خُلَفاءُ الأَرْض

الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
الْمُلْحَقُ الْعَاشِرُ
خُلَفَاءُ الْأَرْضِ
إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تَشْتَكِ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَطِيعُ.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
— سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 30
«إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».
— الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ
مَدْخَلٌ: الْكَلِمَةُ الَّتِي تَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ
ثَمَّةَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَمْ نَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ نَعِيشُهَا.
خَلِيفَةٌ.
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَقَبٍ.
لَيْسَتْ مَنْصِبًا.
هِيَ عَقْدٌ كَامِلٌ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْأَرْضِ، مُوَقَّعٌ فِي لَحْظَةِ الْخَلْقِ نَفْسِهَا، قَبْلَ أَنْ تُوجَدَ الْأَرْضُ بِكُلِّ ثِقَلِهَا وَنَضَارَتِهَا تَحْتَ قَدَمَي آدَمَ الطِّينِيَّتَيْنِ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلْكَلِمَةِ.
إِنَّهَا مُحَاوَلَةٌ لِلْعَيْشِ مَعَهَا.
أَوْ، بِالْأَحْرَى، مُحَاوَلَةٌ لِمَعْرِفَةِ مَا يَحْدُثُ حِينَ نَنْسَى أَنَّنَا وَقَّعْنَا ذَلِكَ الْعَقْدَ.
الشَّخْصِيَّاتُ الَّتِي سَتُلَاقِيهَا فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ حَقِيقِيَّةٌ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَكْفِي لِتُؤْلِمَكَ.
وَالْأَمْكِنَةُ مَوْجُودَةٌ فِي أَرْجَاءِ هَذَا الْكَوْكَبِ الْمُثْقَلِ.
وَالْأَزْمَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُوَثَّقَةٌ فِي آلَافِ التَّقَارِيرِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي لَا يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ.
أَوْ يَقْرَؤُهَا الْجَمِيعُ، وَلَا يُؤْمِنُ بِهَا أَحَدٌ.
ابْدَأْ مَعِي.
الْأَرْضُ تَنْتَظِرُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
مَا قَالَهُ النَّهْرُ قَبْلَ أَنْ يَصْمُتَ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: رَجُلٌ وَأَرْضٌ وَذَاكِرَةٌ
«الْمُزَارِعُ الْجَيِّدُ لَا يَزْرَعُ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَزْرَعُ لِمَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ».
مَثَلٌ أَمَازِيغِيٌّ قَدِيمٌ
فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ النَّهْرُ أَيَّ لَوْنٍ سَيَرْتَدِيهِ الْيَوْمَ، كَانَ حَمُّودُ الْفَلَّاحُ يَقِفُ عَلَى الضِّفَّةِ.
وَقْفَةٌ يَعْرِفُهَا جَسَدُهُ قَبْلَ عَقْلِهِ.
خَمْسُونَ عَامًا مِنْ هَذِهِ الْوَقْفَةِ نَفْسِهَا عَلَى ضِفَّةِ النِّيلِ فِي السُّودَانِ، فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا، وَلَمْ يُغَادِرْهَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ذَهَبَ فِيهَا إِلَى الْخُرْطُومِ، وَاشْتَرَى حِذَاءً أَسْوَدَ أَرْبَكَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَسْعَدَهُ.
النَّهْرُ الْيَوْمَ أَضْيَقُ.
لَمْ يَقُلْ هَذَا لِأَحَدٍ.
لَكِنَّهُ يَعْرِفُ.
الضِّفَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُغْرِقُ قَدَمَيْهِ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ فِي أَيَّامِ مَارِسَ، بَاتَتْ جَافَّةً مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ.
وَالْأَشْجَارُ الَّتِي كَانَتْ جُذُورُهَا تَشْرَبُ مِنَ الْقَاعِ ظَلَّتْ وَاقِفَةً بِصَبْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ.
حَمُّودُ لَمْ يَقْرَأْ تَقْرِيرًا مَنَاخِيًّا فِي حَيَاتِهِ.
لَكِنَّهُ قَرَأَ النَّهْرَ.
وَمَا يَقُولُهُ النَّهْرُ الْآنَ لَيْسَ جَيِّدًا.
كَانَتْ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.
لَيْسَ مِنَ الْجُوعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
بَلْ مِنْ ذَلِكَ الدَّاءِ الَّذِي يَأْتِي فِي اللَّيْلِ، وَلَا يُعْلِنُ نَفْسَهُ بِوُضُوحٍ.
تَرَكَتْ خَلْفَهَا ابْنَتَيْنِ، وَوَلَدًا، وَالْكَثِيرَ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي لَا يَمْلَؤُهُ شَيْءٌ.
الِابْنُ الْكَبِيرُ، كَرِيمٌ، ذَهَبَ إِلَى الْخُرْطُومِ.
ثُمَّ إِلَى الْقَاهِرَةِ.
ثُمَّ، فِي رِسَالَةٍ قَصِيرَةٍ وَصَلَتْ عَبْرَ الْهَاتِفِ النَّقَّالِ الَّذِي يَتَشَارَكُهُ حَمُّودُ مَعَ جَارِهِ، إِلَى إِيطَالِيَا.
وَكَانَتِ الْكَلِمَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْهُ:
«الْبَحْرُ لَيْسَ بَعِيدًا كَمَا تَقُولُ يَا أَبِي».
الْبَحْرُ الَّذِي عَبَرَهُ كَرِيمٌ يَعْرِفُهُ حَمُّودُ فَقَطْ مِنَ الصُّوَرِ.
لَكِنَّهُ يَعْرِفُ الْبَحْرَ الْآخَرَ.
الْبَحْرَ الْأَبْيَضَ الْمُتَوَسِّطَ الَّذِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ الْأَخْبَارُ.
الَّذِي يَرْتَفِعُ بِبُطْءٍ.
كَقَاتِلٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْجِلُ؛ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ لَا مَفَرَّ لَهَا.
جَلَسَ حَمُّودُ عَلَى حَجَرٍ كَانَ دَائِمًا هُنَاكَ.
الْحَجَرِ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ يَجْلِسُ عَلَيْهِ.
وَالَّذِي قَالَ لَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ، وَالنَّهْرُ يَلْمَعُ فِي الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ وَرِثَهُمَا حَمُّودُ بِالْكَامِلِ:
الأَبُ:
«الْأَرْضُ لَا تَبْخَلُ.
لَكِنَّهَا تَتَذَكَّرُ.
مَا تَأْخُذُهُ مِنْهَا الْيَوْمَ تَطْلُبُهُ مِنْكَ غَدًا».
لَمْ يَفْهَمْ حَمُّودُ الْجُمْلَةَ آنَذَاكَ.
كَانَ عُمْرُهُ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا.
وَكَانَ النَّهْرُ يَلْمَعُ، وَالْأَرْضُ خَضْرَاءَ، وَالْمُسْتَقْبَلُ وَاضِحًا كَقُرْصِ الشَّمْسِ.
الْآنَ، وَعُمْرُهُ اثْنَانِ وَسِتُّونَ عَامًا، يَفْهَمُ.
وَيَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: جَبَلٌ فِي الْجَزَائِرِ وَامْرَأَةٌ لَا تَنْحَنِي
«تِيرِي نْ تَمَازِيرْتْ — جَبَلُ الْأَرْضِ — لَمْ يُبْنَ فِي يَوْمٍ، وَلَكِنَّهُ يُهْدَمُ فِي جِيلٍ».
أُغْنِيَةٌ أَمَازِيغِيَّةٌ مِنْ مِنْطَقَةِ الْقَبَائِلِ
كَانَتْ تَافُكَنْتْ تَصْعَدُ الْجَبَلَ كَمَا تَصْعَدُهُ النِّسَاءُ اللَّوَاتِي وُلِدْنَ فِيهِ؛ بِخُطْوَةٍ لَا تُفَسَّرُ إِلَّا بِأَنَّ الْقَدَمَيْنِ تَعْرِفَانِ الطَّرِيقَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ.
اسْمُهَا يَعْنِي، بِاللُّغَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ:
«تِلْكَ الَّتِي تُضِيءُ».
لَكِنَّ قَرْيَتَهَا فِي مِنْطَقَةِ الْقَبَائِلِ الْكُبْرَى، بِشَمَالِ الْجَزَائِرِ، لَمْ تَعُدْ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُضِيءُ.
فَالْكَهْرَبَاءُ وَصَلَتْ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، وَبَدَّلَتْ وَجْهَ اللَّيْلِ دُونَ أَنْ تُبَدِّلَ عُقُولَ الْبَشَرِ.
كَانَتْ تَافُكَنْتْ فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا.
لَمْ تَتَزَوَّجْ.
لَيْسَ عَجْزًا، بَلِ اخْتِيَارًا.
وَالسَّبَبُ أَنَّ رِجَالَ الْقَرْيَةِ كَانُوا يُرِيدُونَ امْرَأَةً تَتْبَعُهُمْ، وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَتْبَعُونَ أَحَدًا.
كَانَتْ أُسْتَاذَةً فِي مَدْرَسَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ.
تُعَلِّمُ الْأَطْفَالَ اللُّغَةَ الْأَمَازِيغِيَّةَ الَّتِي حَاوَلَتِ الدَّوْلَةُ أَنْ تُهَمِّشَهَا لِعُقُودٍ، ثُمَّ أَعَادَتِ الِاعْتِرَافَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْإِرْثِ الْوَطَنِيِّ.
الْغَابَةُ الَّتِي كَانَتْ تُظَلِّلُ الْجَانِبَ الْغَرْبِيَّ مِنَ الْجَبَلِ تَرَاجَعَتْ.
لَيْسَ بِسَبَبِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِقَرَارٍ مُفْرَدٍ.
بَلْ بِفِعْلِ التَّرَاكُمِ الصَّغِيرِ الْيَوْمِيِّ؛ شَجَرَةٌ لِحَطَبِ النَّارِ، وَشَجَرَةٌ لِلْأَثَاثِ، وَشَجَرَةٌ لِمَزْرَعَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَالْأَمْطَارُ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِي انْحَسَرَتْ، دُونَ أَنْ تُعْلِنَ رَحِيلَهَا.
كَانَتْ تَافُكَنْتْ تُعَلِّمُ الْأَطْفَالَ أَسْمَاءَ الْأَشْجَارِ بِالْأَمَازِيغِيَّةِ.
وَكَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ مَا لَا اسْمَ لَهُ فِي لُغَتِكَ سَيَخْتَفِي دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِفَقْدِهِ أَحَدٌ.
الِاسْمُ هُوَ أَوَّلُ الْأَمَانَةِ.
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ كَانَتْ تَصْعَدُ لِتُلَقِّحَ أَشْجَارَ الزَّيْتُونِ الْقَدِيمَةَ فِي الْمُدَرَّجَاتِ الْعُلْيَا.
وَبِجَانِبِهَا تِلْمِيذُهَا الصَّغِيرُ يُوسُفُ، ذُو السَّبْعِ سَنَوَاتٍ، الَّذِي كَانَ يَسْأَلُهَا دَائِمًا أَسْئِلَةً تَسْتَحِقُّ أَلَّا تُنْسَى.
يُوسُفُ:
«يَا أُسْتَاذَةَ تَافُكَنْتْ، لِمَاذَا يَقُولُونَ إِنَّ الْغَابَةَ تَمُوتُ؟ هَلْ تَمْرَضُ مِثْلَنَا؟»
تَوَقَّفَتْ تَافُكَنْتْ.
كَانَ الْجَوَابُ الْبَسِيطُ مُتَاحًا:
( نَعَمْ، تَمْرَضُ.)
لَكِنَّهَا اخْتَارَتِ الْجَوَابَ الْأَعْمَقَ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ يَسْتَحِقُّهُ.
تَافُكَنْتْ:
«الْغَابَةُ لَا تَمْرَضُ يَا يُوسُفُ.
إِنَّهَا تُذَكِّرُ.
حِينَ نَأْخُذُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا نُعْطِيهَا، تَبْدَأُ بِأَنْ تُذَكِّرَنَا بِمَا أَخَذْنَاهُ.
وَهَذَا التَّذْكِيرُ نَحْنُ نُسَمِّيهِ مَوْتًا».
لَمْ يَرُدَّ يُوسُفُ.
نَظَرَ إِلَى الْجَبَلِ.
ثُمَّ إِلَى السَّهْلِ الْبَعِيدِ الَّذِي اقْتَطَعَ الْإِسْمَنْتُ مِنْهُ مَسَاحَاتٍ خَضْرَاءَ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ.
ثُمَّ قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ بَالِغٌ لِيَتَوَقَّعَهُ:
يُوسُفُ:
«إِذًا الْغَابَةُ أَصْدَقُ مِنَّا».
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: نَهْرٌ يَضِيقُ وَرَجُلٌ يُشْهِدُ
«الْمَاءُ لَا يَكْذِبُ، وَلَا يُجَامِلُ».
مَثَلٌ وُولُوفِيٌّ مِنَ السِّنِغَالِ
كَانَ عَلِي جَانْغ يُشْهِدُ النَّهْرَ.
هَذَا مَا كَانَ يُسَمِّيهِ بِالْفَرَنْسِيَّةِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا فِي الْجَامِعَةِ: Témoigner.
وَبِالْوُولُوفِيَّةِ الَّتِي حَفِظَهَا عَنْ أُمِّهِ.
وَبِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا فِي الْمَسْجِدِ: الْإِشْهَادَ.
كَانَ يَقِفُ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرِ السِّنِغَالِ فِي مَدِينَةِ سَانْتْ لُوي الشَّمَالِيَّةِ.
وَبِيَدِهِ مِسْطَرَةٌ حَدِيدِيَّةٌ يَقِيسُ بِهَا عُمْقَ الْمَاءِ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي يَقِيسُهَا مُنْذُ سِتِّ سَنَوَاتٍ.
كُلَّ أُسْبُوعٍ.
فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ.
عِنْدَ السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ دَقِيقَةً مِنْ صَبَاحِ الثُّلَاثَاءِ.
كَانَ عَلِي بَاحِثًا فِي جَامِعَةِ سَانْتْ لُوي.
يَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَكَانَتِ ابْتِسَامَتُهُ تَسْبِقُ كَلَامَهُ دَائِمًا.
لَيْسَ لِأَنَّهُ سَعِيدٌ بِالضَّرُورَةِ.
بَلْ لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنَّ الِابْتِسَامَةَ تُعْطِي الْآخَرِينَ فُرْصَةً لِلِاقْتِرَابِ قَبْلَ الْكَلَامِ.
سَجَّلَ فِي دَفْتَرِهِ الْأَزْرَقِ:
«١٢ مَارِسَ. الْعُمْقُ: ١٫٨ مِتْرٍ. الِانْخِفَاضُ عَنِ الشَّهْرِ الْمَاضِي: ٩ سَنْتِيمِتْرَاتٍ».
ثُمَّ أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَنَظَرَ إِلَى الْمَاءِ.
سِتُّ سَنَوَاتٍ مِنَ الْأَرْقَامِ.
وَكُلُّهَا تَقُولُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ:
النَّهْرُ يَضِيقُ.
لَكِنَّ الْأَرْقَامَ لَا تُحْكَى فِي الْمَجَالِسِ.
وَلَا تُعَلَّقُ عَلَى جُدْرَانِ الْمَسَاجِدِ.
وَلَا تُقْرَأُ فِي خُطَبِ الْجُمُعَةِ.
إِنَّهَا تَبْقَى فِي الدَّفَاتِرِ الزَّرْقَاءِ، فِي الْجَامِعَاتِ الَّتِي يَزُورُهَا الطُّلَّابُ لِحِفْظِ الْمَعْلُومَاتِ، ثُمَّ نِسْيَانِهَا.
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ كَانَتْ بِجَانِبِهِ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ تَجْلِسُ عَلَى حَجَرٍ، وَتُخَاطِبُ الْمَاءَ بِهَمْهَمَةٍ خَافِتَةٍ.
سَأَلَ أُمَّهَا الْوَاقِفَةَ قَرِيبًا:
عَلِي:
«مَاذَا تَقُولُ؟»
الْأُمُّ:
«إِنَّهَا تَسْأَلُ النَّهْرَ لِمَاذَا تَرَاجَعَ عَنِ الْبَيْتِ.
كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ تَضَعَ قَدَمَيْهَا فِيهِ حِينَ تَعُودُ مِنَ الْمَدْرَسَةِ».
نَظَرَ عَلِي إِلَى الْفَتَاةِ.
ثُمَّ إِلَى الدَّفْتَرِ الْأَزْرَقِ.
ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ عُنْوَانٍ يُرْسِلُ إِلَيْهِ شَكْوَى.
لَمْ يَجِدْ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
الْمَجْلِسُ خَارِجَ الزَّمَنِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: مَكَانٌ لَا تَقَعُ فِيهِ الْأَشْيَاءُ، بَلْ تُفْهَمُ
«بَعْضُ الْمَجَالِسِ لَا تُعْقَدُ، بَلْ تَحْدُثُ؛ مِثْلَ الزِّلْزَالِ تَمَامًا».
نَصٌّ تَخْيِيلِيٌّ مُسْتَلْهَمٌ مِنْ رُوحِ الْجَاحِظِ
لَا أَحَدَ يَصِلُ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ بِإِرَادَتِهِ تَمَامًا.
فَالْمَكَانُ لَيْسَ فِي الْخُرْطُومِ، وَلَا فِي الْجَزَائِرِ، وَلَا فِي سَانْتْ لُوي.
وَلَيْسَ فِي أَيِّ مَكَانٍ عَلَى الْخَرِيطَةِ.
لِأَنَّ الْخَرَائِطَ رَسَمَهَا الْبَشَرُ بِحُدُودِهِمْ، أَمَّا هَذَا الْمَكَانُ فَقَدْ سَبَقَ الْحُدُودَ.
هُوَ ذَلِكَ الْفَضَاءُ الَّذِي يُولَدُ أَحْيَانًا حِينَ يَجْتَمِعُ مَنْ يَحْمِلُ سُؤَالًا حَقِيقِيًّا مَعَ مَنْ يَحْمِلُ ذَاكِرَةً حَقِيقِيَّةً.
لَا فِي الْحُلْمِ.
بَلْ فِي تِلْكَ الْهُوَّةِ الرَّقِيقَةِ بَيْنَ الْيَقَظَةِ وَالنَّوْمِ، الَّتِي يَعْرِفُهَا الْمُفَكِّرُونَ وَالرُّعَاةُ وَأَبْنَاءُ الْأَنْهَارِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَجَدَ حَمُّودُ نَفْسَهُ هُنَاكَ أَوَّلًا.
ثُمَّ تَافُكَنْتْ.
ثُمَّ عَلِي.
ثُمَّ، بِطَرِيقَةٍ تَجَاوَزَتْ مَنْطِقَ الدَّعْوَةِ، جَلَسَ مَعَهُمْ آخَرُونَ مِنْ أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَمْ تَشْتَرِكْ أَزْمِنَتُهُمْ إِلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ:
الْأَرْضِ نَفْسِهَا.
جَلَسَ ابْنُ سِينَا، الطَّبِيبُ الْفَيْلَسُوفُ، وَفِي عَيْنَيْهِ تِلْكَ الْحِدَّةُ الَّتِي تَمْلِكُهَا عُيُونُ مَنْ يَرَوْنَ الْأَنْظِمَةَ وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَ الْأَشْيَاءِ وَحْدَهَا.
وَجَلَسَ الْجَاحِظُ، كَاتِبُ الْبَصْرَةِ الْكَبِيرُ، بِفُضُولِ الْعَالِمِ وَحُبِّ الْوَاصِفِ.
فَقَدْ كَتَبَ عَنِ الْحَيَوَانِ بِمَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَكَأَنَّهُمْ أَصْدِقَاؤُهُ.
وَجَلَسَتْ نُورٌ، الْبَاحِثَةُ الْجَزَائِرِيَّةُ الْمُقِيمَةُ فِي جَنِيفَ، تَقْرَأُ التَّقَارِيرَ الْمَنَاخِيَّةَ بِعَيْنَيْنِ تَرَيَانِ الْبَشَرَ خَلْفَ الْأَرْقَامِ.
وَجَلَسَتْ سَارَةُ الْفَقِيهَةُ، الَّتِي أَمْضَتْ عَشْرَ سَنَوَاتٍ تَبْحَثُ فِي الْفِقْهِ الْبِيئِيِّ الْإِسْلَامِيِّ، وَتُصَادِمُ الصَّمْتَ الْمُؤَسَّسِيَّ.
وَجَلَسَ طَارِقٌ، الْمُهَنْدِسُ الْمِعْمَارِيُّ السُّورِيُّ الْمُقِيمُ فِي بَرْلِين، الَّذِي أَدْرَكَ أَنَّ كُلَّ بِنَاءٍ قَرَارٌ أَخْلَاقِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ قَرَارًا هِنْدَسِيًّا.
وَجَلَسَ نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى، الصُّوفِيُّ الْكَبِيرُ، الَّذِي بَقِيَ فِي أَرْضِهِ حِينَ اجْتَاحَهَا الْمَغُولُ، وَرَفَضَ الْمُغَادَرَةَ.
وَقِيلَ إِنَّهُ قُتِلَ مَعَ أَهْلِ مَدِينَتِهِ.
أَمَّا هُنَا، فَقَدْ جَلَسَ وَكَأَنَّ الْمَوْتَ اعْتَرَفَ بِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْكَلَامِ.
كَانَ الْهَوَاءُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ثَقِيلًا بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
كَأَنَّ الْأَرْضَ نَفْسَهَا حَاضِرَةٌ فِي الْمَجْلِسِ.
لَيْسَتْ خَلْفِيَّةً لِلْحِوَارِ.
بَلْ طَرَفًا فِيهِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: الْأَمَانَةُ الَّتِي حَمَلْنَاهَا وَلَمْ نَقْرَأْ شُرُوطَهَا
بَدَأَ حَمُّودُ الْفَلَّاحُ.
لَمْ يَبْدَأْ بِسُؤَالٍ فَلْسَفِيٍّ.
بَلْ بَدَأَ بِمَا يَعْرِفُهُ.
«النِّيلُ يَضِيقُ.
أَنَا لَمْ أَقْرَأْ كُتُبًا كَثِيرَةً.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ النِّيلَ.
وَهُوَ يُخْبِرُنِي بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ يَقُولُهُ مِنْ قَبْلُ».
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ.
ثُمَّ قَالَ الْجَاحِظُ:
«وَأَنَا فِي زَمَانِي كُنْتُ أَكْتُبُ عَنِ الْحَيَوَانَاتِ.
كَتَبْتُ عَنِ الْجَرَادِ، وَالْبِغَالِ، وَالدِّيدَانِ.
وَضَحِكَ بَعْضُ النَّاسِ.
وَقَالُوا: الْجَاحِظُ يَكْتُبُ عَنِ الْحَشَرَاتِ.
لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ شَيْئًا.
كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ لِكُلِّ كَائِنٍ دَوْرًا.
وَأَنَّ اخْتِفَاءَهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ دُودَةً فِي التُّرْبَةِ، يُخِلُّ بِشَيْءٍ لَا يُرَى مُبَاشَرَةً».
ابْنُ سِينَا:
«مَا يَصِفُهُ أَبُو عُثْمَانَ هُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعِلْمُ الْحَدِيثُ: التَّوَازُنَ الْبِيئِيَّ.
الْجَسَدُ يَمْرَضُ حِينَ تَخْتَلُّ مَوَازِينُهُ.
وَالْأَرْضُ مِثْلُهُ».
عَلِيٌّ:
«لَدَيَّ سِتُّ سَنَوَاتٍ مِنَ الْبَيَانَاتِ وَالْأَرْقَامِ.
كُلَّ أُسْبُوعٍ أَقِيسُ.
وَالنَّهْرُ يَتَرَاجَعُ.
لَيْسَ بِسَبَبِ جَفَافٍ مَحَلِّيٍّ فَقَطْ.
بَلْ بِسَبَبِ تَغَيُّرَاتٍ مُنَاخِيَّةٍ تُسْهِمُ فِي صُنْعِهَا أَنْشِطَةٌ بَشَرِيَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنَّا.
وَسُؤَالِي، مِنْ زَاوِيَةٍ فِقْهِيَّةٍ تَحْدِيدًا:
مَنْ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ حِينَ يَتَسَبَّبُ الْبَعِيدُ فِي الْإِضْرَارِ بِمَاءِ الْقَرِيبِ؟»
رَفَعَتْ سَارَةُ رَأْسَهَا.
سَارَةُ:
«هَذَا السُّؤَالُ لَمْ يَطْرَحْهُ الْفُقَهَاءُ الْقُدَمَاءُ بِصُورَتِهِ الْحَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّرَابُطِ الْبِيئِيِّ الْعَالَمِيِّ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي عَالَمِهِمْ.
لَكِنَّ مَبْدَأَ:
“لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ” يُقَدِّمُ أَصْلًا وَاضِحًا.
فَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ مُحَرَّمٌ.
وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَجَبرُهُ وَاجِبَانِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ».
نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى:
«أَنَا بَقِيتُ فِي أَرْضِي حِينَ جَاءَ الْمُدَمِّرُونَ.
لَيْسَ بُطُولَةً.
بَلْ لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ جُزْءًا مِنِّي.
وَمَنْ يَتْرُكُ مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ يَتْرُكُ جُزْءًا مِنْ نَفْسِهِ.
وَالْإِنْسَانُ حِينَ يَنْسَى أَنَّ الْأَرْضَ جُزْءٌ مِنْهُ، يَبْدَأُ فِي تَدْمِيرِهَا دُونَ أَنْ يَشْعُرَ أَنَّهُ يُدَمِّرُ نَفْسَهُ».
وَقَالَتْ تَافُكَنْتْ، وَكَانَتْ تَسْتَمِعُ فِي صَمْتٍ أَمَازِيغِيٍّ عَمِيقٍ:
«عِنْدَنَا فِي الْجِبَالِ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي.
لَا تَقْطَعْ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَاجُ.
وَلَا تَصْطَدْ فِي الْمَوْسِمِ الْخَاطِئِ.
وَلَا تَسْتَعْمِلِ الْمَاءَ دُونَ أَنْ تُرَاعِيَ حَقَّهُ وَحَقَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ.
كُنَّا نُسَمِّي هَذَا عَادَةً.
لَكِنَّهُ، فِي الْحَقِيقَةِ، كَانَ فِقْهًا لَمْ يُدَوَّنْ وَلَمْ يُعْطَ اسْمَهُ».
طَارِقٌ:
«أَنَا مُهَنْدِسٌ.
أَبْنِي.
وَأَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ بِنَاءٍ قَرَارٌ يَمَسُّ مَا حَوْلَهُ.
وَالْبِنَاءُ الَّذِي لَا يَحْتَرِمُ بِيئَتَهُ يَحْمِلُ أَسْبَابَ ضَعْفِهِ فِي دَاخِلِهِ.
وَالْحَضَارَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ أَكْبَرُ بِنَاءٍ أَقَمْنَاهُ.
وَهِيَ تُعَرِّضُ نَفْسَهَا لِلْخَطَرِ حِينَ لَا تُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ الْأُسُسِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا».
نُورٌ:
«نَحْنُ فِي جَنِيفَ، فِي الْمُنَظَّمَاتِ الدُّوَلِيَّةِ وَمَرَاكِزِ الْبَحْثِ، نَعْرِفُ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَرْقَامِ.
مَا نَفْتَقِدُهُ لَيْسَ الْمَعْرِفَةَ.
بَلِ الْإِرَادَةَ.
وَالْإِرَادَةُ لَا تَنْبعُ مِنَ الْأَرْقَامِ وَحْدَهَا.
إِنَّهَا تَنْبعُ مِنْ إِحْسَاسٍ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ تُجَاهَ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْ مَصْلَحَتِنَا الْمُبَاشِرَةِ».
صَمَتَ الْمَجْلِسُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ سِينَا، وَكَانَتْ فِي نَظْرَتِهِ ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي يُشْبِهُ وَضُوحَ الْحَلِّ بَعْدَ طُولِ تَأَمُّلٍ:
«مَا يَصِفُهُ جَمِيعُكُمْ أَزْمَةٌ وَاحِدَةٌ تَظْهَرُ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
إِنَّهَا أَزْمَةُ الْخَلِيفَةِ الَّذِي نَسِيَ عَهْدَ الِاسْتِخْلَافِ».
الْفَصْلُ السَّادِسُ: الْكَلِمَةُ الَّتِي أُهْمِلَتْ
«قَدْ تُوجَدُ الْكَلِمَةُ فِي الْكُتُبِ، وَلَا تَعِيشُ فِي الْحَيَاةِ.
وَهَذَا أَخْطَرُ مِنْ أَنْ تُنْسَى».
قَالَتْ سَارَةُ الْفَقِيهَةُ، وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الْأَلَمَ الْهَادِئَ لِمَنْ صَدَمَتْهُ حَقِيقَةٌ مُؤْلِمَةٌ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً:
«الْكَلِمَةُ مَوْجُودَةٌ.
خَلِيفَةٌ.
مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ مُنْذُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا.
وَوُعَظْنَا بِهَا.
وَدَرَسْنَاهَا.
وَفَسَّرْنَاهَا.
لَكِنَّنَا لَمْ نَعِشْهَا فِي عَلَاقَتِنَا بِالْأَرْضِ».
حَمُّودُ:
«لِمَاذَا؟»
تَوَقَّفَتْ سَارَةُ.
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ رَجُلٍ زَرَعَ الْأَرْضَ خَمْسِينَ عَامًا أَصْعَبَ مِنْ أَلْفِ سُؤَالٍ أَكَادِيمِيٍّ.
سَارَةُ:
«لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ يَا حَمُّودُ.
مِنْهَا أَنَّ الْفِقْهَ تَطَوَّرَ فِي بِيئَاتٍ لَمْ تَعْرِفْ أَزْمَتَنَا الْحَالِيَّةَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْخِطَابَ الدِّينِيَّ انْشَغَلَ بِقَضَايَا أُخْرَى.
وَمِنْهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ اسْتَوْرَدَتْ أَنْمَاطًا اسْتِهْلَاكِيَّةً مُضِرَّةً بِالطَّبِيعَةِ دُونَ تَمْحِيصٍ كَافٍ.
وَمِنْهَا أَيْضًا أَنَّ الْمَصَالِحَ الِاقْتِصَادِيَّةَ الْكُبْرَى لَا تَنْسَجِمُ دَائِمًا مَعَ دَعَوَاتِ التَّرْشِيدِ وَالِاعْتِدَالِ».
الْجَاحِظُ:
«فِي زَمَانِي كَانَ الْعُلَمَاءُ يَنْظُرُونَ إِلَى الطَّبِيعَةِ بِعَيْنِ الْمُحِبِّ.
وَكِتَابُ الْحَيَوَانِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كِتَابٍ فِي الْعِلْمِ.
بَلْ مُحَاوَلَةً لِرُؤْيَةِ آيَاتِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ.
وَلَكِنَّنِي لَاحَظْتُ أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَ مَا يَقْرَؤُهُ النَّاسُ وَمَا يَفْعَلُونَهُ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَتَّى فِي زَمَانِنَا».
نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى:
«الْفَارِقُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْمَقْرُوءِ وَالْإِيمَانِ الْمَعِيشِ هُوَ الْجُرْحُ الْكَبِيرُ.
وَلَيْسَ جُرْحًا إِسْلَامِيًّا فَقَطْ.
بَلْ هُوَ مِنْ أَعْمَقِ الْجُرُوحِ الْإِنْسَانِيَّةِ».
وَقَالَ طَارِقٌ بِهُدُوءِ الْمُهَنْدِسِ الَّذِي يَقِيسُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ:
«فِي بَرْلِين، حَيْثُ أَعْمَلُ، تُصَمَّمُ الْيَوْمَ مَبَانٍ تُرَاعِي الِاسْتِدَامَةَ وَتَسْعَى إِلَى خَفْضِ أَثَرِهَا الْبِيئِيِّ عَلَى الْمَدَى الطَّوِيلِ.
وَيُسَمِّي الْأَلْمَانُ هَذَا:
نَاخْهَالْتِغْكَايْتْ (Nachhaltigkeit)، أَيْ: الِاسْتِدَامَةَ.
وَحِينَ أُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَبَادِئَ قَرِيبَةً مِنْ هَذَا الْمَعْنَى حَاضِرَةٌ فِي التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ، يَنْظُرُ إِلَيَّ بَعْضُ زُمَلَائِي بِدَهْشَةٍ».
عَلِيٌّ:
«وَهُنَا تَكْمُنُ الْمُفَارَقَةُ.
فَكَثِيرٌ مِنَ الْقِيَمِ الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنْهَا نَظَرِيًّا أَصْبَحَتْ تُطَبَّقُ عَمَلِيًّا فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى أَكْثَرَ مِمَّا نُطَبِّقُهَا نَحْنُ».
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ.
ثُمَّ قَالَتْ نُورٌ بِهُدُوءٍ:
نُورٌ:
«إِذًا… مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَحْدُثَ؟»
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
لَاهُوتُ الْأَمَانَةِ — خَمْسَةُ مَبَادِئَ
الْفَصْلُ السَّابِعُ: الْمَبْدَأُ الْأَوَّلُ — الْخِلَافَةُ عِبَادَةٌ
«لَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ فَهِمَ مَعْنَى الْخِلَافَةِ، لَكَانَتِ الْأَرْضُ أَكْثَرَ خُضْرَةً، وَالْبَحْرُ أَقَلَّ صُعُودًا».
أَخْرَجَتْ سَارَةُ دَفْتَرًا صَغِيرًا مِنْ جَيْبِهَا.
كَانَتْ عَادَةً قَدِيمَةً؛ تَكْتُبُ مَا يَتَشَكَّلُ فِي لَحْظَةِ الْمَجْلِسِ لِئَلَّا يَتَبَدَّدَ.
«الْخِلَافَةُ فِي الْأَرْضِ، لَوْ فُهِمَتْ عَلَى وَجْهِهَا الْكَامِلِ، لَأَنْتَجَتْ نِظَامًا أَخْلَاقِيًّا وَبِيئِيًّا مُتَكَامِلًا.
فَالْخَلِيفَةُ لَيْسَ مَالِكًا مُطْلَقًا.
الْمَالِكُ يَتَصَرَّفُ كَيْفَ يَشَاءُ.
أَمَّا الْخَلِيفَةُ فَمُؤْتَمَنٌ.
وَالْمُؤْتَمَنُ يَتَصَرَّفُ وَفْقَ شُرُوطِ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ».
ابْنُ سِينَا:
«وَهَذَا يَدْعُونَا إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي فَهْمِ الْمِلْكِيَّةِ.
فَالْأَرْضُ لَا تُفْهَمُ عَلَى أَنَّهَا مِلْكِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ بِلَا قَيْدٍ.
إِنَّهَا أَمَانَةٌ.
وَالْأَمِينُ يُحَاسَبُ عَلَى أَمَانَتِهِ».
حَمُّودُ:
«حِينَ أَزْرَعُ، أَعْرِفُ هَذَا دُونَ كَلِمَاتٍ كَبِيرَةٍ.
الْأَرْضُ أَعْطَتْنِي طَعَامِي خَمْسِينَ سَنَةً.
وَأَنَا أُعْطِيهَا مَا تَحْتَاجُ.
هَذَا لَيْسَ فَضْلًا مِنِّي.
هَذَا وَاجِبٌ».
نَظَرَ الْجَاحِظُ إِلَى حَمُّودٍ بِعَيْنِ مَنْ يَرَى فِي الرَّجُلِ الْبَسِيطِ مَا قَدْ لَا يَرَاهُ الْفَيْلَسُوفُ.
الْجَاحِظُ:
«هَذَا الْمُزَارِعُ يَفْهَمُ الْخِلَافَةَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْهَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ».
تَافُكَنْتْ:
«لِأَنَّهُ يَعِيشُهَا.
لَا يَقْرَؤُهَا فَقَطْ».
كَتَبَتْ سَارَةُ فِي دَفْتَرِهَا:
الْمَبْدَأُ الْأَوَّلُ:
الْخِلَافَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ لَا امْتِيَازٌ.
وَكُلُّ فِعْلٍ يُلْحِقُ أَذًى مُتَعَمَّدًا بِالْأَرْضِ، مِنَ التَّلَوُّثِ إِلَى الِاسْتِنْزَافِ وَالْإِسْرَافِ، يَتَعَارَضُ مَعَ مَعْنَى الْأَمَانَةِ.
وَخِيَانَةُ الْأَمَانَةِ مِنَ الْخَطَايَا الْجَسِيمَةِ فِي الْمَنْظُورِ الْإِسْلَامِيِّ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: الْمَبْدَأُ الثَّانِي — الْمِيزَانُ لَمْ يُوضَعْ عَبَثًا
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾.
سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 7-8
قَرَأَ عَلِيٌّ الْآيَةَ بِصَوْتٍ عَالٍ.
وَكَانَ فِي نَبْرَتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْبُرْهَانَ.
عَلِيٌّ:
«اللَّهُ وَضَعَ فِي الْكَوْنِ مِيزَانًا.
وَنَهَانَا عَنِ الطُّغْيَانِ فِيهِ.
وَالتَّغَيُّرُ الْمُنَاخِيُّ، فِي أَحَدِ أَبْعَادِهِ، يُمْكِنُ فَهْمُهُ عَلَى أَنَّهُ اخْتِلَالٌ فِي هَذَا الْمِيزَانِ.
فَقَدْ بَلَغَتْ تَرْكِيزَاتُ ثَانِي أُكْسِيدِ الْكَرْبُونِ فِي الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ مُسْتَوَيَاتٍ غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ فِي التَّارِيخِ الْبَشَرِيِّ الْمُسَجَّلِ.
وَهَذَا لَيْسَ رَأْيًا سِيَاسِيًّا.
بَلْ مُعْطًى عِلْمِيٌّ».
ابْنُ سِينَا:
«وَالطِّبُّ يَعْرِفُ أَنَّ اخْتِلَالَ الْمِيزَانِ فِي الْجَسَدِ يُنْتِجُ الْمَرَضَ.
وَالْأَرْضُ، عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، جَسَدٌ أَكْبَرُ».
نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى:
«وَالصُّوفِيَّةُ تَعْرِفُ الْمِيزَانَ بِمَعْنًى آخَرَ.
التَّوَازُنَ الرُّوحِيَّ.
وَالْإِنْسَانُ الَّذِي فَقَدَ تَوَازُنَهُ الدَّاخِلِيَّ يُظْهِرُ ذَلِكَ فِي سُلُوكِهِ مَعَ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ.
وَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسْتَهْلِكُ بِلَا حُدُودٍ قَدْ يَكُونُ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ هَذَا التَّوَازُنِ».
طَارِقٌ:
«وَفِي الْعمَارَةِ، الْمَبْنَى الَّذِي لَا يَحْتَرِمُ مَوَازِينَ بِيئَتِهِ الْمُحِيطَةِ يُعَانِي فِي النِّهَايَةِ.
وَكَذَلِكَ الْحَضَارَاتُ».
كَتَبَتْ سَارَةُ:
الْمَبْدَأُ الثَّانِي:
الِاسْتِدَامَةُ لَيْسَتْ غَرِيبَةً عَنْ الرُّؤْيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ.
وَجَوْهَرُهَا أَنْ لَا يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ مِنَ الطَّبِيعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُجَدِّدَهُ عَلَى الْمَدَى الْمَعْقُولِ.
حَافِظُوا عَلَى الْمِيزَانِ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: الْمَبْدَأُ الثَّالِثُ — الْإِفْسَادُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَطِيئَةِ
قَالَتْ تَافُكَنْتْ:
«فِي مِنْطَقَتِنَا تَتَرَاجَعُ الْغَابَاتُ.
لَيْسَ لِأَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا قَرَّرَ قَطْعَهَا.
بَلْ لِأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ أَخَذَ شَجَرَةً وَاحِدَةً.
وَالشَّجَرَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَبْدُو كَارِثَةً.
لَكِنَّ مِلْيُونَ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الْكَارِثَةُ».
سَارَةُ:
«وَهَذَا مِمَّا يُعَقِّدُ الْبَحْثَ الْفِقْهِيَّ الْبِيئِيَّ.
فَالْفِعْلُ الصَّغِيرُ قَدْ يَبْدُو هَيِّنًا.
لَكِنَّ تَرَاكُمَهُ يُنْتِجُ أَثَرًا هَائِلًا.
وَالْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ مِثَالٌ وَاضِحٌ عَلَى ذَلِكَ».
حَمُّودُ:
«النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، حَتَّى عِنْدَ الْوُضُوءِ.
هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ زُهْدٍ.
إِنَّهُ تَرْبِيَةٌ».
الْجَاحِظُ:
«وَأَنَا فِي زَمَانِي رَأَيْتُ مَنْ يَصْطَادُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ لِلنَّهْرِ فُرْصَةَ التَّجَدُّدِ.
وَكُنْتُ أَقُولُ:
” لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مَا يَتَكَاثَرُ”.
وَلَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ يُصْغِي».
عَلِيٌّ:
«وَالْيَوْمَ يَشْكُو الصَّيَّادُونَ عَلَى نَهْرِ السِّنِغَالِ مِنْ تَرَاجُعِ الثَّرْوَةِ السَّمَكِيَّةِ».
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ.
ثُمَّ قَالَ نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«الإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ بِوُضُوحٍ.
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
وَالْفِقْهُ مُطَالَبٌ بِأَنْ يُسَمِّيَ الْأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا».
كَتَبَتْ سَارَةُ:
الْمَبْدَأُ الثَّالِثُ:
تَلْوِيثُ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالتُّرْبَةِ مِنْ صُوَرِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ.
وَالْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ مُحَرَّمٌ.
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْمَبْدَأُ الرَّابِعُ — كُلُّ ذِي رُوحٍ فِي رِعَايَتِكَ
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ مِنَ الْمَجْلِسِ أَخْرَجَ الْجَاحِظُ وَرَقَةً صَغِيرَةً قَدِيمَةً، كُتِبَتْ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ حَيَوَانَاتٍ عِدَّةٍ.
الْجَاحِظُ:
«بَعْضُ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ اخْتَفَى.
وَبَعْضُهَا أَصْبَحَ نَادِرًا.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَوْرٌ فِي نِظَامٍ أَوْسَعَ مِنَّا».
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ: الْمَبْدَأُ الْخَامِسُ — الْمَاءُ عَهْدٌ قَدِيمٌ
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 30
قَالَ عَلِيٌّ:
«الْمَاءُ هُوَ قَلْبُ الْحَيَاةِ.
وَالنَّهْرُ حِينَ يَضِيقُ لَا يَحْمِلُ مَعَهُ نَقْصَ الْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ يَحْمِلُ قِصَّةَ اخْتِلَالٍ أَوْسَعَ».
كَتَبَتْ سَارَةُ:
الْمَبْدَأُ الْخَامِسُ:
الْمَاءُ أَمَانَةٌ عَامَّةٌ وَأَسَاسٌ لِلْحَيَاةِ.
وَإِدَارَتُهُ عَدْلٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ.
وَلَا يَسْتَقِيمُ عُمْرَانُ الْأَرْضِ دُونَ حِفْظِهِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ
الْخُرُوجُ مِنَ الْمَجْلِسِ إِلَى الْأَرْضِ
الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ: مَا قَرَّرَتْهُ نُورٌ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ
حِينَ غَادَرَتْ نُورٌ ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ، وَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي مَكْتَبِهَا فِي جَنِيفَ.
كَانَتِ الشَّاشَةُ تُضِيءُ وَجْهَهَا بِضَوْءٍ أَزْرَقَ.
مِئَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ بَرِيدًا إِلِكْتُرُونِيًّا لَمْ تُجِبْ عَنْهُ بَعْدُ.
وَتَقْرِيرٌ مِنْ مِئَةٍ وَسَبْعِينَ صَفْحَةً عَنْ انْبِعَاثَاتِ الْكَرْبُونِ فِي دُوَلِ الْخَلِيجِ.
وَتَقْرِيرٌ آخَرُ عَنْ ارْتِفَاعِ مُنْسُوبِ الْبَحْرِ فِي دِلْتَا النِّيلِ.
كَانَتْ نُورٌ تَعْمَلُ فِي الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ.
تَعْرِفُ كَيْفَ تُكْتَبُ التَّقَارِيرُ.
وَتَعْرِفُ كَيْفَ تُلْقَى خُطَبُ الْمُؤْتَمَرَاتِ.
وَتَعْرِفُ كَيْفَ تَبْتَلِعُ الْبِيرُوقْرَاطِيَّةُ الضَّخْمَةُ كَثِيرًا مِنَ الْقَرَارَاتِ وَالْمُبَادَرَاتِ.
لَكِنَّ الْمَجْلِسَ أَعْطَاهَا شَيْئًا لَمْ تُعْطِهَا إِيَّاهُ سَبْعُ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَمَلِ الدُّوَلِيِّ:
الِاقْتِنَاعَ بِأَنَّ الْأَزْمَةَ لَيْسَتْ أَزْمَةَ بَيَانَاتٍ.
إِنَّهَا أَزْمَةُ مَعْنًى.
فَتَحَتْ مُسْتَنَدًا جَدِيدًا، وَكَتَبَتْ بِسُرْعَةٍ:
«لَنْ يُحَرَّكَ مِلْيَارٌ وَنِصْفُ مِلْيَارِ إِنْسَانٍ بِالتَّقَارِيرِ وَحْدَهَا.
سَيُحَرَّكُونَ حِينَ يَقْتَنِعُونَ أَنَّ حِمَايَةَ الْأَرْضِ عِبَادَةٌ.
وَأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُهْدِرُ الطَّاقَةَ بِلَا حَاجَةٍ لَا يُحْسِنُ أَدَاءَ أَمَانَتِهِ.
وَأَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يُسْرِفُ فِي الْمَاءِ يُخَالِفُ مَعْنَى التَّرْشِيدِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ الدِّينُ.
وَأَنَّ أَمْوَالَ الزَّكَاةِ وَالْوَقْفِ يُمْكِنُ أَنْ تُسْهِمَ فِي إِحْيَاءِ الْأَرْضِ وَخِدْمَةِ الْإِنْسَانِ».
ثُمَّ أَغْلَقَتِ الْمُسْتَنَدَ.
وَفَتَحَتِ الْبَرِيدَ الْإِلِكْتُرُونِيَّ.
وَكَتَبَتْ إِلَى زَمِيلِهَا فِي الْقَاهِرَةِ:
«هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْقِدَ وَرْشَةَ عَمَلٍ مَعَ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ حَوْلَ الْفِقْهِ الْبِيئِيِّ؟»
أَرْسَلَتِ الرِّسَالَةَ.
ثُمَّ ـ وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ تَفْعَلْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ ـ ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً دُونَ سَبَبٍ مُبَاشِرٍ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ: مَا غَرَسَهُ حَمُّودٌ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، فِي الْقَرْيَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى ضِفَّةِ النِّيلِ، كَانَ حَمُّودٌ يَغْرِسُ.
لَمْ يَكُنْ غَرْسًا اعْتِيَادِيًّا.
كَانَ يَغْرِسُ فَسَائِلَ نَخِيلٍ كَانَ قَدِ احْتَفَظَ بِهَا مُنْذُ شَهْرٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ.
كَانَ حَمُّودٌ قَدْ أَتَمَّ الثَّانِيَةَ وَالسِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَالنَّخْلَةُ الَّتِي يَغْرِسُهَا الْيَوْمَ لَنْ تُثْمِرَ قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ عَلَى الْأَقَلِّ.
وَرُبَّمَا لَنْ يَكُونَ هُوَ حَاضِرًا لِيَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا.
وَلَكِنَّهُ كَانَ يَغْرِسُ.
جَاءَ حَفِيدُهُ الصَّغِيرُ ـ ابْنُ كَرِيمٍ الْمُقِيمِ فِي إِيطَالِيَا ـ لِيَقْضِيَ الْعُطْلَةَ مَعَهُ.
وَكَانَ طِفْلًا يُحْسِنُ الْمُلَاحَظَةَ.
الْحَفِيدُ:
«يَا جَدِّي، لِمَاذَا تَغْرِسُ شَجَرَةً قَدْ لَا تَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا؟»
تَوَقَّفَ حَمُّودٌ.
وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ الطِّفْلِ.
حَمُّودٌ:
«لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
“إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا”.
وَأَنَا لَا أَغْرِسُ لِكَيْ آكُلَ فَقَطْ.
أَنَا أَغْرِسُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ أَعْطَتْنِي كَثِيرًا.
وَهَذِهِ طَرِيقَتِي فِي رَدِّ بَعْضِ الْجَمِيلِ».
فَكَّرَ الطِّفْلُ لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَ:
«أَنَا أَيْضًا أُرِيدُ أَنْ أَغْرِسَ».
نَاوَلَهُ حَمُّودٌ فَسِيلَةً صَغِيرَةً.
وَبَقِيَا يَغْرِسَانِ فِي صَمْتٍ حَتَّى الظُّهْرِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَرَ: مَا كَتَبَتْهُ تَافُكَنْتْ عَلَى السَّبُّورَةِ
فِي الصَّفِّ الَّذِي كَانَتْ تُعَلِّمُ فِيهِ تَافُكَنْتْ، حَمَلَتِ السَّبُّورَةُ الْخَضْرَاءُ الْقَدِيمَةُ ثَلَاثَ عِبَارَاتٍ بِثَلَاثِ لُغَاتٍ.
بِالْأَمَازِيغِيَّةِ:
«أَسِيفْ — النَّهْرُ».
وَبِالْعَرَبِيَّةِ:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
وَبِالْفَرَنْسِيَّةِ:
«La terre n’est pas un héritage de nos ancêtres, mais un emprunt à nos enfants.»
نَظَرَ الْأَطْفَالُ إِلَى السَّبُّورَةِ.
ثُمَّ إِلَى أُسْتَاذَتِهِمْ.
يُوسُفُ:
«أُسْتَاذَةَ تَافُكَنْتْ، لِمَاذَا كَتَبْتِهَا بِثَلَاثِ لُغَاتٍ؟»
تَافُكَنْتْ:
«لِأَنَّ بَعْضَ الْمَعَانِي يَجِبُ أَنْ تُقَالَ بِكُلِّ اللُّغَاتِ؛ لِكَيْ لَا يَضِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ».
قَالَ طِفْلٌ مِنَ الصَّفِّ الْخَلْفِيِّ:
«وَمَاذَا تَعْنِي الْجُمْلَةُ الْفَرَنْسِيَّةُ؟»
تَافُكَنْتْ:
«تَعْنِي: الْأَرْضُ لَيْسَتْ مِيرَاثًا وَرِثْنَاهُ عَنْ أَسْلَافِنَا، بَلْ أَمَانَةٌ اسْتَعَرْنَاهَا مِنْ أَبْنَائِنَا».
سَادَ الصَّمْتُ الصَّفَّ كُلَّهُ.
نَظَرَ يُوسُفُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الْجَبَلِ.
ثُمَّ قَالَ:
«يَعْنِي إِذَا دَمَّرْنَا الْغَابَةَ، فَإِنَّنَا نَسْرِقُ مِنْ أَوْلَادِنَا».
لَمْ تُجِبْ تَافُكَنْتْ.
لِأَنَّ يُوسُفَ كَانَ قَدْ أَجَابَ بِأَفْضَلَ مِمَّا كَانَتْ سَتَقُولُهُ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَرَ: مَا قَاسَهُ عَلِيٌّ فِي الثُّلَاثَاءِ التَّالِي
فِي الثُّلَاثَاءِ التَّالِي، عِنْدَ السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ دَقِيقَةً صَبَاحًا، كَانَ عَلِيٌّ يَقِيسُ.
كَانَ الرَّقْمُ هَذَا الْأُسْبُوعَ:
١٫٨٣ مِتْرًا.
زِيَادَةٌ طَفِيفَةٌ بَعْدَ أَمْطَارِ الْأُسْبُوعِ الْمَاضِي.
كَتَبَ فِي الدَّفْتَرِ الْأَزْرَقِ.
ثُمَّ ـ وَهَذَا شَيْءٌ جَدِيدٌ ـ أَضَافَ سَطْرًا لَمْ يَكُنْ قَدْ كَتَبَهُ مِنْ قَبْلُ:
«زَادَ الْمَاءُ قَلِيلًا.
لَكِنَّ السَّبَبَ مُؤَقَّتٌ.
الْأَمْطَارُ مُتَقَلِّبَةٌ.
أَمَّا الْحَلُّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَقَ وَأَبْقَى».
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَى الضِّفَّةِ الْأُخْرَى.
لَمْ تَكُنِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي كَلَّمَتِ النَّهْرَ هُنَاكَ الْيَوْمَ.
لَكِنَّ آثَارَ قَدَمَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ كَانَتْ مَطْبُوعَةً فِي الطِّينِ عَلَى الْحَافَّةِ.
نَظَرَ عَلِيٌّ إِلَى الْآثَارِ طَوِيلًا.
ثُمَّ كَتَبَ فِي الدَّفْتَرِ، بِجَانِبِ الرَّقْمِ:
«مِنْ أَجْلِهَا… أَيْضًا».
الْقِسْمُ الْخَامِسُ
الْخَاتِمَةُ — وَمَا لَا تَزَالُ الْأَرْضُ تَنْتَظِرُهُ
الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَرَ: الْمَجْلِسُ يَخْتِمُ — بِصَوْتِ الْأَرْضِ نَفْسِهَا
حِينَ اجْتَمَعُوا مَرَّةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْخَارِجِ عَنِ الزَّمَنِ، كَانَ ثَمَّةَ شَيْءٌ قَدْ تَغَيَّرَ.
لَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرُ فِي الْأَرْضِ.
بَلْ فِي وُجُوهِهِمْ.
قَالَ حَمُّودُ الْفَلَّاحُ:
«حِينَ أَغْرِسُ، أَضَعُ الْبَذْرَةَ، وَأَسْقِيهَا، وَأَنْتَظِرُ.
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُجْبِرَ الْأَرْضَ عَلَى الْإِنْبَاتِ.
أَسْتَطِيعُ فَقَطْ أَنْ أَفْعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيَّ.
أَمَّا الْبَاقِي فَلَيْسَ فِي يَدِي.
وَالْأَزْمَةُ الْبِيئِيَّةُ تُعَلِّمُنِي الْمَعْنَى نَفْسَهُ.
لَا أَسْتَطِيعُ إِصْلَاحَ كُلِّ شَيْءٍ.
لَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ مَا يَجِبُ فِي مَا حَوْلِي.
وَهَذَا هُوَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْإِنْسَانُ».
نُورٌ:
«وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا يُقَرِّرُهُ الْفِقْهُ الْإِسْلَامِيُّ:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
لَكِنَّ الْوُسْعَ لَا يَجْعَلُ التَّقْصِيرَ فِيمَا نَسْتَطِيعُ مُبَرَّرًا».
طَارِقٌ:
«الْحَضَارَةُ بِنَاءٌ.
وَالْبِنَاءُ الَّذِي لَا يُرَاعِي الْأَرْضَ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلضَّعْفِ وَالِانْهِيَارِ.
وَمَا نَرَاهُ الْيَوْمَ لَيْسَ نِهَايَةً حَتْمِيَّةً.
بَلْ تَحْذِيرٌ».
نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى:
«بَقِيتُ فِي أَرْضِي حِينَ جَاءَ الْمُدَمِّرُونَ.
لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ جُزْءًا مِنِّي.
وَمَنْ يَتْرُكُ مَا يَعُدُّهُ جُزْءًا مِنْ نَفْسِهِ يَفْقِدْ شَيْئًا مِنْ ذَاتِهِ.
وَالْإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَشْعُرُ بِصِلَتِهِ الْعَمِيقَةِ بِالْأَرْضِ لَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِيَهَا».
الْجَاحِظُ:
«وَأَنَا الَّذِي كَتَبْتُ عَنِ الدِّيدَانِ وَالْجَرَادِ أَقُولُ:
ابْدَؤُوا بِالتَّسْمِيَةِ.
سَمُّوا الْأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا.
فَالشَّجَرَةُ الَّتِي تَعْرِفُ اسْمَهَا لَا تُقْطَعُ بِالْمُبَالَاةِ نَفْسِهَا.
وَالنَّهْرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ لَا يُلَوَّثُ بِالسُّهُولَةِ نَفْسِهَا.
الِاسْمُ هُوَ أَوَّلُ الرِّعَايَةِ».
ابْنُ سِينَا:
«وَالْعِلَاجُ، كَمَا عَلَّمَنِي الطِّبُّ، يَبْدَأُ بِتَشْخِيصٍ صَحِيحٍ.
وَالتَّشْخِيصُ هُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ أَخَلَّ بِمِيزَانٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ.
وَالْعِلَاجُ يَبْدَأُ بِالِاعْتِرَافِ، ثُمَّ بِالتَّصْحِيحِ، ثُمَّ بِمُسَاعَدَةِ الطَّبِيعَةِ عَلَى اسْتِعَادَةِ تَوَازُنِهَا.
وَالطَّبِيعَةُ تَمْلِكُ قُدْرَةً كَبِيرَةً عَلَى التَّعَافِي إِذَا أُتِيحَتْ لَهَا الظُّرُوفُ الْمُنَاسِبَةُ».
تَافُكَنْتْ:
«وَإِذَا لَمْ تُتَحْ لَهَا تِلْكَ الظُّرُوفُ؟»
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ.
لَكِنَّ الصَّمْتَ كَانَ كَافِيًا.
ثُمَّ قَالَتْ سَارَةُ، وَهِيَ تُغْلِقُ دَفْتَرَهَا الصَّغِيرَ:
«إِذًا، نَحْنُ لَسْنَا هُنَا لِنُقْنِعَ الْأَرْضَ.
فَالْأَرْضُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِقْنَاعِنَا.
نَحْنُ هُنَا لِنُقْنِعَ أَنْفُسَنَا.
أَنَّ مَا قُلْنَاهُ فِي الْكُتُبِ يَجِبُ أَنْ يُعَاشَ.
وَأَنَّ عَهْدَ الِاسْتِخْلَافِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ».
الْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَرَ: مَا يَكْفِي أَنْ تَعْرِفَهُ عَنِ الْوَقْتِ
فِي نِهَايَةِ مَا نُسَمِّيهِ قِصَّةً، لَا تَزَالُ الْأَرْضُ هُنَا.
النِّيلُ يَضِيقُ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَخْتَفِ.
وَالْغَابَاتُ فِي الْقَبَائِلِ تَتَرَاجَعُ.
لَكِنَّ بَعْضَ الْأَشْجَارِ لَا يَزَالُ وَاقِفًا.
وَنَهْرُ السِّنِغَالِ يَتَغَيَّرُ.
لَكِنَّ الْفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ لَا تَزَالُ تُخَاطِبُهُ.
حَمُّودٌ يَغْرِسُ.
وَتَافُكَنْتْ تُعَلِّمُ.
وَعَلِيٌّ يَقِيسُ.
وَنُورٌ تَكْتُبُ.
وَسَارَةُ تُوَاصِلُ بَحْثَهَا.
وَطَارِقٌ يُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِيمَا بَنَاهُ الْبَشَرُ دُونَ بَصِيرَةٍ كَافِيَةٍ.
وَفِي مَكَانٍ لَا اسْمَ لَهُ، يَقِفُ ابْنُ سِينَا، وَالْجَاحِظُ، وَنَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى شُهُودًا عَلَى مَا عُرِفَ، وَمَا نُسِيَ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعَادَ.
الْوَقْتُ ـ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ـ لَيْسَ لَا نِهَائِيًّا.
وَلَكِنَّهُ مَا زَالَ يَتَّسِعُ لِلْعَمَلِ.
إِذَا بَدَأْنَا الْآنَ.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
— سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 30
مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ حِينَ يَحْمِلُ الْأَمَانَةَ بِجِدٍّ وَصِدْقٍ.
وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأَمَانَةَ لَمْ تُحْمَلْ بَعْدُ كَمَا يَنْبَغِي.
لَكِنَّهَا قَدْ تُحْمَلُ.
وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ لِكَيْ نَكْتُبَ.
مُلَاحَظَةُ الْكَاتِبِ
كُتِبَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ انْطِلَاقًا مِنَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْأَدَبَ لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا.
بَلْ هُوَ أَدَاةٌ لِرُؤْيَةِ مَا قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ التَّقَارِيرُ وَالْإِحْصَاءَاتُ وَحْدَهَا أَنْ تُظْهِرَهُ.
وَالشَّخْصِيَّاتُ التَّارِيخِيَّةُ فِي هَذَا النَّصِّ ـ ابْنُ سِينَا (980-1037م)، وَالْجَاحِظُ (نَحْوَ 776-868/869م)، وَنَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى (1145-1221م) ـ شَخْصِيَّاتٌ حَقِيقِيَّةٌ.
أَمَّا الْأَفْكَارُ وَالْحِوَارَاتُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَيْهَا فَهِيَ مُتَخَيَّلَةٌ أَدَبِيًّا، وَإِنِ اسْتُلْهِمَتْ مِنْ جَوَانِبَ مِنْ تُرَاثِهَا وَسِيَرِهَا.
وَأَمَّا حَمُّودٌ، وَتَافُكَنْتْ، وَعَلِيٌّ، وَنُورٌ، وَسَارَةُ، وَطَارِقٌ، فَهُمْ شَخْصِيَّاتٌ رِوَائِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ.
لَكِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ تَجَارِبَ وَهُمُومٍ حَقِيقِيَّةٍ يَعِيشُهَا أُنَاسٌ كَثِيرُونَ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الْعَالَمِ.
أَمَّا الْمَعْلُومَاتُ وَالْحَقَائِقُ الْبِيئِيَّةُ الْوَارِدَةُ فِي النَّصِّ، فَقَدِ اسْتُنِدَ فِيهَا إِلَى مَعْطَيَاتٍ وَدِرَاسَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَاحَةٍ عِنْدَ كِتَابَةِ الرِّوَايَةِ.

01 مجلس الغائبين