى قبوٍ فيه ظرفٌ لا يظهر في أيّ فهرس؟ لم يكن الخطأ خطأ. وخيّل إليه فجأة أنه لم يعثر على الظرف، بل قاده إليه أحد.
— ماذا سأفعل بهذه المعلومة؟
— لا شيء. لا تحكها لأحد، ولا تنسخ السجلّ. وابقَ قربي.
فُتح الباب فجأة ودخل كريم: آه، أنتما هنا. أستاذ آدم، الحاج يريد أن يراك بعد الظهر. وهو يطلب أن تبتعد عن الأرشيف حتى إشعارٍ آخر. المجلس قرّر إغلاقه بسبب الهدم. وماذا عن العقد؟ — سنتولّى نحن أمره. — وجدتُه أمس. — أعطني إياه. — ليس معي. في صندوقه. تبادل الرجلان نظرةً طويلة. ثم التفت كريم إلى سامر: ولماذا هذا الحاسوب مفتوحٌ على السجلات؟ — كان يراجع النسخة الاحتياطية بطلبي، قال آدم. — لا أحد يطلب شيئًا دون إذن. — وأنا أطلب الآن إذنك يا كريم، بعد أن فعلتُ.
ابتسم كريم ابتسامةً رسمية صغيرة: أنت عنيد. — لا. أنا فقط رجلٌ لا يكذب. — لهذا بالذات أخافك.
وخرج وأغلق الباب بهدوء. وفي الصمت الذي تلاه قال سامر: هل تظن أن الحاج…؟ — لا أظنّ شيئًا. أعرف أن الرقم في الثانية والربع. ونظر آدم إلى السطر الأخير في الشاشة: “02:14. حساب: ح. توفيق”. وفي رأسه، بلا مبرّر، رقمٌ آخر.
21.

الجزء الثاني: الشهود

الفصل السابع

“الأمّ التي دفنت زوجًا حيًّا”
اليوم الخامس
في صباح اليوم التالي كان السرير في غرفة العيادة الجانبية فارغًا. الملاءة مطويّة بعناية، والمحلول الوريدي معلّق على الحامل وقد أُغلق بقطعة شاش. وقفت مريم أمامه وفي يدها كوب القهوة، وقلبها يهبط درجةً درجة.
— متى خرج؟
— قبل الفجر، قال هشام وهو يتثاءب. فتح الباب بنفسه وقال للحارس: شكرًا. ثم مشى.
— مشى؟ كان يكاد لا يقف أمس.
— ربما كان أقوى مما بدا.
— أو كان أخوف مما بدا.
نظر إليها هشام: من أيّ شيء يخاف رجلٌ مشرّد؟ تحدثتِ معه طويلًا. ماذا قال؟
— قال لي اسمًا. لا أستطيع أن أقوله.
ابتسم هشام ابتسامةً متعبة: أنتِ أيضًا لا تقولين.
لم تكتب مريم إلى بلال إلا في اليوم الخامس: “اليوم بعد الظهر. بيت أمي. هل تأتي؟”. جاءها الرد بعد ثوانٍ: “سأكون هناك قبلك”.

في الثالثة والنصف كان بلال واقفًا أمام العمارة القديمة، يداه في جيبيه. رأته من بعيد. كبر، أو ربما هي التي نسيت: وجهٌ أنحف، وشيبٌ بدأ يظهر عند الصدغين، وقميصٌ مكويّ كأنه يستعدّ لموعد.
— تأخرتِ.
— لم أتأخر. جئتَ أنت مبكرًا.
— لم أكن أريد أن أقف في الشارع وحدي. فوقفتُ في الشارع وحدي.
ضحكت رغمًا عنها، ثم ارتجفت ضحكتها وصارت شيئًا آخر. وبلا كلام اقترب بلال خطوة وفتح ذراعيه. وقفت لحظة. ثم دخلت بينهما كأنها تعود إلى مكانٍ تركته أمس.
— آسف، قال في أذنها. كنتُ أضغط عليك. كنتُ أريدك أن تؤمني بما أؤمن به بالقوة.
— وأنا كنتُ أخاف من أنك قد تكون محقًّا.
— وهل أنا محق؟
— لا أعرف.
ابتعدا. مسح بلال وجهه بكمّه بسرعة كي لا تراه. أخرجت مريم الصورة الصغيرة من جيب معطفها وناولتها له. تأمّلها طويلًا: هذا خطّ أمي. كيف وصلت الصورة إليه؟ — هذا ما سنسأله.
أتمنى، أيها القارئ، أن تتذكّر هذه اللحظة عند الدرج. أخٌ وأخت، بعد ثلاث سنواتٍ من الصمت، يصعدان إلى بيت أمهما وكل خطوةٍ تُعيدهما إلى طفولتهما. هناك لحظاتٌ في الحياة نشعر فيها أن العمر لا يمضي إلى الأمام، وإنما يدور حول نفسه، وأن الطفل الذي كنّا ما زال جالسًا على الدرجة الثالثة ينتظر أن يفهم لماذا يتخاصم الكبار.
فتحت الأم الباب بعد الجرس الثاني: عائشة، في الستين، بثوبٍ منزليّ قديم، وشعرٍ مغطّى بمنديلٍ أبيض، وعينين لم تنم منذ أيام. كانت الشقة صغيرةً نظيفة، فيها رائحة بخورٍ خفيف. وعلى مائدة المطبخ وعاءٌ كبير مغطّى بقماش، وصحن خبز، وقنينة ماء.
— هل تنتظرين ضيفًا؟ سألت مريم. — لا. — إذن لمن هذا الطعام؟ — لا أحد. — أمي. — ما شأنك بالطعام؟
جلس بلال ومريم قبالته. وضعت الصورة على الطاولة. لم تلمسها الأم. نظرت إليها كما ينظر شخصٌ إلى جرحٍ قديم يعرف أنه لن يلتئم.
— من أين لك بها؟
— كانت في معطف رجلٍ مسنٍّ دخل العيادة.
— أيّ رجل؟
— لا تلعبي معنا، قال بلال بصوتٍ منخفض. أنتِ تعرفين أيّ رجل. قلتِ لمريم في الهاتف: “أين هو الآن؟”. من هو؟
أغمضت الأم عينيها. ومرّت دقيقة، وسقطت قطرةٌ من الصنبور في الحوض بصوتٍ عالٍ جدًّا.
— هل ستقولين، قالت مريم بهدوء، أم أقول أنا؟
— ماذا ستقولين؟
— أنه أبي.
رفعت الأم رأسها. وفي عينيها لم يكن إنكار؛ كان شيئًا أسوأ: ارتياحٌ غريب.
— نعم. هو أبوكما.
جلس بلال بلا حركة. — لكنه ميت. — قلتُ لكما إنه مات. — وهل مات؟ — لا. — أين هو إذن؟ — لا أعرف. كنتُ أعرف. ثم أضعتُه. هذا الصباح.

في الرابعة كانا لا يزالان جالسين وقد سكتت الأم قليلًا ثم تكلمت.
— قبل ثلاثين سنة كنتُ حاملًا بمريم. كان أبوكما في المخزن حين رأى شيئًا. قال إنه رأى أحدًا يفتح الخزنة ليلًا. فذهب في الصباح إلى المحاسب فخري وأخبره، لأنه ظنّه رجلًا أمينًا. ولم يفعل فخري شيئًا. وبعد أسبوعين جاء رجلٌ من الشركة وقال إن في المخزن عجزًا وإن الحارس هو المسؤول. لم يكن يملك شيئًا يدافع به. أخذوا عنه إفادة، وأخذوا منه توقيعًا على ورقةٍ لم يقرأها جيدًا. ثم جاء رجلٌ اسمه خالد.
شهق بلال: خالد؟ سمعتُ اسمه من مصدري.
— كان رجلًا هادئًا لا يرفع صوتًا. جلس على هذا الكرسي نفسه وشرب الشاي معنا. وقال لأبيكما: يا أستاذ منصور، أنت رجلٌ عاقل، وعندك امرأةٌ حامل. بقاؤكم في هذا الحيّ لن يكون مريحًا.
— هدّدكم؟
— لم يقل كلمة تهديد. وفهمتُ كل شيء.
لقد حان وقت أن أقول لك شيئًا عن “التهديد الذي لا يقول كلمة تهديد”. إنه فنٌّ قديم ومتقن، يمارسه أمهر الناس في كل زمان: لا يرفع صوتًا، ولا يرفع يدًا، ولا يترك أثرًا يمكن أن يُقدَّم إلى قاضٍ. يشرب الشاي معك، ويسألك عن حال الأولاد، ثم يقول جملةً عن “الراحة”. وأنت تفهم ما لا يُقال أكثر مما تفهم ما يقال. إن الاستبداد الحقيقي لا يحتاج إلى مسدس؛ يكفيه أن يعرف اسم ابنتك الصغيرة.
— وبعد أسبوعين من ولادة مريم اختفى. رحل ليلًا. قال لي: سأذهب كي لا يؤذوكم. وطلب مني ألّا أُخبر أحدًا. وهذه الصورة أعطيتُها له قبل أن يرحل. قلتُ: خذ معك شيئًا منها. وانتظرتُ سبع سنوات. ثم جاءني محامٍ اسمه زياد، قال إنه يمثّل “مصلحتي”، وإن القانون يسمح بإعلان الغائب ميتًا بعد سبع سنوات وإن هذا في صالحنا. لأن التسوية لا تصحّ إلا لأرملة. مبلغٌ كبير مقابل أن أتنازل عن كل مطالبة وألّا أتكلم عن القضية.
— وقبلتِ؟
— قبلتُ.
نهض بلال فجأة ثم جلس.
— لماذا؟
— لأنني كنتُ أرملةً على الورق وأمًّا لطفلين في الواقع. ولأن أحدًا لم يعرض عليّ شيئًا غير هذا.
— وأين ذهب المال؟
نظرت الأم إلى مريم: في الجامعة. دراستك. كلها.
تراجعت مريم في كرسيها. — كنتِ تقولين إنها منحة. — كنتُ أقول. — أمي. — كان أبوك يحلم أن يرى ابنته طبيبة. لا أعرف كيف أشرح لك أنني لم أجد طريقًا آخر إلى حلمه.
وضعت مريم يدها على فمها. وقفت. مشت إلى النافذة وبقيت هناك وظهرها إليهما. قالت: كل مريضٍ عالجتُه… كل دواءٍ دفعتُه من جيبي… كل ذلك على ثمنٍ اسمه…
— لا تقولي هذا.
— بل أقوله.
— كنتُ أحميكما، قالت الأم.
— لا، قال بلال بصوتٍ جافّ. كنتِ تحمين نفسك. أنتِ سكتّ ثلاثين سنة وقبضتِ.
— وماذا كنتَ تريدني أن أفعل؟ أن أرفض وأجوّعكما؟
— كنتُ أريدك أن تخبريني. كنتُ سأعرف أنه ليس ميتًا!
— وهل كان هذا سيغيّر شيئًا؟ — كان سيغيّر كل شيء. — أبوك طلب مني ألّا أقول.
صمتا.
— طلب؟ سألت مريم من النافذة.
— حين كنتُ أزوره. كل جمعة. منذ تسع سنوات. عند الجامع الكبير. يجلس عند الرصيف.
— المتسوّل؟ سأل بلال بدهشة. أبي؟
— تسع سنوات وأنا أمرّ به كل جمعة وأعطيه الطعام. لم يرد أن يعيش في بيتي. قال: لو عرف الأولاد سيسألون. ومن لا يعرف لا يُسأل. وذهبتُ هذا الصباح أحمل الطعام، فلم أجده. وفي الجمعة التي قبلها كان يسعل كثيرًا. قلتُ له: اذهب إلى طبيب. قال: الأطباء يسألون عن الاسم.
جلست مريم ببطء على الأرض وظهرها إلى الجدار. كانت تتذكّر الرجل الذي أمسكت يده قبل أيام، يده المتشققة، وعينيه العسليتين، وكيف كان ينظر إليها كأنه يريد أن يحفظ وجهها. قالت: وأنا أمرّ من هناك؟ ولم أره؟ — ربما رأيتِه ولم تعرفيه. — لماذا الجامع الكبير بالذات؟ لماذا لم يجلس في مكانٍ آخر؟
نظرت الأم إلى المائدة، إلى الوعاء المغطّى بقماش. وقالت:
— لأنه الطريق الذي يمرّ منه آدم كل صباح.

الفصل الثامن

“الصفحة الأخيرة”
اليوم السادس
مكتبة الحيّ العامة في بنايةٍ صغيرة خلف المدرسة القديمة: رفوفٌ خشبية داكنة، ورائحة ورقٍ أصفر، وطاولتان لا يجلس إليهما أحد. وفي مكتبٍ صغير عند المدخل تجلس سلمى، أمينة المكتبة منذ تسعة عشر عامًا. في الحادية والأربعين، بثوبٍ رمادي هادئ ونظارتين دقيقتين، وعلى مكتبها قطةٌ نائمة اسمها “ورقة”.
منذ اليوم الثاني وهي تسمع الإذاعة بصوتٍ منخفض. وحين سمعت اسم “منصور” سقط القلم من يدها. في المساء اتصلت بالإذاعة وتركت رقمها لرجلٍ اسمه بلال. وفي السادسة من اليوم السادس دخل ثلاثةُ أشخاص إلى المكتبة بعد إغلاقها: بلال، وهدى، وآدم الذي كان قد التقى بهما عند الباب. أغلقت سلمى الباب بالمفتاح، وجلسوا حول الطاولة الصغيرة.
— لقد اتصلتِ بالإذاعة، قالت هدى. لماذا الآن؟
— لأنني كنتُ أنتظر منذ ثلاثين عامًا أن يسألني أحدٌ عن منصور. أخبرني بذلك رجلٌ قبل أن يموت. فخري.
جلست هدى بحذر: أخبرينا من البداية.
— كنتُ في الحادية عشرة. كان أبي سائق فخري. وفي أحد الأيام، قبل مرضه بقليل، ناداني إلى سيارته. جلس في المقعد الخلفي ومدّ لي ظرفًا أصفر. قال: يا سلمى، أنتِ بنتٌ أمينة. احتفظي بهذا الظرف، لا تفتحيه، ولا تعطيه لأحدٍ إلا إذا جاءك من يسألك عن منصور.
— ومن هو منصور؟ سألتِ؟
— لا. كنتُ طفلة، وكنتُ أخاف منه قليلًا.
— وهل سألك أحد؟
— لا. ثلاثين عامًا. في صندوقٍ خشبي صغير في بيتنا القديم، ثم نقلتُه معي إلى كل بيتٍ سكنتُه، ثم إلى هذه المكتبة.
أخرجت من درج مكتبها صندوقًا خشبيًّا بحجم كفّ اليد، وفتحته: ظرفٌ أصفر باهت، منتفخٌ قليلًا من الزمن، حوافّه مغلقةٌ بشريطٍ قديم لا يزال سليمًا. قالت: لم أفتحه. ولا مرة.
— لماذا؟
نظرت إلى القطة النائمة: كنتُ خائفة. وحين كبرتُ صار الخوف شيئًا آخر. صرتُ أقول لنفسي إن الوفاء لرجلٍ ميتٍ أهمّ من فضول الأحياء، وإنني أحفظ العهد. ثم قالت بصوتٍ جافّ: كنتُ أسمّي جُبني وفاءً.
هذه الجملة وحدها تستحق أن تُعلَّق على باب كل مدرسةٍ وكل جامعةٍ وكل مجلس عزاء. “كنتُ أسمّي جبني وفاءً”. ما أكثر ما نغلّف به خوفنا بأسماءٍ نبيلة! نسمّي الجبن “حكمة”، والتخاذل “تسامحًا”، والكسل “توكّلًا”، والصمت عن الظلم “ستر العيوب”. ولو أن كل واحدٍ منا قاد نفسه إلى المرآة، وقال لها بصدقٍ ما قالته سلمى، لانهارت نصف مؤسسات الأخلاق في العالم.
— وهل أنتِ الآن مستعدة؟ سألت هدى.
— لقد اتصلتُ.
— افتحي الظرف.
— لا. صاحبه من كُتب له. — إذن بلال. هو ابنه.
نظرت سلمى إليه ورأته يرتجف: خذه. مدّ يده، فكان الظرف أثقل في كفّه من أيّ شيءٍ حمله في حياته. فتحه بحذر وأخرج ثلاث أوراقٍ مطوية، مكتوبةً بخطٍّ منتظم بحبرٍ أسود. قال: لا أستطيع أن أقرأ. فأخذت هدى الأوراق وقرأت:
“إلى منصور. أكتب إليك وأنا أعرف أنك لن تقرأ هذه الرسالة لأنني لن أجرؤ على إرسالها. لكنني أكتبها لتبقى. أنت لم تسرق شيئًا، وأنا أعرف ذلك. أخبرتَني أنك رأيت رجلًا يفتح الخزنة ليلًا فصدّقتُك. وكان هذا أسوأ ما فعلتُه، لأنني صدّقتُك ثم خنتُك. قيل لي إن عليك أن تتحمّل ما حدث، وزوّرتُ لك الدفاتر بيدي. وأتلفتُ إيصالًا كان سيثبت براءتك. لم أفعل ذلك بدافع الطمع. فعلتُه لأنني خفتُ، ولأن من أمرني كان أقرب إليّ من نفسي. لا أطلب أن تغفر لي. أطلب فقط أن يُردّ إليك اسمك. وقد تركتُ في مكانٍ آمن ما يثبت كل ما قلت”.
وفي الورقة الثانية: “وأعرف أن في هذه المدينة رجالًا صمتوا بعدي. بعضهم أخذ مالًا، وبعضهم أخذ عذرًا. لا أحد منهم يعرف الصورة كلها. وقد كتبتُ أسماءهم في مكانٍ آخر، لعلّ أحدهم يتكلّم حين يرى أن غيره تكلّم”.
وقلّبت الورقة الثالثة وتجمّدت. قال بلال: ماذا؟ قالت: الثالثة تنتهي في منتصف جملة.
“ولا أخفي عنك أن ما أخذتُه من الخزنة لم يكن لي. وأن الذي أخذه ليس…”
ثم نزل الحبر نزولًا حادًّا وانتهت الورقة. ورقم الصفحة في أسفلها: 3. — هذه ثلاث صفحات. أين الرابعة؟ — لا توجد رابعة، قالت سلمى، لم تكن في الظرف.
— انظروا، قال بلال. هناك سطرٌ صغير في هامش الورقة الثالثة، بخطٍّ أرقّ وأكثر تعجّلًا:
“الصفحة الأخيرة ستجدها عند من لا يعرف قيمتها”.
— من لا يعرف قيمتها؟ همس بلال. — أيّ شخص. رجل، أو امرأة، أو طفل. — أو بستاني. — لماذا بستاني؟ — لا أعرف، قال بلال. خطر ببالي.
وفي تلك اللحظة طُرق باب المكتبة. ثلاث طرقاتٍ هادئة. تبادلوا النظرات. همست سلمى: أنا لم أطلب أحدًا. وفتحت. كان على العتبة رجلٌ طويل في الثامنة والثلاثين، بسترةٍ جلدية قديمة، وفي يده دفتر.
— مساء الخير. أنا نادر، صحفي مستقل. كتبتُ عن قضايا الفساد في المدينة. سمعتُ حلقة الإذاعة. ورأيتكم تدخلون هنا. أحببتُ أن أصل قبل غيري.
دخل بلا إذن. ألقى نظرةً سريعة على الطاولة فرأى الأوراق والظرف والصندوق. قال: آه. هذا هو. — لا تلمسه، قالت هدى بحدّة. — هذه قضيةٌ عامة. — هذه قضية أبي، قال بلال. — وقضية المدينة كلها. الحقيقة ليست ملكًا لأحد. — بل ملكُ من دفع ثمن غيابها. ابتسم نادر: أنتَ ما زلتَ تظن أن القصة قصتك. القصة تكبر. إن لم تُنشر الآن سيتولّاها غيرك.
سأتوقف هنا لأضع أمامك هذا الوافد الجديد. نادر ليس شريرًا، ولا بطلًا، بل هو ما يسميه الناس “ضمير المدينة”: ذلك الذي يحمل الحقيقة في يده كمن يحمل مشعلًا، ثم يضيء به وجهه أولًا. وهو يقول جملةً صحيحة تمامًا: الحقيقة ليست ملكًا لأحد. لكنه ينسى أن للحقيقة أيضًا أهلًا، يحترقون بها أكثر مما يحترق من يكتب عنها في صحيفة.
— ومن يملكها إذن؟
— من يُحقّ له أن يقرّر، قالت سلمى بصوتٍ لم يعرف أحدٌ أنها تملكه. وقفت وأمسكت الأوراق ولمّتها بيدين ثابتتين: هذه الرسالة ليست لأيٍّ منكم. هي لمنصور.
— منصور ميت، قال نادر. — لم يمت، قال بلال. — ماذا؟ — لا شيء، قالت هدى بسرعة.
حدّق نادر فيهم واحدًا بعد آخر: أنتم تعرفون أكثر مما تقولون. — وأنت أيضًا، قالت هدى. أنت تعرف أن الأوراق ثلاث. لأنك نظرتَ إلى أرقامها قبل أن تنظر إلى أيّ شيءٍ آخر. ضحك نادر ضحكةً قصيرة: أنتِ حادّة. — إذن لنتّفق: ما في هذه الغرفة لا يخرج منها قبل أن نعرف أين الصفحة الأخيرة. وأشارت إلى السطر الصغير في الهامش. قرأه نادر. وللحظة بدا على وجهه شيءٌ لم يرد أن يُظهره: ليس فضولًا، بل جوع.
— من لا يعرف قيمتها، قال بصوتٍ منخفض. ثم رفع عينيه: وأنا أعرف من أين أبدأ.

الفصل التاسع

“هدية على العتبة”
اليوم السابع
بيت سليم عند طرف الحيّ، صغيرٌ تحيط به حديقةٌ مهملة وشجرة ليمونٍ هرمة. جلس الرجل في الشرفة على كرسيٍّ من الخيزران، وبين يديه كتابٌ مغلق لا يقرؤه. في الحادية والسبعين، بشعرٍ أبيض مرتّب، وصوتٍ ما زال يحتفظ برنين المعلّم الذي كان يملأ الصفوف. وعلى معصمه الأيسر ساعةٌ ذهبية قديمة لا يخلعها.
في العاشرة صباحًا جاءه أربعة زوّار: بلال، وهدى، ونادر، وخلفهم سلمى. قال سليم لهدى: اتصلتِ بي أمس وقلتِ إن اسمي في قائمة. ثمانية أسماء، وأنا أولهم؟ — أنت الأول في الترتيب. — إذن اجلسوا.
وضع الكتاب جانبًا. سأله بلال أن يحكي ما يعرفه عن فخري. قال: ولماذا تظنون أنني أعرف شيئًا؟ — لأن اسمك في قائمةٍ كتبها بيده. — ربما لأنني معلّمه. كنتُ معلّم نصف شباب المدينة. — لكنك أنت الذي زكّيتَه للحاج الكبير. أطرق سليم: نعم. أنا الذي زكّيتُه. كان ذكيًّا يحبّ الأرقام. — وماذا بين أن عمل في الشركة وأن مات؟ — لا شيء.
قال نادر وهو يلتفت إلى هدى: هل يمكن أن أسأل أنا؟ — نادر. — أريد فقط أن أُسرّع الأمر. — لا أحد يحقّق مع رجلٍ في بيته بهذه الطريقة. — دعيه يسأل، قال سليم بهدوء.
استقام نادر في مقعده: ما هذه الساعة؟ — ساعة. — ذهب؟ من أين لك بها؟ — هدية من فخري. قبل ثلاثين عامًا. — في أيّ مناسبة؟ — لا مناسبة. — إذن ما الذي أهداك إياها؟ — وفاء، هكذا قال. لمعلّمه. — أيّ وفاءٍ يُقدَّم بعد أسبوعين من اتهام حارسٍ بريء؟
لم يجب سليم. قال نادر بصوتٍ هادئ يزداد حدّةً كلما خفضه: أستاذ، أنت رجلٌ عرفتَ فخري منذ كان صبيًّا. جاءك بساعة ذهبٍ وقال لك شيئًا، وأنت صمتّ. فلماذا قبلتها؟
— لأنها كانت ساعةً جميلة.
— وهل كنتَ تحتاج ساعة؟
— لا.
— إذن لماذا؟
أمسك سليم المعصم بيده الأخرى وضغط عليه: لأنني كنتُ أعرف. أن في الأمر شيئًا. — وماذا فعلتَ؟ — لا شيء. لأنني كنتُ أعلّم أبناء الناس أن الحقيقة فضيلة، وكنتُ عاجزًا عن مواجهة من أحبّه. — وهل كان يستحق حبّك؟ — لا. لكن الإنسان أحيانًا يحبّ الصورة التي صنعها لنفسه عن شخص، أكثر مما يحبّ الشخص.
يا لهذه الجملة! لو أنني أردتُ أن أكتب نظرية في الصداقة والوفاء والحبّ الأعمى، لما احتجتُ إلى أكثر منها. كم من الناس نحبّهم وهم في الحقيقة غائبون؟ إن ما نحبه فيهم هو التمثال الذي نحتناه في أنفسنا، ثم ندافع عنه بشراسة كلّما اقترب أحدٌ من الأصل. وهذا يفسّر لماذا نغفر للمقرّبين ما لا نغفره للغرباء، ولماذا نخون الحقيقة أحيانًا باسم الوفاء لشخصٍ لم يكن، أصلًا، كما رسمناه.
— وزوجة منصور؟ جاءتك؟
— جاءتني بعد أسبوع. جلست هناك، حيث تجلسين أنتِ. أشار إلى سلمى. طلبت أن أتحدث مع فخري، وأن أشهد لزوجها. أنا رجلٌ له كلمةٌ في الحيّ. لو قلتُ شيئًا لأصغى الناس. قلتُ لها: لا أعرف. وكنتُ أعرف. قالت: يا أستاذ، أنت علّمتنا أن نقول الحق. فقلتُ لها: الحق لا يُقال دائمًا.
— وماذا قالت؟
— لا شيء. شكرتني وخرجت.
خفض رأسه. وانفجر. لم يبكِ بصوت، بل بشيءٍ أشبه بتصدّعٍ قديم: رجلٌ في الحادية والسبعين يتهشّم أمام شبابٍ يبحثون عن الحقيقة. قال: أنا لا أستحق أن يُقال لي أستاذ. ثلاثون سنة وأنا أعلّم أولادًا أن الحقيقة تحرّرنا، وأنا لا أستطيع أن أنظر إلى ساعتي.
خلع الساعة ووضعها على الطاولة: خذوها. — لا نريدها، قالت هدى. نريد منك أن تشهد. — أمام من يجب؟ — ستقول الحقيقة. — وهل ستسامحني؟ قال لبلال. — لا أعرف. — صريح. — تعلّمتُ ذلك منك. وابتسم المعلّم ابتسامةً مريرة.

في الحادية عشرة وصلت امرأةٌ مسنّة في الخامسة والستين، بثوبٍ بنيّ طويل وحقيبة قماش، ومعها رجلٌ في الرابعة والأربعين متعب العينين، وبصحبتهما امرأةٌ أكبر منهما تتكئ على عصا. قال سليم: هذه آمنة، جارة منصور القديمة، وهذا ابنها رشيد، وأمّه نجوى. أنا الذي اتصلتُ بهم؛ أعلم أن لكل واحدٍ منهم جزءًا.
قالت آمنة بصوتٍ ثقيل: أنا لا أعرف الكثير. لكنّ صبيًّا حكى لي شيئًا. رشيد. نظر رشيد إلى أمه، امرأةٍ صغيرة الجسم، عيناها مغمضتان، تمسك عصاها بكلتا يديها: أمي، قولي أنتِ. — لا. لأنك كنتَ طفلًا. — كنتُ في الرابعة عشرة.
تنفّس رشيد: كانت أمي تنظّف مكاتب الشركة في الليل. وفي إحدى الليالي أخذتني معها لأن أبي كان مسافرًا. وبينما كانت تنظّف الطابق الثاني، تسلّلتُ إلى غرفة الصندوق. رأيتُ رجلًا يجلس خلف الطاولة وأمامه دفتر، يكتب ويمحو، ثم يمزّق ورقةً صغيرة ويضعها في جيبه. فخري. ركضتُ إلى أمي وقلتُ لها ما رأيت. فقالت: لا تحكِ لأحد.
— لماذا؟
— لأننا سنفقد عملنا.
أخذت نجوى نفسًا مرتعشًا: كان عندي ثلاثة أبناء وزوجٌ مريض. كان الراتب كل ما نملك. — أعرف يا أمي. — إذن لماذا تعيد؟ — لأن الرجل الذي اتُّهم لم يكن عنده من يتكلم عنه. فتحت نجوى عينين مبلّلتين: أنا لم أكن شريرة. — لا، قال رشيد. كنتِ خائفة. — هل هذا يغفر؟ — لا أعرف. لكنه يفسّر.
مدّت يدها وأمسكت يده. وهكذا، بلا خطبةٍ ولا اعترافٍ رسمي، انكسر صمتُ ثلاثين عامًا في بيتٍ يملؤه ضوء الصباح ورائحة الليمون.
لا تظلموا نجوى. أنا أعرف أن بعضكم يريد أن يسألها: ألم تفكّري في الرجل البريء؟ لكنني أسألكم أنتم سؤالًا آخر: كم فقيرٍ في هذا العالم يُطلب منه أن يكون شجاعًا بثمنٍ لا يدفعه الأغنياء؟ إن أخلاقنا الجميلة تُحسب على الفقراء بالمسطرة نفسها التي تُحسب بها على الأثرياء، وكأنهما يملكان الرفاهية نفسها. فاعرف، قبل أن تحكم، كم يبلغ ثمن كلمة “لا” في بيتٍ فيه ثلاثة أطفال وزوجٌ مريض.

عند الغروب عاد سليم إلى بيته وحده. كان الآخرون قد غادروا. وقف عند الباب ومفتاحه في يده، يتأمّل حديقته المهملة، وشعر لأول مرة منذ سنين أن صدره أخفّ. وحين مدّ يده إلى القفل رأى شيئًا على العتبة: علبةٌ صغيرة ملفوفةٌ بورقٍ رمادي ومربوطةٌ بخيطٍ أحمر.
تجمّد. عرف الورق. عرفه كما يعرف رجلٌ وجهًا من الماضي: ورقٌ رمادي بخطوطٍ خفيفة، وخيطٌ أحمر بعقدةٍ واحدة. لقد رآه من قبل. قبل ثلاثين عامًا.
انحنى ببطء والتقطها. وكان فيها ورقةٌ صغيرة مطويّة. فتحها. بخطٍّ أنيق كأنه خطّ آلة:
“عمرك وما بقي منه. وهذا ثمن راحتك”.
ارتجفت أصابعه. وفي الشارع لم يكن هناك أحد. أخرج هاتفه وبحث عن رقم هدى.
— أستاذ؟ — وصلتني هدية. الهدية نفسها. بالغلاف نفسه. بالخيط نفسه. — متى؟ — قبل دقائق. — لا تفتحها. لا تلمسها. لأن من يشتري الصمت، قالت هدى ببطء، ما زال يعمل.

الفصل العاشر

“نصف الحقيقة”
اليوم الثامن
يسكن إياد في غرفتين متلاصقتين عند أطراف الميناء القديم، في حيٍّ لا يمرّ به أحدٌ إلا من يعرف عنوانه. عمره ثمانيةٌ وستون عامًا، وكان حارسًا في شركة التجارة الحديثة أكثر من ثلاثين سنة حتى أحالوه على التقاعد قبل ثماني سنوات. جسده ما زال عريضًا لكنّ ظهره انحنى، ويداه ترتجفان حين يمسك فنجان الشاي.
في التاسعة صباحًا قُرع بابه. — من؟ — أنا خالد. تجمّدت يده على المزلاج. — افتح يا أبا الفضل. جئتُ أطمئنّ عليك.
فتح الباب ببطء. وقف على العتبة رجلٌ في الخامسة والخمسين، أنيق، هادئ الوجه، بسترةٍ رمادية وحذاءٍ لامع، في يده كيس فاكهة وعلبة حلوى. جلس خالد على الكرسي الوحيد وأخذ يتأمّل الغرفة بنظرةٍ عارفة، كمن يُحصي أشياء لن يشتريها.
— الحاج توفيق يسأل عنك. هو يقدّر أمثالك، الذين قضوا عمرهم في خدمة الشركة.
— لم يقدّرني حين أحالوني.
— كان قرارًا إداريًّا.
— وهو اليوم قرارٌ أخلاقي؟
ابتسم خالد: أنت لا تزال حادًّا. — وأنت لا تزال تحمل الفاكهة حين تريد شيئًا. — لا. أنا أحملها حين أخاف على أحد. المدينة تتحدث هذه الأيام، وفيها من يبحث في أشياء قديمة، وقد يأتي أحدهم إليك. لا شأن لك. وهذا ما أريدك أن تقوله لمن يسألك. — والحقيقة هي شأني. — لا. الحقيقة تحتاج إلى من يحميك حين تقولها. وأنت وحدك يا أبا الفضل. ولا أحد يحمي رجلًا وحيدًا في حيٍّ مثل هذا.
— هل هذا تهديد؟
— أبدًا. هذه نصيحة.
— النصيحة التي جاءتني قبل ثلاثين سنة جاءتني في ظرف.
— لا أعرف عمّا تتحدث.
وضع كيس الفاكهة على الطاولة ونهض: أنا أعرف أن الليالي هنا طويلة، وأن الأضواء قليلة، وأن الإنسان قد يسمع أشياء لا يحبها. — وقد يراها. — وقد يراها. خذ بالك من نفسك. وخرج.
هذا هو الوجه الآخر للنصيحة، أيها القارئ: النصيحة التي تلبس قفازًا من حرير. ولاحظ أن خالدًا ليس وحشًا؛ إنه رجلٌ يحمل فاكهة ويسأل عن الصحة، ويتحدث عن الأضواء القليلة بنبرة قلقٍ حقيقي. وهذا ما يجعله أخطر من القتلة في الأفلام. إن أفظع أشكال القسوة هي تلك التي لا تشعر بنفسها قسوة، لأنها تتحدث بلغة العناية.

في الثالثة بعد الظهر طُرق الباب من جديد. نظر إياد من الشقّ هذه المرة: هدى المحامية، ومعها الأستاذ سليم. فتح. دخلا وجلسا على السرير الوحيد، ولم يمدّ أحدٌ منهما يده إلى كيس الفاكهة. قال سليم: أبو الفضل، أنا أعرفك منذ أربعين سنة، وأنا هنا لأطلب منك أن تقول الحقيقة، عمّا رأيتَ ليلة اتُّهم منصور. أغمض إياد عينيه: كنتُ أعرف أنهم سيأتون. الذين يسألون. — ولماذا لم تذهب أنت إليهم؟ — لأنني جبان، قال ببساطة.
أخرجت هدى دفترًا وقلمًا: أنا أكتب وأنت تقول. — كنتُ ليلتها في الحراسة، عند مدخل المخزن الثالث، الليلة التي قبل طرد منصور بأسبوع. رأيتُ فخري يدخل المخزن بعد منتصف الليل ويخرج بعد ساعة، وكان يحمل ظرفًا أصفر. وضعه في الخزنة وأقفلها. وقال لي: يا إياد، إن سألك أحد، لم أكن هنا. فقلتُ: حاضر. — وهل أعطاك شيئًا؟ تردّد. — نعم. مبلغًا. كان كثيرًا. — من فخري؟ — كان من رجلٍ في الشركة. — فخري؟ — رجلٌ في الشركة.
رفعت هدى عينيها عن الدفتر: هل هو رجلٌ آخر؟ لماذا تتردّد؟ — لأنني لا أريد أن أقول أكثر. لأنني خائف. — من خالد؟ — من كل شيء.
نظر سليم إلى هدى: هو لا يقول كل شيء. — أعرف. — أنا أعرف هذه النظرة. رأيتُها في المرآة. ثم التفت إلى إياد: يا أبا الفضل، هل هذا هو الحقيقة كلها؟ — هو نصف الحقيقة. — وهل النصف الآخر سيقتلك؟ — لا. لكنه سيقتلهم. — من؟ — الذين يحبونني.
لم يفهم أحدهما. قال إياد: لا يهمّ. اكتبي ما قلتُ. فكتبت وقرأته عليه بصوتٍ عالٍ. ووقّع بخطٍّ ثقيل متعب، كأنه ينقش اسمه في حجر. قالت هدى: شكرًا. — لا تشكريني. لم أفعل شيئًا بعد. وحين حملت الورقة وسلّمتها لسليم ليحفظها قالت: سأضعها في خزنة مكتبي غدًا. — الليلة أفضل، قال إياد. لا أعرف. هكذا أحسّ.
توقّف عند عبارة “نصف الحقيقة”. هي ليست عبارة إياد وحده؛ إنها عبارة التاريخ كله. نحن لا نكذب عادةً، بل نقول النصف الذي لا يؤذينا، ونحتفظ بالنصف الآخر في صندوقٍ نسمّيه “الظروف” أو “الخصوصية” أو “حماية الأحباء”. وأخطر ما في هذا النصف الثاني أنه، في أغلب الأحيان، صادق: إياد حقًّا يخاف على من يحب. فالعذر ليس مختلقًا؛ إنما هو أرقّ ثوبٍ يُلبَس به الجبن.

في الحادية عشرة ليلًا كان خالد يجلس في سيارته على بُعد عشرين مترًا من بيت إياد. أطفأ الأنوار وأغلق المحرك وراقب. لم يطلب منه أحدٌ ذلك، لكنه جاء. لأنه رأى في عيني إياد ذلك الصباح شيئًا لم يرَه منذ ثلاثين عامًا: عدم الخوف. وكان ذلك أخطر من كل خوف. قال لنفسه: سأحرسه الليلة. لا أكثر. وكان في صدره شيءٌ يتلوّى، كأنه يكذب على نفسه.
عند منتصف الليل ظهرت سيارةٌ بيضاء من آخر الشارع، أطفأت أنوارها قبل أن تقف. نزل منها ثلاثة رجال بوجوهٍ مغطّاة. تجمّد خالد. هؤلاء ليسوا رجاله. عرف ذلك فورًا. لم يُرسل أحدًا ولم يأمر أحدًا. دخل الثلاثة بيت إياد بسرعة كأنهم يعرفون أين الباب. وسمع خالد صوت خشبٍ يتكسّر، ورجلًا يصرخ ثم يُكتم. أمسك المقبض. فتح الباب نصف فتحة. ثم أغلقه. أمسك المقبض مرةً أخرى. وفي تلك الثواني الطويلة رأى كل شيء: رأى الظرف قبل ثلاثين عامًا، ورأى وجه منصور، ورأى نفسه شابًّا يطرق بابًا ويقول بصوتٍ هادئ: بقاؤكم لن يكون مريحًا.
وبقي في مقعده.
بعد عشر دقائق خرج الرجال الثلاثة: أحدهم يحمل ورقة وآخر يحمل دفترًا قديمًا. ركبوا السيارة واختفوا. وحين اطمأنّ خالد أنهم ابتعدوا نزل ودخل البيت. كان إياد ملقًى على الأرض عند طرف السرير، فمه ينزف وعيناه مفتوحتان.
— أبو الفضل! سأنادي الإسعاف.
أمسك إياد معصمه بقوةٍ مدهشة: أنت. — لم أفعلها. — كنتَ تنتظر. كنتَ في السيارة. — أقسم. — اذهب. قبل أن يرجعوا.
نظر خالد إلى الوجه الذي ضربه آخرون بدلًا منه. ثم خرج. وفي الشارع اتصل برقم: ألو؟ قالت هدى بصوتٍ نائم. — أنا خالد. مسؤول الأمن. إياد في بيته. تعرّض للضرب. اتصلي بالإسعاف. — من فعل ذلك؟ — لم أفعلها، قال خالد وصوته يرتجف على غير عادته. لكنني أعرف من فعل. لا أعرف. هذا ما يخيفني. هؤلاء ليسوا رجالي.
وأغلق الهاتف. وقف على الرصيف المظلم ويده تشدّ على الهاتف. وشعر، لأول مرةٍ منذ ثلاثين سنة، أن هناك يدًا فوق يده، تحرّكه وهو يظن أنه يحرّك الآخرين.

الفصل الحادي عشر

“الحرف المطموس”
اليوم التاسع
سوق الصاغة في الحيّ القديم ضيّقٌ كحنجرة، تتعانق فيه الواجهات الزجاجية وتلمع فوقها أضواءٌ صفراء حتى في وضح النهار. مرّ نادر بين الدكاكين ببطء، ويده في جيب سترته الجلدية. كان قد نام ساعتين فقط، وفي رأسه سطرٌ واحد: “ستجدها عند من لا يعرف قيمتها”.
وقف أمام دكانٍ صغير مكتوبٌ عليه “أبو سالم للمجوهرات، منذ 1962”. — صباح الخير. أريد أن أسأل عن شخص. رفع الصائغ حاجبيه. كان في السبعين، بنظارتين ثقيلتين وعدّةٍ صغيرة على الطاولة: الأسئلة غالية يا ابني. — وأنا أدفع. — ماذا تعرض؟ — فنجان قهوة. — هذا يكفي.
— قبل نحو خمسةٍ وعشرين عامًا جاءك رجلٌ ببعض القطع الذهبية القديمة. لم يكن يعرف قيمتها، فباعها لك بسعرٍ زهيد. وأنت لا تنسى أحدًا.
— من قال؟
— الناس.
— الناس يحبّون الكلام.
— وأنت تحبّ الذاكرة.
حدّق الصائغ فيه ثم قال أخيرًا: كان بستانيًّا. اسمه جمال. عند الأرض الخضراء، على طرف المدينة. بستانٌ قديم كان لرجلٍ غني. فخري، إن لم تخنّي الذاكرة. باع لي قطعتين ذهبيتين صغيرتين على شكل حيوانات، وقال إنه عثر عليهما في صندوقٍ قديم في الكوخ. وكان معه خاتمٌ ذهبي نُقش عليه حرفان. لم يبعه. قال إنه يحمله بركة.
أشرق وجه نادر. وضع ورقةً نقدية صغيرة ومضى. وفي الدكان بقي أبو سالم ينظر إلى ظهره الذي يبتعد، ويفكّر أنه قال أكثر مما ينبغي، وأن هذه ليست المرة الأولى.

كان الطريق إلى الأرض الخضراء ترابيًّا، يمتدّ بين أسوارٍ حجرية متهدّمة. وكلما اقترب نادر تغيّر الهواء: رطوبة، ورائحة تراب مبلل، وأوراقٌ خضراء لامعة تتدلّى فوق الأسوار. حول البستان كانت الأرض كلها قاحلة، شقوقها صفراء. أما هنا فأشجار ليمونٍ وتين وتفاحٍ صغير، وصفوف طماطم ونعناع. قال لنفسه بصوتٍ خافت: كيف تخضرّ أرضٌ وحدها في وسط الجفاف؟
في وسط البستان رجلٌ ينحني على الأرض: في الثانية والستين، عريض الظهر، بقميصٍ مبلّل بالعرق وقبعةٍ من القشّ.
— أنت جمال؟ أنا نادر. كم لك في هذا البستان؟
— ثلاثون سنة.
— ومن يملكه؟
— الله.
— وبعد الله؟
— أنا أعتني به. هو أمانة.
— لمن؟
— لمن يطلبها.
نظر نادر إلى يده اليمنى. خاتمٌ ذهبي ثقيل في إصبعه الوسطى عليه حرفان بارزان. — هذا الخاتم جميل. — بركة. عثرتُ عليه في الكوخ قبل خمسةٍ وعشرين عامًا. — “ف. ر.” هذا نقش اسم. — لا أقرأ. عرفتُ القراءة في صغري ثم نسيتُها. — إذن لا تعرف ما كُتب على الأوراق التي كانت معه.
تجمّد جمال. — أيّ أوراق؟ لا أعرف عمّا تتكلم. أنا رجلٌ قنوع. القناعة كنزٌ لا يفنى. لا أطلب شيئًا من أحد، ولا آخذ ما ليس لي.
— لكنك أخذتَ الخاتم. وبعتَ الذهب. ولم تسأل لمن هو. إذن أنت لم تكن قنوعًا. من يحمل خاتمًا ليس له، ويعيش في بستانٍ ليس له، ويعظ بالقناعة، يشبه من يطلب البركة من مالٍ ما كسبه.
سأعترف لك بشيءٍ بخصوص نادر: أنا أحبّ ذكاءه وأخاف وسيلته. لقد قال جملةً صحيحة قاسية، لكنه قالها وهو يهدّد. وهذا هو الفرق بين الحقيقة التي تحرّر والحقيقة التي تبتزّ. إن عبارة “القناعة كنزٌ لا يفنى” في فم جمال ليست كذبًا، لكنها قد تكون ستارًا؛ وقد يكون ستار الفقير أرقّ وأكرم من ستار الغني، لكنه يبقى ستارًا. وما يعنيني هو ألّا تظنّ أن الحكمة الشعبية دائمًا حكمة؛ ففيها أحيانًا حِيَلٌ صغيرة يستعملها الناس كي يناموا.
احمرّ وجه جمال: من أنت حتى تحاسبني؟ — أنا لا أحاسبك. أنا فقط أعرف أن الشرطة ستسأل الأسئلة نفسها إن عرفوا أنك أخذتَ مقتنيات رجلٍ ميت. — هل تهدّدني؟ — أعرض عليك الاختيار: أن تريني الأوراق. — وإن لم أرِك؟ — سأضطر إلى شيءٍ آخر.
نظر جمال إليه طويلًا. كان في عينيه خوفٌ قديم وشيءٌ آخر يشبه الارتياح. قال: انتظر هنا.

قاده إلى كوخٍ خشبي صغير في آخر البستان: أدواتٌ زراعية، وأكياس بذور، ومنجلٌ صدئ. وفي الزاوية الخلفية رفع لوحًا من الأرض وكشف عن حفرةٍ صغيرة، في قاعها صندوقٌ خشبي بحجم علبة أحذية، عليه نقوشٌ باهتة. فتحه: في قاعه، ملفوفتان بخيطٍ رفيع، ورقتان مطويتان. مدّهما إلى نادر: لم أفهم منها شيئًا. لكنني لم أرمِها. شعرتُ أنها ثقيلة. ثقيلةٌ كالأمانات.
فتح نادر الأولى. كُتبت بالخط نفسه الذي رآه في الرسالة: أنيقٌ منتظم، بحبرٍ أسود. لكنّ الورقة كانت مبلّلةً في أطرافها وقد تبعثر الحبر في أسطرها الأخيرة. قرأ بصوتٍ منخفض:
“الصفحة الرابعة. أنا. أخذه رجلٌ أعرف خوفه أكثر مما يعرفه هو. صمتُّ عنه لأنني أردتُ أن أحميه، وهذا ما لا أغفره لنفسي. وإن أردتَ أن تعرف من هو، فاسمه:”
وبعده كلمةٌ مطموسة. حبرٌ مبلّل منتشر كبقعةٍ سوداء على الورق، لم يبقَ منها إلا حرفٌ واحد في أولها: “ت”. وبعده بضع نقاطٍ لا تُقرأ. — ضاع الباقي، قال جمال. كان السقف يتسرّب منذ سنين.
وفي الجهة الأخرى سطرٌ صغير: “وإن لم تجد الجواب هنا فابحث عند المخزن الذي بدأ منه كل شيء”.
تأمّل نادر الحرف طويلًا. “ت”. وتذكّر ملفًّا قديمًا في أرشيفه: تامر الحسيني، مدير الماليّة في شركة التجارة الحديثة قبل ثلاثين عامًا، الذي غادر الشركة بعد القضية بأشهر، وصار اليوم عضوًا في مجلس المدينة يُشاع أنه يملك نصف الميناء. نعم. هذا هو. — كيف لم أفكّر في هذا؟ قال بصوتٍ خافت.
— هل عرفتَ من هو؟ — أظنّ. رجلٌ كبير. — وماذا ستفعل؟ — سأنشر. — لا تتسرّع، قال جمال. لأن الحرف واحد فقط. — الحرف يكفي. — لا يكفي. — أنت لا تفهم هذه الأمور. — قلتُ لك إنني لا أقرأ. ولهذا لا تعرف قيمة ما تحمل.
طوى نادر الورقة بعناية ووضعها في جيبه الداخلي: هذه ستبقى معي. وأعطى الورقة الثانية، وهي إيصالٌ مبلّل لا يُقرأ منه إلا ختم الشركة، ليسلّمها لهدى. وقال: وهذه، وأشار إلى الأولى، لن أقول لأحد قبل أن أتأكد. لأنني لا أريد أن يخطئ أحدٌ في الاتجاه. — وأنت؟ — أنا لا أخطئ.
خرج إلى ضوء البستان الأخضر الناعم، ومشى بين أشجار الليمون وهو يبتسم ويكرّر في نفسه الاسم الذي بدأه. لم يلتفت إلى جمال، الذي ظلّ واقفًا عند الباب يحدّق في ظهره ويقول بصوتٍ لا يسمعه أحد: من يعرف قيمة الشيء ينسى أن يتأكد من هويته.
احتفظ بهذه الجملة الأخيرة في ذهنك، فهي مفتاح الفصول القادمة. وسأقولها لك بصيغةٍ أخرى لعلّها أقرب إلى ضميرك: إن أخطر لحظات الإنسان هي لحظة الظنّ بأنه وجد الجواب. فالباحث الحيران يسأل، والمتيقّن العجول يحكم. ونادر، الذي يعرف كيف يكتب عن أخطاء الآخرين، يوشك على أن يرتكب خطأً من النوع نفسه، لأن ذكاءه سبقه إلى النتيجة قبل أن تصل أقدامه.

الفصل الثاني عشر

“هامش الدفتر”
اليوم العاشر
دكان منير للكتب المستعملة في زقاقٍ ضيّق خلف مسجد السوق: رفوفٌ تصل إلى السقف، وكتبٌ تتكدّس على الأرض، وطاولةٌ خشبية في الوسط عليها غلايةُ شاي صغيرة وغليونٌ لا يُشعل. في السبعين، نحيل، بقميصٍ كتّانيّ مكوي، وعينين تبدوان كأنهما تقرآن كل ما تنظران إليه.
دخلت هدى ومعها بلال وجلسا على كرسيين خشبيين. قال منير: اتصلتِ أمس وقلتِ إن اسمي في قائمة. ما كنتُ أريد أن أكون في أيّ قائمة. — لا أحد كان يريد. — لكنني هنا. لأنني جارٌ ما يخصّني فقط. ما لا يخصّني لا أفتحه. — لكنك فتحتَ. — فتحتُ ثم أغلقتُ.
أخرج من تحت الطاولة صندوقًا خشبيًّا صغيرًا ووضعه أمامهما: قبل ثلاثين عامًا اشتريتُ صندوق دفاترَ قديمة من مخلّفات شركة. كانوا يتخلّصون من أرشيفهم وعرضوا عليّ الكل بسعر الورق. أنا بائع كتب. الورق رزقي. فتح الصندوق: دفترٌ جلدي بنّي، حوافّه مهترئة، وعلى غلافه ختمٌ باهت: “التجارة الحديثة. المخزن الثالث”.
— لماذا احتفظتَ به؟
— لأنه كان مختلفًا. الدفاتر الأخرى مرتبة وصحيحة. وهذا فيه شطبٌ كثير. وفيه عبارةٌ تتكرّر: “تسوية نهائية”.
قلّب الصفحات بإصبعٍ يعرف كيف يعامل الورق القديم. على الصفحة عمود أرقام، ثم سطرٌ مكتوب بحبرٍ أسود: “تسوية نهائية. المخزن الثالث”. وبجانبه أرقامٌ تكفّل أحدهم بمحو ما قبلها.
— ولم تسأل أحدًا؟ ولم تفتح فمك ثلاثين سنة؟
— الدفاتر لا تؤذي.
— إنها تؤذي حين يحتاج إليها أحد، قالت هدى. وهذا ما جئتُ من أجله. لكن ليس قبل أن يقرأه محاسب.
وفي تلك اللحظة قُرع الباب.

دخل آدم. وقف عند العتبة بسترته الرمادية المعتادة وحقيبته في يده. لم يكن عليه شيءٌ من هيئة الرجل الذي يعرفه الحيّ: وجهه أصفر، وعيناه محمرّتان، وظهره منحنٍ قليلًا كمن يحمل شيئًا لا يظهر. قالت هدى: أهلًا بك يا أستاذ آدم. ثم أشارت إلى الرجل الجالس بجانبها: بلال. ابن منصور.
تجمّد آدم. وكان الصمت في الدكان كثيفًا، كأن الكتب نفسها تنصت.
— أنا آدم الخطيب، قال بصوتٍ خافت. كنتُ كاتبًا صغيرًا في الشركة. لم أكن أعرف أن لمنصور ابنًا.
— لم يكن يعرف أنك موجود.
— هل أستطيع أن أجلس؟
جلس. وضع حقيبته على ركبتيه وأخذ يفتحها ببطء. أخرج الظرف الأصفر ووضعه على الطاولة بين الجميع: وجدتُه قبل تسعة أيام في قبو الشركة. شهادة. بخطّ فخري. أخذ بلال الورقة وقرأ: “أنا الموقّع أدناه، كبير المحاسبين، أشهد أن الكاتب آدم… وافق بملء إرادته على عدم الإفصاح عنها لأحد”. قرأها مرتين. — هل هذا صحيح؟ — نصفه. رأيتُ فخري يزوّر دفترًا. وتقاضيتُ مالًا. وسكتّ. — لكنك لم توافق بالكلام. — لم أقل شيئًا. — إذن لم تكن موافقة. — كانت صمتًا. — وهل هذا يختلف؟ — لا، قال آدم. لا يختلف.
رفع بلال عينيه عن الورقة. كان وجهه هادئًا بشكلٍ مخيف: أنا أحاول أن أكرهك منذ سنوات. وحين رأيتُك الآن لم أجد ما أكرهه. — كان يجب أن تجد. لأنني أنا من سمح له أن يمرّ. — وهل كنتَ تظن أنك لو تكلمتَ كان سيُصدَّق؟ وهل كان أبي سينجو؟ — لا أعرف. — هذا هو أسوأ ما في الأمر، قال بلال بهدوء. أن لا أحد يعرف.
لقد وضع بلال إصبعه على الجرح الأعمق في هذه الرواية: “أن لا أحد يعرف”. نحن نريد من الحكايات الأخلاقية أن تكون حاسمة: لو تكلّم آدم لانتصر الحق، فيصبح صمته جريمة واضحة. لكنّ الحياة أكثر قسوةً من ذلك: لعلّ الصمت كان مجرمًا، ولعلّ الكلام كان سيُسحق دون أن يغيّر شيئًا. وفي كلتا الحالتين يبقى السؤال معلّقًا بين الحيّ والميت: ماذا لو؟ وهذه الـ”ماذا لو” هي أقسى سجنٍ يعيش فيه من اختار السكوت.
ثم أشار آدم إلى ظهر الشهادة. قلب بلال الورقة، فإذا بالرقم 21 بخطٍّ أزرق مائل، قد جفّ الآن. — هو نفسه الرقم الذي قاله المتصل المجهول في الإذاعة. — ومن كتبه؟ — لا أعرف. وجدتُه مكتوبًا والحبر لم يجفّ. — من يعرف الوقت، قالت هدى، ومن يعرف الظرف، ومن يعرف أن آدم سينزل إلى القبو. — كنتُ أتساءل عن ذلك نفسه. وجدتُ سجلًّا يقول إن شخصًا دخل النظام في الثانية والربع فجرًا بحساب الحاج. لكنني لم أعثر على الظرف. قادني إليه أحد. — سنعود إلى هذا لاحقًا، قالت هدى. الآن، الدفتر.
دفع منير الدفتر نحو آدم. أمسكه بكلتا يديه، وتأمّل الغلاف، ثم فتحه. — هذا دفتر المخزن الثالث. حسابات الموجودات. قلّب الصفحات بسرعة محاسبٍ قديم، يمرّ بعينيه على الأعمدة دون أن يقرأها، يشمّ فيها فقط رائحة الخطأ. — هنا. هذا شطبٌ مرتّب. الأرقام الأصلية كانت أكبر. حُوّلت إلى “تسوية”. يعني أن أحدًا أراد أن يخفي عجزًا بتحويله إلى قيدٍ داخلي. — ومنصور؟ — الحارس لا يكتب في هذه الدفاتر. — إذن كيف اتُّهم؟ — لأن “التسوية” تُنسب إلى المخزن، والمخزن تحت حراسته. — وأين الدليل على أنه ليس هو؟ — هنا.
أشار آدم إلى هامش الصفحة. وتجمّد.
كان في الهامش اليمين، بجانب كل سطرٍ يقول “تسوية نهائية”، حرفان صغيران بالقلم الأزرق: “آ. خ.”. نظر إليهما، ثم قلّب الصفحة: “آ. خ.”. صفحةً أخرى: “آ. خ.”. وفي كل مرة الحرفان نفسهما، بالميل نفسه، وبالنقطة المرتجفة نفسها بين الحرفين.
— أستاذ؟ قالت هدى. ماذا ترى؟ — أرى…
توقّف. ارتجفت يده. وعاد إليه فجأةً، بلا مقدمات، صباحٌ قديم. بعد ليلة الغرفة الخشبية بأسبوع دخل مكتب فخري. ورقةٌ مطوية على الطاولة، وتعليماتٌ مكتوبة بخطّ فخري: “يا آدم، سجّل هذه القيود في دفتر المخزن الثالث. إجراءٌ روتيني. ضع حرفيك بجانب كل سطرٍ كالمعتاد”. وجلس يومها شابًّا فخورًا بالثقة وسجّل. سطرًا بعد سطر كتب “تسوية نهائية”، ووضع حرفيه بجانبها. لم يسأل. لم يربط. كان في الثامنة والعشرين، وكان قد قبض مالًا قبل أسبوع. ومنذ ذلك الصباح محا كل ذلك من رأسه. ثلاثين سنة.
— أنا، قال بصوتٍ لا يكاد يُسمع.
— أنت ماذا؟
— أنا كتبتُ هذا. القيود. كلها. هذا خطّي.
نظر إلى هدى، ثم إلى بلال، ثم إلى الدفتر في يده. — لم أكن شاهدًا فقط. — أنت كتبتَ التسوية؟
— أنا كتبتُ الكذبة بيدي، قال آدم.
هنا يا صديقي القارئ، وفي هذه الجملة بالذات، ينهار الوهم الذي بنيته أنت أيضًا طوال اثني عشر فصلًا. لقد أحببتَ آدم لأنه “الرجل الذي لا يكذب”، ثم رأيتَه يتألم، فازددتَ حبًّا له، وقلتَ: إنه مجرّد شاهدٍ ضعيف. والآن يكتشف الرجل، وتكتشف أنت معه، أنه لم يكن الشاهد الضعيف، بل اليد التي كتبت. لقد استعمله فخري بالضبط كما نستعمل نحن غيرنا: بمبلغٍ من المال وجملةٍ لطيفة ودفترٍ يُسلَّم إليه كأنه روتين. فهل ما زلتَ تحبّه؟ لا تُجب بسرعة. لأن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي، في الحقيقة، إجابةٌ عن سؤالٍ آخر: هل تحبّ نفسك؟

الجزء الثالث: الضجيج

الفصل الثالث عشر

“حجر على النافذة”
اليوم الحادي عشر
في الحادية عشرة ليلًا كان وائل يجلس أمام شاشتين في غرفةٍ صغيرة مليئة بأسلاك الحواسيب وعلب الطعام الفارغة. في السادسة والعشرين، يرتدي قميصًا أسود، وعلى رفّه كأسٌ مكتوبٌ عليه: “الحقيقة لا تعرف الأعمار”. أطلق قناته قبل ثلاث سنوات باسم “يقظة”، وصار لها ثلاثمئة ألف متابع، يرون فيه ضمير الحيّ. وكان وائل يصدّق ذلك بدرجةٍ أكبر مما يعترف.
— جاهز؟ سألت سارة عبر الهاتف. وائل، أنا لم أقل في منشوري إنه اعترف.
— وأنا لن أقول إنه اعترف. سأقول الحقيقة: أن رجلًا بنى سمعته على أنه لا يكذب، ثم رأيناه يخرج من الإذاعة باكيًا في منتصف الليل، وسقطت منه ورقةٌ قال إنها ليست له.
— هذا ما حدث. وصورته؟
— صورةٌ قديمة من موقع الشركة.
— وإن كان بريئًا؟
— البريء يوضّح. وإن لم يستطع؟ إذن ليس بريئًا.
ساد صمتٌ قصير. قالت سارة: وائل، هذا ما قلتُه أنا. لم يكن صحيحًا. — لا يهمّ. ما يهمّ أن الناس يريدون سماع شيء.
ضغط زرّ البثّ. ظهر وجهه على الشاشة وقد أضاء خلفه ضوءٌ أزرق خافت: مساء الخير يا جماعة. أنا وائل. وهذا برنامج “يقظة”. في الدقيقة الأولى اتصل أربعة آلاف شخص. وفي العاشرة كانوا اثني عشر ألفًا. وفي الثلاثين كان اسم آدم الخطيب يُكتب ويُكرَّر في كل تعليق، مرفقًا بصورة رجلٍ مبتسم يرتدي بدلةً رسمية، وتحتها كلمة “محاسب”.
سأسمح لنفسي هنا بشيءٍ من الغضب، فأنا راوٍ ولست حجرًا. تأمّل عبارة وائل: “البريء يوضّح. وإن لم يستطع فليس بريئًا”. هذه ليست جملة شابٍّ سيئ؛ إنها الجملة التي أسّست كل محاكم التفتيش في التاريخ، من أول محكمةٍ للسحرة حتى آخر ساحةٍ إلكترونية. إنها تقلب الأصل القانوني كله: فبدل أن يُثبت المتهِمُ التهمة، يُطلب من المتّهَم أن يثبت أنه لم يفعل. ولاحظ أيضًا أن “الجمهور” هنا لا يشعر بأنه قاسٍ: إنه فقط “يشارك”. وهذه المشاركة الجماعية الباردة هي أفتك ما اخترعه عصرنا.

في الصباح دخل آدم الشركة وهو يعرف. لم يفتح هاتفه منذ الليل، لكنّ عيون الموظفين قالت كل شيء. عند باب مكتبه كان كريم ينتظر: الحاج يريدك. صعد إلى الطابق الأخير. كان الحاج توفيق خلف مكتبه، والستائر مسدلة، والدخان كثيفًا.
— رأيتَ ما يُقال؟ وأنت لا تنفي؟ — ما أنفيه؟ — أنك كنتَ في الإذاعة. — كنتُ. أردتُ أن أقول شيئًا لرنا. لم أقله. لم أستطع.
نظر إليه الحاج بعينين متعبتين: أنت تعرف أنني لا أستطيع تجاهل ما يُقال. الشركة مقبلة على صفقة، والمشترون لا يحبّون أن يسمعوا اسم محاسب الشركة الأول في وسائل التواصل. لهذا أريد أن أوقفك. مؤقتًا. بأجرٍ كامل. حتى تتضح الأمور.
— الحاج، أريد أن أسألك سؤالًا. هل أنت من أدخل القيود الخطأ؟
تجمّد الحاج. كاد الدخان يتوقّف في الهواء. — أيّ قيود؟ — التي اتُّهم بها سامر. قلتَ لي إنه خطأ برنامج. فلماذا يدخل أحدٌ النظام في الثانية والربع فجرًا بحسابك؟
ساد صمتٌ طويل. قال الحاج أخيرًا: ربما سُرقت كلمة سرّي. — ربما. — لا أعرف ما تقصد. — لا شيء. — آدم، أنت أخلص رجلٍ عرفتُه. — وهذا ما يجعلني أخاف. لأن الإخلاص أحيانًا يكون سببًا كي يُستخدم المرء.
أطرق الحاج: سأفعل ما أستطيع لأحميك. لكنني لا أستطيع إيقاف ما بدأ. — ومن بدأه؟ — لا أعرف.
خرج آدم ويده على المقبض ترتجف. لم يكن متأكدًا ممّا سمعه: هل كان ذلك اعترافًا؟ أم رجلًا متعبًا أنهكته الأسئلة؟

وفي المدرسة كان يوسف يدخل الصفّ كأنه يدخل غابة. الرؤوس تلتفت إليه ثم تُشيح. وعلى خشب مقعده كتب أحدهم بقلمٍ أسود: “ابن الرجل الذي لا يكذب”. وتحتها، بخطٍّ آخر: “كذب”.
— أبوك لصّ، قال صبيٌّ من الصفّ الأخير بصوتٍ عالٍ. — لا، قال يوسف. — رأيناه على “يقظة”. — الجميع لا يعرفون شيئًا. — وأنت تعرف؟ — أعرف أن أبي لا يكذب. — لهذا بكى.
ضحك صبيّان، ثم ضحك الصفّ كله. ولم يكن في الضحك ما يشبه الضحك؛ كان شيئًا أشبه بحجرٍ يُلقى عليه من كل جهة. في الزاوية جلس رامي وحده، وجهه محمرّ. هو الذي كسر النافذة. هو الذي كان يعرف أن يوسف تحمّل ذنبه. ونظر إليه يوسف: نظرةً قصيرة فيها عتابٌ غريب وبرود. ثم حمل حقيبته وخرج من الصفّ. — إلى أين؟ نادى المعلّم. — إلى الحمّام. ولم يعد.

عند الثامنة مساءً كان آدم قد عاد إلى البيت. سميرة في المطبخ، وصحن الطعام على الطاولة لم يمسّه أحد. — أين يوسف؟ — في غرفته. لم يخرج منذ عاد من المدرسة. دخلتُ غرفته منذ ساعة وكان الباب مغلقًا. ناديتُه فلم يردّ. صعد آدم الدرج وطرق باب ابنه: يوسف، أنا أبوك. فتح الباب. الغرفة فارغة. السرير مرتّب. الحقيبة المدرسية ملقاة على الأرض، وخزانة الثياب مفتوحة نصف فتحة.
— سميرة! جاءت تركض. — أين ابنك؟ — يا إلهي.
وفي تلك اللحظة انفجر زجاج النافذة في الطابق الأسفل. صوتٌ متكسّر حادّ ملأ البيت. صرخت سميرة. ركض آدم إلى الأسفل: في وسط الصالة، بين شظايا الزجاج، حجرٌ كبير رمادي ملفوفٌ بورقة. انحنى والتقط الورقة. بخطٍّ أسود غليظ بلا توقيع:
“الصمت لا يُغتفر”.
نظر إلى النافذة المحطّمة. في الشارع المظلم سمع ركضَ أقدامٍ تبتعد، وضحكةً قصيرة، ثم صمتًا. همست سميرة: آدم. — لا تخافي. — أين يوسف؟ — سنجده.
أخرجت سميرة هاتفها بأصابعَ مرتجفة وفتحت تطبيق تحديد الأماكن الذي سجّلت عليه جهاز ابنها منذ الصيف. ظهرت نقطةٌ زرقاء صغيرة على الخريطة. تحدّق فيها وصدرها يعلو ويهبط. أدارت الشاشة نحوه. النقطة كانت ثابتة منذ الظهر عند منعطف الجامع الكبير. عند الرصيف نفسه. حيث كان العجوز يجلس.
ولاحظ المفارقة التي لا يملك أي روائيٍّ إلا أن يبتسم لها ابتسامةً مُرّة: الحجر الذي حطّم النافذة كتب عليه أحدهم “الصمت لا يُغتفر”. ومن رماه، على الأغلب، شابٌّ مثل شادي أو وائل، لم يبذل في حياته جهدًا واحدًا ليكسر صمته هو عن شيءٍ في حياته. وهكذا يصير الحجر واعظًا، ويصير الواعظ جبانًا يرمي من خلف السور. إن أكثر الناس حماسةً في إدانة الصمت هم، غالبًا، أكثر الناس صمتًا عن عيوبهم.

الفصل الرابع عشر

“الرجل عند الرصيف”
اليوم الحادي عشر
ركض آدم في الشارع المظلم وأنفاسه تتقطّع، وسميرة خلفه تحاول اللحاق به ويدها على صدرها. قال دون أن يلتفت: ابقي عند الباب. — لن أبقى. — إذن اتبعيني بهدوء. عند منعطف الجامع الكبير أبطأ خطواته. المصابيح الصفراء ضعيفة، والرصيف خالٍ، والمارّة قلّة. وعند الجدار، في المكان الذي لم يعتد أن يراه فارغًا منذ أيام، رأى ضوءًا صغيرًا: موقد غازٍ وإبريقًا أسود وكأسين من الصفيح. وإلى جانبه رجلان: عجوزٌ يلتحف معطفًا رثًّا، وولدٌ صغير بحقيبة مدرسية عند قدميه.
— يوسف!
رفع الصبي رأسه: أبي؟ — ما الذي تفعله هنا؟ — أشرب الشاي. — أمك تبحث عنك منذ الظهر. — لم أستطع. ركع آدم أمامه وأمسك وجهه بين يديه: هل أحدٌ آذاك؟ — لا. جئتُ لأنني أردتُ أن أرى المكان الذي تقف فيه كل صباح. أنت تعطيه المال كل صباح، ونظر إلى العجوز. أريد أن أعرف لماذا.
التفت آدم. كان العجوز ينظر إليه بعينين عسليتين باهتتين، وفي زاوية فمه ابتسامةٌ صغيرة لا تشبه ابتسامات المتسوّلين. — مساء الخير يا أستاذ آدم. — أنت تعرف اسمي. — منذ تسع سنوات. سمعتُ الناس ينادونك. — وأنا لم أسألك عن اسمك قط. — لا. لأنك لم تفكر أن تسأل.
شعر آدم بشيءٍ بارد يتسلّل إلى معدته. قال بصوتٍ منخفض: يوسف، اذهب إلى أمك. هي عند أول الشارع. وقف الصبي ونظر إلى العجوز: شكرًا على الشاي يا عمّ. — بالسلامة يا بني. — هل أعود؟ — إن شئتَ. وحمل حقيبته وركض نحو الضوء البعيد حيث وقفت أمه.
بقي الرجلان وحدهما. — اجلس، قال العجوز. جلس آدم على الرصيف البارد. — من أنت؟ — ألا تعرف؟ حاول. قبل ثلاثين عامًا. في الشركة.
تأمّله آدم. كانت عيناه هي نفسها. شيءٌ في الوجه، تحت الشيب والتجاعيد والتعب. وشفتان تتكلمان بنبرةٍ تعرفها كأنها خرجت من ذاكرةٍ قديمة. — لا يمكن. — اسمي منصور.
وكان الصمت بعدها كثيفًا. لم يتحرك آدم ولم يرمش. ثم شعر بالأرض تهتزّ تحته، بلا زلزال ولا ضجيج، كما يهتزّ بناءٌ حين يُنزع عمودٌ لا يُرى.
— أنت ميت.
— هذا ما قالوه.
— منصور… الحارس؟ كل هذه السنين؟
— تسع سنواتٍ هنا. وواحدٌ وعشرون قبلها في أماكن أخرى.
أطرق آدم. ولأول مرةٍ منذ طفولته لم يجد جملة. قال: كنتَ تمدّ يدك لي كل صباح. — وكنتَ تضع فيها المال. — وأنا… — ولم تسأل. — لم أعرف. — كان بإمكانك أن تعرف. — لم… — لم تُرد.
سأتركك، أيها القارئ، قليلًا مع هذا المشهد، لأنه أجمل ما كتبتُه وأقسى ما سمعتُه. تسع سنواتٍ وكل صباح: رجلٌ يعطي ورجلٌ يأخذ، وبينهما حفرةٌ بحجم العالم لم يعبرها أحد. ولم تكن الحفرة فقرًا ولا غنى؛ كانت امتناعًا عن سؤالٍ واحد: “ما اسمك؟”. لقد صنعنا حضارةً كاملة من الصدقات والمؤسسات الخيرية وصناديق التبرع، ولم نسأل الفقير سؤالًا واحدًا عن اسمه. وكأننا نخشى أنه إذا صار له اسم، فقد يصير له حقٌّ، وأن الحقّ أثقل على الجيب من الصدقة. أنت لا تصدّقني؟ إذن غدًا صباحًا، حين تمرّ بمن يمدّ يده إليك، ضع في يده شيئًا، ثم اسأله عن اسمه. وانظر ماذا يحدث في صدرك.
— لا أقول هذا لأحاسبك، قال منصور بهدوء. أقوله لأنني أريدك أن تسمع. كنتُ أتمنى كل صباحٍ أن تسأل: “ما اسمك؟”. هذا فقط.
أغمض آدم عينيه: لماذا لم تقل أنت؟ — لأنني لم أكن مستعدًّا. — لكنك كنتَ هنا. — كنتُ أنظر إليك، لأنني أردتُ أن أرى وجه من سكت. وكنتُ أنتظر أن أكرهك. — وهل كرهتني؟ — حاولتُ. — وماذا؟ — تعبتُ.
مدّ يده إلى الكأس الصفيح وصبّ شايًا جديدًا وناول آدم الكأس: اشرب. هذا شاي. ليس شيئًا آخر. أخذ آدم الكأس وأمسكه بكلتا يديه. قال بصوتٍ منخفض: كنتُ هناك، في الليلة التي… — أعرف. — رأيتُ فخري. — أعرف. — وأخذتُ مالًا. — أعرف. — وكتبتُ القيود في الدفتر. بخطّي. وأنا لم أفهم. — هذا لم أكن أعرفه.
رفع منصور رأسه: أنت كتبتَها؟ — وحرفاي بجانبها. حدّق فيه منصور، وطال الصمت. قال بعد زمن: كنتُ أظنّ أنك فقط شاهد. — وأنا كنتُ أظنّ ذلك أيضًا. — متى عرفتَ؟ — قبل يوم. — لهذا بكيتَ؟ — لا. بكيتُ قبل ذلك. لأنني سمعتُ اسمك على الإذاعة. ولم أستطع أن أقول لهم من أنا.
ابتسم منصور ابتسامةً مريرة: الرجل الذي لا يكذب. — لا تقل ذلك. لأنني كذبتُ ثلاثين سنة. — لا، قال منصور بهدوء. أنت لم تكذب. أنت سكتّ. — وهل هذا مختلف؟ — لا. لكنه أرحم. — لا أريد الرحمة. — لا. ولا أنا أمنحها.
نظر إلى الأضواء الصفراء المرتجفة: ماذا ستفعل الآن؟ — لا أعرف. وأنت، ماذا تريد؟ فكّر منصور طويلًا: أريد أن أنام ليلةً واحدة، وأنا أعرف أن أحدًا يعرف أنني أنا. وبعده أريد أن يقولها أحدهم بصوتٍ مرتفع، حتى أصدّق. — ماذا؟ — أن ما حدث لم يكن عدلًا.
شدّ آدم على الكأس: لم يكن عدلًا، قال بصوتٍ متكسّر. — قلها مرةً أخرى. — لم يكن عدلًا. — مرةً ثالثة. — لم يكن عدلًا يا منصور. أغمض منصور عينيه. ورأى آدم الدمعة الأولى تنزل على الخدّ الهزيل. لم يمسحها العجوز. تركها تسيل، كمن تأخّر في تلقّيها ثلاثين سنة. قال: شكرًا. — لا تشكرني. — أنا أشكرك على أنك قلتَها. الآخرون سيحتاجون وقتًا.
هل لاحظتَ أن كل ما أراده منصور، بعد ثلاثين عامًا من الظلم والتشرّد، لم يكن انتقامًا ولا تعويضًا ولا حتى براءة رسمية؟ كان يريد أن يقول أحدٌ بصوتٍ مرتفع: “لم يكن عدلًا”. كم من المظلومين في العالم لا يطلبون أكثر من هذه الجملة؟ وكم ندفع من الأموال والمحاماة والتسويات لنتجنّب جملةً من أربع كلمات؟ إن الاعتراف بالظلم أرخص من أيّ تعويض، ولهذا بالذات نبخل به.
نهض منصور وجمع الإبريق والكأسين والموقد في كيس قماش بحركاتٍ مألوفة. — سأذهب. إلى مكانٍ أنام فيه. — بيتي مفتوح. — لا أستطيع أن أنام في بيتك، لأنك ستقول لي إنك آسف حتى الصباح. ضحك آدم ضحكةً قصيرة وهو يبكي. — أنا لا أريد أسفًا. أريد حقيقة. — ستحصل عليها. — لن أنتظر ثلاثين سنة أخرى. — لن تنتظر.
مدّ منصور يده وضغط كتف آدم بقوةٍ مدهشة: عد إلى ابنك. أنا سأكون هنا غدًا. عند الرصيف. ومشى بخطواتٍ بطيئة حاملًا كيسه حتى ابتلعه الظلام.
بقي آدم وحده. ثم أخرج هاتفه وبحث عن رقم. — ألو؟ قالت هدى. — وجدتُه. منصور. هو حيّ. هو الرجل الذي عند الجامع. — أعرف. بلال أخبرني. — ولماذا لم تقولي لي؟ — لأنك لم تكن مستعدًّا. آدم، لديّ خبرٌ سيّئ. منصور مسجّلٌ رسميًّا ميتًا. منذ ثلاثة وعشرين عامًا. بطلبٍ من زوجته. وهذا يعني أن الميت لا يستطيع أن يرفع دعوى. لا أحد يستطيع أن يقاضي أحدًا باسمه إلا إن أبطلنا شهادة وفاته أولًا. — وكم يحتاج ذلك؟ — أسابيع. — وكم بقي لنا؟ — عشرة أيام.

الفصل الخامس عشر

“عين الحيّ”
اليوم الثالث عشر
في الصباح الثالث عشر لم تنم سارة. جلست على سريرها والهاتف في يدها، وعدّاد المتابعين يرتفع كل دقيقة: اثنان وستون ألفًا، ثم ثلاثةٌ وستون. قبل أسبوع كان لها أربعون. وكان في صدرها شيءٌ يشبه الغثيان.
دخلت سمر الغرفة بقهوتين: ابن آدم الخطيب اختفى أمس ووجدوه قرب الجامع الكبير. عادوا به بسلام، لكنّهم حطّموا نافذة بيتهم. وفي أسفل صفحتك تعليقاتٌ تقول إن منشورك أصل كل هذا. — أنا لم أقصد. — لا أحد يقصد.
جلست سمر على طرف السرير: سارة، أريد أن أريك شيئًا. صوري. التي التقطتُها تلك الليلة. لم أحمّلها إلا أمس. أخرجت من حقيبتها كاميرا صغيرة وأدارت الشاشة نحوها. صورةٌ ليلية للشارع المقابل للإذاعة: ضوءٌ أصفر، وأسفلتٌ مبلّل، ورجلٌ في سترة رمادية جالسٌ على حافة الرصيف، ظهره منحنٍ ورأسه بين يديه. وإلى جواره امرأةٌ شابة منحنية تضع يدها على كتفه. — هذا آدم؟ لم يكن يهرب. كان جالسًا. — نعم. وهذه موظفة الإذاعة. كانت تواسيه.
قلّبت سمر الصورة التالية. في الثالثة كان الرجل ينهض وحده وعلى وجهه أثر الدموع، ويمشي ببطء. لا يركض. — كان يمشي. وشادي قال إنه يهرب. — شادي قال ما سمعه. — وأنا نشرتُ ما قاله شادي. — وأنا لم أحمّل الصور في وقتها. — لا تلومي نفسك. — وأنتِ؟
حدّقت سارة في الصورة وقالت: سأنشرها. — الآن؟ وإن خسرتِ المتابعين؟ — أخسرهم. — أنتِ متأكدة؟ — لا. ابتسمت سمر: هذا جوابٌ صادق.
لقد قدّمتُ لك، قبل ثلاثة فصول، تشريحًا دقيقًا لكيفية صناعة الإشاعة. وقد آن لي أن أقدّم لك الوجه الآخر الذي لا يذكره أحد: إن تصحيح الإشاعة أبطأ منها بمئة مرة. فالصورة التي أنشرتْها سارة اليوم ستصل إلى عشرة بالمئة ممن وصلهم المنشور الأول؛ لأن الحقيقة لا تحمل إثارة، والبراءة لا تُعجب أحدًا. فتأمّل كم هو ظالمٌ هذا التفاوت، وتأمّل كم مرةً شاركتَ أنت في أول الحكاية، وغبتَ عن آخرها.

في الظهيرة كان أنس يجلس في غرفةٍ ضيقة تحت درج بيتهم أمام ثلاث شاشات وكومة أسلاك. في السابعة عشرة، نحيل، بنظارةٍ سميكة، يتكلم بسرعة كأن الكلمات تسبق أفكاره. وقفت رؤى في الباب منذ عشر دقائق. — أريد أن أعرف من أرسل لي هذه الرسائل. وضعت هاتفها أمامه فقرأ: “الساعة العاشرة والربع، عند باب الإذاعة الجانبي”. “شكرًا لأنك كنتِ في المكان المناسب”.
— أرقامٌ مؤقتة، رقمٌ افتراضي يُنشأ بالإنترنت ثم يُحذف. صعب، لكن ليس مستحيلًا. أعطني ساعة. وبعد خمسين دقيقة رفع رأسه: وجدتُ شيئًا. الرقم نفسه استُخدم لإرسال رسائل أخرى. إلى وائل صاحب قناة “يقظة”. وإلى سارة. وإلى امرأةٍ اسمها أروى، مسجّلةٍ بهذا الاسم على الحساب الرئيسي. باحثةٌ مستقلة. تنسّق الرسائل لصاحب الحساب. ومن هو؟ هذا ما لم أجده بعد.
ظهرت رسالةٌ على شاشته فجأة: “احذف ما كتبتَ. أنت لا تعرف مع من تتعامل”. جمد أنس. — هل تُهدَّد؟ — ربما. لا بأس. أنا فقط أريد أن أحذّر شخصًا. الصحفي الذي كتب عن القضية. نادر. لأنه الوحيد الذي سيعرف ماذا يفعل.

في الرابعة بعد الظهر كان مقهًى صغير قرب الجامعة شبه فارغ. جلست سارة وسمر ورؤى على طاولةٍ واحدة، وأمامهن امرأةٌ شابة في الخامسة والعشرين، أنيقة، بهاتفٍ في يدها وكوب شاي لا تشربه. — أروى؟ قالت سمر. أنتِ من أرسلتِ الرسائل. — أنا أنفّذ مهامّ. عرفتُه من إعلان: “باحثةٌ لمشروعٍ صحفي. أجرٌ جيد. عملٌ من البيت”. كنتُ أريد المال. طلب أن أجمع معلومات، وأن أراقب أشخاصًا، وأن أرسل رسائل في أوقاتٍ محددة. قال إن هناك فتاةً سترى شيئًا مهمًّا وإنني يجب أن أجعلها تذهب.
— كيف عرف أنني سأذهب؟ — لا أعرف. — لماذا لم تسألي؟ — لأنني كنتُ أحتاج المال. — وماذا عن منشور سارة؟ — هو أعطاني فكرة. قال: ابحثي عن حسابٍ يحبّ الإثارة. أعطيه معلومةً بسيطة وسيتولّى الباقي. نظرت سارة إلى يديها: وكأنني أداة. — كلنا كذلك.
— وكيف تتواصلين معه؟ — رسائلُ مشفّرة. كان يوقّع بحرف الفاء. “الأستاذ ف”. ذهبتُ إليه مرةً واحدة في مكانٍ عام: رجلٌ في الخامسة والخمسين، ملامحه عادية، لكنه يتكلم بهدوءٍ مخيف. رأيتُ في يده بطاقةً صحفية قديمة باهتة مكتوبٌ عليها: فؤاد. — كيف عرف عن الظرف الأصفر؟ سألت رؤى. — قال لي: هناك رجلٌ يعمل في قبو الشركة يخبرني بكل شيء. الحارس. — حارس الأرشيف؟ — لا أعرف اسمه.
ساد صمت. ثم قالت رؤى: هو الذي اتصل بالإذاعة؟ إذن كل هذا مرتّب. — ولماذا؟ — لا أعرف، قالت أروى بصدق. قال إن الناس لا يتحركون إلا حين يشعرون أن الوقت ينفد.
في تلك اللحظة دخل رجلٌ إلى المقهى: بلال. وجهه متعب، وفي يده هاتفه. كان يريد أن يشكر سمر على الصور. قال: الناس بدأوا يرون الحقيقة. — قليلًا، قالت سارة. — قليلًا يكفي. نظر إلى أروى: من هذه؟ وقبل أن تكمل سمر اهتزّ هاتف بلال على الطاولة وأضاءت الشاشة: رسالةٌ جديدة من مرسلٍ محفوظ باسمٍ واحد: “الأستاذ ف”. وفوقها بحروفٍ قصيرة: “آن الأوان يا بلال. هل أنت جاهز؟”.
رآها الجميع. وتجمّد بلال. قالت أروى بصوتٍ منخفض: هذا الاسم. هذا هو. الذي يديرني. نظر إليها بلال، وفي عينيه ما يشبه انهيار جدار. قال:
— هذا مصدري. منذ سنتين.
آه، يا صديقي. ها هو الخيط الذي أغراك بكل ما سبق يبدأ بالتحرّك بين أصابعنا: كلّ هذه الأحداث، وكل هذه الصدف، وكل هذه الأسرار التي تُفتح في أوقاتها المناسبة كأن أحدًا يعزف عليها… هل كنتَ تظنّ أن الرواية مجرّد مصادفات؟ لا. لكنني سأطلب منك، مجددًا، ألّا تُسرع إلى اتهام “الأستاذ ف”. وذلك، لا خوفًا عليه، بل خوفًا عليك: فلقد رأيتَ في الفصول الأخيرة كيف يؤدي بنا ظنٌّ سريع إلى حجرٍ على نافذة.

الفصل السادس عشر

“مفتاح الأمانة”
اليوم الرابع عشر
في الصباح الرابع عشر وقفت لبنى أمام باب بيت أمها وفي يدها وردةٌ بيضاء. في الثامنة والثلاثين، محاضِرةٌ في الجامعة، بشعرٍ مرتّب وثوبٍ أخضر داكن، وفي عينيها تعبٌ لم يظهر في صوتها. كانت قد سمعت الإذاعة قبل ثلاثة أيام ولم تنم بعدها. ضغطت الجرس. — لبنى؟ قالت سعاد وهي تفتح الباب. لم تخبريني أنك قادمة.
جلستا في الصالون الصغير حيث صورة الأب فخري معلّقة على الجدار منذ ثلاثين سنة: رجلٌ وسيم بنظارة، يبتسم ابتسامةً مهذبة، وفي عينيه حزنٌ لا يليق بصورة تذكارية. — أمي، سمعتُ اسم أبي على الإذاعة. ذكروا الشركة ومنصور وفخري. أريد أن أعرف ماذا فعل. — لم يفعل شيئًا. كان رجلًا صالحًا. — لا أسأل عن صلاحه. أسأل عمّا فعل. — لماذا الآن؟ — لأنني لم أسأل قبل الآن. — لأنك كنتِ طفلة. — وأنا الآن لستُ طفلة.
سكتت سعاد طويلًا. وفي صمتها كان ثلاثون عامًا من الخطوات الحذرة حول كلماتٍ لا تُقال. — هل كنتِ تعرفين؟ — نعم. قبل أن يموت. قال لي إنه ظلم رجلًا وإنه يريد أن يعترف. وقلتُ له: لا. — لماذا؟ — لأنني كنتُ أريد أن أحميك. من الفضيحة. كنتُ شابة، وزوجي مريض، ولي طفلةٌ في الثامنة. — وهل كان اعترافه سيقتلنا؟ — كان سيدمّر اسم العائلة. — واسم منصور؟ — لم أفكّر فيه. — لماذا؟ — لأنني لم أعرفه.
بكت سعاد. كان بكاءً مختلفًا عن البكاء الذي تعرفه لبنى: لا نحيب فيه، بل هبوطٌ بطيء كأن شيئًا يتفتّت من الداخل. — أنا لم أكن شجاعة. كنتُ أقنع نفسي كل يوم: دعنا نعيش. — ونحن عشنا. — وعشنا. — على حساب من؟
لم تجب سعاد. قامت لبنى وركعت أمامها وأمسكت يديها: لا أقول هذا لأحاسبك. أقوله لأنني أريد أن أعرف من أنا. — أنتِ ابنتي. — وابنة رجلٍ ظلم رجلًا. — وابنة امرأةٍ سكتت. — وهل تكرهينني؟ — لا. — وأنت؟ — أنا أريد أن أفعل شيئًا. ما لم تفعلاه.
في هذا المشهد أهمّ ما في الرواية كلها، فيما أرى: أن هناك ضحايا لا يُذكرون حين نتحدث عن الظلم، هم أبناء الظالمين. لبنى لم تُجرم، لكنها ورثت ذنبًا لم تختره، ويداها نظيفتان من ظلمٍ ما زال يلتصق بجبينها. وهذه حالُ أجيالٍ كاملة في أماكن كثيرة: أبناء الذين فعلوا، وأحفاد من صمتوا. وقد علّمتنا الأديان والفلسفات أن الإنسان لا يُحاسب بجريرة أبيه، ثم علّمتنا الحياة أن الوراثة المعنوية موجودةٌ مع ذلك، وأن الشجاعة الحقيقية هي أن يقول الوارث: لم أفعلها، لكنني سأصلحها.

في المساء طرقت جارةٌ مسنّة باب سعاد: خلود، في السبعين، بثوبٍ أسود وفي يدها طبق حلوى. جلست في الصالون على الطرف الأقصى من الأريكة لا تنظر إلى صورة فخري. — سمعتُ أن الجدران تتكلم. تقول إنك تحملين سرًّا. — منذ ثلاثين سنة. — كنتُ أحكم عليك. حين مات فخري كنتِ لا تبكين في الجنازة، ولا تلبسين الأسود أكثر من ثلاثة أيام، ولا تذكرينه. قلتُ للجارات إنك باردة وإنك لم تحبّيه.
ابتسمت سعاد: كنتِ على حق. — لا. كنتِ تحملين شيئًا لا نعرفه. — لم أكن أحمله. كنتُ أختبئ خلفه. الصمتُ أريحُ من الحزن. — أنا جئتُ لأعتذر عن ثلاثين سنة من الأحكام. — لا تعتذري. كلنا كنا نحكم. لا أحد يعرف ما في صدر غيره. لكن يكفي أنك جئتِ.

بعد الظهر في اليوم نفسه كان إسماعيل يجلس في غرفةٍ صغيرة ملاصقة للمسجد الكبير. أمين المسجد، في السادسة والستين، بلحيةٍ بيضاء مشذّبة وعمامةٍ صغيرة، وأمامه خزانةٌ خشبية ثقيلة مليئة بالمفاتيح. دخلت لبنى ومعها سليم. قال: هذه لبنى، ابنة فخري. رفع إسماعيل عينيه: رحمه الله. أنتِ تشبهينه. — جئنا نسأل عن أمانةٍ تركها فخري عندك. أطرق: إذن جاء وقتها. كنتُ أعرف أن أحدًا سيأتي. قال لي: يا إسماعيل، احتفظ بهذا المفتاح. لا تسأل لأيّ شيء هو. ولا تعطه إلا لمن جاءك يسأل عن منصور. وقلتُ: حاضر. — ولم تسأل؟ — الأمانة لا تُسأل. قلتُ لنفسي: ما لا أعرفه لا يعذّبني.
هذه، ويا لها من عبارة، حكمة نصف الأمناء في كل زمان: “ما لا أعرفه لا يعذّبني”. وما أقدرها على حماية الناس من الذنب! لو كان هناك دينٌ للجهل المتعمّد لكان إسماعيل كاهنه الأعظم. ويا سيدي القارئ، لا تظن أنني أسخر منه؛ فأنا أعرف أنني قلتُ هذه الجملة نفسها مراتٍ لا أحصيها، حين كان الجواب على بعد سؤالٍ واحد.
ابتسم سليم ابتسامةً حزينة: أنت لست وحدك. — وهل هذا عزاء؟ — لا. مدّ إسماعيل يده إلى الخزانة وفتح درجًا سفليًّا بمفتاحٍ صغير، وأخرج من بين الأقمشة قطعةً مغلّفة بخرقةٍ بيضاء. فتحها ببطء: مفتاحٌ قديم حديدي ثقيل، طوله عشرة سنتيمترات، وقبضته مستديرة، لونه أسود مائل إلى الصدأ. — وماذا يفتح؟ — لا أعرف. قال إنكم ستعرفون.
أخذته لبنى بأصابع مرتعشة وقلّبته. وعلى قبضته نقشٌ صغير بالكاد يُرى: رقمٌ واحد. “3”. — ثلاثة؟ همست. — أيّ ثلاثة؟ سأل سليم. وكان قد جمّد. قال بصوتٍ منخفض: المخزن الثالث. لا يوجد غيره.

في المساء كان الجميع في مكتب هدى: هدى، وبلال، وسليم، ولبنى، وآدم. على الطاولة، في الوسط، المفتاح الأسود. — يفتح المخزن الثالث؟ — لا أعتقد أنه يفتح بابه، قالت هدى. الخزنة. التي ذكرها إياد. التي وضع فيها فخري الظرف. — إن لم يُهدم المبنى. — ومتى يُهدم؟ نظر آدم إلى الأرض: قال كريم إن العقد يُوقَّع الأربعاء وإن الآلات تبدأ فجر اليوم نفسه. — أربعة أيام. أي أن الخزنة التي تحمل كل ما تركه فخري ستُدفن تحت الركام بعد أربعة أيام. — وأن القانون سيسقط بعد سبعة.
نظر بلال إلى المفتاح الأسود على الطاولة: قطعةٌ صدئة صغيرة تحمل ثقل ثلاثين سنة. ثم قال: ربما لم يكن الظرف الأصفر وحده من وضعنا في طريقه. أقصد أن هناك من يريد أن نصل إلى هناك قبل الهدم. — ومن؟ — لا أعرف. — ولماذا؟ — هذا هو السؤال.

الفصل السابع عشر

“الأرقام لا تكذب”
اليوم الخامس عشر
في السابعة صباح اليوم الخامس عشر دخل أيمن استوديو “الحقيقة أولاً” وهو يحمل حقيبة ملفاتٍ رمادية. في الثالثة والثلاثين، محللٌ ماليّ مستقل، بنظارةٍ رفيعة وبدلةٍ أنيقة، وكان يكتب مقالاتٍ في صحفٍ اقتصادية عن “الشفافية في الشركات”. جلس أمام الميكروفون ورنا تحدّق فيه من الجهة الأخرى.
— أستاذ أيمن، أنت تقول إن لديك وثائق عن تمويل الصمت الذي دار حول قضية منصور. — مئةٌ في المئة. تقول الأوراق إن الحاج توفيق، مالك شركة التجارة الحديثة، موّل بنفسه سلسلة مكافآتٍ شهرية لموظفين قدامى بهدف شراء صمتهم. تحويلاتٌ بنكية. — من أين لك الوثائق؟ — من مصدرٍ موثوق. لا أستطيع الكشف. — إذن لا أستطيع أن أقول إنها موثوقة. ابتسم أيمن بتعالٍ خفيف: أنتِ لم تكوني بهذه الدقة قبل سنوات.
أحسّت رنا بوخزةٍ صغيرة لكنها لم تُظهرها: هل أنت متأكد أن الحاج هو الذي أصدرها؟ — الحساب يحمل اسم الشركة. — والشركة ليست هو. — لكنه المالك. — والمالك لا يوقّع كل شيء. ثم قالت: هل تسمح لي بأن أتحقّق أولًا؟ من مصدرٍ ثانٍ. — البرنامج مباشر. — وأنا سأوقفه.
ضغطت زرًّا. ساد صمتٌ في الغرفة. رفع ماهر رأسه بدهشة: هل أوقفتِ البثّ؟ لماذا؟ — لأنني لا أريد أن أقول اسمًا قبل أن أتحقّق ثلاث مرات. — أنتِ تعرفين أن هذا يُضيّع الإثارة. — أعرف. ونظرت إلى أيمن: سنعيد الحلقة بعد التحقق. إن كان كلامك صحيحًا فلن يضرّك أن تنتظر. — وإن كان خاطئًا؟ — فسأكون قد أنقذتك.
هل تذكر ما كتبه معتزّ في دفتر رنا؟ لقد تعلّمت. وهذه اللحظة، التي أوقفت فيها امرأةٌ برنامجًا مباشرًا لأنها لا تريد أن تظلم، هي أندر ما في زمننا الحاضر. فنحن نعيش عصر “الآن!”، حيث تُقاس القيمة بالسرعة، وحيث الذي يتحقق يتأخر، والذي يتأخر يخسر، والذي يخسر يُنسى. فمن الذي سيدافع عن هذه الدقائق الثلاث التي تفصل بين الاتهام والتأكّد؟ ربما لا أحدٌ سوى امرأةٍ سبق أن ظلمت.

بعد ساعتين كان مراد يقف أمام لوحٍ أبيض كبير في مكتب هدى. في الثانية والثلاثين، محلل بيانات، نحيل، هادئ الصوت، يكتب بخطٍّ صغير جدًّا كأنه يخشى أن يزعج الورق. وكانت هدى قد اتصلت به صباحًا بعد أن طلبت منها رنا مصدرًا ثانيًا. قال وهو يشير إلى أوراق أيمن: هذه الوثائق حقيقية، لكنه قرأها خطأً. كتب على اللوح عمودًا من الأسماء: “سليم. إياد. نبيل. عادل. رامز…”، وبجانب كل اسمٍ تاريخٌ ومبلغ. هذه المكافآت الشهرية للقدامى، تُدفع كل شهر منذ عشرين عامًا. لكنها لم يصدرها الحاج. رسم سهمًا أحمر من الأسماء إلى مربعٍ صغير وكتب فيه: “م. القاسم”.
— معاذ؟ — معاذ القاسم، عضو مجلس الإدارة. يدير شركةً صغيرة تابعة. المبالغ تخرج من حسابها وتُسجَّل في الدفاتر تحت بند “مكافآت ولاء”. وأرقام الشركة الأم لا تحوي هذه المبالغ. من يدفع بهذا الشكل يريد ألّا يراه أحد. — وهدية سليم؟ — التوقيت ينسجم. — يعني أن معاذ هو من يشتري الصمت، لا الحاج. — على ما يبدو.
في الثالثة وصل حسام: رجلٌ في الخامسة والخمسين، قصير القامة، بمعطفٍ بنيّ قديم، وفي يده ظرفٌ سميك. أرشيفيّ سابق في وزارة الصناعة. قال: لا أعرف إن كان هذا ما تبحثون عنه. قبل ثمانٍ وعشرين سنة كنتُ موظفًا صغيرًا، كُلّفتُ بمراجعة تقريرٍ عن عجزٍ في مخزن شركة التجارة الحديثة. وجدتُ أن الأرقام لا تتفق مع الحارس؛ هو لا يستطيع أن يسرق بهذه الطريقة. كتبتُ ذلك. وغُيّر التقرير. غيّره مدير القسم. ولم أعترض، لأنني كنتُ أريد أن أحتفظ بوظيفتي. لكنني صوّرتُ مسوّدتي الأصلية وخبّأتُها. — ثمانٍ وعشرين سنة؟ — ربما لأنني أردتُ أن أبرر لنفسي أنني لم أسكت بالكامل.
فتحت هدى الظرف: ورقةٌ بخط ماكينةٍ قديمة وعليها ختم الوزارة، وفي أسفلها: “لا يوجد دليل على تورط الحارس”. — والمدير؟ — اسمه محمود. أصبح وكيل وزارة. اتصلت هدى. قالت: سيدي، لديّ مسوّدة تقريرٍ عن مخزن التجارة الحديثة من ثمانٍ وعشرين سنة. ساد صمت. — وهل أنت من غيّر الصياغة؟ — نعم. حفاظًا على الاستقرار. استقرار شركةٍ كانت تدفع نصف ضرائب المدينة. — وعلى حساب رجلٍ بريء؟ — لم يكن بريئًا، قال محمود بصوتٍ ضعيف. — ما يدريك؟ — لم أكن أعرف. — إذن كيف تحكم؟ — أنا لم أحكم. أنا فقط… أنهيتُ. — وهل ترتاح؟ — لا. وأغلق الخط.
“أنا لم أحكم. أنا فقط أنهيتُ”. هذه هي الصيغة الإدارية للجريمة. لقد تعلّم الظلمُ في القرن الماضي ألّا يتكلم بلغة الأقوياء، بل بلغة الموظفين: “أنهيتُ”، “سلّمتُ”، “حوّلتُ”، “وقّعتُ دون أن أقرأ”. وكل فعلٍ من هذه الأفعال يبدو بريئًا بمفرده، حتى إذا اجتمعت عشرات الأفعال البريئة، خرج من بينها رجلٌ ينام في الشارع ثلاثين سنة. أيها القارئ: هل ما زلتَ تظن أن الشر يحتاج إلى أشرار؟

في السادسة مساءً كان مراد لا يزال في المكتب. كل من في الغرفة ذهب، وبقيت الأضواء الباردة وضجيج المراوح الصغير. وكان على الشاشة أمامه جدولٌ طويل من التحويلات. حتى توقّف. غريب. نظر مرةً أخرى. ثم نادى: هدى! انظري. أشار إلى مدخلٍ صغير في أسفل الجدول يتكرّر كل شهر منذ ثلاثين سنة في اليوم نفسه: “من: حسابٌ شخصي. ت. الراشد. إلى: حساب. منصور الخليل. المبلغ: 2000”.
— الحاج توفيق؟ ثلاثون سنة؟ — ثلاثمئة وستون تحويلًا. لحسابٍ باسم منصور. — وهل سُحب منه؟ — الرصيد كله موجود. لم يُسحب منه قرشٌ واحد. وقفت هدى بلا حراك. — أيمن كان سيقول إنه ثمن الصمت. ولكن من يشتري الصمت لا يترك المال دون أن يُقبض. إذن هذا ليس ثمنًا. — تعويض؟ — أو اعتذار. — أو ذنب. — أو الثلاثة. — وهو لا يعلم. — لا أحد أخبره. أطفأ مراد الشاشة. وفي الصمت قالت هدى كمن تكلّم نفسها: من يشتري الصمت لا يترك مالًا كهذا في بنك. — ومن يريد اعتذارًا لا يجد طريقةً إلا بحسابٍ لا يراه أحد.

الفصل الثامن عشر

“رسالة من الحاج”
اليوم السادس عشر
بيت الحاج توفيق عند أعلى التلّ، تحيط به أشجار صنوبرٍ قديمة، وبوابته الحديدية مفتوحةٌ دائمًا كأن أحدًا ينتظر. في السادسة مساء اليوم السادس عشر جلست لمى على درجات الشرفة وإلى جانبها عمر. لم يعرف أحدٌ منهما كيف أصبحا هنا. — أبي طلب أن أبقى. قال إن شخصًا سيأتي. — لمى، أريد أن أقول لك شيئًا. أنا أعمل في الإذاعة التي تحدثت عن شركة أبيك. — أعرف. منذ اليوم الثاني. رأيتُك تمحو رسالةً قبل أن ترسلها. كنتُ أنتظر أن تقولها أنت. — آسف. كان يجب أن أخبرك. — وكان يجب أن أخبرك أنا عن أبي. يخرج كل جمعة وحده إلى المخزن الثالث. يجلس هناك ساعة ثم يعود ولا يتكلم حتى الصباح. منذ كنتُ في الخامسة عشرة. لماذا لم تسأليه؟ — لأنني كنتُ أخاف من أن يجيب.
وفي تلك اللحظة ظهرت سيارةٌ بيضاء صغيرة عند البوابة، ونزل منها رجلٌ في الثامنة والخمسين ببدلةٍ رمادية وبيده حقيبة. أستاذ آدم، قالت لمى. — الحاج يطلبني. — نعم. ادخل.

كان مكتب الحاج في الطابق الثاني عند آخر الممرّ، ورائحة التبغ تفوح من الباب قبل أن يُفتح. جلس الرجل خلف مكتبه الخشبي الكبير، وأمامه منفضةٌ تفيض بأعقاب سجائر وفنجان قهوةٍ بارد. كان يبدو أصغر مما في المكتب بكثير: كتفاه نازلتان، ويداه ترتجفان، ووجهه شاحب. — اجلس. شكرًا لأنك جئت. — طلبتَني. ماذا تريد؟ — أن أقول لك شيئًا. لا. أنت أولًا. أنت تعرف.
نظر آدم إليه طويلًا. وفي عينيه لم يكن غضبٌ بعد، بل تعبُ رجلٍ يجمع قطعًا متفرقة. — القيود. أنت أدخلتها. — نعم. — الثانية والربع فجرًا. لماذا؟ — لأنني أردتُ أن تُرسَل إلى القبو. — أنت وضعتَ الظرف. — نعم. وكتبتُ الرقم بيدي. وكنتُ أرتجف أكثر وأنا أكتب. — ورائحة التبغ؟ — كنتُ هناك قبل نزولك بنصف ساعة. كنتُ أقف عند الباب الآخر. ولم أجرؤ.
ضحك آدم ضحكةً جافة لا تشبه الضحك: أنت تعرف ماذا فعلتَ بي؟ بابني؟ — لم أتوقع المنشور. — وبسامر؟ — كان يجب أن يخاف قليلًا. — قليلًا؟ — أنا لا أبرّر. — لماذا فعلتَها؟
أغمض الحاج عينيه: سأقول لك. لكن لا تقاطعني. قبل ثلاثين سنة حدث شيءٌ في هذه الشركة لا أستطيع أن أنساه. لم أكن أنا الوحيد الذي صمت، لكنني الوحيد الذي ورث. ورثتُ الشركة والخزنة والسرّ. — هل كنتَ تعرف؟ — بعد وفاة أخي. — وماذا فعلتَ؟ — لا شيء. — ثلاثين سنة؟ — لأنني جبان. قلتُها. لا أحد يقولها.
أتوقف هنا لأطلب منك طلبًا غريبًا: لا تكره الحاج توفيق. أعرف أنك تريد. لقد أخذ من الخزنة، وصمت، وورث الجرم كما يرث العقار، وتركنا نحلم بأنه رجلٌ عاديّ. لكنّ هذه الجملة الأخيرة، “لأنني جبان، قلتُها، لا أحد يقولها”، أجمل جملةٍ في فمه. وما أكثر الذين لا يستطيعون قولها حتى لأنفسهم! إن بين الحاج الذي يعترف بجبنه، والجبان الذي يزعم أنه شجاع، مسافةً أطول بكثير مما بين المجرم والبريء.
— ولماذا الآن؟ — لأن الوقت ينفد. الواحد والعشرون يومًا. بعده لا أحد يستطيع أن يحاسب أحدًا. — وهذا يريحك. — هذا ما كنتُ أنتظره. وغيّرتُ رأيي. لأنني عرفتُ أنني لا أريد أن أموت وأنا مرتاح. — لماذا أنا؟ — لأنك لا تكذب. — أنا كذبتُ. — لم تكذب. سكتّ. وهذا يعني أنك قادرٌ على أن تتكلم. — وأنت لا تستطيع أن تقول بنفسك؟ — لا. لأن الاعتراف بصوتي أصعب من أن يُضبط عليّ. أن تقول “أنا فعلتُ” شيء. وأن يقولوا لك “أنت فعلت” شيءٌ آخر. الأول قرار. والثاني قدر. أريد ألّا أكون من اختار. — هذا جبنٌ آخر. — نعم.
جلس آدم بلا حركة. قال بعد قليل: هل تعرف ماذا وجدنا؟ حسابًا باسم منصور. ثلاثمئة وستون تحويلًا. لم يُسحب منها شيء. أطرق الحاج: وجدتموه. لم يكن لي أن أعرف أين هو. وكنتُ أدفع كل شهر لرجلٍ ظننتُه ميتًا. — هو حيّ. رفع الحاج رأسه بحدّة: ماذا؟ — وهو في هذه المدينة. عند الجامع الكبير. على الرصيف. منذ تسع سنوات.
اتّسعت عينا الحاج. وفي لحظةٍ بدا عليه كأن شخصًا دفعه من الخلف. — الجامع… هناك أمرّ كل جمعة. — أعرف. وأنا مررتُ به كل صباح. — ولم نسأله. — ولم نعرفه. وضع الحاج يده على فمه وتنفّس ببطء. وفي عينيه دموعٌ لا تنزل. — كم بقي لي لأرى وجهه؟ — لا أعرف. — سيهدمون المخزن الثالث الأربعاء. المجلس يملك الأغلبية. ولو اعترضتُ لسألوا لماذا. — وإن هُدم؟ — ستضيع الخزنة. التي تركها أخي. لا أملك المفتاح. حاولتُ مرةً قبل عشرين سنة. لم أستطع. لأنني خفتُ مما فيها. — وماذا فيها؟ — الحقيقة. وأنا أريدكم أن تفتحوها. كلكم. الذين صمتوا.
أخرج آدم من حقيبته المفتاح الأسود ووضعه على المكتب. تأمّله الحاج ثم مدّ يده ولم يلمسه: هذا هو. ظننتُ أن أخي أخذه معه إلى القبر. — لم يأخذه. — إذن لم يمت بلا اعتراف تماماً. — لا. أبعد يده: خذه. أريدكم أن تذهبوا إلى هناك وتفتحوا. وأنا سأكون هناك حين يجتمع الجميع.
نهض آدم: الحاج، الذي أخذ المال، من كان؟ تجمّد الحاج. نظر إلى المنفضة، وإلى الفنجان البارد، وإلى يديه. قال أخيرًا: فخري لم يكن الوحيد. لكنني لن أقول لك من هو. — لماذا؟ — لأنني لا أستطيع. اسمعوه هناك. الذي كان يعرف. ولم يجب عن سؤال “ومن هو؟”. وحدّق في الباب كأنه يرى من ورائه ثلاثين سنة. ثم قال، بصوتٍ أخفض من أيّ صوتٍ قاله ذلك اليوم:
— أردتُ أن أُضبط قبل أن أضطر إلى الاعتراف.

الجزء الرابع: الأرض الخضراء

الفصل التاسع عشر

“المخزن الثالث”
اليوم السابع عشر، ليلاً
عند منتصف الليل كان الميناء القديم صامتًا إلا من ارتطام الأمواج الخفيف بالأرصفة المتآكلة. وفي آخر الشارع الترابي، خلف سورٍ من الصفيح، وقف المخزن الثالث كجثةٍ ضخمة تنتظر من يوقظها: مبنًى حجريٌّ طويل، سقفه من الحديد المموّج، وبابه الرئيسي مقفلٌ بسلسلةٍ صدئة. أضاءت المصابيح اليدوية الواحد تلو الآخر. — هنا، قال إياد. كان واقفًا عند بابٍ جانبي، وعلى رأسه ضمادٌ أبيض وفي يده مفتاحٌ صغير. — ثلاثين سنة حرستُ هذا الباب. أدار المفتاح فصرّ الباب صريرًا طويلًا، وخرجت من الداخل رائحة غبارٍ وزيتٍ قديم ورطوبة.
دخلوا واحدًا بعد آخر وأضواؤهم ترتجف على الجدران: رفوفٌ حديدية فارغة، وأكياسٌ متعفّنة، وصناديق خشبية مكسورة، وسقفٌ عالٍ تعلوه خيوط عنكبوتٍ كالستائر. وفي قلب المخزن فراغٌ واسع تحيط به أعمدة. — اجلسوا، قالت هدى. — أين؟ سأل رامز. — على أيّ شيء. وضع سليم صندوقًا خشبيًّا على الأرض وجلس، واحدًا بعد آخر جلسوا في دائرةٍ غير منتظمة: سليم، وإياد، وآمنة، ونبيل الموثّق، والقاضي المتقاعد عادل، والإمام بشير، ومنير بائع الكتب، ورامز التاجر. وخلفهم واقفين أو جالسين على الأرض: سلمى، وإسماعيل، وجمال، ورشيد، وسعاد، ولبنى. وبلال ومريم متجاورين لا ينظر أحدهما إلى الآخر. ونادر يسند كتفه إلى عمود. ورنا تحمل مسجّلًا صغيرًا وتقف قرب الباب. وآدم وحده عند طرف الدائرة.
— سنبدأ، قالت هدى. ليس بمحاكمة ولا بتحقيق. فقط قول ما حدث. — ولماذا هنا؟ سأل نبيل. — لأن هنا بدأ كل شيء. — ومن سيبدأ؟ — من يشاء.
ساد صمت. ثم قال سليم: أنا. أنا قلتُ لكم في بيتي، لكنني سأقولها هنا. أنا قبلتُ هدية من فخري وصمتّ. وهذا ما سأحمله. — وماذا فعلتَ بالهدية؟ سألت لبنى بصوتٍ مرتعش. — ما زلتُ أحتفظ بها. لم أستطع أن أبيعها، لأن بيعها كان يعني أنني غفرتُ لنفسي.
تململ نبيل، في الخامسة والستين، بنظارةٍ سميكة ومعطفٍ أسود مكوي، يمسك يديه خلف ظهره: أنا الموثّق. وقّعتُ تنازل الأرملة. — لماذا لم تشرح لها؟ سألت مريم. — لأن الشركة طلبت إنهاء الأمر بسرعة، وكنتُ أعمل لحسابهم. وكنتُ أعرف أنها لم تفهم.
هزّ القاضي المتقاعد رأسه ببطء. عادل، في الثامنة والستين، ببدلةٍ قديمة وعينين يغشاهما تعبُ القضاة بعد أن يحكموا: جاءتني زوجة منصور وقالت إن هناك ظلمًا. قلتُ لها: لا يوجد توكيل. لا أستطيع أن أتدخل. كان بإمكاني أن أسأل. لكنّ القضاة لا يسألون من لا يطلب منهم رسميًّا. — وهل كان عدلًا؟ — لا.
قال الإمام بشير بصوتٍ هادئ يعرف كيف يحتلّ مكانه: أنا كنتُ أؤمن بتوبة فخري. جاءني قبل وفاته وقال: يا شيخ، أنا أذنبتُ. وبكى وطلب أن أدعو له. ودعوتُ. ولم أسأله ماذا فعل، لأنني ظننتُ أن التوبة بين العبد وربّه. — وبين العبد ومنصور؟ — لم أفكّر. وكنتُ أؤمّ المصلين في الجامع الذي يجلس عند جداره منصور. وكنتُ أقول له: “الله يعطيك”. — وهو لم يكن يحتاج إلى عطاء، قال منير بصوتٍ خافت. كان يحتاج إلى اسم.
أرجو أن تقبل منّي هنا جرأةً ربما لم تعتدها في رواياتٍ كثيرة. إن إمام الجامع والقاضي والموثّق والمعلّم والأمين، الذين نحب أن نعلّق على صدورهم أوسمة الأخلاق، كانوا، في هذه القصة بالذات، صفّ الدفاع الأول عن الظلم. ولا أقول هذا استخفافًا بالدين ولا بالقضاء ولا بالتعليم، فالمؤسسات النبيلة تتألّف دائمًا من بشر، والبشر يخافون. لكنني أقوله لأنه آن الأوان أن نكفّ عن الاعتقاد بأن “الصفة” تمنح صاحبها الضمير. فالعمامة لا تمنح الشجاعة، والرداء القضائي لا يمنح العدل، والشهادة الجامعية لا تمنح الصدق. إن الضمير شيءٌ يُمارَس كل يوم، أو يموت.
أمسك رامز أصابعه معًا. كان رجلًا في السبعين، سمينًا قليلًا، بقميصٍ مفتوح العنق: أنا لم أفعل شيئًا. — وهذا هو الشيء، قالت لبنى. — كان لي شراكةٌ مع الحاج الكبير. وحين طُلب مني أن أوافق على “التسوية” أومأتُ. لأنني لم أكن أريد أن أخسر شراكتي. وربحتُ الكثير. — وهل كنتَ تعلم أن ما ربحتَه جاء من ظلم؟ — كنتُ أعلم، قال بصوتٍ منكسر. فقط لم أسمِّه.
تتابعت الاعترافات في الظلام. وكان لكل اعترافٍ طعمٌ مختلف: بعضها ثقيل كالحجارة، وبعضها خفيفٌ كاعتذارٍ لا يعرف إلى من يتجه. وحين فرغ الجميع لم يبقَ إلا آدم. وقف. — أنا لم أقل. رأيتُ فخري قبل ثلاثين عامًا يزوّر دفترًا. وأخذتُ منه مالًا. وكتبتُ بيدي القيود التي اتُّهم بها منصور. كل ما سمعتموه من الآخرين أنا فعلتُه، وزدتُ عليه أنني كتبت. كنتُ أظن أنني شاهد. وكنتُ شريكًا. — لماذا تقول هذا الآن؟ سألت مريم. — لأن الصمت لا يكفي.

وفي تلك اللحظة انفتح الباب الجانبي بقوة. دخل رجلان، ثم أربعة، ثم أكثر، بمصابيحَ قوية وأحذيةٍ ثقيلة. وفي المقدمة رجلٌ في الخامسة والستين ببدلةٍ سوداء أنيقة ومعطفٍ صوفي، وبجانبه خالد. — مساء الخير جميعًا. أنا معاذ القاسم، عضو مجلس إدارة هذه الشركة. هذا المكان ملكنا، ولا حقّ لكم في الدخول. — دخلنا بمفتاح، قال نادر. — هذا تعدٍّ. — لا، قالت هدى بهدوء. نحن هنا بدعوةٍ من رجلٍ كان يعمل هنا ثلاثين سنة. وأشارت إلى إياد.
نظر معاذ إليه ثم ابتسم ابتسامةً لا دفء فيها: أبو الفضل. تبدو بخير. — لا أبدو، قال إياد. لكنني حيّ. رجالك ضربوني. — لم أضرب أحدًا. — قل الحقيقة يا معاذ، قال خالد فجأة. التفت الجميع إليه. كان وجهه شاحبًا وعيناه لا تنظران إلى معاذ: أنا لن أكذب بعد الآن. هؤلاء الرجال ضربوا إيادًا. أنا رأيتهم. كنتُ في السيارة. وجلستُ. ولم أتدخل. — لقد جننتَ. — لا. أنا أكبرتُ.
تقدّم خطوة. وقف بين معاذ ومن في الدائرة، وجعل ظهره إلى الأخيرين: أنا نفّذتُ ثلاثين سنة. لكنني الليلة لن أنفّذ. — خالد، قال معاذ بصوتٍ منخفض، أنت تفقد كل شيء. وعائلتك؟ — وهل هذا تهديد؟ — هذا واقع. — لا، قال خالد. هذا هو الشيء الذي كنتُ أقوله للآخرين.
ساد توتّرٌ كثيف. وتحرّك رجال معاذ إلى الأمام. في تلك اللحظة رفعت رنا مسجّلها الصغير وضغطت زرًّا أحمر وقالت بصوتٍ واضح: أنا رنا، من إذاعة “الحقيقة أولاً”. نبثّ مباشرة من المخزن الثالث. تجمّد الجميع. — إن أردتَ أن تضربنا فليسمعك الناس. — أنتِ… — أنا فقط أبثّ.
نظر معاذ إلى رجاله ثم إلى خالد ثم إلى الدائرة. ثم تراجع خطوة. قال بصوتٍ بارد: حسنًا. استمتعوا بليلتكم. الهدم سيبدأ عند الفجر. — قال الحاج الأربعاء. — الحاج لا يقرّر وحده. أنا أنفّذ. — لمن؟ — للمصلحة. واستدار. وخرج رجاله وراءه واحدًا بعد آخر كظلالٍ تنسحب من غرفة.
حين خلا المكان تنفّس الجميع. قالت هدى: خالد، شكرًا. — لا تشكريني. لأنني تأخّرتُ ثلاثين عامًا. — ونحن كلنا. — وأنا الأول. — لا، قال إياد ولمس كتفه. أنا الأول. ابتسم خالد ابتسامةً صغيرة: إذن نحن ثانيان.
أخرج آدم المفتاح الأسود من جيبه ووضعه في يد هدى: الخزنة؟ — وراء حجرة الحراسة، قال إياد. في الغرفة الصغيرة. مشوا بين الأعمدة وصناديقَ مهترئة وغبارٍ يدخل الحلق. وفي آخر المخزن حجرةٌ صغيرة بجدارٍ حجري وبابٍ خشبي نصفه ساقط. حجرة الحراسة. في الداخل سريرٌ حديدي قديم وطاولةٌ صغيرة وكرسي. وعلى الجدار الخلفي خزنةٌ حديدية سوداء مدفونةٌ نصف دفنة في الحجر، على بابها قفلٌ ضخم وعليه نقش: “3”.
أدخلت هدى المفتاح. دار ببطء وأحدث صوتًا معدنيًّا ثقيلًا. ثم بدأ الباب يتحرّك. وفي اللحظة نفسها، قبل أن ينفتح تمامًا، جاء صوتٌ من الظلام خلفهم. صوتٌ هادئ منخفض متعب:
— تأخرتم ثلاثين عامًا… وثلاث ساعات.
استداروا جميعًا. عند طرف الحجرة، في عتمة الركن الذي لم يصل إليه أيّ ضوء، كان رجلٌ يقف. عجوزٌ نحيل في معطفٍ رثّ، وبيده مصباحٌ زيتي صغير أشعله للتوّ. ارتفع الضوء الأصفر على وجهه: وجهٌ محفور بالزمن، وعينان عسليتان باهتتان. — منصور؟ همس بلال. — نعم يا بني. — أبي؟ قالت مريم بصوتٍ لا يكاد يُسمع. لم يجب. نظر إليها فقط. ثم قال بصوتٍ لم يرتجف رغم كل شيء:
— لقد جئتم أخيرًا.

الفصل العشرون

“الشريط”
فجر اليوم الثامن عشر
لم يتحرك أحد. كان الضوء الأصفر يرتجف على وجه منصور، وكان الجميع ينظرون إليه كما ينظر الناس إلى شيءٍ ظنّوه أسطورة. تقدّمت مريم خطوة، ثم خطوةً أخرى. — أبي؟ — نعم يا ابنتي. — أنت الذي في العيادة. كنتَ تعرف من أنا. — عرفتُك حين قلتِ اسمك. — ولم تقل. — لم أستطع. — ولماذا ذهبتَ قبل الفجر؟ — خفتُ أن أبكي. — وأين كنتَ؟ — هنا. منذ تسع سنوات. في هذه الحجرة. حين لا أجلس عند الجامع. كنتُ حارس هذا المكان. أعرف أين أنام.
مدّت يدها ببطء ولمست كمّ معطفه. ثم، دون كلمة، ألقت نفسها بين ذراعيه. وجاء بلال وأحاطه بذراعيه مع أخته، كأنه يحمي ما تبقّى من شيءٍ قديم. ووقف الآخرون صامتين لا يعرفون أين ينظرون. — هذا لا يكفي، قال منصور بعد لحظة بصوتٍ مبحوح. لكنه أكثر مما حلمتُ. مسح وجهه بكمّه ثم نظر إلى الخزنة: هل فتحتموها؟ — بدأنا، قالت هدى. — افتحوها كلها.

جذبت هدى الباب الحديدي ببطء. انفتح بصوتٍ ثقيل، وهبّ منه هواءٌ راكد. سلّطوا المصابيح: ثلاثة رفوفٍ صغيرة. في الأعلى دفترٌ جلدي ضخم أسود عليه ختم الشركة بلا عنوان. وفي الوسط ظرفٌ كبير من الورق المقوّى مغلقٌ بخيط. وفي الأسفل جهاز تسجيلٍ قديم بحجم الكتاب وبجانبه شريطٌ صغير. — هذا هو الدفتر الحقيقي، قال آدم بصوتٍ منخفض. الذي لم يُزوَّر. أخذته هدى وقلّبت أوراقه: كل شيء هنا. المبلغ الأصلي، والتوقيعات، والتواريخ. وحتى نسخة من الإيصال الذي أُتلف. حفظها فخري.
وفتحت الظرف المقوّى: وثيقةٌ مطوية بخطٍّ رسمي وختمٍ قديم. قرأت بصوتٍ بطيء: “وثيقة هبة. أنا فخري الراشد، أهب بكامل قواي العقلية الأرض المعروفة بـ”الأرض الخضراء”، الواقعة على طرف المدينة، بكل ما عليها من أشجارٍ ومبانٍ، إلى السيد منصور الخليل، تعويضًا عمّا لحق به من ضرر، وتكفيرًا عن ذنبٍ لا يُغتفر”.
ساد صمت. — الأرض الخضراء؟ همس جمال. كان واقفًا عند الباب وقبعة القشّ في يديه المرتجفتين. — البستان؟ الذي أعيش فيه؟ — هو. جلس جمال على الأرض فجأة كأن ساقيه خانتاه: كنتُ أظنّه بلا صاحب. — كان له صاحب. — كل هذه السنين… — وأنت لم تسأل. — لم أسأل. نظر إلى منصور: هل هذا بيتك؟ — لا أعرف. لم يُقل لي قط. — أنا لا أريده. — وأنا لم أقل إنني أريده. لا تحسم الآن.
لقد وصلنا، أيها القارئ، إلى الأرض التي يحمل اسمُها عنوانَ هذا الجزء. وأودّ أن أقول لك بصراحة: ما كنتُ أريد أن تكون الأرض مجرّد مكافأة. بل أردتُها أن تكون فكرةً: أن ما يُسرق من إنسانٍ لا يكتمل رده بالاعتذار ولا بالمال، بل بأن يُعاد إليه المكان الذي كان يمكن أن ينمو فيه. وجمال، الذي ظلّ ثلاثين سنة يعتني بأرضٍ لا تخصّه، يمثّل شيئًا أجمل مما يظن: إنه الدليل على أن الأمانة قد تعمل في الخفاء حتى لو لم يعلم صاحبها بذلك. فأخضرّت وحدها وسط الجفاف، لأن أحدًا أحسن إليها وهو لا يعرف لمن.
أمسكت هدى الجهاز الصغير: وهذا؟ — الشريط، قال إياد. رأيته مرةً في يد فخري. قال لي: هذا يا إياد هو الحقيقة. نظرت هدى إلى الجميع. لم يعترض أحد. وضعت الشريط في الجهاز وضغطت زرًّا. هسيس. ثم صوتُ أنفاس. ثم صوتُ رجلٍ عجوز، ثقيل، قاطع، يعرفه من كان يعرف تلك الأيام.
— اجلسا.
— أبي، قال صوتٌ شاب حاد متوتر. أنا…
— قلتُ اجلس يا توفيق.
تجمّد الحاج الذي كان قد وصل للتوّ إلى الباب متكئًا على ذراع ابنته، ووجهه شاحب. لم يره أحدٌ يدخل. كان الصوت التالي أرقّ وأكثر هدوءًا وحزنًا: يا أبي، الأمر ليس بهذه البساطة. — فخري، أنت تجلس. أنت تسمع. — أسمع. — الصندوق ينقص منه مبلغ. من أخذه؟ ساد صمتٌ قصير على الشريط. — توفيق. — أنا لا أعرف… — لا تكذب عليّ. أنا أعرف. — كانت لي ديون. صفقةٌ خاسرة. كنتُ أريد أن أعيد المال قبل أن يعرف أحد. ثم صوتُ ورقةٍ تُقلَّب. — يا إلهي، قال الأب.
وقفت هدى بلا حراك. — وماذا نفعل الآن؟ — هناك من رأى، قال فخري. منصور. قال لي إنه رأى أحدًا يفتح الخزنة ليلًا. — رآني؟ — لم يقل اسمًا. — لكنه رأى. إذن يعرف. — لا أحد يعرف، قال الأب. إلا نحن الثلاثة. نحمّله إياه. — أبي، لا! — الحارس. نقول إنه هو. — الرجل بريء. — وهل ستسلّم أخاك للشرطة؟ هو حارس، وراتبه ضئيل، وسيصدّق الناس أنه سرق. — هذا ظلم. — هذه الحياة. — لا. — فخري، من يدير هذه الشركة؟ — أنت. — وأنت تعرف ما يكلّف انهيارها. إن عرف الناس أن ابني سرق سينهار كل شيء. افعل ما أقول. — … — فخري؟ — حاضر، قال الصوت الأرقّ بعد ثوانٍ.
— وأنت يا توفيق. — نعم يا أبي. — لا تخرج من هذا الاجتماع كما دخلت. أنت تدين لأخيك. ولا لأحدٍ أن يعرف. — لن يعرف أحد. وسُمع على الشريط صوت كرسيٍّ يتحرك ثم بابٍ يُفتح. وبعد دقيقة صوتُ فخري وحده، خافتٌ متعب، كأنه يتكلم إلى جدار:
— إلى من يسمع هذا الشريط. أنا فخري. سجّلتُ هذا الاجتماع سرًّا لأنني عرفتُ أنني سأحتاج يومًا أن أبرّر لنفسي. أنا لا أبرّر. أنا خُنتُ. وهذا كل ما في الأمر.
هسيس. ثم صمت. ضغطت هدى الزر. وساد الصمتُ في الحجرة، ولم يتكلم أحد. وفي الزاوية عند الباب كان الحاج توفيق واقفًا، شاحبًا، منحنيًا، ويدا لمى تمسكان ذراعه. — أبي؟ قالت بصوتٍ لا يكاد يُسمع. هذا أنت. هذا صوتك؟ — صوتي في الثانية والأربعين. أغمضت لمى عينيها.
وفي ركنٍ آخر تجمّد نادر وعيناه تنتقلان بين الحاج والورقة التي أخرجها ببطء من جيبه الداخلي: هدى، قال بصوتٍ أجوف. هذه الصفحة الرابعة. أخذتُها من جمال قبل أيام. لم أخبركم. أخذتها هدى ونظرت: “وإن أردتَ أن تعرف من هو فاسمه:”، ثم حرف “ت” ونقاط حبر. — ظننتُ أنه تامر الحسيني، قال نادر بصوتٍ منكسر. لأنه كان مدير الماليّة. ولم أفكّر في الحاج لأنني لم أتخيّل أن المالك يسرق من صندوقه. وكدتُ أنشر. — لقد كدتَ أن تتّهم رجلًا بريئًا. — نعم. — كما اتُّهم منصور. أطرق نادر: أعرف. وأقول إنني تعلّمتُ. — متأخرًا. — نعم.
ولقد وعدتُك بأنني سأعلّق على هذه اللحظة. لقد كان الاتهام الأول لنادر “تامر الحسيني” اتهامًا ذكيًّا، منطقيًّا، يستند إلى حرفٍ وإلى معلومةٍ وإلى سيرةٍ مشبوهة. وكان خاطئًا. وهذا هو أخطر أنواع الأخطاء: الخطأ المنطقي. لأن الأحمق لا يعرف أنه مخطئ، أما الذكي فيُقنع نفسه ويُقنعنا بأنه وصل بالمنطق. فاحذر منطقك الجميل حين يكون مبنيًّا على حرفٍ مطموس.
في تلك اللحظة تقدّم الحاج خطوة: اتركيني يا لمى. أفلتت يده وسار ببطء نحو منتصف الحجرة ووقف أمام منصور. التقت عيناهما لأول مرةٍ منذ ثلاثين سنة. — منصور. أنا توفيق. أنا الذي رأيتَه. أنا الذي أخذ المال. وأنا الذي سكت. — أعرف. رفع منصور يده: لا أريد أن أسمع كل ما فعلتَ. أريد أن أسمع شيئًا واحدًا. لماذا لم تقل؟
فتح الحاج فمه فلم يخرج منه صوت. ثم قال بصوتٍ متكسّر: لأنني خفتُ. من أبي. من الشركة. من نفسي. من أن أكون من أنا. — وهل صرتَ؟ — لا. لأنني كنتُ أعرف ما أنا. — وبعد ثلاثين سنة؟ — أعرف أكثر. نظر منصور إليه طويلًا: أنا لا أغفر لك، قال أخيرًا. — لا أطلب. — لكنني سعيد. — من ماذا؟ — من أنك قلتَها. قال هذا دون أن يبتسم. ثم أضاف: متأخرًا. لكنك قلتها.
وفي تلك اللحظة سُمع صوتُ ارتجاجٍ بعيد. هديرُ محركٍ ضخم. والتفت الجميع نحو الباب. — آلات، قال خالد. الهدم. معاذ قدّم الموعد. الساعة الرابعة والنصف. — ساعة؟ — أقل. يجب أن نخرج. فوراً. بدأ الناس يتحركون يجمعون أغراضهم ويحملون الدفاتر والظروف. حملت هدى الدفتر الكبير والوثيقة. وحمل بلال الشريط والجهاز.
وفجأةً التفت منصور: الخزنة. فيها شيءٌ آخر. رسالةٌ تركها لي فخري. كتب عليها “إلى منصور وحده”. كانت في الجدار الخلفي، خلف لوح. رأيتُه يضعها. — أنا أحضرها، قال آدم. — لا. هذه مسؤوليتي. — وأنا شريكك فيها. نظرا إلى بعضهما. ثم معًا عادا إلى حجرة الحراسة. وكانت الأرض تهتزّ تحت أقدامهم، والغبار ينزل من السقف الحديدي كمطرٍ ناعم. وفي الخارج صوت صراخ، ثم ارتطامٌ ضخم، ثم صوتُ معدنٍ يتمزّق.
— آدم! الجدار! رفع آدم رأسه. رأى السقف ينحني ببطء، ثم دفعةً واحدة. وسمع، قبل أن يغمر الظلامُ كل شيء، صوت هدى تصرخ من بعيد:
— لا! عودا!

الفصل الحادي والعشرون

“تحت الأنقاض”
اليوم الثامن عشر
الظلام كامل. ليس ظلام الليل الذي تتسلّل منه النجوم، بل ظلام الحجر والتراب، الذي يضغط على العينين كما يضغط على الصدر. فتح آدم عينيه فلم يرَ شيئًا. سعل. التراب في حلقه والغبار في أنفه، وصوتٌ بعيد يشبه المطر يتسرّب من فوق. — منصور؟ لم يجب أحد. — منصور! — … نعم. الصوتُ قريب، أقرب مما ظنّ. — أين أنت؟ — على يمينك. مدّ آدم يده فلمس قماشًا مبلّلًا ثم كتفًا عظميًّا. — هل أنت بخير؟ — في صدري شيء. عظم. ربما ضلع. — لا تتحرك. — لا أتحرك. ضحك منصور بصوتٍ خافت وسعل: لا أحد يستطيع أن يتحرك هنا.
حاول آدم أن يرفع رجله اليسرى. ألمٌ حادّ. عارضةٌ حديدية ثقيلة تضغط على ساقه من الكاحل إلى الركبة. — أنا عالق. — وأنا عالق. نحن في حجرة الحراسة. الجدار الخلفي سقط على الباب. — وهل هناك هواء؟ — ما دمنا نتنفس. أخرج آدم هاتفه من جيبه بيدٍ مرتجفة. الشاشة متشققة لكنها تضيء. بطارية: أحد عشر في المئة. — وفّره. لا تضئه إلا حين نحتاج. أطفأه. وعاد الظلام.

فوقهما، في العراء، كان الفجر قد بدأ يلوّن الحافة الشرقية للسماء بلونٍ رماديّ شاحب. والمخزن الثالث نصف مهدوم: جدار الواجهة ملقًى على الأرض، وجزءٌ من السقف الحديدي ملتوٍ كأنه ورقة جريدة. وسيارة إسعافٍ واحدة وشاحنة إطفاء وعشرات المصابيح تتحرك بين الركام. — ابتعدوا! صرخ ضابط الإطفاء. ممنوع الاقتراب من الجدار الشمالي! — هناك رجلان في الداخل! صرخت مريم. كانت واقفةً عند حافة الركام بمعطفها الأبيض الملطّخ بالتراب وشعرها مبعثر ويداها تنزفان. — كم من الوقت؟ — لا نعرف. — ما نستطيعه لا يكفي! — مريم، قال بلال وهو يمسك كتفيها. اهدئي. — هو أبي. — وأنا ابنه. — وأنا طبيبة. — إذن كوني طبيبة. نظرت إليه. ثم أومأت: أحتاج معدات. أكسجين. وأحتاج أن يصمت أحدٌ ويستمع. قالت ذلك بحدّةٍ لم تعرفها في نفسها.
وفي تلك اللحظة وصل رجلٌ من الظلام يركض. في الخامسة والخمسين، نحيل، ببدلةٍ بنيّة ملطّخة بالغبار ومعطفٍ ثقيل. وقف عند الركام. ثم جثا وبدأ يحفر بيديه. — من هذا؟ سأل بلال. — فؤاد. تجمّد بلال. — أنت الأستاذ ف. — نعم. — أنت الذي… — لاحقًا. دعنا نحفر الآن. — لماذا أنت هنا؟ — لأن هذا المكان ثلاثون سنةً من حياتي. أريد أن يخرجا. — وهل تقول الحقيقة؟ — أقول الحقيقة الوحيدة التي أملكها. حدّق فيه بلال لحظة. ثم دون كلمةٍ جثا إلى جانبه وبدأ يحفر.

تحت الأنقاض كان آدم يتنفّس ببطء. — كم مضى من الوقت؟ — لا أعرف. — وإن لم يجدونا؟ — فسنبقى هنا. — أنا لا أخاف الموت. أخاف أن أموت قبل أن أسمع شيئًا. أنك غفرتَ. ساد صمت. — لن أقول لك ذلك الآن. لأنك ستصدّقني لأنك تحتاج. — وهل هذا سيّئ؟ — لا. لكنه غير صادق. — وماذا تقول؟ — أقول إنني لا أعرف. هل تعرف أنني لم أكرهك قط؟ كنتُ أراك كل صباح، تعطيني المال وتقول: “الله يرزقك”. وكنتُ أعرف أنك تقولها لأنك تريد أن تهرب. لكنك كنتَ تعود كل يوم. وإنسانٌ يعود كل يومٍ إلى المكان الذي يؤلمه، لا يمكن أن يكون شريرًا. — ولا بريئًا. — لا.
ابتسم منصور في الظلام: أتعرف ما هو أصعب ما في الأمر؟ أنني أيضًا سكتّ. لم أقاوم. — لقد هدّدوك. — نعم. لكنني قلتُ لنفسي: سأذهب وسأعود حين يتغيّر شيء. ولم يتغيّر. ولم أعد. لأنني كنتُ أستحي من أنني تركتُ ابنتي في عمر الأسبوعين. — لم يكن لك خيار. — كان لي. لكنني اخترتُ السهل. وأنت، هل كان لك خيار؟ — نعم. — إذن نحن الاثنان نعرف ذلك. ولهذا نجلس هنا. — في الظلام. — حيث لا يمكن أن يكذب أحد.
أريد أن أتوقف عن الكلام قليلًا، أيها القارئ، لأن الرجلين أحقّ بالمكان مني. لقد وضعتُهما في الظلام عن قصد؛ لأن الظلام أقدر من النور على إنتاج الصدق. ففي الظلام لا تُحسب الوجوه، ولا تُعرض الصور، ولا يُحسب أحدٌ على من يراه. والإنسان لا يكذب إلا أمام من ينظر إليه. فإن أردتَ أن تعرف حقيقةَ إنسان، فلا تسأله في الضوء؛ اقعد معه في عتمةٍ تحت جدار، واسمع ما يقوله حين لا يظنّ أن أحدًا يراه.
سعل منصور. كان صوتُ سعاله مختلفًا الآن: أعمق، أبطأ، كأنه يخرج من أرضٍ بعيدة. — أنت تسعل كثيرًا. لماذا لم تذهب إلى طبيب؟ — قلتُ لعائشة: الأطباء يسألون عن الاسم. — وها هي ابنتك طبيبة. — وها هي. وقد سألتني عن اسمي. وقلتُه. — لأنك لم تعد تخاف؟ — لأنني تعبت.
مدّ آدم يده إلى جيبه: وجدتُ شيئًا. الرسالة. حين انهار السقف كنتُ أمسك الباب. وكانت بيدي. أضاء الهاتف: نورٌ أبيض بارد مرتجف كشف لأول مرةٍ وجه منصور: غبارٌ على لحيته، وجبهةٌ مجروحة، وعينان تلمعان. وفي يد آدم ظرفٌ أصفر قديم مكتوبٌ عليه بخطٍّ مائل: “إلى منصور وحده”. — لا أستطيع أن أقرأ. نظّارتي ضاعت. — أنا أقرأ. فتح الظرف: ورقةٌ واحدة مطوية. أخذ نفسًا وقرأ:
“يا منصور. أنت لا تعرفني جيدًا، وأنا لا أستحقّ أن تعرفني. لكنني أعرفك. أعرف أنك رجلٌ لم يطلب شيئًا، ولم يأخذ شيئًا، وأن كل ما أخذناه منك لم يكن لنا. أنا لا أطلب أن تغفر. لا أحد يملك هذا الحق على أحد. لكنني أطلب شيئًا واحدًا. لقد قرّرنا عنك كل شيء. أنا وأبي وأخي والمحامون، وحتى من أرادوا أن يحموك. كلنا قرّرنا. ولم يسألك أحد. في هذه الخزنة كل ما يلزم لتقول الحقيقة. وكل ما يلزم لتدفنها. وأنا لا أملك الحق في أن أختار لك. فاختر أنت. إن شئتَ أن تُقال الحقيقة فقلها. وإن شئتَ أن تُدفن فادفنها. وسأقبل، أينما كنتُ، بما تقرّره. فخري”.
وانتهى. سقط الضوء من يده وعاد الظلام. وبقي صوتُ أنفاس الرجلين وحدهما. — قرّرنا عنك كل شيء، همس منصور. — نعم. — ولم يسألني أحد. ثلاثين سنة. — نعم. — وأنا الآن أُسأل؟ بعد أن تهدّم كل شيء. ضحك منصور. ضحكةً طويلة متكسّرة فيها ثلاثون سنة من الدموع التي لم تنزل: أنا أول رجلٍ في العالم يسألونه ماذا يريد وهو تحت جبلٍ من الحجارة. — وماذا تريد؟
سكت منصور. وسمعا من فوق صوتًا: ضربُ معدنٍ على معدن. ثم أصواتُ رجال. — هنا! صاح أحدهم. أسمعهم! تحت الركام الجنوبي! وصوتٌ نسائي مرتجف عالٍ: أبي! أبي! — مريم، همس منصور. قل لها إنني هنا. — أنت بنفسك. — لا. قل أنت. لأن صوتي ضعيف. رفع آدم صوته، وخرج أول صوتٍ له قويًّا منذ ثلاثين سنة: نحن هنا! تحت الجدار! نحن أحياء!

استغرق الإنقاذ أربع ساعات. حفروا بأيديهم وأدواتهم وهدّموا الجدار المنهار حجرًا حجرًا. كانت مريم تتقدّم الجميع تحمل أنبوب الأكسجين وتصرخ بأوامر لا تعرف أنها تعرفها. وخلفها بلال وسامر وسليم وإياد، وكل من كان تلك الليلة في المخزن. وبينهم فؤاد يحفر بيديه العاريتين، أصابعه تنزف وأظافره سوداء من الغبار. وحين انفتحت الفجوة أخيرًا خرجت منها يدٌ مرتجفة. يد آدم. أمسكها فؤاد وشدّ. وسحبه ببطء من بين الحجارة وآدم يئنّ. — حاسب! ساقه! — لا بأس، قال آدم بصوتٍ مبحوح. اسحبني. أخرجه وأجلسه على الأرض. ثم عاد وأخرج منصور بعده وهو يمسكه كما يمسك المرء شيئًا قديمًا يخاف أن ينكسر.
ركضت مريم إلى أبيها ووضعت قناع الأكسجين على وجهه. — أبي، أنا هنا. — أعرف. — ستكون بخير. — لا أعرف. — ستكون. أغمض عينيه وابتسم.
جلس فؤاد على الأرض بجانب آدم. كان يلهث ويداه ترتجفان ووجهه مغطًّى بترابٍ أبيض. — شكرًا، قال آدم. — لا تشكرني. — لماذا؟ — لأنني لم أفعل ما تظن. نظر فؤاد إلى السماء الرمادية. ثم قال بصوتٍ منخفض لا يسمعه غير آدم:
— أنا أيضًا أخذتُ ظرفًا.

الفصل الثاني والعشرون

“من يملك الاسم”
الأيام 19 و20
في مستشفى المدينة العام، الطابق الثالث، غرفةٌ صغيرة بنافذةٍ تطلّ على موقف السيارات. على السرير رجلٌ نحيل، ضلعه مضمّد وأنفه موصولٌ بأنبوبٍ رقيق وعيناه نصف مغمضتين. منصور، في اليوم التاسع عشر، يتنفّس بعمق للمرة الأولى منذ سنين. جلست مريم على كرسيٍّ إلى جانبه تراجع أرقام الجهاز المعلّق على الجدار. — كم الأكسجين؟ — ثمانيةٌ وتسعون. — جيد. ينبغي أن تنامي. — وأنت ينبغي أن ترتاح. — ثلاثون سنة وأنا أرتاح. — لا. كنتَ تهرب. — وما الفرق؟ — الراحة لا تتعب.
فتح عينيه بالكامل: أنتِ تشبهين أمك حين تغضب. — وأنت تشبه… لا أعرف. لا أعرفك بعد. — وأنا لا أعرفك. هل نحاول؟ — نعم. مدّ يده وأمسك يدها. كانت خشنةً باردة، لكنها لم ترتجف.
في الممر جلس فؤاد على كرسيٍّ بلاستيكي، ضمادٌ على يديه ووجهٌ لم يغتسل منذ يومين. حين اقترب بلال رفع رأسه: اجلس. — لا. لا أحبّ أن أجلس إلى جانب من خدعني. — أنا لم أخدعك. — جعلتَني أظنّ أنك صديقي. — اجلس يا بلال. سأقول لك شيئًا واحدًا. قبل ثلاثين سنة كنتُ صحفيًّا شابًّا. عثرتُ على خيطٍ يدلّ على أن في “التجارة الحديثة” شيئًا. كتبتُ تحقيقًا كاملًا. فجاءني محامٍ اسمه سعد الدين. قال: هذه القصة ستؤذي أناسًا أبرياء. وهناك مبلغٌ يعوّضك عن جهدك. أخذتُه. لأنني كنتُ جائعًا وطموحًا وخائفًا. وبنيتُ به مكتبتي وأرشيفي.
— من مال الصمت. وأنت الذي طاردتنا؟ — أردتُ أن يفعل أحدكم ما لم أفعله. كنتُ أحرّككم. — كالدمى؟ — كأناسٍ لا يتحرّكون إلا حين يشعرون أن الوقت ينفد. — وهذا يبرّر؟ — لا. أنا أقول فقط. وقف بلال: لا أعرف إن كنتُ سأسامحك. — لا أطلب. — ولا أعرف إن كنتُ سأكرهك. — هذا يكفيني.
لقد صدمتُك بفؤاد، وأعلم ذلك. ولم أفعل هذا لأشدّ الحبكة، بل لأضع أمام عينيك هذه الحقيقة الصعبة: كثيرًا ما يكون الذي يحرّض الناس على قول الحقيقة، هو نفسه الذي سكت عنها. فالتائب القديم أشدّ الناس حماسةً لوعظ الجيل الجديد، لأنه يريد أن يرى في عيونهم ما لم يرَه في المرآة. فلا تحتقر الواعظ التائب ولا تعتمد عليه: خذ ما قاله وراجعه، كما راجع بلال ما قاله فؤاد.

في التاسعة مساء اليوم العشرين كان الضوء الأحمر مضاءً فوق باب الاستوديو. جلست رنا خلف الميكروفون وأمامها قائمةٌ بأسماء ودفترٌ قديم وكوب ماء. وفي غرفة التحكّم وقف ماهر وعمر وخلفهما كل موظفي الإذاعة. — مساء الخير يا مدينة، قالت بصوتٍ لا تعرفه من نفسها. أنا رنا، وهذه حلقةٌ خاصة اسمها “ثلاثون صمتًا”. نحن لن نتّهم أحدًا الليلة. سنفعل شيئًا أصعب: سنقرأ أسماء، وسيقول كل اسمٍ ما صمت عنه.
— سليم. — أنا هنا، جاء صوتٌ من الهاتف. قبلتُ هدية وصمتّ عن شكوكي. — آمنة. — علمتُ بما رآه الصبي ولم أقل لزوجة منصور. — إياد. — رأيتُ وقبضت. — نبيل. — لم أشرح للأرملة ما وقّعت. — عادل. — قلتُ إنني بلا توكيل. — بشير. — صدّقتُ توبة رجلٍ ولم أسأل. — منير. — قلتُ: ليس شأني. — رامز. — أومأت. — آدم. — أنا كتبتُ القيود بيدي، قال آدم من غرفةٍ في المستشفى. وكنتُ أظنّ نفسي شاهدًا. — فؤاد. ساد صمتٌ قصير. — أخذتُ مالًا مقابل أن أُسقط تحقيقًا، قال الصوت المتعب، وبنيتُ به مكتبتي.
ثم جاء صوتٌ من الخط الثالث: أنا كامل. أنا الذي أعطيتُ اسم سعيد لرنا قبل ثماني سنوات. تجمّدت رنا. — قلتُ لك إنه استعمل موادّ رديئة. وكنتُ مخطئًا. أو كاذبًا. لا أعرف. — ولماذا الآن؟ — لأن ابنه سمعك. — وأنا نقلتُ ما قلتَه بلا تحقق. — وأنا قلتُ بلا دليل. — إذن كلانا. — كلانا. وهكذا واحدًا بعد آخر. بعضهم يقول جملة، وبعضهم يبكي، وبعضهم يسكت ثم يقول. وفي نهاية الساعة بقي اسمٌ واحد. — هدى. — أنا هنا. أنا المحامية التي ورثت مكتب سعد الدين. وفي مكتبه صندوقٌ ترك فيه إيصالًا مكتوبًا: نصحتُ المودِع بالسكوت. أنا التاسعة. أستاذي كان يعرف. وأنا أخذتُ الدرس بلا سؤال. والمحامي الذي لا يقول الحقيقة حين يعرفها ليس محاميًا. ومسحت دمعةً بسرعة.
في تلك اللحظة أضاء الخط الرابع. — لدينا متصلٌ جديد، قالت رنا. تفضّل. — مساء الخير. صوتٌ بطيء متعب لكنه ثابت. — أنا منصور الخليل. وضعت رنا يدها على فمها. وفي غرفة التحكّم انحبس نَفَس ماهر. — لقد قرّرتم عني ثلاثين سنة. ولا أريد أن يقرّر أحدٌ عني الليلة. لا أريد أن يُسجن أحد. الذين صمتوا بعضهم مات وبعضهم يحتضر وبعضهم لم يعد يعرف من هو. ولا أريد أن أكون سببًا في سجن رجلٍ لا يستطيع أن يقف. أريد أن يُقرأ اسمي. في الحيّ الذي سُرق فيه. في الجامع الذي جلستُ عند جداره. في الشارع الذي مرّ به الجميع. أريد أن يُقال: منصور الخليل لم يسرق. — سنقوله. — لا. أريد أن يقوله من صمت. — هل يكفيك هذا؟ — لا. لكنه يبدأ. — وماذا عن القانون؟ — القانون ينسى. — والضمير؟ — الضمير لا يتقادم. وأغلق الخط.
“الضمير لا يتقادم”. لقد انتظرتُ ثلاثةً وعشرين فصلًا لأجرؤ على وضع هذه الجملة في فم رجلٍ مشرّد. وأعلم أن الفقهاء سيقولون إن الضمير أيضًا يتقادم، فالناس ينسون، والأجيال تتبدّل، وما حدث قبل قرنٍ لا يُطالَب به أحفاد الفاعلين. وهم محقّون في بعض ذلك. لكنّ منصور لا يتحدث عن المطالبة، بل عن “الاسم”؛ والاسم، حين يُسرق، يبقى مسروقًا ما دام صاحبه يتنفّس. فلا القانون ولا الزمن يملكان حقّ أن يردّا إلى الناس أسماءهم؛ لا يردّها إلا من أخذها، أو من صمت وهو يراها تؤخذ.
وفي تلك الليلة، في غرفة العناية المشدّدة، استلقى الحاج توفيق على السرير الأبيض، وأنبوبٌ في ذراعه، وإلى جانبه لمى تمسك يده. — هل سمعتِ؟ لم يقل إنه يريد سجني. ولا قال إنه غفر. وكيف أنام؟ غدًا أريد أن أوقّع اعترافًا. أمام موثّق. باسمي. بيدي. — أبي، أنت متعب. — ولهذا يجب الآن. — سأتصل بهدى. — لمى، أنا آسف. — لا تقل هذا. لأنك قلتَه كثيرًا في الأسبوعين الأخيرين. — إذن سأقول غيره. أحبّك. ابتسمت وبكت معًا. ثم نام.
وفي الخامسة وعشر دقائق من فجر اليوم الحادي والعشرين رنّ هاتف هدى. — هدى… صوتُ لمى، مبحوح مكسور. أبي توفي قبل نصف ساعة. لم يستطع أن يوقّع. وقفت هدى في الظلام والهاتف على أذنها: أنا آسفة. — لا بأس. ونظرت إلى التقويم. يومٌ واحد. وتحته ورقةٌ أمامها عليها بخطّ يدها سؤالٌ قديم: “من يُقيم الدعوى وصاحبها ميتٌ بحكم القانون؟”. ولا اعترافٌ موقّع. ولا مدّعٍ حيّ.

الفصل الثالث والعشرون

“قبل أن ينسى القانون”
اليوم الحادي والعشرون
عند التاسعة مساء اليوم الحادي والعشرين كان بهو المحكمة شبه خالٍ: أرضيةٌ رخامية باردة، وسقفٌ عالٍ، وساعةٌ جدارية ضخمة فوق مدخل قلم الإيداع، عقاربها تتحرّك ببطءٍ مستفز. جلس منصور على كرسيٍّ متحرك وملاءةٌ رقيقة على ركبتيه، وإلى جانبه مريم وفي حضنها حقيبةٌ فيها أدوية. وخلفه وقف بلال وهدى وآدم، يتكئ على عكاز. وعلى المقاعد الخشبية سليم وإياد وسلمى وجمال وإسماعيل ورنا وسعاد ولبنى. وفُتح باب جانبي فخرجت امرأةٌ في الخامسة والثلاثين، نحيلة، بقميصٍ أبيض مكوي ونظارةٍ طبية وفي يدها ملفٌّ أخضر. ريم، موظفة قلم الإيداع. — مساء الخير، قالت بصوتٍ بارد. قبل منتصف الليل. لن يكفيكم الوقت. تريدون إبطال شهادة وفاةٍ وإيداع بلاغٍ في الوقت نفسه. إجرائيًّا نعم. عمليًّا يحتاج أدلة.
وضعت هدى على الطاولة الدفتر الأسود ووثيقة الهبة والشريط ورسالة فخري والصفحة الرابعة. فحصت ريم كل شيء بصبرٍ وبأصابع لا تتعجّل. — هذا جيد. لكنه لا يكفي. الأدلة تثبت جريمة. لا تثبت أن هذا الرجل هو منصور الخليل. وهو بحكم السجلات ميتٌ منذ ثلاثة وعشرين عامًا. ولا أستطيع أن أقبل رجلًا بلا هوية يدّعي أنه ميتٌ حيّ. — لديه شهود، قال آدم. آدم الخطيب. كنتُ زميله. وسأكتب الإفادة الآن. — وأنا، قال سليم. — وأنا، قال إياد. — وأنا، قالت سلمى. — لا حكم بلا دليل، قالت ريم بهدوء من اعتاد أن يردّد الجملة. وأيّ إفادة يجب أن تكون مكتوبة وموقّعة. جلسوا على الطاولة الطويلة وأخذ كلٌّ ورقةً وقلمًا. وكان صوت الأقلام على الورق يشبه خرير ماءٍ صغير.
تأمّل هذا المشهد قبل أن نمضي: سبعةُ رجالٍ ونساءٍ، بعد ثلاثين سنةٍ من الصمت، يجلسون على طاولة محكمة في ليلةٍ واحدة ليكتبوا بأقلامهم ما كان يكفي أن يقولوه بأفواههم. وهذا هو الفرق الجارح بين الصمت والكلمة: الكلمة تحتاج إلى ورقة وقلمٍ وتوقيعٍ وموظفةٍ باردة تفحص الختم؛ أما الصمت فلا يحتاج إلى شيء. إنه مجانيّ، ولهذا بالذات يمتلئ به العالم.
عند العاشرة والنصف دخل رجلٌ أنيق ببدلةٍ رمادية وحقيبةٍ جلدية. — زياد. المحامي. تجمّد بلال: أنت الذي جئتَ أمي قبل ثلاثين سنة، وقلتَ لها إن القانون يسمح بإعلان الغائب ميتًا، وإن هذا في صالحها، ولم تشرح لها أن التسوية تعني السكوت. — أنا كنتُ أنفّذ. — ولمن؟ — للمصلحة. جئتُ لأنصح الأرملة ألّا توقّع اليوم على شيء، لأنها ستخسر ما أخذته. — أنا أعرف، قالت مريم من كرسيها بصوتٍ هادئ جدًّا. درستُ بهذا المال. أريدك أن تخرج. — هذا مكانٌ عام. — وأنا طبيبة. وإن أصابتني نوبة غضب لن تحبّ أن تكون أمامي. بقي زياد لحظة. ثم أدار ظهره وخرج.
في الحادية عشرة إلا ربعًا كانت ريم قد جمعت الأوراق في ملفٍّ سميك: الدليل واضح، والشهود موقّعون. بقي شيءٌ واحد: إبطال إعلان الوفاة. القانون يشترط أن يتراجع عنه من طلبه. الأرملة. عائشة الخليل. لا أحد غيرها. — لكنها لم تأتِ. — إذن لا أستطيع. نظرت هدى إلى مريم: اتصلي. — اتصلتُ عشر مرات. لا تجيب. هي في البيت لأنها خائفة. من نفسها. لأن إبطال الإعلان يعني أنها اعترفت بأنها قدّمت طلبًا وهو حيّ، وأخذت مالًا. وهذا اعترافٌ قانوني.
وأخذت لمى، التي وصلت قبل دقائق، ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ومدّته: رسالة أبي. كتبها صباح اليوم الأول، قبل أن تبدأ كل هذه الأحداث، وختمها وسلّمني إياها وقال: لا تفتحيها إلا بعد وفاتي. فتحتُها اليوم. فتحتها هدى. بخطٍّ مرتجف مائل لا يشبه خطّ رجلٍ قوي: “إلى من يقرأ هذه الورقة. إن كنتم تقرأونها فقد فعلتموها بدوني. وأنا شاكر ومحرج. أنا توفيق الراشد، أعترف أنني أخذتُ من خزنة المخزن الثالث مبلغًا لا يحقّ لي قبل ثلاثين سنة. وأن رجلًا بريئًا اسمه منصور الخليل دفع الثمن. وأن أخي وأبي وأنا صمتنا. وأنني لم أجد في حياتي الشجاعة أن أقولها بصوتي. فاقبلوها مكتوبة”. وتحتها توقيعٌ وتاريخ: قبل واحدٍ وعشرين يومًا. قرأتها هدى بصوتٍ عالٍ ثم وضعتها أمام ريم. — هذه شهادة. مؤرّخة، وصاحبها ميت. تُقبل كوثيقة. لإثبات الجريمة. لا لإبطال الوفاة.
نظر الجميع إلى الساعة: الحادية عشرة وعشر دقائق. الحادية عشرة والنصف. ولم يأتِ أحد. — نحن لن نستطيع، قالت مريم بصوتٍ متكسّر. أمي لن تأتي. لقد قرّرت ثلاثين سنةً ألّا تقول. هي لا تعرف كيف. انتصب منصور في كرسيّه: لا تلوموها. هي لم تفعل شيئًا سوى الحب. الحبّ أحيانًا يكون صمتًا. نظرت إليه مريم وأمسكت يده: وهل ستغفر لها؟ — لا أعرف. — وإن لم تأتِ؟ — فهذا قرارها.
في الحادية عشرة وخمسين دقيقة انفتح الباب الرئيسي للمحكمة. دخلت امرأةٌ في الستين بثوبٍ أسود قديم وشالٍ أبيض على رأسها وحقيبة قماشٍ صغيرة في يدها. وتوقّفت. لم يلتفت أحدٌ في البداية. ثم رأتها مريم: أمي؟ وقف الجميع. تقدّمت عائشة ببطء، خطوةً بعد خطوة، على الرخام الصامت. عيناها حمراوان لكنهما غير مرتبكتين. — أنا آسفة، قالت. تأخرتُ. — لا بأس. — بل بأس.
وقفت أمام ريم: أنا عائشة الخليل. أنا التي قدّمتُ طلب إعلان وفاة زوجي منصور الخليل قبل ثلاثة وعشرين عامًا. وكان حيًّا. وأنا أعرف أنه كان حيًّا. وأخذتُ مالًا. ووقّعتُ تنازلًا. أخرجت من حقيبتها ورقةً مطوية كتبتها بخطٍّ مرتجف: هذا بلاغ. ضدّي. قرأت ريم السطر الأول ثم رفعت رأسها: هل تعلمين أن هذا اعتراف؟ وأنك قد تُحاسَبين؟ لا أحد يجبرك. — لأن رجلًا بقي ثلاثين سنة يجلس عند رصيف، وأنا أحمل له الطعام كل جمعة وأقول لنفسي إنني أحبّه، وأنا أخاف أن أقول إنني أحبّه بصوتي. أنا آخر من صمت. ولن أكون آخر من يتكلم.
ثم التفتت ونظرت إلى منصور. كان في كرسيّه المتحرّك وفي عينيه ما لم يجرؤ أحدٌ على تسميته. — عائشة، قال بصوتٍ ضعيف. — لا تقل شيئًا. قلتُها. وهذا يكفيني. مدّت يدها ولمست كتفه مرةً واحدة قصيرة، كأنها تتأكد أنه موجود. — وقّعي هنا، قالت ريم. وقّعت عائشة بخطٍّ لم يهتز. أخذت ريم الوثائق ورتّبتها بسرعة ثم وضعت الختم: ختمٌ أحمر ثقيل ارتطم بالورق ارتطامًا مسموعًا. وفي اللحظة نفسها دقّت الساعة الجدارية الضخمة منتصف الليل. دقّة. اثنتان. ثلاث. — الثانية عشرة إلا ثانية، قالت ريم وهي ترفع عينيها إلى الساعة. قُبلت الدعوى. — قُبلت؟ همس بلال. — قبل أن ينسى القانون.
وخلت القاعة من أيّ صوت. ثم انكسر الصمت بصوت امرأةٍ تبكي. لم تكن عائشة. كانت مريم.

الفصل الرابع والعشرون

“الأرض الخضراء”
بعد ثلاثة أشهر
بعد ثلاثة أشهر كان بستان الأرض الخضراء أخضر كما لم يكن من قبل. أشجار الليمون مثقلةٌ بثمارها الصفراء، وصفوف الطماطم تتدلّى منها حباتٌ حمراء ثقيلة، ونباتات النعناع تغمر الممرّات بعطرٍ لا يشبه شيئًا آخر. وفي الصباح الباكر، حين لم تكن الشمس قد ارتفعت فوق السور الحجري، كان رجلان يشذّبان شجرة تينٍ قديمة. — لا، قال جمال. هنا. فوق العقدة. وإلا ضعفت الشجرة. — والمقصّ؟ — أخفّ يدًا. هكذا. أخذ آدم المقصّ وقصّ غصنًا صغيرًا، فارتخى الغصن على الأرض بلا صوت. — أحسنتَ. — لم أكن أعرف أنني سأتعلّم هذا في سنّي. — كلنا نتعلّم ما فاتنا.
نظر آدم إلى يديه. كانتا قد تغيّرتا: خشنتين، متشقّقتين قليلًا، وفي أطراف الأصابع أثرُ ترابٍ لا يزول. منذ أن فقد وظيفته في الشركة لم يبحث عن غيرها. جاء أول يومٍ وقال لجمال: أنا لا أعرف شيئًا عن الزراعة. وقال جمال: وأنا لا أعرف شيئًا عن أن أكون أجيرًا في أرضٍ كنتُ أظنّها لي. وضحكا. وكانت تلك أول مرةٍ يضحك فيها رجلان من ثقلٍ واحد.
وفي الجانب الآخر من البستان، تحت شجرة ليمونٍ كبيرة، فُرشت حصيرةٌ قديمة. جلس منصور متكئًا على وسادةٍ صغيرة وعلى ركبتيه غطاءٌ صوفي. كان قد استعاد وزنه قليلًا، ولحيته مشذّبة، وعيناه أقلّ غؤورًا. وإلى جانبه جلست مريم وبلال وعائشة، قريبةً من الطرف، تضع الطعام في أطباقٍ صغيرة ولا تنظر إليه كثيرًا. — الشيخ بشير قرأ اسمك يوم الجمعة في الجامع، قال بلال. قال: منصور الخليل لم يسرق. بصوتٍ مرتفع، أمام الجميع. — وهل شعرتَ بشيء؟ — شعرتُ أنني أريد أن أنهض. ولم أنهض. لأنني أردتُ أن أسمعها مرةً أخرى. فأعادها. وبكى. — هو أيضًا كان يمرّ بي كل يوم.
قدّمت عائشة طبقًا صغيرًا: كُلْ. أخذه وتناول لقمة. وساد صمت. — أنا لا أعرف إن كنتُ غفرتُ لك، قال بعد قليل. — أعرف. — لكنني أتعلّم. — وهذا يكفيني. — لا يكفيني. لأنني لا أريد أن أتعلّم ثلاثين سنة. ضحكت عائشة ضحكةً صغيرة متكسّرة لم يسمعها منذ ثلاثين سنة: ستتعلّم أسرع. — عائشة، لم يعد هناك طعامٌ يُحمل عند الرصيف. فماذا ستفعلين يوم الجمعة؟ — آتي إلى هنا. أجلس. كل جمعة. إن سمحتَ. — أسمح. وكان في جوابه، الذي لا يشبه مغفرةً ولا يشبه رفضًا، شيءٌ يشبه بداية.
لا تنتظر مني، أيها القارئ، أن أقول لك إن الأرض الخضراء هي الجنة. إنها بستانٌ صغير على طرف مدينة، فيه رجلٌ بضلع مكسور، وامرأةٌ تخجل أن تنظر إلى زوجها، ورجلٌ في الثامنة والخمسين تعلّم لتوّه كيف يقصّ غصنًا. وهذا بالضبط ما أردتُه. لأن الغفران، في ما رأيتُ من العالم، ليس لحظةً مجيدة تحدث في مشهدٍ سينمائي، بل هو عملٌ يوميّ صغير: قدحُ شاي، وطبقُ طعام، وجلوسٌ صامتٌ تحت شجرة ليمون، وسؤالٌ يُطرح ببطء: “ما اسمك؟”.
عند الظهر وصل يوسف مع سميرة، يحمل حقيبةً صغيرة فيها طعامٌ ودفتر. كان قد كبر قليلًا، أو ربما خُيّل لآدم ذلك. — جئتُ لأعمل. — أنت لستَ مضطرًّا. — أريد. رامي اعتذر لي. الذي كسر النافذة. جاء يوم الاثنين وقال إنه آسف. فقلتُ: وأنا أيضًا. لأنني لم أقل لك الحقيقة منذ البداية. ابتسم آدم: أنت تشبهني. — أم تشبه جدّي؟ — من؟ — العمّ منصور. نظر آدم نحو الحصيرة تحت شجرة الليمون. — ربما. وقف يوسف إلى جانبه ينظر إلى الأشجار: أبي، هل نمتَ جيدًا؟
سكت آدم. هذا السؤال الذي كانت تقوله سميرة كل صباح منذ خمسةٍ وعشرين عامًا، وكان جوابه دائمًا الجملة نفسها: كما ينام رجلٌ لا يخفي شيئًا. — لا، قال. — لا؟ — لأنني ما زلتُ أحلم. بالقبو. بالظلام. بصوت منصور يقول: قلها مرةً أخرى. — وهل هذا سيّئ؟ — لا. إذن نمتُ كما ينام رجلٌ قال كل شيء. — وكيف ينام؟ — قليلًا، قال آدم. لكن جيدًا. وضع يوسف رأسه على ذراع أبيه لحظة ثم انصرف يساعد في قطف الليمون. وجاءت سميرة وجلست قرب آدم على جذع شجرة. — لقد تغيّرت. لم تعد تقول: أنا الذي لا أكذب. — وهل كنتُ أقولها؟ — كل يوم، بصوتٍ داخلي. — كنتُ مخطئًا. — لا، قالت. كنتَ ناقصًا. — وأنتِ؟ — كنتُ أعرف. وسكتّ. — وماذا الآن؟ — الآن نتكلم. أمسك يدها. وبقيا على الجذع تحت شمس الظهيرة دون أن يقولا شيئًا آخر.

وفي استوديو “الحقيقة أولاً” كانت رنا تتناول قهوة الصباح وتقرأ ما تبقّى من أخبار الأشهر الماضية. معاذ وخالد أمام القضاء بتهمة الاعتداء على إياد وبتهمة دفع مبالغ شهرية لشراء الصمت، وخالدٌ وحده اعترف بكل شيءٍ ووُعد بتخفيف. ونادر كتب في صحيفته مقالًا بعنوان “خطأٌ لم يقع”، يروي فيه كيف كاد يتّهم بريئًا وكيف تعلّم. وفؤاد سلّم أرشيفه كله إلى مكتبة المدينة العامة وجلس أمام سلمى ثلاثة أيام يرتّب معها الدفاتر دون أن يتكلم إلا عند الضرورة. وسامر رُقّي إلى منصب محاسبٍ أول في الشركة، التي صارت بإدارةٍ جديدة وتحت رقابة لجنةٍ من الموظفين. ولمى وعمر خُطبا في ليلةٍ هادئة، وكانت رنا أول من علم. وهدى غيّرت اللافتة النحاسية على باب مكتبها: “هدى الشريف، محامية”. وهند أعادت إلى آدم الورقة التي سقطت منه تلك الليلة. لم يفتحها أحد. قرأها آدم مرةً واحدة، ثم مزّقها، وقال إنه لم يعد يحتاج إليها.
دخل ماهر: رنا، عندنا زائر. كريم. رجلٌ في الأربعين بقميصٍ مكوي وعينين تحملان أرقًا لا يخفيه، وفي يده ظرفٌ أصفر. — أنا لن أنتظر ثلاثين سنة. قبل خمس سنوات كانت عندنا موظفةٌ اسمها هبة. تقدّمت لوظيفةٍ أعلى وكانت تستحقها. فأُعطيت الوظيفة لابن أحد أعضاء المجلس. وكنتُ مدير الموارد البشرية. ووقّعت. وأخفيتُ تقييمها الحقيقي. هذا هو. — ولماذا الآن؟ — لأنني رأيتُ ما جرى لهؤلاء الذين صمتوا ثلاثين سنة. ولم أُرد أن أكون واحدًا منهم. نظرت إلى الظرف. كان خفيفًا. أخفّ مما يتوقع المرء حين يحمل صمت خمس سنوات. — شكرًا يا كريم. — لا تشكريني. تأخرتُ خمس سنوات. — وأنا تأخرتُ ثماني. بدأتُ بشخصٍ واحد.
وبعد أن خرج بقيت رنا ممسكةً بالظرف. نظرت من النافذة إلى الشارع الذي مرّ فيه الجميع، ذات يوم، دون أن يسألوا عن اسم أحد. ثم فتحت الظرف وبدأت تقرأ. ثلاثون صمتًا كُسرت بعد ثلاثين عامًا. وصمتٌ واحد كُسر في يومه.
كلمة بعد أن ننتهي
أيها القارئ العزيز، ها نحن نصل إلى الباب الذي دخلنا منه، وقد تغيّر وجه المكان.
لقد جئتَ إلى هذه الرواية، على الأرجح، تبحث عن حكاية: عن لغزٍ تُحلّ عقدته، وعن أشرارٍ يُعاقَبون، وعن أخيارٍ يُكافَؤون. وها أنا أُسلّمك حكايةً بلا أشرار. حكايةً يخرج فيها الجميع أخيرًا من المخزن، وكلٌّ منهم يحمل شيئًا لا يملك أن يردّه: آدم يحمل يده التي كتبت، وسليم يحمل ساعته، ورنا تحمل اسم سعيد، وعائشة تحمل ثلاثين جمعة، ومنصور يحمل اسمه الذي لم يكن يعرف أنه يستحقّ أن يُنطق.
وقد سمّيتُها “ثلاثون صمتًا” لأنني، بعد أن أحصيتُ الصامتين، اكتشفتُ أنهم أكثر بكثير من ثلاثين. إنهم أنت وأنا. إنهم ذلك الجار الذي رأى ولم يسأل، وذلك الزميل الذي سمع ولم يقل، وتلك الأم التي عرفت ولم تفتح الدرج، وذلك الصديق الذي ضحك مع الضاحكين على إنسانٍ لا يعرفه. وأنا أولهم. وإلا لما كتبتُ هذه الرواية.
فإن سألتَني: وما العمل؟ فلن أجيبك بخطبة. سأحكي لك سرًّا صغيرًا تعلّمتُه من آدم: إن أصعب كلمةٍ في اللغة هي تلك التي تبدأ بسؤال صغير، لا بجواب كبير. اسأل جارك عن اسمه. اسأل صديقك عمّا لا تجرؤ على سؤاله. اسأل نفسك عن الدرج الذي لم تفتحه. وإن لم تجد في نفسك الشجاعة، فابدأ بما بدأ به رجلٌ في الثامنة والخمسين: قلْ جملةً واحدة صادقة، بصوتٍ مرتفع، لإنسانٍ واحد، اليوم.
ثم تعال، إن شئتَ، وأخبرني. فأنا ما زلتُ هنا، في مكاني، عند طرف الرصيف.
الكاتب نعمان البربري