قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 04

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ الرَّابِعُ
وَصَلَتِ الوَرَقَةُ إِلَى غُرْفَةِ أَبِي خَالِدٍ فِي صَبَاحٍ بَاكِرٍ، بِيَدِ مُوَظَّفَةٍ شَابَّةٍ تَرْتَدِي شَارَةً صَغِيرَةً كُتِبَ عَلَيْهَا اسْمُهَا: “كْلَاوْدِيَا، مُسْتَشَارَةُ اندِمَاجٍ”. طَرَقَتِ البَابَ، وَحِينَ فَتَحَتْ أُمُّ خَالِدٍ، طَلَبَتِ الدُّخُولَ بِأَدَبٍ وَاضِحٍ، وَمَعَهَا مُتَرْجِمٌ عَبْرَ الهَاتِفِ هَذِهِ المَرَّةَ، لَا عَبْرَ الفِيدْيُو.
كَانَتْ أُمُّ خَالِدٍ قَدْ سَمِعَتْ مِنْ نِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ فِي المَمَرِّ عَنْ هَذِهِ الزِّيَارَاتِ، وَعَرَفَتْ أَنَّهَا إِجْرَاءٌ رُوتِينِيٌّ يَمُرُّ بِهِ كُلُّ القَادِمِينَ الجُدُدِ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَتَخَيَّلْ أَنَّهَا سَتَحْدُثُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، وَلَا أَنْ تَجِدَ نَفْسَهَا وَاقِفَةً عِنْدَ البَابِ، تُرَاقِبُ وَجْهَ زَوْجِهَا وَهُوَ يَقْرَأُ عَنَاوِينَ الِاسْتِمَارَةِ بِعَيْنَيْنِ ضَيِّقَتَيْنِ مِنَ الحَذَرِ.
جَلَسَتْ كْلَاوْدِيَا عَلَى الكُرْسِيِّ الوَحِيدِ فِي الغُرْفَةِ، وَوَضَعَتْ أَمَامَهَا اسْتِمَارَةً مِنْ عِدَّةِ صَفَحَاتٍ، وَبَدَأَتْ تَشْرَحُ، وَالمُتَرْجِمُ يَنْقُلُ كَلِمَاتِهَا بِصَوْتٍ مُحَايِدٍ:
– هَذِهِ اسْتِمَارَةُ الْتِزَامٍ بِحُضُورِ دُرُوسِ اللُّغَةِ وَالِاندِمَاجِ، إِلْزَامِيَّةٌ لِجَمِيعِ البَالِغِينَ فِي العَائِلَةِ، بِمَنْ فِيهِمْ أَنْتَ وَزَوْجَتُكَ. التَّوْقِيعُ يَعْنِي مُوَافَقَتَكُمَا عَلَى الِالْتِزَامِ بِالحُضُورِ، وَعَدَمُ الحُضُورِ المُتَكَرِّرُ دُونَ عُذْرٍ قَدْ يُؤَثِّرُ عَلَى المُسَاعَدَاتِ المَالِيَّةِ.
اِسْتَمَعَ أَبُو خَالِدٍ بِصَمْتٍ، ثُمَّ سَأَلَ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا تَحَفُّظٌ وَاضِحٌ:
– وَمَاذَا لَوْ لَمْ أُوَقِّعْ؟
تَرْجَمَ المُتَرْجِمُ السُّؤَالَ، فَأَجَابَتْ كْلَاوْدِيَا بِهُدُوءِ مُوَظَّفَةٍ اعْتَادَتْ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ:
– القَانُونُ هُنَا يُلْزِمُ الجَمِيعَ، لَا فَرْقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي هَذَا الِالْتِزَامِ. لَكِنْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَطْرَحَ اسْتِفْسَارَاتِكَ، وَأَنَا هُنَا لِلْمُسَاعَدَةِ، لَا لِلْإِجْبَارِ فَقَطْ.
نَظَرَ أَبُو خَالِدٍ إِلَى الِاسْتِمَارَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ إِلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي وَقَفَتْ عِنْدَ البَابِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ حَازِمٍ:
– أَنَا مُوَافِقٌ عَلَى أَنْ أَحْضُرَ دُرُوسِي. لَكِنْ لَنْ أُوَقِّعَ عَلَى إِلْزَامِ زَوْجَتِي بِحُضُورِ دُرُوسٍ مُخْتَلِطَةٍ مَعَ رِجَالٍ غُرَبَاءَ. هَذَا أَمْرٌ لَا أَقْبَلُهُ.
تَرْجَمَ المُتَرْجِمُ الجُمْلَةَ بِدِقَّةٍ، فَتَوَقَّفَتْ كْلَاوْدِيَا لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهَا تُعِيدُ تَرْتِيبَ كَلِمَاتِهَا بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ:
– أَفْهَمُ قَلَقَكَ. لَكِنَّ الدُّرُوسَ هُنَا مُخْتَلِطَةٌ بِحُكْمِ القَانُونِ، وَلَا يُوجَدُ اسْتِثْنَاءٌ لِفَصْلِ الرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ. أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّ أَغْلَبَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي حَضَرْنَ هَذِهِ الدُّرُوسَ شَعَرْنَ بِرَاحَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعْنَ، فَالمُعَلِّمُونَ مِهَنِيُّونَ تَمَامًا، وَالأَجْوَاءُ رَسْمِيَّةٌ بَحْتَةٌ.
حَاوَلَتْ كْلَاوْدِيَا أَنْ تَشْرَحَ أَكْثَرَ، فَأَضَافَتْ:
– يُمْكِنُنِي أَيْضًا أَنْ أَبْحَثَ لَكُمَا عَنْ صَفٍّ نِسَائِيٍّ بِالكَامِلِ إِنْ وُجِدَ فِي مَرْكَزٍ آخَرَ قَرِيبٍ، لَكِنَّ هَذَا قَدْ يَعْنِي الِانْتِظَارَ أَسَابِيعَ إِضَافِيَّةً، وَقَدْ لَا يَتَوَفَّرُ مَكَانٌ شَاغِرٌ قَبْلَ أَشْهُرٍ. القَرَارُ لَكُمَا.
نَظَرَتْ أُمُّ خَالِدٍ إِلَى زَوْجِهَا بِتَرَقُّبٍ، مُنْتَظِرَةً أَنْ يُقَرِّرَ، لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ أَنَّهُ هَذِهِ المَرَّةَ لَمْ يُجِبْ بِسُرْعَتِهِ المُعْتَادَةِ، بَلْ ظَلَّ صَامِتًا لِثَوَانٍ أَطْوَلَ مِنَ العَادَةِ، وَكَأَنَّ اقْتِرَاحَ الصَّفِّ النِّسَائِيِّ فَتَحَ أَمَامَهُ اِحْتِمَالًا ثَالِثًا لَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ فِيهِ: لَا الرَّفْضُ التَّامُّ، وَلَا القَبُولُ الكَامِلُ، بَلْ بَحْثٌ عَنْ حَلٍّ وَسَطٍ يَحْفَظُ لَهُ إِحْسَاسَهُ بِالمَسْؤُولِيَّةِ دُونَ أَنْ يَحْرِمَ زَوْجَتَهُ مِنْ فُرْصَتِهَا.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَهْدَأَ مِنْ ذِي قَبْلُ:
– دَعِينَا نُفَكِّرُ فِي اقْتِرَاحِ الصَّفِّ النِّسَائِيِّ. لَا أَعِدُكُمْ بِشَيْءٍ الآنَ، لَكِنَّنِي لَا أَرْفُضُهُ كُلِّيًّا أَيْضًا.
بَدَتْ كْلَاوْدِيَا مُرْتَاحَةً لِهَذَا التَّحَوُّلِ الطَّفِيفِ فِي نَبْرَتِهِ، وَقَالَتْ وَهِيَ تَجْمَعُ أَوْرَاقَهَا:
– سَأَتَحَقَّقُ مِنَ التَّوَفُّرِ وَأَعُودُ إِلَيْكُمْ خِلَالَ أَيَّامٍ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ، بِرَفْعِ صَوْتٍ خَفِيفٍ لَمْ يَعْتَدْ أَنْ يَرْفَعَهُ أَمَامَ غُرَبَاءَ:
– لَسْتِ أَنْتِ مَنْ سَيُحَدِّدُ لِي مَا يُرِيحُنِي وَمَا لَا يُرِيحُنِي فِي بَيْتِي. زَوْجَتِي سَتَبْقَى فِي البَيْتِ تُرَبِّي أَوْلَادَنَا، كَمَا فَعَلَتْ طَوَالَ حَيَاتِهَا، وَلَا حَاجَةَ لَهَا بِلُغَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ لِتَفْعَلَ ذَلِكَ.
كَانَتْ رَهَفُ قَدْ سَمِعَتْ جُزْءًا مِنْ هَذَا الحِوَارِ المُرْتَفِعِ الصَّوْتِ وَهِيَ تَمُرُّ فِي المَمَرِّ، فَتَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ البَابِ المَفْتُوحِ جُزْئِيًّا، قَبْلَ أَنْ تُتَابِعَ طَرِيقَهَا بِسُرْعَةٍ، مُحْرَجَةً مِنْ نَفْسِهَا لِأَنَّهَا اسْتَمَعَتْ دُونَ قَصْدٍ.
أَخْبَرَتْ وَالِدَتَهَا بِمَا سَمِعَتْهُ فِي المَسَاءِ، وَهُمَا تَجْلِسَانِ وَحْدَهُمَا فِي الحَدِيقَةِ:
– أُمِّي، سَمِعْتُ أَبَا خَالِدٍ اليَوْمَ يَرْفُضُ تَوْقِيعَ وَرَقَةٍ تَخُصُّ أُمَّ خَالِدٍ. بَدَا غَاضِبًا جِدًّا.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَسْتَمِعُ بِاهْتِمَامٍ:
– كُلُّ عَائِلَةٍ تَحْمِلُ قَوَاعِدَهَا الخَاصَّةَ يَا رَهَفُ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهَا مِنَ الخَارِجِ بِسُرْعَةٍ.
– لَكِنْ أَلَيْسَ مِنْ حَقِّ أُمِّ خَالِدٍ أَنْ تَتَعَلَّمَ إِنْ أَرَادَتْ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– بِالتَّأْكِيدِ لَهَا هَذَا الحَقُّ. لَكِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى هَذَا الحَقِّ قَدْ يَمُرُّ أَحْيَانًا عَبْرَ مَسَارَاتٍ بَطِيئَةٍ وَمُعَقَّدَةٍ دَاخِلَ كُلِّ بَيْتٍ، بِحَسَبِ تَارِيخِهِ وَتَرْبِيَتِهِ. المُهِمُّ أَنْ يَبْقَى البَابُ مَفْتُوحًا لِلنِّقَاشِ، لَا أَنْ يُغْلَقَ كُلِّيًّا.
أَعْجَبَ رَهَفَ هَذَا الجَوَابُ دُونَ أَنْ تُعَلِّقَ أَكْثَرَ، وَبَقِيَتِ الصُّورَةُ عَالِقَةً فِي ذِهْنِهَا: صُورَةُ أُمِّ خَالِدٍ الصَّامِتَةِ، وَصُورَةُ أَبِيهَا الَّذِي يَرْفُضُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ أَمَامَ مُوَظَّفَةٍ غَرِيبَةٍ، وَتَسَاءَلَتْ فِي سِرِّهَا كَمْ مِنَ العَائِلَاتِ السُّورِيَّةِ الأُخْرَى تَخُوضُ النِّقَاشَ نَفْسَهُ هَذِهِ الأَيَّامَ، خَلْفَ أَبْوَابٍ مُغْلَقَةٍ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ مَا يَدُورُ خَلْفَهَا.
• • •
بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ كْلَاوْدِيَا الغُرْفَةَ، غَيْرَ مُوَقِّعَةٍ عَلَى الِاسْتِمَارَةِ، جَلَسَتْ أُمُّ خَالِدٍ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ، صَامِتَةً، تَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهَا.
سَأَلَهَا أَبُو خَالِدٍ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ لِيُونَةً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ أَمَامَ المُوَظَّفَةِ:
– أَلَسْتِ مُوَافِقَةً مَعِي؟
تَرَدَّدَتْ أُمُّ خَالِدٍ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– أَنَا… لَا أَعْرِفُ. مِنْ نَاحِيَةٍ، أَفْهَمُ خَوْفَكَ. لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، رَأَيْتُ نِسَاءً أُخْرَيَاتٍ فِي هَذَا المَرْكَزِ يَخْرُجْنَ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى دُرُوسِهِنَّ، وَيَعُدْنَ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ، وَبِكَلِمَاتٍ جَدِيدَةٍ يُعَلِّمْنَهَا لِأَوْلَادِهِنَّ فِي المَسَاءِ. أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنِي الوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تَزَالُ حَبِيسَةَ الغُرْفَةِ نَفْسِهَا الَّتِي وَصَلْنَا إِلَيْهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ.
تَابَعَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ خُفُوتًا، وَكَأَنَّهَا تَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ:
– حَتَّى إِنَّنِي بَدَأْتُ أُلَاحِظُ أَنَّ بَعْضَ الكَلِمَاتِ الأَلْمَانِيَّةِ البَسِيطَةِ الَّتِي يَتَعَلَّمُهَا أَطْفَالُنَا فِي المَدْرَسَةِ صَارَتْ تَمُرُّ فَوْقَ رَأْسِي دُونَ أَنْ أَفْهَمَهَا، بَيْنَمَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِهَا بِثِقَةٍ مُتَزَايِدَةٍ كُلَّ أُسْبُوعٍ. أَخْشَى أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ أَشْعُرُ فِيهِ أَنَّ أَوْلَادِي أَصْبَحُوا غُرَبَاءَ عَنِّي بِلُغَتِهِمُ الجَدِيدَةِ، وَأَنَا لَا أَزَالُ حَبِيسَةَ العَرَبِيَّةِ وَحْدَهَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو خَالِدٍ بِدَهْشَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْهَا رَأْيًا مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ:
– هَلْ تُرِيدِينَ حَقًّا أَنْ تَخْرُجِي إِلَى صَفٍّ فِيهِ رِجَالٌ غُرَبَاءُ؟
أَجَابَتْ بِحَذَرٍ، لَكِنْ بِوُضُوحٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ مِنْهَا:
– لَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ لِأُقَابِلَ رِجَالًا غُرَبَاءَ. أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ لِأَتَعَلَّمَ كَيْفَ أَفْهَمُ وَرَقَةً مِنَ المَدْرَسَةِ حِينَ تَصِلُ إِلَى ابْنَتِنَا، أَوْ كَيْفَ أَتَحَدَّثُ مَعَ الطَّبِيبِ حِينَ يَمْرَضُ أَحَدُ أَوْلَادِنَا دُونَ أَنْ أَنْتَظِرَكَ أَوْ مُتَرْجِمًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
صَمَتَ أَبُو خَالِدٍ طَوِيلًا، يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ، وَكَأَنَّ كَلِمَاتِ زَوْجَتِهِ فَتَحَتْ أَمَامَهُ بَابًا لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُفْتَحَ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
أَضَافَتْ أُمُّ خَالِدٍ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ جُرْأَةً مِمَّا اعْتَادَتْ أَنْ تَسْتَخْدِمَهُ مَعَهُ:
– ثُمَّ إِنَّ ابْنَتَنَا الكُبْرَى سَتَكْبَرُ يَوْمًا، وَسَتَسْأَلُنِي كَيْفَ كَانَتْ حَيَاتِي هُنَا، وَسَأَخْجَلُ إِنْ كَانَ جَوَابِي أَنَّنِي بَقِيتُ فِي هَذِهِ الغُرْفَةِ طَوَالَ الوَقْتِ، خَائِفَةً مِنْ كُلِّ مَا هُوَ جَدِيدٌ. أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَدَيَّ مَا أَرْوِيهِ لَهَا غَيْرَ الخَوْفِ.
لَمْ يُجِبْ أَبُو خَالِدٍ عَلَى الفَوْرِ. نَهَضَ، وَفَتَحَ النَّافِذَةَ الصَّغِيرَةَ، وَتَرَكَ الهَوَاءَ البَارِدَ يَدْخُلُ الغُرْفَةَ لِلَحَظَاتٍ، وَكَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مَلْمُوسٍ يُسَاعِدُهُ عَلَى التَّفْكِيرِ بَعِيدًا عَنْ ثِقَلِ الكَلَامِ.
• • •
فِي اليَوْمِ التَّالِي، طَلَبَ أَبُو خَالِدٍ لِقَاءً مَعَ هَمَّامٍ فِي قَاعَةِ الطَّعَامِ المُشْتَرَكَةِ، بَعْدَ أَنْ لَاحَظَ أَنَّ هَمَّامًا يَتَحَدَّثُ الأَلْمَانِيَّةَ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ قَلِيلًا مِنْهُ، وَيَتَعَامَلُ مَعَ المُوَظَّفِينَ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ، بَعْدَ أَنْ جَلَسَا:
– يَا أُسْتَاذَ هَمَّامٍ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا، وَأُرِيدُ جَوَابًا صَادِقًا، لَا مُجَامَلَةً.
– تَفَضَّلْ.
– هَلْ زَوْجَتُكَ سَتَحْضُرُ دُرُوسَ اللُّغَةِ؟
– نَعَمْ، بَلْ إِنَّهَا سَتَبْدَأُ قَرِيبًا، مَعَ صَدِيقَةٍ جَدِيدَةٍ لَهَا مِنْ عَائِلَةٍ أُخْرَى.
– أَلَا يُقْلِقُكَ أَنْ تَجْلِسَ فِي صَفٍّ فِيهِ رِجَالٌ؟
فَكَّرَ هَمَّامٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
– لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي أَنْ أُفَكِّرَ فِي الأَمْرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، بِصَرَاحَةٍ. أُفَكِّرُ أَكْثَرَ فِي أَنَّ هَذَا الصَّفَّ سَيَمْنَحُهَا أَدَوَاتٍ تَحْتَاجُهَا، لَا أَنَّهُ سَيُعَرِّضُهَا لِخَطَرٍ مَا.
– وَكَرَامَتُكَ؟ أَلَا تَشْعُرُ أَنَّ كَرَامَتَكَ كَرَجُلٍ تَتَأَثَّرُ حِينَ تَخْرُجُ زَوْجَتُكَ وَتَخْتَلِطُ بِغُرَبَاءَ؟
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ، وَأَدْرَكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُلَامِسُ شَيْئًا عَمِيقًا فِي تَرْبِيَةِ أَبِي خَالِدٍ، لَا يُمْكِنُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ سَرِيعَةٍ:
– يَا أَبَا خَالِدٍ، أَنَا أَفْهَمُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُهِمُّكَ بِصِدْقٍ، وَلَنْ أَدَّعِيَ أَنَّ لَدَيَّ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً تُنَاسِبُ الجَمِيعَ. لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِي، كَرَامَتِي كَرَجُلٍ لَا تَتَأَثَّرُ بِمَا تَتَعَلَّمُهُ زَوْجَتِي أَوْ أَيْنَ تَجْلِسُ، بَلْ تَتَأَثَّرُ بِمَا إِذَا كُنْتُ قَادِرًا عَلَى أَنْ أَكُونَ سَنَدًا حَقِيقِيًّا لِعَائِلَتِي فِي هَذَا المَكَانِ الجَدِيدِ. وَأَحْيَانًا، السَّنَدُ الحَقِيقِيُّ يَعْنِي أَنْ أُفْسِحَ المَجَالَ لَهَا لِتَتَعَلَّمَ وَتَنْمُوَ، لَا أَنْ أُبْقِيَهَا كَمَا كَانَتْ لِتَشْعُرَ أَنَا بِالرَّاحَةِ.
اِسْتَمَعَ أَبُو خَالِدٍ بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ فِيهَا تَحَدٍّ خَفِيفٌ:
– كَلَامُكَ جَمِيلٌ يَا أُسْتَاذَ هَمَّامٍ، لَكِنَّكَ كَاتِبٌ، تَعْرِفُ كَيْفَ تُرَتِّبُ الكَلِمَاتِ بِطَرِيقَةٍ تَبْدُو حَكِيمَةً. أَنَا رَجُلٌ بَسِيطٌ، تَرَبَّيْتُ عَلَى أَنَّ حِمَايَةَ المَرْأَةِ تَعْنِي إِبْعَادَهَا عَنْ كُلِّ مَا قَدْ يُؤْذِيهَا، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدَ صَفٍّ دِرَاسِيٍّ.
قَالَ هَمَّامٌ بِهُدُوءٍ:
– وَأَنَا لَا أُقَلِّلُ مِنْ هَذِهِ التَّرْبِيَةِ، فَهِيَ جُزْءٌ أَصِيلٌ مِنْكَ وَمِنْ تَارِيخِكَ. لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا: مَنْ يُقَرِّرُ مَا الَّذِي يُؤْذِي زَوْجَتَكَ فِعْلًا؟ أَنْتَ، أَمْ هِيَ؟
تَوَقَّفَ أَبُو خَالِدٍ عَنِ الكَلَامِ، وَبَدَا لِلَحْظَةٍ وَكَأَنَّ السُّؤَالَ أَرْبَكَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، فَلَمْ يَعْتَدْ أَنْ يُطْرَحَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ المُبَاشَرَةِ مِنْ قِبَلِ رَجُلٍ غَرِيبٍ لَمْ يَعْرِفْهُ سِوَى مُنْذُ أَيَّامٍ.
• • •
لَمْ يَقْتَنِعْ أَبُو خَالِدٍ فَوْرًا، لَكِنَّ الجُمْلَةَ بَقِيَتْ مَعَهُ طَوَالَ ذَلِكَ اليَوْمِ، يُعِيدُ تَرْدِيدَهَا فِي ذِهْنِهِ وَهُوَ يَتَجَوَّلُ وَحِيدًا فِي حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ.
فِي المَسَاءِ، عَادَ إِلَى الغُرْفَةِ، وَوَجَدَ ابْنَتَهُ الصُّغْرَى، البَالِغَةَ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، تُحَاوِلُ أَنْ تَحُلَّ وَاجِبًا مَدْرَسِيًّا بِالأَلْمَانِيَّةِ، مُسْتَعِينَةً بِتَطْبِيقِ تَرْجَمَةٍ عَلَى هَاتِفِ وَالِدَتِهَا، تُكَافِحُ كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ دُونَ مُسَاعَدَةِ أَحَدٍ.
جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَسَأَلَهَا:
– أَتَحْتَاجِينَ إِلَى مُسَاعَدَةٍ؟
رَفَعَتْ رَأْسَهَا، مُتَفَاجِئَةً قَلِيلًا مِنِ اهْتِمَامِهِ المُفَاجِئِ:
– نَعَمْ يَا أَبِي، لَكِنَّكَ لَا تَعْرِفُ الأَلْمَانِيَّةَ أَيْضًا.
شَعَرَ أَبُو خَالِدٍ بِوَخْزَةٍ صَغِيرَةٍ فِي صَدْرِهِ، لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يُسَمِّيهَا بِالضَّبْطِ: خَلِيطًا مِنَ العَجْزِ وَالحَيَاءِ وَالرَّغْبَةِ المُفَاجِئَةِ فِي أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى مُسَاعَدَةِ ابْنَتِهِ.
قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ:
– لَا، لَا أَعْرِفُهَا. لَكِنَّ أُمَّكِ سَتَتَعَلَّمُهَا قَرِيبًا، وَسَتَسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتَكِ أَفْضَلَ مِنِّي.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ ابْنَتُهُ بِابْتِسَامَةٍ بَرِيئَةٍ:
– هَلْ سَتَذْهَبُ أُمِّي إِلَى المَدْرَسَةِ مِثْلِي؟
اِبْتَسَمَ أَبُو خَالِدٍ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ التَّسْلِيمِ الهَادِئِ:
– يَبْدُو أَنَّهَا سَتَفْعَلُ ذَلِكَ، نَعَمْ.
سَأَلَتْهُ ابْنَتُهُ، بِفُضُولِ الأَطْفَالِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ حُدُودًا:
– وَهَلْ سَأَتَعَلَّمُ أَنَا وَأُمِّي مَعًا فِي نَفْسِ اليَوْمِ؟ يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَبَادَلَ الكَلِمَاتِ الجَدِيدَةَ كُلَّ مَسَاءٍ.
ضَحِكَ أَبُو خَالِدٍ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، أَوَّلَ ضَحْكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ:
– فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ. لَكِنْ أَخْبِرِينِي، أَلَا تَشْعُرِينَ أَنْتِ أَيْضًا بِالخَوْفِ أَحْيَانًا مِنْ كُلِّ هَذَا الجَدِيدِ؟
فَكَّرَتِ الطِّفْلَةُ قَلِيلًا، بِجِدِّيَّةٍ تَفُوقُ عُمْرَهَا:
– أَشْعُرُ بِالخَوْفِ أَحْيَانًا، خُصُوصًا حِينَ لَا أَفْهَمُ مَا يَقُولُهُ المُعَلِّمُ. لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَيْضًا أَنَّنِي أَصْبَحْتُ أَذْكَى كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا، وَهَذَا الشُّعُورُ يَجْعَلُنِي أَنْسَى الخَوْفَ بِسُرْعَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو خَالِدٍ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، بِعَفْوِيَّتِهَا، عَبَّرَتْ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَسْتَطِعْ هُوَ نَفْسُهُ أَنْ يَصُوغَهُ بِهَذَا الوُضُوحِ طَوَالَ الأَيَّامِ المَاضِيَةِ: أَنَّ الخَوْفَ وَالنُّمُوَّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَايَشَا جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، دُونَ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بِالضَّرُورَةِ.
• • •
فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، كَانَ زِيَادٌ قَدْ سَمِعَ طَرَفًا مِنَ الحِكَايَةِ مِنْ هَمَّامٍ نَفْسِهِ، أَثْنَاءَ عَشَاءٍ مُشْتَرَكٍ فِي قَاعَةِ الطَّعَامِ.
قَالَ زِيَادٌ، وَهُوَ يَقْطَعُ الخُبْزَ أَمَامَهُ:
– أَبُو خَالِدٍ رَجُلٌ مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ. أُرَاهِنُ أَنَّهُ سَيُوَقِّعُ فِي النِّهَايَةِ، لَكِنَّهُ سَيُقَاوِمُ أَوَّلًا لِإِثْبَاتِ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَهُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِلْمُوَظَّفَةِ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ:
– مَاذَا تَقْصِدُ؟
أَجَابَ زِيَادٌ، بِنَظْرَتِهِ الثَّاقِبَةِ المُعْتَادَةِ:
– أَقْصِدُ أَنَّ رَجُلًا مِثْلَهُ، عَاشَ عُمْرَهُ كُلَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ صَاحِبُ القَرَارِ الأَوَّلِ وَالأَخِيرِ فِي بَيْتِهِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ هَذَا الشُّعُورِ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَوْقِفٍ وَاحِدٍ. سَيَحْتَاجُ أَنْ يَشْعُرَ أَنَّ القَرَارَ جَاءَ مِنْهُ هُوَ، لَا أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الخَارِجِ. المَسْأَلَةُ لَيْسَتْ فِي مَضْمُونِ القَرَارِ بِقَدْرِ مَا هِيَ فِي مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ اتِّخَاذِهِ.
فَكَّرَ هَمَّامٌ فِي كَلَامِ زِيَادٍ، وَقَالَ:
– هَلْ تَظُنُّ أَنَّنِي أَخْطَأْتُ حِينَ تَحَدَّثْتُ مَعَهُ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ؟
هَزَّ زِيَادٌ رَأْسَهُ نَافِيًا:
– عَلَى العَكْسِ. أَظُنُّ أَنَّ مَا قُلْتَهُ لَهُ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَكِنْ لَيْسَ لِأَنَّهُ سَيَقْتَنِعُ بِكَلَامِكَ مُبَاشَرَةً، بَلْ لِأَنَّهُ سَيَحْتَاجُ لَاحِقًا أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ أَحَدًا وَاجَهَهُ بِسُؤَالٍ حَقِيقِيٍّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ أَمَامَكَ بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ.
قَالَ هَمَّامٌ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ القَلَقِ:
– أَخْشَى أَحْيَانًا أَنْ أَكُونَ قَدْ تَجَاوَزْتُ حُدُودِي. نَحْنُ لَا نَعْرِفُ بَعْضَنَا مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَهُوَ أَبٌ لِعَائِلَتِهِ، لَهُ الحَقُّ أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارَاتِهِ كَمَا يَرَاهَا مُنَاسِبَةً.
قَالَ زِيَادٌ بِحَزْمٍ لَطِيفٍ:
– وَابْنَتُهُ أَيْضًا لَهَا الحَقُّ أَنْ تَحْلُمَ بِمُسْتَقْبَلٍ مُخْتَلِفٍ، وَزَوْجَتُهُ لَهَا الحَقُّ أَنْ تَتَعَلَّمَ لُغَةً تَحْمِيهَا مِنَ العَجْزِ اليَوْمِيِّ. أَحْيَانًا، يَا هَمَّامُ، الحِيَادُ الكَامِلُ لَيْسَ فَضِيلَةً، بَلْ هُرُوبٌ مُقَنَّعٌ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ تِجَاهَ مَنْ حَوْلَنَا.
لَمْ يُجِبْ هَمَّامٌ عَلَى الفَوْرِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ مُلَاحَظَةَ زِيَادٍ سَتَبْقَى مَعَهُ، كَمَا بَقِيَتْ مُلَاحَظَاتٌ كَثِيرَةٌ أُخْرَى قَالَهَا لَهُ صَدِيقُهُ الجَدِيدُ مُنْذُ وُصُولِهِمَا.
• • •
فِي اليَوْمِ التَّالِي، طَلَبَ أَبُو خَالِدٍ مَوْعِدًا جَدِيدًا مَعَ كْلَاوْدِيَا، وَحِينَ جَلَسَا، أَخْرَجَ القَلَمَ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ أَنْ تُعِيدَ عَلَيْهِ الشَّرْحَ، وَوَقَّعَ الِاسْتِمَارَةَ، لَكِنَّهُ أَضَافَ جُمْلَةً طَلَبَ مِنَ المُتَرْجِمِ أَنْ يَنْقُلَهَا بِدِقَّةٍ:
– أُوَقِّعُ، لَكِنْ أُرِيدُكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّ هَذَا لَيْسَ سَهْلًا عَلَيَّ. أَنَا لَا أُوَقِّعُ لِأَنَّنِي اقْتَنَعْتُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، بَلْ لِأَنَّنِي رَأَيْتُ فِي عَيْنَيِ ابْنَتِي أَمْسِ شَيْئًا جَعَلَنِي أُدْرِكُ أَنَّ تَمَسُّكِي بِطَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ يُكَلِّفُ أَوْلَادِي أَكْثَرَ مِمَّا يَحْمِيهِمْ.
تَرْجَمَ المُتَرْجِمُ الجُمْلَةَ، فَابْتَسَمَتْ كْلَاوْدِيَا ابْتِسَامَةً صَادِقَةً هَذِهِ المَرَّةَ، وَقَالَتْ:
– شُكْرًا لِصَرَاحَتِكَ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاعْتِرَافِ يَحْتَاجُ إِلَى شَجَاعَةٍ أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ التَّوْقِيعِ.
خَرَجَ أَبُو خَالِدٍ مِنَ المَكْتَبِ، وَالْتَقَى أُمَّ خَالِدٍ الَّتِي كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ فِي المَمَرِّ، مُتَوَتِّرَةً قَلِيلًا.
سَأَلَتْهُ بِعَيْنَيْنِ تَحْمِلَانِ أَمَلًا حَذِرًا:
– هَلْ وَقَّعْتَ؟
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ فَوْرًا، ثُمَّ قَالَ:
– وَقَّعْتُ. لَكِنِ اعْرَفِي أَنَّنِي سَأُرَاقِبُ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الدُّرُوسِ، وَإِنْ شَعَرْتُ بِأَنَّ شَيْئًا يُزْعِجُكِ أَوْ يُخَالِفُ مَا نُؤْمِنُ بِهِ، سَنَتَوَقَّفُ فَوْرًا.
اِبْتَسَمَتْ أُمُّ خَالِدٍ ابْتِسَامَةً مَمْزُوجَةً بِدُمُوعٍ خَفِيفَةٍ لَمْ تُكْمِلْهَا:
– هَذَا يَكْفِينِي تَمَامًا. لَمْ أَطْلُبْ مِنْكَ أَنْ تَتَغَيَّرَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، طَلَبْتُ فَقَطْ أَنْ تَمْنَحَنِي فُرْصَةً.
مَدَّ أَبُو خَالِدٍ يَدَهُ، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ أَمَامَ المَمَرِّ العَامِّ، وَهِيَ لَفْتَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ أَمَامَ أَعْيُنِ الغُرَبَاءِ، ثُمَّ أَفْلَتَهَا بِسُرْعَةٍ، وَكَأَنَّهُ مَا زَالَ يَتَدَرَّبُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ الجَدِيدِ مِنَ الحُضُورِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا.
بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، حِينَ بَدَأَتْ أُمُّ خَالِدٍ فِعْلِيًّا فِي حُضُورِ أَوَّلِ دَرْسٍ لَهَا فِي اللُّغَةِ الأَلْمَانِيَّةِ، وَقَفَ أَبُو خَالِدٍ عِنْدَ نَافِذَةِ الغُرْفَةِ، يُرَاقِبُهَا مِنْ بَعِيدٍ وَهِيَ تَعْبُرُ الحَدِيقَةَ بِاتِّجَاهِ القَاعَةِ المُخَصَّصَةِ لِلدُّرُوسِ، حَقِيبَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى كَتِفِهَا، وَخُطًى مُتَرَدِّدَةٌ فِي البِدَايَةِ سُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتْ إِلَى خُطًى أَكْثَرَ ثَبَاتًا.
لَحِقَ بِهِ هَمَّامٌ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ لِلتَّنَزُّهِ فِي الحَدِيقَةِ نَفْسِهَا، فَوَقَفَ بِجَانِبِهِ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي البِدَايَةِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ أَخِيرًا، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ:
– أَتَعْرِفُ يَا أُسْتَاذَ هَمَّامٍ، شَعَرْتُ بِالخَوْفِ اللَّيْلَةَ المَاضِيَةَ أَكْثَرَ مِمَّا شَعَرْتُ بِهِ يَوْمَ غَادَرْنَا سُورِيَا.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ بِهُدُوءٍ:
– مِمَّ كَانَ خَوْفُكَ؟
– مِنْ أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَنْ سَيَكُونُ أَبُو خَالِدٍ بَعْدَ سَنَةٍ مِنَ الآنَ. هَلْ سَيَكُونُ مَا زَالَ أَبَا خَالِدٍ الَّذِي أَعْرِفُهُ، أَمْ رَجُلًا آخَرَ لَا أَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ فِي المِرْآةِ؟
فَكَّرَ هَمَّامٌ فِي السُّؤَالِ، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ:
– أَظُنُّ أَنَّنَا جَمِيعًا نَطْرَحُ عَلَى أَنْفُسِنَا النُّسْخَةَ نَفْسَهَا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ هَذِهِ الأَيَّامَ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ. وَرُبَّمَا الجَوَابُ الوَحِيدُ الَّذِي نَمْلِكُهُ هُوَ أَنْ نَسْمَحَ لِأَنْفُسِنَا أَنْ نَتَغَيَّرَ بِبُطْءٍ، دُونَ أَنْ نَفْقِدَ الخَيْطَ الَّذِي يَرْبِطُنَا بِمَنْ كُنَّاهُ، حَتَّى لَوْ أَصْبَحْنَا فِي النِّهَايَةِ نُسْخَةً مُخْتَلِفَةً قَلِيلًا عَنْ أَنْفُسِنَا القَدِيمَةِ.
نَظَرَ أَبُو خَالِدٍ إِلَى هَمَّامٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا امْتِنَانٌ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِالكَلَامِ، ثُمَّ عَادَ بَصَرُهُ إِلَى الحَدِيقَةِ، حَيْثُ اخْتَفَتْ زَوْجَتُهُ أَخِيرًا خَلْفَ بَابِ القَاعَةِ، تَارِكَةً إِيَّاهُ يَقِفُ وَحِيدًا فِي مُوَاجَهَةِ صُورَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَأْلَفْهَا بَعْدُ.
بَقِيَ هَمَّامٌ بِجَانِبِهِ دَقَائِقَ أُخْرَى، دُونَ أَنْ يُضِيفَ شَيْئًا، شَاعِرًا أَنَّ الصَّمْتَ المُشْتَرَكَ هَذِهِ المَرَّةَ يَحْمِلُ قِيمَةً أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ جُمْلَةٍ إِضَافِيَّةٍ قَدْ يَقُولُهَا. فَكَّرَ فِي طَرِيقِهِ لَاحِقًا إِلَى غُرْفَتِهِ أَنَّ رِحْلَةَ أَبِي خَالِدٍ، رَغْمَ اخْتِلَافِهَا الظَّاهِرِيِّ عَنْ رِحْلَتِهِ الخَاصَّةِ، تَحْمِلُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ الَّذِي يُطَارِدُهُ هُوَ أَيْضًا مُنْذُ اللَّيْلَةِ الأُولَى: كَيْفَ يَبْقَى المَرْءُ نَفْسَهُ، وَهُوَ يَتَغَيَّرُ بِالضَّرُورَةِ، خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ، فِي أَرْضٍ لَمْ يَخْتَرْهَا بِالكَامِلِ، لَكِنَّهُ بَدَأَ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَصْنَعُ مِنْهَا بَيْتًا جَدِيدًا، وَلَوْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 05


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 03