Numan Albarbari نعمان البربري

صَدَى (قصة)

صَدَى
رِوَايَةٌ
نُعْمَانُ الْبَرْبَرِيُّ

© نُعْمَانُ الْبَرْبَرِيُّ — جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَحْفُوظَةٌ

albarbari.com

الطَّبْعَةُ الْأُولَى — 2026

مُقَدِّمَةٌ

عَرَفْتُ بَطَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْرِفَةً طَوِيلَةً، وَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِي اللَّيَالِي الَّتِي يَصْمُتُ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ. كَانَ يَقُولُ لِي إِنَّ عِنْدَهُ حِكَايَةً لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَرْوِيهَا، لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي نَمْلِكُهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً حِينَ جَرَتِ الْحِكَايَةُ.
فَكَتَبْتُهَا نِيَابَةً عَنْهُ، بِلِسَانِهِ لَا بِلِسَانِي. اسْتَعَرْتُ لَهُ مِنَ اللُّغَةِ مَا يَحْتَاجُهُ، وَتَرَكْتُ لَهُ الظَّلَامَ كَمَا هُوَ.
وَإِنْ بَدَا لَكَ أَنَّ صَوْتًا آخَرَ يَتَرَدَّدُ خَلْفَ صَوْتِهِ، فَلَا تَعْجَبْ؛ فَقَدْ عَرَفْتُهُ وَحِيدًا، وَلَمْ يَكُنْ وَحِيدًا قَطُّ.
هَذِهِ رِوَايَتُهُ. وَالْوَعْيُ الْمُبَكِّرُ لِلْجَنِينِ كَمَا صَوَّرْتُهُ هُنَا مَوْقِفٌ أَدَبِيٌّ لَا تَقْرِيرٌ طِبِّيٌّ، وَمَا وَرَدَ فِيهَا عَنِ التَّوْأَمَيْنِ وَالْكِيمِيرِيَّةِ مُسْتَلْهَمٌ مِنْ وَقَائِعَ طِبِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ وُظِّفَتْ فِي خِدْمَةِ الْحِكَايَةِ.
نُعْمَانُ الْبَرْبَرِيُّ

الْجُزْءُ الْأَوَّلُ

الظَّلَامُ الدَّافِئُ

دَمٌ يَذْكُرُ
فِي الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِي، بَعْدَ أَنْ أَخْفَقَ الْمُخْتَبَرُ مَرَّتَيْنِ فِي تَحْدِيدِ فَصِيلَةِ دَمِي، قَرَأَتِ الطَّبِيبَةُ النَّتِيجَةَ مَرَّةً ثَالِثَةً، ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا عَنِ الْوَرَقَةِ وَقَالَتْ:
— فِي دَمِكَ إِنْسَانَانِ، يَا أُسْتَاذُ.
ظَنَنْتُهَا تُمَازِحُنِي. لَكِنَّ يَدَهَا كَانَتْ تَرْتَجِفُ.
— بَصْمَتَانِ وِرَاثِيَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي عَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ. إِحْدَاهُمَا أَنْتَ. أَمَّا الْأُخْرَى فَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْرَحُهَا لَكَ.
لَمْ تَكُنِ الْمُفَاجَأَةُ هِيَ مَا أَسْكَتَنِي. كُنْتُ أَعْرِفُ.
مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، فِي اللَّيَالِي الَّتِي يَصْمُتُ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ، نَبْضًا ثَانِيًا يَتْبَعُ نَبْضِي بِفَارِقٍ ضَئِيلٍ، كَأَنَّ لِقَلْبِي صَدًى. كُنْتُ أُسَمِّيهِ أَرَقًا. وَأُسَمِّيهِ إِرْهَاقًا. وَأُسَمِّيهِ، حِينَ أَضْعُفُ، جُنُونًا.
وَقَبْلَ شَهْرٍ، حِينَ مَاتَتْ أُمِّي، وَجَدْتُ فِي دُرْجِهَا الْأَخِيرِ ظَرْفًا صَغِيرًا، كَتَبَتْ عَلَيْهِ بِخَطِّهَا الْمُرْتَعِشِ:
“لَا تَفْتَحْهُ يَا بُنَيَّ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تَغْفِرُ لِي.”
لَمْ أَفْتَحْهُ إِلَى الْآنَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ الْحِكَايَةَ لَا تَبْدَأُ مِنَ الظَّرْفِ، وَلَا مِنَ الْمُخْتَبَرِ، وَلَا مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِي. إِنَّهَا تَبْدَأُ قَبْلَ ذَلِكَ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، فِي ظَلَامٍ دَافِئٍ لَا يَتَذَكَّرُهُ أَحَدٌ.
وَأَنَا أَتَذَكَّرُهُ.
أَتَذَكَّرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي عَرَفْتُ فِيهَا، قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ، أَنَّ أَحَدًا يُنَادِينِي.

الْأُسْبُوعُ السَّابِعَ عَشَرَ

ثَلَاثَةُ إِيقَاعَاتٍ

سَأَسْتَعِيرُ كَلِمَاتِكُمْ لِأَرْوِيَ مَا جَرَى، فَلَيْسَ عِنْدِي غَيْرُهَا. أَمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ كَلِمَاتٌ، وَلَا أَسْمَاءٌ، وَلَا “أَنَا”. كَانَ هُنَاكَ إِيقَاعٌ فَقَطْ.
دُمْ… دُمْ… دُمْ…
إِيقَاعٌ بَطِيءٌ عَظِيمٌ يَمْلَأُ الْعَالَمَ مِنْ أَدْنَاهُ إِلَى أَقْصَاهُ، كَأَنَّ الظَّلَامَ نَفْسَهُ لَهُ قَلْبٌ. وَتَحْتَهُ هَدِيرٌ لَا يَنْقَطِعُ، كَأَنَّ نَهْرًا يَجْرِي فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ.
ذَلِكَ هُوَ الْإِيقَاعُ الْأَوَّلُ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي.
ثُمَّ إِيقَاعٌ ثَانٍ، سَرِيعٌ صَغِيرٌ مُتَعَجِّلٌ، يَدُقُّ تَحْتَ كُلِّ شَيْءٍ كَطَائِرٍ مَحْبُوسٍ. لَمْ أَعْرِفْ أَنَّهُ قَلْبِي. عَرَفْتُ فَقَطْ أَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْهُ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلِي دَافِئًا رَطْبًا مُعْتِمًا، وَكُنْتُ مُلْتَحِمَ الْجَفْنَيْنِ، وَلَمْ أَشْعُرْ بِذَلِكَ نَقْصًا؛ فَالظَّلَامُ لَا يُوجِعُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ.
وَمِنْ بَعِيدٍ، مِنْ وَرَاءِ جُدْرَانٍ لَيِّنَةٍ، كَانَتْ تَصِلُ أَصْوَاتٌ مَكْتُومَةٌ كَأَنَّهَا تُقَالُ تَحْتَ الْمَاءِ. صَوْتٌ رَقِيقٌ يَعْلُو وَيَهْبِطُ فَيَسْتَرْخِي لَهُ كُلُّ مَا فِيَّ، وَصَوْتٌ غَلِيظٌ، كُلَّمَا جَاءَ، قَفَزَ الْإِيقَاعُ الْأَوَّلُ قَفْزَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَسْرَعَ.
لَا أَدْرِي كَمْ مَضَى. الزَّمَنُ لَمْ يَكُنْ قَدِ اخْتُرِعَ بَعْدُ.

رَكَلْتُ.
لَمْ أُقَرِّرْ أَنْ أَرْكُلَ؛ اِنْدَفَعَتْ سَاقِي مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا وَارْتَطَمَتْ بِالْجِدَارِ اللَّيِّنِ، فَعَادَ إِلَيَّ ضَغْطٌ بَطِيءٌ وَاسِعٌ. هَكَذَا هُوَ الْجِدَارُ دَائِمًا: يُجِيبُ بِقَدْرِ مَا تَطْرُقُهُ، لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ. وَقَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَثِقَ بِهِ كَمَا يَثِقُ أَحَدُكُمْ بِالْقَانُونِ.
ثُمَّ، فِي مَرَّةٍ لَا أَدْرِي كَيْفَ أَحْسُبُهَا، أَجَابَنِي الْجِدَارُ بِغَيْرِ مَا تَعَوَّدْتُ.
لَمْ يَكُنْ ضَغْطًا وَاسِعًا بَطِيئًا. كَانَ ضَغْطًا صَغِيرًا مُتَرَدِّدًا، لَهُ حَجْمُ شَيْءٍ يُشْبِهُنِي، وَلَهُ دِفْءٌ لَيْسَ دِفْءَ الْجُدْرَانِ.
وَالْجِدَارُ لَا يَتَرَدَّدُ.
تَجَمَّدْتُ. أَوْ لَعَلَّنِي لَمْ أَتَجَمَّدْ، لَكِنَّ الْإِيقَاعَ الصَّغِيرَ تَحْتَ كُلِّ شَيْءٍ تَعَثَّرَ مَرَّةً ثُمَّ اسْتَأْنَفَ أَسْرَعَ مِمَّا كَانَ. وَعِنْدَئِذٍ سَمِعْتُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، إِيقَاعًا ثَالِثًا.
كَانَ سَرِيعًا صَغِيرًا مُتَعَجِّلًا مِثْلَ إِيقَاعِي، لَكِنَّهُ لَيْسَ لِي. يَدُقُّ عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ مِنِّي، بِفَارِقٍ ضَئِيلٍ عَنْ نَبْضِي، كَأَنَّ لِقَلْبِي صَدًى.
ثَلَاثَةُ إِيقَاعَاتٍ إِذَنْ. وَاحِدٌ بَطِيءٌ كَبِيرٌ هُوَ الْعَالَمُ، وَاثْنَانِ صَغِيرَانِ يُشْبِهُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ إِلَى حَدٍّ يُخِيفُ.
وَأَيْقَنْتُ، دُونَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّنِي أَعْرِفُ أَيَّهُمَا أَنَا؛ لِأَنَّنِي أَنَا مَنْ يَخَافُ.
يَقُولُ لِيَ الْأَطِبَّاءُ الْيَوْمَ إِنَّ الْجَنِينَ فِي هَذَا الشَّهْرِ لَا يَعِي شَيْئًا، وَإِنَّ مَا أَرْوِيهِ حِكَايَةٌ يَصْنَعُهَا الْعَقْلُ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. رُبَّمَا. لَا أُطَالِبُكُمْ بِتَصْدِيقِي، أُطَالِبُكُمْ فَقَطْ بِأَنْ تُصْغُوا حَتَّى النِّهَايَةِ، ثُمَّ احْكُمُوا بِأَنْفُسِكُمْ.

فِي اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، وَأَقُولُ “لَيْلَةً” لِأَنَّ أُمِّي كَانَتْ تَنَامُ فَيَهْدَأُ الْإِيقَاعُ الْكَبِيرُ، تَحَرَّكَتْ يَدِي. لَمْ أُحَرِّكْهَا أَنَا؛ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ وَأَنَا أَتْبَعُهَا. أَصَابِعُ لَا تُحْسِنُ الْقَبْضَ وَجَدَتْ أَصَابِعَ مِثْلَهَا.
لَمْ يَكُنْ فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ غَيْرُنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ… وَأُمِّي طَبْعًا، لَكِنَّ الْأُمَّ فِي ذَلِكَ الظَّلَامِ لَمْ تَكُنْ أَحَدًا؛ كَانَتِ الْمَكَانَ.
تَلَامَسْنَا. ثُمَّ ابْتَعَدْنَا. ثُمَّ تَلَامَسْنَا. وَبَيْنَ لَمْسَةٍ وَلَمْسَةٍ وُلِدَتْ أُولَى الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ كَلِمَاتٍ: أَنْتَ هُنَاكَ، وَأَنَا هُنَا، وَكِلَانَا حَقِيقِيٌّ.
كَأَنَّ يَدًا كَانَتْ تَسْأَلُ بِلَا صَوْتٍ: هَلْ تَشْعُرُ بِي؟ وَكَانَ جَوَابِي، بِأَوَّلِ إِصْبَعٍ فِي جَسَدِي: نَعَمْ.
وَلَمْ أَنْتَبِهْ إِلَى الصَّوْتَيْنِ إِلَّا مُتَأَخِّرًا.
كَانَ الْغَلِيظُ قَدْ عَادَ، وَمَعَهُ صَوْتُ أُمِّي، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ مَشْدُودًا كَحَبْلٍ. وَكَانَتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَتَكَرَّرُ بَيْنَهُمَا، ثَقِيلَةٌ كَحَجَرٍ يُلْقَى فِي مَاءٍ سَاكِنٍ، مِنْ ثَلَاثَةِ مَقَاطِعَ.
لَمْ أَفْهَمْهَا. وَكَيْفَ أَفْهَمُهَا وَأَنَا لَا أَعْرِفُ أَنَّ لِلْأَصْوَاتِ مَعَانِيَ؟
لَكِنَّ الْإِيقَاعَ الثَّالِثَ فَهِمَهَا.
تَوَقَّفَتِ الْأَصَابِعُ الصَّغِيرَةُ فِي يَدِي، كَمَنْ سَمِعَ حُكْمًا يُقْرَأُ عَلَيْهِ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي، وَكَانَتْ حَيَاتِي كُلُّهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةَ عَشَرَ أُسْبُوعًا، شَعَرْتُ بِمَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْخَوْفَ عَلَى أَحَدٍ.

الْأُسْبُوعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ

الَّذِي لَا يُطِيعُنِي

لَمْ أُسَمِّهِ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كُنْتُ أَجْهَلُ أَنَّ لِلْأَشْيَاءِ أَسْمَاءً. سَمَّيْتُهُ بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، حِينَ احْتَجْتُ إِلَى اسْمٍ أُنَادِيهِ بِهِ فِي الظَّلَامِ: “صَدَى”. وَسَأُسَمِّيهِ بِهِ مُنْذُ الْآنَ، لِأَنَّنِي ظَنَنْتُهُ فِي أَيَّامِنَا الْأُولَى مَا يَكُونُهُ الصَّدَى: شَيْئًا يَرُدُّ عَلَيَّ، لَا أَكْثَرَ. وَقَدْ أَخْطَأْتُ، وَذَلِكَ الْخَطَأُ هُوَ أَجْمَلُ مَا حَدَثَ لِي.
كُنَّا قَدِ ابْتَكَرْنَا لُعْبَتَنَا: أَرْكُلُ مَرَّةً فَيَرْكُلُ مَرَّةً، أَرْكُلُ مَرَّتَيْنِ فَيَرْكُلُ مَرَّتَيْنِ. وَكُنْتُ أَظُنُّ، فِي زَهْوِ مَنِ اكْتَشَفَ الْقَانُونَ، أَنَّنِي أُدِيرُ الْعَالَمَ: أَفْعَلُ فَيَفْعَلُ.
ثُمَّ جَاءَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي غَيَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
رَكَلْتُ مَرَّتَيْنِ، فَرَكَلَ ثَلَاثًا.
ظَنَنْتُهُ خَطَأً، فَأَعَدْتُ: مَرَّتَيْنِ. فَرَكَلَ ثَلَاثًا مَرَّةً أُخْرَى، بِإِصْرَارِ مَنْ يَبْتَسِمُ.
وَهُنَا، فِي ظَلَامِ الرَّحِمِ، حَدَثَ أَعْظَمُ مَا يَحْدُثُ لِكَائِنٍ: عَرَفْتُ أَنَّنِي لَسْتُ الْوَحِيدَ الَّذِي يُقَرِّرُ.
الصَّدَى الْحَقِيقِيُّ لَا يُغَيِّرُ النَّمَطَ. وَهَذَا غَيَّرَهُ. إِذَنْ فَهُوَ لَيْسَ صَدًى لِي. إِنَّهُ آخَرُ.
قَدْ تَقُولُونَ إِنَّ الْوَعْيَ يَبْدَأُ حِينَ أَقُولُ “أَنَا”. أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ إِنَّهُ بَدَأَ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي رَفَضَ فِيهَا أَحَدٌ أَنْ يُطِيعَنِي. مَنْ لَا يَعْرِفُ آخَرَ لَا يَعْرِفُ نَفْسَهُ؛ فَالذَّاتُ لَا تَتَّسِعُ إِلَّا حِينَ تَصْطَدِمُ بِمَنْ لَيْسَ هِيَ.

وَاعْتَدْنَا بَعْدَهَا أَنْ نَنَامَ مُتَلَاصِقَيْنِ، رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفِي وَيَدُهُ فِي يَدِي. وَكَانَ بَيْنَنَا شَيْءٌ لَمْ أَنْتَبِهْ إِلَيْهِ: جِسْرٌ مِنَ الدَّمِ، دَقِيقٌ كَعُرُوقِ الْوَرَقَةِ، يَجْرِي فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَيَّ. كُنْتُ أَشْعُرُ بِدِفْءٍ زَائِدٍ يَفِيضُ فِيَّ، وَأَحْسَبُهُ هَدِيَّةً. وَقَدْ عَرَفْتُ اسْمَ ذَلِكَ الْجِسْرِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فِي تَقْرِيرٍ طِبِّيٍّ بَارِدٍ. وَلَوْ عَرَفْتُهُ يَوْمَئِذٍ لَأَوْقَفْتُ قَلْبِي بِيَدَيَّ.
وَكُنْتُ الْأَكْبَرَ. لَا أَدْرِي مَتَى لَاحَظْتُ ذَلِكَ؛ كَانَتْ يَدِي تُغَطِّي يَدَهُ كُلَّهَا حِينَ نَتَلَامَسُ، وَكَانَ يَسْتَقِرُّ فِي أَضْيَقِ رُكْنٍ مِنَ الْمَكَانِ، كَمَنْ يَعْتَذِرُ عَنْ وُجُودِهِ. ثُمَّ بَدَأَ إِيقَاعُهُ يَتَعَثَّرُ: خَفْقَةٌ تَسْقُطُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ سِتِّ خَفَقَاتٍ، كَدَرَجَةٍ مَفْقُودَةٍ فِي سُلَّمٍ أَصْعَدُهُ فِي الظَّلَامِ.
كُنْتُ أَرْكُلُ لِأُنَادِيَهُ فَيَتَأَخَّرُ جَوَابُهُ: نِصْفَ نَبْضَةٍ، ثُمَّ نَبْضَةً، ثُمَّ نَبْضَتَيْنِ. وَكَانَتْ كَفُّ أُمِّي تَنْزِلُ عَلَيْنَا مِنْ فَوْقُ، دَافِئَةً ثَقِيلَةً، تَبْحَثُ عَنْ أَحَدِنَا. وَاحِدٍ مِنَّا. وَلَمْ أَفْهَمْ يَوْمَئِذٍ لِمَاذَا كَانَتْ، كُلَّمَا وَجَدَتْنِي، تَسْحَبُ كَفَّهَا كَمَنْ لَسَعَتْهُ الْحَقِيقَةُ.

وَفِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ، وَسَأَظَلُّ أُسَمِّيهَا “الْأَخِيرَةَ” مَهْمَا قَالُوا، رَكَلْتُ مَرَّتَيْنِ.
وَانْتَظَرْتُ.
لَمْ يَرْكُلْ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَرْكُلْ مَرَّتَيْنِ.
أَعَدْتُ. وَانْتَظَرْتُ.
وَأَحَاطَ بِي الْإِيقَاعُ الْكَبِيرُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، دُمْ… دُمْ… دُمْ… بَطِيئًا مُطْمَئِنًّا لَا يَدْرِي شَيْئًا، يَغْمُرُ الْعَالَمَ بِالْحَيَاةِ كَعَادَتِهِ.
وَأَصْغَيْتُ إِلَى الْإِيقَاعِ الصَّغِيرِ الْآخَرِ، الَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ، عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ، يَتْبَعُ نَبْضِي بِفَارِقٍ ضَئِيلٍ كَالصَّدَى.
وَلَمْ أَسْمَعْ سِوَى نَفْسِي.

الْأُسْبُوعُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ

النَّبْضُ الَّذِي لَا يَعُودُ

لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فِي الصَّبَاحِ، وَلَا فِي الْمَسَاءِ، وَلَا فِي الْفَتْرَةِ الَّتِي أُسَمِّيهَا الْآنَ “يَوْمًا” لِأَنَّ الْإِيقَاعَ الْكَبِيرَ كَانَ يَنَامُ فِيهَا وَيَسْتَيْقِظُ.
رَكَلْتُ. وَانْتَظَرْتُ. ثُمَّ رَكَلْتُ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ، بِقُوَّةِ مَنْ يَطْرُقُ بَابًا يَعْرِفُ أَنَّ خَلْفَهُ أَحَدًا.
وَجَاءَ جَوَابٌ. لَمْ يَكُنْ رَكْلَةً؛ كَانَ ارْتِخَاءً صَغِيرًا فِي الْيَدِ الْمُلْتَصِقَةِ بِيَدِي، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا هُنَا، لَكِنَّنِي تَعِبْتُ.
كَانَ الْجِسْرُ بَيْنَنَا يَجْرِي فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ كَمَا كَانَ دَائِمًا، لَكِنَّنِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ شَعَرْتُ بِمَا يَحْمِلُهُ: دِفْءٌ يَأْتِينِي مِنْهُ، وَثِقَلٌ يَمْلَؤُنِي حَتَّى لَا أَجِدَ فِي صَدْرِي مَوْضِعًا لِلنَّفَسِ. كُنْتُ أَمْتَلِئُ، وَكَانَ هُوَ يَفْرُغُ. وَحَاوَلْتُ، بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ مِنْ إِرَادَةٍ لَا اسْمَ لَهَا، أَنْ أُعِيدَ إِلَيْهِ مَا آخُذُهُ.
لَا أَحَدَ يُعَلِّمُكَ كَيْفَ تَرُدُّ الدَّمَ.

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَمِعْتُ أُمِّي تَبْكِي. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ الْبُكَاءَ، لَكِنَّ الْإِيقَاعَ الْكَبِيرَ تَقَطَّعَ كَأَنَّ أَحَدًا يَرْكُضُ بِهِ عَلَى دَرَجٍ، وَانْهَمَرَ الْمَاءُ الْمَالِحُ فِي صَوْتِهَا حَتَّى بَلَّلَ كُلَّ كَلِمَةٍ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ الْغَلِيظُ، لَكِنَّهُ كَانَ خَافِتًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَالْخَافِتُ مِنَ الْغِلَاظِ أَسْوَأُ.
لَمْ أَفْهَمْ مَا قِيلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. أَفْهَمُهُ الْآنَ، لِأَنَّ أُمِّي كَرَّرَتْهُ فِي نَوْمِهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، بِالْحُرُوفِ نَفْسِهَا، كُلَّمَا غَلَبَهَا التَّعَبُ:
— لَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُ الِاثْنَيْنِ. اخْتَارِي.
— لَنْ أَخْتَارَ.
— إِذَنْ فَالْوَقْتُ سَيَخْتَارُ عَنْكِ.
وَكَانَ صَدَى يُصْغِي. أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّهُ كَانَ يُصْغِي، وَأَنَّ أَصَابِعَهُ الصَّغِيرَةَ اشْتَدَّتْ عَلَى أَصَابِعِي كَمَنْ يَقُولُ: لَا تَتْرُكْنِي.
وَفِي الصَّبَاحِ، بَعْدَ أَنْ خَرَجَ الصَّوْتُ الْغَلِيظُ وَأُغْلِقَ بَابٌ لَا أَرَاهُ، سَمِعْتُ أُمِّي تَقُولُ لِنَفْسِهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً بِصَوْتٍ لَا يَرْتَجِفُ.
وَعَرَفْتُ، قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ مَاذَا تَعْنِي الْمَعْرِفَةُ، أَنَّهَا قَدِ اخْتَارَتْ.

الْأُسْبُوعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ

الضَّوْءُ الْأَحْمَرُ

فَتَحْتُ عَيْنَيَّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَمْرِ قَرَارٌ؛ انْفَصَلَ الْجَفْنَانِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسَيْهِمَا، كَمَا يَنْفَتِحُ بَابٌ ظَلَّ طَوِيلًا يَنْتَظِرُ مَنْ يَدْفَعُهُ.
وَرَأَيْتُ. كَانَ أَوَّلُ مَا رَأَيْتُ لَوْنًا لَا يُشْبِهُ شَيْئًا: أَحْمَرَ مُضِيئًا، ثَقِيلًا دَافِئًا كَالْجَمْرِ تَحْتَ الرَّمَادِ، يَتَسَلَّلُ مِنْ بَعِيدٍ عَبْرَ جُدْرَانِ اللَّحْمِ. هَكَذَا يَبْدُو الْعَالَمُ حِينَ يَعْبُرُ أُمِّي ضَوْءٌ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيَّ.
ثُمَّ الْتَفَتُّ إِلَيْهِ.
كَانَ مُسْتَلْقِيًا إِلَى جَانِبِي، وَرَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفِي كَمَا اعْتَدْنَا. وَكَانَتْ يَدُهُ الَّتِي فِي يَدِي رَقِيقَةً إِلَى حَدٍّ يَجْعَلُ الضَّوْءَ الْأَحْمَرَ يَعْبُرُهَا. رَأَيْتُ عِظَامَهَا الصَّغِيرَةَ كَأَنَّهَا أَسْلَاكٌ، وَرَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ، وَأَنَّ الْجِسْرَ بَيْنَنَا جَفَّ.
لَمْ أَعْرِفْ مَتَى مَاتَ. لَا أَحَدَ يُخْبِرُ أَحَدًا فِي ذَلِكَ الظَّلَامِ. الْمَوْتُ هُنَاكَ لَا يَصْرُخُ، وَلَا يَسْقُطُ، وَلَا يُغْلِقُ بَابًا؛ يَكْتَفِي بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الرَّدِّ.
وَلَمْ أُفَارِقْهُ. كَيْفَ أُفَارِقُهُ وَالْجُدْرَانُ كُلُّهَا تَضِيقُ بِنَا مَعًا؟ ظَلَّ مُلْتَصِقًا بِي، يَتَحَوَّلُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ مِنْ أَخٍ إِلَى شَيْءٍ يُحْمَلُ، وَأَنَا أَحْمِلُهُ كَمَا يَحْمِلُ الْمَرْءُ أَمَانَةً لَا يَعْرِفُ لِمَنْ يُسَلِّمُهَا.

فِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي ذَلِكَ الشَّهْرِ لَمَسَنَا شَيْءٌ بَارِدٌ لَمْ نَعْرِفْهُ: جِسْمٌ مَعْدِنِيٌّ يَنْزَلِقُ عَلَى جِدَارِ الظَّلَامِ، يَضْغَطُ هُنَا ثُمَّ هُنَاكَ، وَيَبْحَثُ.
وَسَمِعْتُ صَوْتًا غَرِيبًا لَيْسَ لِأُمِّي وَلَا لِلْغَلِيظِ، صَوْتًا مَهْنِيًّا يَتَحَدَّثُ بِبُطْءِ مَنْ يَخْتَارُ كَلِمَاتِهِ:
— نَبْضٌ وَاحِدٌ، وَاضِحٌ وَقَوِيٌّ. أَمَّا الثَّانِي فَلَا نَبْضَ لَهُ. يَنْبَغِي أَنْ نُخَطِّطَ لِإِزَالَتِهِ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ تَبْكِ أُمِّي. قَالَتْ بِصَوْتٍ جَافٍّ كَالْعَظْمِ:
— اتْرُكُوهُ مَعَهُ.
كَانَتْ تَقْصِدُنِي أَنَا. وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ حَكَمَتْ عَلَيَّ بِأَنْ أَحْمِلَهُ مَا حَيِيتُ.

الْأُسْبُوعُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ

أُغْنِيَةٌ لِوَاحِدٍ

كَانَتْ أُمِّي تُغَنِّي كُلَّ لَيْلَةٍ.
لَمْ أَفْهَمْ كَلِمَاتِهَا، لَكِنَّ اللَّحْنَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْنَا كَمَا يَنْزِلُ الْمَاءُ الدَّافِئُ عَلَى حَجَرَيْنِ: يُحِيطُ بِهِمَا مَعًا وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا. هَكَذَا ظَنَنْتُ فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ لَاحَظْتُ أَنَّ صَوْتَهَا يَمِيلُ. كَانَتْ تُدِيرُ فَمَهَا، إِنْ جَازَ لِي أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ، نَحْوَ الْجِهَةِ الْيُسْرَى مِنْ بَطْنِهَا، حَيْثُ يَرْقُدُ صَدَى سَاكِنًا. وَكَانَتْ كَفُّهَا تَسْتَقِرُّ هُنَاكَ وَحْدَهُ. أَمَّا أَنَا، الْحَيُّ الَّذِي يَرْكُلُ وَيَسْمَعُ وَيَخَافُ، فَكُنْتُ أَنَالُ مَا يَفِيضُ.
غِرْتُ. نَعَمْ، سَأَعْتَرِفُ لَكُمْ: كَانَ أَوَّلُ شُعُورٍ أَمْلِكُهُ بَعْدَ الْخَوْفِ هُوَ الْغَيْرَةُ. رَكَلْتُ احْتِجَاجًا، فَتَوَقَّفَ الْغِنَاءُ لَحْظَةً ثُمَّ عَادَ أَرَقَّ، وَوَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَيَّ أَنَا، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهَا قَطُّ:
— أَعْرِفُ. أَعْرِفُ يَا بُنَيَّ. أَنْتَ هُنَا أَيْضًا.

وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَقَدْتُ مَعَ نَفْسِي عَهْدًا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصُوغُهُ بِكَلِمَاتِكُمْ، لَكِنَّهُ كَانَ يُشْبِهُ هَذَا: سَأَرْكُلُ عَنْهُ. سَأَنْمُو عَنْهُ. سَأَتَنَفَّسُ، يَوْمَ يَجِيءُ الْهَوَاءُ، عَنِ اثْنَيْنِ.
فَكُنْتُ أَرْكُلُ ثَلَاثًا حِينَ يَجِبُ أَنْ يَرْكُلَ ثَلَاثًا، وَأَتَوَقَّفُ بَعْدَهَا، وَأَتْرُكُ لِلْفَرَاغِ مَكَانَ رَكْلَتِهِ كَمَنْ يَتْرُكُ كُرْسِيًّا شَاغِرًا عَلَى مَائِدَةٍ.
وَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أَتْمَمْتُ فِيهَا الْأُسْبُوعَ الرَّابِعَ وَالثَّلَاثِينَ، رَكَلْتُ مَرَّتَيْنِ، وَتَرَكْتُ لَهُ مَكَانَ ثَلَاثٍ، وَأَصْغَيْتُ.
فَسَمِعْتُ.
لَمْ يَكُنْ رَكْلَةً. لَمْ يَكُنْ حَرَكَةً. كَانَ نَبْضًا صَغِيرًا سَرِيعًا مُتَعَجِّلًا، يَدُقُّ عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ مِنِّي بِفَارِقٍ ضَئِيلٍ عَنْ نَبْضِي.
وَأَقْسَمْتُ لِنَفْسِي أَنَّهُ صَدَى قَلْبِي. أَقْسَمْتُ مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ.
ثُمَّ عَدَدْتُ الدَّقَّاتِ، فَوَجَدْتُ أَنَّ كُلَّ سَادِسَةٍ مِنْهَا تَسْقُطُ.

الْأُسْبُوعُ الْأَرْبَعُونَ

الْهَوَاءُ

ضَاقَتِ الْجُدْرَانُ.
لَمْ تَضِقْ كَمَا ضَاقَتْ مِنْ قَبْلُ حِينَ كُنْتُ أَكْبُرُ؛ كَانَ هَذَا ضِيقًا لَهُ إِيقَاعٌ، يَشْتَدُّ ثُمَّ يَرْتَخِي، يَشْتَدُّ ثُمَّ يَرْتَخِي، كَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَبْضَةٌ تُحَاوِلُ أَنْ تَلْفِظَنِي.
عَرَفْتُ أَنَّ الْإِيقَاعَ الْكَبِيرَ، الَّذِي كَانَ لِي كُلَّ شَيْءٍ، يَطْرُدُنِي. وَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ كُرْهًا. كَانَتْ أُمِّي تَصْرُخُ فَوْقَنَا، وَصُرَاخُهَا لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ: كَانَ يَدْفَعُنِي وَيَتَشَبَّثُ بِي فِي آنٍ وَاحِدٍ.
لَمْ أَكُنْ وَحْدِي فِي الْمَمَرِّ. كَانَ صَدَى مَعِي، خَفِيفًا كَوَرَقَةٍ، مُلْتَصِقًا بِجَنْبِي، وَكَانَ يَنْزَلِقُ مَعِي كَمَا اعْتَدْنَا أَنْ نَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ: مَعًا.

ثُمَّ جَاءَ الْهَوَاءُ.
بَارِدًا. قَاسِيًا. يَقْطَعُ جِلْدِي كَسِكِّينٍ لَا تَعْرِفُ النَّدَمَ. وَجَاءَ مَعَهُ ضَوْءٌ أَبْيَضُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ دِفْءِ الْأَحْمَرِ. وَأَيْقَنْتُ أَنَّنِي أُطْرَدُ مِنْ بَيْتِي الْوَحِيدِ.
وَصَرَخْتُ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ كَانَ لِلصَّرْخَةِ مَا تَحْتَاجُهُ: هَوَاءٌ. خَرَجَ الصَّوْتُ مِنِّي، وَسَمِعْتُهُ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ صَوْتِي. وَفِي صَدْرِي، فِي مَكَانٍ لَا يَسَعُ إِلَّا قَلْبًا وَاحِدًا، دَقَّ شَيْءٌ آخَرُ دَقَّةً وَاحِدَةً، رَدَّتْ عَلَى صَرْخَتِي.
وَسَمِعْتُ، فِي الضَّجِيجِ الْأَبْيَضِ، صَوْتًا مَهْنِيًّا يَقُولُ بِبُطْءٍ:
— انْتَبِهُوا إِلَى الْمَشِيمَةِ… هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ.
ثُمَّ أَعْطَوْنِي لِأُمِّي. لِلْمَرَّةِ الْأُولَى رَأَيْتُ وَجْهَهَا: وَجْهًا مُبْتَلًّا مُتْعَبًا، أَجْمَلَ مِنْ كُلِّ مَا تَخَيَّلْتُ فِي الظَّلَامِ. لَكِنَّهَا لَمْ تَنْظُرْ إِلَيَّ. كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى يَدِ الْمُمَرِّضَةِ الَّتِي تَحْمِلُ شَيْئًا صَغِيرًا مَلْفُوفًا بِقُمَاشٍ أَبْيَضَ، لَا يَتَجَاوَزُ حَجْمَ كَفٍّ. وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مَعِي إِلَى النِّهَايَةِ مَضْغُوطًا رَقِيقًا كَوَرَقَةٍ بَيْنَ صَفْحَتَيْنِ.
وَقَالَتْ لِلْمُمَرِّضَةِ، بِالصَّوْتِ الْجَافِّ نَفْسِهِ الَّذِي عَرَفْتُهُ فِي الْأُسْبُوعِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ:
— لَا تَأْخُذُوهُ. أَنَا مَنْ سَيَدْفِنُهُ.
ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَيَّ أَخِيرًا، وَهَمَسَتْ بِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ غَيْرِي:
— لَنْ يَعْرِفَ.
وَلَمْ تَكُنْ تَقْصِدُ الصَّغِيرَ الْمَلْفُوفَ بِالْأَبْيَضِ.
كَانَتْ تَقْصِدُنِي.

الْجُزْءُ الثَّانِي

الرَّجْعُ

الْعُمْرُ: أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ
الْكُرْسِيُّ الشَّاغِرُ
فِي الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِي كُنْتُ أَضَعُ عَلَى الْمَائِدَةِ صَحْنَيْنِ.
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ عَلَّمَنِي ذَلِكَ. كُنْتُ أَضَعُ صَحْنِي أَمَامِي، وَصَحْنًا آخَرَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَجْلِسُ وَأَنْتَظِرُ كَمَا يَنْتَظِرُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ ضَيْفَهُ سَيَتَأَخَّرُ.
وَكَانَتْ أُمِّي، حِينَ تَرَى الصَّحْنَ الثَّانِيَ، تَرْفَعُهُ بِسُرْعَةٍ وَتَغْسِلُهُ وَتُعِيدُهُ إِلَى الرَّفِّ دُونَ كَلِمَةٍ، كَمَنْ يُخْفِي دَلِيلًا.
فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مَا رَسَمْتُ لَهَا صُورَةً: وَلَدَانِ يَقِفَانِ مُتَجَاوِرَيْنِ، يَدٌ فِي يَدٍ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ، وَالْآخَرُ بِحَجْمِ وَرَقَةٍ. وَقُلْتُ لَهَا: هَذَا صَدَى.
أَعْرِفُ أَنَّكُمْ تَسْأَلُونَ كَيْفَ لِطِفْلٍ فِي الرَّابِعَةِ أَنْ يَعْرِفَ اسْمًا لَمْ يَسْمَعْهُ. لَا جَوَابَ عِنْدِي. أَنَا أَرْوِي مَا حَدَثَ.
لَمْ تَنْظُرْ إِلَى الرَّسْمَةِ. نَظَرَتْ إِلَيَّ، وَسَقَطَ مِنْ يَدِهَا الْكُوبُ.
— مَنْ قَالَ لَكَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؟
— هُوَ.
— مَنْ هُوَ؟
أَشَرْتُ إِلَى الْكُرْسِيِّ الْأَيْسَرِ. وَقُلْتُ، بِبَسَاطَةِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ السَّمَاءَ زَرْقَاءُ:
— يَقُولُ إِنَّكِ لَا تَغْضَبِينَ مِنَّا. إِنَّكِ تَخَافِينَ.

أَذْكُرُ أَنَّ أُمِّي جَلَسَتْ عَلَى أَرْضِ الْمَطْبَخِ بَيْنَ شَظَايَا الزُّجَاجِ، وَاحْتَضَنَتْنِي بِقُوَّةٍ آلَمَتْنِي، وَرَدَّدَتْ فِي أُذُنِي مِرَارًا كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا يَوْمَئِذٍ: “سَامِحْنِي… سَامِحْنِي…”
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حِينَ أَطْفَأَتِ الْأَنْوَارَ، سَمِعْتُهُ.
النَّبْضَ الثَّانِيَ. صَغِيرًا مُتَعَجِّلًا عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ، يَتْبَعُ نَبْضِي بِفَارِقٍ ضَئِيلٍ، وَتَسْقُطُ مِنْهُ كُلُّ سَادِسَةٍ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدًا مِنْ أَنَّ الَّذِي يَخَافُ مِنَّا هُوَ أَنَا.

الْعُمْرُ: تِسْعُ سَنَوَاتٍ

الْخَطُّ الشَّاحِبُ

كَانَتْ أُمِّي تَمْنَعُنِي مِنَ الْبَحْرِ.
لَا مِنَ الْبَحْرِ وَحْدَهُ؛ مِنَ الْمَسْبَحِ أَيْضًا، وَمِنْ دَرْسِ الرِّيَاضَةِ، وَمِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُطْلَبُ فِيهِ أَنْ أَخْلَعَ قَمِيصِي. كَانَتْ تَكْتُبُ لِلْمُدَرِّسِينَ أَعْذَارًا بِخَطٍّ أَنِيقٍ حَازِمٍ: “ابْنِي يُعَانِي مِنْ حَسَاسِيَّةٍ جِلْدِيَّةٍ”.
وَلَمْ تَكُنْ بِي حَسَاسِيَّةٌ. كَانَ بِي خَطٌّ.
خَطٌّ شَاحِبٌ بِعَرْضِ إِصْبَعٍ، يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِي إِلَى خَاصِرَتِي الْيُسْرَى، كَأَنَّ يَدًا مَسَحَتْ مِنْ جِلْدِي لَوْنَهُ عَلَى امْتِدَادِ إِصْبَعٍ ثُمَّ تَرَاجَعَتْ. كُنْتُ أَرَاهُ فِي الْمِرْآةِ وَأُسَمِّيهِ “الْحُدُودَ”.

فِي رِحْلَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ إِلَى شَاطِئٍ، دَفَعَنِي وَلَدٌ اسْمُهُ مَازِنٌ فِي الْمَاءِ، فَابْتَلَّ قَمِيصِي وَالْتَصَقَ بِجِسْمِي. وَرَآهُ الْجَمِيعُ.
ضَحِكُوا. لَا لِأَنَّ الْخَطَّ مُضْحِكٌ، بَلْ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ، وَالْأَطْفَالُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَقَالَ مَازِنٌ:
— كَأَنَّ نِصْفَكَ لِوَلَدٍ آخَرَ!
وَلَمْ أَسْمَعْ بَعْدَهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ الصَّغِيرَ، عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ، دَقَّ فَجْأَةً بِسُرْعَةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ، كَأَنَّ أَحَدًا فِي دَاخِلِي يَهُبُّ وَاقِفًا.
وَرَأَيْتُ يَدِي الْيُسْرَى تَرْتَفِعُ وَتُمْسِكُ بِعُنُقِ مَازِنٍ.
لَمْ أَرْفَعْهَا أَنَا.
كَانَ مَازِنٌ يَخْتَنِقُ، وَالْجَمِيعُ يَصْرُخُونَ، وَأَنَا أُحَاوِلُ، بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ مِنْ إِرَادَةٍ، أَنْ أَفْتَحَ أَصَابِعِي. وَكَانَ صَوْتٌ فِي رَأْسِي، لَيْسَ صَوْتِي، يَقُولُ بِدَهْشَةِ مَنْ يَسْمَعُ أَخِيرًا مَنْ يُسَمِّيهِ: “يَقُولُ إِنِّي نِصْفُكَ.”
وَحِينَ تَرَكَتْهُ يَدِي أَخِيرًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِإِرَادَتِي. كَانَ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ الصَّغِيرَ قَرَّرَ أَنْ يَكْتَفِيَ.

الْعُمْرُ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً

الصُّورَةُ الَّتِي فِيهَا دَائِرَتَانِ

تَرَكْنَا بَعْدَ حَادِثَةِ مَازِنٍ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا، وَثَلَاثَ مَدَارِسَ، وَطَبِيبَيْنِ، وَزَوْجًا لَمْ يَعُدْ لَهُ اسْمٌ فِي بَيْتِنَا. وَتَعَلَّمْتُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ: أَنْ أُخْفِيَ يَدِي الْيُسْرَى فِي جَيْبِي، وَأَنْ أَكُفَّ عَنِ السُّؤَالِ.
إِلَى أَنْ جَاءَ يَوْمٌ بَحَثْتُ فِيهِ عَنْ شَاحِنِ الْهَاتِفِ فِي دُرْجِ أُمِّي.
لَمْ أَجِدْ شَاحِنًا. وَجَدْتُ صُورَةً قَدِيمَةً بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، لَا وَجْهَ فِيهَا وَلَا جَسَدًا: بُقْعَةٌ رَمَادِيَّةٌ وَاسِعَةٌ، وَفِي وَسَطِهَا دَائِرَتَانِ صَغِيرَتَانِ مُتَلَاصِقَتَانِ كَأَنَّهُمَا عَيْنَانِ. وَعَلَى الْهَامِشِ، بِحِبْرٍ بَاهِتٍ: “الْأُسْبُوعُ 17 — تَوْأَمَانِ.”
قَرَأْتُ الْكَلِمَةَ مَرَّةً، ثُمَّ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَحْسَسْتُ بِالْإِيقَاعِ الصَّغِيرِ يَدُقُّ فِي رَأْسِي بِقُوَّةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ، كَأَنَّ أَحَدًا يَقُولُ: أَخِيرًا.
وَقَفَتْ أُمِّي فِي الْبَابِ. لَمْ تَصْرُخْ. قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَخْنُقُنِي مِنْ هُدُوئِهِ:
— أَعِدْهَا إِلَى مَكَانِهَا.
— لِي أَخٌ.
— لَيْسَ لَكَ أَخٌ.
— لَا تَكْذِبِي. أَسْمَعُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ مُنْذُ أَنْ كُنْتُ فِي الرَّابِعَةِ.
— لَيْسَ لَكَ أَخٌ يَا بُنَيَّ. لَيْسَ لَكَ إِلَّا أَنَا.
وَكَانَتْ، وَهِيَ تَقُولُهَا، تَنْظُرُ إِلَى يَدِي الْيُسْرَى الْمَخْبُوءَةِ فِي جَيْبِي، لَا إِلَى وَجْهِي.
ثُمَّ، وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَأْخُذَ الصُّورَةَ مِنِّي، اهْتَزَّتْ يَدُهَا، وَتَدَلَّى مِنْ طَيَّاتِ الدُّرْجِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرَاهُ، ظَرْفٌ صَغِيرٌ أَصْفَرُ.
لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ بَعْدُ، لَكِنَّهُ كَانَ ثَقِيلًا. وَرَأَيْتُ أُمِّي تَدْفَعُهُ بِكَفِّهَا إِلَى قَاعِ الدُّرْجِ كَمَنْ يُخْفِي جَمْرَةً.
وَلِثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ أَفْتَحْ ذَلِكَ الدُّرْجَ. وَلَمْ يَكُفَّ الْإِيقَاعُ الصَّغِيرُ عَنِ الدَّقِّ.

الْعُمْرُ: إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً

الْمِيكْرُوفُونُ

صِرْتُ مُهَنْدِسَ صَوْتٍ. وَلَا أَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُصَادَفَةً؛ فَمَنْ يَعِيشُ مَعَ نَبْضٍ لَا يَرَاهُ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَثِقَ بِالْأُذُنِ أَكْثَرَ مِنَ الْعَيْنِ.
وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الشِّتَاءِ، فِي الِاسْتُودْيُو الْخَالِي، وَضَعْتُ مِيكْرُوفُونًا حَسَّاسًا فَوْقَ صَدْرِي وَضَغَطْتُ زِرَّ التَّسْجِيلِ، كَمَنْ يَسْتَجْوِبُ نَفْسَهُ. ثُمَّ جَلَسْتُ أَمَامَ الشَّاشَةِ أَنْظُرُ إِلَى الْمَوْجَاتِ.
كَانَ هُنَاكَ خَطَّانِ.
الْأَوَّلُ هُوَ قَلْبِي بِإِيقَاعِهِ الْمَعْرُوفِ. أَمَّا الثَّانِي فَكَانَ أَدَقَّ وَأَسْرَعَ، يَجْرِي تَحْتَ الْأَوَّلِ كَجَدْوَلٍ تَحْتَ جِسْرٍ، وَتَسْقُطُ مِنْهُ، بِانْتِظَامٍ لَا يُخْطِئُ، كُلُّ سَادِسَةٍ.
قُلْتُ لِنَفْسِي: ضَجِيجٌ كَهْرَبَائِيٌّ. فَغَيَّرْتُ الْكَابِلَ، ثُمَّ الْجِهَازَ، ثُمَّ الْمَكَانَ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ الْخَطُّ الثَّانِي هُنَاكَ، وَلَمْ يَكُنْ يَضْعُفُ إِلَّا حِينَ أُبْعِدُ الْمِيكْرُوفُونَ عَنْ يَدِي الْيُسْرَى.
فَوَضَعْتُهُ عَلَى مِعْصَمِي الْأَيْسَرِ، وَجَلَسْتُ أَسْمَعُ بِسَمَّاعَةِ الرَّأْسِ.
وَهُنَاكَ، فِي أُذُنِي، دَقَّ قَلْبٌ لَيْسَ لِي، بِإِصْرَارِ مَنْ يَطْرُقُ بَابًا.
فَنَقَرْتُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِإِصْبَعِي مَرَّتَيْنِ. وَجَاءَنِي الرَّدُّ، بَعْدَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ جَوَابٍ لَمْ يَأْتِ:
ثَلَاثًا.

الْعُمْرُ: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً

الْخَطُّ عَلَى الْوِسَادَةِ

أَحْبَبْتُ دَانَةَ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْأَلْنِي عَنْ يَدِي.
كَانَتْ تَرَى الْخَطَّ الشَّاحِبَ عَلَى صَدْرِي فَتَمُرُّ عَلَيْهِ بِإِصْبَعِهَا كَمَنْ يَقْرَأُ لُغَةً مَحْبُوبَةً، وَتَقُولُ: “مَنْ رَسَمَ هَذِهِ الْحُدُودَ؟” وَلَا تَنْتَظِرُ جَوَابًا.
وَكُنْتُ أَنَامُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى جَنْبِي الْأَيْمَنِ، وَأَضَعُ يَدِي الْيُسْرَى تَحْتَ جَسَدِي، كَمَنْ يَحْبِسُ ضَيْفًا فِي غُرْفَةٍ.

وَفِي صَبَاحٍ مِنْ صَبَاحَاتِ الْخَرِيفِ اسْتَيْقَظْتُ وَحْدِي. وَعَلَى وِسَادَةِ دَانَةَ وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطٍّ لَيْسَ خَطِّي: مَائِلٌ إِلَى الْيَسَارِ، رَقِيقٌ، كَأَنَّ صَاحِبَهُ يَخْشَى أَنْ يُثْقِلَ عَلَى الْوَرَقِ.
لَمْ تَكُنِ الْوَرَقَةُ لِي. كَانَتْ لَهَا:
“لَا تَدَعِيهِ يَرْحَلُ. إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْقَى.”
خَرَجْتُ إِلَى الْمَطْبَخِ بِالْوَرَقَةِ فِي يَدِي الْيُمْنَى، وَوَجَدْتُهَا وَاقِفَةً أَمَامَ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ، لَا تَبْدُو خَائِفَةً. كَانَتْ تَبْكِي بِهُدُوءٍ، كَمَنْ تَلَقَّى هَدِيَّةً لَا يَسْتَطِيعُ رَدَّهَا.
— رَأَيْتُ يَدَكَ تَكْتُبُ هَذَا عِنْدَ الْفَجْرِ. كُنْتَ نَائِمًا.
— دَانَة…
— إِنَّهُ لَا يُحَذِّرُنِي مِنْكَ. إِنَّهُ يَسْتَنْجِدُ بِي مِنْ أَجْلِكَ.
وَفَهِمْتُ أَنَّ أَخِي، الَّذِي ظَنَنْتُهُ عَلَى مَدَى سِنِينَ طَوِيلَةٍ خَطَرًا يَسْكُنُنِي، كَانَ يَخَافُ عَلَيَّ، وَأَنَّنِي لَمْ أَسْأَلْهُ يَوْمًا مِنْ مَاذَا.

الْعُمْرُ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً

الدُّرْجُ الْأَخِيرُ

مَاتَتْ أُمِّي فِي مُسْتَشْفًى لَا رَائِحَةَ فِيهِ، فِي لَيْلَةٍ كَانَتِ الْأَجْهِزَةُ فِيهَا تَدُقُّ أَسْرَعَ مِنْهَا.
قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ أَمْسَكَتْ بِكُمِّي، وَكَانَتْ يَدُهَا الْبَارِدَةُ تَتَحَسَّسُ يَدِي الْيُسْرَى دُونَ الْيُمْنَى، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَيْنَ تَسْكُنُ الْحَقِيقَةُ.
— لَمْ أَخْتَرْ يَا بُنَيَّ.
— لَا تَتَكَلَّمِي. أَنْتِ مُتْعَبَةٌ.
— لَمْ أَكُنْ أَنَا مَنِ اخْتَارَ. قَالُوا لِي… قَالُوا لِي إِنَّ… الظَّرْفُ. فِي الدُّرْجِ الْأَخِيرِ. اقْرَأْهُ بَعْدَ أَنْ…
لَمْ تُكْمِلْ.
وَحِينَ أَطْفَأُوا الْأَجْهِزَةَ سَمِعْتُ مَا لَمْ أَسْمَعْهُ فِي حَيَاتِي: صَمْتًا كَامِلًا فِي الْقَاعَةِ، وَنَبْضًا وَاحِدًا فِي رَأْسِي. نَبْضِي أَنَا. ثُمَّ، بَعْدَ ثَانِيَةٍ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ عُمْرٍ، جَاءَ الْآخَرُ.
كَانَ يَدُقُّ أَبْطَأَ وَأَثْقَلَ، كَأَنَّهُ هُوَ أَيْضًا يَبْكِي.

فِي بَيْتِهَا الْفَارِغِ فَتَحْتُ الدُّرْجَ الْأَخِيرَ بَعْدَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الْخَوْفِ. كَانَ الظَّرْفُ الْأَصْفَرُ هُنَاكَ، وَعَلَيْهِ، بِخَطِّهَا الْمُرْتَعِشِ، مَا قَرَأْتُمُوهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ.
لَمْ أَفْتَحْهُ. لَيْسَ بَعْدُ؛ فَأَنَا لَمْ أَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ أَغْفِرُ.
وَفِي الصَّبَاحِ رَنَّ الْهَاتِفُ. كَانَ الْمُخْتَبَرُ الَّذِي أَخْفَقَ مَرَّتَيْنِ فِي تَحْدِيدِ فَصِيلَةِ دَمِي، وَكَانَ الصَّوْتُ عَلَى الْخَطِّ يَقُولُ بِنَبْرَةِ مَنْ يَحْمِلُ خَبَرًا لَا يُقَالُ بِالْهَاتِفِ:
— تَفَضَّلْ إِلَيْنَا الْيَوْمَ يَا أُسْتَاذُ. الطَّبِيبَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرَاكَ بِنَفْسِهَا.

الْجُزْءُ الثَّالِثُ

الدَّمُ

الْحَاضِرُ: الْمُخْتَبَرُ
حَيَّةٌ وَتَنْقَسِمُ
قَالَتْ لِي هَالَةُ، الطَّبِيبَةُ، بَعْدَ أَنْ جَلَسْتُ وَأَطْفَأَتْ هَاتِفَهَا، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيَّ كَمَا يَنْظُرُ طَبِيبٌ إِلَى مَرِيضٍ لَا يَسْتَحِقُّ مَا سَيُقَالُ لَهُ:
— هَلْ كَانَ لَكَ تَوْأَمٌ؟
كُنْتُ قَدْ أَعْدَدْتُ، طَوَالَ الطَّرِيقِ، أَلْفَ جَوَابٍ، وَقُلْتُ أَسْهَلَهَا:
— أُمِّي كَانَتْ تَقُولُ إِنَّنِي كُنْتُ وَاحِدًا.
— أُمُّكَ كَانَتْ تَكْذِبُ، أَوْ كَانَتْ تَحْمِيكَ.
شَرَحَتْ لِي بِإِيجَازٍ: حِينَ يَمُوتُ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ فِي الرَّحِمِ قَدْ تَنْتَقِلُ خَلَايَاهُ عَبْرَ الْمَشِيمَةِ إِلَى دَمِ الْآخَرِ، فَيَعِيشُ الْبَاقِي بِبَصْمَتَيْنِ، وَقَدْ يَبْقَى جَسَدُ الْمُتَوَفَّى حَتَّى الْوِلَادَةِ فَيُسَمُّونَهُ “الْجَنِينَ الْوَرَقِيَّ”. وَسَمَّتْ حَالَتِي “كِيمِيرَا”.
— وَالْخَطُّ الشَّاحِبُ عَلَى صَدْرِي؟
— حَدٌّ بَيْنَ خَلَايَاكَ وَخَلَايَاهُ، عَلَى الْأَرْجَحِ.
وَلَمْ أَسْأَلْ عَنِ الْيَدِ. كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ لِلْيَدِ جَوَابًا لَا تَمْلِكُهُ الْمُخْتَبَرَاتُ.
وَقَبْلَ أَنْ أَنْهَضَ قَالَتْ جُمْلَةً لَا يَجُوزُ أَنْ تُقَالَ فِي كِتَابِ عِلْمٍ:
— هُنَاكَ مَا لَمْ أَقُلْهُ بَعْدُ. هَذِهِ الْخَلَايَا الَّتِي فِي دَمِكَ لَيْسَتْ بَقَايَا يَا أُسْتَاذُ. إِنَّهَا حَيَّةٌ. وَهِيَ تَنْقَسِمُ.
وَفَهِمْتُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَخِي لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ الْعَيْشِ. فِيَّ.

الْحَاضِرُ: الْقَابِلَةُ

الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يُدْفَنْ

كَانَ الْمُسْتَشْفَى الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ قَدْ هُدِمَ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَقَامَتْ مَكَانَهُ سُوقٌ تِجَارِيَّةٌ. لَكِنَّ دَانَةَ، الَّتِي تَعْمَلُ مُمَرِّضَةً وَتَعْرِفُ كَيْفَ تُفْتَحُ الْأَرْشِيفَاتُ الْمَنْسِيَّةُ، وَجَدَتْ بَعْدَ أُسْبُوعٍ اسْمًا وَاحِدًا: سُعَادُ، قَابِلَةُ الْمُسْتَشْفَى الْقَدِيمِ.
وَجَدْنَاهَا فِي غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الْيَاسَمِينِ وَالْأَدْوِيَةِ، عَجُوزًا نَظَرَتْ إِلَيَّ فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَمِهَا.
— أَنْتَ هُوَ. أَنْتَ الَّذِي بَقِيَ.
لَا تَسْأَلُونِي لِمَاذَا صَدَّقْتُ عَجُوزًا لَمْ أَرَهَا مِنْ قَبْلُ؛ مَنْ يَحْمِلُ نَبْضَيْنِ لَا يَطْلُبُ الْأَدِلَّةَ.
رَوَتْ لِي لَيْلَةَ وِلَادَتِي، وَالْمَطَرُ عَلَى النَّوَافِذِ، وَأَبِي، الدُّكْتُورُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ فِي الْمُسْتَشْفَى نَفْسِهِ، وَاقِفٌ عِنْدَ الْبَابِ لَا يَجْرُؤُ عَلَى الدُّخُولِ وَلَا عَلَى الرَّحِيلِ.
— قِيلَ لِي إِنَّهُ هُوَ مَنِ اخْتَارَ. لَكِنَّنِي رَأَيْتُ أُمَّكَ بِعَيْنَيَّ تُوَقِّعُ الْوَرَقَةَ وَهِيَ تَبْكِي. وَيَدٌ تُوَقِّعُ لَا تَعْنِي أَنَّ صَاحِبَتَهَا تُرِيدُ.
وَسَأَلْتُهَا عَنْهُ، عَنِ الرَّجُلِ ذِي الصَّوْتِ الْغَلِيظِ. تَوَقَّعْتُ أَنْ تَصِفَهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ.
— مَاتَ مُنْذُ سِنِينَ، وَحِيدًا فِي غُرْفَةٍ لَمْ يَزُرْهُ فِيهَا أَحَدٌ. وَجَاءَنِي قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ وَقَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ لَهُمَا طَرِيقًا آخَرَ، وَلَمْ أَسْلُكْهُ.
— وَكَانَ، فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ، يَسْأَلُ عَنِ الصَّغِيرِ. لَا عَنْكَ.
وَحِينَ نَهَضْنَا لِنَرْحَلَ أَمْسَكَتْ بِي وَقَالَتْ بِصَوْتٍ كَالْهَمْسِ:
— وَشَيْءٌ لَمْ أَقُلْهُ لِأَحَدٍ. الصَّغِيرُ الَّذِي لَفَفْتُهُ بِقُمَاشٍ أَبْيَضَ… أُمُّكَ قَالَتْ إِنَّهَا سَتَدْفِنُهُ. لَكِنَّنِي رَأَيْتُهَا تَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَمْ تَتَّجِهْ نَحْوَ الْمَقْبَرَةِ.
كَانَ الْبَحْرُ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى.

الْحَاضِرُ: الْأُغْنِيَةُ

شَرِيطٌ قَدِيمٌ

عُدْنَا إِلَى بَيْتِ أُمِّي، وَفَتَّشْتُ فِيهِ غُرْفَةً غُرْفَةً، لَا عَنْ جَسَدٍ، بَلْ عَنْ صَوْتٍ. كُنْتُ قَدْ لَاحَظْتُ فِي اللَّيَالِي الْأَخِيرَةِ أَنَّ أَصَابِعَ يَدِي الْيُسْرَى لَا تَنْقُرُ نَقْرًا عَشْوَائِيًّا؛ كَانَتْ تُعِيدُ إِيقَاعًا وَاحِدًا، لَهُ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، كَأَنَّهُ لَحْنٌ.
وَفِي خِزَانَةٍ تَحْتَ السُّلَّمِ وَجَدْتُ مُسَجِّلًا قَدِيمًا وَشَرِيطًا وَاحِدًا، كَتَبَتْ عَلَيْهِ أُمِّي بِقَلَمٍ أَحْمَرَ: “لِلِاثْنَيْنِ”.
ضَغَطْتُ زِرَّ التَّشْغِيلِ، فَخَرَجَ مِنَ الْمُسَجِّلِ صَوْتُ أُمِّي شَابَّةً، لَا أَعْرِفُهَا، وَهِيَ تُغَنِّي. وَكَانَ إِيقَاعُ الْأُغْنِيَةِ هُوَ هُوَ مَا تُرَدِّدُهُ أَصَابِعِي.
— نَمْ يَا صَغِيرِي. وَنَمْ أَنْتَ، يَا صَغِيرِيَ الْآخَرَ، حَيْثُ تَكُونُ.
وَانْقَطَعَ صَوْتُهَا لِأَنَّ بَابًا فُتِحَ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الْبَعِيدَةِ، وَسُمِعَ صَوْتٌ غَلِيظٌ غِلَظًا لَمْ أَنْسَهُ فِي حَيَاتِي. قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، مِنْ ثَلَاثَةِ مَقَاطِعَ:
— اخْتَارِي.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَعْدَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَهِمْتُ الْكَلِمَةَ الَّتِي فَهِمَهَا صَدَى قَبْلِي.
وَظَلَّ الشَّرِيطُ يَدُورُ فِي صَمْتٍ، وَدَانَةُ إِلَى جِوَارِي لَا تَقُولُ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً:
— غَدًا.

الْجُزْءُ الرَّابِعُ

الِاثْنَانِ

الْحَاضِرُ: الْبَحْرُ
حَصًى مُرَتَّبٌ
ذَهَبْنَا إِلَى الْبَحْرِ، دَانَةُ وَأَنَا، فِي فَجْرٍ بَارِدٍ لَا يُشْبِهُ صَبَاحَاتِ الْأَفْلَامِ. لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَوْنٌ؛ كَانَ رَمَادِيًّا كَصُورَةِ الْأَشِعَّةِ.
كُنْتُ أَسِيرُ عَلَى الرَّمْلِ كَمَنْ يَمْشِي عَلَى لُغَةٍ لَا يُجِيدُهَا. وَحِينَ وَصَلْنَا حَافَّةَ الْمَاءِ تَوَقَّفْتُ أَنَا، لَكِنَّ يَدِي الْيُسْرَى لَمْ تَتَوَقَّفْ؛ جَذَبَتْنِي بِلُطْفٍ لَا بِقُوَّةٍ، كَمَا يَجُرُّ طِفْلٌ يَدَ أَبِيهِ نَحْوَ شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يُرِيَهُ إِيَّاهُ.
— اتْبَعْهَا. أَنَا مَعَكَ.
مَشَيْنَا مَعَهَا: أَنَا، وَدَانَةُ، وَالْيَدُ، مَسَافَةَ سَاعَةٍ عَلَى طُولِ الشَّاطِئِ، حَتَّى بَلَغْنَا رَأْسًا صَخْرِيًّا يَدْخُلُ فِي الْبَحْرِ كَإِصْبَعٍ.
وَعِنْدَ قَاعِدَةِ الرَّأْسِ، بَيْنَ صَخْرَتَيْنِ، وَجَدْنَا كَوْمَةَ حَصًى صَغِيرَةً، مُرَتَّبَةً بِعِنَايَةِ مَنْ يُرَتِّبُ سَرِيرَ نَائِمٍ. وَكَانَتْ فِي الْكُوَّةِ الَّتِي بَيْنَ الصَّخْرَتَيْنِ أَزْهَارٌ يَابِسَةٌ مِنْ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَأَزْهَارٌ طَرِيَّةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ.
كَانَتْ أُمِّي تَأْتِي إِلَى هُنَا. كُلَّ سَنَةٍ، فِي يَوْمٍ كُنْتُ أَقْضِيهِ عِنْدَ جَارَتِنَا لِأَنَّ أُمِّي “مُتْعَبَةٌ وَسَتَنَامُ”. وَقَفْتُ أَمَامَ الْحَصَى، وَدَقَّ الْإِيقَاعُ الصَّغِيرُ فِي مِعْصَمِي بِبُطْءٍ لَمْ أَعْرِفْهُ، بِبُطْءِ مَنْ يَصِلُ أَخِيرًا إِلَى بَيْتِهِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ أَخِي هُنَاكَ، تَحْتَ الْحَصَى، لَا فِي مَقْبَرَةٍ لَمْ تَتَّجِهْ إِلَيْهَا أُمِّي تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
جَلَسْتُ عَلَى الرَّمْلِ وَأَخْرَجْتُ مِنْ جَيْبِي الظَّرْفَ الْأَصْفَرَ. قَالَتْ دَانَةُ:
— أَتُرِيدُنِي أَنْ أَبْتَعِدَ؟
— لَا. أَظُنُّ أَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَغْفِرَ وَحْدِي.
وَفَتَحْتُهُ.

الرِّسَالَةُ

أُمُّكَ

يَا بُنَيَّ،
كُنْتُ فَتَاةً خَائِفَةً. قَالُوا لِي إِنَّ أَحَدَكُمَا سَيَمُوتُ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّ عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ، فَوَقَّعْتُ، وَلَمْ أَخْتَرْ. لَا أَطْلُبُ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذَلِكَ.
سَمَّيْتُهُ “صَدَى” لِأَنَّكَ كُنْتَ تُنَادِيهِ فِي اللَّيْلِ وَكَانَ يَرُدُّ. وَحِينَ نَطَقْتَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ عَرَفْتُ أَنَّ بَيْنَكُمَا مَا لَا أَدْخُلُ فِيهِ.
أَطْلُبُ فَقَطْ أَنْ تَقُولَ لَهُ إِنَّنِي كُنْتُ أُحِبُّهُ.
وَاخْتَرْتُكَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْعِقَابَ.
أُمُّكَ.

الِاثْنَانِ

نَعَمْ

قَرَأْتُ الرِّسَالَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَوَيْتُهَا، وَنَظَرْتُ إِلَى الْحَصَى.
لَمْ أَغْفِرْ لَهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ؛ فَالْغُفْرَانُ لَيْسَ لَحْظَةً. لَكِنَّنِي جَلَسْتُ بِجَانِبِ الْحَصَى وَقُلْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ مَا طَلَبَتْهُ: “أُمُّنَا كَانَتْ تُحِبُّكَ. وَلَمْ تَخْتَرْ.”
وَحِينَ نَطَقْتُ “أُمُّنَا” تَحَرَّكَتْ يَدِي الْيُسْرَى.
لَمْ تُمْسِكْ بِعُنُقٍ. لَمْ تَكْتُبْ. وَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى كَفِّي الْيُمْنَى بِرِفْقٍ، كَمَا تَمَسُّ يَدٌ أُخْرَى فِي الظَّلَامِ لِتَقُولَ: أَنْتَ هُنَاكَ.
وَسَمِعْتُ فِي صَدْرِي مَا يَحْدُثُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ: دَقَّ الْإِيقَاعَانِ مَعًا، بِلَا فَارِقٍ، بِلَا صَدًى. قَلْبَانِ يَدُقَّانِ كَأَنَّهُمَا قَلْبٌ وَاحِدٌ، وَكَأَنَّ الدَّقَّةَ السَّادِسَةَ الْمَفْقُودَةَ عَادَتْ أَخِيرًا إِلَى مَكَانِهَا.

خَلَعْتُ قَمِيصِي، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَمَامَ الْبَحْرِ، وَرَآهُ الْعَالَمُ كُلُّهُ، الْخَطُّ الشَّاحِبُ، وَلَمْ أُخْفِهِ. كَانَ حَدًّا بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ أَنَا، وَقَدْ فَهِمْتُ أَخِيرًا أَنَّ الْحُدُودَ لَيْسَتْ جُدْرَانًا؛ إِنَّهَا مَا يَجْعَلُ اللِّقَاءَ مُمْكِنًا.
وَدَخَلْتُ الْمَاءَ.
كَانَ بَارِدًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَاسِيًا كَهَوَاءِ الْأُسْبُوعِ الْأَرْبَعِينَ. كَانَ شَيْئًا يُشْبِهُ الْعَوْدَةَ. وَحِينَ بَلَغَ الْمَاءُ صَدْرِي ضَرَبْتُ سَطْحَهُ بِيَدِي مَرَّتَيْنِ، وَانْتَظَرْتُ.
فَجَاءَنِي الرَّدُّ مِنْ أَعْمَقِ نُقْطَةٍ فِي صَدْرِي، لَا مِنْ بَعِيدٍ وَلَا عَلَى بُعْدِ ذِرَاعٍ: ثَلَاثًا.

قَدْ تَقُولُونَ إِنَّ الْوَعْيَ بَدَأَ فِيَّ حِينَ قُلْتُ “أَنَا”. وَأَقُولُ لَكُمْ، وَقَدْ بَلَغْتُ آخِرَ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ، إِنَّهُ لَمْ يَبْدَأْ يَوْمَ قُلْتُ “أَنَا”، وَلَا يَوْمَ وُلِدْتُ، وَلَا يَوْمَ مَاتَ أَخِي. بَدَأَ حِينَ نَادَانِي أَحَدٌ فِي الظَّلَامِ، وَأَجَبْتُ.
وَكَانَ جَوَابِي: نَعَمْ.

خَاتِمَةٌ

اِنْتَهَتْ حِكَايَتُهُ هُنَا، وَبَقِيَ لِي أَنْ أَعْتَرِفَ بِمَا لَمْ أَقُلْهُ فِي أَوَّلِهَا: كُنْتُ كُلَّمَا كَتَبْتُ عَنْهُ سَمِعْتُ، خَلْفَ الْكَلِمَاتِ، إِيقَاعًا يَتْبَعُ إِيقَاعِي بِفَارِقٍ ضَئِيلٍ.
لَا أَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ صَدًى، وَلَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. وَحِينَ وَضَعْتُ الْقَلَمَ نَقَرْتُ عَلَى الطَّاوِلَةِ مَرَّتَيْنِ، وَانْتَظَرْتُ.
فَإِنْ جَاءَكُمْ جَوَابٌ، فِي لَيْلَةٍ يَصْمُتُ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَا تَسْأَلُوا مِنْ أَيْنَ جَاءَ. أَجِيبُوا.

نُعْمَانُ الْبَرْبَرِيُّ