Numan Albarbari نعمان البربري

حدودٌ من الرمال (روايـــة)

حدودٌ من الرمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال
روايـــة

الحدّ الذي لا نعرف من رسمه نحسبه قدَرًا.

الكتاب الأول: قبل أن تُفتح الأبواب

الفصل الأول: مفتاح الغرفة ٣٠٧

الناس جميعًا يتشابهون في ما يخفونه، ويختلفون في الاسم الذي يطلقونه عليه بعد أن يخفوه. بعضهم يسمّيه عارًا، وبعضهم يسمّيه خصوصية، وبعضهم يسمّيه حرية، وقلّة نادرة تجرؤ على أن تسمّيه باسمه الأول، الاسم الذي كان له قبل أن يلبسه أحد ثوبًا من ثياب الأخلاق. وقد خُيّل إليّ، وأنا أُعدّ لهذه الحكاية، أن أصدق ما يُقال عن مجتمع من المجتمعات لا يُقرأ في دساتيره ولا على منابره، بل فيما يجري في فنادقه بعد منتصف الليل، وفيما يُهمس به في مطابخه قبل الفجر. ومن هناك أبدأ.
بعد منتصف الليل يتغيّر الناس في الفنادق.
يعرف كريم ذلك منذ سنتين، منذ صار موظف الاستقبال الليلي في فندق «الجسر» بمدينة فالدبرغ. ففي النهار يدخل النزلاء بوجوههم الرسمية: بدلات وحقائب وبطاقات اعتماد وجمل مهذبة عن الطقس. أما في الليل فيعودون بوجوه أخرى: ربطات عنق مفكوكة، وضحكات أعلى مما يلزم، ونظرات تتأخر على بعضها ثانية زائدة عن الحدّ الذي يسمح به النهار. وكان عمل كريم أن يبتسم ويسلّم المفاتيح ولا يرى شيئًا، وهو عمل يتقنه أبناء الشرق منذ ألف سنة، لأنهم تربّوا في بيوت يُنجَز فيها كل شيء تحت سقف واحد، بشرط واحد: ألّا يرى أحد.
كان في التاسعة والثلاثين، مهندسًا مدنيًا من حلب، لم يعترف الألمان بشهادته إلا نصف اعتراف، مطلّقًا منذ ثلاث سنوات، يسكن شقة صغيرة فوق مخبز، ويقول لنفسه كل صباح إن الحياة المؤقتة تصير دائمة إذا أطلتَ البقاء فيها. والمنفيّ يحمل بلده في رأسه كما يحمل المسافر نقودًا لا تُصرف في المدينة التي نزل فيها: لا يستطيع أن يرميها، ولا أن يشتري بها خبزًا.
في الواحدة والنصف دخلت كاترين.
كانت مديرة الفعاليات في الفندق، في الرابعة والأربعين، طويلة بشعر كستنائي مربوط على عجل، وقد خلعت حذاءها وحملته في يدها كما يفعل من أنهى يومًا لا ينتهي. كان في القاعة الكبرى حفل لشركة أدوية انتهى قبل ساعة، وفي ثوبها أثر نبيذ، وفي عينيها لمعان لا يشبه السكر.
وكاترين من الناس الذين يحبون الأرقام، لأن الأرقام لا تحكم ولا ترتجف ولا تقول «عيب». هي تقول فقط: هذا هو المبلغ، وهذا هو الوقت، وهذه هي النتيجة. وقد بنت حياتها على ما يشبه ذلك. فزواجها من توماس، المهندس الذي يقضي نصف السنة في آسيا، قام منذ سبع سنوات على اتفاق لم يُكتب في ورقة بل في الأعصاب: لا أسئلة، ولا غيرة، ولا وعود. وكانت تسمّي هذا حرية، ولم يخطر لها أن الحرية التي تُقاس بما لا نحتاج إليه قد تكون مناعة لا أكثر، وأن المرء قد يتحصّن من الحاجة كما يتحصّن من العدوى، فإذا انتصر عليها وجد نفسه سليمًا ووحيدًا.
— مساء الخير، قالت.
— صباح الخير، إن شئتِ الدقة.
— أنت دائمًا دقيق، يا كريم.
— هذه وظيفتي.
وضعت الحذاء على المنضدة وأسندت مرفقيها إلى الرخام.
— هل الغرفة ٣٠٧ خالية؟
نظر إلى الشاشة وهو يعرف الجواب.
— خالية.
— أريد مفتاحها.
— لضيف؟
— لا.
سكتت قليلًا، ثم قالت بهدوء من يقرّر ولا يستأذن:
— لي.
لم يكن في الكلمة اتهام ولا دعوة صريحة. كان فيها باب مفتوح بالقدر الذي يسمح لإنسان أن يمرّ منه أو يتراجع، وهذا أدقّ ما تفعله النساء الأذكياء حين يردن أمرًا لا يردن أن يعترفن بأنهن طلبنه.
— هل تحتاجين إلى شيء آخر؟
— نعم. أن تصعد معي وتتأكد أن المكيّف يعمل.
وابتسمت، وكان في الابتسامة اعتراف بسخافة العذر.
كان كريم يعرف أنها متزوجة، وكانت تعرف أنه مطلّق يعيش وحده، وكان كلٌّ منهما يعرف أن شيئًا بدأ بينهما منذ شهور، على نحو لا يستطيع أي منهما أن يحدد يومه: قهوة تُشرب بصمت في المطبخ الخلفي، ويد تتأخر على ورقة، وضحكة تُكتم لأن الجدار رقيق. وهكذا تبدأ الأمور الكبيرة دائمًا: بأشياء صغيرة لا يعدّها أحد حتى تكتمل.
— كاترين، قال بصوت خفيض، أنتِ مديرتي.
— وأنت أكثر الناس عقلًا في هذا المبنى. وهذا لا يمنع شيئًا.
— وزوجك؟
— توماس يعرف أن الزواج عندنا صار عقدًا تنظيميًا. لا يسألني عمّا أفعل حين يغيب، ولا أسأله. وليس هذا جريمة ولا فضيلة. إنه جدول.
— وأنا؟ أين أقع في جدولكما؟
نظرت إليه طويلًا.
— لا أعرف. ولهذا أطلب منك أن تصعد، لا أن تعدني.
أعطاها المفتاح.
صعدا في المصعد بلا كلام. كانت المرآة المعدنية تعكس رجلًا في سترة الفندق الزرقاء وامرأة بقدمين حافيتين، وبينهما مسافة تتقلّص طابقًا بعد طابق، كأن المصعد يعرف ما لا يقوله ركّابه.
وفي الغرفة ٣٠٧ لم يذهب أحد منهما إلى المكيّف.
لا أجد حاجة إلى وصف ما جرى بعد ذلك بالتفصيل، لا خجلًا، فالخجل هنا أحد أبطال الحكاية وسنعرف عنه الكثير، بل لأن الجسد حين يُوصَف أكثر مما ينبغي يفلت من الصدق. يكفي أن يُقال إن ما حدث كان فيه جوع قديم وخجل أقدم منه، وإنهما، بعد ثلاثة أشهر من الحديث المقتصد، قالا بجسديهما في ساعة ما لم يقولاه بالكلمات في تسعين يومًا.
وحين انطفأ الضوء كان كريم يفكّر.
وهو يعلم أن التفكير في تلك اللحظة خيانة للّحظة، لكن العقل ليس طفلًا يطيع. ولو أُتيح لأحد أن يصغي إلى رأسه في ذلك الظلام لسمع جوقة صغيرة تتجادل. أبوه في حلب يقول: «العيب». والإمام الذي حفظ عنه الطفل أوّل سورة يقول: «الحرام». والجارة التي كانت تعدّ على الناس أنفاسهم تقول: «الناس». وطليقته تقول: «لم تكن هناك قط». ومعلّم الهندسة القديم يقول: «الدقة». وكاترين، بجانبه، تقول بصمتها: «لا تحسب الذنوب».
وكان أغرب ما في الجوقة أن أحدًا فيها لم يسأله السؤال الذي يخشاه: ماذا لو لم يكن نادمًا؟ فهو لا يشعر بالذنب. يشعر بالحنين. ولا يعرف إن كان الحنين نفسه ذنبًا. وهذا بالضبط ما تخاف منه الجوقات كلها: أن يتوقف المرء عن الاعتذار، فتفقد سلطتها عليه.
وفي بيته الأول بحلب كان هذا يحدث أيضًا، فلا يتوهّمنّ أحد أن الشرق بريء والغرب مذنب. كان يحدث خلف أبواب مغلقة وستائر ثقيلة وأفواه مطبقة، ثم يخرج الناس في الصباح كأن شيئًا لم يكن. وهنا، حيث لا يُسأل أحد، لم يبدُ له أن الأمر صار أخفّ. لقد تغيّر مكان الحارس فقط: كان في الخارج فصار في الداخل.
عند الفجر جلست كاترين على حافة السرير تلفّ شعرها.
— لا تفعل ذلك.
— ماذا؟
— وجه الرجل الذي يحسب الذنوب.
— ليس ذنبًا. أنا فقط أتعلّم أن أعيش في مكان لا يقول لي فيه أحد: هذا حرام وهذا عيب، وأكتشف أنني ما زلت أسمع الصوت.
— الصوت أبوك؟
— الصوت كل شيء: أبي، وأمي، والجامع، والحارة، وأنا.
قالت بصوت ليّن:
— الحرية ليست ألّا يكون في رأسك أحد. الحرية أن تعرف من هو، ثم تقرّر أنت.
قالتها وهي مقتنعة بها، ولم تكن تعلم أنها تقول لنفسها ما تعجز عن تطبيقه عليها.
لبست ثوبها وقالت وهي عند الباب:
— لا تُسمِّ الليلة أكثر مما هي. لا أريد أن نكبّر الحكاية قبل أن نفهمها.
— وإن كبرت من نفسها؟
— عندها نتحدث.
نزل كريم إلى الاستقبال قبل أن يبدأ النهار، ووضع المفتاح في مكانه، ولاحظ أن يده تفعل ذلك بالدقة نفسها التي فعلت بها كل ليلة. تغيّر كل شيء ولم يتغيّر شيء. ذلك ما قاله لنفسه، وهو أقدم الأكاذيب وأكثرها استعمالًا.
وكانت في المطبخ الخلفي، من وراء الزجاج، امرأة بمئزر العمل الأزرق تبدأ ورديتها، وتعدّ الشاي لنفسها بصمت، وقد التقت عيناها بعينيه. كانت حنان، عاملة التنظيف، سورية مثله. هزّت رأسها تحيّيه ولم تقل شيئًا.
لكنها ستنظّف الغرفة ٣٠٧ بعد ساعات، وكانت تعرف، كما تعرف كل عاملة في فندق، أن الغرف لا تكذب: إنها تحفظ ما يُترك فيها.

الفصل الثاني: بيت بجدارين وخزانة

حنان في الثالثة والأربعين.
تصل إلى الفندق في السادسة صباحًا وتنهي عملها في الثانية بعد الظهر، وبين الساعتين تُدخل يديها في حياة الغرباء: تسوّي سريرًا نام فيه رجلان لا تعرفهما، وتجمع كأسًا عليه أثر أحمر شفاه، وتنظّف حمّامًا اغتسل فيه أحدهم من ليلة لا تعرف عنها شيئًا. وقد علّمها العمل قاعدة واحدة: لا ترَ، ولا تحكم، ولا تتذكر. وهي قاعدة تصلح لعاملات الفنادق، وتصلح كذلك لأمم بأسرها عاشت قرونًا على الاعتقاد بأن الفضيلة هي ألّا ترى.
لكن الذاكرة لا تطيع القواعد. كانت تعود إلى بيتها في ضاحية فالدبرغ الشرقية وفي رأسها مئة قصة مبتورة: امرأة تركت رسالة على المرآة ولم تكملها، ورجل نسي في الدرج صورة طفلين، ومراهقان تركا ورقة بيضاء رسما عليها قلبين.
وبيتها شقة من ثلاث غرف في عمارة قديمة تسكنها عشر عائلات من سبع جنسيات. في المطبخ سجادة صلاة صغيرة مطويّة فوق الثلاجة، وفي الصالون تلفاز يبثّ قناتين عربيتين بصوت منخفض، وعلى باب غرفة النوم لوحة مطرّزة: «اللهم اجعل بيتنا آمنًا». وهو دعاء صادق، ولا شك أن من طرّزته طرّزته من قلبها. غير أن بيتًا آمنًا ليس بالضرورة بيتًا يُسمَع فيه أحد، وأكثر الناس يخلطون بين الاثنين طوال حياتهم.
وزوجها سمير.
في السابعة والأربعين، سائق شاحنة، ابن عمّها من الريف قرب حمص، تزوجها حين كانت في العشرين وكان في الرابعة والعشرين. وهو رجل طيب بالمعنى الذي يعرفه قومه: لا يشرب، ولا يخون، ولا يرفع صوته إلا حين يخاف. ويخاف كثيرًا. يخاف من الألمان، ومن الحيّ، ومن الجيران العرب الذين يراقبون، ومن ابنته التي تكبر في بلد لا يفهمه. والطيبة بهذا المعنى تعني غياب الأذى، لا حضور الإصغاء، وهو تعريف مريح جدًّا لمن يعطيه لنفسه.
كانا يتشاركان الطعام والفواتير والسرير. أما الكلام الحقيقي فقد تركاه في البلد الأول مع الأثاث. وهذا ما لا يدخله المهاجرون في قوائم ما فقدوه: يعدّون البيت والأهل والشجرة والصور، ولا يعدّون الحوار، مع أنه أول ما يُفقد وآخر ما يُسترد.
في تلك الليلة، بعد أن نام سمير أمام نشرة الأخبار، وقفت حنان في المطبخ تغسل كوبًا نظيفًا.
كانت تفعل ذلك أحيانًا: تُبقي يديها مشغولتين كي لا يجد رأسها فراغًا يسأل فيه سؤالًا بدأ يلحّ عليها منذ شهور. ولو كان لهذا السؤال صوت لقال: متى آخر مرة لمسني أحد وكأنني أنا، لا كأنني زوجة؟
جاءت ليلى وفتحت الثلاجة.
— ماما، لماذا لا تنامين؟
— أنهي هذه الأكواب.
— إنها نظيفة.
— أعرف.
نظرت ليلى إلى أمها قليلًا بالنظرة المباشرة التي ورثتها من جهتها هي لا من جهة أبيها. كانت في السادسة عشرة، نحيلة، بشعر أسود قصير قصّته بنفسها قبل أسبوعين، وسبّب لها خلافًا طويلًا مع أبيها. في البيت تتكلم العربية بلكنة ألمانية خفيفة، وفي المدرسة تتكلم الألمانية بلكنة عربية خفيفة، وهي في الحقيقة لا تنتمي كاملة إلى أي من اللغتين. وهذا حال جيل كامل يقيم على الحدّ، لا لأنه اختار الإقامة هناك، بل لأن الذين رسموا الحدّ لم يسألوه أين يريد أن يقف.
— ماما، هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟
— اسألي.
— هل أحببتِ بابا؟
كانت تسأل ببراءة ومباشرة، كما يسأل جيل لم يتعلّم بعد أن بعض الأسئلة تُغلق البيوت.
سكتت حنان.
— كان زواجًا جيدًا.
— لم أسأل عن الزواج. سألتُ: هل أحببتِه؟
— ليلى، اذهبي إلى النوم.
— أريد فقط أن أعرف كيف يعرف الإنسان.
— ماذا؟
— أنه يحب. المعلمة تقول إن الحب يظهر في الجسد والعقل والاحترام والرغبة معًا. وأبي يقول إن الحب يأتي بعد الزواج. وصديقتي مرام تقول إنه يأتي من تيك توك.
ضحكت حنان رغمًا عنها.
— وأنتِ ماذا تقولين؟
— لا أعرف. ولهذا أسأل.
وضعت حنان الكوب وجفّفت يديها.
— الحب يا ليلى ليس شعورًا واحدًا. هو أشياء كثيرة، وبعضها يأتي ثم يذهب. والمهم ألا تعطي أحدًا من نفسك ما لا تستطيعين استرجاعه.
— مثل ماذا؟
— أشياء ستعرفينها حين تقتربين منها.
— هذا ما يقوله الجميع. لا أحد يقول لي ما هي بالتحديد.
كانت ليلى محقّة. ولم تجد حنان جوابًا، لأن أمها لم تقل لها شيئًا من هذا قط، ولأن أم أمها لم تقله لأمها، فهي سلسلة طويلة من الصمت تسلّمها كل امرأة لابنتها كما تُسلَّم الخواتم، وتدعو لها أن تكون أسعد حظًّا في حملها. ولأنها هي نفسها، في الثالثة والأربعين، لم تعرف ما هي بالتحديد.
وبعد أن ذهبت ليلى بقيت حنان في العتمة، ولو كان لنا أن نسمع ما جرى في رأسها لسمعنا ثلاث نساء يتكلمن معًا.
الأولى حنان الفندق، التي تنظّف الغرف وتقول «لا أرى ولا أحكم»، وقد صارت بعد عشرين سنة إتقانًا للغياب. والثانية حنان البيت، زوجة وأم، تطبخ وتنتظر وتبتسم في الأعراس. والثالثة صغيرة، في العشرين، بحقيبة كتب، تقف في الظل منذ عشرين سنة وتسأل بصوت لا يسمعه أحد: «وأنا؟».
وكانت الأولى، بجفاف مَن يعرف الحساب، أقسى الثلاث. فهي التي قالت لها إن ما تخشاه ليس أن تخون زوجها. حنان لن تخونه، وهي تعرف ذلك. ما تخشاه أمر أبشع: أن تكتشف أنها لم تكن تحبه قط، وأن عشرين سنة كانت وظيفة. ولذلك لم تكن تريد أن تعرف، لأن أي جواب، نعم أو لا، سيغيّر كل شيء، وهي لم تتعلم كيف تعيش في بيت تغيّر كل شيء فيه.
نظرت إلى اللوحة المطرّزة على الباب. كانت تحبها وتكرهها في وقت واحد: تحبها لأنها دعاء حقيقي، وتكرهها لأنها تعرف أن بيتًا يسمّي الأمان أسمى أمانيه لا يسأل نفسه كثيرًا: وهل الأمان كل ما نحتاج إليه؟
وماذا كانت تريد؟ هنا يتوقف الكاتب لحظة، لأن في هذا السؤال بالذات يكمن سرّ نساء كثيرات: لم تكن تريد شيئًا كبيرًا. لم تكن تريد رجلًا آخر، ولا بيتًا آخر، ولا حياة أخرى. كانت تريد أن يسألها أحد: ماذا تريدين؟ وتريد، بعد ذلك، ولمسة. لمسة يعرف صاحبها أنه يلمس إنسانة لا وظيفة. «أريد أن يلمسني أحد وأنا أعرف أنه يراني»، هكذا قالتها صغيرة العشرين في العتمة، فاحمرّ وجه حنان وحدها، كأن أحدًا سمع. وهذه، في مجتمعنا، أخطر جملة يمكن لامرأة في الثالثة والأربعين أن تقولها لنفسها، لا لأنها فاحشة، بل لأنها بسيطة إلى حدّ يهدم بيوتًا بُنيت على الاستغناء عنها.
وفوق ذلك كله كانت تعرف شيئًا آخر لم تجرؤ على صياغته: أنها لم ترسم في حياتها حدًّا واحدًا بيدها. كانت تعيش داخل ما رُسم لها. حدود الأب، وحدود الجامع، وحدود الجارات، وحدود الزوج، وحدود المهنة التي تقول لها «لا ترَ». وهي لا تعرف حتى اليوم، ولم يسألها أحد، كيف يبدو الحدّ الذي ترسمه امرأة لنفسها.
ثم فعلت ما لم تفعله من قبل: أخرجت هاتفها، وكتبت في خانة البحث كلمة، ثم مسحتها قبل أن تضغط، ثم عادت وكتبتها، ثم مسحتها.
ما هي الكلمة؟ سنعرف في حينها، فللأسرار مواعيدها، ومن العبث أن نستعجلها. يكفي الآن أن نعرف أنها كانت بريئة في ظاهرها، وأن حنان لم تكن تبحث فيها عن شيء بقدر ما كانت تبحث عن امرأة تشبهها: امرأة في الثالثة والأربعين تعمل وتصمت وتشعر أنها اختفت. وقد وجد المحرّك، لو أنها ضغطت، ألوف النساء من هذا النوع، وهذا ما أرعبها قبل أن تضغط.
بقي الهاتف مضيئًا في يدها أكثر من اللازم.

الفصل الثالث: حصة التوعية الجنسية

كان على ليلى أن تحمل ورقة إلى المدرسة، ولم تكن الورقة منها.
كتبها أبوها بنفسه بخط كبير متعثّر، وساعده جار عربي في صياغتها بالألمانية: «نرفض مشاركة ابنتنا في دروس لا تتفق مع قيمنا». وفي هذه الجملة القصيرة، لو تأملناها، يتجسد نصف ما سنراه في هذه الحكاية: رجل يظن أن القيم تُحمى بالغياب، فيسحب ابنته من الدرس الوحيد الذي سيخبرها كيف تحمي نفسها.
استلمتها السيدة براندت، معلمة الأحياء، امرأة في الخامسة والخمسين بنظارة سميكة وصوت لا يعرف الحرج، وقرأتها بصمت، ثم ابتسمت لليلى ابتسامة لم تكن مواساة ولم تكن سخرية.
— أفهم والدك، وأحترم خوفه. لكن هذا المنهج إلزامي في ولايتنا، ولا يمكنني أن أعفيك.
— أعرف.
— هل تريدين أن أكلّمه؟
— لا. سيغضب أكثر.
— حسنًا. لكن اسمعي يا ليلى: أنا لا أدرّس لك كيف تفعلين شيئًا. أدرّس لك كيف تعرفين جسدك، وكيف تقولين «لا» فتُحترم، وكيف تقولين «نعم» وأنتِ حرّة، وكيف تميّزين بين من يحبك ومن يريد شيئًا منك.
وفي الحصة جلس ثمانية وعشرون تلميذًا، بينهم أحمد التركي المتجهّم، وسارة المغربية التي تغطي شعرها بوشاح خفيف، وجونس، الشاب الطويل الأشقر ذو الابتسامة الكسولة، ومرام صديقة ليلى المقرّبة. وكانت القاعة، في تلك الدقائق، أصدق صورة لأوروبا الجديدة: عالمان يجلسان على مقعد واحد، يخاف كلٌّ منهما من الآخر قليلًا، ويحتاج كلٌّ منهما إليه كثيرًا.
كانت السيدة براندت تتكلم عن الحدود.
— الحدّ الأول: جسدك أنتِ. لا أحد يملك أن يلمسه إن لم تأذني. لا أب ولا أخ ولا صديق ولا حبيب ولا مدرّس، ولا رجل عمره ضعف عمرك ويقول إنه يحبك.
كتب أحمد شيئًا في دفتره ثم شطبه.
— الحدّ الثاني: ما تشعرين به حقيقي، لكنه ليس تعليمات. قد تشعرين برغبة قوية وقد لا تشعرين بشيء، وكلاهما طبيعي. المشكلة تبدأ حين يقول لك أحدهم: «إن كنتِ تحبينني فافعلي».
رفع أحمد يده.
— سيدتي، في ثقافتنا هذا الكلام لا يُقال.
— وأنا أحترم ثقافتك. لكن اسمع: الأمور التي لا تُقال هي التي يُخدَع بها الأطفال أكثر. وما تسمعه هنا تستطيع أن تقوله في بيتك أو تحتفظ به. أما أن تقول إنك لم تسمعه فلا.
ساد صمت، ثم ضحك أحدهم بتوتر.
ولنتوقف هنا لحظة عند هذه المفارقة، فهي أعمق مما تبدو. إن مجتمعاتنا تفخر بأنها تحمي أبناءها من الكلام عن الجسد، وتعدّ هذا الصمت عفة. غير أن الصمت لم يحمِ طفلًا قط من مفترس. المفترس لا يهمّه أن نكون عفيفين، يهمّه أن نكون جاهلين. فكل ما نحذفه من الكلام يملؤه غيرنا، وغالبًا بصوت أقل أمانة.
وكان جونس ينظر إلى ليلى من الطرف الآخر من القاعة، ولم تلاحظ ذلك إلا حين خرجا في الاستراحة. اقترب منها وهو يلفّ شريط سمّاعته على إصبعه.
— ورقة والدك. هل رفضت المعلمة؟
— كيف عرفت؟
— رأيتك تسلّمينها. كنتِ تمسكين الورقة كمن يمسك قنبلة.
ضحكت.
— هو ليس شريرًا. هو فقط خائف.
— من ماذا؟
— من أن أصبح شيئًا لا يعرفه.
— وماذا تريدين أن تكوني؟
لم يسألها أحد هذا السؤال بهذه الطريقة. لم تكن تعرف الجواب. قالت:
— لا أعرف. شخصًا لا يخاف أن يسأل.
— هذا جميل.
وكان في صوته ما لم تألفه: ليس مجاملة، بل اهتمام. وهما شيئان يختلفان اختلافًا هائلًا، ولا تتعلم الفتيات التمييز بينهما إلا بعد أن يدفعن ثمنًا، أو بعد أن يحالفهن الحظ.
بدآ يتقابلان في المكتبة بعد المدرسة. يجلسان إلى طاولة بعيدة، ويتشاركان سمّاعة واحدة، كلٌّ في أذن، ويتحدثان عن فرقة موسيقية لا يعرفها أبواها، وعن امتحان الكيمياء، وعن أشياء لا تقال في البيوت.
في اليوم الثالث عشر مدّ يده تحت الطاولة ووضعها بجانب يدها، لا فوقها. تُرك لها أن تقرّر.
نظرت إلى يده طويلًا، ثم وضعت إصبعها الصغير على إصبعه الصغير.
لم يحدث شيء آخر، ولم تكن بحاجة إلى شيء آخر. كان قلبها يخفق بعنف، وكانت تعرف أنها لو عادت إلى البيت وحكت ذلك لأبيها لسُجنت في غرفتها أسبوعًا، ولو حكته للسيدة براندت لقالت لها: «جيد أنكِ شعرتِ بالأمان، وتذكّري أنك تستطيعين التراجع في أي وقت».
كان هذا هو الفرق بين العالمين، ولم يكن لليلى أن تختار بينهما. كان عليها أن تعيش بينهما كما يعيش الناس على خط حدود: قدم هنا وقدم هناك.

الفصل الرابع: الرسالة التي لا تُحكى

بدأ الأمر بتعليق على مقطع قصير.
كانت ليلى قد نشرت على حسابها صورة لرسم أنجزته: امرأة تمشي على حبل بين بنايتين، وعلى وجهها هدوء غريب. لم يكن أحد يتابعها سوى أصدقاء المدرسة وبضعة غرباء. فكتب أحدهم: «رسم مدهش. أنتِ موهوبة جدًا». وردّت بكلمة شكر.
بعد يومين وصلتها رسالة خاصة من الحساب نفسه. اسمه «مارك». صورته لرجل في الثالثة والثلاثين تقريبًا، لطيف الملامح، يحمل كاميرا. كتب إنه مصوّر ومصمّم، وإنه يعمل في مؤسسة فنية، وإنه رأى في رسمها شيئًا نادرًا.
لم يكن في الرسالة ما يخيف. هذا هو الأمر الذي ظلت ليلى تعود إليه لاحقًا: لم يكن فيها ما يخيف. وقد يظن الجاهل بهذه الأمور أن الخطر يأتي بوجه الخطر، وأن الذئب يدخل الحظيرة وهو يزمجر. لكن الذئب الذي يعرف عمله يدخل بصوت الراعي.
كان يكتب بلطف. يسألها عن الألوان التي تحبها، وعن مدرستها، وعن أحلامها. ويقول لها إنها ليست كغيرها: «أنتِ أنضج من عمرك بكثير». ولم يقل لها أحد من قبل إنها ناضجة. كان أبوها يقول إنها طفلة، والمدرسة تقول إنها يافعة، ومرام تقول إنها غريبة. فجاء رجل لا يعرفها وقال لها ما كانت تتمنى أن يقوله أحد، ولا ننسَ أن أقدم الأقفال في الدنيا هو الحاجة إلى أن يُرى الإنسان.
ثم جاءت الجملة التي تعلّم الناس لاحقًا أن يحذروا منها:
«لا تحكي لأحد عن حديثنا، فالناس لا يفهمون العلاقات المميزة».
لم تكتب ليلى ردًّا على الفور. كانت المعلمة قد قالت في الحصة: انتبهي إلى كل شخص يطلب منك سرًّا لا يشاركه أهلك. لكن السيدة براندت لم تكن هنا، وكان في الرسالة دفء لم تجده في البيت منذ زمن.
انتقل الحديث إلى تطبيق آخر. بدأ يرسل لها هدايا صغيرة: رصيدًا للهاتف، ورابط أغنية، ثم صورة له. وبدأت تشعر بشيء غريب: سعادة وانقباض في آن واحد، كمن يأكل حلوى يعرف أنها ليست له.
وفي إحدى الليالي كتب لها:
«أشعر أنك الوحيدة التي تفهمني. ألا تشعرين بالشيء نفسه؟»
ولم تكن ليلى تعلم أن هذه الكلمات، بترتيبها هذا بالضبط، كُتبت قبلها إلى عشرات الفتيات في مدن كثيرة، وأن وراء كل «أنتِ مختلفة» رجلًا يجرّب المفتاح نفسه على أقفال كثيرة. وهذه أقسى حقيقة في الأمر كله: أن ما تظنه الفتاة أخصّ ما فيها هو في ملف الرجل أعمّ ما عنده.
في المدرسة لاحظت مرام أن ليلى صارت تنظر إلى هاتفها تحت الطاولة وتمسح الشاشة بسرعة.
— من هذا؟
— لا أحد.
— وجهك يقول «أحد».
— مصوّر. يعجبه رسمي.
— كم عمره؟
سكتت ليلى.
— ليلى؟
— لا أعرف.
— هل رأيتِه؟
— لا. فقط صورة.
— وهل أنتِ متأكدة أنها صورته؟
كانت الجملة سهمًا صغيرًا. شعرت ليلى بغضب مفاجئ، وهو الغضب الذي يشعر به الإنسان حين يمسّ أحد الشيء الذي بدأ يخاف عليه.
— أنتِ تغارين.
— أنا؟ من ماذا؟
— من أن أحدًا يراني.
نظرت إليها مرام بحزن.
— أنا أراكِ كل يوم منذ سبع سنوات.
لم تردّ ليلى. وضعت الهاتف في الحقيبة وتركت الحصة تمضي.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد ترى المعلمة كما كانت: لم تكن تريد أن تُسأل. وجرّب «مارك» مرتين أن يعرف مكان سكنها وموعد خروجها من المدرسة، بسؤالين يبدوان بريئين. لم تجبه.
كانت تلك هي المرة الأولى التي يخبرها فيها حدسها، لا معلمتها ولا أبوها، أن شيئًا ما غير صحيح. وقد يكون هذا أثمن ما تملكه فتاة في السادسة عشرة: ذلك الصوت الخافت الذي يسبق الفهم بخطوة.
لكنها لم تكن قد قررت بعد أن تصغي إليه.

الفصل الخامس: هاتف من هناك

رنّ الهاتف في الثالثة فجرًا.
قفزت حنان من سريرها، وسمير يتقلب بجانبها، وحملت الجهاز إلى الشرفة الصغيرة. ومن ذاق الغربة يعرف أن مكالمة في هذه الساعة لا تحمل أخبارًا سارة: فالأفراح تنتظر الصباح، أما الكوارث فلا تعرف المواعيد.
— ألو؟
— حنان! أنا أمك.
جاء الصوت مبحوحًا ومرتجفًا من تلك المدينة العربية البعيدة، حيث الساعة الرابعة والنصف صباحًا.
— ماذا حدث؟
— رشا… أختك. ماجد وجد في هاتفها رسائل مع رجل.
— من هو؟
— زميل في العمل. اسمه فادي. بائع في محل أدوات مكتبية. كتب لها أشياء… ماجد قرأها كلها. أخذ الهاتف وكسره. وضربها.
— ضربها؟
— صفعة. لا تقلقي، فقط صفعة. الدم لم يسل. لكنه قال إنه لن يسكت، وإن العائلة كلها ستعرف، وإن أحدًا لن يتزوجها بعد اليوم.
أغمضت حنان عينيها.
لاحظوا هذا التعبير: «فقط صفعة». ففي لغتنا، كما في لغات كثيرة، كلمات صغيرة تقوم بعمل كبير: تُنزل العنف إلى مرتبة الحادث العابر، وتُرفع الأم من مرتبة الشاهدة إلى مرتبة المتواطئة، دون أن تقصد أيٌّ منهما ذلك. ولم تكن أم حنان شريرة. كانت امرأة تحاول أن تجعل الأمر قابلًا للاحتمال، بأن تصغّره.
كانت رشا أختها الصغرى بفارق أربعة عشر عامًا. حين تزوجت حنان وغادرت كانت رشا في السادسة. وصارت الآن في التاسعة والعشرين، معلمة في مدرسة خاصة، لم تتزوج لأن من تقدّم لها كان إما كبيرًا أو غيورًا أو لا يريد امرأة تعمل. وهي تعيش في بيت أمها وأخيها الأكبر ماجد، حيث الرجال يقرّرون وراء الباب من يُسمح له أن يقرع الجرس.
— وماذا تريدين مني؟
— تحدّثي إليها. هي لا تسمع أحدًا سواك. وماجد يقول إنك السبب.
— أنا؟
— يقول إن رشا تنظر إلى حياتك في أوروبا وتظن أن كل شيء مباح. يقول إنك أفسدتِها بأفكارك.
ضحكت حنان ضحكة مرّة.
— أنا التي أفسدتها؟ وأنا أغسل الحمّامات لأربعين غرفة كل يوم؟
— لا تغضبي. فقط تحدّثي إليها.
وهنا نقف أمام طرفة تاريخية قديمة: أن يُتَّهم بالإفساد من يعمل بيديه ليلًا ونهارًا، وأن يُتهم بالحرية من لم يعرف منها إلا اسمها. فأوروبا، في خيال ماجد، ليست مدينة يشتغل فيها الناس ويدفعون الإيجار ويخافون من الغد. هي صورة مجرّدة للإباحة، يضع فيها كل ما يخاف منه في نفسه.
بعد ساعة، حين هدأ البيت هناك، وصل صوت رشا، همسًا من وراء باب مغلق:
— حنان؟
— أنا هنا. هل أنتِ بخير؟
— لا.
— هل ضربك؟
— لا. لا يهمّ.
— يهمّ.
— حنان، أريد أن أقول لك شيئًا ولا أريدك أن تحكمي.
— قولي.
— لم يكن حبًّا. لا أعرف. كان أول مرة يسمعني فيها أحد. كل مساء كان يسألني: كيف كان يومك؟ وماذا أكلتِ؟ وهل تعبتِ؟ ولا أحد في بيتي يسألني هذه الأسئلة. هم يسألونني متى أعود ومع من وأين كنت. هو سأل فقط كيف أنا.
كانت حنان واقفة على الشرفة في عتمة ألمانية باردة، ويدها على سور حديدي رطب.
— هل لمسك؟
— لم نلتقِ. لم نلتقِ قط. كان فقط صوتًا وكلمات. وحتى هذا صار جريمة.
— ماذا قال لك؟
— قال إنني جميلة. قال إنه يتمنى لو يستطيع أن يمسك يدي. أنا لم أكتب شيئًا من هذا.
— لكنكِ أردتِ.
سكتت رشا. ثم قالت بصوت ضعيف:
— نعم.
تنفّست حنان ببطء. كانت تعرف هذا الصوت. كان صوتها هي في السابعة عشرة حين كتبت رسالة ولم ترسلها، وصوتها أيضًا قبل ثلاثة أسابيع، وهي تكتب كلمة في خانة البحث ثم تمسحها. وهذا هو الاكتشاف الذي لا يسرّ أحدًا: أن «الجريمة» التي يطارد بها الرجال أخواتهم هي بالضبط ما تفعله أمهاتهم وزوجاتهم كل ليلة في صمت، لكنهن، على الأقل، يحسنّ إخفاءه.
— رشا، اسمعيني. ما تشعرين به ليس عارًا. لكن أخاك يرى فيه عارًا، وأنتِ تعيشين في بيته. هذا هو الواقع، ولا أستطيع أن أغيّره من هنا.
— إذن ماذا أفعل؟
— لا أعرف.
قالتها بصدق مؤلم.
— أعرف شيئًا واحدًا: لا تفقدي نفسك لتستعيدي رضاه. ولا تفقديها لتثبتي له أنك حرّة. كلاهما ثمن باهظ.
— وأنتِ؟ هل فقدتِ نفسك؟
كان السؤال خنجرًا صغيرًا.
— ربما… أحاول أن أجدها.
أغلقت الخط وبقيت واقفة في الشرفة حتى أضاء الفجر الرمادي حواف العمارات المقابلة. وحين دخلت كان سمير قد استيقظ، جالسًا على حافة السرير.
— من كان؟
— أمي. رشا في مشكلة.
— أي مشكلة؟
— لا شيء يُحكى الآن.
نظر إليها بعينين لم تخطئ قراءتهما: عينا رجل يشعر بأن في بيته بابًا مغلقًا لا يعرف مفتاحه. ولم يسأل. وكان هذا، بحسب ما تعرف عنه، أقصى ما يستطيع.

الفصل السادس: بيت ماجد

يستيقظ ماجد قبل الفجر، كما كان أبوه يفعل.
في الحادية والأربعين من عمره، موظف في دائرة الأراضي، متزوج من سهى، وله ابنة في الخامسة اسمها سمى. كان في الخامسة والعشرين حين مات أبوه فجأة، فوجد نفسه في ليلة واحدة رأس عائلة: أمّ، وأخت في الثالثة عشرة، وبيت من ثلاث طبقات، وديون لم يعلم بها أحد. ولم يسأله أحد إن كان يريد ذلك. قيل له: «أنت الرجل الآن». وهذه الجملة، التي بدت يومها شرفًا، ظلت تثقل على كتفيه ستة عشر عامًا.
وإنصافًا للحقيقة، يجب أن نقول إن ماجد لم يكن طاغية. كان رجلًا أُلبس ثوب سلطة أكبر من قامته، فصار يتحرك فيه بتصلّب من يخشى أن يسقط. ومن الغريب أن أكثر الناس عنفًا ليسوا أقواهم، بل أولئك الذين وُضعوا في موضع القوة دون أن يُعلَّموا كيف تُستعمل.
في تلك الليلة بعد ما جرى مع رشا لم يغمض له جفن. جلس في الصالة المظلمة وأمامه هاتف أخته المكسور، أعاد تركيب شريحته في جهاز قديم ليقرأ الرسائل مرة ثانية. لم يكن فيها ما قال إنه فيها. لم يجد كلامًا فاحشًا ولا موعدًا ولا صورة. وجد رجلًا يسأل: «هل تعبتِ اليوم؟».
أغلق الجهاز.
كان يعرف أن هذا لا يغيّر شيئًا. كان يكرر لنفسه ما سمعه طوال حياته: ليس المهم ما حدث، بل ما يقوله الناس. إن علم الجيران أن لأخته علاقة برجل لن يسأل أحد عن محتوى الرسائل. سيقولون فقط: «بنت آل فلان». وسيُغلق عليها باب لا يُفتح، وعلى سمى من بعدها، وعلى اسم أبيه المعلّق في صدر الصالة.
ورفع عينيه إلى الصورة.
أبوه، بشاربين رماديين ونظرة مستقيمة، وعلى صدره وشاح الدائرة التي عمل فيها ثلاثين سنة. كان ماجد يمرّ بها كل يوم وقلّما نظر إليها. وفي تلك الليلة لم يستطع أن يتجنّبها، وخيّل إليه أن الأب كان سيقول: «أحسنت، حميتَ اسمنا». ثم أدرك، بمرارة لم يعتد عليها، أن أباه ما كان ليضرب أحدًا. كان ينظر، فتُحنى الرؤوس. وماجد لا يملك نظرة أبيه، ولذلك صفع. هذا هو الاعتراف الحقيقي الذي لم يقله لأحد: أنه استعاض باليد عن هيبة لم ترثها.
وكان خائفًا. هذا ما لم يكن يريد أن يسمّيه. كان في الخامسة والعشرين وانهار كل شيء فجأة، وكلما أدرك أنه لا يعرف كيف يحميهم حاول أن يحميهم بالتحكم. وهذا هو الخلط الأقدم في تاريخ الرجال: أن يظنوا أن من يمسك بالمفتاح يحمي من في الداخل.
دخلت أمه بخطى بطيئة ومسبحتها في يدها.
— لم تنم.
— لا.
— الصلاة بعد قليل.
— أعرف يا أمي.
جلست أمام الصينية الصغيرة.
— ماجد، لقد صفعتها.
— أعرف.
— أبوك لم يضرب واحدة منا قط.
— أبي كان يملك أن يصرخ دون أن يضرب. أنا لا أملك ذلك.
نظرت إليه طويلًا، وبصوت منخفض قالت:
— أنت لست أباها.
— من إذن؟
— أنت أخوها. والفرق كبير.
— الناس لا يرون الفرق.
— وأنت من تصغي إلى الناس أكثر مما تصغي إلى قلبك.
سكت، وكان الصمت اعترافًا.
عند الفجر خرجت سهى من غرفة النوم، ورأته ما يزال جالسًا. لم تقل شيئًا، لكنها وضعت أمامه كوب شاي. وقفت لحظة، ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع:
— ماجد، إن كنتَ ستعاقب رشا لتحمي سمى، فاعلم أن سمى ستكبر وتتعلم أن الحب شيء يُضرب عليه.
رفع رأسه.
— وما رأيك أن أفعل؟
— لا أعرف. لكنني أعرف ما لا يجب.
لم تكن تجادل. كانت تقول لأول مرة منذ سنوات ما كانت تخفيه.
في المساء ذهب ماجد إلى باب غرفة رشا. سمع من ورائه نشيجًا مكتومًا، من النوع الذي يبكيه الإنسان وهو يغطي فمه بالوسادة كي لا يسمعه أحد.
رفع يده ليطرق. ثم أنزلها.
لم يكن يعرف ماذا يقول. لم يتعلّم في حياته كلمة تصلح لهذه اللحظة: لا «آسف»، ولا «أحبك»، ولا حتى «هل أنتِ بخير؟». كانت لغة الرجال في بيته تعرف الأوامر والتحذيرات والنصائح، وتعجز عن السؤال. وقد يبدو غريبًا أن نقول هذا، لكن اللغة التي لا تملك كلمة «آسف» لا تملك في الحقيقة كلمة «أحبك» أيضًا، وإن كانت الأخيرة تُقال في الأغاني.
وقف أمام الباب دقيقة طويلة، ثم عاد إلى الصالة وجلس في العتمة.
وكان في تلك الليلة، في خوفه الذي لا يعرف اسمه، أكثر وحدة من أخته.

الفصل السابع: ورقة في الصف الأخير

كانت رشا تدرّس العربية لطالبات الصف العاشر في مدرسة خاصة للبنات.
عادت إلى عملها بعد الحادثة بأسبوعين، فأحسّت أن الممرات صارت أضيق، وأن المعلمات يخفضن أصواتهن حين تمرّ. لم يقل أحد شيئًا، فالحيّ صغير والأخبار تسبق أصحابها. وهذا نوع من العقاب لا تعرفه القوانين ولا تحاسب عليه المحاكم: أن يُحاط الإنسان بجدار من التهذيب الصامت، فلا يعرف أيّ حجر منه وُضع لأجله.
وفي ظهر يوم أحد، وهي تجمع دفاتر الإنشاء، سقطت من بين الأوراق ورقة صغيرة مطويّة بعناية.
لم تكن لها. كانت لطالبة اسمها لميس، فتاة في السادسة عشرة، هادئة، بعينين واسعتين تخبئان أكثر مما تقولان:
«إلى س.، لا أعرف إن كنتَ ستقرأ هذا. كنتُ أراك أمام الباب كل يوم. اليوم ابتسمتَ لي. لم أنم. هل تعرف أن هذا يحدث لي أنا فقط؟ ل.»
وقفت رشا بلا حركة.
كانت تعرف هذه الجملة. لم تعرفها بكلماتها، بل بالرجفة التي تحملها: رجفة فتاة تحمل شعورًا أكبر منها في بيت لا مكان فيه لقوله. ومن نظر في أوراق المراهقات في أي بلد وأي زمن وجد فيها الجملة نفسها، تتغيّر الأسماء وتبقى الرجفة، كما يبقى الماء ماءً مهما اختلفت الأواني.
جاءت المديرة، السيدة فريدة، امرأة في الخمسين بنظرة تحسب كل شيء ولا تُخطئ حسابًا.
— ماذا معك؟
— لا شيء.
— أعطيني الورقة.
— سيدتي، هذه ورقة طالبة…
— أنا مديرة هذه المدرسة، وأنا المسؤولة عن سمعتها.
أخذتها وقرأتها، وتغيّرت ملامحها كما تتغيّر السماء قبل العاصفة.
— سأستدعي ولي أمرها غدًا. وسنطردها.
— لكنها كتبت فقط!
— وهذا يكفي. هذه مدرسة محترمة، وما يُكتب اليوم يُفعل غدًا.
— وهو؟ س.؟
— من؟
— الذي كتبت له. ربما شاب من الحي، ربما أخو إحدى صديقاتها. هل ستطردينه هو؟
قالت المديرة ببرود:
— لا يعنيني. ما يعنينا في هذه المدرسة هو البنات. أما الأولاد فليسوا من اختصاصنا.
كانت رشا تعرف هذا التقسيم القديم، وهو أحد أقدم القوانين في تاريخنا، لم يسنّه برلمان ولم يكتبه فقيه، ومع ذلك يُطبَّق بدقة تحسدها عليه أعظم الدول: الفتاة تُحاسَب لأنها شعرت، والفتى لا يُحاسَب لأنه أُعجب. حدّان مختلفان لجسدين متشابهين.
— إذن سأتحدث معها أنا أولًا.
— لا.
— سيدتي، أطلب ساعة فقط.
نظرت إليها المديرة طويلًا.
— أنتِ معلمة جيدة يا أستاذة رشا. لكن سمعتك هذه الأيام ليست في أحسن حال. أنصحك ألّا تدافعي عن أخطاء الآخرين.
كان التهديد غير مباشر، وقد فهمته رشا كاملًا. ولاحظوا هنا فنًّا آخر من فنون المجتمعات المغلقة: أنها تستعمل خطيئتك الأولى سيفًا مسلّطًا على كل فضيلة تأتيها بعدها.
وبعد الدوام وجدت لميس وحدها على درج حجري في الفناء الخلفي.
— أستاذة، هل قرأتِ الورقة؟
— قرأتها.
انفجرت الفتاة بالبكاء.
— لم أفعل شيئًا! لم أكلّمه! أنا فقط… كتبت.
جلست رشا بجانبها.
— لميس، اسمعيني. ما شعرتِ به ليس عيبًا.
رفعت الفتاة رأسها ولم تصدّق ما سمعت. فهي لم تسمع هذه الجملة في حياتها، لا في البيت ولا في المسجد ولا في المدرسة، وكأنها تسمع لغة أجنبية تفهم كل كلمة منها وتعجز عن تصديقها.
— لكن أبي… والمديرة…
— أعرف. هذا هو الواقع الذي نعيش فيه. لكن لا تدعي الواقع يقنعك أنك سيئة. هل تثقين بأمك؟
— قليلًا.
— احكي لها قبل أن تعرف من غيرك. الأمهات يعرفن كيف يحمين، حتى حين لا يعرفن كيف يتكلمن.
— وإن غضبت؟
— قد تغضب. لكن غضبها سيكون خوفًا عليك، لا حكمًا عليك.
— وهل… هل أخطأتُ؟
— لا. لكنك صغيرة، والعالم أكبر من أن تحميه رسالة في ورقة.
وحين عادت رشا إلى البيت تلك الليلة، فتحت حاسوبها القديم وكتبت في خانة البحث كلمة لم تكتبها من قبل: «منح دراسية في ألمانيا للمعلمات».
ظهرت لها صفحات كثيرة. اختارت واحدة، وبقيت تنظر إلى زر «قدّم» وقتًا طويلًا. وهنا تُحسم بعض المصائر، لا في المحاكم ولا في المجالس، بل في أصبع يتردد فوق زر.
ثم ضغطت.

الفصل الثامن: متجر الأدوات المكتبية

اسمه فادي، وهو في الثالثة والثلاثين.
يملك دكانًا صغيرًا في زاوية شارع ضيق يبيع فيه الأقلام والدفاتر والأوراق، ورثه عن أبيه ومعه مسؤولية أختين تدرسان في الثانوية ووالدة مريضة بالسكري. لم يتزوج. كان يقول إنه لا وقت لديه، وكان يعني أنه لا يملك ما يجعل امرأة تقبل به.
عرف رشا في مدرستها حيث كان يوصّل طلبيات الدفاتر. رآها مرتين أو ثلاثًا واقفة عند المكتب تعدّ الصناديق بدقة. لم يتبادلا أكثر من «شكرًا» و«عفوًا». ثم طلبت منه ذات يوم قلمًا لا يوجد في الدكان، فسأل عن اسم الماركة، وكتب رقمها على ورقة، وأرسل لها صورة القلم حين وصل.
هكذا بدأ كل شيء. وهكذا تبدأ الأشياء كلها، كما قلنا، بأصغر ما يمكن أن يُرى.
لم يكن حبًّا. كان تبادل رسائل قصيرة، عن الأقلام ثم الكتب ثم الطقس. كان يكتب كل يوم: «هل وصلتِ البيت؟». وكانت تردّ: «وصلت». ولم تكن هناك كلمة واحدة تخالف الأدب. لكن الاثنين كانا يعرفان أن الأمر أكبر من الأقلام، ويعرفان أيضًا أن اللغة المهذّبة ليست دائمًا لغة ما يُقال. كثيرًا ما تكون، عندنا، أنبل طرق قول الشيء الذي لا يُقال.
في ظهر يوم من تلك الأيام وقف على باب الدكان رجل في الأربعينات بوجه صارم وعينين لا تنامان.
— أنت فادي؟
— نعم.
— أنا ماجد. أخو رشا.
نهض فادي ببطء ومدّ يده. لم يصافحه ماجد.
— هل أنت من يراسل أختي؟
— نعم.
لم يكن ينوي الإنكار. كان قد تدرّب في ذهنه على هذه اللحظة مئة مرة.
— وما الذي تريده منها؟
— أن أعرفها.
— وأنت تعرف أنها لا تُعرَف هكذا.
— أعرف.
— إذن لماذا؟
— لأنني لم أجد طريقًا آخر.
— كان طريقك أن تأتي إلى بيتنا، وتطرق الباب، وتطلبها من أهلها.
— وأنتم كنتم ستقبلونني؟
لم يجب ماجد.
— أنا ابن بائع أدوات مكتبية. لا شقة لي ولا ادّخار. عندي أختان وأم مريضة. لو جئتكم لكان جوابكم معروفًا قبل أن أنطق.
— هذا ليس من شأنك.
— ربما. لكنه السبب. لم أستطع أن أطلبها فكتبت لها. ليست الطريقة التي أحبها، لكنها الوحيدة التي أملكها.
سكت ماجد، وكان في وجهه ارتباك لم يتوقعه فادي.
— لم ألمسها، ولم أرها خارج المدرسة. وأقسم لك إنني لم أكتب كلمة أخجل منها.
— وأنا قرأتُ ما كتبت.
— وماذا قلتَ لنفسك؟
— قلتُ إنك رجل أنيق الكلام.
— وهل في ذلك عيب؟
— في بيتنا، لا مكان لأنيق الكلام الذي لا يملك مالًا.
كان هذا أصدق ما قاله ماجد وأقساه. ولم يتأذَّ فادي، فقد عرف أن هذا هو الحدّ الحقيقي. لا الدين ولا الأخلاق ولا الشرف، كما تقول الخُطب، بل الراتب ومساحة الشقة. وهذه فضيحة لا يحب أحد أن يعترف بها: أن كثيرًا مما نسمّيه «شرفًا» ليس إلا بابًا صغيرًا يُغلق في وجه الفقراء بلغة الأخلاق.
— لن أراسلها بعد اليوم.
— وهذا هو المطلوب.
— لكنني أطلب منك شيئًا.
— ماذا؟
— لا تقسُ عليها. لم تفعل شيئًا سوى أنها فرحت بأن أحدًا سأل عنها.
انصرف ماجد دون ردّ.
وفي الأسبوع التالي انخفضت طلبيات الدكان. وأرسل المحلّ المجاور رسالة مفادها أن «أخلاق الجوار» لا تسمح بالتعامل مع من يتحرّش بالمعلمات. لم يكن ذلك صحيحًا، لكن الحيّ صغير، والحيّ الصغير لا يطلب أدلة، يطلب حكاية تتّسق مع ما يخاف منه.
وفي تلك الأسابيع نفسها، في البيت الذي كُسر فيه الهاتف، جلست رشا إلى مكتبها وكتبت على ورقة: «فادي،» ثم رمت القلم.
كانت قد فعلت ذلك عشرات المرات. منذ تلك الليلة وهي تكتب إليه في ذهنها رسائل طويلة وقصيرة، غاضبة وحنونة، لا تخرج من رأسها. فلماذا كانت تكتب؟ لأن الكتابة آخر ما بقي لها. وهل سيقرأ؟ لا. فلمن إذن؟ لها.
والتقطت القلم وكتبت: «أريد أن أقول لك شيئًا لم أقله لأحد: كنتُ أحبك». ثم شطبت. فاليقظة التي تعلّمتها من تدريس اللغة جعلتها لا تحتمل جملة غير دقيقة، حتى في ورقة لن يراها أحد. وكتبت من جديد: «كنتُ أحب ما أحسسته معك. وهذا مختلف».
وكان هذا، في الحقيقة، أصدق ما كتبت. فأن تحب إنسانًا يعني أن تعرفه، وهي لم تعرفه: لم ترَه إلا في دكان، وفي صوت على شاشة. أحبّت أنه سألها. وقد يكون السؤال أول الحب، وقد يكون أول الوحدة، ولا تملك امرأة في التاسعة والعشرين، لم يسألها أحد عن حالها طوال حياتها، أن تفرّق بينهما بسهولة.
واستمرّت تكتب: «علّمني أخي أن أريد القليل. وعلّمتني أمي أن أريد ما يُسمح به. وعلّمتني المدرسة أن أحمي طالباتي من كل رغبة. فصرتُ أخاف من رغبتي كما تخاف الأم من النار».
وتوقفت، فقد وصلت إلى السؤال. ماذا كانت تريد؟ أن تُقبَل؟ هذا ليس رغبة، هذا شرط. أن تُسمَع؟ هذا هو الحدّ الأدنى. وما فوق ذلك؟ ثم كتبت الكلمة التي لم تكتبها قط، وحدّقت فيها كمن يرى كلمة بلغة غريبة: أن تُلمَس.
شعرت بالخجل. لم يكن خجلها من الكلمة، بل من أنها تقول لنفسها ما تقوله لتلميذاتها: إن الرغبة طبيعية، ولا تصدّق نفسها. لأنها امرأة في التاسعة والعشرين لم يلمسها أحد، وهذا ليس عيبًا، لكنه يشبه العيب في أعين من يضعون الأمور في خانة الشبه.
وفي الغرفة المجاورة كان أخوها يشاهد نشرة الأخبار. كانت تسمع صوته الخافت وتتساءل: أنادم هو، أم خائف، أم الاثنان؟ وهل تكرهه؟ لا. تخاف منه قليلًا، وتحبه كثيرًا، وهذا مؤلم، لأن الحب والخوف يجتمعان في بيتهم كما يجتمع الخبز والملح، ولا يُعرف أيهما يُعطي الطعمَ للآخر.
ثم ختمت: «لا أعرف ماذا ستكون نهاية هذا. لكنني قررت: سأرحل. لا لأنني أهرب منك أو من أخي، بل لأنني لم أعِش قط، وأريد أن أعرف كيف يشبه العيش. ربما نلتقي يومًا، وربما لا. لكنني أشكرك لأنك، في ظهيرة عادية، سألتني عن اسم قلم».
طوت الورقة. هل سترسلها؟ لا. لأنها ليست له. هي لها.
ونهضت وفتحت درج المكتب ووضعتها تحت كتاب النحو، حيث كانت تضع كل ما لا تقوله. وكان الدرج ممتلئًا بأوراق كثيرة، كل واحدة منها حدّ صغير رسمته بيدها في الخفاء.
أما فادي فقد باع، بعد ثلاثة أشهر، نصف بضاعته. وبعد ستة قبل عرضًا للعمل في بلد بعيد، في مخزن لشركة لوجستية، براتب يكفي لتسديد دين أبيه وإرسال أختيه إلى الجامعة.
في الليلة الأخيرة جلس في الدكان الفارغ وأخرج من الدرج ورقة طُويت وفُتحت مرات كثيرة، نسخ فيها بخطّه آخر رسالة أرسلها قبل أن يُكسر هاتفها:
«لا أعرف ما أنتِ لي. لكنني أعرف أنني أصبحت أنتظر المساء.»
قرأها ثم وضعها في جيب سترته.
لم يقل لأحد إنه سافر لأجلها، ولم يكن ذلك صحيحًا تمامًا. سافر لأن البلد ضاق عليه، ولأن الأحلام التي لا تملك ثمنًا يجب أن تتعلّم المشي في أماكن أخرى. وأغلق الباب خلفه وأعطى المفتاح لصاحب الدكان المجاور.
لم يكن يعلم أن امرأة في مدينة بعيدة تنتظر الرد على طلب منحة لدراسة تربية الطفولة. ولم تكن تعلم أن رجلًا في مدينة أخرى يحمل رسالة لها في جيبه.
بعض القصص لا تلتقي نهاياتها. لكنها تظل تمشي في اتجاهين متوازيين، كأن كلًّا منها يشهد على الأخرى.

الفصل التاسع: الغرفة ٢١٠

في الغرفة ٢١٠ يسكن السيد فالتر منذ أحد عشر شهرًا.
كان في الرابعة والسبعين، أرملًا، مهندس سكك حديدية متقاعدًا، باع بيته الكبير بعد وفاة زوجته لأن الصمت فيه كان يضاعف الأصوات. ووجد في الفندق ما لم يجده في مكان آخر: وجوهًا تتغيّر كل يوم، وخدمة، وغرفة لا يضطر فيها إلى إصلاح شيء. وهذا عزاء الشيخوخة الحديثة، في الغرب خاصة: أن تُدار وحدتك بكفاءة، فلا يشعر أحد، ولا أنت، بثقلها.
وكل خميس عند الرابعة تأتي غيرترود.
كانت في التاسعة والستين، جارة قديمة لحنان في العمارة المجاورة، معلمة موسيقى متقاعدة، تضع قبعة صغيرة وتحمل علبة شوكولاتة. تجلس معه في المقهى الصغير بالطابق الأرضي، فيشربان الشاي ويتجادلان في كل شيء: السياسة والطقس وموسيقى شوبرت ومن اخترع الترام.
لاحظت حنان ذلك، لأنها تلاحظ كل شيء، وهذه آفة من يعمل بصمت وفضيلته معًا. لاحظت أن غيرترود كانت في أول شهرين تجلس مستقيمة على طرف الكرسي، وفي الشهر الرابع بدأت تسترخي، وفي السادس صارت تضع يدها على ذراعه حين تضحك. ولاحظت أيضًا، في صباح خميس، وهي تنظّف الغرفة ٢١٠ بعد خروجهما، فنجانين على الطاولة قرب السرير وفستانًا مطويًّا بعناية على الكرسي.
لم تشعر بالدهشة. شعرت بشيء أعقد: حسدًا نظيفًا. هل تحسد امرأة في الستين لأنها ما زالت تُحَبّ؟ هي في الثالثة والأربعين، والجواب واضح: نعم. وما أقسى هذا الجواب! لأنه يعني أن الأمر لم يعد يتعلق بالعمر ولا بالدين ولا بالبلد، بل بشيء أبسط وأندر: أن تجرؤ امرأة على أن تُرى.
وفي خميس من الخمايس دخلت غيرترود الفندق وفي وجهها غضب لم تعتده، وفي أثرها رجل في الأربعين بمعطف أنيق يشبهها حول العينين.
— هذا ابني ميشائيل، قالت لحنان في الممر دون أن تبطئ خطواتها. أرجو ألّا تمانعي إن بقيتِ قريبة، فقد أحتاج إلى شاهد.
— على ماذا؟
— على أنني ما زلت عاقلة.
جلست في المقهى، وجلس ميشائيل أمامها، وفالتر يراقب من بعيد ولا يتدخل. ولم تكن حنان تتجسس. كانت تنظّف الطاولة المجاورة ببطء مبالغ فيه، وهذا فرق دقيق لا يعترف به إلا من يعيش من فتات ما يسمع.
— أمي، لقد بلغتِ التاسعة والستين.
— أعرف. أنا أذكر.
— رجل لا نعرف عنه شيئًا. غريب في فندق. ويبدو أنكما…
— قلها.
— … أنكما قريبان جدًّا.
— نعم. نحن كذلك.
صمت ميشائيل لحظة، كأنه لم يتوقع هذا الوضوح. وكان هذا الوضوح هو ما يخيفه فعلًا، فنحن نتقبّل خطايا آبائنا بسهولة طالما لا يسمّونها بأسمائها.
— ما الذي يريده منكِ؟
— لا شيء. معاشه أكبر من معاشي.
— أمي…
— ماذا تريد أن تسمع يا ميشائيل؟ أنني وحيدة؟ نعم. وأن حياتي بعد موت أبيك كانت قاعة انتظار؟ نعم. وأن رجلًا أحمق وجد فيّ ما لم أعد أرى أحدًا ينظر إليه؟ نعم. وأن جسدي في التاسعة والستين لم يتقاعد مع باقي أعضائي؟ …
— أمي!
— نعم. هذا أيضًا.
أطرق ميشائيل وقد احمرّ وجهه. وفي تلك اللحظة، لو شئنا الدقة، كان الابن هو الطفل، والأم هي الراشدة الوحيدة على الطاولة.
— الناس يتحدثون. وأخواتي…
— ومن قال إن الناس هم من يعيشون حياتي؟
— وإذا مرضتِ؟ وإذا مات؟
— إذن سأحزن. وكنت سأحزن على أي حال.
سكت الجميع. واقترب فالتر أخيرًا ووقف بجانب كرسي غيرترود دون أن يجلس، يمسك عصاه.
— سيد ميشائيل، لا أريد من أمك مالًا ولا بيتًا. أريد شيئًا أبسط وأصعب: أن أجلس معها مرة في الأسبوع دون أن أشعر أنني أنتظر الموت.
— وهل تحبها؟
— لا أعرف إن كان هذا اسمه. لكنني لم أشعر بهذا منذ ثلاث وأربعين سنة.
— وأنا لا أحبك، قال ميشائيل بصوت متعب.
— لا يُطلب منك.
وقف ميشائيل أخيرًا وقال: سأفكر. ثم خرج.
حين اختفى ارتجفت يد غيرترود على الطاولة. فأمسك فالتر بها ببطء أمام الجميع، كمن يقوم بعمل ثوري صغير.
وفي تلك الليلة جلست غيرترود في بيتها أمام طاولة الزينة التي اشتراها زوجها في عيد زواجهما العشرين، وأمامها مرآة بيضاوية في إطار خشب داكن، وفي زاويتها خدش صغير. وكانت تنظر إلى وجهها كما ينظر المرء إلى صورة شخص عرفه قديمًا.
لمست الجلد تحت عينها. كان وجهها قديمًا مشدودًا، وصوتها أعلى، وضحكتها أكثر. وكانت تتجاهل المرآة لأنها كانت شابة ولا تحتاج إلى النظر. أما اليوم فهي تحتاج.
أخذت تمشّط شعرها الفضي، وفي رأسها جوقة صغيرة: ميشائيل، والجارة، وأخواته، وزميلاتها في الكورال، وجميعهم يقولون بصوت واحد: «في هذا العمر؟». وما كان يؤلمها ليس هذا السؤال، بل أنها كانت تعرف جوابه: ولِمَ لا؟ لكنها لم تكن تصدّق نفسها كل مرة. فهي لا تشكّ حين تتكلم، بل حين تنظر إلى جسدها.
كانت هذه هي النقطة الحساسة. إنها في ذهنها ما زالت في الخامسة والثلاثين، وجسدها يقول شيئًا آخر. وكلما فكّرت أن فالتر يمكن أن يراها كما هي، ارتجفت. لا لأنها تخاف أن يكره ما يرى، فهو لا ينظر إليها هكذا. بل لأنها تخاف أن تكرهه هي، أن تكره هذا الجسد الذي علّمها العالم أنه ينبغي أن يختفي بعد الستين: ثياب فضفاضة، وحديث عن الأحفاد، وصمت.
وماذا يريد جسدها؟ لم تقل ذلك بصوت مرتفع من قبل. أن يُلمَس.
ولنتوقف هنا لنقول شيئًا يعرفه كل من خالط كبار السن وتظاهر بأنه لا يعرفه: إن الرغبة لا تتقاعد. ما يتقاعد هو إذننا لها. وكل المجتمعات، شرقيّها وغربيّها، متفقة على هذا الأمر العجيب: أن تقطع الحب عن الأجداد وتسمّي ذلك احترامًا.
أخذت من الطاولة صورة صغيرة لهانس: رجل في الخمسين بابتسامة عريضة وقبعة سخيفة. بعد موته قالت لنفسها: انتهى هذا الفصل، وبدأت تعيش بلا رغبة ولا ألم ولا شيء، وسمّت ذلك أمانًا. لكنه كان صمتًا. هل ما تفعله خيانة له؟ لا. فالخيانة ليست أن تحبّ، بل أن تتظاهر بأنك لم تتغيّر. هي لم تخن أحدًا. هي فقط استيقظت.
أعادت الصورة إلى مكانها، وقررت أن تقول لفالتر في الخميس القادم ما قالته لنفسها الآن: إنها تخاف أن تكون عجوزًا أمامه. وإن قال: «وأنا أيضًا»، فعندها يخافان معًا.
ابتسمت، وأطفأت المصباح الصغير. وفي الظلام ظلّت المرآة تحتفظ بصورة امرأة تجلس مستقيمة، وفي عينيها شيء لم يتقاعد.
أما في بهو الفندق، في اليوم التالي، فقد نظرت حنان إلى الاثنين تمسك يد أحدهما الأخرى، وفكّرت في ما لم يخطر لها قط: أن العار الذي علّموها أن تحمله على الرغبة لا يتبع العمر ولا القانون ولا الجغرافيا. هو يتبع من يصرّ على أن يحمله.
ولاحظت أن كريم، الواقف عند الاستقبال، كان ينظر إلى المشهد نفسه، وأن كاترين، في الجهة الأخرى من البهو، كانت تنظر إليه.

الفصل العاشر: مطر على الجسر

في أحد أيام تشرين الثاني كان المطر ينهمر على فالدبرغ كأن السماء قرّرت أن تغسل المدينة بأكملها.
انتهت وردية حنان مبكرة لأن التي كانت ستحلّ مكانها مرضت، فبقيت حتى العاشرة مساءً. وكان كريم، كعادته، يستلم الوردية الليلية.
— هل ستعودين بالباص؟
— لا يوجد باص. الخط تعطّل بسبب الفيضان.
— سأوصلك.
— لا. لا أريد أن…
— حنان، أنتِ تسكنين على بعد أربعة كيلومترات. لست مضطرًا إلى أن أعدّ الأمر شيئًا آخر.
ترددت. ثم قالت:
— حسنًا.
كان في سيارته القديمة رائحة بلاستيك دافئ وقهوة، وفي الراديو أغنية عربية قديمة. وحين عرفت حنان الأغنية كتمت ابتسامة.
— فيروز؟
— أبي كان يحبها.
— وأبي أيضًا.
سكتا. وكانت المساحات تعمل بإيقاع ثابت على الزجاج، والمدينة تمرّ حولهما كحلم مبلّل.
— هل أنتِ سعيدة؟ سأل كريم فجأة.
— ما هذا السؤال؟
— ليس سؤالًا. أحاول فقط أن أفهم.
— ماذا؟
— كيف تُمضين عمرك في بيوت الآخرين دون أن تتعبي.
— أنا أتعب. فقط لا أقول.
— لماذا؟
— لأن لا أحد يسأل.
توقف عند إشارة حمراء. نظر إليها فنظرت إلى الأمام.
— حين كنت أدرس الهندسة كان رأيي يُسأل عنه، قالت بصوت خفيض.
— الهندسة؟
— درست الهندسة المعمارية سنتين في جامعة حمص قبل أن أتزوج. سمير قال إن الزوجة لا تدرس بعد الزواج.
— لم أكن أعلم.
— لا أحد يعلم. أنا لا أحكي.
لماذا كان يستمع إليها هكذا؟ لم يعرف. ربما لأن في صوتها الخيط نفسه من الحنين الذي يعرفه في نفسه: بلد لا يُعاد، ولغة تُتكلّم بصوت منخفض كي لا يسمعها أحد.
— منذ سنين، قالت، لم يسألني أحد ماذا أريد. لا سمير، ولا ليلى لأنها صغيرة، ولا أمي. وأنت سألتني الآن إن كنت سعيدة. أتعرف كم شعرت بالغرابة؟
مدّ كريم يده إلى ناقل السرعة، فلمست أصابعه ظهر يدها التي كانت قد وضعتها هناك دون أن تنتبه.
لم يسحب أحد يده.
مرّت ثلاث ثوانٍ، أو أربع. بدت كالأبد. وفي مثل هذه الثواني، عند من يعرف الحياة، يُقرَّر ما لا يُقرَّر في السنين: لا في الكلام ولا في الفعل، بل في الامتناع الذي يسبق الفعل.
— كريم، همست حنان.
— أعرف.
— أنا متزوجة.
— وأنا ما زلت أنام في غرفة ٣٠٧ مع امرأة متزوجة.
نظرت إليه بدهشة.
— أنت لا تحكي لي هذا لتكسب شيئًا.
— لا. أحكيه لأنني لا أريد أن أخدعك. لا أريدك أن تظنّي أنني رجل قدّيس يوصل امرأة تحت المطر.
سحبت يدها بهدوء، لا بعنف.
— هذا ما كنت أحتاجه.
— ماذا؟
— أن يقول لي أحد الحقيقة دون أن يحاول أن يربحني.
وحين توقفا أمام عمارتها، فتحت الباب وترددت.
— شكرًا.
— على ماذا؟
— على أنك لم تقل شيئًا جميلًا.
ونزلت تحت المطر وركضت إلى المدخل.
أما ما لم تلاحظه هي، ولم يلاحظه كريم الذي ظلّ ينظر إليها وهي تبتعد، فهو الستارة التي تحرّكت قليلًا في الطابق الثاني من العمارة المجاورة.
كانت السيدة أم فراس، جارة عربية في الستين، تقف عند النافذة وكوب الشاي في يدها. وفي الصباح، قبل أن تُحضّر الفطور، كانت قد اتصلت بثلاث نساء من الحيّ:
— رأيتُ أم ليلى مع رجل في سيارة في الليل، قالت.
ولم تقل أكثر. فالحيّ لا يحتاج إلى أكثر. وها هنا يظهر القانون الأخير في هذا العالم الصغير: أن الحقيقة وزنها قليل، وأن نصف الحقيقة، إذا قيل بنبرة الحرص، يزن أكثر من الحقيقة كلها.

الفصل الحادي عشر: الغروب الأحمر

لم يكن كريم يشرب عادة.
لكن بعد أسبوع من تلك الليلة، حين قالت له كاترين في مطبخ الفندق الخلفي، بهدوء قاسٍ، إنها لا تريد أن «يتحوّل ما بينهما إلى شيء له اسم»، وإن زوجها سيعود الشهر القادم، وإن «العقد التنظيمي» لا يتسع لرجل يقع في الحب، خرج من الوردية وسار بلا وجهة نحو حيّ المحطة.
كان حيًّا غير الذي تعرفه السياحة. محلات مغلقة، ومحطة قطارات تلمع وسط الظلام، وبين الأزقة أضواء حمراء وزرقاء تَعِد الناس بشيء لا يصدّقه أحد، ويذهب إليه الجميع. وفي كل مدينة كبيرة حيّ كهذا، تضعه المدينة في طرفها كما يضع البيت المرتب خزانته في آخر الممر: موجودًا، لكن لا يُسأل عنه.
دخل حانة صغيرة اسمها «الغروب الأحمر».
كان فيها ضوء خافت ورائحة تبغ قديم وموسيقى لا تحاول أن تُسمَع. جلس على طرف البار وطلب كأس ويسكي لا يعرف اسمه. وبعد دقائق جلست بجانبه امرأة شابة، في الرابعة والعشرين على الأرجح، بفستان أحمر ضيق وعينين متعبتين من النوع الذي لا يخفيه المكياج.
— وحدك؟
— نعم.
— وأنا.
ابتسمت له، وكانت الابتسامة مدرَّبة.
— اسمي أنكا. من رومانيا. وأنت؟
— كريم.
— عربي؟
— سوري.
— أحب العرب. يعطون إكراميات جيدة.
لم يعرف هل يضحك.
— كم تريدين؟ لم يقصد أن يقولها بهذه القسوة، لكنها خرجت.
— الجلوس معي ساعة: مئة يورو. وما بعد ذلك نتفق.
— ما بعد ذلك لن يكون.
رفعت حاجبيها.
— هل أنت متديّن؟
— لا. أنا متعب فقط.
— هذا ليس سببًا. هؤلاء كلهم متعبون.
وأشارت بذقنها نحو الرجال الصامتين على الطاولات.
ظلّ كريم يتأملها. لاحظ أن يدها اليمنى ترتجف قليلًا حين تمسك الكأس، وأن عينيها تنظران كل دقيقتين تقريبًا إلى رجل ضخم عند آخر البار يقف كما يقف حارس لا كما يقف مدير.
— ذلك الرجل؟
— لا تنظر. هو يظن أننا أصدقاء.
— وماذا يفعل؟
— يحتفظ بجواز سفري. للحماية. هكذا يقول.
— هل أنتِ هنا بإرادتك؟
كانت نظرتها نصف ضحكة ونصف شيء آخر.
— الإرادة كلمة كبيرة. جئتُ لأعمل نادلة في مطعم. قال صديق من قريتي إن الأجر ثلاثة أضعاف. وصلتُ فأخذوا جوازي «من أجل الأوراق». وبعد شهر قيل لي إنني مدينة بثمن السفر والسكن والملابس. ثم…
لم تكمل.
— يمكننا الذهاب إلى الشرطة.
— لا.
قالتها بسرعة وبرود.
— لماذا؟
— لأنهم في قريتي يعرفون أين أعمل. ولأن أمي مريضة، وأخي في المدرسة، والمال الذي أرسله… ولأن الرجل يعرف عنواني. وعنوانها.
— أنكا، هناك خطوط مساعدة لضحايا الاتجار…
— لا تحاول أن تنقذني.
نظرت إليه بحدّة.
— ستسوء الأمور. أنت تذهب وأنا أبقى. اشرب، وادفع، وغدًا تكون في فراشك. هذا أفضل لنا معًا.
لم يقل كريم شيئًا. كان يظن أن العالم الحرّ، عالم الفنادق المفتوحة والعلاقات المدارة بعقود تنظيمية، ليس فيه حدود. فإذا بها فيه، لكنها تغيّرت أسماؤها: حدّ المال، وحدّ الجواز، وحدّ الخوف. وهذه أقسى الحدود لأنها لا تُرى، ولا تحرسها دولة، ولا يحميها شرف، ولا تُسمّى باسمها في الخطب.
وضع مئة يورو على الطاولة.
— للساعة.
— وبعدها؟
— لا شيء. فقط اجلسي. حدّثيني عن قريتك.
نظرت إليه كما ينظر الإنسان إلى حيوان غريب لم يره من قبل. ثم حكت له عن بيت فوق التلّ، وعن شجرة جوز عمرها ثلاثمئة سنة، وعن أخ صغير يحلم أن يصير طبيبًا.
حين غادر في الثالثة فجرًا كتب في هاتفه رقم الخط الساخن لمساعدة ضحايا الاتجار. ولم يعرف إن كان سيتصل.
وفي الصباح وجد كاترين تنتظره في البهو.
— أنت لم تنم.
— لا.
— ماذا فعلت؟
— ذهبتُ إلى مكان يبيع فيه الناس أنفسهم. وتعلّمت أن «الحرية» التي كنت أحسدكم عليها لها وجه آخر.
نظرت إليه بصمت. ثم قالت:
— أعرف محاميًا يعمل في هذا النوع من القضايا. أعطني اسم الحانة.
— لماذا؟
— لأن هذه أول مرة تطلب فيها مني شيئًا.
اتصلا معًا بالخط في ذلك الصباح. وبعد أسبوع، حين عاد كريم إلى «الغروب الأحمر» وجد النوافذ مغلقة وملصقًا على الباب. سأل نادلًا في المقهى المجاور فهزّ كتفيه: «أُغلق. جاءت الشرطة. لا أعرف ماذا حدث للفتيات».
ولم يعرف كريم قط ماذا حدث لأنكا. كانت هذه أصعب الحقائق وأكثرها واقعية: أن بعض القصص لا تنتهي حيث نريد، وأننا حين نتدخّل لا نعلم دائمًا إن كنا أنقذنا أحدًا.
أما كاترين فقد عادت تلك الليلة إلى بيتها وحدها.
تحب كاترين الأرقام، وفي الليالي التي يغيب فيها توماس في سنغافورة أو شنغهاي تجلس في مكتبها الصغير وتفتح دفترًا أسود وتكتب في عمودين: «ما أملكه» و«ما أريده». وكتبت اليوم: «ما أملكه: وظيفة. بيت. زواج بلا حرب. صديقات. حرية». وتحت العمود الثاني توقف القلم.
سكتت طويلًا. ثم كتبت، وشطبت، وكتبت من جديد: «أريد كريم».
ولماذا شطبت؟ لأنه لا يدخل في الجدول. ومن وضع الجدول؟ هي. فلِمَ لا تغيّره؟ لأن التغيير ليس بهذه السهولة. نهضت وصبّت لنفسها كأسًا صغيرة من النبيذ، وأدركت ما كانت تعرفه ولم تسمّه: أن «زواج الحرية» الذي بدا لها قبل سبع سنوات ذكيًّا وناضجًا وأوروبيًّا كان في الحقيقة حاجزًا، يحميها من أن تحتاج إلى أحد. وقد ورثت هذا عن أمها، التي اعتمدت على أبيها فتركها، وقالت لابنتها: «لا تعتمدي أبدًا». فبنت كاترين بيتًا لا يمكن لأحد أن يتركها فيه، لأنه لا يسكنه أحد.
وكان كريم يجعلها تحتاج، وهذا أخافها. لأن كل علاقة بدأت بالحاجة في ذاكرتها انتهت بالخسارة. فلماذا لا تكتفي بالمناعة؟ لأن كل علاقة بدأت بالمناعة انتهت بالفراغ. ولم تجد ردًّا.
ومدّت يدها إلى الدفتر وكتبت عمودًا ثالثًا: «ما أخافه». وكانت القائمة خمسة بنود: أن يتعلق بها ولا تستطيع أن تبادله، وأن تتعلق به ولا يبادلها، وأن تكتشف أنها لا تعرف كيف تحب بلا شروط، وأن تخون توماس لا بالفعل بل بالصراحة، وأن تكون ثرثارة ومدمّرة كما كانت أمها.
قرأت القائمة، وكان أغربها الرابع. لم تكن تخاف من خيانة جسدية، لأن العقد يسمح بها. كانت تخاف من الصراحة: أن تقول لتوماس يومًا «لقد وقعت في الحب». فهذه الجملة وحدها خارج العقد.
— هل تحبينه؟ سألت نفسها.
— لا أعرف إن كان هذا اسمه. لكنني حين أراه أتوقف عن العدّ. عن حساب الخسائر والأرباح. أنظر إليه فقط.
— هذا حب.
— أو انجذاب.
— أو الاثنان.
أغلقت الدفتر. كانت قد قالت له: «لا نكبّر الحكاية»، وقد قالتها خوفًا، وتعرف أنه فهم وأنه سيتألم، وأنها تحمل مسؤولية هذا الألم. وهل ستعتذر؟ لا. ستقول الحقيقة حين تعرفها، أي حين تتوقف عن الاختباء خلف كلمة «حرية».
شربت آخر قطرة، وقالت بصوت منخفض إن الحرية الحقيقية ليست ألّا نحتاج، بل أن نحتاج ونعترف. وفي ورقة جديدة كتبت: «غدًا: أكلّم توماس».
ونظرت إلى الجملة ولم تشطبها.

الفصل الثاني عشر: ما كشفه الهاتف

كان سمير يبحث عن شاحن لهاتفه.
دخل غرفة ليلى وهي في الحمّام، فوجد هاتفها على السرير مضاءً برسالة جديدة. لم يكن يريد أن ينظر. ولم يكن يعرف أن ما سيراه سيكسر شيئًا في عمره.
لم تكن الشاشة مقفلة، فقد كانت ليلى تنسى أحيانًا:
مارك: «وحشتِني. هل نتقابل غدًا؟ لا تقولي لأحد.»
ثم صور، ثم رسائل أقدم. وحين مرّر بإصبعه المرتجف وجد صورة لابنته مع شاب أشقر على سلالم المكتبة، يضحكان، وأيديهما تتجاور.
جلس على السرير. لم يكن يقرأ الألمانية جيدًا، لكنه عرف اسم الرجل، وفهم كلمة «غدًا»، وفهم «لا تقولي لأحد». وهذه الجملة تُفهم بكل اللغات، ولا يحتاج الأب إلى معجم ليعرف ما تعنيه.
خرجت ليلى من الحمّام ملفوفة بمنشفة، فرأت أباها جالسًا والهاتف في يده. ولم يتحرك أحد.
— بابا…
— من هذا؟
— من؟
— هذا الرجل. هذا الذي يقول لا تقولي لأحد.
— بابا، أعطني الهاتف.
— من هذا؟
ارتفع صوته، وانفتح باب الصالون، وجاءت حنان بوجه مفزوع.
— ماذا يحدث؟
— اسأليها! اسألي ابنتك!
— سمير!
— ابنتك تقابل رجالًا!
— لا أقابله! صرخت ليلى وقد بدأت تبكي. لم أقابله قط! لم أرَه!
— ومن الشاب؟
— هذا جونس! زميلي! نمسك يد بعضنا فقط!
— تمسكين يدًا؟! وهذا؟ «لا تقولي لأحد»؟
ورفع يده.
لا أحد يعرف كيف حدث ذلك. لم يكن سمير رجلًا عنيفًا. لكن كل ما فيه من خوف وغضب وعار موروث ارتفع دفعة واحدة، وكانت يده في الهواء فوق وجه ابنته. وهذه من لحظات الحياة التي يُحكم فيها على الإنسان لا بما فعل، بل بما كان على وشك أن يفعل، وبما ردّه عنه غيره.
وقفت حنان بينهما.
— لا.
قالتها بهدوء لم يعرفه فيها.
— ابعدي.
— لا. لن تضربها. أنت تعرف أنك لن تفعل.
— أنتِ التي أفسدتِها!
— ربما. وربما أنت من علّمها أن تخفي. لو كانت تستطيع أن تحكي لك لما كان في هاتفها «لا تقولي لأحد».
كانت ليلى تنظر إلى أبويها كأنها ترى فيلمًا لا تعرف نهايته.
— وأنتِ يا حنان؟ قال سمير ببطء، وقد انخفض صوته بشكل مخيف. هل لديك ما تحكينه؟
— عن ماذا؟
— أم فراس اتصلت بي اليوم. قالت إنها رأتك في سيارة رجل ليلًا.
صمت الجميع.
كان بإمكان حنان أن تنكر، وكان بإمكانها أن تقول إنه زميل أوصلها، وهذا صحيح. لكنها نظرت إلى ابنتها، التي تقف أمامها بمنشفتها المبلّلة وخوفها، وأدركت أن اللحظة لن تسمح بنصف الحقيقة.
— نعم. رجل أوصلني تحت المطر. سوري، من الفندق. لم يحدث شيء. لكنني، وأنا في السيارة، شعرتُ للمرة الأولى منذ سنوات أن أحدًا يريد أن يسمعني. وهذا أخافني أكثر مما لو كان قد لمسني.
كان سمير ينظر إليها كأنه يراها أول مرة.
— وهل…
— لا. لكنني أفكّر. وهذا هو الحق الذي لا أستطيع أن أنكره. أنا إنسانة يا سمير، لا زوجة فقط.
جلس على السرير بجانب ابنته وهو يقبض على رأسه بيديه. ومرّت دقائق طويلة. وفي الصمت قالت ليلى بصوت خافت:
— بابا… الرجل الذي يكتب لي… أنا لا أعرفه. هو أكبر مني. وأنا خائفة منه.
رفع رأسه.
— ماذا؟
— كنتُ خائفة. كنت أريد أن أحكي لك. لكنني كنت أعرف أنك ستحبسني، وأمي ستحزن. فلم أقل لأحد. وهو كان يقول لي إن لا أحد يفهمني غيره.
انكمش وجه سمير كأن أحدًا ضرب صدره، ولم يقل شيئًا.
مدّت حنان يدها وأمسكت يد ابنتها، وبعد لحظة تردد مدّ سمير يده وأمسك يدها الأخرى. ثلاثتهم على السرير، في غرفة صغيرة، بلا كلمات.
في اليوم التالي ذهبوا إلى المدرسة. قابلتهم السيدة براندت ومرشدة المدرسة، وفتحوا الهاتف معًا. وشرحت المرشدة، بصوت هادئ وثابت، أن ما حدث له اسم، وأن ليلى لم تفعل شيئًا خاطئًا، وأن الخطأ كله على رجل بالغ يختار فتاة في السادسة عشرة. وأن هناك شرطة مختصة، وأن هذه ليست قصة تُدفن.
سأل سمير بصعوبة:
— هل سيعاقبون ابنتي؟
— أبدًا. لا يُعاقَب إلا من يستغلّ.
كان يحتاج إلى أن يسمع ذلك مرتين.
وبعد أسبوعين اتصلت الشرطة. وجدوا أن «مارك» ليس مصوّرًا، وأنه استعمل أسماء متعددة، وأن في هاتفه أرقامًا لثماني فتيات أخريات في ولايات مختلفة. لم يتجاوز الأمر المراسلة في حالتين، وتجاوزها في حالات أخرى لا تُذكر هنا.
جلست ليلى في غرفتها تلك الليلة ودفنت وجهها في وسادتها وقالت:
— كنتُ أظنه حبًّا.
قالت حنان وهي تجلس بجانبها:
— كنتِ تحتاجين إلى أن يسمعك أحد. وهو عرف هذه الحاجة فاستغلّها. ليس عيبًا أن تحتاجي. العيب عليه.
— وجونس؟
ابتسمت حنان بتعب.
— جونس شيء آخر. أحبّي من يضع يده بجانبك لا فوقك.
ضحكت ليلى وهي تبكي.
— من أين عرفتِ؟
— أنا أمك.
أما سمير فقد قاد شاحنته إلى ميونيخ في الثالثة من تلك الليلة.
الطريق السريع في الثالثة صباحًا ليس طريقًا. هو نهر أسود يجري بصمت. وكان المذياع مطفأ والزجاج الأمامي يلمع بنقاط مطر. هذا هو المكان الوحيد الذي يتكلم فيه مع نفسه، وحين لا يتكلم معها يسمع صوت أبيه.
كان صوت أبيه يأتي دائمًا جملًا قصيرة جافة كالتراب: «الرجل لا يبكي». «الرجل لا يسأل». «ما تقوله المرأة في البيت يُنسى، وما تفعله خارجه يُعاقَب». وكانت يده ترتجف على المقود كما ارتجفت حين رأى ابنته مع الولد. ولم يكن هناك ما ينكره: لقد كان سيرفع يده، ولم يمنعه إلا أن حنان وقفت.
قال لصوت أبيه: أنا لست أنت. فجاء الجواب: لا، أنت أضعف. وقال: لا، أنا أحاول أن أفهم لماذا بدت ابنتي خائفة مني. فسكت صوت الأب هنيهة ثم قال: لأنك رجل البيت، وهذا يعني أن تحميها. من ماذا؟ من العالم. وإن كنتُ أنا العالم الذي تخاف منه؟
كان هذا سؤالًا جديدًا. لم يكن يملك له جوابًا في ما ورثه. فتح النافذة قليلًا، فدخل هواء مبلل، وقال بصوت مرتفع، للشاحنة وحدها وللّيل: أنا خائف. من أن ليلى ستصير امرأة لا أعرفها. ومن أن حنان تنظر إليّ ولا ترى رجلًا. ومن أنني قضيت عشرين سنة أحمل «البيت» على كتفي، ولم أسأل مرة واحدة: ماذا يحتاج من فيه؟ ولماذا لم يسأل؟ لأنه لم يتعلّم كيف، وخاف أن يكون الجواب أكبر منه.
ومرّت لافتة خضراء: «ميونيخ ١٢٠». وجاء صوت آخر، لا يعرفه تمامًا، يشبه صوت المرشدة الأسرية العربية في المركز البلدي، تلك المرأة الهادئة التي قالت له مرة: «لا تحتاج إلى أن تكون قويًّا. تحتاج إلى أن تكون حاضرًا». حاضرًا كيف؟ أن تجلس بجانبها دون تلفاز. وماذا يقول؟ لا شيء، بل يسأل: «هل تعبتِ اليوم؟». فضحك ضحكة مبحوحة، فقد كانت أبسط جملة في العالم، ولم يقلها منذ ثلاثة وعشرين عامًا.
وسأل نفسه سؤالًا مباغتًا لا يشبه الرجال الذين نشأ بينهم: هل أحبّها؟ نعم. لا يعرف إن كان هذا اسمه، لكنه يعرف أنها حين غابت يومين في بيت أمها قبل خمس سنوات لم يستطع أن يأكل، وأنه لا يحب أن يمسّها أحد، وأنه لم يقل لها ذلك قط. وإن ظنّت أنه يملكها؟ عندها يفرّق بين المحبة والتملك: المحبّ يريدها سعيدة، والمتملك يريدها ساكنة.
لمعت عيناه. وتذكّر ورقة صغيرة كتبتها له المرشدة بخطّ يدها: «الحدود الصحية بين زوجين ليست أن يمنع أحدهما الآخر، بل أن يعرف كل منهما ما يؤلم الآخر فيتجنبه، وما يسعده فيقدمه». وفكّر: لقد ملك طوال عمره حدودًا كثيرة، لكنها كلها لمنع الآخرين. لم يرسم لنفسه حدًّا واحدًا يمنعه هو: ألّا يرفع يده، وألّا يقول «هذا ليس من شأنك»، وألّا يترك الصمت يجلس بينه وبين من يحب. فهل يستطيع؟ سيحاول.
عند أول مخرج استراحة ركن الشاحنة وأطفأ المحرك وجلس مدة طويلة. ثم أخرج هاتفه، ولم يتصل بأحد. كتب في خانة الملاحظات: «غدًا: أسألها هل تعبتِ».
وأغلق الهاتف، وبقي ينظر إلى المطر.

الفصل الثالث عشر: حدود من رمل

لم تنتهِ الأمور بصورة حاسمة. لا الحياة تنتهي هكذا، ولا الروايات الصادقة.
كان على سمير وحنان أن يقرّرا ما يفعلانه. فذهبا، على غير عادتهما، إلى مرشدة أسرية تتكلم العربية في مركز بلدي صغير. لم يعجبه الأمر في البداية، وجلس مشدودًا على الكرسي يقول: «نحن لا نحكي مشاكلنا للغرباء». لكن المرشدة قالت له بلطف:
— حين لا تحكيها للغرباء، تحكيها لابنتك بلا كلام.
اشترط سمير أن تبقى الجلسات سرية، فوافقت. وفي الجلسة الرابعة قال لحنان ما لم يقله منذ عشرين سنة:
— أنا لا أعرف كيف أكون الرجل الذي يريده قلبك.
— وأنا لا أعرف كيف أقول لك ما يريده قلبي.
— إذن نبدأ من هنا؟
— نبدأ من هنا.
لم يكن حبًّا مفاجئًا ولا مصالحة مسرحية. كان شيئًا أبطأ وأكثر تواضعًا: أن يجلسا معًا ليلة في الأسبوع دون تلفاز، ويسأل أحدهما الآخر سؤالًا واحدًا. وبدأ سمير بـ«هل تعبتِ اليوم؟»، وكان أصعب سؤال تعلّمه في حياته. وهذا ما يجهله أكثر الخطباء: أن الكلمات الأصغر هي التي تحتاج إلى أكبر الشجاعة، لأنها لا تملك ما تختبئ خلفه.
وفي أثناء ذلك سجّلت حنان في دورة مسائية لتعويض الشهادة. لم تقل لأحد إنها تريد العودة إلى الهندسة، لكنها بدأت ترسم من جديد.
أما كريم فقد ترك الفندق في الربيع. كان قد تقدّم إلى شركة هندسية في المدينة المجاورة، وقبلوه بعد مقابلتين، ولم يخبر كاترين إلا في آخر أسبوع.
— هل هذا بسببي؟
— جزء منه.
— وأنا لم أعدك بشيء.
— لا. ولهذا لا ألومك. كنتِ صادقة كما وعدتِ. لكنني اكتشفت أنني لا أصلح للعلاقات التي تُدار بالعقود. أحتاج أن أكون شيئًا لشخص، لا بندًا.
— وسيكون هناك شخص؟
— ربما، وربما لا. لكنني أريد أن أجرّب البحث عنه بوجه مكشوف.
وضعت كاترين يدها على خدّه.
— كنتُ أظن أنني الأكثر حرية بيننا.
— ربما كنتِ كذلك.
— والآن لا أعرف.
— نحن لا نعرف دائمًا. وليس علينا.
حين غادر بقيت واقفة عند باب الاستقبال طويلًا. ثم عادت إلى مكتبها وفتحت ملف الفعاليات القادمة ولم تقرأ منه حرفًا. والمرأة التي تدير الأرقام تعرف في مثل هذه اللحظات أن أكبر الخسائر لا يُسجَّل في أي عمود.
وفي الشهر نفسه أرسلت رشا رسالة صوتية قصيرة إلى حنان:
— لقد قدّمتُ على منحة. دراسة تربية الطفولة. في ألمانيا. لا تقولي لأحد.
ضحكت حنان وأرسلت لها: «قولي لي أنتِ كل شيء. وسأساعدك في الأوراق».
لم يكن ماجد قد غيّر رأيه. لكن أمّهما، التي بكت ليلة طويلة بعد الصفعة، قالت له ذات صباح: «إن أردتَ أن تنفّر أختك منك للأبد فاستمر». وهذا لم يكن اعتراضًا فكريًّا. كان خوفًا من الفقد. وأحيانًا يكفي الخوف من الفقد لينهي ما تعجز الأفكار عن إنهائه.
أما غيرترود وفالتر فقد قرّرا أن يعيشا معًا في شقة صغيرة على حافة المدينة. وقال ميشائيل لأمه إنه «سيأتي لزيارتهما أحيانًا»، وهذه الكلمة، على صغرها، كانت أكبر اعتراف يمكن أن يُنتزع من ابن في الأربعين.
وفي يوم أحد من حزيران ذهبت حنان وسمير وليلى إلى بحيرة صغيرة خارج المدينة.
كان سمير يجلس على قطعة خشب يشرب شايًا من قارورة، وحنان تقلّب كتابًا في يدها بلا قراءة، وليلى تمشي على الرمل عند الشاطئ. انحنت وبإصبعها رسمت خطًّا طويلًا مستقيمًا في الرمل المبلّل. جاءت موجة صغيرة فمسحته. رسمت خطًّا آخر، فمسحته موجة.
وجاء جونس من بعيد يلوّح لها، ولم يقترب. بقي واقفًا على مسافة كما اتفقا، ونظر إليها وانتظر.
عادت ليلى إلى أمها وجلست بجانبها.
— ماما، في المدرسة قالت المعلمة إن لكل واحد حدودًا. وأبي يقول إن للحياة حدودًا. وهذا الرجل، مارك، لم يكن يعترف بأي حدود. فمن الذي يرسمها حقًّا؟
فكّرت حنان طويلًا.
— لا أحد يرسمها وحده. أحيانًا نرسمها نحن. وأحيانًا يرسمها أهلنا لنا خوفًا علينا. وأحيانًا يرسمها القانون لحمايتنا من أناس لا يعرفون الحدود. وأحيانًا يرسمها الناس لأنهم يريدون أن يتحكموا فينا. والفرق بين النوعين دقيق جدًّا.
— وكيف أعرف؟
— بسؤال واحد: من المستفيد منها؟ إن كانت الحدود تحميكِ فاحترميها. وإن كانت تحمي أحدًا آخر منكِ فاسأليها: لماذا؟
— وإن لم أجد جوابًا؟
— عندها لا تهدميها بغضب. اتركي الباب مفتوحًا للسؤال.
نظرت ليلى إلى البحيرة.
— الخط على الرمل لا يدوم.
— لا. لكن الخط الذي ترسمينه داخلك يدوم، إن عرفتِ لماذا رسمتِه.
مرّ نسيم خفيف وهزّ شجرة بعيدة. وعلى الشاطئ كان البحر الصغير يعيد كتابة الحدود كل دقيقة، كأنه يقول إن الحدود ليست جدرانًا تُبنى مرة واحدة. إنها اتفاقات حيّة تُجدَّد كل يوم بين الأجساد والقلوب والعائلات والقوانين، وكل جيل يظنّ أنه الأول الذي يكتشفها، وكل جيل يدفع ثمن الصمت قبل أن يتعلّم الكلام.
لم تكن لدى حنان إجابات، لكنها عرفت لأول مرة على الأقل أن الأسئلة التي لا تُقال هي التي تأكل البيوت من الداخل.
وقف سمير ومدّ يده إلى ابنته، ثم ألقى نظرة سريعة نحو زوجته.
— هيا. سنأكل.
وفي هذه الكلمة، ببساطتها، كان شيء ما قد تغيّر، ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يسمّيه.

الكتاب الثاني: بعد سنة

الفصل الرابع عشر: وصلت رشا

وقفت حنان في صالة الوصول بمطار شتوتغارت وفي يدها لافتة صغيرة كتبتها ليلى بخط ملوّن: «أهلًا بالمعلمة رشا».
كانت تعرف أن اللافتة مبالغة، لكنها لم تستطع أن تقاوم. فهذه أختها التي لم تضمّها منذ ثماني سنوات، والتي حصلت على المنحة بعد ثلاثة رفوض، وسافرت بحقيبة واحدة وإذن مكتوب من أخيها ماجد، وقّعه وهو يشيح بوجهه.
خرجت رشا من الباب الزجاجي نحيلة، بمعطف قصير لم يكن مناسبًا لبرد المكان، وبوشاح أسود على شعرها. توقفت لحظة تنظر إلى الوجوه الكثيرة حولها كمن يدخل غرفة ضوؤها أشدّ مما اعتاد. ثم رأت اللافتة.
لم تقل شيئًا. تركت الحقيبة وركضت، فتعانقتا بقوة جعلت الناس يلتفتون ثم يبتسمون ويتابعون طريقهم، فالألمان يعرفون أن بعض العناقات لا يجوز التحديق فيها.
— أنتِ هنا، قالت حنان.
— أنا هنا. ولا أصدّق.
في السيارة كانت رشا تنظر من النافذة بصمت.
— ما بكِ؟ سألتها ليلى من المقعد الخلفي.
— لا شيء. فقط… لم أرَ في حياتي شارعًا فيه كل هذا الناس دون أن ينظر أحد إلى أحد.
— تعوّدي. هنا كل واحد مشغول بنفسه.
— هذا يبدو لي نعمة.
— وأحيانًا هو وحدة، قالت حنان بهدوء.
سكتت رشا ثم قالت:
— وأنا كنت أظن أن الوحدة لا تكون إلا في البيوت المغلقة.
في الأسابيع الأولى سكنت رشا في غرفة جامعية صغيرة في مجمّع طلابي، تتشارك مطبخًا وحمّامين مع ثمانية طلاب: ألمانيان، وإيرانية، وكاميروني، وإسباني، وطالبتان من الصين، وفتاة ألمانية اسمها لينا.
في الليلة الثالثة سمعت من وراء الجدار ضحك رجل وامرأة، ثم صمتًا، ثم صوتًا لا تخطئه أذن. جلست على سريرها وفي يديها وسادة كأنها تحتمي بها، واحمرّ وجهها وحدها في الظلام. وبعد ساعة انفتح باب المطبخ، وخرج شاب بقميص مجعّد ليشرب ماء، فرآها جالسة إلى الطاولة بعينين مفتوحتين، فقال:
— آسف إن أزعجناكم. هل تسمعين كثيرًا؟
— قليلًا.
— سنكون أهدأ.
عاد إلى غرفته، وبقيت رشا مصدومة من شيئين: من أنه اعتذر ببساطة لا يحملها عار، ومن أنها لم تعرف ماذا ينبغي أن تقول.
وفي الصباح، وهي تعدّ القهوة، دخلت لينا مبتسمة.
— صباح الخير. أرجو ألّا تكوني قد انزعجتِ البارحة.
— لا. فقط… لم أتعوّد.
— حبيبي ماركوس، نحن معًا منذ سنتين. هل هذا ممنوع في ثقافتك؟
— ممنوع، نعم. لكنه يحدث في الخفاء.
— وهل الخفاء أفضل؟
فكّرت رشا.
— لا أعرف. في الخفاء لا يعرف أحد أن أحدًا يتألم.
قالت لينا بعد صمت:
— وهنا يعرف الجميع، لكن لا أحد يتدخل. أحيانًا أتمنى لو يسألني أحد: هل أنتِ بخير؟
ضحكت رشا بمرارة ورفعت فنجانها:
— وأنا أتمنى لو لا يسألني أحد.
وقد يكون في هذه الجملة وحدها ما يختصر المسافة كلها بين البلدين: عالم يسأل أكثر مما ينبغي ولا يصغي، وعالم لا يسأل أبدًا ويرى كل شيء.
بدأت تتعلّم. أن تنزل إلى المطبخ بلا وشاح في وقت متأخر. أن تقول «لا» لزميل يدعوها إلى حفلة دون أن تشعر بأنها ارتكبت إثمًا. أن تضحك بصوت عالٍ في الممر. وكانت كل خطوة صغيرة تبدو كمن يفكّ عقدة في حبل كان يلفّ عنقها منذ الطفولة.
ثم جاءت ليلة الحفلة.
كانت حفلة طلابية في قبو دعتها إليها لينا: موسيقى صاخبة وأضواء ملوّنة وأجساد تتمايل. أمسكت رشا كأس عصير، فقال لها شاب اسمه توبياس بابتسامة لطيفة:
— هل تريدين شيئًا أقوى؟
— لا أشرب.
— مرة واحدة؟
نظرت إلى الكأس الذي مدّه إليها، وإلى القاعة التي تدور، وإلى نفسها: امرأة في التاسعة والعشرين تشعر أن ثماني وعشرين سنة من الممنوعات تضغط على صدرها، وتريد أن تكسرها كلها في ليلة واحدة.
شربت.
بعد ساعة كانت تضحك كثيرًا، وتقف قريبة منه جدًّا، ويده على ظهرها، وتقول لنفسها: «هذه أنا. هذه الحرية».
— هل تريدين أن نذهب إلى مكان أهدأ؟ سألها.
كانت الجملة واضحة. وكان في داخل رشا صوتان: صوت يصيح «افعلي! أثبتي لهم جميعًا!»، وصوت آخر أضعف لكنه أعمق: «لستِ هنا لتثبتي شيئًا لأحد، ولا لتحرقي ما في داخلك كي تنتقمي». وهذه من أخطر لحظات المتحرّرين حديثًا: أن يحسبوا أن كل ما كان ممنوعًا عليهم صار واجبًا، وأن يخلطوا بين فكّ القيد وإلقاء الذات في الهاوية.
وضعت الكأس.
— لا.
— لا؟
— لا الآن. ولا هكذا.
انتظرت أن يغضب، أو يقنعها، أو يستخفّ بها كما كانت تتخيل. قال:
— حسنًا. هل أوصلك إلى البيت؟
— لا. سأذهب مع لينا.
— كما تشائين.
وابتعد دون ضغينة.
وفي طريق العودة قالت لينا:
— هل أنتِ بخير؟
— لا أعرف. شعرتُ أنني كنت سأفعل شيئًا لأنني خائفة من ألّا أفعله.
— وما رأيك الآن؟
— أن الحرية ليست أن أقول «نعم» لكل شيء. بل أن أستطيع أن أقول «لا» بلا ثمن، ثم «نعم» حين أريد أنا.
— ربما هذا أصعب درس.
— وربما هو الوحيد.
وحين وصلت الغرفة كتبت رسالة إلى أمها: «أنا بخير. أدرس كثيرًا». ثم أرسلت أخرى لحنان وحدها: «لقد تعلّمت اليوم أن أقول لا. وكنت أحتاج أن أخبر أحدًا».
وردّت حنان بعد دقيقة: «أنا فخورة بكِ. ولا أحد غيرك يحتاج أن يعرف».

الفصل الخامس عشر: أم فراس

في كل جمعة كانت نساء العمارة العربيات يجتمعن عند إحداهنّ لتناول الشاي والمعجنات والحديث.
لم تكن حنان تذهب كثيرًا. لكن حين دعتها أم فراس شخصيًّا، بنبرة تجمع بين الودّ والتحدّي، عرفت أنها دعوة إلى محكمة صغيرة بصينية من الكعك. وكل مجتمع صغير، في كل بلد، يملك محكمته: لا قضاة فيها ولا محامين، وأحكامها تُنفَّذ بالنظرات، وهي أسرع المحاكم وأقلها رحمة.
— يا أم ليلى، لقد قلّت زياراتك.
— الشغل يا أم فراس.
— الشغل شغل. لكن الناس يقولون إنك تغيّرتِ.
كان في الغرفة ست نساء. نظرت إحداهن إلى فنجانها، وأخرى إلى النافذة، وثالثة كانت قد اتخذت موقفها سلفًا.
وكان أمام حنان خياران: أن تعتذر وتبتسم وتغيّر الحديث، فتنجو الليلة وتخسر ما بعدها، أو أن تضع الفنجان وتقول ما لم تقله من قبل. فوضعت الفنجان.
— سمعتُ أنكِ رأيتني في سيارة رجل، قالت بهدوء.
— أنا لم أقل…
— قلتِ لثلاث نساء، وهنّ قلن لأخريات. ولا بأس. أريد فقط أن أقول الحقيقة لتكوني أنتِ من يعرفها لا الإشاعة. كان زميلًا في العمل أوصلني تحت المطر لأن الباص كان معطّلًا. لم يحدث شيء. لكنني لن أقول لكن إنني لم أشعر بشيء، لأنني لا أحب الكذب.
ساد الصمت.
— وأنا لم أحكِ لكن هذا لأنني أطلب غفرانًا. أحكيه لأنني تعبتُ من أن أعيش كأنني متهمة بشيء لم أفعله، ومما شعرتُ به.
قالت امرأة في الركن، اسمها أم جمال، بصوت جاف:
— لكن الشعور وحده خطر.
— لا. الشعور ليس خطرًا. الخطر أن نعاقب الناس عليه فلا يحكون، فيصير سرًّا، فيصير سمًّا. وكم امرأة منّا كتمته عشرين سنة؟
ارتبكت أم جمال ونظرت إلى كفّيها. ونظرت أم فراس إلى حنان وقد تغيّر وجهها.
— أنتِ تقولين هذا وكأنك تعرفين أكثر مما تقولين.
— أعرف ما تعرفه كل واحدة هنا، ولا تقوله.
ضحكت امرأة صغيرة اسمها سلمى في آخر الغرفة ضحكة قصيرة كتمتها بيدها. ثم نظرت إلى الجميع وقالت بصوت خافت:
— أنا أيضًا كنتُ أخاف أن أقول. زوجي ضربني السنة الماضية. لم أقل لأحد. ثلاثة أشهر وأنا أضع الكحل لأخفي العلامة.
ساد صمت من نوع آخر.
قالت أم فراس بعد وقت بصوت لا يشبه صوتها:
— وأنا… ابنتي في الأردن مطلّقة منذ سنة. لم أخبركنّ لأنني كنت أخجل.
— لماذا؟
— لأن أول ما سألوني: ماذا فعلتْ؟
نظرت حنان إليها. وفي تلك اللحظة لم تكن أم فراس الجارة التي تراقب من النافذة. كانت امرأة في الستين حملت خوفها من كلام الناس طويلًا، حتى صار سلاحًا تستعمله على الآخرين قبل أن يُستعمل عليها. وهذا سرّ كثير من الوشاة: ليسوا أشرارًا، هم خائفون يتدرّبون على الهجوم.
لم يتغيّر الحيّ في ذلك المساء، لكن شيئًا ما اهتزّ.
وحين غادرت حنان بيت أم فراس لحقتها المضيفة إلى الباب.
— لا تحقدي عليّ.
— لا أحقد.
— كنتُ أظن أنني أحميكن.
— وأنا كنت أظن أنني أحمي نفسي بالصمت. كلانا مخطئ.
مدّت أم فراس يدها بحرج ووضعت في كف حنان قطعة كعك مغلّفة بمنديل.
— لليلى.
وكانت تلك أقرب اعتذار تعرف أن تقدّمه.

الفصل السادس عشر: الشاهدة

جاء يوم المحكمة في أيار.
لم تكن قاعة ضخمة مرعبة كما تخيّلتها ليلى من الأفلام. كانت غرفة بسيطة بطاولات خشبية وستائر بلون الرمل وقاضية في الخمسين بوجه محايد غير قاسٍ.
كانت شهادتها قد سُجّلت مسبقًا بحضور مختصة نفسية في غرفة هادئة بألوان مريحة. لم تضطر أن تواجه «مارك». رتّبوا الأمر هكذا لحماية من هم في سنّها، وأحسّت ليلى بامتنان مبهم لمن فكّر في هذه التفصيلة. وهذه فضيلة لا تُذكر في الخطب لأنها صغيرة: أن يتذكّر القانون أن الشاهد إنسان.
جلست في الصف الأول بجانب أبيها.
كان سمير يلبس بدلته الوحيدة وقد كوى قميصه بنفسه. بدا صغيرًا في القاعة، أصغر مما رأته يومًا، لكنه كان يمسك يدها بقوة.
وحين عُرض التسجيل لم يكن في القاعة صوت. سمعت ليلى صوتها يروي كيف بدأ الأمر بتعليق، وكيف صارت الرسائل كل مساء، وكيف قال لها «لا تحكي لأحد»، وكيف عرفت في ليلة أن شيئًا غير صحيح ولم تجد كلمات تقولها لأحد. وسمعت أباها يتنفس بعنف إلى جانبها.
وحين انتهى التسجيل التفت إليها وهمس بالعربية:
— لماذا لم تقولي لي؟
لم يكن سؤال لوم. كان سؤال إنسان يريد حقًّا أن يعرف.
— لأنك كنت ستحبسني.
— كنتُ سأفعل.
قالها بصدق مؤلم.
— وأنا الآن أفهم أن الحبس هو ما جعله ينجح.
لم تقل ليلى شيئًا. شدّت على يده.
صدر الحكم بعد ساعتين: سنوات سجن، ومنع من التواصل مع القاصرين، وإلزام بعلاج. لم يتنفس أحد ارتياحًا حقيقيًّا، فالحكم لا يعيد للفتيات ما سُلب منهن. لكن ليلى شعرت بشيء يخرج من صدرها، كأن حجرًا قديمًا يغادر مكانه.
وبعد الجلسة وقف جونس على سلّم المحكمة، وكان قد جاء من تلقاء نفسه وانتظر ثلاث ساعات.
— لم أدخل، قال. لم أكن أعرف إن كان يحقّ لي.
— كان يحق لك.
— أردتُ فقط أن أراك بعد أن تنتهي.
مشت إليه وتوقفت على مسافة خطوتين.
— جونس، أريد أن أقول لك شيئًا.
— قولي.
— أنا أحبك. أظن ذلك. لكنني لستُ جاهزة لأشياء كثيرة. وأريد أن أكون صادقة حتى لا يحدث شيء لا أريده، أو لا نفهمه.
لم يتغيّر وجهه.
— حسنًا.
— هل هذا يزعجك؟
— لا. يزعجني أنني لم أقل لك قبلك.
— ماذا؟
— أنني أيضًا لست جاهزًا. أنا خائف قليلًا. وأحب فقط أن أمسك يدك وأتحدث معك عن الموسيقى. هل هذا يكفي؟
ضحكت ليلى ضحكة من صميم قلبها لأول مرة منذ شهور.
— يكفي جدًّا.
كان سمير واقفًا خلفها على بعد أمتار، يرى الشاب ويرى ابنته، ويتحكم بكل ما فيه ليظل ساكنًا. وحين اقترب جونس وقدّم نفسه بالألمانية ومدّ يده قال سمير بعربية مكسّرة:
— أنا… سمير. أبو ليلى.
— يسعدني.
— اعتنِ… بنفسك.
كانت أغرب جملة قالها لرجل يخاف أن يأخذ ابنته. لكنها كانت جملة رجل يحاول أن يتعلّم.
وفي المساء، وهما عائدان إلى البيت في الحافلة، قالت ليلى لأبيها:
— بابا، شكرًا.
— على ماذا؟
— على أنك لم تقل «أنتِ أخطأتِ».
نظر إلى النافذة.
— أنا الذي أخطأت. تأخرتُ كثيرًا حتى أعرف.
— لكنك عرفت.
— نعم. وهذا ما سأحاول أن أبقى عليه.

الفصل السابع عشر: بطاقة من رومانيا

عمل كريم في مدينته الجديدة مهندسًا في شركة لتصميم الجسور، وكانت تلك أول مرة يستعيد فيها اسمه الحقيقي على باب مكتب.
كان يصل في الثامنة ويغادر في الخامسة، وبين الساعتين ينسى أنه كان يومًا يعرف الناس من أصواتهم في الليل. صار نهاره نهارًا ومساؤه مساءً. لكنه لم يتخلّص من الأرق، لأن الأرق ليس من عمل الليل وحده، بل هو ما يبقى من الأسئلة حين تُغلَق الفنادق.
وبعد ستة أشهر قرأ في إعلان جامعي أن منظمة تبحث عن متطوعين يتحدثون العربية والإنجليزية لمساعدة ضحايا الاتجار بالبشر. لم يفكر طويلًا، فاتصل. وصار كل ثلاثاء يجلس في غرفة صغيرة مع أناس خرجوا من حيوات لا تُحكى بسهولة: نساء من رومانيا ونيجيريا وسوريا، وشاب من أفغانستان. لم يكن يقول لهم «سأنقذكم»، فقد تعلّم من أنكا أن هذه الجملة أكذب ما يُقال. كان يقول: «أنا هنا. أستطيع أن أترجم لكم، وأستطيع أن أجلس معكم».
وفي يوم ثلاثاء من آب وصلت إلى المنظمة بطاقة بريدية بلا اسم مرسل.
كانت عليها صورة شجرة جوز ضخمة فوق تلّ أخضر، وعلى ظهرها، بخط صغير بالإنجليزية، جملة واحدة:
«الأخ أصبح في السنة الأولى من كلية الطب. شكرًا للجلوس ساعة.»
قرأها كريم مرارًا، ثم نظر إلى طابع البريد: رومانيا. ورفع رأسه فرأى زميلته إيلينا تنظر إليه.
— هل تعرف المرسلة؟
— نعم. أظن ذلك.
— هل هي بخير؟
— لا أعرف. لكنني أعرف أنها حيّة. وأنها تذكر.
لم يكن في البطاقة سوى هذا. لكن كريم جلس في سيارته بعد ذلك في موقف السيارات وبكى كما لم يبكِ منذ سنوات، دون أن يعرف تمامًا لماذا. وربما لأن بعض الخير لا يصلنا إلا بعد أن نتوقف عن انتظاره، كما أن بعض الأسئلة لا تجيب عنها الحياة إلا بعد أن ننساها.
وفي المساء، وهو يقف أمام باب شقته، وجد على الدرج امرأة جالسة تلفّ معطفها حول ركبتيها.
— كاترين؟
— مرحبًا، كريم.
لم تتغيّر كثيرًا: وجه أكثر نحولًا وعينان أكثر صدقًا.
— كيف وجدتِ عنواني؟
— من دانيال، زميلك القديم في الفندق. ورّطته في الأمر.
— ماذا تفعلين هنا؟
— انتهى زواجي.
قالتها بلا درامية.
— عاد توماس، وقلنا لبعضنا الحقيقة: أننا نعيش كشريكين في مكتب، وأن لا أحد منا يكره الآخر، لكنه لا يحب أحدًا. تطلّقنا بهدوء. محاميان وورقتان وقهوة.
— آسف.
— لا تأسف. هذا ليس حزنًا. هذا وضوح.
جلس كريم على الدرجة بجانبها.
— وجئتِ لتقولي لي ماذا؟
— لا أعرف. ربما أن أقول إنني أخطأت حين قلت لك إن «العقد لا يتسع». كنتُ أخاف أن أسمّي ما شعرتُ به، لأن الأشياء التي لها أسماء تصير لها تبعات.
— وهل تسمّينه الآن؟
— لا. أريد أن أعرفه أولًا بوجه مكشوف، كما قلتَ أنت.
ابتسم.
— هذه جملتي.
— أعرف. استعرتُها.
نظر إلى يديها، ثم إلى الشارع الذي يضيئه مصباح وحيد.
— كاترين، لن أستطيع أن أعود إلى ما كان. لا إلى الغرفة ٣٠٧ ولا إلى ما يشبهها.
— ولا أريد.
— وأريد وقتًا.
— وأنا أملك كل الوقت الآن.
— وقد لا ننتهي إلى شيء.
— أعرف. نحن لا نعرف دائمًا.
— وليس علينا.
نظرت إليه بدهشة ثم ضحكت.
— أتعرف؟ هذه الجملة صارت مألوفة جدًّا في فمي.
— لأنها صحيحة.
وبقيا على الدرج صامتين يسمعان قطارًا بعيدًا وجرس دراجة وبابًا يُغلق في الطابق الأعلى. لم يكن هذا لقاء عاشقين. كان لقاء إنسانين قرّرا أن يجرّبا هذه المرة أن يمشيا بلا خرائط.

الفصل الثامن عشر: المائدة

في أيلول أقامت حنان عشاءً في بيتها.
لم تكن قد اعتادت أن تدعو أحدًا، لا من الفندق ولا من الحيّ. لكنها قالت لسمير:
— أريد أن يجلس الجميع إلى مائدة واحدة، ولو مرة. أريد أن أراهم.
لم يقل «ومن هؤلاء الجميع؟». قال: «سأشتري ما تحتاجين».
وجاء كل من استطاع. جاءت رشا من الجامعة بشعر مفكوك وابتسامة لم يعرفها أحد عليها. وجاءت ليلى ومعها جونس، الذي حمل علبة حلوى ووقف في الباب ينتظر إشارة. وجاءت غيرترود وفالتر يدًا بيد، فتراجع سمير خطوة ثم قال بحرج: «تفضّلا». وجاءت أم فراس بصينية كعك ومعها سلمى. وجاء كريم وكاترين وقد وصلا في سيارة واحدة، ولم يتحدث أحد عن ذلك.
كانت المائدة ضيقة على هذا العدد، فوضعوا الكراسي على الجانبين ودفعوا الأطباق إلى المنتصف. وبدأ الأكل بصمت مرتبك. ثم قال فالتر وهو يقطّع قطعة دجاج بعناية:
— في بلدي نقول: الغريب يصبح قريبًا بعد ثلاث وجبات.
— وفي بلدنا، قال سمير، بعد وجبة واحدة. لكنه يظلّ غريبًا في قلب الجيران.
ضحك الجميع.
وبعد قليل رنّ هاتف حنان. كانت أمها تتصل من هناك بالفيديو. رفعته نحو المائدة فظهر وجه عجوز بوشاح أبيض تنظر بدهشة إلى الوجوه الغريبة.
— من هؤلاء يا حنان؟
— أصدقاء يا أمي. وأقارب. وجيران.
— وهذه الشقراء؟
— غيرترود. جارتي.
— وأين تعيش؟
— هنا.
— وهي تأكل معكم؟
— نعم.
سكتت الأم لحظة ثم قالت بصوت متردد:
— قولي لها… أهلًا بها.
نقلت حنان الجملة بالألمانية، فابتسمت غيرترود وقالت بعربية مضحكة تعلّمتها على عجل: «شكرًا يا خالة». وضحكت الأم وهزّت رأسها كأنها تقول: ما هذا العالم؟
ثم رأت رشا في الخلفية.
— رشا!
— نعم يا أمي.
— هل أنتِ بخير؟
— أنا بخير جدًّا.
— وماجد يسلّم عليكِ.
كان هذا أقصى ما استطاع ماجد أن يرسله عبر أمه، وفهمت رشا أنه ليس صفحًا كاملًا لكنه ليس قطيعة. فبين الصفح الكامل والقطيعة الكاملة مساحة واسعة، تعيش فيها معظم العائلات التي تحاول أن تبقى.
وحين انتهى العشاء وبدأ الجميع يتفرقون إلى مجموعات صغيرة، وقفت حنان في المطبخ وحدها تغسل صحنًا. دخل سمير وأمسك بمنشفة.
— دعيني أجفّف.
— لا حاجة.
— أريد.
وقفا جنبًا إلى جنب كما لم يقفا منذ سنوات. وقال بعد وقت:
— حنان، لم أقل لك هذا من قبل. أنا فخور بما فعلتِ في تلك الليلة. أن وقفتِ بيني وبين ابنتنا.
— كنتُ خائفة.
— وأنا كنت خائفًا أكثر. لكنكِ فعلتِ.
مسحت يديها.
— وأنا فخورة بأنك سألتني: «هل تعبتِ اليوم؟». لم أكن أصدّق أنك ستفعل.
— لم أكن أصدّق أيضًا.
ابتسم، فرأت فيه الشاب ذا الأربعة والعشرين عامًا الذي رأته أول مرة. ليس العاشق الذي لم تعرفه قط، لكن شخصًا يمكن أن يتعلّم.
ومن الغرفة المجاورة جاء صوت ضحكة ليلى، وبعدها صوت جونس يقول شيئًا بالعربية: «شكرًا… خالتي». لم يكن يعرف أن «خالتي» لا تُقال هكذا، لكن أحدًا لم يصحّحه.
خرجت حنان إلى الشرفة ووقفت في هواء أيلولي دافئ. نظرت إلى الأضواء في النوافذ المقابلة: عائلات وغرباء وجيران، وأنوار صغيرة تقول إن وراء كل نافذة حكاية لا تُروى.
كانت تعرف أن لا شيء قد حُسم: ليلى ما تزال تتعلّم، ورشا ما تزال تتعثر، وسمير ما يزال يتدرّب على كلمات جديدة، وكريم وكاترين لا يعرفان إلى أين. وأن الحدود، على الرمل أو على الورق أو في القلب، ستُرسم من جديد.
لكن في هذه الليلة، على الأقل، كانت الحدود قد اتسعت قليلًا، تكفي لتجلس عليها مائدة واحدة.

الكتاب الثالث: ما تحت الجلد

في الكتابين السابقين نظرنا إلى الحدود من الخارج: من يرسمها ومن يخرقها ومن يدفع الثمن. وفي هذا الكتاب أدخل إلى ما تحت الجلد، إلى الرجال والنساء الذين يخلطون بين الحب والتعلّق، وبين الاهتمام والسيطرة، وبين الرغبة والحاجة، وبين اللامبالاة والسلام. والشخصيات هنا بالغة كلها، تقع حكايتها في المدينة نفسها، في الخريف الذي أعقب «المائدة»، ويمرّ بعض وجوه ما سبق فيها كما يمرّ الجيران بعضهم على بعض.

الفصل التاسع عشر: حقيبة عند الباب

في الثالثة والنصف فجرًا رنّ هاتف حنان.
لم تُجب من أول رنّة. كانت تعرف، كما يعرف كل من تعلّم أن يستيقظ على الأخبار السيئة، أن مكالمة في هذه الساعة لا تأتي بخير.
— ألو؟
— أم ليلى… أنا سلمى.
كان الصوت خافتًا ومرتعشًا، كأن صاحبته تتكلم من داخل خزانة.
— أين أنتِ؟
— في الحمّام. أغلقتُ الباب. بسام نائم. لا أعرف ماذا أريد. فقط لم يكن عندي رقم أحد غيرك.
نهضت حنان ومشت إلى الصالة على أطراف أصابعها.
— هل هو…؟
— لم يفعل شيئًا الليلة. لكنه قال شيئًا قبل أن ينام، وفهمتُ أن الأمر لن يتوقف.
— ماذا قال؟
— قال إنني لو فكّرتُ في أن أحكي لأحد مرة ثانية فسيعرف كيف يجعلني أندم دون أن يترك أثرًا.
كانت الكلمات تخرج من فمها ببطء، كأن كل كلمة تحتاج إلى إذن.
— هل ابنك معك؟
— يامن نائم في غرفته.
— سلمى، اسمعيني. هل تريدين أن تخرجي؟
سكت الخط لحظة. ثم جاء صوت لم تعرفه حنان:
— أخاف.
— طبعًا تخافين. لكن هذا ليس الجواب.
— نعم… أريد.
— خذي حقيبة صغيرة: الأوراق والأدوية وثيابًا لك وليامن. لا تأخذي شيئًا ثقيلًا. وهاتفك. اصبري حتى يطلع الفجر. سآتي وسنذهب معًا.
— وإن استيقظ؟
— لا تقولي شيئًا. تعرفين ما أقصد.
— أعرف.
وهنا يجب أن نقف عند أمر كثيرًا ما يُنسى حين تُروى مثل هذه الحكايات: أن الخروج من بيت العنف لا يحدث في لحظة بطولية. يحدث في حمّام مغلق، بصوت خافت، على أطراف الأصابع، بحقيبة صغيرة. وليس فيه شيء من الأفلام، وفيه كل الشجاعة.
بعد ساعة وقفت سيارة سمير الصغيرة تحت بناية سلمى. كانت حنان وحدها في المقعد الأمامي، وفي صندوق السيارة كيس فيه ثياب ولعبة قديمة من أيام ليلى، لأن طفلًا في السادسة سيحتاج إلى شيء يعرفه.
نزلت سلمى بعد دقائق بمعطف فوق ثياب النوم، تحمل بيد حقيبة رياضية صغيرة وبالأخرى طفلها النائم، وعلى وجهها بقايا مكياج لم يُمحَ من أمس. ولم تتكلم أيٌّ منهما في الطريق، وكان يامن يتنفس على كتف أمه بانتظام مطمئن.
في حيٍّ هادئ شرق المدينة، أمام بيت بلا لافتة، ضغطت حنان جرسًا صغيرًا. وانفتح الباب على امرأة في الخمسين بشعر قصير رمادي وعينين لا تنامان، قالت بالألمانية بصوت دافئ ثابت:
— صباح الخير. أنا السيدة كول. تفضّلا.
لم يكن في المكان شيء من الصورة التي كانت سلمى تخشاها. كان بيتًا عاديًا برائحة خبز، وأحذية صغيرة عند المدخل، وصوت مرتّب من مطبخ بعيد.
— هذا مكان آمن، قالت السيدة كول. لا يعرف أحد عنوانه. لا أطلب منك الآن أن تشرحي. نكتب الأوراق لاحقًا. الآن فقط: هل أكلتما؟
سألتها سلمى بالعربية، وترجمت حنان:
— هل سيعرف أين أنا؟
— لا. ولن نسمح له. وإن بحث عنك فنحن نعرف ما نفعل.
جلست سلمى على كرسي خشبي وانهارت فجأة. لم تبكِ بصوت، بل انكمشت كطفلة. ووضعت السيدة كول يدها على كتفها، ولم تقل «لا تبكي»، وهذا أول ما يتعلمه من يعمل في هذه المهنة: ألّا يمنع أحدًا من دموعه.
وبعد قليل، وقد نام يامن في غرفة مجاورة، جلست سلمى مع حنان في المطبخ.
— أنتِ تعرفين ماذا؟ قالت بصوت أجشّ. أنا كنتُ أحبه.
— أعرف.
— وأحبه الآن أيضًا. هذا أصعب ما في الأمر. ليس أنني أكرهه. أنني أراه كما تعرّفتُ عليه أول مرة: يضحك، ويطبخ لي، ويكتب لي رسائل طويلة. وبعد الضرب كان يبكي ويقول إنه لا يعرف ماذا أصابه وإنه لن يكررها، وكنتُ أصدّق لأنني كنتُ أريد.
— وماذا حدث؟
— كرّر. وكلما كرّر زاد اعتذاره حلاوة. وكلما حلا اعتذاره صعب عليّ أن أخرج.
نظرت حنان إلى يديها المتشققتين.
— هل أنتِ نادمة على أنك أتيتِ؟
— لا. أنا خائفة من أنني سأعود.
— ولماذا؟
— لأنني أعرف نفسي. سيأتي يوم يتصل فيه ويقول إنه في المستشفى، أو إنه سيؤذي نفسه. وسأذهب.
— هذا ما ستحكينه للسيدة كول وللمرشدة. وليس عيبًا أن تعودي في رأسك مئة مرة. المهم ألّا تعودي بجسدك قبل أن تكوني قوية.
— وإن لم أكن قوية قط؟
— عندها نكون هنا.
قالت سلمى بعد صمت:
— لماذا تفعلين هذا؟ لستِ قريبتي.
— لأنني في ليلة مثل هذه ظننتُ أن كل ما أشعر به عار. ولم يكن عارًا. كان سرًّا. والأسرار تحتاج إلى أحد.
ثم نهضت.
— سأعود غدًا بعد العمل.
— وإن سألني أحد؟
— لا تقولي شيئًا. أنا لا أحد.
وكانت تلك أصدق جملة قالتها حنان في حياتها: أن تكون لا أحد، أحيانًا، هو أقوى ما يمنحه إنسان لإنسان.
وبعد ثلاثة أسابيع في هذا المكان الغريب الذي أعاد إلى سلمى كلمة لم تقلها منذ سنوات، كلمة «أنا»، جلست ذات ليلة على حافة سرير نظيف إلى درجة تؤلم: ملاءات بيضاء بلا رائحة، وبطانية رمادية، ومصباح صغير على المنضدة. في الغرفة المجاورة ينام يامن، وفي غرفة ثالثة امرأة تبكي بصوت منخفض كل ليلة في الساعة نفسها. وفي يدها هاتف مضيء، وعلى شاشته اسم «بسام»، وثلاث رسائل لم تُفتح، وقبلها اثنتان وأربعون.
كانت في داخلها امرأتان تعرفهما جيدًا الآن. الأولى سلمى التي تحبه، وتتذكر الأيام الأولى: رجلًا يقف في المطبخ يقطّع الخبز ويحدّثها عن ضحكة أمه، وملاحظات صغيرة في حقيبتها، وأيام الأحد في الحديقة. والثانية سلمى التي ترى، وتتذكر الليلة الأولى التي لم يعد فيها إلى البيت، والليلة التي كُسر فيها الطبق، والليلة التي أُغلق فيها الباب خلفها وقيل لها: «لا أحد سيصدّقك».
وكانت تسأل: هل كان يحبني؟ وما أعسر الجواب لأنه «نعم». نعم، لكنه كان يحبها كما يحب الإنسان شيئًا يخاف أن يفقده، وهذا ليس حبًّا بل خوف. وكان يبكي، لكن لأنه يخاف الوحدة، لا من أجلها. وماذا قد تحمل الرسائل؟ ما حملته دائمًا: «سامحيني»، أو «لم يبقَ لي أحد». وإن كان صادقًا هذه المرة؟ ربما كان صادقًا في كل مرة، وهذا هو الفخّ.
أغمضت عينيها. هل هي ضعيفة؟ لا. فلماذا تتأرجح إذن؟ لأن جسدها تعلّم أن يجيب: حين يأتي الاعتذار تشعر بالراحة، وحين تأتي الراحة تظنّها الحب. وهذا ما تسمّيه المرشدة التعلّق: أن تتعوّد على ألم تنتظر بعده حلاوة. ونظرت في عيني المرشدة حين قالتها، وصدّقتها.
وسمعت من الغرفة المجاورة أنفاس ابنها الصغيرة. ولم تكن تخاف عليه بقدر ما تخاف منه: من أن يكبر ويشبه أباه، ومن أن يكبر فيراها ضعيفة. وكيف تريده أن يراها؟ قوية. إذن لا تفتح الرسالة. وإن مات؟ لن يموت. وإن حاول؟ عندها يوجد من يتدخل، فهي ليست مسؤولة عن إنقاذه.
وكانت هذه هي الجملة التي لا تقبلها، فقد ربّوها على أن المرأة هي التي تحمل الرجل ولو سقطت. وسألت: ألن يغفر الله لي إن تركته؟ كانت تحسب أن الله يريدها أن تصبر. وهل الصبر على الأذى عبادة؟ لا تعرف. فلتفكّر كم مرة عذّبت نفسها بالصبر وسمّته إيمانًا.
وضعت الهاتف على المنضدة، ثم فعلت ما لم تفعله منذ سنوات: نهضت إلى النافذة ولم تقف في الظل، بل وقفت أمام الزجاج حتى رأت وجهها. من هذه؟ أنا. وماذا تريدين؟ لا أعرف بعد. حسنًا، هذا يكفي لليلة. وغدًا؟ تستيقظ وتشرب الشاي وتأخذ يامن إلى الحضانة وتجلس مع السيدة كول، ولا شيء آخر. وحدّها أن لا تفتح الرسالة. وإن فتحتها؟ عندها يبدؤون من جديد.
كان هذا أرحم ما سمعته في حياتها: أنها قد تفشل، وأن ذلك لا يلغيها.
عادت إلى السرير، وبقي الهاتف على المنضدة مضيئًا ثم مظلمًا. ونامت قبل أن تعرف.

الفصل العشرون: ثلاث طرق للاهتمام

لو سألتَ دينا عن الحب لأجابت بأنه شعور يُقاس بالحدّة.
كانت في الرابعة والثلاثين، طبيبة أسنان سورية ألمانية، ولدت في دمشق وتربّت في فالدبرغ، لها عيادة صغيرة وبيت أنيق وصديقات كثيرات، وعلاقات قصيرة تنتهي كل مرة بالجملة نفسها: «أنتِ تريدين أكثر مما أستطيع». وفي هذه الجملة، لو أحسنّا الإصغاء، حكاية امرأة كاملة، فمن يكرر الشكوى نفسها من جميع من أحبّ لا يشكو في الحقيقة من الجميع، بل من نفسه، ولا يجرؤ أن يقولها.
حين التقت طارق في معرض فنّي أحسّت أن شيئًا في صدرها اشتعل دفعة واحدة.
كان في السادسة والثلاثين، مهندس برمجيات من بيروت، طويلًا بعينين تنظران إلى أعماقها كأنه يقرأ كتابًا مفتوحًا. سألها في اللقاء الأول عن أبيها وعن طفولتها وعن أحلامها المؤجلة، ولم يتحدث عن نفسه كثيرًا، وهذا ما بدا لها عمقًا. وكثيرًا ما يكون الغموض عند الرجال علامة عمق، وكثيرًا ما يكون ستارًا.
في الأسبوع الأول كتب لها مئة رسالة. في الثاني لم يتوقف عن الاتصال. في الثالث قال لها إنه لم يشعر هكذا بإنسان منذ مولده.
— أنتِ أول من فهمني.
كانت هذه الجملة التي تذوب بها دينا، ولم تتذكر أنها سمعتها من قبل في قصة أخرى، وفي فم رجل آخر، بالترتيب نفسه.
لكن شيئًا بدأ يتغيّر. ذات مساء كتب لها: «لماذا لم تردّي منذ ساعتين؟ كنتُ قلقًا عليك». كانت في العيادة مع مريض. اعتذرت، فأرسل قلبًا. وبعد أسبوع، حين خرجت مع صديقتها نادين، وصلتها أربع مكالمات فائتة، وحين عادت وجدته جالسًا أمام باب بيتها.
— أردتُ أن أتأكد أنك بخير.
— كنتُ في المقهى مع نادين. أخبرتك.
— لم أقرأ.
هكذا كان يتكلم: جملة ناعمة وطعم حادّ. وكانت دينا تتذكر في الليل أن ضحكته الدافئة تعيش قريبة جدًّا من غضبه.
وفي الشهر الثالث طلب منها أن تشارك موقعها على هاتفها «حتى أطمئن». لم تعرف كيف توافق ولا كيف ترفض. كان يقول: «إن كنتِ تحبينني فلن تخافي». ووجدت نفسها توافق، لأن الرفض بدا لها خيانة. وهكذا يدخل السجن في حياة بعضنا: لا بحكم قاضٍ، بل بجملة ناعمة تبدأ بـ«إن كنتِ تحبينني».
وكان في الأيام نفسها زميل قديم يتصل بها، لوكاس، رجل في الأربعين طبيب أسنان في العيادة المجاورة. اتصل ليسأل عن ملف مريض وانتهى الحديث بعد خمس دقائق.
— شكرًا على الملف. هل أنتِ بخير؟ صوتك متعب.
— أنا بخير.
— حسنًا. إذا احتجتِ إلى شيء، أنا هنا.
وأغلق. كان رجلًا هادئًا بمعطف رمادي وشعر يخفّ، يحمل مظلة حتى في أيام الصحو، ويرسل إليها بين وقت وآخر مقالات عن الأسنان، ولم تعتبره قط «شيئًا».
لكن في ليلة من ليالي تشرين الأول، وهي في شقتها وهاتفها مضاء برسالة من طارق: «أراك مشغولة جدًّا مؤخرًا. هل هناك شيء تخفينه؟»، وجدت نفسها تبكي دون أن تعرف لماذا. واتصلت بنادين.
— لا أفهم ما يحدث لي.
— هل أنتِ سعيدة؟
— متعبة. وهو يحبني.
— هل يحبك؟ أم يراقبك؟
— ليس هناك فرق عنده.
قالت نادين بلطف:
— هناك فرق كبير يا دينا. وسأقول لك ما لاحظته منذ شهرين: صرتِ تتحدثين عنه كما يتحدث الناس عن الطقس السيئ: تستعدين له. والاهتمام الحقيقي لا يجعلك تستعدين.
— وما هو إذن؟
— لا أعرف. ربما هو ما يفعله مثل لوكاس: يسأل ويصدّق جوابك.
— لوكاس مملّ.
— ربما. لكن الملل أحيانًا اسم آخر للأمان.
ولم تنم دينا تلك الليلة. وإن شئنا أن نعرف ما جرى في رأسها فعلينا أن نصعد إلى غرفة النوم بعد منتصف الليل، حيث تنتظرها كل ليلة طفلة في الثامنة.
لا تظهر هذه الطفلة في النهار. في النهار طبيبة أسنان ببذلة بيضاء وابتسامة مدرّبة وأسئلة عن أوجاع الأضراس. لكن حين تنطفئ الأنوار وتضع رأسها على الوسادة تجلس الطفلة على حافة السرير وتنظر إليها.
— لماذا لم يأتِ؟ سألتها. أبي. قال إنه سيأتي يوم الأحد.
— لقد جاء آخر مرة.
— نعم. لكن لماذا لا يأتي دائمًا؟
— لأن بعض الكبار لا يعرفون كيف يبقون. وهذا ليس بسببك.
— وأنا؟ هل أبقى؟
— أنتِ باقية.
— لكن لا أحد يبقى معي.
— هل تعرفين؟ قالت دينا بصوت أخفض. أنا أيضًا أظن هذا. ولهذا أبحث عن أناس يشبهونه: يأتون ويغيبون. ثم أنتظرهم.
— وطارق؟
— طارق لا يغيب.
— إذن لماذا تخافين منه؟
— لأنه لا يتركني أتنفس.
— هذا مثل أبي بطريقة أخرى.
— نعم. هذا ما قالته الدكتورة فايس.
— ولوكاس؟
— لوكاس لا يغيب ولا يخنق. يأتي ويقول: «أنا هنا». ثم يذهب إلى عمله، ثم يعود حين نطلبه.
— هل تحبينه؟
— لا.
— لماذا؟
— لأنني لا أشعر بقلبي يخفق.
— وهل يجب أن يخفق؟
— هكذا تعلّمنا: من الأفلام، ومن الأغاني، ومن صديقاتي. الحب هو أن ترتجف.
— ولو أن الارتجاف ليس حبًّا؟
— فماذا يكون؟
— خوفًا.
اهتزّ شيء في صدرها.
— ربما أنا لا أعرف الحب. أعرف الخوف الذي يتنكر في ثياب الحب.
وهذه من أقسى الاكتشافات: أن يكون ما سمّيناه شغفًا سنوات طويلة هو في الحقيقة رعشة طفل ينتظر على الباب. وكل ما كتبته الأغاني عن الحب الذي يُقاس بالارتجاف كُتب، ولا شك، بقلم من لم يعرف شيئًا غيره.
— وما الحب إذن؟
— لا أعرف. ربما هو الذي يجعلني أنام.
ضحكت الطفلة ضحكة صغيرة.
— هل تعرفين ماذا أريد؟ أن يقول لي أحد: «لن أتركك».
— وطارق يقولها.
— لا. طارق يقول: «أنتِ كل ما لي». وهذه ليست «لن أتركك». هذه «لا تتركيني».
— هناك فرق؟
— كبير.
جلست دينا في السرير وضمّت ركبتيها.
— كنتُ أظن أن الحبيب هو من يقول: لا تتركيني. والآن أفهم أن الحبيب هو من يقول: أنا لن أتركك، وأنتِ حرّة أن تذهبي.
— هذا مستحيل.
— ربما. لكنه الحب الذي أريده. وإن لم يوجد فلن أقبل بالأقل.
— وإن بقيتِ وحدك؟
— عندها أكون وحدي وأنام، لا وحدي وأنتظر. وهذا أول حدّ أرسمه لنفسي: لن أحب من يجعلني أنتظر.
اقتربت الطفلة منها ووضعت رأسها على كتفها.
— وأنا؟ هل أبقى معك؟
— طبعًا.
— دائمًا؟
— دائمًا. ولن أتركك.
هذه المرة لم تكن الطفلة تسأل أبًا ولا حبيبًا. كانت تسأل الوحيدة القادرة على الإجابة: دينا الكبيرة، التي كانت تعرف أخيرًا أن «لن أتركك» جملة تُقال أولًا للنفس.
أطفأت الضوء. ولم تُقرر شيئًا تلك الليلة. لكنها حذفت مشاركة الموقع من هاتفها لأول مرة، ثم جلست تنتظر الانفجار.

الفصل الحادي والعشرون: قهوة بلا وعد

كان عمر يعمل في مطبخ الفندق ثلاث ليالٍ في الأسبوع، ويدرس علوم الحاسوب في بقية الأيام.
في الثانية والعشرين، ضيّق الكتفين، بشعر مجعّد وعينين سوداوين تخفيان أكثر مما تقولان. جاء من دمشق قبل أربع سنوات مع عمّ له، وبقي حين عاد العمّ. ولم يكن في ألمانيا يملك سوى هذا الاسم: عمر، وهذا الصمت الذي كان يحاول كل يوم أن يعتاده.
لم يحدّث أحدًا بشيء، وكان الجميع يظنون أنه خجول. وهذا من أنجح أقنعة الأذكياء: أن يبدو أحدهم خجولًا فلا يسأله أحد.
في أمسية خريفية، بعد أن غسل آخر الأطباق، خرج من الباب الخلفي فوجد زميلته سفينيا تجلس على الدرج تدخّن.
— عمر، هل تأتي معنا الليلة؟ سنشرب شيئًا في مقهى «الورقة».
— لا أعرف.
— ستجد هناك أناسًا يشبهونك.
— يشبهونني؟
— أناس لا يسألونك عن شيء.
ابتسم، ولم يعرف ماذا تعني. ولم تكن تعني شيئًا، أو كانت تعني كل شيء. لكنه ذهب.
كان المقهى صغيرًا، فيه كتب مستعملة على الجدران وطاولات متنافرة وإضاءة دافئة. جلس عمر في زاوية قرب النافذة وطلب قهوة. وبعد دقائق وقفت أمامه شابة في الثالثة والعشرين، شعرها أشقر مبعثر، وفي يدها كتاب.
— آسفة، هل هذا المقعد محجوز؟
— لا.
— هل تمانع؟
— لا.
جلست.
— أنا كلارا.
— عمر.
— هل أنت من هنا؟
— لا. من دمشق.
— كنتُ في دمشق قبل الحرب مع أبي، في زيارة قصيرة. أحببتُ المدينة القديمة.
نظر إليها عمر بدهشة، وارتخى شيء في كتفيه.
— أي حي؟
— باب توما. هل تعرف مقهى صغيرًا هناك عند زاوية الشارع، كان يقدّم قهوة بالهال؟
— قد لا يكون هو نفسه، لكنني أعرف من يشبهه.
— وفي الحارة نفسها كنيسة صغيرة، دخلتُها ولم أعرف بماذا أصلّي، فأشعلتُ شمعة وخرجتُ.
— وهل عرفتِ لاحقًا؟
— لا. نشأتُ في كنيسة بروتستانتية وكبرتُ بالأسئلة. وأنت؟
— نشأتُ في مسجد، وكبرتُ بالأسئلة أيضًا.
لم يكن في الحديث شيء: بلد وكتب وقهوة وأسئلة. لكن كلًّا من الجالسين كان يشعر بأن الكلمات الصغيرة تحمل أكثر مما تقول، وهذا أصدق ما يعرفه العشاق عن اللغة: أن أهمّ ما يُقال فيها يقال بين الجمل.
وبعد ساعة، حين أرادت سفينيا أن تغادر، همست لعمر:
— أنت تبقى؟
— أظن.
وفي منتصف الليل، حين أغلق النادل المقهى، مشى عمر وكلارا على الرصيف الرطب بلا حديث. وعند ناصية الشارع قالت كلارا:
— هل أستطيع أن أطلب منك شيئًا؟
— قل.
— أن أراك مرة أخرى.
لم يجب عمر. كان يعرف الجواب في قلبه قبل عقله. لكنه كان يعرف أيضًا أن أبويه في دمشق ينتظران في آخر المكالمة الأسبوعية سؤالًا واحدًا: «متى تتزوج؟». وأن جملة مثل «أحببتُ فتاة ليست من أهلنا ولا من ديننا» تُحدث في بيوتهم زلزالًا لا ينجو منه أحد.
— أنا لا أعرف كيف أفعل هذا.
— وأنا لا أعرف. لكن لا أحد يطلب أن نعرف.
— وإن لم أستطع أن أعدك بشيء؟
— لا أطلب وعدًا. أطلب قهوة.
ابتسم عمر ابتسامة مرتعشة، مختلفة عن كل ابتساماته.
— حسنًا.
بعد أسبوعين جلسا على مقعد خشبي عند النهر. كان عمر قد حكى لها أشياء كثيرة: عن أبيه الذي يعمل في مؤسسة حكومية، وعن أمه التي تحب أن تسمع صوته يوم الجمعة، وعن أخته الصغيرة التي سألته في المرة الأخيرة: «لماذا لا تحدثنا عن صديقة؟».
— وماذا قلتَ لها؟
— قلتُ إنني مشغول.
— وهل أنت؟
— لا.
مدّت كلارا يدها ببطء إلى كفّ عمر المحتضنة ركبته. لم تمسكها. تركتها قريبة، كما يترك المرء بابًا نصف مفتوح. ونظر عمر إلى اليد طويلًا، ثم وضع كفّه فوقها.
لم تكن هناك قبلة ولا كلمات. فقط يدان على مقعد، وماء يمرّ، وقلب شاب لم يعرف قط أن لمسة بسيطة قد تجعل العالم كله أقل غربة. وفي تلك اللحظة فكّر أن الحدّ الذي رسمه له أهله ومجتمعه ودينه لم يكن حدًّا بينه وبين العالم، بل حدًّا بينه وبين نفسه، وأن أصعب ما في الأمر ليس أن تسمع «لا» من الآخرين، بل أن تقولها لنفسك كل صباح.
وبعد قليل رنّ هاتفه. كانت أمه.
— ردّ، قالت كلارا بهدوء. لا تؤجّل لأجلي.
— لن أقول لها.
— لا أحد يطلب منك.
— ألو يا أمي؟
— كيف حالك يا عمر؟ هل أكلتَ؟
— أكلتُ.
— لا تكذب عليّ.
— أكلتُ يا أمي. والله.
وفي نبرتها، التي كان يعرف كل ارتجافة فيها، سمع أنها تعرف أنه يخفي شيئًا. ولم تسأل. وكان هذا أقصى ما في جعبة أمٍّ من حبّ: أن تعرف ولا تسأل.
وفي تلك الليلة وقف عمر أمام مرآة الحمّام.
شاب في الثانية والعشرين، كتفاه ضيقتان وعيناه سوداوان، ينظر إلى وجهه طويلًا كما ينظر المرء إلى خريطة لبلد لا يعرف اسمه.
— من أنت؟ سأل.
— عمر.
— هذا اسم.
— أنا ابن أبي، وابن أمي، وأخو أختي.
— وماذا أيضًا؟
— مسلم.
— وماذا أيضًا؟
— أحب أن أكتب الشيفرات. وأحب القهوة. وأحب كلارا.
كانت الجملة الأخيرة تخرج من فمه بصعوبة، كأنها حجر.
— هل هذا خيانة؟
— قالوا لي نعم.
— وماذا تقول أنت؟
— لا أعرف. أعرف فقط أنني حين أكون معها لا أشعر بشيء يشبه الإثم. أشعر أنني أعيش.
— وهل هذا دليل؟
— لا. لكنه شيء.
أغلق الماء ووقف في الصمت. وكانت هذه محكمته الصغيرة: ثلاثة قضاة وراء الباب. أولهم أبوه بصوت جاف: «بنات أهلنا كثيرات، فلا تُتعب نفسك بغريبة». وثانيهم شيخ من طفولته: «البيت الذي لا يجتمع أهله على دين واحد يتصدّع». وثالثهم هو نفسه: «ليتني أحببتُ من يشبهني».
— لماذا هي؟
— ربما لا يوجد جواب.
— هل اخترتُ؟
— لا. لا أحد يختار هذا.
— إذن لماذا أُعاقَب؟
— لا أعرف.
— وهل يغضب الله من قلبٍ أحبّ؟
سكت. كان هذا السؤال الذي لا يجرؤ أن يطرحه حتى على نفسه. ولم ينتبه إلى أنه يبكي إلا حين رأى الدمعة على الزجاج.
وهنا أتوقف، بصفتي كاتب هذه الصفحات، لأقول ما لا أريد أن يسبقني إليه أحد: إن أقسى ما في هذه المحكمة ليس أن القضاة ظالمون، بل أنهم أحبّوه. فأبوه يحبه، والشيخ كان يحبه، وهو يحب نفسه، ومن هنا بالذات يأتي الألم: لأنهم لا يعاقبونه كأعداء، بل كمن يحميه من شيء لا يرى فيه هو إلا حياته.
— أمي كانت تقول: «الله رحيم».
— وهل تصدّقها؟
— أريد.
— إذن صدّقها.
— لكن الرحمة لا تفتح كل الأبواب.
— ربما تفتح أبوابًا لا يعرفها البشر.
أسند جبينه إلى المرآة.
— لا أريد أن أترك ديني. ولا أريد أن أترك كلارا. ولا أريد أن أكذب على أمي. ولا أريد أن أقول لها.
— هل يمكن أن تفعل كل هذا؟
— لا.
— وماذا ستختار؟
— ربما لا أختار. ربما أعيش بين الأشياء كما تعيش الأسماك بين الماء والهواء.
أخذ منشفة ونشّف وجهه، وجلس على حافة الحوض.
— هل تعرف ماذا أخاف أكثر؟ لا أخاف أن يعرف الناس. أخاف أن أكتشف يومًا أنني أصدّقهم. أن أنظر إلى نفسي وأقول: «هم على حق. أنا الخطأ».
— وهل أنت؟
— لا. لأنني حين أحب كلارا لا أؤذي أحدًا. وحين أُرغَم على أن أنكر هذا أؤذي نفسي.
— هذا هو الحدّ.
— أي حد؟
— أنك تحمي نفسك من الألم، لا من «الخيانة».
— لكن الخيانة…
— من قال إنها هنا؟
صمت. كان يعرف أنه لن يحسم هذا الليلة، لكنه فهم شيئًا ثمينًا: أن الأسئلة الكبرى لا تحتاج إلى جواب كي نعيش، تحتاج فقط إلى أن نظل نسألها بلا كره.
ورنّ هاتفه في الغرفة. «كلارا: هل أنت بخير؟». كتب: «لا أعرف. لكنني أحاول». وجاء الرد بعد ثوانٍ: «هذا يكفي».
نظر إلى الكلمتين ثم إلى المرآة.
— حسنًا، قال بصوت منخفض. أنا هنا.
وكان هذا أول اعتراف حقيقي: ليس لأبيه ولا للعالم، بل للوجه الذي ينظر إليه في المرآة.

الفصل الثاني والعشرون: غرفة التدريب

دخلت سفينيا الفندق متدربة قبل أربعة أشهر.
في الحادية والعشرين، قصيرة بعينين زرقاوين وضحكة سريعة. اختارت مهنة الضيافة لأنها تحب الناس، ولأن أمها كانت نادلة وأرادت أن ترى كيف يبدو الجانب الآخر من الأجنحة والمصاعد. أحبّها الجميع، وفي الأسابيع الأولى لم تعرف أنها محاطة بشبكة لا تُرى.
كان نائب المدير هو السيد هوفمان.
في السادسة والأربعين، ببدلة مكوية دائمًا ورائحة عطر ثقيل، يمرّ في الممرات كأنه يملك المبنى. يعرف أسماء الجميع ويحيّيهم ويضحك على نكاتهم، وكان محبوبًا في الظاهر، وفي الخفاء تتناقل النساء عنه همسات لا يقولها أحد بصوت عالٍ. وللمؤسسات، كما للبيوت، قاعدة عجيبة: أن أخطر الناس فيها هو أكثرهم محبوبية، لأن من يحبه الجميع لا يصدّق أحد أنه يؤذي.
بدأ الأمر بتعليق على شعرها. ثم يد وُضعت على كتفها «لتشجيعها». ثم دعوة إلى «مراجعة التقارير» في غرفة التدريب بعد انتهاء الدوام.
— هذا من أجل مستقبلك يا سفينيا. أنتِ موهوبة، وسأتولى تدريبك بنفسي.
لم تعرف أن تقول «لا». كان هو الذي يوقّع على تقييمها، وهو الذي يقرّر تثبيتها بعد التدريب. وفي الأسبوع الخامس، في غرفة صغيرة بلا نافذة، جلس قريبًا منها أكثر مما يجب، وأخذ يدها ليريها شيئًا على الورقة، وبقيت يده فوق يدها ثانيتين ثم ثلاثًا.
— أنتِ تتوترين بلا داعٍ.
— أنا لا…
— لا تخافي. أنا لن أؤذيك.
كلمات كان يمكن أن تكون طمأنة، ولم تكن. وفي تلك الليلة بكت في سيارة الأجرة ولم تحكِ لأحد.
ثم وقفت تحت الماء الساخن في حمّامها الصغير، وفتحته على أشدّه، وكان له في هذه الليلة صوت آخر غير صوته: صوتها هي، عالٍ، يتكرر.
— لماذا لم أقل لا؟
— قلتِ.
— لا. لم أقلها.
— قلتِ بصمتك.
— وهل الصمت يُسمَع؟
— ليس دائمًا.
فركت ذراعها بقوة كأنها تريد أن تمحو شيئًا.
— لقد وضع يده على يدي فقط.
— هذا كل شيء؟
— نعم. فلماذا أشعر أن شيئًا كبيرًا حدث؟
— لأنه حدث. ولا يحتاج إلى أكثر من هذا ليحدث.
— هل أبالغ؟
— لا. جسدك يعرف قبل عقلك.
ظلّ الماء ينهمر.
— هل كان خطئي؟ أن ابتسمتُ؟ أن جلستُ معه؟ أن وافقتُ على «مراجعة التقارير»؟
— لا. هو لم يكن يبحث عن موافقتك. كان يبحث عن صمتك.
انتفض كتفاها. وتذكّرت شيئًا لا تريد أن تتذكره: صوت أمها قبل سنوات: «كوني لطيفة مع الجميع يا سفينيا. اللطف يحميك». كم من الأفعال ارتُكبت باسم اللطف!
— لقد علّمتني أمي أن أبتسم.
— وماذا علّمتك عن أن تقولي لا؟
— لا شيء.
— وهذا هو الجرح.
أغلقت الماء ووقفت في البخار تلهث.
— هل أنا غاضبة؟
— نعم. منه. ومنكِ أيضًا، لأنك لم تدافعي عن نفسك.
— لم أستطع.
— أعرف. لكن الغضب لا يعرف العدل.
لفّت المنشفة حول جسدها وجلست على غطاء المرحاض.
— وإن تكلمتُ؟ قد لا يصدّقني أحد.
— قد لا يصدقك البعض. وقد يصدقك آخرون.
— وأنا؟ ماذا أريد؟
— أن لا يؤذي أحدًا غيرك.
— إجابة جيدة.
— لكنها خائفة.
— والخوف لا يلغي الشجاعة.
ثم قالت لنفسها: غدًا سأخبر كاترين. وإن ارتبكت، أخبر ممثل العاملين. وإن لم يصدقوني، فسأعرف أنني حاولت. ورسمت بإصبعها دائرة على الزجاج المبخّر: هذا حدّي، ألّا أسكت مرة أخرى. وإن سكتُّ؟ عندها أبدأ من جديد.
ولبست ثياب النوم، وحين نظرت في المرآة كان البخار قد بدأ ينحسر وظهر وجهها. لم تبتسم، لكنها لم تشعر أنها تحتاج إلى ذلك.
إلا أن الوعود التي تُقطع في الليل، كما نعرف، لا تلقى في الصباح من يشبهها. فحين جاء النهار كان الخجل أثقل من الوعد، وكادت سفينيا أن تتجنّب كاترين كما تتجنب كل ممر.
وكانت حنان تنظّف غرفة التدريب صباح الغد حين لاحظت على الطاولة كوبين، وعلى الكرسي وشاح سفينيا الأزرق الذي نسيته. لم يكن الأمر في ذاته شيئًا. لكنها لاحظت شيئًا آخر: أن الوشاح ملقى على الأرض كأن صاحبته أسقطته وهي تنهض بسرعة. وفي الممر رأت سفينيا تتجنب النظر إليها.
كانت قاعدة حنان القديمة: لا ترَ، ولا تحكم، ولا تتذكر. لكنها لم تعد تلك المرأة.
في استراحة الغداء جلست إلى جانب سفينيا في المطبخ الخلفي وناولتها كوب شاي.
— هل أنتِ بخير؟
— نعم.
— أنا أرى أنك لستِ بخير.
— لا شيء.
— سفينيا، هل حدث شيء في غرفة التدريب؟
رفعت الفتاة عينيها ثم أنزلتهما.
— لا أستطيع.
— لا أطلب منك أن تحكي الآن. أطلب فقط أن تعرفي أنني سمعتُ، حتى لو لم تقولي. وأنني لستُ الوحيدة.
— ماذا تقصدين؟
— أقصد أن هناك نساءً قبلك لم يتكلمن.
كانت الجملة سهمًا صغيرًا أصاب الهدف. نظرت سفينيا إليها وعيناها لامعتان.
— رأيتُ أشياء ولم أقل، قالت حنان. وهذا خطئي.
— ولن يصدّقني أحد. هو نائب المدير.
— قد لا يصدّقك الجميع. لكن هناك من سيصدّق، وهناك قوانين، وهناك ممثل العاملين.
— الشركة تحميه.
— الشركة تحمي نفسها. وإن رأت أن حمايته مكلفة فستتخلى عنه.
صمتت سفينيا.
— وأنتِ؟ لماذا ستساعدينني؟
— لأنني أمضيتُ عشرين سنة أنظّف أماكن يرتكب فيها الناس أشياء لا يقولونها، وقلتُ لنفسي إن واجبي ألّا أرى. وأتساءل الآن إن كان واجبي الحقيقي هو العكس.
مدّت يدها وأمسكت يد سفينيا.
— لن أفعل شيئًا دون إذنك. لكنك لن تكوني وحدك.
وفي المساء ذهبت حنان إلى كاترين في مكتبها. كانت ما تزال تعمل، بشعر مجموع وعينين متعبتين.
— حنان؟ هل تحتاجين إلى شيء؟
— نعم. إلى أن تسمعيني، لا كمديرة، بل كامرأة.
وبعد عشر دقائق كانت كاترين قد أغلقت الملف الذي أمامها، وقالت بصوت غريب:
— كنتُ أشك. لكن الشك ليس دليلًا.
— لا يلزمك دليل. يلزمك أن تقولي لها إنها محمية.
— سأفعل. وسأبدأ بالتحقيق الداخلي.
— وإن قال إنه لم يفعل؟
— سيجد من يقول غير ذلك.
وبقيت كاترين صامتة لحظة، ثم قالت بصدق:
— كنتُ أظن أنني أعرف ما معنى الحرية: أن يفعل الإنسان ما يريد دون أن يُحاسَب. لكنني أدرك اليوم أن الحرية لا تعني شيئًا حين يحوّل أحدهم رغبته إلى سلطة. الحرية الحقيقية أن أقول «لا» وأُسمَع.
وكان هذا حدًّا لم يرسمه أحد في قوانين الفندق، لكن كل من عمل فيه كان يعرف أين يقع.

الفصل الثالث والعشرون: وساطة الأقارب

بعد أسبوع من خروج سلمى دقّ باب بيت حنان.
كان سمير يشاهد الأخبار، فنهض وفتح. وقف على العتبة رجلان في الخمسين: أحدهما أبو جمال، جار من الحيّ، والآخر شيخ قصير بلحية بيضاء وعمامة صغيرة عرفه سمير من الجامع.
— السلام عليكم يا أبا ليلى.
— وعليكم السلام. تفضّلا.
جلسا في الصالون، وقدّمت حنان الشاي بصمت. ولاحظت أن الشيخ يتجنّب النظر إليها، وهذا وحده كان ينبئ بكل شيء. وعلى هذا النوع من الزيارات قام نصف النظام الاجتماعي في مجتمعاتنا: رجلان في الخمسين يجلسان في صالون لا يملكانه، ويتحدثان باسم بيت ثالث لم يدعُهما، ويسمّيان ذلك «إصلاحًا».
قال أبو جمال بنبرة المصلح:
— يا أبا ليلى، أنت رجل عاقل. نحن نعرف أن زوجة بسام تركت بيتها، وأن أم ليلى هي التي أخذتها.
— أنا لا أعرف شيئًا من هذا.
— لكنك تعرف. والناس كلها تعرف. والمسألة الآن أن بسام رجل طيب، أخطأ وهو نادم، ونحن نريد أن نصلح بينهما قبل أن تتحول المسألة إلى فضيحة.
لاحظوا الكلمة: «فضيحة». ليست الفضيحة ما حدث وراء الباب المغلق، بل أن يعرفه أحد. وهذا هو التعريف الذي تعيش به آلاف البيوت: الجريمة أن يُرى الدم، لا أن يسيل.
قال الشيخ بصوت هادئ:
— البيوت أمانة. والصلح خير. ومن تسبب في هدم بيت فعليه وزره.
نظر سمير إلى حنان فلم تبدُ عليها علامة.
— وما المطلوب مني؟
— أن تقنع زوجتك أن تخبرنا أين سلمى لنأخذها إلى بيتها. ولن يمسّها بسوء. نحن نضمن.
— تضمنون؟
— نعم.
سكت سمير لحظة. كان في صدره صراع قديم بين الرجل الذي نشأ في الريف على أن الصلح بين الزوجين من أعظم الأعمال، والرجل الذي رأى قبل أشهر ابنته ترتجف من خوف أخطأ هو في فهمه.
— وإن قالت إنها لا تريد أن ترجع؟
— لا خيار لها. هي زوجة وأم.
— وإن قالت إنه ضربها؟
قال الشيخ بحياد بارد:
— ربما بالغتْ. والمرأة تحتاج أحيانًا إلى تأديب بقدر.
كانت هذه آخر كلمة يحتملها. وقد يكون الأمر عجيبًا أن يحدث ذلك بعد كل هذه السنين من الصمت، لكن من يعرف الناس يعرف أن الصبر لا ينفد بالتراكم، بل بجملة واحدة تأتي في لحظة لم يتوقعها أحد، فتفتح فجأة الباب الذي كان يقف وراءه عشرين عامًا.
— يا شيخ، قال سمير بهدوء مفاجئ، أنا لستُ عالمًا. لكنني تعلّمتُ في هذا العام شيئًا واحدًا: أن بيتًا لا يُسأل فيه أحد «هل تعبتَ؟» ليس بيتًا. وأن الضرب لا يُسمّى تأديبًا بين راشدين. وأنني لو كنتُ مكان سلمى لخرجتُ من أول مرة.
ارتبك أبو جمال.
— يا أبا ليلى، أنت متأثر بالألمان.
— لا. أنا متأثر بابنتي.
وقف.
— أما أم ليلى فلن أطلب منها شيئًا. إن أرادت أن تقول لكما أين سلمى فهذا شأنها، وإن لم ترد فهذا حقها.
نظرت إليه حنان بعينين واسعتين.
— سنتحدث عن هذا في الجامع، قال الشيخ ببرود.
— تحدّثوا.
وانصرفا بصمت.
حين أغلق سمير الباب وعاد كانت حنان واقفة في وسط الصالون.
— لم أكن أتوقع.
— ولا أنا.
— لماذا قلتَ هذا؟
جلس على الكنبة وتنفّس.
— لأنني تذكّرتُ ليلى، وكيف وقفتِ بيني وبينها. ولو كنتُ تجاهلتُ بكاءها لكنتُ مكان بسام. بدرجات مختلفة.
— أنت لستَ بسام.
— لا. لكنني كنتُ أسير في الطريق نفسه بخطى أبطأ.
جلست إلى جانبه.
— سمير…
— اسكتي. أريد أن أقول شيئًا لم أقله.
صمتت.
— أنا آسف. على كل مرة قلتُ لك فيها: «هذا ليس من شأنك». وكل مرة تجاهلتُ فيها أنك تريدين شيئًا.
لم تقل شيئًا. فقط أمسكت يده.
وفي اليوم التالي رنّ هاتفها: بسام. لم تردّ. ثم وصلت رسالة: «حنان، أنا لا أريد إلا أن أرى ابني. أرجوك. أنا في حالة لا أحتملها».
عرفت أن هذه الجملة بالذات هي المفتاح الذي يستعمله: جملة صادقة في ظاهرها، قاتلة في وظيفتها. وأرسلتها إلى السيدة كول وكتبت: «ماذا أفعل؟». وجاء الجواب: «لا شيء. هذا شغلنا».

الفصل الرابع والعشرون: ما تحت الجلد

جلست دينا في عيادة الدكتورة فايس وهي تشعر أنها أضعف ما كانت في حياتها.
كانت قد أخذت موعدًا بعد ثلاث ليالٍ بلا نوم، وفي جيبها ورقة كتبت عليها ثلاثة أسئلة. وفي اللحظة التي جلست فيها نسيتها.
والدكتورة فايس معالجة نفسية في الخامسة والخمسين، أنيقة بلا ثقل، لها صوت يشبه ستارة بيضاء تتحرك في الهواء.
— ما الذي جاء بك؟
— أحاول أن أفهم لماذا أحبّ بهذا الشكل.
— أي شكل؟
— الذي يحرق.
— وهل تحبين الاحتراق؟
— لا. لكنني أخاف من أي شيء أبرد منه.
— أخبريني عن أبيك.
كان السؤال متوقعًا، ومع ذلك أحسّت دينا بشيء يتحرك في صدرها.
— غادر حين كنتُ في الثامنة. لم يمت. فقط ذهب. كان يأتي في الأعياد أحيانًا ويحمل هدايا لا تناسب عمري، ثم يغيب.
— وماذا كنتِ تفعلين حين يغيب؟
— أنتظر.
— وحين يأتي؟
— أحاول أن أكون جيدة جدًّا لكي يبقى.
— وهل بقي؟
— لا.
صمتت الدكتورة وتركت الجملة تعمل.
— هل ترين شيئًا مشتركًا بين أبيك وطارق؟
— طارق يبقى. يتصل ويحضر ويسأل.
— ولكن؟
— ولكن بطريقة خانقة.
— وأبوك؟
— بطريقة غائبة.
— وفي الحالتين، أنتِ؟
— في الحالتين أنا أحاول أن أستحق.
كان الصمت هذه المرة أطول.
— هل تعرفين ما ألاحظه؟ قالت الدكتورة بعد وقت. أن ما تسمّينه «الحب الحارق» هو في الغالب نمط نعرفه: حين يكبر الإنسان في بيت لا يعرف فيه متى يأتي الاهتمام، يصير جسده مبرمجًا على أن يعدّ اللهفة حبًّا، والقلق عشقًا، والانتظار وفاءً. فإذا جاءه من يعطيه بانتظام ودون غموض شعر أن في الأمر خللًا.
— لوكاس…
— من هو؟
— زميل. يرسل لي مقالات عن الأسنان، ويقول «أنا هنا» ثم يغيب، ولا يطاردني.
— وماذا تشعرين نحوه؟
— لا شيء.
— حقًّا؟
تنهدت دينا.
— أشعر بأنني آمنة. وهذا لا يثير فيّ شيئًا. هل هذا غريب؟
— لا. هو شائع جدًّا. والسؤال ليس إن كان فيه شرارة. السؤال إن كنتِ تعرفين أن تعيشي مع الأمان دون أن تبحثي عن حريق ينقذك منه.
ظلّت دينا ساكتة.
— ماذا يخيفك أكثر: أن تحبي من يؤذيك أم أن تحبي من لا يؤذيك؟
كان هذا السؤال الذي لا تريد أن تجيب عنه.
وفي المساء كتب لها طارق: «أنتِ لا ترين رسائلي. هل بدأتِ تتغيّرين؟». قرأتها، ثم لأول مرة لم تعتذر. ردّت: «أنا بحاجة إلى وقت. سأكلّمك حين أكون جاهزة».
ظهرت علامة الكتابة ثم اختفت. ثم ظهرت وبقيت دقائق طويلة. ووصل الجواب: «لا تفعلي بي هذا. أنتِ كل ما لي».
توقفت دينا أمام الجملة. كانت جميلة، وكانت أيضًا قيدًا. وعرفت للمرة الأولى أن بعض الجمل الجميلة تُكتب لتُغلق بها الأبواب.
أغلقت الهاتف. وفي الغد، حين دخلت العيادة، وجدت على مكتبها بطاقة صغيرة من لوكاس: «إن كنتِ بحاجة إلى مريض صعب هذا الأسبوع فأنا مستعدّ أن أتولى عنك. لا ردّ مطلوبًا».
ابتسمت. وكانت تلك أول مرة في حياتها تُمنح فيها فرصة ألّا تردّ.

الفصل الخامس والعشرون: الاتصال الذي لا يأتي

مرّ شهر.
كان عمر يرى كلارا كل أسبوع. تحدّثا عن كتب وأفلام وأحلام صغيرة، وفي ليلة باردة قبّلها على رصيف النهر قبلة قصيرة مرتجفة، وبعدها لم يتكلم أحد. لم يكن في الأمر شيء فاضح. لكن عمر شعر بأن سقف عالمه ارتفع سنتيمترات قليلة، فصار يتنفس.
وفي المساء التالي رنّ هاتفه.
— ألو يا عمر.
كان صوت أبيه. ولم يكن الأب يتصل عادة إلا مرة في الشهر، ولأمر عاجل.
— أبي؟ هل أمي بخير؟
— بخير. أردتُ أن أتحدث معك.
— قل.
— جاءني اليوم رجل من معارفنا. قال لي إن صديقًا له شاهدك في الشارع مع فتاة.
سكت عمر.
— ربما صديقة.
— وهل الأصدقاء يقفون هكذا؟
— لا أعرف ماذا يقصد.
— لا أقصد شيئًا. أسألك فقط.
— أنا أدرس يا أبي وأعمل. ليس عندي وقت لشيء آخر.
— جيد. المهم أن تذكر دينك وأصلك. هذه الأمور لا تُمزح. وأمك قلقة، ولا تقل لها شيئًا.
— لن أقول.
— أراك على خير.
وأُغلق الخط. جلس عمر على حافة سريره ينظر إلى الحائط.
لم يقل أبوه كلمة واحدة تدين، ولم يستعمل ألفاظًا قاسية. كل ما في الأمر أنه سأل: «وهل الأصدقاء يقفون هكذا؟». وكانت هذه الجملة كافية لتفتح في صدره حفرة. وهذه، لو تأملنا، عبقرية القمع الأبوي في بلادنا: أنه لا يحتاج إلى سوط، يكفيه سؤال صغير يعرف السائل والمسؤول أن جوابه معروف.
بعد ساعة اتصل بكلارا.
— أبي يعرف.
— ماذا قال؟
— لم يقل شيئًا. وهذا أسوأ.
— هل تريد أن تأتي؟
ذهب عمر إلى شقة كلارا الصغيرة. كانت قد أعدّت حساء، وجلسا على الأرض أمام مدفأة كهربائية.
— هل أحكي لك شيئًا؟ قالت كلارا. حين قالت أختي لأبي إنها تحب شابًا مسلمًا من أصل تركي، لم يكلّمها سنة كاملة.
— وماذا فعلت أختك؟
— انتظرت. ثم جاء إلى بيتها يومًا حاملًا قفصًا فيه عصفور. قال: «أعطتني أمك هذا لأعطيك إياه. لا أعرف كيف أتكلم عن الأمر. لكنني أعرف أنك ابنتي». وصار يأتي كل أحد ويسأل عن عملها. وما زال يتحاشى الحديث في الدين. لكنه يأتي.
نظر عمر إلى النار.
— أبي لن يأتي.
— قد لا يأتي. وقد تتغير الأمور بعد سنوات. لكنني أعرف أن الصمت ليس دائمًا رفضًا.
— وإن كان؟
— عندها ستحزن. وستعيش.
لمست يده برفق.
— لن أقول لك إن الأمر هيّن. ولكنك لستَ مضطرًّا أن تختار بين أن تحب وأن تكون ابنًا. ربما ستكون الاثنين بشكل جديد.
— ماذا لو كان الاثنان لا يجتمعان؟
— عندها نخترع شكلًا ثالثًا.
وفي ليلة الجمعة، حين اتصلت أمه كالعادة، لم يردّ على الفور. أخذ نفسًا طويلًا ثم ضغط.
— ألو يا أمي.
— يا ابني، لماذا أنت متعب؟
— لستُ متعبًا.
— لا تكذب. أمك تعرف.
— ماذا تعرفين؟
— أعرف أن في صدرك شيئًا لا تقوله. ولا أريد أن أعرفه إن كان سيحزنني. لكنني أريدك أن تعرف أنني أمك. هذا كل شيء.
سكت عمر. كان يريد أن يقول لها كل شيء، ولم يستطع.
— أنا بخير يا أمي. أعدك أنني بخير. وأعدك أنني سأقول لك يومًا.
— وأنا سأنتظر.
— أحبك.
— وأنا أكثر.
ضغط على الزر ورمى الهاتف جانبًا، وانفجر باكيًا بصوت مكتوم. وكانت كلارا ما تزال إلى جانبه، لم تقل شيئًا. وضعت يدها على كتفه وبقيت. وكان هذا أفضل ما يمكن لإنسان أن يفعله لإنسان: أن يبقى دون أن يقول شيئًا.

الفصل السادس والعشرون: ما بين الأمواج

في كانون الأول أقام الفندق حفل نهاية السنة.
كان قد مضى شهران على الشكوى التي قدّمتها سفينيا. جرى تحقيق داخلي وسُمعت ثلاث نساء أخريات من العاملات، وفي الجلسة الأخيرة وقف ممثل العاملين وقال بصوت هادئ إن الأدلة كافية. فُصل السيد هوفمان من عمله، وأُبلغت جهة قانونية. ولم يحتفل أحد بذلك. لكن في ممرات الفندق ساد صمت مختلف: لم يعد صمت الخوف، بل صمت من استعاد نَفَسه.
حضرت سفينيا الحفل بثوب بسيط وجلست في الزاوية مع عمر. كان قد قال لها قبل أسبوعين ما لم يقله لأحد:
— سفينيا، أنا أحب فتاة. اسمها كلارا.
— أعرف.
— كيف؟
— لأنك تبتسم حين تقرأ هاتفك، وتتغير ملامحك حين ترنّ المكالمة. وأظن أن الحدّ الذي تخاف منه ليس بينك وبين كلارا، ولا بينك وبين العالم. هو بينك وبين نفسك. وهذا أصعب.
وجاءت دينا إلى الحفل مع لوكاس. لم يكن ذلك موعدًا بالمعنى الذي يتخيله الناس. هو فقط سألها إن كانت تحب أن ترافقه إلى حفل زميل، فقالت: «لماذا لا؟». ولاحظت عند الباب امرأة نحيلة ببدلة بسيطة وطفلًا صغيرًا في ثياب العيد: سلمى. كانت قد جاءت مع حنان ليرى يامن الأضواء.
كانت دينا طبيبة أسنان يامن منذ شهر. رأته في العيادة، وفي فمه علامة لم تحب أن تراها، وفي أمّه حذر لم يغب عن عينها. لم تقل شيئًا ساعتها، لكنها أعطتها بطاقتها وكتبت خلفها: «إن احتجتِ إلى أحد، هذا رقمي الخاص». والآن اقتربت.
— أهلًا سلمى. كيف حال الولد؟
— بخير بفضلكِ.
— أنا لم أفعل شيئًا.
— فعلتِ. لأنك لم تسأليني ما لا أريد أن أجيب عنه.
وفي هذه اللحظة دخل رجل بمعطف داكن عند الباب يبحث بعينيه. ورأته سلمى فتجمّدت.
كان بسام.
لم يكن يشبه الصورة التي حملتها في رأسها: بدا أصغر وأكثر شحوبًا، وفي عينيه ما يشبه ضعفًا حقيقيًّا. اقترب بخطى متردّدة.
— سلمى.
— ماذا تفعل هنا؟
— أريد فقط أن أراك وأرى يامن.
— غير مسموح.
— أنا لم أفعل شيئًا.
— لا. لكنك ممنوع من الاقتراب. قال القاضي.
— أرجوك. دقيقة واحدة.
قبل أن تردّ كان سمير قد وقف إلى جانبها، وخلفه كريم الذي حضر مع كاترين، وخلفه حنان. لم يقل أحد شيئًا. لم يكن هناك صراخ ولا حركة. وقفوا فقط، صفًّا بلا اتفاق. وهذا، لو سألنا المؤرخين، شكل التضامن الحقيقي: لا خطبة ولا بيان، بل أجساد تقف في موضعها حين يلزم.
التفتت سلمى إلى بسام وقالت بهدوء لم تعرفه في نفسها:
— لقد قلتَ لي مرة إنني لا أستطيع أن أعيش دونك.
— وهذا صحيح.
— لا. هذا ما أردتَني أن أصدّقه. وأنا الآن أعيش. ليس جيدًا ولا سهلًا. لكنني أعيش.
اغرورقت عيناه.
— أحبك.
— أعرف. لكن الحب لا يعطيك حق أن تؤذيني.
انحنى رجلان من الأمن وقادا بسام بهدوء إلى الخارج. لم يقاوم. كان يبكي بلا صوت.
وقفت سلمى في مكانها تمسك بيد ابنها بقوة.
— ماما، هل ذلك بابا؟
— نعم يا حبيبي.
— لماذا يبكي؟
— لأنه حزين.
— هل هو مريض؟
— ربما. لكننا لا نستطيع أن نشفيه نحن.
نظر يامن إليها بعينيه الواسعتين وقال:
— هل نذهب لنرى الأضواء؟
ضحكت سلمى وسط دموعها.
— نعم.
وعاد الحفل إلى حياته، ولم يلتفت إلى ما جرى إلا القليلون. وفي الزاوية كانت حنان واقفة وحدها، وحين اقترب منها سمير همس:
— هل تعرفين ما أفكر فيه؟ أننا نعيش بين أمواج. كل موجة تأتي بشيء وتأخذ شيئًا. وليس بوسعنا أن نوقفها. لكن بوسعنا أن نقف معًا.
— أنت تتحوّل إلى شاعر.
— لا. أنا فقط أتعلّم أن أقول ما أشعر به.
وبعد منتصف الليل، حين تفرّق الضيوف، خرجت دينا مع لوكاس إلى الرصيف. كان الجو باردًا ونظيفًا.
— هل أنتِ بخير؟
— بخير.
— لاحظتُ أنك لم تنظري إلى هاتفك الليلة.
— طارق يكتب لي. لكنني لم أردّ.
— وهل هذا صعب؟
— نعم. لأنني لا أعرف ماذا سأفعل حين لا يكتب.
— عندها نتعلّم.
ابتسمت.
— هل تقصد «نحن»؟
— أقصد «أنتِ». لكنني هنا.
لم يكن في كلماته وعد ولا شعلة ولا مفاجأة. كانت كلمات رجل يعرف أن الاهتمام الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، وأن الحب الذي يبدأ بلا صخب قد يكون أقدر على البقاء. لكنها لم تقل له ذلك. اكتفت بأن مشت إلى جانبه على الرصيف، ورأسها يرتفع قليلًا وخطواتها تخفّ.
وبعض الأسئلة لا تنتهي حين تنتهي الصفحات. هل نحبّ حقًّا من نتعلق به؟ وهل الاهتمام الهادئ أقل من الشغف أم هو أصدقه؟ وكم من الحدود التي نخافها هي في الحقيقة حدود رسمناها بأيدينا ونسينا؟ ما أعرفه أن الحب، حين يكون حبًّا، لا يطلب منك أن تختفي، وأن الرغبة، حين تكون رغبة، لا تتحوّل إلى سلطة، وأن الحدود الصحيحة هي التي تحمي الإنسان من الأذى لا التي تحمي الآخرين من وجوده. وأن أصعب ما نفعله وأنبله هو أن نجلس بجانب من يتألم ونقول بصوت واضح: «أنا هنا».
الكتاب الرابع: بعد عشر سنوات

الفصل السابع والعشرون: محاضرة في الصف التاسع

وقفت ليلى أمام ثلاثين تلميذًا وتلميذة، وفي يدها جهاز عرض صغير لم تفتحه.
كانت في السادسة والعشرين، أخصائية اجتماعية في مركز لحماية الأطفال والمراهقين، تزور المدارس مرتين في الشهر. وفي كل مرة تنظر إلى الوجوه الجالسة وتعرف أن بينها وجهًا أو اثنين يخفيان شيئًا لم يُحكَ بعد. وهذه هي المعرفة الوحيدة التي لا تُدرَّس في الجامعات: أن تُميّز الصمتَ الذي يعني «لا شيء» من الصمتِ الذي يعني «ساعدوني».
— لن أعرض عليكم شرائح، قالت. سأحكي لكم قصة، ثم تسألونني ما تشاؤون.
رفعت فتاة في الصف الأخير رأسها عن هاتفها.
— كانت فتاة في السادسة عشرة. تحب الرسم. نشرت يومًا مقطعًا من رسمها، فكتب لها رجل تعليقًا لطيفًا. ثم رسالة. ثم أخرى.
لم تذكر أن الفتاة هي نفسها. كانت تعرف أن القصة تصل أسرع حين لا يكون لأحد فيها وجه تُحاصَر به.
— لم يكن في أي رسالة شيء مخيف. هذا ما أريدكم أن تتذكّروه: الخطر لا يأتي دائمًا مخيفًا. يأتي دافئًا. يقول لكِ إنكِ مختلفة، وإنكِ ناضجة، وإنه يفهمك أكثر من أهلك. ثم يطلب منكِ شيئًا واحدًا: ألّا تحكي.
ساد الصمت.
— علامة واحدة تكفي: كل علاقة تطلب منك أن تخفيها عن الذين يحبونك ليست علاقة تحميك. لا تسألوا فقط: هل هو لطيف؟ اسألوا: لماذا يريدني وحدي؟
رفع ولد في الصف الأول يده.
— وإن كان عمره قريبًا من عمري؟
— عندها الأمر مختلف. الحب بين الأنداد ليس خطرًا. لكن الحدود تبقى: لا يملك أحد جسدك، ولا أحد يعطيك أمرًا باسم الحب.
— وإن أحببنا أحدًا ومنعنا أهلنا؟
كانت الجملة مباغتة وصادقة. نظرت إليه ليلى.
— هذا سؤال كبير. وأقول لك ما قالته لي أمي: لا تهدم الحدود بغضب. اسأل من وضعها ولماذا. وأحيانًا تكتشف أن وراءها خوفًا أكثر مما وراءها قسوة.
وبعد الحصة اقتربت منها الفتاة التي كانت تنظر إلى هاتفها. قالت بصوت منخفض:
— أستاذة، هل يمكنني أن أحدّثك على انفراد؟
كان قلب ليلى يخفق. هذه هي اللحظة التي تأتي من أجلها في كل مرة.
— طبعًا. هل نجلس في الممر؟
— لا أعرف إن كان الأمر شيئًا…
— إن كنتِ تسألين فهو شيء. هيا.
جلستا على مقعد خشبي طويل. أخرجت الفتاة هاتفها وبيد مرتجفة أرتها رسالة. لم تبدُ الرسالة خطيرة، لكن ليلى عرفت الجملة. كانت الجملة نفسها، بالترتيب نفسه تقريبًا.
— أحسنتِ، قالت. فعلتِ الشيء الصحيح: أنكِ أتيتِ.
— هل سأُعاقَب؟
— أبدًا. من يُعاقَب هو من يكتب. هيا نخبر المعلمة المرشدة ثم نتصل بأمكِ معًا. هل هي من النوع الذي يغضب؟
— لا. لكنها ستحزن.
— الحزن أفضل من الصمت.
وفكرت ليلى وهي تمسك الهاتف: ليتني كنتُ أنا هذه الفتاة قبل عشر سنوات. ثم أدركت أنها كانت هي، وأن هذه الفتاة، وكل فتاة، حلقة في سلسلة واحدة تمتد خلف الأبواب، وأن من عبرت منها تمدّ يدها إلى التي بعدها.

الفصل الثامن والعشرون: اتصال من ماجد

في ليلة شتاء وقف ماجد أمام صورة أبيه.
كانت الصورة في مكانها بإطارها الذهبي، لكنه لم ينظر إليها منذ سنوات كما نظر في تلك الليلة. وكان في يده هاتف ابنته. لم يكسره. وقد ظنّ نفسه، حتى ذلك المساء، رجلًا تعلّم الدرس.
وتذكّر ما قاله هنا قبل عشر سنوات، وكلماته تعود إليه كما يعود صدى في جبل: أنت لم تضرب أحدًا قط، كنتَ تنظر فتُحنى الرؤوس، وأنا لا أملك نظرتك فلذلك صفعتُ. وقال حينها إنه لن يكون مثل أبيه، وإنه سيحمل الاسم كحقيبة لا كجنزير. وقال إن رشا إن عادت يومًا فسيقول لها «أنا آسف».
لكنه لم يقلها. ولم تعد رشا. والرجال الذين يعدون أنفسهم بالاعتذار ثم يؤجلونه يتعلمون بعد سنين أن التأجيل هو الصيغة الأخرى للإنكار. وهو الآن، وفي يده صور الرجل الغريب الذي يكتب لابنته، يعلم أن الوقت الذي أضاعه ليس ملكه وحده، فقد كلّف أخته عشر سنين من الجدار، وقد يكلّف ابنته أكثر.
حمل الهاتف وخرج إلى الشرفة، ثم عاد إلى الصالون، ثم أدار رقمًا لم يطلبه منذ أكثر من سنتين.
رنّ هاتف رشا، وهي في شقتها الصغيرة تحضّر محاضرة عن تربية الطفولة في المجتمعات الثنائية. رقم غريب من الخارج. ردّت.
— رشا؟
عرفت الصوت قبل أن تعرف صاحبه. كان صوتًا لم تسمعه منذ سنتين، خشنًا وقد تقدّم به العمر.
— ماجد.
— كيف حالك؟
— بخير. وأنت؟
— أنا… أحتاج أن أتحدث معك.
صمت طويل. لم يتصل بها أخوها إلا للأعياد والعزاء. وها هو يتصل في ساعة متأخرة من الليل.
— قل.
— سمى.
— ابنتك؟
— نعم. في الخامسة عشرة. وجدتُ في هاتفها… رسائل من رجل.
أغمضت رشا عينيها. لم تضحك، ولم تقل «ها قد حدث». كانت تعرف أن لحظة كهذه ليست ملكًا لها.
— ماذا فعلت؟
— لم أفعل شيئًا بعد. أول مرة… لم أعرف ماذا أفعل. أردتُ أن أكسر الهاتف. أردتُ أن… — توقف. ثم قال بصوت لم تعرفه: لكنني تذكّرتك.
— تذكّرتني؟
— تذكّرتُ ما فعلتُه بك. تذكّرتُ صفعتي. وتذكّرتُ أنك قلتِ لي يومها: «لم يكن حبًّا يا ماجد، كان أول مرة يسمعني فيها أحد». وأنا لم أفهم.
كانت رشا تعتصر القلم بين أصابعها.
— وماذا ترى الآن؟
— أرى ابنتي. وأرى أن الرجل ليس زميل عمل ولا فادي. هو رجل بالغ وأكبر منها بكثير. وأنا أعرف الفرق، لكنني لا أعرف ماذا أقول لها. لا أعرف كيف أحميها دون أن أخسرها.
قالت رشا بهدوء:
— ماجد، اسمعني جيدًا. أول شيء: لا تكسر الهاتف. ثاني شيء: لا تصرخ. ثالث شيء: اجلس معها وقل لها: «أنا لستُ غاضبًا منكِ. أنا غاضب من الرجل». وبعد ذلك احتفظ بالرسائل، فقد تحتاجها. وهناك جهات في بلدكم تتلقى هذه الشكاوى، وسأبحث لك عن رقمها.
— وإن سألتني لماذا غضبتُ عليكِ حين…
— ستقول لها الحقيقة. أنك أخطأت وتعلّمت.
سكت.
— هل سامحتِني؟
لم تكن تعرف. وهذا هو الصدق الوحيد الممكن.
— لا أعرف. لكنك اتصلتَ بي، وأنت أخي، وأنا هنا الليلة. فلنبدأ بهذا.
وقال ماجد، بعد صمت، الكلمة التي أجّلها عشر سنوات، بصوت لا يشبه صوته، وبعد أن ظنّ أنه نسي كيف تُقال: «آسف». وكانت أثقل كلمة نطق بها في عمره، وأخفّها حين خرجت.
وبعد أسبوع أرسل ماجد صورة: ابنته سمى ممسكة بدفتر رسم، وبجانبها كوب شاي، وعلى وجهها ابتسامة صغيرة حذرة. وكتب تحتها: «تعلّمنا نتحدث».
نظرت رشا إلى الصورة طويلًا. ثم رفعت رأسها إلى النافذة، حيث كان الثلج يتساقط على الشارع، وفكّرت أن أصعب انتصار في الأمر كله لم يكن أن تنتصر هي. كان أن يتعلّم أخوها أن يصير بابًا لا جدارًا.

الفصل التاسع والعشرون: جنازة في تشرين

مات فالتر في عامه الخامس والثمانين، في سريره، بعد ليلة هادئة قضاها يقرأ لغيرترود صفحات من كتاب عن القطارات.
لم يكن في وفاته أي مأساة. كان رجلًا عاش طويلًا، وأحبّ في ختام عمره، ومضى وهو يعرف أن أحدًا ينتظر ما سيقوله في الصباح. وهذه، إن أردنا الدقة، أندر نهاية يمكن أن يتمناها بشر، وأقل النهايات حظًّا من التأمل، لأنها لا تُبكي أحدًا بما يكفي.
لكن الصباح الذي تلاه كان طويلًا.
وقفت غيرترود في الصالون الصغير الذي تقاسماه تسع سنوات، بثوب أسود، وكانت في التاسعة والسبعين، ووجهها قد صار أرقّ مما كان. وجاء ميشائيل ومعه زوجته وولداه، وقد تعلّم على مدى السنين أن يحترم هذا الرجل الذي جاء متأخرًا إلى حياة أمه.
— أمي، سنهتم بالإجراءات.
— لا. أنا أهتم.
— لكن…
— هو ليس قريبي بالورق، قالت بهدوء. لكنه كان قريبي بما يكفي. ولا أريد أن تُترك الأشياء لمن لا يعرف أنه كان يحب الشاي بلا سكر، وأنه كان يكره الزهور البيضاء.
نظر ميشائيل إليها طويلًا.
— حسنًا. ما تريدينه نفعله.
وفي الجنازة اجتمع نحو أربعين شخصًا: زملاء قدامى من السكك الحديدية، وجيران من العمارة، وعاملات من الفندق القديم. وجاءت حنان بثوب داكن ومعها سمير، وليلى وجونس، ورشا من الجامعة، وكريم وكاترين من مدينتهما. كانوا جميعًا هناك، كما في المائدة، لكن الموت جمعهم هذه المرة بلا دعوة.
ووقفت غيرترود عند القبر وقالت جملًا قصيرة بلا ورقة:
— لم أتوقع أن أحبّ مرة ثانية. ولا أن يحبني أحد في هذا العمر. قالوا لي إن هذا غير لائق، وإن الرغبة تتقاعد، وإن الحب بعد الستين يشبه الشاي البارد. كانوا مخطئين. الرغبة لا تتقاعد. الذي يتقاعد هو الخوف. وفالتر أخرجني من خوفي.
ثم صمتت، ومدّت إلى الأرض زهرة صفراء.
وقفت حنان بعيدًا قليلًا ودموعها تنزل بلا صوت. كانت قد تعلّمت في تلك السنين أن الحب لا يُقاس بالعمر ولا بالجنس ولا بالدين ولا بالمدينة. يُقاس بالشجاعة التي يتطلّبها: أن تقول لأحد «أريدك» وأنت تعرف أنه قد يرحل، أو تفقده، أو يسخر منك الناس.
وشعرت بيد زوجها تمسك يدها. التفتت. لم يقل سمير شيئًا. كان في الثامنة والخمسين، قد شاب شعره وأرقّت عيناه. همس:
— لو حدث لي شيء… هل ستقولين عني كلامًا جميلًا؟
— ماذا تريد أن أقول؟
— أنني حاولت.
شدّت على يده.
— وأنك نجحت.

الفصل الثلاثون: قبل أن أجيب

في مساء ربيعي، بعد محاضرة ألقتها ليلى في مدرسة جديدة، عادت إلى شقتها الصغيرة، وكان جونس قد حضّر عشاءً بسيطًا.
كانا يعيشان معًا منذ ثلاث سنوات. لم يتزوجا، ولم يكن الأمر مسألة اختيار حاسم. كانا يؤجلان الكلمة الكبيرة لأنهما يريدان أن يعرفا قبلها كيف يعيشان الأيام العادية.
— كيف كانت المحاضرة؟
— جيدة. جاءتني فتاة بعدها.
— الصفحة نفسها؟
— الصفحة نفسها.
جلس إلى جانبها.
— هل تتعبين؟
— أحيانًا. لكنني أفكر: لو أن أحدًا فعل لي هذا قبل عشر سنوات.
— أحدهم فعل.
— من؟
— أمك. وأبوك، بعد أن تعلّم. وأنا، حين انتظرتُ على سلّم المحكمة.
ضحكت.
— نعم. كلكم.
وبعد العشاء، وهما يغسلان الأطباق، قال جونس فجأة:
— ليلى، هل تريدين أن نتزوج؟
لم تتوقف يدها.
— هل تسأل أم تقترح؟
— أسأل. ولا أريد جوابًا الليلة.
— ولماذا الآن؟
— لأنني أريد أن أختار، لا أن أنجرف. ولا أريدك أن تظني أنني أسأل لأن أحدًا قال إن الوقت قد حان.
نظرت إليه ثم إلى الماء الجاري.
— حين كنتُ في السادسة عشرة كنتُ أظن أن الحب نوع واحد: يأتي بلا استئذان ويأخذك. والآن أعرف أنه أنواع، وأن أصعبها هو الذي يقول: «لن أضغط عليك».
— وهل هذا أفضل؟
— إنه الوحيد الذي يستحق أن يُصدَّق.
جفّفت يديها.
— سأفكر. وسأقول لك. وستسمع جوابي كما هو، لا كما تتمنى.
— هذا كل ما أطلبه.
وفي تلك الليلة لم تنم ليلى.
في السادسة والعشرين تعرف ليلى أن الأسئلة المهمة لا تأتي بصوت مرتفع. تأتي وأنت تغسلين الأطباق. وها هي في فراشها، وجونس نائم بجانبها يتنفس بهدوء، وهي تحدّق في السقف.
كان الخوف الذي يشغلها غريبًا: أن تقول «نعم» وهي لا تعرف إن كانت «نعم» لها أم لشيء آخر. لأن الجميع ينتظرونها. لأن أمها ستفرح، ولأن أباها ربما يتنفس بارتياح، ولأن عمرها ستة وعشرون وهذا «موعد معقول». ولأنها تعلّمت من مهنتها أن كل شيء لا يُرى قد يكون خطرًا. وهل جونس خطر؟ لا. إنها فقط لا تعرف كيف تميّز بين الأمان والاستسلام.
التفتت ونظرت إلى ظهره. كان في السادسة عشرة حين لمس إصبعها، وفي السادسة والعشرين يعدّ لها الشاي كل صباح. لم يرفع صوته يومًا، ولم يطلب منها شيئًا لا تريده. ومع ذلك كانت تنتظر دائمًا أن يحدث شيء سيئ، كأن الحنان فخّ. ومن علّمها هذا؟ مارك.
لم تنطق الاسم منذ سنوات. كان في داخلها غرفة صغيرة مغلقة فيها مفتاح صدئ، وأحيانًا، في الليل، تقترب منها وتضع يدها على الباب. لقد انتهى كل شيء، وهي تعرف ذلك. لكنها ما زالت تفحص كل رجل لطيف: أين الخدعة؟ وجونس؟ لا. جونس لا يطلب منها أن تخفي شيئًا. وهذا كافٍ؟ ربما. فهي تقول في محاضراتها: كل علاقة تطلب منك أن تخفيها ليست علاقة تحميك. وعلاقتها بجونس تحتمل الضوء، حتى في وجه أبيها، حتى في وجه جدتها. إذن السؤال ليس عنه. إنه عنها.
نهضت وجلست على حافة السرير، وفي يديها شيء يشبه الارتجاف. أرادت أن تصدّق أنها تستحق شخصًا يحبها دون أن يملكها، وخشيت ألّا تعرف كيف تُحَبّ. فالحب الأول الذي رأته كان صراخ أبيها وصمت أمها، والحب الذي ظنّته حبًّا كان فخًّا، والحب الذي تراه الآن هادئ إلى حد تخاف معه ألّا تشعر به. أتريد الشرارة؟ لا. تريد أن ترى الشرارة تتحول إلى بيت. ولكنها تعلّمت أن بعض الشرارات تحرق، وأن ليس كل ما يحرق حبًّا، وهذا ما تقوله لمراجعاتها.
عادت إلى السرير ووضعت يدها على كتف جونس. استيقظ نصف استيقاظ.
— ليلى؟
— لا شيء. نم.
— هل أنتِ بخير؟
— بخير.
— وإن لم تكوني؟
— عندها أقول.
تمتم بشيء ونام. ونظرت إليه وقالت لنفسها: سأجيبه غدًا. لكن الجواب ليس «نعم» أو «لا». الجواب أن أقول له كل ما قلتُه الآن: الخوف والشرارة والمفتاح الصدئ. وإن بقي، فهذا هو الجواب.
وحين نامت كانت قد رسمت في داخلها حدًّا صغيرًا لم يرسمه أحد غيرها: ألّا تقول «نعم» قبل أن تقول كل شيء.
وفي صباح ذلك الأحد اتصلت بأمها كما تفعل كل أحد. ظهر وجه حنان على الشاشة، وخلفها مكتب صغير عليه أوراق هندسية ولوحة معمارية لبيت لم يُبنَ بعد.
— ماما، ما هذا؟
— تصميم. أعدتُ الدراسة وأنجزتُ ثلاثة مشاريع صغيرة لعملاء من الحيّ. كنتُ أخبّئ الأمر.
— لماذا؟
— لأنني اعتدتُ ألّا أقول إلا بعد أن أنجح.
— وهل نجحتِ؟
— لا أعرف. لكنني قرّرتُ ألّا أنتظر لأعرف.
ضحكت ليلى.
— أنتِ تشبهينني.
— بل أنتِ تشبهينني. الفرق أنك تعلّمتِ مني قبل أن أتعلّم أنا.
قالت ليلى بعد صمت:
— ماما، عندي سؤال قديم.
— أي سؤال؟
— من يرسم الحدود؟
ابتسمت حنان، وكانت الابتسامة هذه المرة أهدأ وأعمق.
— ما زلتِ تسألين؟
— دائمًا.
— وأنا ما زلت لا أملك جوابًا نهائيًّا.
— إذن نحن بخير.
— نعم. لأن من يملك جوابًا نهائيًّا يتوقف عن السؤال، ومن يتوقف عن السؤال يرسم حدود غيره.
وفي الخلفية سمعت ليلى صوت أبيها ينادي من المطبخ:
— حنان، هل نأكل؟
— لحظة يا سمير.
ثم التفتت إلى الشاشة:
— اذهبي وقولي لجونس إنني أرسل له سلامي.
— سأقول.
وأُغلق الخط. وبقيت ليلى ثوانيَ تنظر إلى الشاشة المعتمة، ثم إلى النافذة التي تطل على بنايات وأنوار وناس لا تعرفهم، وكلٌّ منهم يحمل في داخله خريطة لا يراها غيره: ما يريد، وما يخاف، وما يُسمح له، وما لا يُسمح.
ثم نهضت، وذهبت إلى المطبخ حيث كان جونس يعدّ الشاي، ووقفت أمامه، وقالت: «أريد أن أحكي لك شيئًا قبل أن أجيب». ووضع هو الإبريق على المنضدة، وجلس، وانتظر.
الكتاب الخامس: الضفة الأخرى
في الكتب السابقة بقينا في فالدبرغ، ونظرنا إلى المدينة المغلقة من نافذة الهاتف وصوت المكالمات. وهذا الكتاب رحلة إلى الضفة الأخرى. تعود فيه حنان بعد عشرين عامًا إلى المدينة التي غادرتها، وتأخذ معها ابنتها ليلى وأختها رشا. وهناك لا يكون الحيّ المغلق ظلًّا يُرى من بعيد، بل بيتًا من ثلاث طبقات، وأمًّا مريضة، وفتاة في الخامسة عشرة تحمل هاتفًا، ورجلًا اسمه ماجد.
ولا أريد في هذه الصفحات أن أقف مع المجتمع الأوروبي ضد المجتمع العربي، ولا مع العربي ضد الأوروبي. أريد أن أريكم أن الحدود تُرسم في كل مكان، وأن الخوف يتشابه حيثما كان، وأن الشجاعة، حين تأتي، تأتي بلهجات مختلفة. وتقع أحداثه في الشتاء الذي أعقب جنازة فالتر.

الفصل الحادي والثلاثون: صالة الوصول

لم تنم حنان في الطائرة.
جلست بجانب النافذة وقد أسندت جبينها إلى الزجاج البارد، تنظر إلى غيوم لا تتغيّر. وعلى يمينها كانت ليلى تقرأ كتابًا بالألمانية بعينين لا تقرآن، وعلى يسارها في الممر رشا تلفّ وشاحها حول يدها مرة بعد مرة.
— هل تخافين؟ سألتها ليلى بالعربية.
— لا أعرف.
— لا بأس.
— أنا لم أعد منذ تسع عشرة سنة.
— وهل تغيّرت؟
— لا أعرف إن كانت هي التي تغيّرت أم أنا.
كانت الأم قد اتصلت قبل ثلاثة أيام. صوت واهن، قصير الجمل، جافّ كورق قديم: «لقد ساءت صحتي يا حنان. لا أريد أن أموت قبل أن أراك».
لم تقل حنان شيئًا لسمير. وضعت هاتفها على المنضدة ونظرت إليه، فقال دون أن تتكلم:
— اذهبي.
— سأحتاج أسبوعين.
— خذي شهرًا. أنا سأكون هنا.
— ليلى تريد أن تأتي.
— أعرف.
— قد لا يرحّبون بها كما ينبغي.
— وقد يرحّبون. لا تعرفين إلا حين تذهبين.
وهكذا كانوا الآن في الجو فوق بحر لا يرونه: ثلاث نساء من جيلين في حقيبة واحدة من التاريخ.
عند الهبوط ارتبكت حنان. عدّلت وشاحها ثلاث مرات في الممر. لم تكن ترتدي وشاحًا في ألمانيا إلا في الشتاء، لكنها لبسته هنا بلا وعي، كأن الجسد يتذكر قبل العقل. وهذه من أعجب حيل الوطن: أنه يسكن في اليدين قبل أن يسكن في الذاكرة.
— ماما، قالت ليلى بهدوء، أنتِ ترتجفين.
— لا. هو البرد.
— الجو ليس باردًا.
— إذن هو شيء آخر.
لمست ليلى كتفها.
— سأبقى قربك.
— وأنتِ؟ هل أنتِ مرتاحة؟
— أنا فضولية. لم أرَ بلدك من قبل.
— بلدي؟
— بلد أمي.
ضحكت حنان لأول مرة منذ أيام.
وعند باب الخروج وقف رجل في الثانية والخمسين بمعطف رمادي، شعره شائب، وفي يده باقة صغيرة من الورد الأبيض. لم تعرفه حنان من أول نظرة. ثم رأت العينين.
— ماجد.
— حنان.
لم يتقدم أحدهما. وقفا بينهما مسافة خمس خطوات، كما يقف الناس بعد سنوات طويلة من غياب لا يعرفون كيف يُعاد. ثم خطا هو. مدّ يده بالورد ثم تراجع وقال:
— لا أعرف كيف أحييك.
— وأنا لا أعرف.
— أمي كل يوم تسأل إن كنتِ وصلتِ.
— سنذهب إليها.
التفت إلى ليلى.
— وهذه…
— ليلى. ابنتي.
— أهلًا بكِ يا ابنتي.
— شكرًا يا خالي.
قالتها بعربية صحيحة بنبرة ألمانية، وأمالت رأسها قليلًا، وهي تعرف أن كلمة «خالي» ستفعل فيه ما لا يفعله ألف شرح. ارتجف فكّه.
— رشا؟ قال أخيرًا.
كانت رشا واقفة خلفهم، شاحبة.
— ماجد.
لم يتحدث أحد. كانت بينهما سنوات، وصفعة، ومنحة دراسية، ومكالمة في ليل شتوي.
مدّ ماجد يده.
— أنا أعتذر. ما زلتُ لا أعرف كيف أقولها. لكنني أريد أن أقولها هنا، في المطار، بين الناس، لا في البيت. لأنني لا أريد أن تكون مسألة تُخفى.
كانت رشا تنظر إلى يده. وكان في الصالة ضجيج وحقائب وأناس يتعانقون، وسُمعت في الخلفية امرأة تصيح: «أهلًا بالغالية!».
مدّت يدها.
— قبلتُ.
لم تعانقه ولم يعانقها. لكنهما تصافحا، وكانت هذه المصافحة أقوى ما يمكن أن يحدث بين أخوين في هذا المكان.
وفي الطريق من المطار جلست ليلى في المقعد الخلفي تنظر إلى الشوارع: لافتات بالعربية، وأسواق، وأطفال يلعبون بالكرة بين السيارات. كانت المدينة أصغر مما تخيّلت وأكثر ضجيجًا. ومرّت سيارتهم أمام محلّ أدوات مكتبية صغير مغلق، عليه ستارة معدنية صدئة.
رأت رشا ذلك، ولم تقل شيئًا.

الفصل الثاني والثلاثون: البيت ذو الطبقات الثلاث

كان البيت أصغر مما تتذكر حنان. أو ربما كانت هي أكبر.
وقفت عند عتبة الباب الخشبي، ورأت السلم الذي صعدته مئة مرة وهي تحمل الخبز، والمصباح المعلّق فوق المدخل، والنافذة الصغيرة التي كانت تطلّ منها على الشارع لتراقب الغرباء. ورائحة البيت لم تتغيّر: صابون ومسك وقهوة قديمة.
— ماما.
لم تعرف من التي نطقت. الصوت جاء من داخل، ضعيفًا، وبه ارتجاف.
دخلت.
كانت أمها جالسة على أريكة كبيرة محاطة بالوسائد، شعرها الأبيض خفيف تحت وشاح أبيض، ووجهها قد صغر وانكمش كأنه يختبئ. ويداها على ركبتيها ترتجفان قليلًا.
— حنان؟
— أنا.
— تعالي.
اقتربت وجثت على ركبتيها بجانب الأريكة، ووضعت رأسها في حجر أمها كما كانت تفعل في السابعة. لم تقل الأم شيئًا. وضعت يدها المرتعشة على رأس ابنتها، وكانت تعرف أن كل كلمة ستفسد اللحظة.
وكانت ليلى واقفة عند الباب بجانب رشا ترى مشهدًا لم تعشه: امرأة تعود إلى طفولتها بعد عشرين سنة.
— وهذه؟ قالت الأم أخيرًا بصوت حاد فجأة.
— ليلى. ابنتي.
— تعالي يا حبيبتي. أريد أن أرى وجهك.
اقتربت ليلى بخجل. أمسكت الجدة وجهها بكفيها ونظرت طويلًا، كما ينظر الإنسان إلى لوحة قديمة.
— تشبهين أباك قليلًا. وتشبهينني أنا. هل تعلمين؟
— لا.
— حاجباك. من جهة أمي.
ضحكت ليلى ولم تعرف لماذا دمعت عيناها.
في المساء، حين جلسوا إلى المائدة الكبيرة، كانت سهى تدخل المطبخ وتخرج، وماجد يتحدث عن الأسعار والكهرباء، ورشا صامتة، وليلى تنظر إلى صحون لا تعرف أسماءها.
وفجأة دخلت إلى الغرفة فتاة في الخامسة عشرة، نحيلة، بشعر أسود طويل مربوط خلف رأسها، وعينين واسعتين تشبهان عيني ماجد حين كان شابًّا. وفي يدها هاتف.
— هذه سمى، قال ماجد.
— أهلًا.
— مرحبًا.
كانت الجملتان متبادلتين بلا حرارة. لكن حين جلست سمى على الكرسي المقابل لليلى رأت ليلى أن الفتاة تحدّق فيها بفضول جائع، مثل من رأى لوحة لا تشبه ما يعلّقونه في بيته.
— هل أنتِ من ألمانيا؟
— نعم.
— وهل تتكلمين الألمانية؟
— نعم.
— هل يمكنك أن تقولي شيئًا؟
— Du hast schöne Augen.
— ماذا تعني؟
— لكِ عينان جميلتان.
ضحكت سمى وعلا وجهها احمرار. وكان ماجد ينظر إليهما بصمت، وقد غطّى الدهشة بالجدّية.
وفي الليل، حين نامت الجدة وتفرّق الجميع، اقتربت سمى من غرفة ليلى.
— هل أستطيع أن أدخل؟
— طبعًا.
جلست على طرف السرير وهي تقبض على هاتفها.
— ليلى، هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟
— اسألي.
— أمي قالت لي إنك تعملين مع بنات مثلي، بنات في المدرسة، وتحميهنّ.
— أحاول.
— من ماذا؟
— من أناس يريدون أن يؤذوهنّ أو يخدعوهن.
سكتت سمى وظلّت تحدّق في هاتفها.
— وإن كان الأمر ليس أنا؟
— كيف؟
— صديقتي.
— من هي؟
— دانة. في صفي.
— وماذا حدث لها؟
— لا أعرف إن كان عليّ أن أقول.
— أنتِ لا تقولين لي سرّها. تسأليني كيف تساعدينها. وهذا مختلف.
مرّت لحظة صمت.
— هناك ولد يهدّدها.
— بماذا؟
— بصورة. صورة التقطتها لنفسها وأرسلتها له. يقول إنه سينشرها إذا لم تفعل ما يطلب.
لم يتغيّر وجه ليلى. كانت هذه هي اللحظة التي تتدرّب عليها منذ سنوات.
— أولًا: أنتِ فعلتِ الصواب بأنك أخبرتني. ثانيًا: الذي يهدّد هو الذي يخطئ، لا هي. هل تفهمين الفرق؟
— نعم.
— ثالثًا: لا تدفع له شيئًا ولا ترسل له شيئًا آخر. الدفع أو الإرسال يجعله يريد أكثر.
— وماذا تفعل؟
— تحتفظ بالرسائل بلا حذف، وتخبر شخصًا بالغًا تثق به. هل لها أم أو معلمة؟
— أمها قد تضربها.
— إذن معلمة. أو نتحدث مع أحد بالغ يستطيع المساعدة. هل في مدرستكم مرشدة؟
— نعم. لكن نخاف منها.
— لماذا؟
— لأنها قد تبلّغ أهلنا.
فكّرت ليلى. كانت تعرف أن هذه هي العقدة: أن المجتمع المغلق يجعل المساعدة نفسها تهديدًا. فالمرشدة التي وُجدت لحماية البنت صارت، في عين البنت، فرعًا من سلطة البيت.
— سنجد طريقًا. لكن الليلة لا تفعلي شيئًا. فقط احتفظي بكل شيء.
نظرت سمى إليها بعينين ممتلئتين.
— لماذا تعرفين كل هذا؟
— لأنني مررتُ بشيء قريب.
— وماذا حدث؟
— قصة طويلة. سأحكيها لك لاحقًا. المهم الآن أن تعرفي: لستِ وحدك. ولا دانة.
أمسكت سمى بيدها فجأة، ولم تكن تعرف كيف تعبّر عن امتنانها، فاكتفت بأن قالت:
— أنتِ مثل أمي. لكن أكثر هدوءًا.
ابتسمت ليلى.
— هذا أجمل ما قيل لي.

الفصل الثالث والثلاثون: ما لم تقله الأم

في اليوم الرابع استيقظت حنان على صوت أمها تناديها.
كانت الشمس قد أشرقت. دخلت غرفة الجدّة فوجدتها جالسة على السرير بوشاحها الأبيض، وعلى الطاولة بجانبها كوب ماء لم تمسّه.
— أغلقي الباب.
أغلقته.
— اجلسي هنا.
جلست حنان على حافة السرير. كان وجه الأم متعبًا، لكن عينيها كانتا أصفى مما كانتا قبل أيام.
— حنان، أنا سأموت.
— ماما…
— لا، دعيني أتكلم. لا أخاف الموت. أخاف أن أموت دون أن أقول لك شيئًا.
— قولي.
— أنا ظلمتُك.
سكتت حنان. لم تكن تتوقع هذا.
— لم أظلمك بقسوة. ظلمتُك بصمت. زوّجتُك في العشرين وأنتِ تحبين الدراسة. قلتُ لنفسي إن هذا خير لك، وإن الرجل طيب. وكنتِ تبكين في الليلة الأخيرة، وأنا قلتُ لك: كل البنات يبكين.
— وهذا كان صحيحًا.
— لم يكن. كنتِ تبكين لأنك لا تريدين. لكنني لم أقل لك إنني أنا أيضًا بكيتُ يوم زواجي.
نظرت حنان إليها.
— أنتِ؟
— أنا. كان عمري ثمانية عشر عامًا. تزوجتُ أباك دون أن أراه إلا مرتين. قيل لي: هذا رجل صالح. وكان صالحًا. لم يرفع صوته عليّ مرة. لكنني لم أحبه قط.
جلست حنان بلا حركة. وهذه الجملة، حين تقولها أم في الرابعة والسبعين لابنتها، تهدم من الأسطورة أكثر مما تهدمه ألف رواية: أسطورة البيت الذي بُني على الحب، وهو في الحقيقة بُني على الاتفاق، وعاش عليه الجميع واجبًا جميلًا.
— وكان في حياتي رجل آخر.
قالتها بنبرة هادئة، كأنها تحكي عن شخص غريب.
— قبل أن أتزوج. اسمه سليم. ابن الجيران. كنا نتبادل النظرات من النافذة. مرة سلّم عليّ في الشارع وقال كلمة. ومرة وضع لي ورقة تحت الباب.
— وماذا قالت الورقة؟
— لا أذكر. لكنني أذكر أنني نمتُ تلك الليلة وأنا أبتسم.
ضحكت ضحكة ضعيفة.
— تزوجتُ. وهو تزوج. وعرفتُ أنه مات من سنتين. وأنا هنا في سريري ما زلت أتذكر ضحكته.
— أمي…
— لا تقولي شيئًا. لا أريد منك تعاطفًا. أريد أن أقول لك: لو عدتُ لتصرفتُ بشكل آخر. لا أدري كيف. لكنني كنتُ سأسأل نفسي: ماذا أريد؟
— ولماذا لم تسألي؟
— لأن لا أحد كان يسأل. وحين لا يسألك أحد تظنين أن السؤال محرّم.
صمتت. ثم قالت:
— وها أنا أسمع من ماجد وسهى أن ابنتك تعيش مع رجلها دون زواج.
— ليلى. وهذا شأنها.
— أعرف. ماجد قال لي غاضبًا. ولم أغضب أنا. قلتُ له: وماذا يعني؟ هل هو شاب جيد؟ فنظر إليّ مدهوشًا، لأنني لم أسأل «هل هو مسلم؟» بل «هل هو جيد؟».
ابتسمت حنان.
— وماذا قال؟
— قال: لا أعرف.
— وهو جيد.
— جدًّا.
— إذن هذا يكفيني.
انحنت حنان وقبّلت يدها.
— وهناك أمر آخر.
— قولي.
— جارنا أبو نبيل. أرمل مثلي. صار يأتي كل مساء ليسأل عن صحتي. وأعرف أنه يريد شيئًا آخر. ولم أقل له لا. ولم أقل نعم.
— وماذا تريدين؟
— لا أعرف. لكنني أنتظر كل مساء أن أسمع طرقته على الباب.
ضحكت حنان ودموعها تنزل.
— أمي! عمرك أربعة وسبعون!
— وهل يمنع العمر القلب؟ سمعتُ أن في ألمانيا امرأة في التاسعة والسبعين أحبّت رجلًا في الرابعة والثمانين.
— غيرترود. من أين عرفتِ؟
— ليلى حدّثتني عنها. وقلتُ لنفسي: لو أن امرأة غريبة في آخر الدنيا تفعل هذا، فلماذا أنتظر أنا الموت قبل أن أسمح لنفسي؟
— وماذا ستفعلين؟
— سأتحدث مع ماجد.
— وإن رفض؟
— عندها يكون ابني يرفض، وأنا امرأة تريد. وسنرى من ينتصر.
كانت هذه الجملة التي لم تتخيل حنان أن تسمعها من أمها قط. وكانت تعرف أيضًا أن من يحاول أن يرسم الحدود لا يملك بالضرورة السلطة على القلب.
وفي المساء دخل أبو نبيل بقميص مكوي وبيده علبة معمول.
كان في السادسة والسبعين، نحيل الجسد، بوجه طيب وعينين حذرتين. وقف عند الباب ينظر إلى الجدّة التي ارتدت أفضل وشاح عندها.
— أهلًا يا أبا نبيل.
— أهلًا بكِ يا أم ماجد. كيف صحتك اليوم؟
— أفضل.
— الحمد لله.
جلس قربها وناولها العلبة. ولم يتحدث أحد عن شيء. كانا يرشفان القهوة ويتحدثان عن الطقس والأسعار والأولاد.
وفي الخارج، خلف الباب، وقفت حنان وليلى تنظران إلى المشهد من الشقّ.
— ماما، همست ليلى، هل تعرفين ما أراه؟ أرى جدتي تضحك.
— نعم.
— وهذا يعني أنني كنتُ أخطئ. كنتُ أظن أن الجدّات لا يعشقن.
ابتسمت حنان.
— نحن لا نتوقف عن شيء. نتوقف فقط عن الاعتراف.

الفصل الرابع والثلاثون: لميس

جاءت لميس إلى رشا في اليوم السادس.
لم تعرفها رشا من أول نظرة. كانت لميس تلك الفتاة التي كتبت ورقة في الصف العاشر قبل عشر سنوات، وصارت الآن امرأة في السادسة والعشرين، بشعر مغطى بوشاح وردي، وعينين ما زالتا واسعتين، لكن فيهما شيئًا من التعب.
— أستاذة؟
— لميس! هل هذه أنتِ؟
— نعم.
— تعالي!
تعانقتا. وحين ابتعدت لميس رأت رشا أن عينيها تلمعان.
جلستا في الصالون الصغير. كان ماجد قد خرج إلى عمله، وسهى في المطبخ، وسمى في المدرسة.
— كيف حالك؟
— بخير.
— وأنا أعرف الجملة. «بخير» تعني أحيانًا العكس.
ابتسمت لميس بحزن.
— أنتِ ما زلتِ تقرئين وجوه الناس.
— قليلًا.
— تزوجتُ منذ سنة. من هشام. رجل طيب، مهندس، وأهله جيدون.
— وماذا؟
— لا أعرف كيف أقول.
— قولي بأي طريقة.
— في ليلة الزفاف… لم أستطع.
سكتت رشا.
— أقصد… لم أستطع أن…
وانقطعت الكلمات.
— لا تقولي أكثر. فهمتُ.
— لم يحدث شيء منذ سنة. كل مرة أنقبض وأبكي. وهو صبور. لكنه بدأ يسأل: هل هناك ما لا أعرفه؟ هل أحببتِ غيري؟ وأنا لا أعرف ماذا أجيب.
— هل أخبرتِ أحدًا؟
— أمي قالت: «الصبر يا بنتي، البنت تخاف في البداية». وحماتي قالت: «ربما لا تريدين ولدي». وأنا لا أعرف.
— لميس، متى تعلّمتِ شيئًا عن جسدك؟ عن ما يحدث بين الرجل والمرأة؟
— قبل الزواج بأسبوع.
— من؟
— أمي. قالت لي: «تحمّلي، وسيمرّ».
كانت رشا تعرف هذه الجملة. سمعتها قبل خمسة وعشرين عامًا من نساء كثيرات. وهي، كما يعلم من سمعها، أكثر الوصايا انتشارًا في تاريخ الأمهات، وأقلها نفعًا: وصيّة تُعدّ فيها الفتاة للحياة المشتركة كما يُعدّ المريض لعملية جراحية.
— هل ذهبتِ إلى طبيبة؟
— لا. أخاف.
— لماذا؟
— لأنني سأقول إنني لم أستطع، وسيعرف الجميع.
— الطبيبة لا تحكي لأحد. وهناك أطباء متخصصون في هذا، وما تصفينه شائع أكثر مما تتخيلين. جسدك لا يرفض زوجك. جسدك خائف. تعلّم الخوف أنه لا يجوز أن يرتاح.
— خائف مني؟
— من كل ما تعلّمتِه: أن هذا الأمر خطير، وأنه عيب، وأنه مؤلم، وأنه يجب أن تتحمليه. كل هذه الرسائل تصنع جدارًا صغيرًا حول الجسد.
دمعت لميس.
— وهل يُهدم؟
— نعم. لكن ببطء، وبلا خجل.
— وهشام؟
— هل يعرف أنك خائفة؟
— لا. يظنني أرفضه.
— فلتقولي له ما قلتِه لي. لا تقولي «أنا ضعيفة». قولي: «أنا خائفة، وأحتاج إلى مساعدة».
— وإن غضب؟
— قد يغضب. لكن غضبه سيكون أقلّ من خوفه. وإن كان رجلًا جيدًا فسيصغي.
صمتت لميس طويلًا.
— لماذا لم يعلّمنا أحد هذا؟
— لأن لا أحد علّمهم.
كتبت رشا اسمًا على ورقة صغيرة ومدّتها.
— هذا رقم طبيبة نساء أعرفها. وسأتصل بها بنفسي.
وحين غادرت لميس وقفت رشا عند النافذة تنظر إلى الشارع. لم تكن قد شرحت لها شيئًا كبيرًا. لكنها فكّرت في أن بين فتاة تكتب ورقة في الصف العاشر وامرأة تبكي في ليلة زفافها خيطًا واحدًا: أن لا أحد يتكلم. وأن العار، حين يُصنع في الصمت، يصير جسدًا.

الفصل الخامس والثلاثون: ما يفعله ماجد

لم تنم ليلى تلك الليلة.
كانت تفكّر في دانة، الفتاة التي لم ترها قط، وفي الولد الذي يحمل في هاتفه سلاحًا صغيرًا، وفي أنها لا تعرف كيف يعمل القانون هنا، ولا كيف تتصرف المرشدات، ولا كيف يستطيع غريب أن يتدخل في بيت ليس بيته.
في الصباح وجدت أمها في المطبخ تعدّ الشاي.
— ماما، أحتاج أن أحدّثك.
— قولي.
حكت لها كل شيء دون أن تذكر اسم الفتاة. واستمعت حنان بصمت، وحين انتهت ليلى وضعت الكأس.
— وما رأيك؟
— أريد أن أخبر خالي ماجد.
— لماذا هو؟
— لأن الأمر هنا لا يُحلّ بالقانون وحده. ولأنه رجل يُسمع كلامه في مجتمعه. ولأنني أعرف أنه تغيّر.
— وإن أخطأ؟
— عندها نكون قد جرّبنا.
فكّرت حنان.
— ليلى، أنت تعلمين أنك تضعين أمرًا في يد رجل قد يصرخ أو يعاقب أو يفضح.
— أعرف. لكن إن لم أجازف فسأكون كمن يترك الفتاة وحدها لأنه خائف من أن يخطئ.
نظرت إليها أمها بفخر لم تستطع إخفاءه.
— سأكون معك.
في الظهيرة جلسوا في الصالون: ليلى وحنان وماجد، وسهى واقفة عند الباب.
— لن أقول لك اسم الفتاة، بدأت ليلى بهدوء. لكنني أحتاج إلى مساعدتك.
— قولي.
— فتاة في مدرسة سمى، مراهقة، يهددها شاب بصورة خاصة. ويطلب منها أشياء.
اشتدّ وجه ماجد، وتخيّلت ليلى لحظة الانفجار. لكنه لم يصرخ.
— من هو الشاب؟
— لا أعرف إلا اسمه الأول: زياد. في السابعة عشرة، من الحي المجاور.
— والفتاة…
— لم تفعل شيئًا خطأ. من يهدّد هو من يخطئ.
سكت ماجد. كان يقرأ بعينيه كلمات غير مرئية على الحائط. ثم قال بصوت منخفض:
— هذا ما قاله لي أحد في العمل قبل سنوات: إن الفتاة التي تُهدَّد لا تُلام. ولم أصدّقه.
— وهل تصدّقه الآن؟
— أحاول.
— هل تعرف أهل زياد؟
— إن كان من الحي المجاور فأعرف أباه. موظف في دائرتنا. رجل جيد في عمله، صارم في بيته.
— ماجد، قالت حنان بحذر، هل ستذهب إليه؟
— نعم. لكنني لا أريد أن أؤذي الفتاة، ولا أن يعرف الحي. فهل هذا ممكن؟
— ممكن. ولهذا نسألك.
وضعت ليلى هاتفها على الطاولة.
— لدينا خطوات: لا ندفع له ولا نرسل شيئًا. نحتفظ بكل الرسائل. نتصل بأبيه بهدوء، دون اتهام شخصي ولا فضائح. نقول له: «ابنك فعل شيئًا خطيرًا وأنت المسؤول عن إيقافه». وإن لم يتوقف فهناك جهة مختصة تتلقى هذه الشكاوى.
— هل هي موجودة هنا؟
— نعم. بحثتُ عنها الليلة.
— إذن سأتصل بأبيه الليلة.
— وسهى؟ قالت ليلى فجأة. هل يمكنها أن تتصل بأم الفتاة؟ بصوت امرأة. أظن أن الأم تحتاج أن تسمع أن ابنتها ليست متهمة.
التفت ماجد إلى زوجته. كانت عيناها تلمعان.
— افعلي.
— أنا؟
— أنتِ تعرفين كيف تتكلمين معهن.
كانت جملة بسيطة. لكن سهى، التي عاشت خمسة عشر عامًا لا تُستشار في شيء، وقفت مذهولة.
— سأفعل.
في المساء جلس ماجد في غرفة جانبية واتصل بأبي زياد، وعلى وجهه حذر. لم تسمع ليلى تفاصيل الحوار، لكنها رأته يخرج بعد نصف ساعة متعب الملامح.
— ماذا قال؟
— في البداية دافع عن ابنه. قال إنه ولد وإنهم كلهم هكذا. ثم قلتُ له: «لو كانت هذه ابنتك؟». وسكت.
— وبعد؟
— سألني: ماذا تريد؟ قلتُ: أن تأخذ هاتفه وتحذف كل شيء وتتحدث معه وتعتذر لأهل الفتاة دون أن تقول الاسم. وإلا فسأقدّم شكوى.
— وقبل؟
— طلب ساعة. وبعدها اتصل. قال إنه أخذ الهاتف وإنه ضرب ابنه…
— ماجد!
— نعم. لكنني قلتُ له: لا تضربه. هذا لن يعلّمه شيئًا. اجلس معه فقط وقل له لماذا هذا خطأ.
نظرت ليلى إليه بدهشة.
— وهل سمع؟
— لا أعرف. لكنه قال: «أنت أول من قال لي هذا».
جلس ماجد يفرك وجهه براحتيه.
— ليلى، لا أعرف كيف تعلمتِ هذه الأشياء. لكنني أعرف أنني كنتُ سأضرب الولد بنفسي لو لم تكوني هنا.
— وأنت اخترتَ ألّا تفعل.
— لأنك قلتِ إن الضرب لا يمحو الخوف، وإنما ينقله.
وأضاف بصوت أبطأ:
— كما نقلتُه أنا إلى رشا.
لم تقل ليلى شيئًا. وكانت تعرف أن أفضل ما تفعله هو أن تدع الجملة معلّقة في الهواء، كأنها اعتراف لا يحتاج إلى ردّ.
وفي تلك الليلة نفسها لم يكن البصل في مطبخ سهى هو السبب.
لا أحد يسمع ما تقوله المرأة وهي تقطّع البصل. تقف سهى أمام المنضدة وتقطّع والدموع تنزل بلا حرج، وهذا أفضل ما في الأمر: أنها تستطيع أن تبكي دون أن يسألها أحد. وفي الغرفة الأخرى ماجد يشاهد الأخبار، وسمى تذاكر، وأم ماجد تغفو.
— لماذا تبكين؟ سألت نفسها.
— البصل.
— وإلا؟
— وإلا لا شيء.
— كاذبة.
وضعت السكين. أمام النافذة الصغيرة كان الحيّ نائمًا.
متى كانت آخر مرة قال لها أحد «شكرًا»؟ قبل ثلاثة أيام، حين قدّمت له الشاي. وهل كان يعني؟ لا. كان يقولها كما يقول «صباح الخير». وهي؟ هل كانت تعني حين قالت «تفضّل»؟ ربما كانت تقولها لأنها لا تعرف ماذا تقول. وكانت هذه الجملة أصدق ما سمعته.
خمسة عشر عامًا في هذا المطبخ، تعدّ وتنظّف وتضع الصحون، وتسمع الجدّة تتذمر، وماجد يشتكي، وسمى تطلب. ولا أحد يسأل: ماذا تريدين؟ وهي لا تسأل نفسها لأنها تخاف الجواب: أنها لا تريد هذا. وضعت يدها على فمها. لم تكن قد قالتها من قبل، ولا في رأسها.
وليست تكره ماجد. هو رجل طيب ولم يضربها. لكنه لم يسمعها. وهل يكفي هذا لتكرهه؟ لا. لكنه يكفي لتبكي.
ومسحت وجهها بكمّها. لقد قالت له يومًا: «ستعلّم سمى أن الحب يُضرب عليه». لم تعرف من أين خرجت الجملة؛ شيء في داخلها انفجر. ونظر إليها لأول مرة منذ سنوات. ورأت أنه خائف. وهي أيضًا. وهذا حدّ مشترك.
عادت إلى البصل وبدأت تقطّع بهدوء. ما الذي تحتاجه؟ أن تُسأل. أن يسألها ماجد ماذا تفكر وماذا تريد، حتى لو كان الجواب «لا أعرف». ولماذا لا تقولها له؟ لأنها تخجل، ولأن أمها قالت لها: «المرأة التي تطلب كثيرًا تُترك». والتي لا تطلب؟ تُنسى. وأيهما أسوأ؟ النسيان.
غسلت يديها. غدًا ستقول له: «ماجد، أحتاج أن نتحدث». وإن لم يسمع؟ ستقولها مرة أخرى. وإن لم يسمع؟ عندها تعرف. وكانت هذه أول مرة تقرر فيها أن تفتح حدًّا جديدًا: الحدّ الذي بين أن تحتمل وأن تقول.
وسمعت خطوات خلفها. كان ماجد يقف عند باب المطبخ بقميص النوم وفي يده كوب فارغ.
— سهى؟
— نعم.
— هل أنتِ بخير؟
لم تعرف ماذا ترد. لم يسألها هذا منذ ثلاثة عشر عامًا.
— بخير.
— لا. لا يبدو.
— أنا… أحتاج أن أتحدث.
— الآن؟
— إن كان عندك وقت.
وضع الكوب على الطاولة.
— نعم. اجلسي.
جلست وجلس. وكانت هذه أول مرة منذ زمن بعيد يجلس فيها اثنان في مطبخ دون أن يكون أحدهما يطلب شيئًا.
وبعد أسبوع جاءت سمى تقفز على قدميها:
— دانة بخير. لقد اعتذر لها زياد وحذف كل شيء أمام أمها. وأمها لم تضربها.
— أنا سعيدة.
— وتقول لك: شكرًا.
— أنا لم أفعل شيئًا. خالك هو من فعل.
— لا. أنتِ كنتِ أول من قال لي ما أفعل.
نظرت ليلى إلى الفتاة فرأت فيها نفسها قبل عشر سنوات: العينان الواسعتان والرغبة في أن تصدّق أن العالم يمكن أن يكون آمنًا. وفكّرت أن ما كان سرًّا خانقًا في فالدبرغ يمكن أن يتحول إلى حماية جماعية في مدينة عربية، إن وُجد فيها رجل يعرف أن يصغي، وامرأة يُسمح لها بالكلام.

الفصل السادس والثلاثون: المحل المغلق

في اليوم الثاني عشر قرّرت رشا أن تمشي إلى المحل.
لم تخبر أحدًا. لبست معطفها ونزلت إلى الشارع، وسارت بين البيوت التي حفظتها حجرًا حجرًا، حتى وصلت إلى الزاوية التي ظلّت تمرّ بها في ذاكرتها منذ أحد عشر عامًا. كان المحل كما رأته من السيارة يوم وصولهم: ستارة معدنية صدئة ولافتة باهتة وزجاج مغبرّ.
وقفت أمامه. لم يكن لها هدف. أرادت فقط أن تقف.
— هل تبحثين عن شيء؟
التفتت. كان رجل في الرابعة والأربعين يقف عند الباب المجاور، بسترة كحلية وشعر مشيب عند الصدغين، وفي يده مفتاح. ظلّت تنظر إليه، ثم قالت بصوت لا تعرفه:
— فادي؟
— رشا.
لم يقل «أستاذة» كما كان يقول في الرسائل. قالها باسمها المجرّد، كأنه لم يعد في بداية أي شيء.
— ماذا تفعل هنا؟
— عدتُ منذ يومين. أبيع المحل. صاحب المحل المجاور اشتراه مني بسعر زهيد. أخذتُ المفاتيح اليوم.
— أنا… كنتُ أمرّ.
— رأيتكِ من الشباك. تقفين منذ عشر دقائق.
— لم أنتبه.
ابتسم.
— هل تريدين أن تدخلي؟
— هل يصح؟
— إنه آخر يوم له.
فتح الستارة ببطء فارتفعت بصرير طويل. كان المحل صغيرًا، فارغًا إلا من رفوف خشبية وآثار أقلام وأوراق قديمة على الأرض. ودخلا.
وقف فادي في الوسط ينظر حوله.
— لا شيء تغيّر. وكل شيء تغيّر.
— كيف حالك؟
— بخير. تزوجتُ منذ سبع سنوات. لي ولدان.
— ما اسماهما؟
— أنس وكنان.
— جميل.
— وأنتِ؟
— لم أتزوج.
— أعرف. أختي كتبت لي من هنا. قالت إنك معلمة في ألمانيا.
— أدرّس في الجامعة.
— أحسنتِ.
وصمتا. لم يكن في الصمت عداوة ولا ندم كبير. كان صمت من يقف أمام نهر عاد إلى مجراه بعد جفاف طويل.
— رشا، قال أخيرًا. هل تحمّلتِ؟
— ماذا؟
— ماجد، والأيام. بعدي.
— وأنت؟
— أنا سافرتُ. وكان ذلك أسهل. أنتِ بقيتِ.
— وأنا أيضًا سافرتُ، بعد ذلك بسنتين. لكنني بقيتُ هنا في البيت قبلها، ورأيتُ ما رأيت.
أخذت نفسًا.
— نعم. وكان صعبًا. لكنني لا أريد أن أحمّل أحدًا مسؤولية ما حدث، لا أنت ولا ماجد. كنا جميعًا نتحرك داخل جدران لم نبنِها.
— وأنا كنتُ أظن أنكِ ستكرهينني.
— لم أكرهك. كنتُ أنتظر أن أفهم.
— وفهمتِ؟
— جزئيًّا: أنك لم تفعل شيئًا خاطئًا، وأنني لم أفعل، وأن العالم هو الذي لم يكن مستعدًّا.
فتح فادي جيب سترته وأخرج ورقة صغيرة مطويّة.
— هذه لكِ.
— ما هذه؟
— آخر رسالة. نسختُها بخط يدي بعد أن كُسر هاتفك. كنتُ أحتفظ بها، وظننتُ أنني أعطيك إياها يومًا، ولم أعرف كيف.
أخذتها بيد مرتجفة وفتحتها.
«لا أعرف ما أنتِ لي. لكنني أعرف أنني أصبحت أنتظر المساء.»
قرأت الجملة، ثم قرأتها مرة ثانية. وفي تلك اللحظة لم يكن في عينيها حنين. كان شيئًا أغرب وأهدأ: امتنان لأن أحدًا فكّر فيها بهذه الطريقة، وإن لم يكتمل الأمر.
— شكرًا.
— وأنا أعتذر.
— عن ماذا؟
— عن أنني لم أحارب أكثر.
— لم يكن بإمكانك.
— ربما. لكنني أحيانًا أفكّر: لو أنني كنتُ أملك ثمن شقة، أو لو أنني كنتُ بلا أختين، كيف كانت الأمور ستجري.
— لا نعرف.
— وليس علينا.
ابتسمت.
— هذه جملة تتردد كثيرًا في حياتي هذه الأيام.
وقفا قليلًا في المحل الصامت. ثم قال:
— سمعتُ أن أمك مريضة.
— نعم.
— سلّمي عليها. وقولي لها إنني أعتذر عن غيابي.
— ستُسَرّ.
— وإن شئتِ أن نبقى على اتصال، بصفة أصدقاء…
— لا.
قالتها بلطف.
— لماذا؟
— لأنني لا أريد أن أفتح بابًا قد يؤذي زوجتك أو يؤذيني. ولأن بعض القصص تُغلق جيدًا إذا لم نحاول إطالتها.
أومأ.
— أفهم.
— لكنني سعيدة أنك قلتَ ما قلت.
مدّ يده فصافحته. وخرجت من المحل إلى ضوء الشتاء والورقة في جيبها.
مشت في الشارع الضيق وهي تفكّر أن الإنسان لا يصل دائمًا إلى ما يريد. لكنه يصل أحيانًا إلى ما يحتاج: أن يسمع، بعد سنوات، أن شيئًا ما كان حقيقيًّا.

الفصل السابع والثلاثون: طريق المقبرة

كانت تعرف أنها الليلة الأخيرة.
لا لأنها قالت ذلك لأحد، لكن شيئًا في جسدها صار خفيفًا، كأنه يتهيأ لسفر. استلقت أم ماجد على السرير وعيناها مفتوحتان، وفي الغرفة ضوء مصباح صغير، ورائحة الورد الذي جلبه أبو نبيل ما زالت في الهواء.
كان في داخلها صوتان يتحاوران، كما يتحاور كل إنسان في ليلته الأخيرة. سأل الأول: هل تخافين؟ فقالت: لا. ولا قليلًا؟ قليلًا. ممّ؟ ألّا أكون قد قلتُ ما يكفي. لمن؟ لحنان، ولرشا، ولماجد. وماذا لم تقولي؟ أنني أحبهم.
قلتُها، أجاب الصوت. لا، قالت، قلتُ ما يشبهها: «هل أكلتَ؟»، «لماذا أنتِ متعبة؟»، «ارتدِ معطفك». لكنني لم أقل الجملة. ولماذا؟ لأنها لم تُقَل في بيتنا قط. ولماذا لم تُقَل؟ لأن أمي لم تقلها لي.
ضحكت بصوت واهن. سلسلة من الصمت: كل أمٍّ تسلّم ابنتها صمتها كما تسلّمها خاتمًا.
أغمضت عينيها. وسألت نفسها إن كانت خائنة، لزوجها، لأنها حتى في هذه الليلة تفكّر في سليم. وهل يضرّها هذا؟ لا. وهل يضرّه؟ هو ميت. وهل يضرّ أبا ماجد؟ هو أيضًا ميت. إذن لا أحد يتضرر. لكنها تخجل. لماذا؟ لأنها امرأة في الرابعة والسبعين وتفكّر في الحب. وهل يعرف الحب العمر؟ لا. وهل يعرفه الله؟ لا أظن.
كان في الغرفة صمت جميل. وفكّرت في أبي نبيل وفي الطرقة التي تنتظرها كل مساء. لم يلمسها قط بأكثر من يد على يد. لكن لمسة كهذه كانت تكفي أن تعيد إليها شعورًا نسيته: أن أحدًا يراها. وماذا لو قالت له الليلة إنها تحبه؟ لا تستطيع. لماذا؟ لأن الوقت متأخر. وهل الوقت يمنع؟ لا. إذن لماذا تخاف؟ لأنها لم تفعل هذا من قبل.
وسمعت خطوات في الصالة، وطرقة خفيفة على الباب الخارجي. كان هو. لم تكن قد توقعته في هذه الساعة.
— أم ماجد؟ همس من وراء الباب. كنتُ أمرّ فقط. هل أنتِ بخير؟
ابتسمت.
— ادخل.
دخل بقميصه الأبيض وبيده كيس صغير فيه عنب، وجلس إلى جانب السرير.
— لم تنامي.
— لا.
— هل تحتاجين شيئًا؟
— أحتاج أن أقول لك شيئًا.
— قولي.
— لا أعرف كيف.
— ابدئي بأي شيء.
نظرت إليه، إلى وجهه الطيب المتعب، ويده التي مدّها ببطء إلى يدها.
— شكرًا.
— على ماذا؟
— على أنك أتيتَ كل مساء.
— أنا من يشكرك.
— لماذا؟
— لأنني قبل أن آتي إلى هنا لم أكن أنتظر شيئًا.
لم يقل أحدهما كلمة حب. لكن الأيدي بقيت متشابكة في الضوء الخافت، والليل يمرّ خفيفًا فوقهما كغطاء. وحين نام أبو نبيل على الكرسي وهو ممسك بيدها نظرت إلى السقف.
— هل سمعتِ؟ سألت الصوت. قلتُها.
— لم تقوليها.
— لا. لكنني شعرتُ بها.
— وهذا يكفي؟
— نعم.
وضعت رأسها على الوسادة وعيناها نصف مغمضتين. لم تكن خائفة. كانت فقط تنتظر، كما تنتظر امرأة قطارًا تعرف أنه سيأتي.
وفي الفجر ترك أبو نبيل يدها برفق، وعاد إلى بيته.
ثم ماتت الجدة في ليلة بدأ فيها المطر، قبل أن يصحو أحد.
لم تكن ميتة مأساوية. فقد عاشت أربعة وسبعين عامًا، وقبل موتها بأيام عادت إلى جلستها المفضلة وأكلت التمر الذي يحبه أبو نبيل، وسمعت رشا وهي تقرأ لها من كتاب قديم. وفي الصباح وجدتها سهى هادئة على السرير، يداها على صدرها ووجهها مرتاح كطفلة نامت.
بكى الجميع. حتى ماجد الذي لا يبكي جلس على حافة الفراش ووضع رأسه بين يديه وبكى، كما بكى وهو في الخامسة والعشرين يوم مات أبوه.
وفي المساء جاء الجيران والأقارب. اجتمع الرجال في الصالون الكبير والنساء في الغرفة الداخلية، حسب العادة. وفي الصباح التالي جاء الشيخ ليرتّب الجنازة.
— سنخرج بعد الظهر، قال. الرجال إلى المقبرة، والنساء في البيت.
— أنا أريد أن أذهب، قالت حنان.
التفت إليها الجميع.
— لا يُعرف عن النساء أنهن يذهبن إلى المقبرة، قال أحد الأعمام.
— أعرف.
— وهذا من العادات.
— أعرف. لكن هذه أمي. وعشتُ عشرين سنة بعيدة عنها. ولا أريد أن أودّعها من خلف جدار.
ساد صمت ثقيل. نظر الشيخ إلى ماجد.
كان ماجد واقفًا في الزاوية ووجهه لا يُقرأ. نظر إلى أخته، ثم إلى الشيخ، ثم إلى الأرض.
— يا شيخ، قال أخيرًا، أنا لا أفتي. لكنني أعرف أن أمي لم تقل يومًا إنها تمنع بناتها. وأنا لن أمنع أختي.
— لكن الناس…
— لا تعنيني الناس.
لم يكن ماجد قد قالها من قبل، لا في عمر من الغضب والخوف والشرف.
— أنا أسوق السيارة. وستأتي حنان وليلى ورشا. ولن يدخلن المقبرة إن لم ترد العادة، لكنهن سيقفن عند بوابتها. وسنودّعها معًا.
— هذا ما تريده؟ سأل الشيخ بارتباك.
— هذا ما أراه عدلًا.
في الظهيرة وبعد الصلاة حُملت الجنازة بين أيدي الرجال، ومشت النساء خلفها بفاصل صغير: حنان في المقدمة وإلى جانبها ليلى ورشا، وسهى خلفهنّ، وسمى متماسكة بالأيدي. بدأ بعض الجيران يهمسون، لكن أحدًا لم يعترض.
عند باب المقبرة توقفن كما اتُّفق. وقف الرجال في الداخل وحملوا الجثمان نحو الحفرة، وبقيت النساء عند الحديد.
كانت حنان تمسك القضبان بكفّيها وتراقب من بعيد. رأت المكان الذي كانت تلهو فيه صغيرة، والأرض الحمراء، والأشجار المقطوعة، ورأت أخاها ينحني ويضع التراب بنفسه.
وفي الجانب البعيد وقف رجل نحيل بمعطف قديم ومنديل أبيض في يده. كان أبو نبيل. لم يقترب أحد منه. وقف وحده وانحنى كتفاه ودموعه تنزل بلا صوت.
رآه ماجد من بعيد. ترك التراب وسار إليه ببطء في صمت الناس. وحين وصل وقف أمامه لحظة. لم يقل شيئًا. ثم مدّ يده وصافحه، وبقيت يداهما متعانقتين طويلًا. همس أبو نبيل بشيء لم يسمعه أحد، فهزّ ماجد رأسه وأمسك بذراعه وساروا معًا نحو القبر.
وكان هذا أبلغ ما قيل في ذلك اليوم: أن رجلًا قرّر ألّا يترك رجلًا آخر يحزن وحده، لأن الحزن لا يعرف عمرًا ولا مرتبة ولا إذنًا من المجتمع.
بعد الدفن، وحين عاد الرجال إلى البيت، ظلّت حنان واقفة عند باب المقبرة.
— ماما، قالت ليلى. هيا.
— لحظة.
— هل تريدين شيئًا؟
— أريد أن أحفظ هذا المكان.
— سنعود.
— نعم. لكنني لن أعود وأنا خائفة.
نظرت إلى الأرض الحمراء ثم همست بصوت لا يسمعه سواها:
— شكرًا يا أمي. على كل ما قلتِ. وعلى كل ما لم تقوليه.

الفصل الثامن والثلاثون: رسالة تحت الوسادة

في اليوم الأخير، وبينما كانت حنان تجمع ملابسها في الغرفة الصغيرة، دخلت سهى بخطى مترددة.
— أم ليلى…
— نعم؟
— وجدتُ هذا تحت وسادة الحاجّة.
أعطتها ظرفًا قديمًا مكتوبًا عليه بخط مرتعش: «إلى حنان».
أخذته حنان بيدين ثقيلتين.
— متى كتبَتْه؟
— لا أعرف. لكنها طلبت مني قبل أسبوعين ورقًا وقلمًا.
جلست حنان على السرير وفتحت الظرف. كانت الورقة صفحة واحدة بخط متعرّج وعبارات قصيرة:
«حنان يا ابنتي،
إن كنتِ تقرئين هذا فأنا قد ارتحتُ.
لا أطلب منك المغفرة، لأنني لا أعرف إن كنتُ أستحقها. أطلب منك أن تعيشي. كل ما فاتني أنا أن أفعله، افعليه أنتِ، ولا تنتظري إذن أحد.
وقولي لليلى إن جدتها أحبتها أكثر مما استطاعت أن تقول. وقولي لرشا إن العصافير لا تحتاج إلى قفص كي تُحَب. وقولي لماجد إنه ابن جيد، وإن الخوف ليس عيبًا، لكن العيب أن نورّثه.
وسلّمي لي على سمير. هو رجل طيب. لكنني أريدك أن تتأكدي أن طيبته لا تكفي إن لم يتعلم أن يسمع.
أمك.»
قرأتها حنان مرتين. ثم وضعت الورقة على صدرها وبكت بصمت.
وفي المطار وقف ماجد بجانبها وفي عينيه ما لا يُقال.
— حنان.
— نعم.
— هل ستعودين؟
— نعم. وربما في الصيف.
— سنكون بانتظارك.
— وسهى أيضًا؟
— وسهى. وسمى. وكل من تريدين.
لمست ذراعه.
— ماجد، أنت لستَ الرجل الذي كنتَه منذ عشر سنوات.
— أنا ما زلتُ أخاف.
— لكنك تعلّمتَ ألّا تجعل الخوف قانونًا.
لم يردّ. اكتفى بأن ضمّها ضمّة قصيرة لم يستعمل فيها كلمات.
وبعد ذلك، حين كانت الطائرة ترتفع في الليل البارد، أسندت حنان رأسها إلى الزجاج مرة أخرى، لكنها هذه المرة لم تكن ترتجف. جلست ليلى بجانبها، ورشا خلفهما وفي يدها ورقة صغيرة تقرؤها وتبتسم.
— ماما، همست ليلى.
— نعم؟
— هل ستعودين لتعيشي هنا يومًا؟
— لا.
— لماذا؟
— لأنني لم أعد أنتمي إلى مكان واحد. لكنني لم أعد أخاف من أي مكان.
— وأنا؟
— أنتِ ستنتمين إلى حيث تحمين الناس.
نظرت ليلى من النافذة إلى الظلام تحتهما، حيث تلمع مدينة عربية صغيرة كنقطة ضوء ثم تختفي. وفكّرت أن الحدود ليست خطوطًا بين البلدان. هي خطوط داخل البيوت وداخل الصدور، وأن الذين يمحونها لا يمحونها بالقوة، بل بالجلوس معًا، وبالسؤال، وبإعادة الرسم بشكل أوسع قليلًا، حتى يتسع المكان للجميع.
انتهت الرحلة، لكن الأسئلة ما زالت تسير. قد نغادر مدينة ونعود إليها بعد عشرين عامًا فنجد أن الناس أقل قسوة مما تخيّلنا، وأن البيوت المغلقة لها نوافذ صغيرة، وأن الأمهات يخبّئن تحت الوسائد ما لم يستطعن قوله. وما أودّ قوله هنا بسيط: ليست المشكلة في أن مجتمعًا مفتوح وآخر مغلق. المشكلة في أن يظن كل منا أن الشجاعة تأتي من الجهة الأخرى. الشجاعة تأتي حين يقرّر إنسان، في أي مكان، أن يجلس أمام ابنته أو أخته أو أمه ويسألها: «ماذا تريدين؟»، ثم يصغي إلى الجواب.
الكتاب السادس: الوعود
وعدت كل شخصية نفسها في العتمة بشيء: «غدًا أقول». «غدًا أسأل». «غدًا لن أفتح الرسالة».
لكن الوعود التي تُقطع في الليل تلقى في الصباح ما لا يشبهها: ضوءًا قاسيًا، وناسًا حقيقيين، وجسدًا يخون الخطة. فالغد لا يأتي كما وُعد. يأتي أبطأ، أو أغرب، أو أصغر مما تخيّلنا، وفي أحيان كثيرة أجمل.
وفصول هذا الكتاب تتحرك بين أزمنة الكتب السابقة، فكل فصل منها يبدأ من وعد ويمضي إلى ما بعده، دون ترتيب زمني صارم. وأنا في هذه الصفحات أتتبّع الوعود: بعضها يُنجَز، وبعضها يتعثر، وبعضها يتغيّر في الطريق إلى شيء لم يكن في الحسبان. ولن أحكم على أحد. سأقف إلى جانبهم وهم يحاولون.

الفصل التاسع والثلاثون: هل تعبتِ؟

استغرق الأمر شهرين.
لم يكن سمير يستطيع أن يقول الجملة مباشرة. كان يمرّ بالمطبخ ويفتح الثلاجة ويغلقها. يجلس أمام التلفاز ويطفئه. يحمل الكوب ويضعه. وهذه حال الرجال الذين يتعلمون لغة جديدة في الخمسين: يدورون حول الكلمة كما يدور المرء حول بركة لا يعرف عمقها.
وفي مساء من مساءات أيار، بعد جلسة الإرشاد الأسرية الثامنة، جلس بجانب حنان على الكنبة وقال دون أن ينظر إليها:
— هل تعبتِ اليوم؟
رفعت رأسها عن الكتاب.
— ماذا؟
— قلتُ: هل تعبتِ اليوم؟
نظرت إليه. كان وجهه محمرًّا، ويداه معقودتين بين ركبتيه كتلميذ ينتظر درجة.
— نعم.
— كم؟
— كثيرًا.
— لماذا؟
— الغرف كانت كثيرة. وفي الغرفة ٤١٢ كان نزيل سكران أسقط الزجاجة على السجادة. وأنت لم تسألني منذ شهر.
— أنا أسأل الآن.
— هذا صحيح.
تنفّس بعمق.
— وأنتِ؟ هل تسألين أنتِ؟
— هل تعبتَ؟
— نعم.
— كم؟
— كثيرًا. القيادة. الطرق. المدير يضغط. وأنا…
توقف.
— وأنت؟
— وأنا كنتُ أريد أن أقول لك شيئًا منذ زمن.
— قل.
— لا أعرف كيف.
— كما تستطيع.
— أنا… اشتقتُ إليك.
لم تفهم في البداية.
— نحن في البيت نفسه.
— أعرف. لكنني اشتقتُ إلى حنان التي لم أعرفها قط. وأخاف ألّا أستطيع.
مرّت لحظة صمت. ثم ضحكت ضحكة صغيرة قصيرة حقيقية.
— لماذا تضحكين؟
— لأنني أخاف مثلك.
— أنتِ؟
— نعم. منذ سنوات أنظر إلى جسدي وأقول: ماذا يريد أحد من هذا؟
— أنا.
— لا تقل هذا لتجاملني.
— لا أجاملك. أنا لا أعرف المجاملة.
وكان هذا صحيحًا. ضحكا معًا.
تلك الليلة لم يحدث شيء درامي. لكن سمير وضع يده على يدها بتردد، كمن يلمس ورقة قد تحترق، ولم تسحب يدها.
وبعد أسبوع، في ليلة هادئة، أطفأ الضوء وقال:
— هل يمكنني أن أقترب؟
— نعم.
— هل تريدين؟
— نعم.
— وإن لم تعجبك الأمور؟
— سأقول.
وكان هذا أغرب شيء في عشرين سنة: أن يسأل رجل زوجته قبل أن يلمسها. أن يقول: «هل هذا مناسب؟». أن يصغي إلى الجواب. وهنا يتوقف الكاتب ليقول شيئًا لا يُقال في الأسر المحترمة: إن أكثر الأزواج الذين ناموا في سرير واحد عشرين سنة لم يتحدثوا قط عن السرير، فعاش الجسدان جارين مهذبين لا يطرقان بابًا.
لم يكن الأمر سهلًا. كان فيه ارتباك وضحك مفاجئ وصمت وتردد. كان فيه جسدان اعتادا ألفة بلا حوار، يتعلمان الآن حوارًا بلا ألفة. وفي لحظة قالت حنان همسًا:
— أنا خائفة.
توقف.
— من ماذا؟
— لا أعرف. كأنني في السادسة عشرة.
— وأنا كأنني لا أعرف شيئًا.
— لا بأس.
— هل نتوقف؟
— لا. فقط… تمهّل.
فتمهّل. وكان في تمهّله صدق لم تعرفه منه، وفيه حنان لم يكن يعلم أنه يملكه.
وحين انتهى كل شيء استلقيا صامتين في الظلام.
— هل كان… مناسبًا؟ سأل بصوت منخفض.
— كان مختلفًا.
— هل هذا جيد؟
— نعم.
— حقًّا؟
— حقًّا.
أمسك بيدها.
— حنان، قال بعد قليل، أنا لا أعرف إن كنتُ أحبك كما يجب. لكنني أعرف أنني أريد أن أتعلّم.
— وأنا أيضًا.
— وإن فشلنا؟
— عندها نفشل معًا.
كانت جملة بلا قوة ولا رومانسية. لكنها كانت أول مرة تسمعها منه تُقال لا كحكم بل كعهد. ونامت وهي تفكّر أن الحب، بعد عشرين سنة، قد لا يأتي كاندفاع. قد يأتي كإذن: أن يسمح كل منا للآخر بأن يقترب وبأن يتراجع. وأن كل ما قبل ذلك كان تمهيدًا.

الفصل الأربعون: كل شيء

جلست ليلى على الأريكة وجونس أمامها، وبينهما فنجانان من الشاي لم يمسّهما أحد.
كانت قد تدرّبت على الكلام طوال النهار: في السيارة، وفي المركز، وبين ملفين. وكلما حاولت أن تختصر قالت لنفسها: «لا. كل شيء».
— جونس، سأقول لك ما كنتُ أخفيه.
— لستِ مضطرة.
— أنا مضطرة. أنا أريد.
— حسنًا.
أخذت نفسًا.
— حين سألتني إن كنتُ أريد الزواج شعرتُ بأنني خائفة. ليس منك. من نفسي. من أنني قد أقول «نعم» لأن الجميع ينتظرها. ومن أنني قد لا أعرف كيف أُحَبّ دون أن أنتظر الخدعة.
كان وجهه ثابتًا.
— حين كنتُ في السادسة عشرة حدث لي شيء. تعرف. مارك. قلتُ لك إنه انتهى، وهذا صحيح. لكنه ترك فيّ شيئًا. كأن في داخلي جهاز إنذار لا يتوقف. أي لطف صار مشبوهًا. وأنت لطيف. وأنت ثابت. وأنا أنتظر كل يوم أن يظهر الوجه الآخر.
— وهل ظهر؟
— لا.
— هل تتألمين من ذلك؟
— لا أعرف. ربما أتألم لأنني لا أصدّق السلام.
صمت جونس. وفي الصمت كان يحاول أن يفهم، لا أن يدافع.
— ليلى.
— نعم.
— هل أستطيع أن أقول شيئًا؟
— طبعًا.
— أنا شعرتُ بذلك.
— بماذا؟
— أنك تنتظرين. كل مرة أمدّ يدي إليك بحنان أرى أنك تتحفّزين لحظة. لا تُظهرين، لكنني أرى.
— وماذا فعلتَ؟
— لم أقل شيئًا. لم أرد أن أُشعرك أنني أراقبك.
— كنتَ تعرف؟
— نعم.
— لماذا لم تخبرني؟
— لأنني خفتُ أن أكون جزءًا من الأعراض.
ضحكت بدموع.
— أنت أذكى مما أحسب.
— لا. أنا فقط أحبك.
— هذه أخطر جملة.
— لماذا؟
— لأنني أصدّقها الآن.
أمسك بيدها.
— ليلى، لا أطلب جوابًا الليلة، ولا غدًا. أنا فقط أريد أن أبقى.
— وماذا لو لم أكن أستطيع أن أعدك بشيء؟
— لا أطلب وعدًا.
— وماذا لو بقيتُ هكذا؟
— هكذا؟
— خائفة.
— وأنا سأبقى حين تخافين.
— وماذا لو خفتُ دائمًا؟
— عندها نخاف معًا. وأنا أعرف شيئًا عن الخوف.
— ماذا؟
— أنني كنتُ خائفًا منذ كنتُ في السادسة عشرة، حين انتظرتُ على سلّم المحكمة. وكنتُ أقول لنفسي: ماذا لو كرهتني؟ وماذا لو لم تنظري إليّ ثانية؟
— وأنا نظرتُ.
— ونظرتِ.
ابتسما.
— إذن لا أقول «نعم» الآن، قالت ليلى. ولا أقول «لا». أقول: «ليس بعد».
— وهذا جواب كامل.
— حقًّا؟
— طبعًا. أنا أفضّل «ليس بعد» الصادقة على «نعم» الخائفة.
مدّت يدها ولمست وجهه.
— هل تعرف ما الذي يفاجئني؟
— ماذا؟
— أنني وأنا أخبرك بكل هذا لم أشعر بالعار. كنتُ أظن أنني سأشعر.
— لأن لا عار فيه.
— لا. لكن هكذا علّموني.
— من؟
— كل شيء: الصمت، والتجارب. وأنا الآن أعلّم الفتيات العكس ولم أطبّقه على نفسي.
— وها قد طبّقتِه.
— نعم. للتو.
أسندت رأسها إلى كتفه. وفي تلك اللحظة لم يكن بينهما وعد ولا خاتم ولا تاريخ. كان بينهما شيء أثمن: أن يعرف كل منهما أن بوسعه أن يخاف في حضور الآخر دون أن يُحاسَب.
وفي الصباح التالي أعدّ جونس الشاي كالمعتاد، ولم يسألها شيئًا. فقط وضع الكوب أمامها وقال:
— صباح الخير.
نظرت ليلى إلى الكوب ثم إليه، وفكّرت أن أكثر ما كانت تحتاجه هو هذا بالضبط: أن يبقى اليوم الجديد عاديًا بعد أن قالت الحقيقة.

الفصل الحادي والأربعون: خارج العقد

في الثامنة مساءً كان توماس قد عاد من شنغهاي.
حقيبته الكبيرة عند الباب ومعطفه على الكرسي. وقفت كاترين في المطبخ تعدّ العشاء، وفكّرت أن هذا هو المشهد الذي رأته مئة مرة: رجل يعود وامرأة تطبخ. إلا أنه هذه المرة سيتغيّر.
— أنت متعب.
— قليلًا.
— هل نأكل أولًا؟
— نعم.
أكلا بصمت، وقد غطّت أحاديث صغيرة عن الطقس والرحلة الأمر. ثم حين رفعت الأطباق قالت:
— توماس، أريد أن أقول شيئًا.
— قولي.
— أنا أحبّ رجلًا.
لم يتحرك وجهه.
— أعرف.
— تعرف؟
— منذ ثلاثة أشهر. الكوب الذي تركتِه في الحوض، والطريقة التي صرتِ بها تنظرين إلى الهاتف.
— لماذا لم تقل؟
— لأن العقد يقول: لا أسئلة.
— صحيح.
سكتا.
— وأنت؟ قالت. هل…
— نعم.
— من؟
— ليان. من مكتب شنغهاي. منذ سنة.
ضحكت كاترين ضحكة غريبة.
— إذن نحن الاثنان؟
— يبدو.
— ولم نقل شيئًا.
— نحن بارعان في الصمت.
وضعت الأطباق في الحوض وعادت إلى الطاولة.
— ما الذي يحدث لنا؟
— لا أعرف.
— لقد اتفقنا أن هذا لن يؤلم.
— ونحن كاذبان.
— لماذا؟
— لأنه يؤلم. أنا أشعر الآن بشيء.
— ما هو؟
— لا أعرفه. غيرة؟ حنين؟ خوف؟
— أنا كذلك.
وكانت هذه هي المفارقة: أن زوجين اتفقا على ألّا يغارا يشعران بالغيرة بعد سبع سنوات في لحظة الاعتراف. وهذا يشبه ما يحدث للأمم التي تعلن في دستورها أن لا خوف، ثم تبني أسوارها ليلًا.
— كاترين، قال توماس بعد صمت، هل أخطأنا؟
— لا أعرف.
— كنا نريد أن نكون أحرارًا. ظننا أن الحرية تعني ألّا نتعلّق.
— ونجحنا.
— ونجحنا إلى درجة أننا نسينا أننا زوجان.
— نعم.
— هل تحبينه؟
— ربما.
— وأنا أحبّها. أو أظن.
— إذن؟
— إذن لا يوجد خطأ. لكن لا يوجد زواج.
كانت جملة قاسية، لكنها لم تكن مفاجئة. كأنها سقطت من سقف قديم لم يشعر أحد أنه يتشقق.
— هل ننفصل؟ سألت.
— لا أعرف. هل تريدين؟
— لا أعرف.
— فلنفكّر.
— نعم.
وضع يده فوق يدها. لم تكن لمسة عشاق، بل لمسة رفيقين اشتركا في رحلة طويلة ولم يعرفا أنها انتهت.
— هل تعرفين ما يؤلمني؟ قال. أنني لا أريد أن أخسرك. ولا أريد أن أبقى.
— أنا أيضًا.
— هل هذا ممكن؟
— ربما كان هذا هو الحب: ألّا نريد أن نؤذي ولا أن نبقى.
— وأي اسم له؟
— صداقة.
— أقوى من الزواج؟
— أحيانًا.
بكت. لم تتوقع هذا. كان عندها ذلك العمود الثالث في الدفتر: «ما أخافه»، ولم تكتب فيه هذا: أن تحزن على زواج لم تكن تعرف أنها تحبّه.
— لم أتوقع أن أبكي.
— ولا أنا.
وبكى هو أيضًا بصمت، بعد سبع سنوات من اتفاق على ألّا يبكي أحد.
بعد ساعة، حين هدأ الاثنان، جلسا على الأريكة.
— غدًا نتصل بالمحامي؟
— لا. بعد أسبوع.
— لماذا؟
— لأنني أريد أن أمنح نفسي أسبوعًا لأحزن.
— سأشاركك.
— شكرًا.
وفي الليل، حين ذهب توماس إلى غرفة الضيوف لأول مرة منذ سبع سنوات، جلست كاترين على السرير وفتحت الدفتر الأسود. وكتبت تحت العمود الأول، «ما أملكه»: «توماس. صديقي». وتحت الثاني، «ما أريده»: «أن أحب بلا أقنعة». وتحت الثالث، «ما أخافه»: «لا شيء الآن. أو كل شيء. لا فرق».
أغلقت الدفتر، ونظرت إلى الظلام وقالت بصوت خافت:
— حسنًا يا كريم. أنا قادمة. ببطء. لكنني قادمة.

الفصل الثاني والأربعون: الرسالة الأخيرة

في الأسبوع الرابع فتحت سلمى الرسالة.
لم تقرّر ذلك. كان الهاتف على المنضدة، وكان يامن في الحضانة، والمركز هادئًا، وفي الغرفة المجاورة امرأة تبكي كالعادة. نظرت إلى الشاشة: «بسام: ٦٧ رسالة». ووضعت إصبعها على الأخيرة.
«لقد خرجتُ من المشفى. كنتُ في الطوارئ. لم أعد أستطيع. سأذهب إلى بيت أخي في الجنوب، وسأكتب لك مرة واحدة فقط: أنا آسف. وأحبك. وأريد أن أرى يامن قبل أن أذهب. نصف ساعة في مقهى عام أمام الناس. أرجوك.»
قرأتها مرتين. كان قلبها يخفق بعنف.
لا تذهبي، قال صوت. لكنه في المشفى. ربما. وربما حاول أن… وربما لم يحاول. وأنا؟ أنتِ لستِ المسؤولة. وإن مات؟ وإن لم يمت؟ جلست على السرير ولم تبكِ. ارتجفت.
بعد ساعة، حين عادت السيدة كول من اجتماعها، وجدتها جالسة في الممر.
— سلمى؟
— فتحتُ الرسالة.
— أعرف.
— كيف؟
— لأنك لا تجلسين هنا عادة.
جلست بجانبها.
— هل تريدين أن تحدّثيني؟
— نعم. هو في المشفى. وهو يريد أن يرى يامن.
— هل تحققتِ؟
— لا.
— لنتحقق.
اتصلت السيدة كول بالمستشفى، وبعد عشر دقائق عادت.
— لم يدخل أحد بهذا الاسم.
— لكنه…
— لا يعني شيئًا. لا أعرف إن كان كاذبًا أو مبالغًا أو مختبئًا. المهم: هل تريدين أن تلتقيه؟
— أنا… أخاف.
— من ماذا؟
— من أنني أريد.
— ومن ذلك؟
— من أنني إن رأيته سأعود.
— هذا أصدق شيء قلتِه حتى الآن.
صمتتا.
— لا أحد يمنعك، قالت السيدة كول. لكن إن أردتِ فلنرتّب لقاءً بشروط: أنا معك. في مكان عام. نصف ساعة. دون يامن. وإن شعرتِ بشيء نغادر.
— وإن بكى؟
— سنرى.
— وإن…
— سلمى، أنتِ لا تحتاجين أن تكوني مثالية. تحتاجين فقط أن تكوني حاضرة.
وهكذا ذهبتا.
كان المقهى صغيرًا، وبسام جالسًا في زاوية، نحيلًا شاحبًا بعينين متعبتين. رأى سلمى فنهض ثم جلس.
— شكرًا لأنك جئتِ.
— لم آتِ لأجلك.
— أعرف.
— ماذا تريد؟
— أن أراك. أن أعتذر.
— قل.
— أنا آسف. لقد كنتُ… أنا مريض يا سلمى. أعرف الآن. ذهبتُ إلى طبيب. يقول إن عندي مشكلة في الغضب. وسأعالج.
— جيد.
— هل تسامحينني؟
سكتت. كانت هذه اللحظة التي تخافها: أن يسأل السؤال بنبرة ناعمة وعينين مبلّلتين، وأن تجد في داخلها صوت الحبيبة يهمس: «قولي نعم». لكنها هذه المرة سمعت أيضًا الصوت الثاني، أعلى قليلًا.
— أنا لا أسامحك الآن.
— لماذا؟
— لأنني لا أعرف إن كنتَ صادقًا. وإن كنتَ صادقًا فهذا لا يعني أنني سأعود.
— أنا لا أطلب أن تعودي.
— أنت تطلب. بطريقة لطيفة.
— لا…
— بسام، قالت بهدوء لم تعرفه في نفسها، أنت تقول: «أنا مريض»، وهذه جملة تُلقي بالمسؤولية عليّ كي أصبر. وأنا لم أعد أحمل أحدًا.
— لكنني أحبك.
— وأنا أحببتُك. وأقول لك الحقيقة: لا أعرف إن كان حبًّا. أنا فقط أعرف أنني تعلّمتُ أن أصبر وسمّيتُ الصبر حبًّا.
كان وجهه يتغيّر.
— هل تريدين أن أختفي؟
— لا أريدك أن تختفي. أريدك أن تعالج، وأن تدفع نفقة يامن، وأن تراه حين أقرّر أنا وحين يقرّر القانون.
— وأنتِ؟
— أنا سأعيش.
— وحدك؟
— نعم.
ارتجفت يده على الطاولة.
— وإن لم أستطع أن أعيش دونك؟
— هذا ليس عليّ.
قالتها بلا قسوة، كمن يضع شيئًا ثقيلًا على الأرض. ونهضت.
— سلمى…
— وداعًا يا بسام.
مشت إلى الباب وخلفها السيدة كول بخطوات هادئة. وفي الشارع، حين بلغتا الرصيف، ارتجفت ركبتاها وانهارت على مقعد.
— هل فعلتُ الصواب؟
— لا أعرف إن كان هناك «صواب». لكنك فعلتِ ما استطعتِ.
— لقد كدتُ…
— كدتِ ولم تفعلي.
بكت. لم تبكِ على بسام. بكت على الأعوام، وعلى المرأة التي تعوّدت أن تنسى نفسها.
— هل سأحزن دائمًا؟
— ليس دائمًا. لكن الحزن جزء من الحرية.
— لم أكن أعرف.
— لا أحد يقول لنا.
مسحت وجهها.
— أريد أن أعود إلى يامن.
— هيا.
وفي الطريق إلى الحضانة فكّرت سلمى أن الحدّ الصحيح لا يُرسم مرة واحدة. يُرسم كل يوم من جديد، وأحيانًا يُمحى ثم يُرسم، وهذا لا يعني أنه ضعيف. يعني أنه حيّ.

الفصل الثالث والأربعون: عدم الردّ

جاء طارق إلى العيادة في صباح يوم الثلاثاء.
كانت دينا قد أنهت للتو مريضًا، وفي استراحة قصيرة جلست تشرب القهوة. دخلت المساعدة وقالت:
— دكتورة، هناك رجل ينتظر في الاستقبال. يقول إنه لا يحتاج إلى موعد.
عرفت من يكون. مرّ شهران منذ آخر مرة ردّت فيها على رسائله. كان قد كتب مئتين، وأرسل ورودًا، واتصل من أرقام مختلفة، وانتظر مرتين أمام باب البيت.
— قولي له إنني مشغولة.
— قال إنه سينتظر.
— إذن فليجلس.
استأنفت العمل، وهي تعرف أن يديها تتحركان بدقة غريبة، كأنهما من حديد. وبعد ساعتين، وقد انتهت مواعيدها، وقف أمامها في غرفة الفحص. كان أنيقًا كالعادة، بقميص أبيض وعينين حمراوين قليلًا.
— دينا.
— ماذا تريد؟
— أن أراك. أن أتفاهم.
— لقد قلتُ إنني بحاجة إلى وقت.
— شهران وقت كافٍ.
— لا.
— أنا لا أفهم. ماذا فعلتُ؟
— لا شيء.
— إذن؟
— هذا هو الأمر: لم تفعل شيئًا واضحًا. ولكن كل ما فعلتَه جعلني أختنق.
— أنا أحبك.
— وأنا أصدّقك. لكن حبّك يضغط.
— هذا اتهام.
— هذا وصف.
اشتدّ وجهه.
— أنتِ مريضة. أنتِ تتأثرين بمن حولك: بصديقتك، بطبيبتك. إنهم يريدونك أن تتركيني.
— لا أحد يريد شيئًا.
— بل يريدون. وأنتِ ضعيفة.
كانت هذه النقطة التي حذّرتها منها الدكتورة فايس: لحظة يتحول فيها الحب إلى حكم. وأعرف أن في هذه اللحظة بالذات يتقن الذين لا يعرفون إلا الاحتواء أقوى حيلهم: أن يجعلوك ضعيفة لأنك رفضتهم، فيصير رفضك دليل مرضك لا دليل حقّك.
— طارق، قالت بصوت ثابت، أريدك أن تغادر.
— وإن لم أفعل؟
— سأتصل بالأمن.
— أنتِ لا تفعلين.
— سأفعل.
— لا أصدّق.
— لا يهمّني أن تصدّق.
أخرجت هاتفها وضغطت زرًّا. دخل رجل الأمن من الباب، فارع الطول هادئًا.
— هل من مشكلة يا دكتورة؟
— هذا السيد يريد أن يغادر.
نظر طارق إليها طويلًا. في عينيه شيء كأنه ألم حقيقي. ثم قال:
— ستندمين.
— ربما.
— لن تجدي من يحبك مثلي.
— أعرف.
— إذن؟
— إذن لن أجد. وسأعيش.
انصرف.
وقفت دينا في الغرفة، والهواء يرتجف حولها. واتصلت بنادين:
— لقد فعلتُها.
— ماذا؟
— طردتُه.
— كيف تشعرين؟
— غريب. كأن الحياة توقفت.
— هذا الفراغ. سيمرّ.
— وماذا أفعل به؟
— لا شيء. فقط اسمحي له.
وفي المساء، وهي جالسة في بيتها، رنّ هاتفها. لوكاس.
— دينا؟
— نعم.
— لا أريد شيئًا. فقط سمعتُ في المبنى أن رجلًا مرّ اليوم. هل أنتِ بخير؟
— كيف عرفت؟
— الأخبار تنتقل في المبنى. أنا آسف إن كنتُ أتدخل.
— لا. أنت لا تتدخل.
— هل تحتاجين شيئًا؟
— لا أعرف.
— حسنًا. أنا هنا.
وأغلق. كان هذا كل شيء. لم يسأل أكثر، ولم يقل «سآتي»، ولم يعرض أن يوصلها أو يطمئن عليها. لكن دينا جلست على الأريكة وفجأة بكت. لم يكن بكاء على طارق. كان بكاء على أنها أدركت للتو شيئًا: أن الحنان لا يحتاج إلى إلحاح، وأن «أنا هنا» التي قالها لوكاس ثم صمت كانت أصدق من مئة رسالة عاطفية.
بعد أسبوعين قبلت دعوته إلى العشاء. لم يحدث شيء. أكلا وتحدثا عن الأسنان وعن السفر وعن أمه المريضة. وحين انتهيا وقفا أمام المطعم تحت المطر.
— هل أوصلك؟
— لا. سأمشي.
— حسنًا.
— لوكاس.
— نعم؟
— لم أشعر بالرعشة.
— أعرف.
— وهل هذا يزعجك؟
— لا. أحب أن أعرف الصدق.
— وما رأيك؟
— أن الرعشة تأتي أحيانًا بعد الأمان لا قبله.
— هل تقول هذا لتطمئنني؟
— أقوله لأنني جرّبتُه.
ابتسمت.
— إذن؟
— إذن نأكل مرة أخرى؟
— ليس بعد.
— وهي جملة كاملة.
— أعرف.
مشت في المطر وحدها. كان الماء يبلّل وجهها، وكانت تفكّر في الطفلة التي في داخلها. كانت صامتة هذه الليلة، لا تسأل ولا تنتظر. كانت نائمة.

الفصل الرابع والأربعون: أمي

قرّر عمر أن يقول لأمه في صباح جمعة.
لم يكن لهذا اليوم سبب. هو فقط اليوم الذي تتصل فيه عادةً، وصوتها يحمل رائحة الخبز وجلبة المطبخ البعيد. لكنه استيقظ قبل الفجر وجلس على الأرض أمام النافذة وقال لنفسه: «اليوم».
كانت كلارا قد وعدته أن تمرّ عليه في الصباح. لم يخبرها بقراره. أراد أن يقوم به وحده.
في العاشرة رنّ الهاتف.
— ألو يا أمي.
— صباح الخير يا حبيبي. كيف حالك؟
— بخير. هل أنتِ وحدك؟
— نعم. أبوك في المسجد وأختك في المدرسة.
— جيد.
— ما بك؟ صوتك غريب.
— أريد أن أقول لك شيئًا.
— قل.
كان قلبه يخفق بعنف. أمسك الهاتف بيدين مبلّلتين.
— أنا… أنا لن أستطيع أن أفعل ما تنتظرونه مني.
— ماذا تقصد؟
— أنا لن أتزوج من الفتاة التي تنتظرونها لي.
صمت.
— لماذا؟
— لأنني… أحببتُ فتاة هنا. اسمها كلارا. إنها ليست مسلمة.
سمع صوت أنفاسها. ثم صمت طويل جدًّا حتى ظن أن الخط انقطع.
— أمي؟
— أنا هنا.
— هل سمعتِني؟
— سمعتُ.
— أمي، قولي شيئًا.
— لا أعرف ماذا أقول.
— أي شيء.
— أنا…
توقفت.
— أنا لا أفهم. لا أعرف ما أقول. لم يحدث هذا في عائلتنا من قبل. في بلدنا لا يتحدثون في هذا.
— أعرف.
— وأبوك؟
— لا أحد يعرف سواك.
— وهذه الفتاة؟
— اسمها كلارا. ألمانية. هي طيبة يا أمي. تعتني بي.
— هل أنتِ غاضبة؟
— لا.
— حزينة؟
— نعم.
— لأنني خيّبتك؟
— لا.
— لماذا؟
— لأنني خائفة عليك.
انكسر شيء في صوته.
— خائفة؟
— نعم. من الناس. من أبيك. من الغد. لا أعرف. من كل شيء.
— أنا لا أقصد أن أؤذيك.
— أعرف. أنت لا تؤذي أحدًا. أنت ابني.
سكت. كانت أول مرة يسمع فيها هذه الجملة: لا «لكن»، ولا «مع ذلك».
— أمي، أنا خائف أيضًا.
— أعرف. منذ كنتَ صغيرًا. كنتَ تخفي أشياء، وكنتُ أنظر إليك وأعرف أن في صدرك حجرًا، ولم أسأل.
— لماذا؟
— لأنني خفتُ من الجواب.
— وأنا خفتُ أن أقول.
— كلنا خائفون يا عمر. لا أعرف ماذا سأفعل. لا أعرف ماذا سأقول لأبيك. لا أعرف ماذا سأقول لنفسي. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: لن أتخلّى عنك.
كان يبكي دون صوت.
— شكرًا.
— لا تشكرني. أنا أمك.
— وإن غضب أبي؟
— عندها سأقول له إنني أمك، وإنني لن أنسى.
— وإن…
— عمر، اسمعني. لا أعدك بأنني سأفهم. ولا أعدك بأنني سأوافق. لكنني أعدك بأنني سأحاول. وأن بابي مفتوح.
— وبيتنا؟
— لا أعرف.
— وأختي؟
— سأحدّثها أنا حين يحين الوقت.
— وماذا أفعل الآن؟
— كل ما تفعله: تدرس، تأكل، تنام. ولا تتعجّل شيئًا.
— هل تصلّين من أجلي؟
— كل يوم.
— وماذا تقولين؟
— أقول: يا رب، احفظ ابني.
— هذا كل شيء؟
— هذا كل ما أعرفه.
صمتا. ثم قالت بصوت أخفض:
— هل هي طيبة هذه الفتاة؟
— نعم.
— هل تحبك؟
— نعم.
— وهل تحبها؟
— نعم.
— إذن…
لم تكمل. لكنه سمع الباقي في الصمت.
بعد المكالمة بقي جالسًا على الأرض، وكان الضوء قد ملأ الغرفة. ثم طُرق الباب ودخلت كلارا بشعرها المبعثر، وفي يدها كوبان وكيس خبز.
— صباح الخير.
— مرحبًا.
— هل أنت بخير؟
— نعم.
— هل كانت أمك؟
— نعم.
— وماذا قالت؟
— قالت: «أنت ابني».
جلست كلارا بجانبه وناولته كوب القهوة. لم تقل شيئًا. وضعت كتفها على كتفه.
بعد أسبوعين أرسل الأب رسالة قصيرة بلا تحية: «أمك أخبرتني. لا أريد أن أتحدث الآن». ثم لم يتصل أحد منه. ولم يعرف عمر كيف سينتهي هذا. ربما يعود الأب يومًا وربما لا. وربما يظلّ الصمت. لكنه علم أن الصمت ليس دائمًا جدارًا. أحيانًا هو مساحة تحتاجها الأرواح لتتعلّم.
وفي يوم جمعة تالٍ رنّ هاتفه. كانت أمه.
— ألو يا حبيبي.
— ألو يا أمي.
— هل أكلت؟
— أكلت.
— وكلارا؟
— أكلتْ.
— قل لها إنني أسلّم عليها.
ضحك بدموعه.
— سأقول.
وفي الطرف الآخر من الخط، في بيت صغير في دمشق، ابتسمت أم وهي تنظر إلى الجدار، وتفكّر أن الأمومة قد تكون أحيانًا أن تقول ما لا تفهمه، لأنك تحب.

الفصل الخامس والأربعون: يد على الكتف

حدّدت المحكمة جلسة الاستماع في تشرين الثاني.
كانت سفينيا قد استعدّت لها شهرين. جلست مع المحامية الشابة ثلاث مرات، وقرأت ملفها بصوت مرتفع حتى لم يعد في الكلمات شيء يرعبها. وفي الليلة السابقة نامت بصعوبة واستيقظت في الخامسة وعدّت الأنوار على السقف.
— هل تريدين أن آتي معك؟ سألتها حنان.
— لا أريد أن أزعجك.
— أنا أطلب.
— أنتِ تعملين.
— أخذتُ إجازة.
نظرت إليها سفينيا طويلًا ثم قالت:
— شكرًا.
في القاعة جلست حنان في الصف الأخير بثوبها الداكن ويدها على حقيبتها. ورأت هوفمان من بعيد. كان يلبس بدلة رمادية ويجلس منتصبًا، ووجهه ما زال وجه رجل يظن أنه سيخرج منها كما دخل.
حين نودي على سفينيا نهضت. لم تنظر إليه. نظرت إلى القاضية وقالت بصوت واضح، بالألمانية، ما جرى. لم تزد عليه ولم تنقص. وحين سألها المحامي المقابل: «لماذا لم تقولي شيئًا في حينه؟»، قالت:
— لأنني كنتُ أحسب أن الصمت لطف.
— وهل كان؟
— لا. كان خوفًا.
خرجت من القاعة بعد ساعتين وركبتاها ترتجفان، وجلست على مقعد في الممر.
— كنتِ قوية، قالت حنان.
— لا. كنتُ أرتجف.
— القوة أن ترتجفي وتقولي.
ابتسمت سفينيا بوهن.
صدر القرار بعد أسبوعين: غرامة وحكم موقوف وتعويض ومنع من العمل في مجال الضيافة لخمس سنوات. لم يكن كافيًا، كما قالت المحامية، لكنه كان مكتوبًا.
وبعد شهر، في ليلة عادية، ذهبت سفينيا إلى حانة مع زملاء من الفندق. جلست في الزاوية تشرب عصيرًا وتضحك مع عمر وتتأمل المكان. وفجأة وضع رجل يده على كتفها من الخلف وقال بمرح:
— عفوًا، هل أنتِ سفينيا؟ أنا كنتُ…
لم تسمع ما بعدها. قفزت من مكانها ودفعت يده بعنف وتراجعت حتى اصطدمت بالجدار. كان قلبها يدقّ في أذنيها ونَفَسها يضيق.
— آسف! قال الرجل مذعورًا. لم أقصد…
— لا بأس، همس عمر وقد اقترب منها. هذا زميل قديم. لم يقصد شيئًا.
— أعرف، قالت بصوت مبحوح. أعرف.
وركضت إلى الخارج.
وقفت في الشارع البارد وهي تلهث، تحاول أن تتذكر كيف يتنفس الإنسان. وهنا يتعلّم من يهتم بالضحايا درسًا لا يُدرَّس في المحاكم: أن العدالة قد تصدر حكمها في يوم، لكن الجسد يظلّ سنوات يتلقى القرار.
— سفينيا.
التفتت. كانت حنان وقد جاءت لتجلب معطفها.
— ماذا حدث لي؟
— جسدك تذكّر.
— لكنه كان مجرد…
— أعرف.
— أنا غبية.
— لا.
— لقد مرّت شهور. ظننتُ أنني بخير.
— أنتِ بخير. وجسدك ما زال يتعلّم أنك بخير.
مدّت يدها ببطء وسألت:
— هل أضع يدي على كتفك؟
نظرت سفينيا إليها. كان هذا هو الفرق. لم تُفاجئها. سألتها.
— نعم.
وضعت حنان يدها على كتفها. كانت اليد دافئة وثقيلة قليلًا ومستقرة. وفي تلك الثواني تنفّست سفينيا.
— هل هذا يمرّ؟
— ليس بسرعة. لكنه يمرّ. وهناك من يساعد: معالجة نفسية، مجموعة. أنا أعرف أماكن.
— وأنتِ؟ هل مررتِ بشيء كهذا؟
— ليس تمامًا. لكنني تعلّمتُ أن الجسد يحفظ ما لا نقوله.
— وماذا تفعلين؟
— أتحدّث. وأطلب لمسة حين أحتاجها. وأرفضها حين لا أريدها.
— أنا أريد أن أتعلّم هذا.
— ستتعلّمين.
بقيتا قليلًا تحت ضوء مصباح الشارع. وحين عادت سفينيا إلى الداخل كان الرجل قد اعتذر مرة أخرى، فقالت له: «لا بأس. أنا بخير. شكرًا لأنك اعتذرت». كان هذا أصعب ما فعلته في حياتها وأسهله بعد ذلك.
وفي الليل كتبت في دفترها جملة واحدة: «قد يعود الخوف. وهذا لا يلغي ما فعلتُه».

الفصل السادس والأربعون: شجرة الجوز

في القرية الرومانية يبدأ الصباح بصوت الجرس.
ليس جرس الكنيسة، بل جرس قطيع الماعز الذي يمرّ عند السادسة تحت نافذة أنكا. في الأيام الأولى بعد عودتها كان الصوت يوقظها فتجلس مذعورة. ثم صار يعيدها إلى الأرض.
كانت في السادسة والعشرين الآن. تسكن مع أمها في البيت القديم تحت التلّ، ولها غرفة صغيرة نظيفة وسرير لا ينام فيه أحد غيرها. لا أحد في القرية يعرف كل ما جرى. أمها تعرف بعضه، وأخوها يعرف أقل. والباقي صمت، لا يُقال لأن لا أحد يعرف كيف.
— هل ستذهبين إلى المدرسة اليوم؟ سألتها الأم.
— نعم.
— هل أعدّ لك سندويشًا؟
— لا. سآكل هناك.
كانت قد التحقت بدورة تمريض في المدينة القريبة، يومين في الأسبوع. جلست في الفصل بين فتيات أصغر منها بخمس سنوات لا يعرفن عنها شيئًا. ولم تكن الأمور سهلة. كانت تنتفض حين يقترب منها رجل في الممر، وتتفقّد الأبواب، وتقاوم الرغبة في أن تتحقق من وجود جواز سفرها في الحقيبة كل عشر دقائق.
— هل أنتِ بخير؟ سألتها زميلة ذات يوم.
— نعم.
— عيناك…
— لم أنم جيدًا.
— حسنًا.
وفي ظهر ذلك اليوم أخرجت من حقيبتها بطاقة صغيرة عليها صورة شجرة جوز عمرها ثلاثمئة سنة، وفي الخلف جملة كتبتها قبل ثلاثة أسابيع ولم تُرسلها بعد. كانت تعرف ماذا تقول، فقد كتبتها عشر مرات في ذهنها: «شكرًا للجلوس ساعة». لم تعرف كيف تصل. أرسلتها أخيرًا إلى عنوان منظمة في ألمانيا كان قد وصلها يومًا من المرأة التي ساعدتها في الحماية. ولم تعرف إن كان الرجل الذي جلس إليها في تلك الليلة سيتلقاها. ولم تكن بحاجة إلى أن تعرف.
بعد أسابيع، حين عادت من المدرسة، وجدت أمها جالسة على عتبة البيت ويدها على قلبها.
— ماذا؟
— أنكا.
— ماما؟
— جاء رجل اليوم.
تجمّد جسدها.
— أي رجل؟
— من البلدية. يسأل عنك. يقول إن هناك مبلغًا…
— أي مبلغ؟
— قال إن منظمة في ألمانيا ترسل لك تعويضًا. من قضية. في المحكمة.
جلست أنكا على العتبة. لم تكن تعرف أن هناك قضية. أن الحانة أُغلقت وأن أصحابها حوكموا وأن المحكمة حكمت لضحاياه بتعويضات. أن أحدًا فكّر فيها بعد كل ذلك كإنسان لا كرقم.
— كم؟
— لا أعرف. قال إنه سيعود غدًا.
— هل أنتِ متأكدة أنه ليس…
— تحققتُ. هو من البلدية. أعرفه.
لم تقل أنكا شيئًا. ظلّت تنظر إلى الجبل.
— ماذا ستفعلين بالمال؟ سألت الأم.
— أكمل دراستي.
— وبعد؟
— أعمل في مستشفى.
— وهل تخافين؟
— نعم.
— من ماذا؟
— من كل شيء.
— وستذهبين؟
— نعم.
— لماذا؟
— لأنني لا أريد أن أبقى خائفة في مكان واحد.
نظرت إليها أمها وأمسكت يدها.
— أنتِ أقوى مما كنتُ.
— لا. أنا أحاول.
— وهذا هو.
في المساء جلست أنكا تحت شجرة الجوز القديمة التي في أعلى التلّ. كانت جذورها بارزة كأصابع وظلها يغطي نصف العشب. أخرجت دفترًا صغيرًا وكتبت:
«اليوم نمتُ بلا خوف ساعتين.
اليوم لم أتحقق من الجواز.
اليوم ابتسمتُ لشخص غريب.
لا أعرف إن كنتُ حرة. لكنني أعرف أنني أمشي.»
أغلقت الدفتر وتنفّست.
وفي مكان آخر، في مدينة ألمانية، كان رجل يقرأ بطاقة قصيرة عليها صورة شجرة ويبكي بصمت. ولن يعرف قط أن امرأة تجلس تحت الشجرة ذاتها وتفكّر أن الصمت يمكن أن يكون أحيانًا أصدق أشكال الشكر.

الفصل السابع والأربعون: ثلاثة أيام

لم تكن الجملة التي قالتها سهى في المطبخ سهلة النتائج.
جلسا بعد منتصف الليل، وحين انتهيا كان الفجر قد قارب. قالت له كل شيء: خمسة عشر عامًا بلا سؤال، وحاجتها إلى أن تُستشار، وغصّة قديمة لم تقلها: أنها كانت تريد أن تدرس.
— تدرسين؟
— كنتُ في السنة الأولى في الأدب. تركتُ حين تزوجنا.
— لم أعرف.
— لأنك لم تسأل.
سكت ماجد. كان وجهه يتغيّر.
— وماذا تريدين الآن؟
— أن أرجع.
— إلى الجامعة؟
— على الأقل إلى الدراسة.
— وسمى؟ وأمي؟
— سمى كبيرة. وأمك أنا أرعاها منذ سنوات. أريد أن أشارك نفسي في حياتي.
لم يجب.
بعد ثلاثة أيام، وهو يتناول الإفطار، قال دون مقدمات:
— سهى، ماذا يكلّف التسجيل؟
— ماذا؟
— الدراسة. كم تكلّف؟
فتحت فمها ثم أغلقته.
— لا أعرف. لم أسأل.
— اسألي.
— أنت تقبل؟
— لم أقل إنني أقبل. قلتُ: اسألي. أريد أن أفهم.
— لماذا غيّرتَ رأيك؟
— لم أغيّره بعد. فقط… أفكّر.
لم يكن هذا قرارًا. لكنها كانت المرة الأولى التي يقول فيها: «أفكّر». وهي كلمة صغيرة، لكنها في بيوتنا أثقل من «أوافق»، لأن من يقول «أفكّر» يعترف بأن القرار ليس مكتوبًا في مكان آخر.
لكن الحيّ لا ينتظر. ففي اليوم الخامس وصلت إلى سهى مكالمة من عمّة ماجد البعيدة التي سمعت من أحدهم: «سهى تريد أن تدرس! وماجد يقبل! ماذا حدث لهذه العائلة؟». وفي اليوم السابع جاءه زميل في الدائرة بابتسامة ماكرة:
— سمعتُ أن زوجتك ستذهب إلى الجامعة. أنت متساهل يا أبا سمى.
كانت هذه هي اللحظة. اللحظة التي تأتي بالضبط قبل أي تغيير حقيقي: أن يضحك الناس.
قال ماجد:
— نعم.
— نعم؟
— نعم. زوجتي ستدرس.
— وأنت موافق؟
— أنا لا أمنع أحدًا من التعلّم.
— وهل ستجلس في البيت؟
— لا. ستجلس في الجامعة.
— والبيت؟
— سنتدبّر الأمر.
— أنت رجل عجيب.
— ربما.
عاد إلى مكتبه ويداه ترتجفان. كان قد فعل شيئًا لم يفعله في عمره: أن يقف وحده أمام ضحكة جماعية دون أن يقاتلها ولا أن يختبئ منها.
في المساء وجدته سهى جالسًا في الصالون أمام صورة أبيه.
— كيف كان يومك؟
— مرعبًا.
— لماذا؟
— قلتُ لزميل إنني أدعمك.
— حقًّا؟
— نعم. وضحك.
— آسفة.
— لا. لا تعتذري.
— هل ندمتَ؟
— لا. لكنني خفتُ.
جلست بجانبه.
— هل تعرف أنك أول رجل في عائلتك يقول هذا؟
— أعرف.
— وهل هذا يخيفك؟
— نعم. لكنني أتعلّم أن أخاف وأفعل.
مدّت يدها ووضعتها على يده. لم تقل «شكرًا». قالت:
— أنت تدهشني.
— لا. أنا فقط أحاول ألّا أخسرك.
— لن تخسرني.
— هل تعدين؟
— لا. أنا لا أعد. لكنني هنا.
وفي الغرفة المجاورة كانت سمى تذاكر، وقد سمعت كل شيء من خلف الباب. كتبت على هامش دفترها بقلم رصاص: «أبي يتغيّر. وأمي تتكلم. ربما أنا أيضًا».

الفصل الثامن والأربعون: خوف جميل

في المطبخ الصغير في شقة غيرترود كان فالتر يحاول أن يفتح علبة الكعك بيدين ترتجفان.
— دعني.
— أستطيع.
— لا تستطيع. يداك.
— يداي ما زالتا تعملان.
— إذن افتح.
حاول. ثم ضحك. ثم سلّمها العلبة.
— هل ترين؟ تقاعد كل شيء.
— إلا الصبر.
— الصبر أخذتُه منك.
كان في الخامسة والسبعين، وفي السبعين تقف غيرترود أمامه بثوب أزرق بسيط. كانت قد فكّرت في الأمر شهورًا. وفي ليلة من ليالي تشرين، حين انتهى الشاي وبقي الصمت، قالت:
— فالتر.
— نعم؟
— أنا خائفة.
— من ماذا؟
— من أن تراني.
— أراكِ كل أسبوع.
— لا. أقصد… كما أنا.
صمت.
— غيرترود.
— نعم.
— هل تعرفين أنني أيضًا خائف؟
— أنت؟
— نعم. جسدي لا يشبه ما كان. ولا أعرف كيف سأقف أمامك.
— لا يهمّني.
— وأنا لا يهمّني.
— إذن لماذا نخاف؟
— لأن العمر علّمنا أن نخجل.
ضحكا.
— هل نجرّب؟ سألت.
— ماذا؟
— أن نخاف معًا.
— وإن لم ينجح؟
— عندها نضحك.
لم يكن في الأمر شيء درامي. لم يكن في الغرفة ورود ولا شموع. كان فيها سرير قديم وستائر مسحوبة ومصباح خافت، وإنسانان بالغان يعرفان أن كل لمسة بينهما تحمل عمرين من الحياة. كان فيها ارتباك وخجل وضحكة ثانية حين اصطدمت ركبتا أحدهما بالآخر، وصمت جميل.
حين انتهى كل شيء استلقيا في العتمة.
— هل أنت بخير؟ همس.
— نعم.
— وجسدك؟
— غير راضٍ تمامًا، لكنه سعيد.
ضحك.
— وأنت؟
— أنا… أشعر بشيء لم أشعر به منذ زمن.
— ما هو؟
— أنني مرئية.
لم يقل شيئًا. مدّ يده وضمّها قليلًا.
— كنتُ أخشى ألّا أستطيع أن أحب مرة ثانية، قالت.
— وما رأيك الآن؟
— أن الحب لا يتقاعد.
— والرغبة؟
— تتغيّر. ولا تتقاعد.
— هذه جملة تصلح لشاهد قبر.
— لا. لكتاب.
ضحك مرة أخرى حتى سعل.
— أنت تقتلني.
— لن أفعل.
— حقًّا؟
— حقًّا.
وفي الصباح التالي، حين أعدّت القهوة، جلس فالتر على الكرسي ينظر إليها ثم قال:
— هل تعلمين ما الذي شعرتُ به الليلة؟
— ماذا؟
— أنني لستُ عجوزًا.
— وماذا أنت؟
— إنسان.
وضعت الكوب أمامه.
— هذا يكفيني.
وفي الخارج كان ميشائيل واقفًا عند الباب بيده كيس مشتريات. كان قد جاء ليوصلها. سمع صوت الضحكة من داخل فتوقف. لم يطرق. وقف دقيقة ثم وضع الكيس على العتبة وعاد أدراجه، وعلى وجهه شيء غريب: كأنه ابتسم دون أن يقصد.

الفصل التاسع والأربعون: ميثاق حنان

في آخر الشتاء الذي عادت فيه من رحلتها إلى المدينة العربية، اشترت حنان دفترًا صغيرًا بغلاف أزرق.
لم تعرف لماذا. رأته في مكتبة صغيرة قرب المحطة وسألت نفسها: «ما هذا؟». ثم دخلت.
في المساء، بعد أن نام سمير في الغرفة المجاورة، جلست في المطبخ وفتحت الدفتر. وعلى الصفحة الأولى كتبت:
«ميثاق حنان لنفسها.
لا ليقرأه أحد. ولا ليوقّع عليه أحد.
فقط لأنني تعبتُ من أن أعيش داخل حدود رسمها غيري، ولم أرسم حدًّا واحدًا بيدي.»
ثم بدأت تكتب. لم تفكّر طويلًا. كانت الجمل تخرج كأنها ظلّت تنتظر وقتًا طويلًا:
«١. جسدي لي. أقرّر من يلمسه ومتى. ولا أخجل من أن أقول «لا»، ولا من أن أقول «نعم».
٢. رغبتي ليست عارًا. لكنها ليست أمرًا. أصغي إليها ثم أقرّر.
٣. أحبّ بلا أن أختفي. إن طلب مني الحب أن أمحو نفسي فهو ليس حبًّا.
٤. لا أحمل خوف الآخرين وأسمّيه فضيلة.
٥. أصدّق أن الصمت ليس دائمًا سلامًا. أحيانًا هو جرح لم يُسمَّ بعد.
٦. حين أرى أحدًا يتألم وأعرف، لا أقول «لا أرى». أقول: «أنا هنا».
٧. لا أحاسب أحدًا على مشاعره. أحاسبه على أفعاله.
٨. أسمح لنفسي أن أخطئ وأن أبدأ من جديد.
٩. أسأل قبل أن أحكم. وأسأل نفسي قبل أن أسأل الآخرين.
١٠. لا أنتمي إلى مكان واحد. وأقبل أن تكون حدودي حيّة: تتسع وتضيق مع ما أتعلّمه.
١١. أحمي من هم أضعف مني، ولا أجعل الحماية قفصًا.
١٢. حين لا أعرف، أقول: لا أعرف.»
توقفت. نظرت إلى البند الأخير وابتسمت.
كانت تعرف أن الميثاق ليس قانونًا، وقد يتغيّر في السنة القادمة أو غدًا. لكنه كان أول وثيقة تكتبها بيدها عن حياتها. وأضافت في أسفل الصفحة: «هذه ليست حدودي كلها. هي ما أعرفه الآن».
أغلقت الدفتر وأطفأت الضوء. وفي الظلام فكّرت في كل من عرفتهم في العام الأخير: سمير الذي يتعلّم أن يسأل، وليلى التي تتعلّم أن تقول «ليس بعد»، ورشا التي رحلت وعادت، وسلمى التي لم تعد، وعمر الذي قال، وسفينيا التي بكت، وأمها التي تركت لها رسالة تحت الوسادة. كلهم كتبوا مواثيقهم الصغيرة، كلٌّ بطريقته وكلٌّ في الظلام. ولم يكن أحد منهم يعرف أن الآخرين يفعلون الشيء نفسه.

الفصل الخمسون: ليلة واحدة

في ليلة واحدة، جمعتُها هنا من ليالٍ كثيرة متفرقة في الزمن، كان الناس مستيقظين في الساعة نفسها.
في شقة صغيرة شرق فالدبرغ وقفت حنان عند النافذة وقالت لنفسها: «غدًا سأضحك دون سبب».
وفي شاحنة على طريق ميونيخ همس سمير: «هل تعبتِ اليوم؟». ولم يسمعه أحد.
وفي سرير هادئ نظرت ليلى إلى ظهر جونس وتمتمت: «سأقول له كل شيء».
وفي غرفة فوق مخبز وضع كريم ورقة في جيبه وقال: «هذا ثمنه، وأنا أدفعه».
وفي مكتب بيتي أغلقت كاترين دفترها الأسود وكتبت: «غدًا أكلّم توماس».
وفي بيت عائلة بعيد دسّت رشا رسالة تحت كتاب النحو، ثم أطفأت المصباح.
وفي صالون ذي صورة ذهبية نظر ماجد إلى أبيه وقال: «أنا لن أكون مثلك».
وفي بيت غريب نظرت سلمى إلى هاتف مظلم ولم تفتحه.
وفي سرير واسع همست دينا لنفسها: «لن أحبّ من يجعلني أنتظر».
وفي حمّام صغير رسم عمر على المرآة المبخّرة كلمة واحدة: «أنا».
وفي شقة مستأجرة فتحت سفينيا هاتفها وكتبت إلى كاترين: «أريد أن أتحدث».
وفي غرفة بيضاوية المرآة أطفأت غيرترود النور وقالت لهانس: «سامحني، لكنني أحيا».
وفي مطبخ جلست سهى أمام ماجد وقالت: «أريد أن أتحدث».
وفي غرفة هادئة ابتسمت أم ماجد لأبي نبيل.
كلهم، في الساعة نفسها، كانوا يحملون الصوت نفسه، وإن اختلفت الألسنة: أنا خائف. أنا أريد. أنا لا أعرف. أنا هنا.
لا أحد منهم رأى الآخرين. لم يعرف أحد أن الوحدة التي يعيشها كل منهم هي في الحقيقة وحدة مشتركة، وأن في هذه الليلة نفسها آلاف الناس في مدن لا تحصى يفتحون الباب نفسه من الداخل ويقفون عند عتبته.
والحدود، في كل هذه البيوت، لم تكن جدرانًا. كانت أسئلة تُرسَم بالقلم الرصاص في أعماق الليل، وتُمحى وتُرسَم من جديد.
وحين بدأ الفجر يضيء حواف العمارات فتح أحدهم النافذة وتنفّس وقال لنفسه كلمة صغيرة جدًّا:
— حسنًا.
ولم يكن يعرف أن آخرين، في أماكن أخرى، قالوا الكلمة نفسها في اللحظة نفسها.

ما بعد الرواية

ليس في هذه الصفحات خاتمة، فالقضايا التي تناولتها لا تُختم. بعضها يتغيّر باسم جديد في كل جيل، وبعضها يبقى كما هو يغيّر ثيابه فقط.
وقد وعدنا أنفسنا في الليل بأن نفعل. وفي النهار فعل بعضنا وتعثّر بعضنا وتراجع آخرون ثم عادوا. وهذا ما أردتُ أن تقوله هذه الصفحات: أن الحدّ الذي نرسمه في الظلام لا يكتمل إلا حين نختبره في الضوء، وأن الاختبار قد يؤلم لكنه يجعل الحدّ لنا لا لمن رسمه عنّا، وأن الفشل ليس نقيض الشجاعة بل أحد أوجهها.
والإنسان لا يُعرف بما يقوله أمام الناس، بل بما يقوله لنفسه حين يطفئ النور. وكل من حولنا يحمل غرفته الصغيرة التي لا نراها، ومن يعرف هذا يصير أرحم قليلًا، ومن يصير أرحم يصير أقدر على أن يسأل إنسانًا بجانبه سؤالًا صغيرًا يغيّر الليل.
وإن كان لي أن أقول شيئًا واحدًا بعد كل ما كتبت فهو هذا: ليس علينا أن نُلغي الحدود ولا أن نقدّسها. علينا أن نعرف من رسمها ولماذا، وأن نملك الشجاعة لنسأل، ثم الشجاعة لنحمي بعضنا حين تُنتهك. فالصمت ليس حماية، والصراخ ليس حرية، وبين الاثنين مساحة ضيقة اسمها الحوار، لا يدخلها إلا من استعدّ أن يسمع ما لا يحب.
وما لا ينتهي ليس الحدود ولا الرغبة ولا الخوف. ما لا ينتهي هو الحاجة إلى أن يسمعنا أحد.
«هل أنت بخير؟»

تمت

نعمان البربري