حُرّاسُ الأسئلة
رواية
“الحياةُ التي لا تُفحَصُ لا تستحقُّ أن تُعاش”
— سقراط، كما نقل أفلاطون في “الدفاع”
اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا دينٍ، وآخَرُ دَيِّنٌ لا عقلَ له
— أبو العلاء المعرّي
ملاحظة المؤلف
هذه رواية. مجلس الغائبين، ومؤسسة الذاكرة الرحيمة، وشركة أيجيس، والحرّاس السبعة، وكل من يحيط بهم، من نسج الخيال. أما الوقائع التاريخية فالتزمتُ فيها بما تتفق عليه المصادر، وحيث تختلف المصادر نبّهتُ على ذلك في موضعه، وحيث تغيب الأدلة قلتُ إن الأمر يُروى ولا يُثبَت.
لم أضع على لسان شخصية حقيقية قولاً لم يثبت نسبته إليها، فيما عدا مقاطع “محامي الغائب” في تسجيلات المجلس: وهي تمثيل متخيَّل يلقيه الراوي بلسان الميت، لا أقوالاً موثّقة. أما الوثائق التي يتداولها الأبطال، كسجلّ المجلس ودفتر أيجيس، فمتخيَّلة كلها.
وفي زمن تُصنع فيه الحقيقة والزيف بالسهولة نفسها، رأيت أن أقول هذا من البداية: القارئ شريك في الحراسة.
الفصل الأول
القاعة الفارغة
لم يكن المبنى يشبه ما رسمته لمى في خيالها طوال شهور البحث. لا لوحة نحاسية على الباب، ولا حارس، ولا حتى مصباح يليق بمكان قيل إنه استضاف، على مدى أربعة عشر عاماً، أخطر ما طُرح على ذاكرة العالم من أسئلة. بناء من الطوب الأحمر عند أطراف كوبنيك، جنوب شرق برلين، تطلّ نوافذه على بحيرة بلون الرصاص، وتصدأ مفاصل بابه الخشبي تحت مطر تشرين الأول.
كان الباب مواربًا.
دفعته براحة يدها فأطلق صريرًا قصيرًا، ثم ابتلعها صمت كثيف. رواق ضيّق تفوح منه رائحة ورق رطب، يفضي إلى قاعة رأت صورها مرارًا في الأرشيف المصوَّر للمجلس ولم تطأها قدماها قطّ: صفوف من الكراسي الخشبية مصطفّة بانتظام صارم كأن الجلسة ستُستأنف بعد دقائق، وفي صدر القاعة منصّة، وعلى المنصّة طاولة طويلة تحيط بها خمسة مقاعد.
أربعة منها مغطّاة بأقمشة سوداء. والخامس، في الوسط تماماً، عارٍ وفارغ.
“كنت أتوقع أن يكون فارغاً فعلاً”، قالت لنفسها بصوت لم تقصد أن يسمعه أحد.
“الجميع يتوقع ذلك. إلى أن يراه.”
استدارت بسرعة. عند مدخل جانبي لم تنتبه إليه كان يقف رجل في منتصف الأربعينات، في معطف رمادي مبلَّل الكتفين، بوجه لا يفشي شيئاً سوى تعب قديم. عرفته من الصورة التي أرسلها لها رئيس التحرير قبل أسبوع: كريم نصّار، محقق سابق في الشرطة الجنائية، ترك الخدمة قبل ست سنوات إثر قضية لم يشرحها لأحد.
“كيف دخلتَ؟”
“كما دخلتِ أنتِ. الباب كان مفتوحاً لكلينا. وهذا وحده يكفي ليقلقك.”
لاحظت لمى أنه لم يسألها كيف وصلت إلى العنوان. كان ذلك أول سؤال ستطرحه لو أنها مكانه، فاحتفظت بالملاحظة في ركن بعيد من رأسها، كما تُحفظ ورقة لا يُعرف بعدُ إن كانت تافهة.
“رئيس تحريرك قال إنك لا تقبلين النصائح”، تابع وهو يمشي بين الصفوف ويلمس ظهر كل كرسي ويعدّها. “وإنك ستدخلين هذا المكان وحدك حتى لو قيل لك إنه مفخّخ.”
“ولماذا قبلتَ أن تأتي؟”
توقف عند الصف الأول. “لأن آخر مرة سمعت فيها اسم هذا المجلس كان فوق جثة. أمينة أرشيف وُجدت في شقتها قبل ست سنوات. طُلب مني أن أكتب في التقرير: انتحار. كتبتُها.” ثم أضاف بجفاف: “ما زلت أحاول أن أمحوها.”
لم يزد. وفهمت لمى أنه أعطاها نصف الحقيقة عن قصد، كما يعطي المحققون الشهود نصف السؤال.
“أخبريني عن هذا المجلس”، قال. “لا ما يُشاع. ما تعرفينه.”
“ما أعرفه لا يتجاوز صفحة.” جلست على حافة المنصّة. “أسّسه في الخمسينات منفيّون لا تُعرف أسماؤهم. وقبل أربعة عشر عاماً تولّت رئاسته المؤرخة سلمى سلامة، وبدأ يسجّل جلساته. تتسرّب المحاضر أحياناً مجتزأة عبر قنوات لا يمكن تتبّعها. في كل جلسة يُعاد فتح قضية عقل أُسكت: سقراط، ابن رشد… لا لتمجيده ولا لإدانته. المجلس لا يُصدر أحكاماً. يُصدر سؤالاً. ويترك على المنصّة مقعداً فارغاً لمن لا يستطيع الحضور، ولهذا سُمّي مجلس الغائبين. وفي كل جلسة يتطوّع عضو ليكون محامي الغائب: يتكلم بلسان الميت.”
“ومن يقرّر ما يستحق جلسة؟”
“لا أحد يعرف. وهذا ما يخيف الجميع.”
كانت قد وصلت إلى هذا العنوان بعد شهرين من الحفر الصبور: فاتورة تدفئة قديمة باسم جمعية ثقافية لا وجود لها، ثم سجل ملكية مدفون في أرشيف البلدية، ثم رجل عجوز يبيع الصحف قرب المحطة تذكّر امرأة تدخل البناء كل خميس وفي يدها حقيبة جلدية ثقيلة. لم تقل لأحد. لم تقل حتى لرئيس التحرير كم تعني لها هذه القصة، فهو يظن أنها تلاحق سبقاً صحفياً، وهي في الحقيقة تلاحق سؤالاً.
وكانت تعرف أن السؤال الذي يطول البحث عنه يصير جزءاً من صاحبه.
على المقعد الأوسط ورقة واحدة مطويّة بعناية، كأن يداً حريصة وضعتها قبل ساعات لا قبل أسابيع. فتحتها لمى بأطراف أصابعها. سطر واحد بالحبر الأزرق، بخطّ تعرفه كما تعرف خطّها هي، لأنها قضت شهرين تدرس توقيع البروفيسورة سلمى على كل وثيقة وقعت عليها يدها:
“انتهت الجلسات. ولم تنتهِ الأسئلة.”
“هذا خطّها؟” سأل كريم.
“نعم. وهذا ما لا أفهمه: اختفت قبل عامين، وهذه الورقة لم يمضِ عليها عامان.”
بدل أن يعلّق، أخرج من حقيبته ملفاً رقيقاً ووضعه على الطاولة بحذر. “وجدت هذه خلف المنصّة، تحت أحد المقاعد المغطاة.”
صفحة ممزقة من سجل ضخم، عنوانها مطبوع بحرف قديم: “سجلّ مجلس الغائبين — الجلسات المقبلة”. تحته أسماء، لا أسماء الأعضاء بل أسماء من سيُعاد فتح ملفاتهم: سقراط. هيباتيا. ابن رشد. ابن خلدون. دانتي. ماري وولستونكرافت. نيتشه. وإلى جوار الاسم الأول، بقلم رصاص باهت: “من تعدّ الأقراص البرونزية”. أما الهوامش المقابلة لبقية الأسماء فكانت ممحوّة بعناية، كأن أحدهم لا يريد أن يسهّل المهمة أكثر مما يلزم.
ثم سطر أخير بخط مختلف، أحدث، لا اسم فيه لمفكّر:
“لمى الحلبي — الشاهدة.”
قرأه كريم بصوت خفيض، ثم أعاد قراءته بصمت. “هل لديك تفسير؟”
كان لديها شيء يشبه التفسير. لكنه ثقيل، ولا يُقال أمام رجل لا تعرفه. “لا”، قالت. “ليس بعد.”
قبل أن يخرجا فتّشا الكواليس. خلف المنصّة غرفة صغيرة فيها غلاية كهربائية وطاولة، وعلى الطاولة كوبان من الفخار. لمس كريم الأول بظهر أصابعه، ثم الثاني، وتوقف.
“هذا دافئ.”
كان الكوب الأول بارداً، وفي الثاني بقية شاي ما زال يتنفس. في قعره ورقة نعناع ذابلة.
“جاء أحد قبلنا بنصف ساعة”، قال. “شرب شاياً ومضى. وترك الباب مفتوحاً.”
“لماذا يترك أحد باباً مفتوحاً في مكان أخفاه سنوات؟”
“لأنه أراد أن نجد المكان”، قال كريم. “أو لأنه أراد أن يجده غيرنا.”
فكّرت لمى أن الجملتين ممكنتان معاً. وأن الفرق بينهما هو الفرق بين دعوة وفخ.
غادرا القاعة والمطر يشتد. على العتبة اهتزّ هاتفها في جيب سترتها. رقم مجهول. صورة بلا نص.
سبّورة سوداء في صف دراسي محترق: الجدران مسوَّدة بالسخام، والنوافذ بلا زجاج، وفي أعلى السبّورة، بطبشورة بيضاء ما زالت حروفها واضحة، جملة بخط رجل تعرفه قبل أن تعرف أي خط آخر في حياتها:
“السؤال الذي لا تجرؤ على طرحه هو الذي ينبغي أن تبدأ به.”
وتحتها، بخط أحدث، بيد امرأة:
“اسألي عمّن قتل سقراط، يُجبْكِ عمّن قتل أباكِ.”
توقفت لمى في منتصف الخطوة. كانت تلك السبّورة في ثانوية بمعرّة النعمان، والثانوية احترقت قبل ثلاثة عشر عاماً، في الأسبوع نفسه الذي مات فيه أبوها. ولا أحد في العالم، فيما تعلم، يملك صورة لها. لا أحد سوى من دخل ذلك الصف بعد الحريق.
أما الخط الثاني فكانت تعرفه أيضاً. خط سلمى سلامة.
رفعت عينيها إلى كريم. لم يكن ينظر إلى الصورة. كان ينظر إلى وجهها، كأنه يحسب شيئاً.
الفصل الثاني
أثينا: الشائعة التي سبقت المحكمة
وصلا إلى أثينا عند الفجر، والمدينة تتثاءب تحت غيمة منخفضة تغطي الأكروبول حتى منتصفه. لم تنم لمى في الطائرة. قال كريم إنه سيرافقها حتى تنتهي هذه الرحلة التي “لا يبدو أن عاقلاً خطّط لها”، فقالت إنها لم تطلب منه شيئاً، فأجاب بأن أحداً لم يطلب من أحد شيئاً في هذه القصة، وإن هذا بالضبط ما يقلقه.
مشيا في الطرقات الضيقة تحت الأكروبول، بين دكاكين التذكارات والقطط الكسولة. عند زاوية رأت لمى رجلاً بوشاح أزرق يقف أمام واجهة مغلقة، يرفع هاتفه كأنه يصوّر السقف. وحين التفتت إليه، كان قد أنزله.
“سائح”، قال كريم دون أن ينظر.
“لا يصوّر السقف. يصوّرنا.”
“أنتِ تحتاجين إلى النوم.”
لم ترد. كانت قد قرأت في حياتها المهنية عن شيء اسمه الانتباه الانتقائي: يرى المرء ما يخافه، ثم يعتقد أنه يرى الحقيقة. وقررت، وهي تدخل رواق المتحف، ألا تستبعد أيّاً من الاحتمالين.
متحف الأغورا القديمة يقوم في رواق أتالوس المُعاد بناؤه، أعمدة وظلال وأرض باردة تحت الأقدام. سألت لمى الحارس عن “المرأة التي تعدّ الأقراص البرونزية” فلم يستغرب السؤال. اكتفى بأن قال: “إلينا؟”، وأشار إلى درج حجري ينزل إلى مخزن لا يدخله الزوار.
كانت إلينا فلاخو في أوائل السبعين، قصيرة القامة، صلبة الملامح، بقفازين أبيضين تحت ضوء مصباح مكتبي، تعدّ قرصاً بعد قرص دوائر برونزية صغيرة في حجم كفّ طفل، في كل منها ثقب عند المنتصف. لم ترفع رأسها.
“تأخرتما يومين.”
“لم نكن نعلم أن هناك موعداً”، قالت لمى.
“ولم أكن أعلم أنك ستأتين. لكنني كنت أعدّ.” رفعت قرصاً إلى الضوء. “هذه أصوات المحلَّفين، أو أخوات لهم. في اليوم الذي حوكم فيه رجل في السبعين من عمره كان في القاعة خمسمئة وواحد منها. أحسبها منذ أربعين سنة، فيخرج العدّ ناقصاً واحداً دائماً. لعل هذا ما يسمّونه التاريخ: ناقص واحد.”
“سقراط”، قال كريم.
“سقراط. ومتى بدأت محاكمته، أيها الشرطي؟”
“سنة تسع وتسعين وثلاثمئة قبل الميلاد.”
“خطأ. بدأت قبل ذلك بأربع وعشرين سنة، في المسرح.”
نزعت قفازها الأيمن وأخرجت من صندوق خشبي جرّة فخارية صغيرة مثقوبة القاع. “ساعة مائية. هكذا كانوا يقيسون كلام الخصوم: تُملأ الجرّة، فإذا فرغت انتهى وقتك. وسقراط، وقد بلغ السبعين، مُنح من الماء ما يكفي ليمحو في ساعة واحدة شائعة عمرها أربع وعشرون سنة.”
“أي شائعة؟” سألت لمى.
“في سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة قبل الميلاد عُرضت في أثينا كوميديا لأريستوفانيس عنوانها “السحب”. فيها سقراط يتدلّى في سلّة معلّقة بحبل ويقول إنه يمشي في الهواء، يفحص ما في السماء وما تحت الأرض، ويعلّم الناس كيف يجعلون الحجة الضعيفة قوية. ضحكت المدينة. ومنذ تلك الليلة لم يعد سقراط رجلاً بل صورة. وفي المحكمة، بعد ربع قرن، قال لهم هو نفسه، وهو يعرف أنه يقول ما لا يُصلَح، إن خصومه القدماء أخطر عليه من الثلاثة الواقفين أمامه، لأنهم أمسكوا بأيديكم وأنتم أطفال.”
“وكانت الصورة كاذبة؟” سأل كريم.
“هنا يخطئ الجميع. لا يهم إن كانت كاذبة. يهم من رسمها، ولمن كانت تخدم، ولماذا بقيت تعمل بعد ربع قرن. هذه هي الأداة الأولى: لا يقتلونك بالتهمة. يقتلونك بما قيل عنك قبل أن تُتَّهم.”
“وكان التصويت متقارباً.” قالت لمى، وكانت قد قرأت “دفاع سقراط” في صباها.
“ثلاثون صوتاً. هو نفسه حسبها: لو بدّل ثلاثون من الخمسمئة وواحد أصواتهم لخرج حراً. ثم سُئل عن العقوبة التي يقترحها لنفسه فقال: وجبات مجانية في دار المدينة، كما تكرّم المدينة المنتصرين في الألعاب. فحكموا عليه بالموت بأغلبية أكبر مما أدانوه.”
“ولم يهرب.”
“كانت سفينة المدينة المقدسة في رحلتها السنوية إلى ديلوس، ولا يُنفَّذ إعدام ما دامت غائبة. فانتظر في الزنزانة نحو شهر. جاءه صديقه كريتون بحارس مرتشٍ وملجأ في مدينة أخرى، فرفض. وآخر ما قاله أمر لا يفهمه أحد: يا كريتون، علينا ديك لأسكلبيوس، فأدّوه ولا تهملوا.” ابتسمت لأول مرة ابتسامة قصيرة بلا دفء. “أحب ألا أعرف ما قصد.”
“والأقراص؟” سألت لمى. “لماذا تعدّينها؟”
“لأن سقراط لم يكتب حرفاً واحداً. كل ما نعرفه عنه نعرفه لأن آخرين حفظوه في رؤوسهم قبل أن يكتبوه. وهذا ما فهمته سلمى قبل غيرها.”
أطفأت المصباح المكتبي وأشعلت آخر أضعف منه، وأشارت لهما أن يجلسا.
“في المجلس فهرس. ثلاثمئة وخمسون حالة لعقول أُسكتت بسبع أدوات لا تتغير منذ خمسة وعشرين قرناً. بقي سبعين سنة في خزائن وأرشيفات. قبل عامين أخرجته سلمى من الورق ووضعته في سبعة رؤوس. أنا رأس منها: فصل “الشائعة السابقة”، خمسون حالة. لا شيء مكتوب.”
“سبعة رؤوس”، كرّر كريم ببطء. “لماذا؟”
“لأن ما يُكتب يُسرق، وما يُخزَّن يُخترق. أما ما في رأسي فلا يُسرق إلا برأسي.”
بدأت تتلو. بلا ورقة وبلا ترتيب ظاهر، بصوت منخفض كمن يقرأ قائمة مشتريات: أناكساغوراس، الذي طُرد من أثينا قبل سقراط بجيل لأنه قال إن الشمس حجر ملتهب. بروتاغوراس، الذي يُروى أن كتبه أُحرقت علناً. ديّاغوراس المِيلي، الذي يُروى أنهم رصدوا مكافأة لمن يقتله. ثم أسماء من قرون وقارات أخرى، يتبع كل اسم منها سطر واحد.
“لكل أداة سؤال يبطل مفعولها”، قالت وهي تتلو. “سؤالي أنا: من قال هذا أولاً؟ ولمصلحة من قاله؟ هذا كل ما يلزم مدينة كاملة لتنجو من شائعة.”
عند الاسم الأربعين تقريباً قطع كلامها ارتطام معدني من الأعلى.
ركض كريم أولاً، وتبعته لمى. في الطابق العلوي كانت خزانة معدنية مخلوعة، وأدراجها مفتوحة، ودفاتر سوداء كثيرة قد اختفت. لم تُصَب إلينا بالذعر. نظرت إلى الخزانة وضحكت ضحكة جافة.
“دفاتري الفارغة. ثلاثة وعشرون منها. تركتها لهم عمداً.”
“لهم؟”
“ظننت أن الأمر سيستغرق أسبوعاً. جاؤوا في يومين.” حوّلت نظرها إلى لمى ثم إلى كريم. “والغريب أنهم لم يأتوا قبل وصولكما، بل بعده. أحدهم أخبرهم أنكما هنا.”
لم يقل كريم شيئاً. وكانت لمى تفكر في باب مفتوح في كوبنيك، وفي سؤال لم يُطرح.
في الطابق العلوي، حين ابتعدت إلينا نحو الخزانة تفحص ما بقي فيها، وقفت لمى أمام كريم وقد ضاق صدرها.
“من كان يعرف أننا في أثينا؟”
“أنتِ وأنا وإلينا. ورئيس تحريرك، إن كنتِ أخبرتِه.”
“لم أخبره.”
“إذن ثلاثة.” نظر إليها بهدوء المحققين. “لن أنكر أن الأمر يبدو سيئاً. لكنكِ لو كنتِ مكاني، لقلتِ إن الاتهام بلا دليل هو الأداة الأولى بعينها.”
كانت ضربة محكمة. لمى، التي تعمل منذ عشر سنوات في كشف الأكاذيب، شعرت بالانزعاج لأن الجملة جاءت من فمه هو. “من قال هذا أولاً؟” قالت أخيراً.
“ماذا؟”
“لا شيء. سؤال تعلمته للتو.”
قبل أن تغادرا رافقتها إلينا وحدها حتى رأس الدرج. دسّت في يد لمى جهازاً صغيراً قديماً لتشغيل الصوت. “خمسة تسجيلات من الأيام التي كان فيها المجلس يتكلم بصوت عالٍ”، قالت. “جلسات سنوات ألفين واثني عشر وما بعدها. في كل جلسة يتكلم محامي الغائب بلسان الميت. اسمعيها حين لا تنامين. ليس فيها ما يوصل إلى أحد، لكنها تعلّم كيف يُصغى.” ثم أعطتها ما جاءت من أجله: “الإسكندرية. اسألي عن التي تحرس قاعات بلا سقف.” ثم بصوت أخفض من أن يبلغ كريم الواقف في الأسفل: “ولا تثقي بمن لا يسأل. من لا يسأل يعرف الجواب سلفاً.”
الفصل الثالث
الإسكندرية: من فتح للحشد الباب؟
حين هبطا في الإسكندرية كانت الرطوبة تلتصق بالجلد كأنها اتهام. البحر على يسار الكورنيش رمادي ثقيل، والميكروباصات تتقاذف الركاب، وفي الهواء رائحة ملح ووقود وخبز. جلس كريم في المقعد الأمامي لسيارة الأجرة يراقب المرايا طوال الطريق. لم تسأله لمى عمّا يبحث. كانت تراقب هي أيضاً، لكنها كانت تراقبه هو.
كوم الدكّة تلّة أثرية وسط الأحياء السكنية: مدرّج روماني صغير، وحمّامات، وفسيفساء، وصفوف من قاعات المحاضرات المكشوفة بلا سقف، درجاتها الحجرية ترتفع على هيئة حدوة. بين الدرجات وقفت امرأة في الخمسين بقميص قطني مرفوع الكمّين وقفازين مغبَّرين، يتدلّى على صدرها صليب صغير لم تحاول إخفاءه.
“مريم جرجس”، قالت وهي تصافحهما. “ترمّم هذه الفسيفساء منذ ثلاثين سنة. وهذه القاعات بُنيت في القرنين الخامس والسادس، أي بعد هيباتيا بزمن. يحب الزوار أن يتخيلوا أنهم يجلسون حيث درّست. لا دليل على ذلك، وأنا لا أصحّح لهم. المدينة تحتاج إلى أسطورة تجلس عليها.”
جلست على الدرجة الثانية وأشارت لهما أن يفعلا.
“نعرف هيباتيا من ثلاثة مؤرخين، وكلهم يكذب علينا بطريقته. أولهم سقراط، مؤرخ الكنيسة، ولا علاقة له بالفيلسوف إلا بالاسم. كتب بعد الحادثة بنحو ربع قرن، وهو مسيحي، وعدّ ما جرى عاراً على كنيسة الإسكندرية. والثاني دمسقيوس، وثني، كتب بعد نحو قرن، ووجّه الاتهام إلى الأسقف مباشرة. والثالث يوحنا النقيوسي، أسقف قبطي كتب بعد نحو ثلاثة قرون، ولم يكتفِ بتبرئة القتلة بل احتفى بهم، ووصف المرأة بالساحرة التي خدعت الوالي والناس.”
“ثلاثة مصادر، ثلاث هيباتيات”، قال كريم.
“وهذا ما أريدكما أن تنتبها له قبل أي شيء. القاتل يريد أيضاً أن يكتب القصة.” ثم تابعت بصوت أهدأ: “كانت ابنة عالم رياضيات اسمه ثيون، ورثت عنه الأرقام ثم تجاوزته. تعلّم عندها مسيحيون ووثنيون، وكان ولاة المدينة يستشيرونها. لم تكن تحكم، لكنها كانت تُسأل، وهذا ما جعلها خطرة. وفي سنة أربعمئة وخمس عشرة كان في الإسكندرية صراع بين الوالي الروماني أوريستس والأسقف كيرلس على من يحكم المدينة فعلاً. وانتشرت شائعة: أن هيباتيا هي التي تمنع الوالي من مصالحة الأسقف.”
“شائعة جديدة تسبق قتيلاً جديداً”، قالت لمى.
“في آذار، في أيام الصوم، كانت عائدة إلى بيتها في عربتها حين اعترض طريقها حشد يقوده رجل اسمه بطرس القارئ. أنزلوها وجرّوها إلى كنيسة القيصرون، وجرّدوها من ثيابها، وقتلوها بشقف الفخار، ثم مزّقوا جسدها وأحرقوه خارج المدينة.”
قالت الجملة الأخيرة بلا نبرة، ثم سكتت.
“قيل إن التحقيق أُغلق. لم يُحاسَب أحد. وبعد عقود صار كثيرون يحبون أن يقولوا إن الحشد كان غيرة على الدين. لم يكن يحتاج إلى دين. كان يحتاج إلى ضوء أخضر. الحشد لا يتحرك وحده. أحدهم يفتح له الباب، وأحدهم يغمض عينيه. هذه هي الأداة الثانية: الحشد. وسؤالي أنا: من فتح للحشد الباب؟”
شعرت لمى بشيء يضغط على صدرها لا على عقلها. لم تقل شيئاً. كان في رأسها باب خشبي، وساحة، ورجال لا تعرف وجوههم.
عادت إلى لمى صورة لم تكن تريدها: جنازة صغيرة في ربيع ألفين وثلاثة عشر، عشرون رجلاً فقط، وأمها تقف عند المقبرة وهي تنظر إلى الأرض كي لا ترى أحداً. كانت لمى يومها في حلب، وقد وصلها الخبر بعد موت أبيها بثلاثة أيام. أرسل أحدهم مقطعاً على هاتفها: صوت أبيها يتلو بيتاً، وتعليق مكتوب بالأحمر. لم تكتب تحته شيئاً. ولا مرة، حتى اليوم، سألت نفسها من كتب هذا التعليق.
“أنتِ بخير؟” سألت مريم.
“أحاول أن أكون.”
“لا بأس. الكلام عن الحشود يوقظ فينا أشياء. أنا لا أحمل هذا الصليب ضد أحد. أحمله كي لا يُنسب هذا الدم إلى من لم يسفكه.”
تلت مريم فصلها كما تُتلى صلاة قديمة: جان هوس، الذي أُحرق في كونستانس سنة ألف وأربعمئة وخمس عشرة بعد وعد بالأمان لم يُوفَّ به. ميغيل سرفيت، الذي أُحرق في جنيف سنة ألف وخمسمئة وثلاث وخمسين بأمر من مدينة كانت تحاضر الناس في الإصلاح. جوردانو برونو، في روما، سنة ألف وستمئة. وفي مصر، فرج فودة، الذي اغتيل سنة ألف وتسعمئة واثنتين وتسعين بعد بيانات وفتاوى سبقت الرصاصة. ونصر حامد أبو زيد، الذي فُرّق قضائياً بينه وبين زوجته سنة خمس وتسعين، فغادر البلاد. “وفي كل مرة”، قالت، “ورقة أو فتوى أو شائعة تفتح الباب قبل أن يبلغه أحد.”
كان كريم قد توقف منذ دقيقتين عن النظر إليها. رأى عبر فتحة المدرّج رجلاً على دراجة نارية يرفع هاتفه ويصوّرهم.
“لدينا زوار”، قال بهدوء.
عند البوابة ظهر ثلاثة رجال يمشون بخطوة من لا يريد أن يبدو مستعجلاً. لم تسأل مريم من هم. نهضت وهي تخلع قفازيها، وقادتهم عبر ورشة الفسيفساء، بين طاولات عليها مكعبات صغيرة ملوّنة تنتظر مكانها منذ قرون، إلى باب حديدي خلف حاويات القمامة. انفتح على زقاق ضيق تفوح منه رائحة الفول والزيت. وفي آخر الزقاق كان الترام الأزرق القديم يبطئ عند المنعطف. قفز إليه الأربعة، والرجال الثلاثة يخرجون من الباب الحديدي خلفهم.
جلس كريم عند النافذة. لاحظت لمى أنه لم يلتفت إلى الوراء إلا مرة واحدة.
كان الترام يتأرجح على القضبان ويتنفس بصوت حديد قديم. جلست مريم قبالة لمى، وفي يدها قفاز مغبَّر تطويه ببطء.
“أتعلمين ما أصعب ما في عملي؟” قالت. “ليس الفسيفساء ولا الحفريات. إنني أحمل الصليب في مدينة قتلت فيها امرأة باسم من يحمله، وأقف كل يوم على أرض يحبها الناس لأنها ليست لي. أحياناً أسأل نفسي: لو كنت في ذلك الحشد، أين كنت سأقف؟”
“وماذا تجدين؟”
“أجد أنني كنت سأقف في الصف الأخير، أنظر إلى الأرض.” ابتسمت بلا فرح. “والصف الأخير هو الذي يفتح له الباب أحد، ويغمض عينيه آخرون.”
لم تعرف لمى ما تقول. نظرت من النافذة إلى المباني القديمة تمرّ، وفكرت في صفها هي، في الصف الأخير الذي لم تكن فيه أصلاً، لأنها كانت يومها على بعد مئة كيلومتر تدرس ما لا تذكره.
“هناك أمر لم أقله لكما”، همست مريم والترام يتمايل. “جاءني قبلكما بيومين رجل. يتكلم العربية بلهجة بيروتية مهذبة. لم يطلب شيئاً. ترك بطاقة.”
أخرجتها من جيب قميصها. بطاقة كريمية اللون، حروفها بارزة:
“مؤسسة الذاكرة الرحيمة — مراد حدّاد، المدير”.
عرفت لمى الاسم قبل أن تنهي القراءة. كانت قد غطّت قبل عامين، في برلين، حفل إطلاق هذه المؤسسة التي تدعو إلى “كرامة الذاكرة الرقمية” وحق الناس في أن يُنسوا. رجل أنيق على منصّة، يقول للصحفيين: “أجمل ما نقدّمه للموتى أن نتركهم يرتاحون.” وقد كتبت عنه يومها فقرة قصيرة وصفت فيها الحملة بأنها ذكية.
وتذكّرت التصفيق في تلك القاعة، فتساءلت، للمرة الأولى، كم من الحاضرين كان يعرف اسمها.
“وزهرة؟” سألت.
“زهرة في قرطبة”، قالت مريم. “ولا ترد على رسائلنا منذ أسبوع.”
من أرشيف الجلسات المسجّلة
جلسة هيلدغارد، ٢٠١٢
في الفندق، تحت مروحة سقف تدور ببطء، وضعت لمى السمّاعتين وضغطت على الرقم واحد. حفيف ورق. صوت رجل لا تعرفه، دافئ، يتأنى بين الجمل كمن يخشى أن يوقظ أحداً:
“هذه جلسة هيلدغارد، من بنغن. وأنا محامي الغائبة. أتكلم بلسانها، لا بوثائقها، فاعذروني إن أخطأت في شيء. هي لن تعتذر عنه.”
“أنا الطفلة العاشرة. كانوا يسمّون ذلك العشر، لأن العائلة تعطي الكنيسة عُشر ما تملك، فأعطتني. أُودعت صغيرة في صومعة ملاصقة للدير مع معلّمة اسمها يوتا، وأغلقوا الباب.
كنت أرى منذ الثالثة ضوءً يتحرك فوق الأشياء. ظننت أن الجميع يرى مثلي، فلما سكتوا عرفت أن ما أراه لا يُقال. فكتمته سنوات طويلة، حتى بلغت الثانية والأربعين.
ثم جاءني صوت: اكتبي ما ترين وما تسمعين. وكتبت. جاء راهب اسمه فولمار يدوّن ما أُملي. وهكذا وُلد كتاب “اعرف الطرق”. وحين تردد الرجال في تصديق امرأة، عرضوا مقاطع منه على البابا. أذن البابا، وفُتح الباب الذي لم يكن ينبغي أن يُفتح.
لم أتوقف عند الرؤى. كتبت في الأعشاب والحجارة والأمراض وما يشفيها، وألّفت ألحاناً لراهباتي، وابتكرت لغة لا يعرفها أحد غيرنا. وكتبت إلى الأباطرة والبابوات: أن الذي لا يقول كلمته اليوم يُسأل عنها غداً.
ثم جاءت السنة الأخيرة. ثمانون عاماً. في مقبرة ديرنا دُفن شاب نبيل كانت الكنيسة قد حرمته، لكنه، كما أخبرني الكاهن الذي حضره، اعترف وتناول القربان قبل أن يموت. رأيت أن لا حق لأحد أن يطرده من التراب. جاء رجال الكنيسة من ماينتس وأمروا بنبشه. رفضت. غطيّت القبر وأخفيت معالمه.
فعاقبوني بما يعاقب به من لا يُسحق: منعوا ديرنا من القدّاس ومن الغناء. أن يسكت الدير الذي بُني على الألحان.
كتبت لهم رسالة. لم أرجُ العفو. قلت إن الموسيقى تشبه ما يُسمع في السماء، وإن من يُسكتها يحرم الناس شيئاً من السماء. بعد أشهر قليلة رُفع المنع. ثم متُّ في الخريف.
أنا لم أطلب أن تنصتوا إليّ. طلبتُ ألا تُخرسوني. فما الذي تفعلونه أنتم بالأصوات التي لا تعجبكم؟”
سكت التسجيل لحظة. ثم قال الرجل بصوته الأول: “تلك كانت هيلدغارد. الجلسة تُغلق. لا حكم.”
أبقت لمى السمّاعتين في أذنيها بعد أن انتهى. كان صوت الرجل شيئاً من الدفء لا تستطيع تسميته. كانت تحس أنها تعرف من يشبه، ولا تعرف من.
الفصل الرابع
قرطبة: ثمن الصمت
في فناء النارنج، داخل جامع قرطبة الذي صار كاتدرائية ولم يتوقف عن كونه جامعاً، كانت الأغصان محمّلة بثمار صفراء لا تؤكل. لمى لم تكن تعرف ذلك، فمدّت يدها إلى واحدة، فقال كريم: “مرّة. تُزرع للظل والمنظر.”
وصلت زهرة الإدريسي متأخرة نصف ساعة، امرأة في الرابعة والأربعين بعينين محمرّتين وحقيبة جلدية تعانقها كأنها طفل. أستاذة الفلسفة الإسلامية في جامعة المدينة، تُشرف في أوقات فراغها على ترميم المخطوطات. جلست على مقعد حجري بين شجرتين وقالت قبل أي تحية: “لا أستطيع.”
“لم نطلب شيئاً بعد”، قالت لمى.
“ستطلبان. وسأقول لكما أولاً ما قلته لنفسي طوال الأسبوع: ابن رشد لم يكن ضحية عدوّ. كان ضحية صديق.”
أخذت نفساً طويلاً.
“كان جدّه قاضياً كبيراً، وكان هو قاضياً وطبيباً للخليفة، أي أنه عاش قريباً من السلطة بما يكفي ليعرف كم هي هشّة. شرح أرسطو للناس، وقال في “فصل المقال” إن الحكمة والشريعة لا تتعارضان، بل بينهما اتصال. وكان الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور يحبه ويقرّبه، وهذا ما يجعل القصة أفظع من قصص الأعداء.”
“في صيف ألف ومئة وخمسة وتسعين هزم المنصور جيش قشتالة في موقعة الأركوس، ولم تنتهِ الحرب. كان يحتاج إلى الفقهاء ليبقى الناس وراءه في معركة طويلة، والفقهاء لا يحبون الفلاسفة. فدفع الثمن الأقل كلفة: شيخاً في التاسعة والستين.”
“وما التهمة؟” سأل كريم.
“تروي بعض المصادر القديمة أن خصومه وجدوا في أحد كتبه جملة عن كوكب الزهرة، فانتزعوها من سياقها وقدّموها دليلاً على أنه قال بألوهيته. لا نعرف إن كانت الحكاية صحيحة. نعرف أن الجملة المنتزعة أرخص من الكتاب الكامل. أمر الخليفة بنفيه إلى اليسانة قرب قرطبة، وبإحراق كتبه الفلسفية، وإبقاء كتب الطب والحساب والفلك. وتقول روايات أخرى إنه أُوقف عند باب الجامع وبصق عليه الداخلون. ثم أُعيد إليه الاعتبار قبل وفاته بقليل، ومات في مراكش سنة ألف ومئة وثمان وتسعين. وحين أراد العالم أن يقرأ شروحه على أرسطو لم يجد كثيراً منها بالعربية. وجدها بالعبرية وباللاتينية.”
“الأداة الثالثة: التضحية. الحاكم لا يكرهك. أنت فقط ثمن.” مسحت عينيها بكمّها. “وسؤالي: ما الذي يشتريه صاحب السلطة بصمتي؟”
صمتت قليلاً، ثم قالت بصوت أصغر:
“قبل أسبوعين جاءني رجل. ألقيت عليه فصلي. ستين حالة.”
التفتت إليها لمى ببطء. “كلها؟”
“عشر منها كاذبة. هكذا طلبت سلمى منا جميعاً: أن نضيف إلى الفصل عشر حالات مختلَقة لكل من لا يكون الشاهدة. سمّتها سمّاً في النبع.” مسحت وجهها بكمّها. “لم يهددني بشيء، وهذا ما أخافني. جاء بقهوة وحلوى وابتسامة. قال إن ابني الذي يدرس في الخارج قد تواجهه صعوبات في الإقامة، وإنه قادر على المساعدة. لم يقل أكثر. كانت الجملة وحدها كافية. هكذا يعمل الرماد: لا يحرق أحداً، يكتفي بأن يلمس ما تحبين.”
“والعشر حالات؟” سأل كريم.
“سلمى قالت إن من يُكره على الكلام يتكلم بما يملك. فقلتُ له ما أملك.” ابتسمت بمرارة. “ثم بكيتُ ساعتين.”
“سمّ جيد التركيب”، قال صوت رجل من خلفهم. “لكنني وجدت الحالات العشر كلها في ساعتين.”
كان واقفاً بين الشجرتين، يدسّ يداً في جيب معطفه ويحمل بالأخرى ثمرة نارنج مرّة التقطها من الأرض. رجل في الثانية والخمسين، شعره فضي ممشّط إلى الخلف، نظارته بلا إطار، حذاؤه نظيف على أحجار تحتفظ بغبار ألف سنة. جلس على المقعد المقابل دون استئذان.
“لا تغضبي منها يا لمى. كنتِ ستفعلين الشيء نفسه.”
“كيف عرفتَ اسمي؟”
“كتبتِ عن حملتنا. وصفتها بأنها ذكية. لم تعرفي كم كان ذلك صحيحاً.” قلّب الثمرة بين أصابعه. “هذه تُزرع للظل. لا يأكلها أحد، ولا يضرّ أحداً أن تبقى. أنا أفعل الشيء نفسه: أزرع ظلاً.”
“وماذا تفعل مؤسستك في الظل؟” سأل كريم.
“أنقذ الناس من أسئلة تقتلهم.” قالها بلطف مدهش. “أنتم، يا أصدقائي، تحرسون أسئلة أكلت من البشر أكثر مما أطعمتهم. أنا أحرس البشر. ولا أحرق شيئاً. زمن المحارق انتهى، وكان بدائياً. أنا أقدّم الرحمة: أن يُنسى ما يكاد يتحوّل إلى حشد قبل أن يتحوّل.”
“الرماد”، قالت لمى.
ابتسم. “تعرفين تعبيرهم المفضل. نعم. الرماد لا يشتعل ثانية.”
سكت لحظة، ثم حوّل نظره إليها وحدها، وانخفض صوته إلى درجة يُقال عندها ما لا يُقال أمام الشهود.
“عندي سبب لأتكلم معكِ أنتِ بالذات، لا مع الباقين. عندي اسم الرجل الذي قطّع صوت أبيكِ في ربيع ألفين وثلاثة عشر قبل أن يُرسَل إلى مئة ألف هاتف. وعندي ما يثبت ذلك.”
تجمّدت. لم تتحرك يدها ولا عيناها، لكن شيئاً في صدرها سقط درجات.
“لم تأتِ لتشتري زهرة”، قالت أخيراً. “جئت لتشتريني.”
“جئت لأقول لكِ إن الفهرس الذي تجمعينه في رأسك، فصلاً صادقاً بعد فصل، لا ينفعك. لكنه ينفعني. وأنا أقايض.” وقف وأعاد الثمرة المرّة إلى الأرض بعناية كما يُعاد كتاب إلى رفّه. “عندكِ حتى مساء الحادي والعشرين من كانون الأول. وفي صباح اليوم التالي تُعتمد “ليثي” في جنيف أداة عالمية. لست أهدّدك. هذا موعد.”
مضى بخطوات هادئة بين الأعمدة، لا حراس ولا تعجّل. حين غاب عن العين قالت زهرة وهي ترتجف: “لم يكن ينبغي أن يعرف أنك الشاهدة.”
لم تجبها لمى. كان في رأسها سؤال واحد: كيف عرف صفتها؟ صفحة السجل التي كُتب فيها “الشاهدة” لم يقرأها غيرها وغير كريم.
من أرشيف الجلسات المسجّلة
جلسة طاغور، ٢٠١٢
في غرفة الفندق القرطبي، بعد منتصف الليل، ضغطت لمى على الرقم اثنين.
“جلسة رابندراناث طاغور. وأنا محامي الغائب، وسأتكلم بلسانه. لن أزعم أنه كان يُسكَت مثل غيره. أريد أن أحكي حالة أخرى: حالة الذي يقف بين معسكرين.”
“وُلدتُ في كلكتا سنة ألف وثمانمئة وإحدى وستين، في بيت يكتب فيه الجميع. وفي سنة ثلاث عشرة وتسعمئة وألف نلتُ جائزة نوبل على “غيتانجالي”، أول من نالها من خارج أوروبا. ظن الناس أنني بلغت. لم أبلغ شيئاً.
في ألف وتسعمئة وتسع عشرة وقعت مجزرة في حديقة اسمها جاليانوالا باغ: حشد من الهنود العُزّل أطلق عليه جنود بريطانيون النار. قُتل مئات. فكتبت إلى نائب الملك أتخلى عن اللقب الذي منحتني الإمبراطورية إياه. لم يكن ذلك شجاعة، بل أنني لم أستطع أن أحمل اسماً أعطاني إياه من أطلقوا النار.
لكن الذين كانوا يهتفون ضد الإمبراطورية لم يرحموني أيضاً. قالوا إنني أخاف الوطنية. وكنتُ قد حاضرت قبل ذلك عن الوطنية كما تتحول إلى آلة: أن الأمة التي تعبد نفسها تدوس من فيها. أحببت غاندي واحترمته، وبقينا صديقين. لكنني قلت له إنني لا أرى أن حرق الأقمشة الأجنبية جواب عن الجوع.
بنيتُ مدرسة في سانتينيكتن، ثم جامعة سمّيتها فيسفا بهاراتي، بلا جدران إن أمكن. أردتُ أن يتعلم الأولاد في الظل أن العالم أوسع من حدود من يخافون منه. ومتُّ سنة ألف وتسعمئة وإحدى وأربعين.
ليس سؤالي كيف يُقتل المرء. سؤالي كيف يُترك وحيداً: بين فريق يقول لك إنك لست معنا، وفريق يقول إنك لست منّا. من يسمع صوت الواقف في الوسط؟”
صمت قصير. ثم قال الرجل: “الجلسة تُغلق. لا حكم. شكراً لكم على الإصغاء.”
وعند الجملة الأخيرة، تجمّدت لمى. صوت الشكر هذا، لا صوت التمثيل. كان الصوت الذي سمعته قبل ساعات في فناء النارنج، بين الأشجار المرّة.
مراد حدّاد.
نزعت السمّاعتين. كان في الغرفة ضجيج مروحة وهمس شارع بعيد. ورأت، بوضوح مفاجئ، أن الرجل الذي يتحدث بهذا الحب عن الغائبين هو نفسه الذي يعرض عليها ثمن أبيها.
الفصل الخامس
القاهرة: ما لم يقرأه أحد
قال يوسف العطّار إن أفضل ما في القاهرة أنها لا تسأل أحداً من أين جاء، وإن أسوأ ما فيها أنها تجيبه قبل أن يسأل. كان في الرابعة والسبعين، أستاذاً سابقاً للتاريخ في الأزهر، يمشي متكئاً على عصا يلوّح بها كأنها شاهد، ويضحك قبل أن يُنهي النكتة. اختار لهم مقهى قديماً عند أطراف الجمالية، طاولاته من الرخام الباهت، وفي صدره مرآة تعكس رؤوس الزبائن مقلوبة.
“أنتم تظنون أن هناك مؤرخاً واحداً أنقذ التاريخ”، قال وهو يطلب الشاي. “اسمه ابن خلدون، وأنا أحبه. لكنه لم ينقذ شيئاً. كل ما فعله أنه سأل: كيف يكذب علينا التاريخ؟”
وعدّد على أصابعه ما رآه ابن خلدون في مقدمته أسباباً للكذب في الأخبار: أن تحب فكرة فتصدّق كل ما يؤيدها، وأن تثق بالناقل لأنه ثقة دون أن تفحص ما نقل، وأن تتزلّف إلى صاحب المنصب بالمديح. “وأخطر ما فيها أنها أسباب يعرفها كل واحد منا في نفسه.”
“وماذا عن الرجل نفسه؟” سأل كريم.
“رجل عاش بين البلاطات ونجا منها بالمصادفة والذكاء. اعتزل في قلعة ابن سلامة في الجزائر وكتب “المقدمة” في أشهر. ثم جاء إلى القاهرة وصار قاضي القضاة المالكية. وسنة ثمانمئة وثلاث للهجرة، في الشتاء، حاصر تيمورلنك دمشق.”
حكى كيف رافق ابن خلدون السلطان المملوكي في حملة لنجدة المدينة، وكيف عاد السلطان فجأة إلى القاهرة خوفاً من اضطراب في الداخل وبقي ابن خلدون في الشام. وكيف طلب، وهو في السبعين تقريباً، أن يُنزَل من فوق السور بالحبال في سلة ليلقى الرجل الذي أحرق مدناً.
“وماذا فعل في الخيمة؟ ناقشه؟ هدّده؟ لا. كتب له. كتب له وصفاً مفصلاً لبلاد المغرب، لأن تيمور سأله. أنقذ بذلك ما استطاع إنقاذه، ولم تنجُ دمشق من النهب. لكنني أقرأ فيه شيئاً آخر. حين لا تستطيع أن توقف السيف، كن أنت من يصف الميدان. هذه هي الأداة الرابعة، يا آنسة: أن يكتب الوصفَ من يريد، وأن يُحكم على ما لم يقرأه أحد. من يكتب الوصف يملك ما حدث، ومن يحكم دون أن يقرأ يملك الحشد.”
ضحك وحده، ثم قال: “ومن مفارقات القدر أن قبر الرجل الذي علّمنا كيف نتحقق من الأخبار لا يُعرف اليوم على وجه اليقين.”
شرب شايه، ونظر عبر المقهى إلى الزقاق الضيق المطلّ عليه.
“ومن هنا، من حارات الجمالية، خرج نجيب محفوظ. في الرابع عشر من تشرين الأول سنة ألف وتسعمئة وأربع وتسعين، وكان في الثانية والثمانين، اقترب منه شاب أمام بيته وطعنه في رقبته بسكين. نجا. لكن الطعنة مسّت الأعصاب، فلم تعد يده اليمنى تطيعه. الرجل الذي كتب أكثر من ثلاثين رواية بانضباط الموظفين لم يعد يستطيع الكتابة إلا دقائق قليلة في اليوم. ولم يكتب بعدها رواية واحدة. أملى أحلاماً قصيرة.”
“بسبب “أولاد حارتنا”؟” سأل كريم.
“بسبب رواية نُشرت مسلسلة في الأهرام سنة تسع وخمسين، قبل خمس وثلاثين سنة من الطعنة. منعها الأزهر في مصر، فنُشرت في بيروت. وتقول الروايات إن أحد المتهمين اعترف لاحقاً بأنه لم يقرأها. لم يقرأها. هل تفهمان؟ كان هناك شيء يسمّونه الرواية، قرأه غيره وحكم عليه غيره وسلّمه إليه كما تُسلَّم سكين.”
وكان صوته قد فقد ضحكته.
“سؤالي، يا آنسة: هل قرأ المُدين ما أدان؟”
وأضاف بصوت أدنى، وقد تركت عصاه ضحكتها: “أنا نفسي سُحب كتاب لي من المكتبات سنة سبع وثمانين. كتاب في تاريخ الأزهر في القرن الرابع عشر. لم يقرأه من سحبه. قال لي مسؤول: لقد قيل لنا إن فيه شيئاً. من الذي قال؟ لم يعرف. وبعد ثلاثين سنة لم أعثر على أحد يعرف.”
“وماذا فعلت؟” سألت لمى.
“كتبته من جديد. وسألت عن كل جملة: من سيقول عنها إنها خطر؟ فخرج أرقّ، وأسوأ. لعلّ الخوف يصنع كتّاباً أسوأ من الظلم. وهذه، يا ابنتي، أخبث أدوات الرماد.”
ثم أخذ يتلو فصله، حالة بعد حالة. الحلاج. ابن المقفّع. غاليليو. كتب أُحرقت وكتب مُنعت وكتّاب شُوّهوا بعد موتهم بأقلام لم تقرأ لهم سطراً. لم تعد لمى تسمع الأسماء. كانت تسمع شيئاً واحداً، سؤالاً تردّده المعدة لا الأذن: هل سمع أحد أبي كاملاً؟
أضاف يوسف، وهو يحرّك ملعقته ببطء: “بعد الطعنة أحاطوه بحراسة دائمة، وجلس بعدها إلى أصدقائه كما كان يفعل، لكن بحذر. كان يملي أحلاماً قصيرة بيد ضعيفة، وكأنه يقول: لن أعطيكم الرواية الأخيرة. سأعطيكم ما لا تقدرون على حراسته. شظايا.”
كانت الجملة الأخيرة تنزل في صدر لمى ببطء.
اهتزّ هاتفها فوق الرخام. رقم مجهول. رسالة صوتية.
“عن إذنكم.” خرجت إلى الزقاق وأدخلت السمّاعتين في أذنيها.
سمعت أولاً أنفاس صفّ مدرسي. ثم كرسياً يُجرّ. ثم صوتاً.
كان صوت أبيها.
“يا أولاد، اجلسوا. اليوم نتكلم في أبي العلاء. وسترون في كتب كثيرة بيتاً يُنسب إليه، يقول فيه: أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما / ديانتكم مكر من القدماء.”
المقطع الذي تعرفه ينتهي هنا. هو الذي انتشر في مئة ألف هاتف، بصوت أبيها وحده يتلو البيت، بلا قبل ولا بعد.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
“ولكن انتبهوا. في نسبة هذا البيت إليه خلاف بين الدارسين. فلنسأل أولاً: من نسبه؟ ومتى؟ ولماذا يُنسب إليه هو بالذات؟ هذا هو الدرس يا أولاد: اسألوا قبل أن تصدّقوا. واسألوا قبل أن تغضبوا. فالسؤال الذي لا تجرؤ على طرحه هو الذي ينبغي أن تبدأوا به.”
وقفت لمى في الزقاق حتى توقف التسجيل. كانت تسمع أباها للمرة الأولى كاملاً. لم تبكِ. شعرت بشيء آخر، بارداً ودقيقاً: عقلها.
الصف لم يُسجَّل رسمياً قط. لا أحد يملك الدرس الكامل سوى من وضع جهاز تسجيل في ذلك الصف يومها. والمقطع الذي انتشر قُطع من هذا الملف. من يملك الأصل هو من صنع المقصوص.
حين عادت إلى الطاولة كان كريم قد ترك مقعده وعاد إليه، وهاتفه مقلوب على الرخام. نظر إليها.
“كل شيء بخير؟”
“كل شيء بخير”، قالت، ولم تكن تكذب قبل ذلك اليوم بهذه السهولة.
وقررت، وهي تجلس قبالته، أن تخبره غداً شيئاً غير صحيح، ثم تنتظر أن ترى إلى أين يصل.
من أرشيف الجلسات المسجّلة
جلسة جلال الدين الرومي، ٢٠١٣
لم تنم لمى في القاهرة. تحت نافذتها كان الأذان الأخير يتردد بين المآذن، وبين الأذان والأذان حفيف الباعة الأوائل. ضغطت على الرقم ثلاثة.
“جلسة جلال الدين الرومي. لسنا هنا لنحاكم أحداً، ولا لنمجّد أحداً. سأتكلم بلسانه عن شيء واحد: الغياب.”
“غادرتُ بلخ طفلاً مع أبي، وتنقلنا سنوات، ووصلتُ قونية وأنا في العشرين تقريباً. صرتُ عالماً يُسأل ويجيب، يُقصَد ويُحترم. وعند السابعة والثلاثين، في خريف سنة ألف ومئتين وأربع وأربعين، دخل عليّ غريب اسمه شمس الدين التبريزي.
تروي كتب المناقب أنه سألني: من الأعظم، محمد أم بايزيد البسطامي؟ قلتُ محمد. قال: فلماذا قال محمد: ما عرفناك حق معرفتك، وقال بايزيد: سبحاني ما أعظم شأني؟ فسقطتُ مغشياً عليّ. لا أعرف إن كانت القصة وقعت هكذا. أعرف أن شيئاً سقط في داخلي ذلك اليوم.
لازمتُ شمس أسابيع لا أُقرئ فيها أحداً ولا أُفتي. وغار تلاميذي. من يحتمل أن يُسرق منه معلّمه؟ فاختفى شمس مرة إلى دمشق، وجاء ابني سلطان ولد وأعاده. ثم، في ليلة من أواخر سنة ألف ومئتين وسبع وأربعين، خرج من البيت ليستقبل من ناداه، ولم يعد.
تقول بعض الروايات إنهم قتلوه. وتقول أخرى إنه رحل. لا أحد يعرف. سافرتُ إلى دمشق مرتين أبحث. وفي المرة الثانية فهمتُ شيئاً: أنني أبحث عنه وهو يتكلم فيّ.
بعد سنوات بدأ ينطق من فمي أكبر كتبي: “المثنوي”. ستة دفاتر من الأسئلة التي لم يجب عنها أحد. ورقصت. دُرتُ حتى صار الغياب دوراناً.
أيها السادة، يقولون إن الأرحم أن ننسى الغائب. أما أنا فأقول: لو نسيتُ شمساً لما كتبت حرفاً واحداً. أعظم ما أنجبه إنسان خرج من سؤال بلا جواب.”
سكتت الأصوات. ثم جاء صوت الرجل، بنبرته التي صارت لمى تعرفها الآن: “الجلسة تُغلق.”
أعادت لمى الشريط. ضغطت على المقطع الذي قال فيه “الأرحم أن ننسى الغائب. أما أنا فأقول…”، وأعادته ثلاث مرات.
كان صوتاً مقتنعاً تماماً. وكانت تلك أصعب نقطة في الأمر: أن الرجل الذي يعرض عليها النسيان قبل أن ينتهي النهار كان قد قال يوماً، بالصدق نفسه، العكس.
الفصل السادس
رافنّا: الفخ
في رافنّا تتوقف المدينة عن الكلام عند قبر دانتي. حول الضريح الصغير ذي القبة المتواضعة منطقة سمّوها “منطقة الصمت”، شوارع بلا ضجيج، وجدران من الآجر الوردي، ومقاهٍ يخفض روادها أصواتهم من دون أن يعرفوا لماذا.
فيولا فيرّيتي، في الثامنة والخمسين، كانت تشرف على أرشيف صغير مجاور للضريح، تلتحف شالاً داكناً وتقدّم القهوة في فناجين بلا مقابض. أول ما فعلته أنها وضعت أمام لمى وكريم ما يبدو مصباحاً زيتياً صغيراً على رف.
“مصباح الضريح”، قالت. “تُرسل إليه فلورنسا زيتاً كل سبتمبر. المدينة التي حكمت عليه بالنفي ثم بالحرق إن عاد، تُضيء له من بعيد.”
وحكت: كيف وُلد دانتي في فلورنسا سنة ألف ومئتين وخمس وستين، وصار من أصحاب القرار في مدينته، وكيف أدانه خصومه في كانون الثاني ألف وثلاثمئة واثنتين، وهو بعيد عنها في سفارة، بتهمة الفساد المالي، وغرّموه ونفوه. “حاكموه غيابياً، فلم يقف أمامهم ليسأل ما الدليل. وبعد شهرين أضافوا الحكم الثاني: أن يُحرق حياً إن دخل المدينة.”
“الأداة الخامسة”، قالت وهي تسكب القهوة. “الإدانة الغيابية. لا يمكن لمن لم يُسمع أن يدافع. وهي أرحم الأدوات على المدانين وأقساها على الذاكرة: لأن أحداً لم يسمع الجواب.” ثم سألت: “ومن لم يُسمح له بالحضور ليدافع عن نفسه؟ هذا سؤالي.”
تجوّل دانتي تسعة عشر عاماً بين البلاطات، ضيفاً ثقيلاً. كتب عن ذلك: ما أشدّ ملوحة خبز الغير، وما أقسى صعود سلالم الآخرين ونزولها. مات في رافنّا سنة ألف وثلاثمئة وواحد وعشرين، ودُفن هنا.
“والعظام؟” سأل كريم. “سمعت أن الرفات كان له تاريخ.”
ابتسمت فيولا لأول مرة. “تاريخ أطول من الشاعر. حين طالبت فلورنسا، في القرن السادس عشر، برفاته، أخفى الرهبان العظام داخل جدار وتركوا القبر فارغاً. لم تُكتشف إلا سنة ألف وثمانمئة وخمس وستين، في صندوق خشبي، حين بدأ عمال يرمّمون الجدار. وفي الحرب العالمية الثانية أخرجوها ودفنوها في حديقة قريبة لتنجو من القصف، وأعادوها بعد الحرب. لهذا أحب كلمة “حراسة”: ليست عظمة، إنها أن يُبقي أحدهم الشيء مخبّأً بما يكفي ليبقى.”
“وأنتِ لا تحرسين العظام”، قالت لمى.
“أحرس خمسين حالة نفي وإدانة غيابية. أوفيد، الذي نفاه أغسطس إلى البحر الأسود. سبينوزا، الذي حُرم من طائفته سنة ألف وستمئة وست وخمسين. ودانتي. وفي “الكوميديا” نفسها نهر ليثي، في قمة جبل المطهر، يغسل ذاكرة الذنوب. لكنه ليس وحده. بعده نهر ثانٍ اسمه يوناي، يعيد إلى الذاكرة ما فعله الإنسان من خير. على الصاعد أن يشرب منهما معاً. أخي مراد، لا أدري لماذا ظنّ أن الحكمة في نهر واحد فقط.”
توقفت لمى. “أخي؟”
“أقصد…” تنهدت فيولا وقد بدا عليها أنها تتمنى لو ابتلعت الكلمة. “في المجلس القديم كنا نسمّي “أخي” كل من جلس على أحد المقاعد الأربعة، حتى بعد أن يغادرها. عادة لم أتخلص منها. لا تسأليني أكثر.”
بعد الفصل، لم يتبقَّ في الأرشيف إلا ضوء الغروب. وقبل أن تغادر لمى، طلبت من فيولا ثلاث دقائق منفردة، ثم قالت لها شيئاً بصوت منخفض. أومأت فيولا، وفهمت.
عند الغروب مشت لمى وحدها حول الضريح الصغير. مصباح النفي يتأرجح فيه لهب ضعيف، والزيت المرسل من مدينة لم تغفر. تساءلت إن كان أحد قد سأل دانتي يوماً عمّا إذا كان يريد أن يعود. كان يقول في شعره إنه لا يريد أن يعود بشروطهم. الجملة التي كان أبوها يحب أن يعلّمها لتلاميذه: “الكرامة أن تُحاسَب بما قلت لا بما قيل عنك.”
“كنتِ تحبينه؟” سألتها فيولا من خلفها، وكانت قد اقتربت دون صوت.
“لا أعرف من. دانتي أم أبي.”
“الأسئلة نفسها”، قالت فيولا. “في الحالتين.”
في المساء، في مطعم صغير يقدّم المعكرونة بالزيت والثوم، جلست لمى مقابل كريم وتعمّدت أن تبدو منهكة. “فيولا ستعطيني اسم حارسة لندن غداً”، قالت. “الساعة السابعة صباحاً، عند الضريح. وحدي. لم تُرِد أن تقولها أمامك.”
“معقول. حذرة.”
“معقول.”
في السابعة إلا خمس دقائق من صباح اليوم التالي كانت لمى جالسة في مقهى على الجانب الآخر من الشارع، قبالة الضريح، خلف زجاج مضبّب. لم يكن هناك أحد يتوقع شيئاً في الضريح لأن فيولا لم تُخبر أحداً بشيء. لكن عند السابعة تماماً ظهر عند البوابة رجلان بمعطفين رماديين، أحدهما يتصفح هاتفه، والآخر يتمعّن في النقش على الجدار ولا يعرف أين يضع عينيه.
لم تتحرك لمى. أنهت القهوة. وكانت تعرف الآن أن فخاً بهذه البساطة لا يصيد إلا من يصدّق أن لا أحد يراقبه.
في الفندق، على ظهر ورقة بيضاء، رسمت لمى جدولاً بسيطاً كما تعلّمت أن تفعل في أكثر القصص التباساً: من عرف ماذا، ومتى، ومن أين. الأعمدة ثلاثة: هي، كريم، فيولا. والصف الأخير: رجلان عند الضريح.
لم تكن مسألة شكّ. كانت مسألة هندسة: إذا كانت معلومة واحدة قد خرجت من غرفة وعاد صداها بعد ساعة، فالباب الذي خرجت منه هو الذي تُغلقه. وكانت تعرف أنها ستغلقه.
وعرفت شيئاً آخر وهي تكتب الاسم الأخير في الجدول: أنها لا تشعر بالانتصار. شعرت بما يشعر به من اكتشف أن الشخص الذي أكل على مائدته ثلاثة أيام هو نفسه الذي مدّ يده إلى الطبق.
وجدته عند الظهر في حديقة صغيرة خلف الضريح، تحت مطر خفيف، جالساً على مقعد حجري. لم تجلس. وقفت أمامه.
“رجلان عند الضريح في السابعة. كنتَ الوحيد الذي أخبرته.”
لم يسأل عمّا تقصد. أغمض عينيه لحظة، ثم قال بصوت هادئ: “منذ متى؟”
“منذ باب مفتوح في كوبنيك لم تسأل عنه. منذ أن لم يأتِ اللصوص في أثينا إلا بعد وصولنا.”
“أيجيس”، قال. “شركة استشارات أمنية. لا أعرف من يملكها. أُرسلت إليّ قبل ست سنوات، بعد أن أغلقت ملف أمينة الأرشيف. قالوا إن الأمينة قُتلت على يد أعضاء في المجلس. قالوا إن المجلس طائفة تخزّن أسراراً قد تُشعل حروباً. صدّقتهم لأن ملفي كان على طاولتهم.” رفع رأسه. “وتقاضيتُ مبالغ. ثم، في أثينا، حين رأيت إلينا تتلو من ذاكرتها بلا ورقة، أخبرتهم باسمها قبل أن أفهم لماذا أخبرتهم.”
“وأمي في برلين؟” سألت لمى فجأة. “هل ذكرتَها لهم؟”
“لا.” قالها فوراً، وكان ذلك أول ما قاله منذ الصباح بصوت غير مدرَّب. “ولا أخبرتهم أنك الشاهدة. لم أكن أعرف ما يعنيه ذلك قبل قرطبة.”
كانت لمى تحسب. كانت تفعل ما تفعله دائماً حين يتحول الغضب إلى شيء آخر: تفرز الوقائع. “لن أسلّمك لأحد”، قالت أخيراً. “لن أنشر اسمك. ستواصل الكتابة إليهم، لكن بما أمليه أنا. وإن لم توافق، فسأنشر الليلة ما أعرفه عنك.”
“وإن وافقت؟”
“فستحصل على فرصة لا أضمن أنك تستحقها.”
نظر إلى الضريح عبر الأشجار، ثم قال شيئاً ظلّ يدور في رأسها بقية اليوم:
“هناك أمر آخر. الرجل الذي يديرهم يعرف أنك ابنة معلّم. سألني ثلاث مرات عن الرقم واحد وأربعين. هل يعني لك شيئاً؟”
“واحد وأربعون؟”
“قال إنك ستعرفين.”
لم تكن تعرف. لكنها كانت تحسّ، كما تحس الأقدام الباردة بالدرج الذي لا يوصل إلى شيء، أنها ستعرف قريباً.
الفصل السابع
لندن: لماذا الآن؟
في ساحة نيوينغتون غرين، شمال لندن، يقف تمثال فضي لامرأة عارية تنبثق من كتلة معدنية. اعترض عليه الناس يوم نُصب أكثر مما اعترضوا على أي ظلم في حياة المرأة التي يمثّلها. “المضحك أنهم لم يقرأوا لها سطراً”، قالت إيموجين هيل وهي تمدّ يدها إلى لمى بدل التحية. “لكنهم غاضبون من جسدها.”
كانت في الحادية والثلاثين، بقبعة صوفية وقميص رمادي واسع، تحمل حاسوباً محمولاً كما يحمل غيرها كتاباً مقدساً. باحثة دكتوراه في الإعلام الجنائي، وحارسة الفصل السادس. ولم تسمح لكريم بأن يجلس معهما.
“لا يعني أنني لا أثق بك”، قالت له بإنكليزية سريعة. “يعني أنني قرأت ما تعرفه لمى عنك.”
لم يعترض. جلس على مقعد بعيد ينظر إلى الأشجار العارية.
“ماري وولستونكرافت”، بدأت إيموجين وهي تفتح الحاسوب على الركبتين. “وُلدت في لندن سنة ألف وسبعمئة وتسع وخمسين لأب سكّير يضرب أمها. عملت مربية ومعلمة، وأدارت مدرسة هنا بالذات، في هذه الساحة. ثم صارت كاتبة مستقلة في زمن لم يُصدَّق فيه أن امرأة تعيش من قلمها. وفي ألف وسبعمئة واثنتين وتسعين نشرت “دفاع عن حقوق المرأة”: ضعف المرأة ليس طبيعياً، بل صنعه تعليم يحصرها في الزينة. الأحسن أن تكون رفيقة عاقلة لا لعبة جميلة.”
“وكان رد الفعل؟”
“وصفها هوراس والبول بأنها ضبع في ثياب نساء. لكنها لم تمت بذلك. ماتت في ألف وسبعمئة وسبع وتسعين، بحمّى النفاس، بعد عشرة أيام من ولادة ابنتها ماري، التي ستكتب “فرانكنشتاين”. وكانت في الثامنة والثلاثين.”
سكتت إيموجين. ثم قالت: “هنا تبدأ الأداة السادسة. بعد موتها بعام، نشر زوجها غودوين مذكرات عنها، بدافع الحب والصدق: أخبر العالم أنها أحبّت رجلاً ولم تتزوجه، وأن ابنتها الأولى وُلدت خارج الزواج، وأنها حاولت الانتحار مرتين. كل كلمة فيها صحيحة. ومنذ تلك اللحظة أُغلق الباب على الكتب، وفُتح على السيرة. قرن كامل صارت فيه ماري فضيحة لا فيلسوفة. لا حاجة إلى الكذب كي تُقتل الذاكرة. يكفي أن تُقال الحقيقة في الوقت المناسب، وبالترتيب المناسب.”
“ولماذا الآن؟” قالت لمى. “هذا سؤالك؟”
“بل سؤالها. أن تسأل عن أي حقيقة تُقال: لماذا تُقال الآن؟ من الذي فتح هذا الملف اليوم؟ لو أن الناس سألوا ذلك عام ألف وسبعمئة وثمانية وتسعين لحُفظ نصف قرن.”
أدارت إيموجين الحاسوب نحوها. “سأريك كيف يعمل. رخّصي لي.”
“بماذا؟”
“بأن أعمل عليك. مدة ربع ساعة.”
كانت لمى قد قرأت بما فيه الكفاية لتفهم ما سيحدث. ومع ذلك، قالت: “افعلي.”
“لنوضح المسألة قبل أن نبدأ”، قالت إيموجين وهي تفتح نافذة ثانية. “ليثي لا تعمل مثل الرقيب القديم. الرقيب القديم يقرأ ثم يمنع. ليثي تقرأ كل شيء، مليارات النصوص والصور والأصوات، وتتعلم نمطاً: كيف تبدأ شائعة تقتل، وكيف تنتهي. ثم تعمل في اتجاهين. إما أن تخفض ظهور ما سيصير خطراً قبل أن ينتشر. وإما أن ترفع ظهور ما يشوّه صاحبه. والاثنان باسم واحد: رحمة.”
“وهي تحتاج إلى بيانات.”
“تحتاج إلى أمثلة. مئات الحالات المصنّفة بدقة: هذا اضطُهد بالشائعة، هذا بالفتوى، هذا بالفضيحة. فهرسنا بالضبط. لهذا يريده مراد.” رفعت عينيها. “لا ليحرقه. ليعلّم به آلة كيف تصنع الاضطهاد مفصَّلاً على قياس كل إنسان.”
شعرت لمى بأن الكلمات التي كانت تبدو لها نظرية تتحول في فمها إلى شيء ملموس، بارد، يمكن حمله بيد واحدة.
كتبت إيموجين اسمها ولم تفعل شيئاً آخر. على الشاشة، في أقل من ربع ساعة، انتصبت بنية ما سمّته “ملفاً” من نسخة مسرَّبة لأداة تعمل عليها “ليثي”: تاريخ ميلاد في أوراق لجوئها مختلف يوماً واحداً عن الرسمي. قصة صحفية صحّحتها لمى بعد نشرها وأخطأت في اسم صغير فيها. تغريدة من سنة ألفين وستة عشر. صورة لها مع رجل لا تذكر اسمه. ثم، في الوسط، كالتاج، المقطع الذي تعرفه كما تعرف قلبها: صوت أبيها، مقصوصاً.
“والأداة تقدّمه بعنوان جديد”، قالت إيموجين بصوت منخفض: “ابنة المهرطق.”
“هذا…”
“كل ما فيه صحيح، يا لمى. وهذا هو الرعب. لا شيء مختلق. فقط مرتّب.”
لم تكد تُنهي الجملة حتى اهتزّ هاتف لمى، ثم هاتف إيموجين، ثم هاتف كريم عند المقعد البعيد. في ثلاثين ثانية انهالت الإشعارات. كان الوسم قد وُلد وانتشر: ابنة المهرطق.
رفعت إيموجين رأسها شاحبة. “لم أُرسل شيئاً. جهازي مفصول عن الشبكة، وتجربتي كانت على نسخة مغلقة.” نقرت على الشاشة وفتحت سجل أول المنشورات. “انظري إلى التوقيت. أول منشور سبق عرضي بست دقائق. هذه ليست تجربتي. الأداة مفتوحة عليك منذ قرطبة. وكل ما فعلته أنني اخترتُ اليوم الخطأ لأريك كيف تعمل.”
الاتصال الأول كان من أمها. “لمى، ما هذا الذي يقولونه عنك؟ ما هذا الذي يقولونه عن أبيكِ؟” صوت نجوى من برلين، متقطع ومتعب. “ظننت أننا دفنّا هذا.”
والثاني من رئيس التحرير: بريد قصير يبدأ بكلمة “نعتذر” وينتهي بعبارة “تعليق مؤقت”.
وقفت لمى، وفي صدرها شيء يشبه الغضب لكنه أبرد.
ثم جلست لمى على المقعد قرب كريم، تقرأ التعليقات تنهال بسرعة لا يبلغها العقل. بعضهم يشتم أباها، وبعضهم يشتمها، وبعضهم، وهذا ما أوجعها أكثر، يكتب: “كنت أعرف أن في الأمر شيئاً.” أناس لا يعرفون أحداً منهما، يقرّرون مصير رجل مات.
“لا تقرئي”، قال كريم.
“لو كنتُ قد سألتُ نفسي يومها من كتب هذا التعليق الأحمر”، قالت. “لو كنت سألتُ منذ ثلاثة عشر عاماً.”
“ولو أنني سألتُ عن ملف أمينة الأرشيف.” أخذ هاتفها بلطف وأغلقه. “ربما هذا هو الدرس الوحيد الذي نملكه الآن: أن نسأل متأخرين أفضل من ألا نسأل.”
“خمس دقائق”، قالت إيموجين وهي تفتح الشاشة الأخيرة. “ليثي لا تعمل على أفراد فقط. هذه هي القمة التي ستُقرّها جنيف في الثاني والعشرين من كانون الأول: ستتحول من خدمة تُباع إلى بنية تحتية. ستُدمج في محركات البحث والمنصات. من يريد أن يُنسى سيُنسى. ومن لا يريدون له أن يُسمع لن يُسمع. أخبرتك الحقيقة لأنك الشاهدة: الصمت لم يعد يحتاج إلى قاتل. يحتاج إلى تحديث.”
تلت فصلها بسرعة: أوسكار وايلد، الذي استُخدمت رسائله الخاصة في محاكمته سنة ألف وثمانمئة وخمس وتسعين. بارنيل، الذي أنهت فضيحة زواجه مسيرته. وآلان تورينغ، الذي حوكم سنة ألف وتسعمئة واثنتين وخمسين بسبب حياته الخاصة. “والقائمة طويلة. القاتل لم يكذب مرة واحدة.”
وحين اقتربت من كريم كانت تحمل كوبين من القهوة. ناولته واحداً. “لا تطلب مني أن أتصرف كأن شيئاً لم يحدث”، قالت. “ولا تطلب من نفسك أن تصير فجأة رجلاً آخر. سأعاملك بما تفعله، لا بما قلته.”
“وما أفعله الآن؟”
“تجلس معي وأنا لا أشتمك.” ارتشفت. “هذا أكثر مما يفعله كثيرون.”
لم يقل شيئاً. لكنها رأت يده، التي لم ترتجف في أي مشهد قبل ذلك، ترتجف على الكوب.
قبل أن تغادر، قالت لها إيموجين وهي تُغلق الحاسوب: “تذكّري: الشاهدة ليست من تثبت. الشاهدة من تقول ما رأته وتتحمل ثمنه.”
وفي الطريق إلى المحطة، سمعت لمى كريم يقول، لا لأحد: “سيواصلون الليلة. لن يتوقفوا.”
“أعرف”، قالت. “ولذلك سنتحرك الليلة أيضاً.”
من أرشيف الجلسات المسجّلة
جلسة سيمون فايل، ٢٠١٣
في مطار هيثرو، في صالة الانتظار، وضعت لمى السمّاعتين على أذنيها قبل أن تكتمل أنفاسها. الرقم أربعة.
“جلسة سيمون فايل. وأنا محامي الغائبة. وهي، على ما أظن، كانت ستكره أن أتكلم بلسانها. لكن الحاجة تدعونا أحياناً.”
“وُلدتُ في باريس سنة ألف وتسعمئة وتسع، لعائلة ميسورة غير متدينة. تفوقتُ في الفلسفة وصرتُ أستاذة. ثم تركتُ الصف لأعمل في مصانع. لماذا؟ لأنني لم أستطع أن أفكر في الشقاء وأنا لا أعرفه.
في سنة ست وثلاثين ذهبتُ إلى إسبانيا مع مقاتلين ضد الفاشية، وبصري ضعيف، وسقطتُ في طبق زيت يغلي فأُعدتُ. ثم احتلت ألمانيا فرنسا، وهربتُ مع أهلي، حتى بلغنا نيويورك. لم أحتمل الأمان. عدتُ إلى لندن لأنضم إلى فرنسا الحرة وأكتب عن إعادة بناء بلد لا يعرف أصوله: كتبتُ عن الحاجة إلى الجذور.
تُروى عني حكاية أنني رفضتُ أن آكل أكثر مما يأكل أهلي المحتلون في الوطن. يقولون إنني أسرعتُ إلى موتي. توفيتُ في آب سنة ثلاث وأربعين، وعمري أربع وثلاثون، في مصحة في كِنت، وكنتُ مصابة بالسل أيضاً.
لن أقول لكم إنني قديسة. سأقول لكم جملة واحدة كتبتها لصديق: الانتباه هو أندر أشكال الكرم وأنقاها.
أسمع الآن من يقول إن الرحمة أن ننسى ما يؤذي. أقول لهم: أعطوني كلمة أخرى لما سمّيتموه رحمة. لعلها إهمال مهذب. إن أقسى ما يمكن أن نفعله بإنسان ليس أن نكرهه، بل ألا ننتبه إليه.”
كان الرجل هذه المرة يتنفس قبل كل جملة ويتعمد ألا يتعجل. وحين أغلق الجلسة قال “لا حكم”، ثم، بصوت أخفض ظنّت لمى أنه لم يُقصد للتسجيل: “لو أنني أستطيع.”
لم تعرف لمى ما الذي لا يستطيعه. لكنها عرفت، وهي ترى الطائرة تتحرك على الأسفلت، أن الإهمال المهذب هو بالضبط ما يبيعه الرجل الآن في جنيف.
الفصل الثامن
فايمار: اليد الواحدة
لم تسمح هيلغا برانت لكريم بأن يدخل. تركته عند بوابة فيلا سيلبربليك المطلّة على المدينة، جالساً على مقعد خشبي تحت شجرة جرداء، وأدخلت لمى وحدها.
كانت في السادسة والستين، نحيفة، صارمة الوجه، تعرج قليلاً، وفي عينيها تلك البرودة التي تتشكل في من قضى شطراً من حياته داخل ملف. “نشأت في ألمانيا الشرقية”، قالت وهي تقود لمى عبر ردهة خشبية. “وبعد سقوط الجدار قرأت ملفي. أنا لا أحب الأرشيفات. أحرسها لأنني أعرف ما تفعله حين تقع في يد واحدة.”
“كنت في التاسعة والعشرين حين سقط الجدار”، قالت هيلغا وهي تفتح باباً جانبياً على قاعة قراءة صغيرة. “طلبت ملفي في الأسبوع الأول. كان فيه ثلاثمئة وأربعون صفحة. كتبها أصدقائي وجيراني وزميلي في العمل وأخي. لم يكتبوا كلمات كبيرة. كتبوا: قالت إنها تكره الصباح. زارتها امرأة غريبة. اشترت كتاباً ممنوعاً.”
“وأنت؟”
“قرأته كله. ثم قررت أن أبقى في الأرشيف. لماذا؟ لأن الخوف الحقيقي ليس من الذين يكتبون. الخوف من الذي يُمسك المفتاح، ولا يسأله أحد: ولمن تحفظ؟” وأغلقت الباب. “تعالي.”
في الطابق العلوي كانت غرفة ببابها المفتوح على سرير ضيق ونافذة تطل على الحديقة. “هنا مات نيتشه سنة ألف وتسعمئة، بعد إحدى عشرة سنة فقد فيها عقله. تقول الحكاية إنه انهار في تورينو، سنة ألف وثمانمئة وتسع وثمانين، حين رأى حوذياً يضرب حصانه، فعانق الحصان وبكى. ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد يعرف ما أراد أن يقول.”
“إلا أخته.”
“إليزابيت”، قالت هيلغا. “التي تزوجت من برنهارد فورستر، رجل من أشد أنصار معاداة السامية في زمنه، وسافرت معه إلى باراغواي لتأسيس مستعمرة سمّوها ألمانيا الجديدة، فشلت فشلاً ذريعاً وانتحر زوجها. عادت، وأسّست أرشيف نيتشه، ونقلته إلى هذه الفيلا، وصارت المالكة الوحيدة لما تركه أخوها. وما تركه كان دفاتر مبعثرة وخطابات.”
“وفعلت بها ماذا؟”
“ما يفعله من يملك المفتاح وحده. اختارت. حذفت. ركّبت من دفاتر متفرقة كتاباً سمّته “إرادة القوة”، لم يؤلفه أخوها بهذا الشكل قط. غيّرت رسائل. وكان نيتشه قد كتب إليها بغضب صريح عن انضمامها إلى الحركة المعادية للسامية، لكنها جعلت منه، بعد موته، صورة أخرى. وفي سنة ألف وتسعمئة وأربع وثلاثين زار هتلر الأرشيف، ووقف أمام تمثال الفيلسوف. تقول الحكايات إنها أهدته عصاه.”
لم تحاول هيلغا أن تجعل الجملة قاسية. لم تكن تحتاج.
“الأداة السابعة: احتكار الأرشيف. حين يملك شخص واحد المفتاح، يصير المفتاح هو الحقيقة. لهذا أصرّت سلمى على سبعة رؤوس، لا ورقة واحدة ولا شخصاً واحداً. تعلّمت ذلك من هذا البيت. سؤالي أنا: من يملك المفتاح؟ ولماذا لا يملكه غيره؟”
ثم تلت فصلها، خمسين حالة تبدأ بفيلسوف وتنتهي بأرشيف: ملفات شرطة سرية، ورسائل حُرِّفت، ومكتبات أُغلقت لأن أمينها كان الوحيد الذي يعرف الترتيب.
وفي منتصف الحالة الخامسة والأربعين، رنّ في الطابق السفلي صوت زجاج يتحطم.
“إنهم هنا”، قالت هيلغا، دون أن تتغير نبرتها. “لم أتوقع أن يكون ذلك بهذه السرعة. لكنني توقعته.” سحبت لمى من كمّها. “هذا أول خطأ في خطة سلمى. حارسة الأسئلة تسكن عند قبر السؤال. أي خوارزمية تقرأ أسماء الفصول سترى أين نعيش. ربما كان ذلك مقصوداً: أرادتنا أن نُرى.”
كانت الخطوات تصعد الدرج، ثقيلة، متوازنة. لمح كريم من البوابة رجلين يقتحمان البيت فتحرك. ثم رأوا بعضهم: ثلاثة رجال في ثياب سوداء، الأول يحمل جهازاً صغيراً، والثاني يحمل مسدساً بكاتم للصوت، والثالث يتقدم.
“لمى!” صاح كريم من الأسفل، ثم أطلق شيئاً لم تفهمه، صرخة أو قراراً.
وسمعت دوي طلقة، ثم أخرى.
سحبتها هيلغا إلى قبو الأرشيف. “الرفوف المتحركة”، قالت وهي تضغط زراً. “صُنعت في ستينات القرن الماضي. ثقيلة بما يكفي لتغيّر رأي أي إنسان.” دفعت لمى إلى ممر جانبي. وفي الصفوف التي بدأت تتحرك بصرير معدني، رأت الرجل الثالث يدخل بين رفين، فتضيق المسافة، فتسمع صرخة، ثم أنيناً طويلاً.
خرجتا إلى الحديقة الخلفية من نافذة القبو. وعند السور وجدتا كريم، متكئاً على شجرة، يده اليمنى على كتفه الأيسر، والدم يسيل بين أصابعه.
“أنا بخير”، قال. “أصابتني الثانية. أما الأولى فأطلقتُها أنا، بمسدس انتزعته من ذاك.” ورفع ذقنه نحو رجل ممدد عند الشرفة يمسك فخذه ويشتم بصوت مخنوق. وكانت لمى تعرف أن ما حدث لتوّه لم يكن في خطتها.
“لقد نزلتَ إليهم.”
“أنت قلتِ إن علي أن أستحق الفرصة.” حاول أن يبتسم. “ولا أحب أن أكون كتاباً مفتوحاً في يد واحدة.”
قادت هيلغا السيارة بسرعة لا تليق بامرأة في السادسة والستين، وكانت لمى في المقعد الخلفي تضغط بكلتا يديها على كتف كريم. “لا تغمض عينيك”، قالت له. “أخبرني شيئاً. أي شيء.”
“أول مرة سألتِني فيها سؤالاً”، قال بصوت متقطع، “كان في القاعة الفارغة. سألتِني كيف دخلت. وكنتُ أنا من سيسألك كيف وصلتِ إلى العنوان. لم أفعل. لأنني كنت أعرف.” ضحك ضحكة قصيرة. “ما أسوأ أن يكون المرء محققاً جيداً وإنساناً سيئاً.”
“اصمت. وفّر أنفاسك.”
“كان عليّ أن أسأل.”
عند باب الطوارئ كانت الشرطة قد سبقتهم. اتصلت هيلغا بها من الطريق، بصوتها الجاف نفسه: مسلحون في بيتي، واحد مصاب في الفخذ، وآخر تحت رف، وصديق مصاب بطلق ناري. وجلس إلى جانب سرير كريم محقق شاب من شرطة الولاية، يدوّن بقلم رصاص. “أنت من أطلق الطلقة الأولى؟”
“نعم. دفاعاً عن النفس.”
“وهل تعرف الرجلين؟”
“أعرف الشركة التي توظفهما.”
دوّن المحقق شيئاً. “وصل محامي هذه الشركة قبل أن يُنقل الرجلان.”
“هذا ما كنت أتوقعه”، قال كريم، بابتسامة لا مرح فيها.
وفي المستشفى بعد ساعتين، وعلى سرير أبيض، فتح كريم قبضته اليسرى وأخرج منها مفتاحاً صغيراً مثقوب الرأس.
“صندوق بريد في برلين، في محطة القطار المركزية. الرقم على الحلقة. حين أعطوني المهمة قبل ست سنوات، نسخت دفتر حساباتهم. لا أعرف لماذا. ربما لأنني محقق.”
“ماذا فيه؟”
“شيء أكبر مني. جدول بعنوان “التجارب”، واحدة وأربعون. وأرقام وتواريخ. ونتيجة مكتوبة بجانب كل منها بكلمة واحدة: نجاح، أو تجاوز.” ابتلع ريقه. “التجربة السابعة عشرة، آذار ألفين وثلاثة عشر: معرّة النعمان. النتيجة: تجاوز.”
كان صوته يرتجف أخيراً. وكانت لمى تقف قرب الباب، يدها على المقبض، والممر الأبيض خلفها، تدرك بشيء أدنى من التفكير أنها طوال عمرها كانت ترى كلمة “تجاوز” على جدران أحلامها دون أن تعرف أنها تقرأها.
“فتحته ليلة قرطبة، ولم أتحمل أن أقولها لك”، قال كريم. “الرجل الذي يديرهم هو الرجل الذي في الدفتر. هو من وقّع.”
من أرشيف الجلسات المسجّلة
جلسة فرانز فانون، ٢٠١٤
في ممر المستشفى، على كرسي بلاستيكي أصفر، ضغطت لمى على الرقم خمسة والضوء الأبيض يطنّ فوق رأسها.
“جلسة فرانز فانون. وأنا محامي الغائب. وهذه الجلسة، على غير العادة، لن أستطيع أن أنهيها بسهولة.”
“وُلدتُ في المارتينيك سنة ألف وتسعمئة وخمس وعشرين. وحين احتلت ألمانيا فرنسا غادرتُ جزيرتي وأنا في الثامنة عشرة لأقاتل مع فرنسا الحرة. عدتُ جريحاً. ودرستُ الطب النفسي في ليون. وكتبتُ كتاباً عن الجلد والأقنعة: “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”.
وفي أواخر سنة ثلاث وخمسين صرتُ رئيس قسم في مستشفى البليدة في الجزائر. وهناك رأيت ما لا يُحتمل: جزائريون يُعذَّبون فيصلون إليّ محطّمين، وفرنسيون يعذّبون فيصلون إليّ محطّمين أيضاً. عالجتُ الاثنين. وكنت أسأل نفسي كل يوم: كيف أُشفي رجلاً يعود إلى غرفة يؤذي فيها غيره؟
في كانون الأول سنة ست وخمسين كتبتُ استقالتي. قلت إنني لا أستطيع أن أكون طبيباً في بلد يُجرَّد فيه الناس من إنسانيتهم يومياً. وبعد أسابيع طُردتُ. وانضممتُ إلى جبهة التحرير.
أصابني السرطان وأنا في الخامسة والثلاثين. أمليتُ كتابي الأخير على عجل: “معذَّبو الأرض”. وتوفيتُ في كانون الأول سنة إحدى وستين، قبل أن أراه يُقرأ.
أيها الحاضرون، كنتُ طبيباً. تعلّمتُ شيئاً واحداً: أن الكلمات تسافر. ما يُقال في غرفة مغلقة يصير بعد أسبوع جرحاً في جسد. وأن المسؤول ليس من قاله فقط، بل من لم يسأل: ماذا سيفعل هذا؟”
وهنا توقف الصوت. أول مرة في التسجيلات الخمسة. سمعت لمى نفساً يتردد، ثم: “لم أقصد… لم يكن…” وصمت.
ثم عاد الصوت إلى انضباطه: “الجلسة تُغلق. لا حكم.”
نظرت لمى إلى التاريخ على الجهاز: كانون الثاني ألفين وأربعة عشر. أي بعد عشرة أشهر من الربيع الذي مات فيه أبوها.
ثم أمسكت بالجهاز بكلتا يديها، لأنها فهمت ما سمعته: رجل يتكلم بلسان طبيب عالج الجلاد والضحية، ويتعثر عند الجملة التي تصف ما فعله هو.
الفصل التاسع
بيروت: رهين المحبسين
كانت المكتبة في زقاق ضيّق من رأس بيروت، لا لافتة عليها، ونافذتها الوحيدة مسدودة بكتب مصفوفة كجدار. لم تطرق لمى. دفعت الباب فرنّ جرس نحاسي صغير، وسمعت من الداخل صوتاً هادئاً ثقيلاً يقول: “أعرف الذين يبحثون عن أبي العلاء من وقع أقدامهم. يمشون ببطء كأنهم يخافون أن يزعجوا عماه.”
كان ياسين سلامة جالساً في كرسي عالٍ وراء مكتب خشبي، في التاسعة والتسعين، أعمى تماماً، بوجه من الشمع الأبيض ويدين طويلتين لا ترتجفان. وُلد في معرّة النعمان سنة ألف وتسعمئة وسبع وعشرين. معلّم سابق، منفيّ سابق، أول من حمل لقب “الأمين”.
“كنتَ أنت”، قالت لمى. “الأمين.”
“كنتُ أُملي”، قال. “لا أستطيع أن أكتب منذ عقدين. لكن الأمين لا يشترط أن يرى. يكفي أن يتذكر.” ثم أشار إلى الكرسي. “اجلسي. وقد أتعبتك الطريق، فأعدّي لنفسك شاياً. السكر على الرف الثاني.”
لم تجلس. “لماذا أنا؟”
“لأن أبا العلاء قال لنا شيئاً قبل ألف سنة، ولم نفهمه بعد.” ابتسم بوجه لا تبصر عيناه. “وُلد أحمد بن عبد الله في معرّة النعمان سنة ثلاثمئة وثلاث وستين للهجرة. أصابه الجدري وهو في الرابعة فأطفأ بصره. زار بغداد في شبابه نحو عام ونصف، ثم عاد إلى بيته ولزمه نحو خمسين سنة، وسمّى نفسه رهين المحبسين: العمى ولزوم البيت. وكان يقول إن هناك محبساً ثالثاً هو أقساها: أن تُحبس الروح في هذا الجسد الخبيث. لم يأكل لحماً. لم يتزوج. وأوصى بأن يُكتب على قبره: هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد. ويقارن كثيرون “رسالة الغفران” بكوميديا دانتي التي لم تُكتب بعد.”
“وماذا فعلوا به؟”
“لم يقتلوه. تركوه. وهذا أقسى. لكنهم قطعوا رأس تمثاله في ساحة معرّة النعمان مطلع عام ألفين وثلاثة عشر، كأنهم لم يطيقوا أن يبقى لأعمى رأس يفكر.” سكت. “وفي ذلك العام نفسه، على بعد شارعين من التمثال، في ثانوية صغيرة…”
“أبي”، قالت لمى.
“حمزة الحلبي.”
وحكى بإيجاز كيف مات. “في آذار، بعد أن انتشر المقطع بثلاثة أيام، دخل رجال ساحة الثانوية في الضحى وأنزلوه من الصف أمام تلاميذه. ضُرب في الساحة حتى سقط. حملوه إلى بيت جار ومات قبل الفجر. وفي الليلة نفسها أحرق الغاضبون الصف الذي درّس فيه. لم يأمر بالحريق أحد، لا من الجهة التي أرادت عزله ولا من الذين صنعوا المقطع. هذا هو الحشد حين يبدأ: لا يحتاج إلى أمر.”
سكتا طويلاً. ثم جاء صوت من خلف ستارة سميكة في عمق المكتبة، لا صوتاً بل حفيفاً: حفيف ورق وقلم.
خرجت امرأة، حفيدة الشيخ، نحيلة، في السادسة والأربعين، شعرها رمادي مقصوص قصيراً، تحمل دفتراً صغيراً وقلماً وتلبس وشاحاً يغطي عنقها. كانت لمى تعرف وجهها من مئة صورة. لم تكن تعرف أن صاحبته بلا صوت.
كتبت سلمى سلامة في الدفتر، وقلبته نحوها:
“فقدت صوتي قبل عامين، بعد جراحة في الحنجرة. لم يكن اختفائي هرباً فقط. كان المجلس بلا صوت، فتركت المقعد فارغاً.”
وبعد لحظة، أضافت سطراً آخر بخط أسرع:
“كنتِ الشاهدة قبل أن أعرفكِ.”
“قرأتِ مقالي”، قالت لمى بصوت مكسور. “”من قطع صوت أبي؟”. سنة ألفين وسبعة عشر.”
أومأت سلمى. وكتبت: “لم يصدّقك أحد. لكنني رأيت في التسجيل شيئاً لم تلاحظيه: طنيناً خفيفاً في الخلفية، لا يُسمع إلا بالسماعات، يتكرر في أربعين مقطعاً آخر، في أربعين مدينة وبلدة، قُطعت منها أصوات معلمين وقساوسة وأئمة وقضاة. فالمعرّة واحدة من واحد وأربعين. لا يد جماعة. آلة.”
قرأت لمى السطر مرتين. “واحد وأربعون.”
كتبت سلمى: “مراد حدّاد كان مقعدي الأيمن. محامي الغائب خمس سنوات. وكنا نسمّيه جميعاً “أخي”. أحبّ الموتى حباً جعله يقرر أن يحميهم من أولادهم. ترك المجلس سنة ألفين وأربع عشرة، حين عرفتُ.”
“عرفتِ ماذا؟”
كتبت، وكانت يدها تثبت على الورق: “التجربة السابعة عشرة. عرفتُ في ربيع ألفين وأربعة عشر فطردته. وسكتُّ. ظننتُ أن سر المجلس أثمن من حقيقة واحدة. حرّاس الأسئلة سكتوا عن سؤال. لهذا اخترتكِ شاهدة، وأريدكِ أن تشهدي علينا أولاً.”
ثم أضافت، وقد قررت أن تضع كل شيء على الطاولة قبل أن يضيق الوقت:
“الباب في كوبنيك تركته مفتوحاً. كنتُ هناك ذلك الصباح، وشربتُ الشاي، وخرجتُ من الباب الخلفي حين سمعتُ خطواتكِ. والقاعة مراقَبة منذ اختراق أيجيس خوادمنا، فتركتُ الصفحة التي فيها اسمكِ كي يقرأوها هم أيضاً: فيأتي إليكِ هو بنفسه، بدل أن يطارد الرؤوس السبعة واحداً واحداً. وصورة السبّورة صوّرتها بنفسي في الربيع الماضي، ومررتُ فوق جملة أبيكِ بطبشورة جديدة كي تُقرأ، ولم أغيّر فيها حرفاً.”
“وعرّضتِني للخطر.”
“نعم.”
لم تقل لمى شيئاً طويلاً. ثم قالت بصوت منخفض لم تعرفه في نفسها: “اثنتا عشرة سنة.”
كتبت سلمى: “نعم.”
“اثنتا عشرة سنة وأنتِ تعرفين اسم من قتل أبي، وتقيمين جلسات عن سقراط. كنتُ في الحادية والعشرين. كان يكفي أن يصلني اسم. اسم واحد في رسالة.”
كتبت: “كان يكفي. وكنتُ أخاف.”
“من ماذا؟”
“من أن يُقال إن حرّاس الأسئلة هم الذين صنعوا مراد. ومن أنه سيعرف أنني أعرف.”
“هذا ليس عذراً.”
“ليس عذراً. هذا ما حدث.”
مدّت لمى يدها فأخذت الدفتر من يد سلمى بعنف خفيف، وقلّبت صفحاته بلا أن تقرأ، ثم أعادته. “لا أغفر لكِ.”
“لا أطلب.”
وحكى لها ياسين، على غير ما طلبت، كيف وُلد المجلس. “كنا في باريس شتاء ألف وتسعمئة وثلاث وخمسين، تسعة منفيين. أنا اتهموني في دمشق بأنني أعلّم الأولاد ما لا يُعلَّم. لم أُحاكَم. فقط غادرت. التقينا في غرفة فوق مقهى، كل واحد فقد وطناً أو مهنة أو اسماً. قلنا: هناك مفكرون ماتوا وليس لهم من يتكلم عنهم. لنكن أولئك. ولنترك دائماً كرسياً فارغاً.”
“ولماذا فارغاً؟”
“لأننا خشينا من أن يظن أحدنا يوماً أنه مالك للجواب.” وضحك ضحكة عجوز خفيفة. “الشيء الوحيد الذي أحمد الله عليه في هذا المجلس هو أنه لم يملك يوماً شيئاً.”
“هل غفرتِ لها؟” سأل ياسين فجأة، وكأنه يرى.
“قلتُ لها لا.”
“حسناً. هذا أصدق من نعم. المغفرة ليست موعداً. هي قرار في كل صباح، وقد لا يأتي.” وسكت. “أبو العلاء لم يغفر لأحد، وكان يعيش مع الجميع. ظن الناس أنه حاقد. كان فقط يرفض أن يكذب.”
كتبت سلمى بسرعة: “لا أطلب الغفران. أطلب أن نشهد معاً.”
قرأت لمى الكلمة الأخيرة ثلاث مرات. كانت أول مرة منذ ثلاثة عشر عاماً تشعر فيها أن أحداً لا يطلب منها أن تنسى.
وفي تلك اللحظة، رنّ الجرس النحاسي مرة، ثم تكسّر.
لم يتحرك ياسين سلامة. “أعرف وقع الأقدام”، قال. “أربعة. بعضهم متعب. اذهبا من الباب الخلفي، السلّم الحديدي، ثم السطح.”
“أنت معنا!”
“لا.” قالها بهدوء من خبّر الحياة. “في أثينا، حين عرض كريتون على سقراط أن يهرب، فكّر في الأمر ورفض، فصار الرفض هو الدرس. أنا في التاسعة والتسعين، وأنا أفضل عذر ممكن كي تهربا. إذا بقيتُ تأخروا، وإذا هربتُ لحقوا بكما.” ثم، بصوت أخفض: “وفي الحقيقة، لا أمشي إلى السطح. هذا سلّم لشباب.”
وسحبت سلمى لمى من يدها. وعند الباب الخلفي، التفتت لمى. كان ياسين قد أدار كرسيه نحو الباب الأمامي، رفع رأسه، وبدأ يتلو بصوت واضح، يملأ المكان كله:
“تعبٌ كلّها الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد!”
صدى البيت الذي كتبه قبل ألف سنة رجل أعمى، يملأ مكتبة بيروتية صغيرة في اللحظة التي يُكسَر فيها الباب.
وعلى السطح، تحت المطر والغسيل المعلّق والمدينة التي لا تنام، أمسكت سلمى يد لمى وفتحتها، وكتبت على راحتها بالقلم، في ثلاث كلمات، ما لم تستطع أن تقوله:
“الحادي والعشرون. برلين. الجلسة.”
الفصل العاشر
الليلة السابقة
عادوا إلى برلين على دفعات، كل واحد من مطار، كأن الخوف علّمهم ألا يسافر اثنان معاً.
وفي مساء العشرين من كانون الأول كانت قاعة كوبنيك أول مرة منذ أربع عشرة سنة ممتلئة. جاءت إلينا من أثينا بسيجارتها المطفأة تتدلّى من فمها، وقد اتفقت مع نفسها أن تعدّ شيئاً، أي شيء. جاءت مريم بصليبها وقفازيها في جيب حقيبتها. جاء يوسف العطّار يلوّح بعصاه ويشكو الطقس. جاءت زهرة شاحبة، لكن بقدمين ثابتتين. جاءت فيولا بشالها الداكن وزيت من فلورنسا في قارورة صغيرة لا تعرف لماذا حملتها. جاءت إيموجين بحاسوبين. وجاءت هيلغا تعرج، فقدمت للجميع خرائط الطوارئ كأنها تُسلّم شهادات.
وفي الصف الأول جلس كريم، ذراعه في حمالة، ينظر إلى السقف.
سلمى لم تتكلم. جلست على حافة المنصّة، قريبة من الطاولة، تدوّن في دفتر، وكلما حلّ سؤال أجابت بجملة قصيرة تناولتها لمى بصوتها.
كانت إيموجين قد أحضرت من صندوق البريد في المحطة المركزية نسخة كاملة من دفتر حسابات “أيجيس”: واحد وأربعون ملفاً. أسماء، تواريخ، مبالغ. ملف المعرّة في الوسط، بصفحتين ونصف الصفحة. “الهدف: معلم فلسفة في ثانوية معرّة النعمان. المبرر: رفضه حذف مقطع من اللزوميات من المنهاج بطلب من الجهة المسيطرة على البلدة. الطريقة: تسجيل صفّ مدفوع الأجر بيد طالب. قص وإعادة ترتيب. توزيع عبر ثلاث دوائر. التأثير المتوقع: عزل وإبعاد.” وأسفل ذلك سطر بخط مختلف، بيد مراد حدّاد: “النتيجة: تجاوز. الهدف توفي. لم يكن مقصوداً. لا تُكرَّر التجربة بهذا الشكل.”
قرأته لمى ثلاث مرات. كان الغضب ما يزال في عروقها، لكن ما قرأته كان أكثر هدوءاً مما توقعت. كلمات بسيطة. أرقام. وفي النهاية: “لا تُكرّر التجربة بهذا الشكل.” أي: يمكن أن تُكرّر بشكل آخر.
وفي ذيل الجدول سطر منفصل بيد غير يد مراد: “الأمينة — مغلق.” نظر كريم إلى السطر طويلاً. “هذا ملفها”، قال. “ملف الأمينة. أغلقته أنا.”
“لن نقدّمه للصحف”، قالت إيموجين. “لن أطلبه. سأفعل شيئاً أبسط. سأرسله إلى اثني عشر شخصاً: صحفيين ومحامين وبرلمانيين في ثلاث دول، مع تعليمات ليفتحوه بعد منتصف ليل الحادي والعشرين، لا قبله. إذا اعتقلونا أو أسكتونا، سيتحدث الدفتر.”
“ونحن؟” سأل يوسف. “ماذا نفعل ونحن في هذه القاعة؟”
كانت إيموجين قد كتبت الإعلان ونشرته قبل ساعتين على عشرين منصة، بلغات ست، وبكلمات اختارتها لمى:
“الجلسة الأخيرة لمجلس الغائبين. الحادي والعشرون من كانون الأول، التاسعة مساء، برلين. مفتوحة للجميع. ومفتوحة للمتهم.”
“سيأتي”، قالت لمى.
“لماذا؟” سألت زهرة بخوف.
“لأن الغياب هو ما يخاف منه. ولأن الغائب في هذا المجلس يُحاكَم غيابياً.”
ثم رنّ الهاتف.
كان على الشاشة اسم لم تتعمّد حفظه. وضعته لمى على مكبّر الصوت.
“أعجبني إعلانكم”، قال مراد حدّاد بلطف من يتصل ليشكر على دعوة عشاء. “ومفتوحة للمتهم. أعتقد أنها من صياغتك. سأحضر.”
“وياسين؟” قالت لمى.
“في ضيافتي. لم نمسّه بسوء. طلب مني قارئاً للّزوميات فأرسلت إليه واحداً. عنده طبيب. إنه في التاسعة والتسعين، يا لمى. لست وحشاً.” توقف. “وسأحضره إلى الجلسة إن شاء. هو من سيقرر.”
“وماذا تريد؟”
“ثلاثين دقيقة معك قبل الجلسة. وحدنا. من السابعة والنصف.”
نظرت لمى إلى سلمى، فكتبت سلمى بسرعة. قرأتها لمى بصوت عالٍ: “الحرّاس لا يقايضون. لكنهم يحضرون.”
“سأكون هناك”، قالت لمى، وأغلقت الخط.
قبل ذلك، حين خلت القاعة، ناولتها سلمى دفتراً مهترئاً بغلاف أزرق باهت. فتحته لمى. خط مراهق، حروف مستديرة، وفي أعلى الصفحة الأولى: “دفتر الفلسفة. الصف الثالث الثانوي”.
“من أين؟”
كتبت سلمى: “صاحبه طالب من طلاب أبيكِ، اسمه ياسر. هو الذي سجّل الصف يومها: دُفع له مبلغ صغير ليضع جهازاً في حقيبته، وكان في السابعة عشرة. ندم، وحفظ الدفتر ثلاث عشرة سنة، ثم أعطانيه. وهو لا يعرف أنكِ ستقرئينه.”
قلّبت لمى الصفحات. في كل صفحة تقريباً سؤال مكتوب بخط الطالب: “لماذا سألنا الأستاذ هذا؟”. “ما رأيه؟”. وفي آخر صفحة، بتاريخ آخر يوم دراسي، سطر واحد بخط مختلف، أكبر، كأنه كتبه الأستاذ نفسه وهو يدور بين الصفوف: “لا تخافوا من السؤال. خافوا من الجواب الذي لا يقبل سؤالاً.”
ضمّته لمى إلى صدرها، ولم تقل شيئاً. ولم تطلب منها سلمى أن تقول.
وجدت لمى كريم عند الباب الخلفي يدخّن، وهو لا يدخّن. قال دون أن يلتفت: “لو كنتِ مكاني، هل كنتِ ستغفرين؟”
“لا أعرف. لكنني أعرف أنني لن أحتاج إلى غفرانك كي أستعملك.” وقفت بجانبه. “غداً ستقف أمام الناس وتقول ما قلته لي في رافنّا. بالأسماء والمبالغ. بلا تجميل.”
“سيعني ذلك نهايتي.”
“أو بدايتك. أنت من كتب في التقرير: انتحار. غداً تكتب ما حدث فعلاً.”
سحب نفساً أخيراً وسحق السيجارة بحذائه. “ملف الأمينة”، قال. “لم أخبرك. كانت تحمل في حقيبتها يوم موتها كتاباً مفتوحاً على صفحة واحدة. رسالة الغفران. لم أفهم يومها لماذا يقرأ أحد هذا قبل أن يموت.”
“ربما لم تكن تقرأه قبل أن تموت”، قالت لمى. “ربما كانت تقرأ الشيء الذي كانت تحرسه.”
بعد منتصف الليل لم يبقَ في القاعة غير لمى وسلمى. في الخارج كان الثلج يسقط على البحيرة بلا صوت. كشفت لمى بيدها الأقمشة السوداء عن ثلاثة من الكراسي الأربعة: لا شيء. خشب عادي. وعلى كل مقعد لوحة نحاسية صغيرة، تحمل اسماً: “سلمى سلامة”. “ياسين سلامة”. “مراد حدّاد”.
وأمام الكرسي الرابع، توقفت.
كتبت سلمى بجانبها: “ليس الآن.”
ثم غطّتا الكراسي، وأطفأتا الأنوار.
وفي مساء الحادي والعشرين، في السابعة إلا خمس دقائق، حين كانت لمى وحدها في القاعة تعيد ترتيب الأوراق، انفتح الباب الرئيسي.
دخل رجل أنيق، في معطف داكن مبلّل بالثلج، وبيده عصا يدفع بها كرسياً متحركاً يجلس فيه شيخ ضئيل بوجه شمعي وعينين مغمضتين.
لم يتجه مراد إلى الصف الأول. صعد إلى المنصة، وترك الكرسي المتحرك على جانبها، ثم جلس، بهدوء، على المقعد الأوسط. المقعد الخامس. المقعد الفارغ.
“هذا مقعد الغائب”، قالت لمى.
“ولهذا يليق بي”، أجاب. “كنت غائباً عن هذه القاعة اثنتي عشرة سنة.”
الفصل الحادي عشر
الشاهدة
“لا تقولي شيئاً حتى أنتهي”، قال مراد. “ثلاثون دقيقة، ثم تفعلين ما تشائين.”
جلست لمى على حافة المنصة، بعيدة عنه مترين. كان ياسين قد رفع رأسه، فأدرك الجميع أنه يسمع.
“كنت في التاسعة والثلاثين، في بيروت. أعمل في شركة صغيرة تدرس كيف تنتشر الشائعات. أحصيت في ذلك العام إحدى عشرة ألف حالة عنف جماعي بدأت بمقطع أو بورقة أو بجملة. كل واحدة منها كان يمكن أن تتوقف لو نُسي ما بدأها قبل أن يتحول إلى حشد. هذا ما رأيت. وسلمى، التي كانت أصغر مني بست سنوات ولا أنكر أنها علّمتني كل شيء، اختارت أن تحرس الأسئلة. كأن الأسئلة لا تقتل.”
“وأنا اقترحت تجربة. في ثانوية في معرّة النعمان، مدرس يرفض حذف مقطع. وسيلة بسيطة: ندفع الجهة المسيطرة إلى أن تعتقد أن المدرس تافه. ننشر مقطعاً. يتراجع. يُعزل. يُنسى. لم أتخيل…” توقف، وللمرة الأولى لم يبدُ أنيقاً. “لم أتخيل الحشد. هذا ما سمّيته “تجاوزاً”. كلمة جبانة.”
“قلت لنفسي يومها: الخطأ كان في تقدير الحشد، لا في الفكرة. فبنيت ليثي لتمنع الحشد قبل أن يتكوّن. بنيتها لأجل أبيكِ.”
“لا تجعله حجة”، قالت لمى بصوت هادئ.
“أنا لا أطلب أن تغفري. ولا أن تحاكمي. أنا أطلب أن ترى. أنا لا أكذب حين أقول إنني أريد أن ينجو الناس. ولا أنفي أنني قتلت.”
“سمعتك”، قالت لمى. “في تسجيلات المجلس. تتكلم بلسان هيلدغارد وطاغور وجلال الدين وسيمون فايل وفانون. كنت تحبهم.”
“ولا أزال”، قال. “وهذا ما لا أستطيع أن أشرحه لأحد.”
“وتقول إن ليثي رحمة بالنسيان”، قالت لمى. “لكن ما فعلتَه بأبي لم يكن نسياناً. كان تضخيماً: جعلتَ جملة واحدة تصل إلى مئة ألف هاتف. أي الرجلين أنت: الرحيم أم الصانع؟”
“الاثنان، ولا أراهما متناقضين”، قال مراد. “لا يمكن أن تُنسي الناس ما لم يسمعوا به. كل ما بنيته يقوم على مرحلتين: أن يُسمع، ثم أن يُنسى. وفي معرّة النعمان سقطت المرحلة الثانية، فبقي الصانع وحده. ليثي هي المرحلة الثانية التي لم نبنِها يومها.”
“وقلتَ إنك لا تحرق شيئاً. ورجال أيجيس بمسدساتهم في أثينا وفايمار وبيروت؟”
“لم آمر بسلاح.”
“ومن لا يعرف ماذا يفعل رجاله باسمه”، قالت لمى، “لا يحق له أن يسمّي ما يفعله رحمة.”
سكت مراد ولم يردّ. فقالت لمى: “أتعرف ما قالته لي فيولا؟ أن في دانتي نهرين. ليثي ليغسل الذنب من الذاكرة، ويوناي ليعيد إليها الخير. وأنك وحدك اخترت الأول.”
“وهل أخطأت؟”
“أخطأت في أمر واحد: ظننت أن من ينسى الذنب سيتذكر الخير تلقائياً. الذي ينسى يا مراد لا يتذكر. الذي ينسى يفرغ.” توقفت. “أنت لم تنسَ. وهذا ما يؤلمك. ولا تستطيع أن تبني للناس نسياناً لا تقدر عليه أنت.”
سكت طويلاً. وفي سكوته، رأت لمى أنها أصابت شيئاً حقيقياً.
“لماذا أرسلت لي الملف الأصلي؟”
“لأنني أردتك أن تعرفي من تكرهين قبل أن يخبرك أحد آخر.”
لم تقل شيئاً. نظرت إلى ياسين، فكان وجهه مغموراً بدمع لا يسيل. ثم أخرجت من جيبها ورقة صغيرة وناولتها لمراد.
“ما هذه؟”
“لا أغفر. ولا أحاكم. أشهد.”
وقبل أن يفتح الورقة، فُتح الباب الكبير، وبدأ الناس يدخلون.
دخلوا أربعمئة أو أكثر، على دفعات، بمعاطف مثلجة وحقائب ظهر ووجوه شابة: طلاب، صحفيون، أمهات، رجل بقبعة صيّاد في الصف الأخير، فتاة في الثامنة عشرة تقف عند الباب تحمل هاتفاً. وكان الهاتف يبث. على جدار القاعة الخلفي ظهر رقم صغير يتصاعد: الذين يشاهدون الآن. عشرة آلاف. ثلاثون ألفاً. تسعون.
جلس السبعة على المنصة: إلينا ومريم وزهرة ويوسف وفيولا وإيموجين وهيلغا، وكل واحد على كرسي جلبوه من الصفوف. وسلمى في الجانب. ومراد على المقعد الأوسط. وياسين، على كرسيه المتحرك، عند الطرف.
ووقفت لمى خلف منصّة صغيرة، وفتحت الجلسة.
“هذه الجلسة تُدار بقاعدة المجلس: لا حكم فيها. فيها أسئلة. المتهم حاضر، ويسمع. والغائب، كما جرت العادة، لا يُسأل. يُسأل نيابةً عنه.”
كانت لمى قد قرأت أن الشاهد لا ينبغي أن يرتجف. وكان صوتها ثابتاً. لم تعد تعرف ما إذا كان هذا شجاعة أو مجرد تعب.
“سأطرح عليه سبعة أسئلة. ليست لي. هي لهم.” وأشارت إلى السبعة. “ومن يسمعها الليلة فليحتفظ بها.”
كانت إلينا أول من تكلم. “من قال هذا أولاً؟ ولمصلحة من قاله؟”
“قلتَ إن الأفكار تقتل”، قالت لمى لمراد. “من قال لك ذلك أول مرة؟ ومن ربح من أن تقوله؟”
“أنا. لكن ربحت المؤسسة، وربح من يدفع لها.”
مريم: “من فتح للحشد الباب؟”
“أنت”، قالت لمى. “في آذار ألفين وثلاثة عشر، بتجربة رقمها سبعة عشر.”
وفي الصف الأخير وقف الرجل ذو القبعة. خلعها، فظهر وجه في الثلاثين لا يشبه أحداً. “اسمي ياسر”، قال بصوت لم يعتد الميكروفونات. “كنتُ في السابعة عشرة. قبضتُ ثلاثين دولاراً لأضع الجهاز في الحقيبة. لم أعرف ما سيصير. أنا من فتح الباب.” ثم، بالصوت نفسه: “حفظتُ الدفتر ثلاث عشرة سنة، ثم سلّمته لسلمى، ولم أجد الشجاعة لأسلّمه لكِ.”
لم تنطق لمى. نظرت إليه طويلاً. كان الواقف هناك طفلاً، وكان رجلاً، ولا أحد يستطيع أن يعاقب الاثنين معاً. “اجلس”، قالت أخيراً. “وابقَ.”
زهرة، بصوت مرتجف يتماسك: “ما الذي يشتريه صاحب السلطة بصمتي؟”
“ما يشتريه من صمتنا جميعاً: أن يبقى كل منا يحسب أن الدور على غيره.”
يوسف، بعصاه: “هل قرأ المُدين ما أدان؟”
“أنت لم تقرأ الدرس”، قالت لمى. “قرأت المقطع. أنا قرأت الدرس. بصوت أبي، كاملاً، قبل أيام.” رفعت ورقة أخرى كانت في يدها: كانت نصّ الدرس الكامل، مكتوباً كما سمعته.
فيولا: “من الذي لم يُسمح له بالحضور ليدافع عن نفسه؟”
أشارت لمى إلى المقعد الرابع المغطى. ثم، بيدٍ لم ترتجف، رفعت القماش الأسود عنه.
على المقعد لوحة نحاسية جديدة. “حمزة الحلبي — معلّم”.
سمعت القاعة تتنفس مرة واحدة. ولم تسمع لمى نفسها.
“سلمى وضعته هنا قبل عامين”، قالت ببطء. “تركت المقعد له وهو غائب. هذا اسم أبي. وهذا آخر كرسي في الجلسة. وأنا، الليلة، أتكلم عنه حين لا يستطيع.”
ثم قالت إيموجين: “ولماذا الآن؟”
“لماذا أرسلتَ إليّ التسجيل الآن”، سألت لمى مراد، “وأنت على مسافة يوم واحد من اعتماد ليثي في جنيف؟ لأنك خفت من شيء عندنا لا تعرف ما هو. ولأنك أردت أن أعرف اسمك قبل أن يعرفه العالم.”
“نعم”، قال. “الاثنان.”
ثم قالت لمى للقاعة: “ونحن أيضاً اخترنا الموعد. أعلنّا الجلسة قبل أن نعقدها، وأخفينا الدفتر حتى منتصف الليل. فاسألونا نحن أيضاً: لماذا الآن؟”
وأخيراً قالت هيلغا: “من يملك المفتاح؟ ولماذا لا يملكه غيره؟”
استدارت لمى إلى المقعد الأوسط، وهي ترى الرجل الأنيق يفقد لوناً بعد لون. “أنت. وأنا، حتى هذه الليلة. وسلمى جعلتنا سبعة. أما الليلة فقد صرنا أكثر من أربعمئة، وفي هذه اللحظة، مئة وأربعين ألفاً.”
ثم سمع الجميع جملة غريبة. لم تكن لمى هي من قالتها. كان شاباً في الصف الثاني. ثم فتاة. ثم قاعة كاملة: “من قال هذا أولاً؟” “من فتح الباب؟” كأنهم كانوا ينتظرون من يعلّمهم ما يقولون.
“الفهرس”، قالت لمى. “كان مخبأً لأنه كان سلاحاً. لا أريده سلاحاً. أريده درساً. اتلوه معي.”
وبدأ كل واحد من الحراس السبعة بالحالات العشر المختلقة التي دسّوها في النبع، ليعرف الناس أين يبدأ السمّ، ثم تلوا معاً ما حفظوه صادقاً، بسبع لغات وسبع نبرات، خمسين حالة لكل منهم، ثلاثمئة وخمسين اسماً: فلاسفة وطلاب وكتّاب وأمهات ومعلمون. وفي القاعة، وقف الناس واحداً بعد واحد، وبدأوا يهمسون الأسئلة السبعة. وفي الخلفية، تغيّر رقم العداد إلى ما لا يمكن عدّه.
على شاشة إيموجين كان وسم “ابنة المهرطق” ما يزال ينبض، لكن الردود تحته تغيّرت. آلاف الناس يكتبون أسئلة السبعة، واحداً بعد واحد. قالت إيموجين بصوت منخفض: “الآلة تتعلم نمطاً: شائعة، فغضب، فعزلة. الليلة لم يعد النمط نفسه.” وحين تغيّر النمط لم تعرف ليثي ماذا تفعل.
قامت سلمى سلامة. لم تقل شيئاً، فهي لا تستطيع، لكنها ناولت لمى ورقة، فقرأتها لمى بصوت عالٍ أمام القاعة، حرفاً حرفاً:
“عرفتُ في ربيع ألفين وأربعة عشر ما فعله مراد في معرّة النعمان، وطردته من المجلس، ثم سكتّ. سكتّ لأنني ظننت أن بقاء المجلس أثمن من حقيقة واحدة. حرّاس الأسئلة، يومها، سكتوا عن سؤال. هذا اعترافي، وأضعه بين أيديكم، لا بين أيدي أحد من المجلس.”
لم يرفع أحد صوته. وسمعت لمى القاعة كلها تتنفس بعمق.
ثم وقف كريم نصّار في الصف الأول، وذراعه في الحمالة.
“اسمي كريم نصّار. كنت محققاً في الشرطة الجنائية. قبل ست سنوات وجدت أمينة أرشيف ميتة في شقتها، وطُلب مني أن أكتب إنها انتحرت، فكتبت. بعدها بشهر بدأت أتقاضى مبالغ من شركة اسمها أيجيس. وفي الأسابيع الأخيرة أبلغتهم بتحركات هذه المرأة”، وأشار إلى لمى، “وأخبرتهم باسم إلينا فلاخو، فسُرقت دفاترها. وفي دفتر أيجيس سطر عن الأمينة التي أغلقتُ ملفها: “مغلق”. لا أعرف من قتلها. أعرف أن من كتب السطر يعرف. أنا لا أطلب أن تصدّقوا أنني ندمت. أطلب فقط أن تسألوني السؤال الأخير: لماذا قلت الآن؟”
“لماذا الآن؟” قالت لمى.
“لأن الفخ الوحيد الذي لا أستطيع الخروج منه هو الصمت.”
قال مراد من المقعد الأوسط بصوت جاف: “لم آمر بقتل أحد.”
“ولم تأمر بالضرب في ساحة الثانوية أيضاً”، قالت لمى. “ومع ذلك وقّعتَ تحت كلمة: تجاوز. التجاوز يفعله غيرك، والتوقيع توقيعك.”
ثم جلس كريم. وكان صوت الكرسي الخشبي تحته أعلى من كل ما قيل.
وعند الخامسة والأربعين من الحالات، حين وصلت الأسماء إلى معلم فلسفة في ثانوية صغيرة، وقف ياسين سلامة على قدميه. لم يقل أحد إنه يستطيع. وقف، ورفع وجهه نحو الضوء.
“أنا ياسين سلامة”، قال. “فقدتُ وطني في سنة اثنتين وخمسين، فأسّست مجلساً لا وطن له. ظننت أن الحراسة أن تحبس السؤال في خزانة. لقد تعلّمتُ الليلة من حفيدتي ومن هذه الفتاة أن الحراسة هي أن تفتح الباب. ما عاد المجلس يلزم. صار العالم هو المجلس.”
ثم أدار وجهه نحو الرجل على المقعد الأوسط.
“وأنت يا مراد، تلميذي الأحب. سامحني: لقد علمتك كيف تحب الغائبين، ولم أعلمك كيف تحب الأحياء.”
لم يرد مراد. جلس مسمّراً. ثم رفع الورقة التي أعطته إياها لمى، وفتحها. كانت سؤالاً واحداً، بخط يدها، في سطر:
“ما الذي كنتَ ستفعله لو بقي أبي حياً؟”
أطال النظر فيها. ثم قام ببطء، وانحنى قليلاً نحو الكرسي المتحرك، وقال بصوت لا يسمعه سوى من في المنصة: “كنت سأتركه يدرّس.”
“كتبتَ في دفترك: عزل وإبعاد”، قالت لمى بهدوء. “أي أن يُخرَج من التدريس. الجواب الذي قلتَه الآن ليس ما كتبته.”
سكت. ثم قال: “لا. ليس ما كتبته. وهذا ما كنت أحتاج أن يقوله لي أحد.”
ومشى نحو الباب، بخطوات من فقد شيئاً لا يملك أن يسترده، ولم يمنعه أحد.
وعند منتصف الليل، فتح اثنا عشر شخصاً، في ثلاث دول، رسالة. وعند الفجر، أعلنت قمة جنيف تأجيل اعتماد “ليثي” إلى أجل غير مسمى، وأعلنت النيابة الاتحادية الألمانية فتح تحقيق في شركة أيجيس. أما مراد حدّاد فلم يظهر بعد تلك الليلة. لا أحد يعرف إن كان هارباً، أو صامتاً، أو غائباً في المعنى الذي لم يقصده يوماً.
خاتمة
الدرس الذي لم يكتمل
في الربيع التالي، وفي ثانوية أعاد بناءها متطوعون في معرّة النعمان، وقفت لمى الحلبي أمام سبّورة سوداء.
كان ياسين سلامة قد مات في أواخر كانون الثاني، في نومه، في مكتبته، وبين يديه نسخة من اللزوميات مفتوحة على صفحة لا يستطيع قراءتها. دفنوه في معرّة النعمان، قرب قبر آخر لرجل كان قد أوصى بأن يُكتب عليه ما كتب. وفي حفل بسيط، حضرته سلمى، التي بدأت تهمس بكلمات لا تُسمع، قرأت لمى ما كان الشيخ يقوله لتلاميذه: “لا تقدّسوا سؤالاً. اطرحوه.”
حُلّ مجلس الغائبين بقرار من آخر جلساته. ولم يختفِ: الأسئلة السبعة اليوم مطبوعة على لوحة في آلاف الصفوف، بلغات كثيرة، بخط اليد تارة وبخط المطابع تارة. من قال هذا أولاً؟ من فتح للحشد الباب؟ ما الذي يشتريه صاحب السلطة بصمتي؟ هل قرأ المُدين ما أدان؟ من الذي لم يُسمح له بالحضور؟ لماذا الآن؟ من يملك المفتاح؟
أما الثامن، فلم يكن على اللوحة. كان على السبّورة القديمة نفسها، التي نجت من الحريق بسواد على أحد أطرافها، بطبشورة بيضاء وبخط لمى، تحت جملة قديمة بخط رجل آخر، أعادت سلمى تثبيتها قبل عام بطبشورة جديدة (“السؤال الذي لا تجرؤ على طرحه هو الذي ينبغي أن تبدأ به”): ما السؤال الذي لا تجرؤ أنت على طرحه؟
وكانت قد وصلتها قبل أسبوع علبة صغيرة من أثينا. فتحتها فوجدت قرصاً برونزياً صغيراً في حجم كفّ طفل، في منتصفه ثقب، ومعه ورقة بخط إلينا فلاخو: “وجدته في قاع صندوق لم أفتحه منذ أربعين سنة. الواحد الناقص. لا أصدّق ذلك. لكنني لا أحتاج إلى أن أصدّق. احتفظي به، فالحارس يحتاج دائماً إلى شيء صغير يذكّره بما ينقص.”
وضعته لمى على حافة السبّورة، تحت الطبشورة، حيث يراه كل من يدخل.
دخل الأطفال. أربعة وثلاثون ولداً وبنتاً، بملابس مختلفة، وبعضهم لا يزال يخاف ما وراء الباب. جلسوا. لم تقل لهم لمى من هي. قالت فقط:
“اليوم نتكلم في أبي العلاء. وسترون في كتب كثيرة بيتاً يُنسب إليه…”
رفعت فتاة صغيرة يدها في الصف الأول، قبل أن تنهي.
“أستاذة. من قال لنا إن هذا السؤال ممنوع؟”
ابتسمت لمى. وكان ذلك أول درس لم يكتمل في تلك المدرسة منذ ثلاثة عشر عاماً.
“سؤال ممتاز”، قالت. “لنبدأ منه.”
نعمان البربري

