قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 18

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ
الْتَقَتْ سَلْمَى بِغَادَةَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي مَكْتَبِ مُسْتَشَارَةِ الِانْدِمَاجِ، حِينَ ذَهَبَتْ لِتَسْتَفْسِرَ عَنْ كَيْفِيَّةِ مُعَادَلَةِ شَهَادَتِهَا فِي الصَّيْدَلَةِ. لَمْ تَكُنْ غَادَةُ مُوَظَّفَةً رَسْمِيَّةً فِي ذَلِكَ الْمَكْتَبِ، بَلْ مُتَطَوِّعَةً سُورِيَّةً اسْتَقَرَّتْ فِي أَلْمَانِيَا مُنْذُ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ، حَصَلَتْ عَلَى شَهَادَةٍ فِي الْإِرْشَادِ الْمِهَنِيِّ، وَكَرَّسَتْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا لِمُسَاعَدَةِ الْقَادِمَاتِ الْجُدُدِ عَلَى فَهْمِ النِّظَامِ الْمُعَقَّدِ لِلِاعْتِرَافِ بِالشَّهَادَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
كَانَتْ غَادَةُ امْرَأَةً فِي مُنْتَصَفِ الْأَرْبَعِينِيَّاتِ، تَرْتَدِي وِشَاحًا أَنِيقًا مُلَوَّنًا وَسْطَ بَحْرِ الْمَلَابِسِ الرَّمَادِيَّةِ وَالزَّرْقَاءِ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَى أَغْلَبِ مُوَظَّفِي الْمَكَاتِبِ الْحُكُومِيَّةِ، وَكَأَنَّهَا تُصِرُّ عَلَى أَنْ تَحْمِلَ مَعَهَا لَمْسَةً مِنْ دِفْءِ دِمَشْقَ أَيْنَمَا ذَهَبَتْ. لَاحَظَتْ سَلْمَى فَوْرًا هَذَا التَّفْصِيلَ الصَّغِيرَ، وَشَعَرَتْ بِارْتِيَاحٍ تُجَاهَ هَذِهِ الْغَرِيبَةِ قَبْلَ أَنْ تَتَبَادَلَا حَتَّى كَلِمَةً وَاحِدَةً.
قَالَتْ غَادَةُ، بَعْدَ أَنِ اسْتَمَعَتْ لِقِصَّةِ سَلْمَى الْمِهَنِيَّةِ:
• صَيْدَلَانِيَّةٌ؟ مُمْتَازٌ! لَدَيَّ خِبْرَةٌ جَيِّدَةٌ بِمَسَارِ مُعَادَلَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ تَحْدِيدًا، سَاعَدْتُ عِدَّةَ نِسَاءٍ سُورِيَّاتٍ مِنْ قَبْلُ فِي الْمَسَارِ نَفْسِهِ.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِارْتِيَاحٍ فَوْرِيٍّ تُجَاهَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَحَدَّثَتْ بِثِقَةٍ وَدِفْءٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَبَدَأَتْ صَدَاقَةٌ سَرِيعَةٌ نَمَتْ بَيْنَهُمَا خِلَالَ الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ.
بَدَأَتْ غَادَةُ تَتَّصِلُ بِسَلْمَى أُسْبُوعِيًّا، تَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِهَا، عَنِ الْأَوْلَادِ، عَنْ كَيْفِيَّةِ سَيْرِ الْأُمُورِ فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهَا دَائِمًا سُؤَالٌ مُحَدَّدٌ عَنِ الشَّهَادَةِ أَوِ الْعَمَلِ، بَلْ مُجَرَّدُ اهْتِمَامٍ إِنْسَانِيٍّ صَادِقٍ بَدَا لِسَلْمَى نَادِرًا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْمُرْهِقَةِ مِنْ حَيَاتِهَا.
• • •
فِي أَحَدِ اللِّقَاءَاتِ، وَبَيْنَمَا كَانَتَا تَحْتَسِيَانِ الْقَهْوَةَ فِي مَقْهًى صَغِيرٍ، سَأَلَتْ غَادَةُ سَلْمَى سُؤَالًا مُبَاشِرًا:
• مَتَى سَتَبْدَئِينَ فِعْلِيًّا بِمَسَارِ مُعَادَلَةِ شَهَادَتِكِ؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى:
• أُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ، لَكِنْ بَيْنَ مَسْؤُولِيَّاتِ الْبَيْتِ وَالْأَوْلَادِ، لَا أَجِدُ الْوَقْتَ الْكَافِيَ دَائِمًا.
نَظَرَتْ غَادَةُ إِلَيْهَا نَظْرَةً فَاحِصَةً، وَقَالَتْ بِصَرَاحَةٍ اعْتَادَتْ أَنْ تَسْتَخْدِمَهَا فِي عَمَلِهَا الْإِرْشَادِيِّ:
• سَلْمَى، سَأَكُونُ صَرِيحَةً مَعَكِ: هَذَا الْعُذْرَ أَسْمَعُهُ مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ تَقْرِيبًا أُقَابِلُهَا، وَأَفْهَمُهُ تَمَامًا، فَمَسْؤُولِيَّاتُ الْبَيْتِ حَقِيقِيَّةٌ وَثَقِيلَةٌ. لَكِنْ دَعِينِي أَسْأَلُكِ سُؤَالًا مُخْتَلِفًا: هَلْ تَشْعُرِينَ، فِي أَعْمَاقِكِ، أَنَّ الْوَقْتَ هُوَ الْعَائِقُ الْحَقِيقِيُّ، أَمْ أَنَّ ثَمَّةَ خَوْفًا أَعْمَقَ مِنَ الْفَشَلِ أَوْ مِنْ تَغْيِيرِ رُوتِينٍ اعْتَدْتِ عَلَيْهِ؟
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى، مُتَفَاجِئَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ، لَكِنَّهَا فَكَّرَتْ فِيهِ بِصِدْقٍ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
• رُبَّمَا كِلَاهُمَا مَعًا. أَخَافُ أَنْ أَبْدَأَ الدَّوْرَةَ وَأَكْتَشِفَ أَنَّنِي نَسِيتُ كُلَّ شَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ فِي الصَّيْدَلَةِ مُنْذُ تَوَقَّفْتُ عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
أَضَافَتْ سَلْمَى، بِصِدْقٍ أَعْمَقَ:
• وَثَمَّةَ خَوْفٌ آخَرُ، لَمْ أَعْتَرِفْ بِهِ لِأَحَدٍ حَتَّى الْآنَ: أَخْشَى أَنْ أَبْدَأَ هَذِهِ الدَّوْرَةَ، وَأَكْتَشِفَ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْجُهْدِ أَنَّنِي فَشِلْتُ، وَأَنَّ هَذَا الْفَشَلَ سَيُؤَكِّدُ لِي شَيْئًا كُنْتُ أَخْشَاهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ: أَنَّنِي رُبَّمَا لَمْ أَكُنْ يَوْمًا صَيْدَلَانِيَّةً جَيِّدَةً بِمَا يَكْفِي، وَأَنَّ تَرْكِي لِلْمِهْنَةِ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ بِسَبَبِ الْأَوْلَادِ، بَلْ كَانَ أَيْضًا هُرُوبًا مُرِيحًا مِنْ مُوَاجَهَةِ حُدُودِي الْمِهَنِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
اسْتَمَعَتْ غَادَةُ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الِاعْتِرَافِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، وَقَالَتْ بِلُطْفٍ:
• هَذَا اعْتِرَافٌ شُجَاعٌ جِدًّا، سَلْمَى. وَأَظُنُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ يَحْمِلْنَ الْخَوْفَ نَفْسَهُ دُونَ أَنْ يَجْرُؤْنَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الْوُضُوحِ. لَكِنْ دَعِينِي أَسْأَلُكِ: كَيْفَ سَتَعْرِفِينَ حُدُودَكِ الْحَقِيقِيَّةَ إِنْ لَمْ تُجَرِّبِي مُجَدَّدًا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ وَبِكُلِّ النُّضْجِ الَّذِي اكْتَسَبْتِهِ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ؟
• • •
اسْتَمَعَتْ غَادَةُ بِتَعَاطُفٍ، ثُمَّ قَالَتْ:
• هَذَا الْخَوْفُ طَبِيعِيٌّ جِدًّا، لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَكِ مِنَ الْمُحَاوَلَةِ. دَعِينِي أُخْبِرُكِ بِشَيْءٍ: أَنَا نَفْسِي، حِينَ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا قَبْلَ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ، كُنْتُ أَعْمَلُ مُحَاسِبَةً فِي دِمَشْقَ. تَوَقَّفْتُ عَنْ مُمَارَسَةِ الْمِهْنَةِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بِسَبَبِ ظُرُوفِ الْحَرْبِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَحِينَ وَصَلْتُ هُنَا، كُنْتُ مُتَأَكِّدَةً تَمَامًا أَنَّنِي نَسِيتُ كُلَّ شَيْءٍ.
سَأَلَتْهَا سَلْمَى بِفُضُولٍ:
• وَمَاذَا فَعَلْتِ؟
ابْتَسَمَتْ غَادَةُ، وَأَخَذَتْ رَشْفَةً مِنْ قَهْوَتِهَا قَبْلَ أَنْ تُتَابِعَ:
• فِي الْبِدَايَةِ، رَفَضْتُ تَمَامًا فِكْرَةَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْمُحَاسَبَةِ. كُنْتُ مُقْتَنِعَةً أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ مِنْ حَيَاتِي انْتَهَى، وَأَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَبْدَأَ مِنَ الصِّفْرِ فِي مَجَالٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا، أَيًّا كَانَ. عَمِلْتُ لِأَشْهُرٍ فِي مَصْنَعِ تَعْبِئَةٍ، عَمَلًا بَسِيطًا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِمَهَارَتِي الْحَقِيقِيَّةِ، لَكِنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ دَخْلًا عَلَى الْأَقَلِّ.
اسْتَمَعَتْ سَلْمَى بِانْتِبَاهٍ، وَسَأَلَتْ:
• وَمَاذَا غَيَّرَ رَأْيَكِ؟
قَالَتْ غَادَةُ:
• زَمِيلَةٌ فِي الْعَمَلِ، أَلْمَانِيَّةٌ، سَأَلَتْنِي يَوْمًا عَنْ خَلْفِيَّتِي الْمِهَنِيَّةِ، فَأَخْبَرْتُهَا بِتَرَدُّدٍ أَنَّنِي كُنْتُ مُحَاسِبَةً. أَصَرَّتْ أَنْ أُسَجِّلَ فِي دَوْرَةِ تَحْدِيثٍ، قَائِلَةً إِنَّ مَهَارَاتٍ كَهَذِهِ لَا يَجِبُ أَنْ تُهْدَرَ. سَجَّلْتُ أَخِيرًا، مَدْفُوعَةً أَكْثَرَ بِإِلْحَاحِهَا مِنْ قَنَاعَتِي الْخَاصَّةِ، وَاكْتَشَفْتُ خِلَالَ الدَّوْرَةِ أَنَّ الْمَبَادِئَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلْمُحَاسَبَةِ لَمْ تَخْتَفِ مِنْ ذَاكِرَتِي كَمَا تَوَقَّعْتُ، بَلْ كَانَتْ فَقَطْ بِحَاجَةٍ إِلَى غُبَارٍ خَفِيفٍ يُزَالُ عَنْهَا. لَكِنْ، لِلْمُفَارَقَةِ، لَمْ أَعُدْ إِلَى مِهْنَةِ الْمُحَاسَبَةِ فِي النِّهَايَةِ، بَلِ اكْتَشَفْتُ خِلَالَ تِلْكَ الدَّوْرَةِ شَغَفًا جَدِيدًا بِمُسَاعَدَةِ اللَّاجِئِينَ الْآخَرِينَ، فَكَثِيرٌ مِنْ زُمَلَائِي فِي الدَّوْرَةِ كَانُوا يُشَارِكُونَنِي الْقِصَّةَ نَفْسَهَا مِنَ الْخَوْفِ وَالتَّرَدُّدِ، فَبَدَأْتُ أُسَاعِدُهُمْ بِشَكْلٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ، ثُمَّ تَطَوَّرَ الْأَمْرُ إِلَى مَا أَفْعَلُهُ الْيَوْمَ.
• • •
أَعْجَبَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ سَلْمَى، وَسَأَلَتْهَا:
• وَهَلْ تَنْدَمِينَ عَلَى هَذَا التَّحَوُّلِ؟
فَكَّرَتْ غَادَةُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
• لَا أَنْدَمُ إِطْلَاقًا. أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ يَمْنَحُنِي مَعْنًى أَعْمَقَ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّنِي أَحْبَبْتُ مِهْنَتِي الْقَدِيمَةَ أَيْضًا. أَحْيَانًا، الْهِجْرَةُ تَفْتَحُ أَبْوَابًا لَمْ نَكُنْ لِنَطْرُقَهَا لَوْلَا هَذَا التَّحَوُّلُ الْقَسْرِيُّ فِي حَيَاتِنَا.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصِدْقٍ:
• أَنَا لَا أَبْحَثُ بِالضَّرُورَةِ عَنْ تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ مِثْلَ تَحَوُّلِكِ، أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَعُودَ إِلَى مِهْنَتِي الْقَدِيمَةِ، الصَّيْدَلَةِ، لَكِنْ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ.
قَالَتْ غَادَةُ بِحَزْمٍ لَطِيفٍ:
• إِذَنْ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجِبُ أَنْ تَفْعَلِيهِ: سَجِّلِي فِي دَوْرَةِ تَحْدِيثِ الْمَعْرِفَةِ، وَابْدَئِي بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةٍ، دُونَ أَنْ تُفَكِّرِي فِي الطَّرِيقِ بِأَكْمَلِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
• • •
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، رَافَقَتْ غَادَةُ سَلْمَى إِلَى مَكْتَبِ التَّسْجِيلِ، وَسَاعَدَتْهَا فِي مِلْءِ الْأَوْرَاقِ اللَّازِمَةِ لِدَوْرَةِ تَحْدِيثٍ مَعْرِفِيٍّ مُخَصَّصَةٍ لِلصَّيَادِلَةِ الْقَادِمِينَ مِنْ خَارِجِ الِاتِّحَادِ الْأُورُوبِّيِّ.
كَانَ الْمَكْتَبُ يَقَعُ فِي الطَّابِقِ الثَّانِي مِنْ مَبْنًى تَابِعٍ لِغُرْفَةِ الصَّيَادِلَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَجَلَسَتْ سَلْمَى أَمَامَ مُوَظَّفَةٍ شَابَّةٍ، بَيْنَمَا وَقَفَتْ غَادَةُ بِجِوَارِهَا، تُشَجِّعُهَا بِابْتِسَامَةٍ كُلَّمَا تَرَدَّدَتْ فِي الْإِجَابَةِ عَنْ سُؤَالٍ مَا.
سَأَلَتِ الْمُوَظَّفَةُ سَلْمَى عَنْ مَدَى اسْتِعْدَادِهَا لِلِالْتِزَامِ بِجَدْوَلِ الدَّوْرَةِ، وَهُوَ جَدْوَلٌ مُكَثَّفٌ يَمْتَدُّ لِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، بِمُعَدَّلِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي الْأُسْبُوعِ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِتَرَدُّدٍ أَخِيرٍ:
• هَذَا جَدْوَلٌ مُكَثَّفٌ جِدًّا. كَيْفَ سَأُوَازِنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْؤُولِيَّاتِ الْبَيْتِ؟
قَالَتْ غَادَةُ، بِثِقَةِ امْرَأَةٍ مَرَّتْ بِتَجْرِبَةٍ مُشَابِهَةٍ:
• لَنْ تُوَازِنِي بِمُفْرَدِكِ، سَلْمَى. تَحَدَّثِي مَعَ هَمَّامٍ، مَعَ كَرِيمٍ وَرَهَفَ، اطْلُبِي مِنْهُمْ مُشَارَكَةَ الْمَسْؤُولِيَّةِ بِشَكْلٍ أَكْبَرَ خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ. الْأُسْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَتَشَارَكُ الْأَعْبَاءَ، لَا تَتْرُكُهَا عَلَى كَاهِلِ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
أَضَافَتْ غَادَةُ، وَهِيَ تُلَاحِظُ تَرَدُّدَ سَلْمَى الْمُسْتَمِرَّ:
• وَأَمْرٌ آخَرُ، سَلْمَى: أَنْتِ لَسْتِ وَحْدَكِ مَنْ سَتَسْتَفِيدُ مِنْ هَذِهِ الدَّوْرَةِ. أَوْلَادُكِ سَيَرَوْنَ أُمَّهُمْ تَتَعَلَّمُ وَتَنْمُو وَتُحَقِّقُ طُمُوحَهَا الْمِهَنِيَّ، وَهَذَا دَرْسٌ أَعْمَقُ مِنْ أَيِّ دَرْسٍ مَدْرَسِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّمُوهُ. رَهَفُ تَحْدِيدًا، فِي سِنِّهَا هَذِهِ، تَحْتَاجُ أَنْ تَرَى نَمُوذَجًا لِامْرَأَةٍ تَسْتَعِيدُ طُمُوحَهَا لَا أَنْ تَتَخَلَّى عَنْهُ بِحُجَّةِ الظُّرُوفِ.
لَامَسَتْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةُ شَيْئًا عَمِيقًا فِي سَلْمَى، فَتَذَكَّرَتْ فَوْرًا حَدِيثَهَا الْأَخِيرَ مَعَ رَهَفَ حَوْلَ الثِّقَةِ وَالِاسْتِقْلَالِيَّةِ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ قَرَارَهَا هَذَا قَدْ يَحْمِلُ رِسَالَةً أَعْمَقَ لِابْنَتِهَا مِمَّا تَخَيَّلَتْ.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، تَحَدَّثَتْ سَلْمَى مَعَ هَمَّامٍ بِصَرَاحَةٍ عَنْ هَذَا التَّحَدِّي الْجَدِيدِ.
قَالَتْ:
• سَجَّلْتُ الْيَوْمَ فِي دَوْرَةِ تَحْدِيثٍ مَعْرِفِيٍّ لِلصَّيَادِلَةِ. الْجَدْوَلُ مُكَثَّفٌ جِدًّا، وَسَأَحْتَاجُ مُسَاعَدَتَكُمْ جَمِيعًا فِي الْمَنْزِلِ خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ.
أَجَابَ هَمَّامٌ بِحَمَاسَةٍ صَادِقَةٍ:
• بِالطَّبْعِ، سَلْمَى. هَذَا قَرَارٌ رَائِعٌ. سَأَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةً أَكْبَرَ فِي الْمَطْبَخِ وَالتَّسَوُّقِ، وَسَأَتَحَدَّثُ مَعَ كَرِيمٍ وَرَهَفَ لِيُسَاعِدَا أَكْثَرَ أَيْضًا.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الدَّعْمِ الْفَوْرِيِّ، وَقَالَتْ:
• أَخْشَى فَقَطْ أَلَّا أَسْتَطِيعَ مُجَارَاةَ الطُّلَّابِ الْآخَرِينَ، مُعْظَمُهُمْ أَصْغَرُ مِنِّي سِنًّا، وَرُبَّمَا أَكْثَرُ تَحْدِيثًا فِي الْمَعْرِفَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
قَالَ هَمَّامٌ بِثِقَةٍ:
• أَنْتِ تَحْمِلِينَ خِبْرَةً عَمَلِيَّةً حَقِيقِيَّةً اكْتَسَبْتِهَا عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، وَهَذِهِ مِيزَةٌ لَا يَمْلِكُهَا الطُّلَّابُ الْأَصْغَرُ سِنًّا. لَا تُقَلِّلِي مِنْ قِيمَةِ تَجْرِبَتِكِ.
أَضَافَ هَمَّامٌ، بِابْتِسَامَةٍ مُذَكِّرَةٍ:
• أَتَذَكَّرِينَ حِينَ قُلْتِ لِي، بَعْدَ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لَنَا هُنَا، إِنَّنِي لَسْتُ مُضْطَرًّا أَنْ أَكُونَ كَاتِبًا طَوَالَ الْوَقْتِ؟ أُرِيدُ أَنْ أُعِيدَ لَكِ الْجُمْلَةَ نَفْسَهَا الْآنَ: لَسْتِ مُضْطَرَّةً أَنْ تَكُونِي مِثَالِيَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِهَذِهِ الدَّوْرَةِ. اسْمَحِي لِنَفْسِكِ أَنْ تَتَعَثَّرِي قَلِيلًا فِي الْبِدَايَةِ، كَمَا سَمَحْتِ لِي أَنَا.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، مُتَأَثِّرَةً بِأَنَّ كَلِمَاتِهَا الْخَاصَّةَ عَادَتْ إِلَيْهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ:
• شُكْرًا لَكَ، يَا هَمَّامُ. أَحْتَاجُ أَنْ أَسْمَعَ هَذَا الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
• • •
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَتْ سَلْمَى مَعَ رَهَفَ تَشْرَحُ لَهَا قَرَارَهَا الْجَدِيدَ وَجَدْوَلَ الدَّوْرَةِ الْمُكَثَّفِ.
قَالَتْ رَهَفُ، بِحَمَاسَةٍ فَوْرِيَّةٍ:
• أُمِّي، هَذَا رَائِعٌ! أَخِيرًا سَتَعُودِينَ لِلْعَمَلِ فِي مَجَالِكِ الْحَقِيقِيِّ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصِدْقٍ:
• سَأَحْتَاجُ مُسَاعَدَتَكِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَنْزِلِيَّةِ خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، يَا رَهَفُ. أَعْرِفُ أَنَّ لَدَيْكِ دِرَاسَتَكِ الْخَاصَّةَ أَيْضًا.
قَالَتْ رَهَفُ، بِحَزْمٍ دَاعِمٍ:
• بِالطَّبْعِ سَأُسَاعِدُ، أُمِّي. بَلْ أَشْعُرُ بِالْفَخْرِ أَنْ أَرَى نَمُوذَجًا حَيًّا لِامْرَأَةٍ تَسْتَعِيدُ طُمُوحَهَا الْمِهَنِيَّ. هَذَا يُعْطِينِي أَمَلًا أَكْبَرَ فِي مُسْتَقْبَلِي أَنَا أَيْضًا.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ مِنْ كَلَامِ ابْنَتِهَا، وَتَذَكَّرَتْ فَوْرًا مَا قَالَتْهُ غَادَةُ عَنِ الرِّسَالَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا قَرَارُهَا لِرَهَفَ تَحْدِيدًا:
• لَمْ أَكُنْ أُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، لَكِنَّكِ مُحِقَّةٌ يَا رَهَفُ. أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّ أَيَّ حُلْمٍ تَحْمِلِينَهُ، مَهْمَا تَأَجَّلَ، يَسْتَحِقُّ أَنْ تَعُودِي إِلَيْهِ حِينَ تَتَهَيَّأُ الظُّرُوفُ، مَهْمَا طَالَ الِانْتِظَارُ.
• • •
بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ بَدْءِ الدَّوْرَةِ، جَلَسَتْ سَلْمَى مَعَ غَادَةَ مُجَدَّدًا، هَذِهِ الْمَرَّةَ لِتُشَارِكَهَا تَقَدُّمَهَا.
قَالَتْ سَلْمَى بِحَمَاسَةٍ وَاضِحَةٍ:
• لَنْ تُصَدِّقِي، لَكِنَّنِي أَسْتَمْتِعُ بِالدِّرَاسَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. صَحِيحٌ أَنَّ بَعْضَ الْمُصْطَلَحَاتِ الْجَدِيدَةِ تَحْتَاجُ مِنِّي جُهْدًا إِضَافِيًّا، لَكِنَّ الْمَبَادِئَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلصَّيْدَلَةِ عَادَتْ إِلَيَّ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا كُنْتُ أَخْشَى.
ابْتَسَمَتْ غَادَةُ بِفَخْرٍ:
• أَخْبَرْتُكِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْقَدِيمَةَ لَا تَخْتَفِي بِسُهُولَةٍ، بَلْ تَحْتَاجُ فَقَطْ لِمَنْ يُعِيدُ إِيقَاظَهَا.
سَأَلَتْهَا غَادَةُ بِفُضُولٍ:
• وَكَيْفَ يَتَعَامَلُ هَمَّامٌ وَالْأَوْلَادُ مَعَ غِيَابِكِ الْمُتَكَرِّرِ خِلَالَ أَيَّامِ الدَّوْرَةِ؟
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى:
• بِشَكْلٍ أَفْضَلَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ، بِصَرَاحَةٍ. هَمَّامٌ أَصْبَحَ طَاهِيًا لَا بَأْسَ بِهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَعْضِ الْكَوَارِثِ الصَّغِيرَةِ فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ. كَرِيمٌ يُسَاعِدُ فِي التَّسَوُّقِ، وَرَهَفُ تَتَوَلَّى بَعْضَ شُؤُونِ الْمَنْزِلِ الصَّغِيرَةِ. شَعَرْتُ فِي الْبِدَايَةِ بِالذَّنْبِ لِتَحْمِيلِهِمْ هَذَا الْعِبْءَ الْإِضَافِيَّ، لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَحَدَّثْتِ عَنْهُ: تَشَارُكُ الْأَعْبَاءِ بَدَلَ تَرْكِهَا عَلَى كَاهِلِي وَحْدِي.
قَالَتْ غَادَةُ:
• وَهَلْ لَاحَظْتِ أَيَّ تَغْيِيرٍ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَكِ وَبَيْنَ هَمَّامٍ خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
• نَعَمْ، فِي الْحَقِيقَةِ. أَشْعُرُ أَنَّنَا أَصْبَحْنَا أَقْرَبَ، لَا أَبْعَدَ كَمَا كُنْتُ أَخْشَى. حِينَ كُنْتُ أَقْضِي كُلَّ وَقْتِي فِي رِعَايَةِ الْبَيْتِ وَالْأَوْلَادِ، كَانَ حَدِيثُنَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّفَاصِيلِ الْيَوْمِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ. الْآنَ، حِينَ أَعُودُ مِنَ الدَّوْرَةِ مُتَحَمِّسَةً لِمَا تَعَلَّمْتُهُ، نَتَحَدَّثُ عَنْ أَشْيَاءَ أَعْمَقَ، عَنْ أَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ، عَنْ تَجَارِبِ زُمَلَائِي فِي الدَّوْرَةِ. أَشْعُرُ أَنَّ لَدَيَّ مَا أُشَارِكُهُ مَعَهُ، لَا أَنْ أَكُونَ فَقَطْ مَنْ تَسْتَمِعُ لِأَحَادِيثِهِ عَنِ الْكِتَابَةِ وَالتَّرْجَمَةِ.
أَضَاءَتْ عَيْنَا غَادَةَ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
• هَذَا بِالضَّبْطِ مَا لَاحَظْتُهُ أَنَا أَيْضًا فِي زَوَاجِي الْخَاصِّ، حِينَ بَدَأْتُ الْعَمَلَ فِي هَذَا الْمَجَالِ. الشَّرَاكَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَحْتَاجُ طَرَفَيْنِ يَمْلِكُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَالَمَهُ الْخَاصَّ، لَا طَرَفًا وَاحِدًا يَمْنَحُ كُلَّ شَيْءٍ وَالْآخَرَ يَسْتَقْبِلُ فَقَطْ.
أَضَافَتْ سَلْمَى:
• اكْتَشَفْتُ أَيْضًا أَنَّنِي أُحِبُّ التَّوَاصُلَ مَعَ زُمَلَاءِ الدِّرَاسَةِ الْجُدُدِ، مُعْظَمُهُمْ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: عِرَاقِيُّونَ، أَفْغَانٌ، حَتَّى بَعْضُ الْأُورُوبِّيِّينَ مِنْ دُوَلٍ أُخْرَى جَاؤُوا لِمُعَادَلَةِ شَهَادَاتِهِمْ هُنَا. أَشْعُرُ بِانْتِمَاءٍ جَدِيدٍ لِمُجْتَمَعٍ مِهَنِيٍّ، لَا لِمُجْتَمَعِ اللَّاجِئِينَ فَقَطْ.
سَأَلَتْهَا غَادَةُ:
• هَلْ كَوَّنْتِ صَدَاقَاتٍ حَقِيقِيَّةً مَعَ أَيٍّ مِنْهُمْ؟
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى:
• نَعَمْ، تَحْدِيدًا مَعَ زَمِيلَةٍ عِرَاقِيَّةٍ اسْمُهَا نُورُ، وَصَلَتْ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ سَنَتَيْنِ، وَتَمُرُّ بِمَرْحَلَةٍ مُشَابِهَةٍ تَمَامًا لِمَرْحَلَتِي. نَتَبَادَلُ مُلَاحَظَاتِ الدِّرَاسَةِ، وَنُشَجِّعُ بَعْضَنَا حِينَ تَشْعُرُ إِحْدَانَا بِالْإِحْبَاطِ مِنْ صُعُوبَةِ مُصْطَلَحٍ أَوْ مَفْهُومٍ جَدِيدٍ.
قَالَتْ غَادَةُ بِحَمَاسَةٍ:
• هَذَا بِالضَّبْطِ جَوْهَرُ مَا أُحَاوِلُ أَنْ أَبْنِيَهُ مِنْ خِلَالِ عَمَلِي: شَبَكَاتُ دَعْمٍ بَيْنَ النِّسَاءِ، تَتَجَاوَزُ الْجِنْسِيَّةَ وَالْخَلْفِيَّةَ، لِأَنَّ التَّجْرِبَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ لِلْبَدْءِ مِنْ جَدِيدٍ تَتَشَابَهُ كَثِيرًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ بَلَدٍ أَتَيْنَا مِنْهُ.
اسْتَمَعَتْ سَلْمَى بِإِعْجَابٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ سُؤَالًا كَانَ يَشْغَلُهَا مُنْذُ فَتْرَةٍ:
• غَادَةُ، هَلْ فَكَّرْتِ يَوْمًا فِي تَأْسِيسِ شَيْءٍ أَكْبَرَ؟ مَجْمُوعَةٍ رَسْمِيَّةٍ، أَوْ حَتَّى مُنَظَّمَةٍ صَغِيرَةٍ تُسَاعِدُ نِسَاءً أُخْرَيَاتٍ بِشَكْلٍ أَوْسَعَ مِمَّا تَفْعَلِينَهُ الْآنَ بِمُفْرَدِكِ؟
تَوَقَّفَتْ غَادَةُ، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَامَسَ حُلْمًا لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ:
• فِي الْحَقِيقَةِ، فَكَّرْتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا. أَحْلُمُ بِتَأْسِيسِ مَرْكَزٍ صَغِيرٍ، يُقَدِّمُ اسْتِشَارَاتٍ مِهَنِيَّةً وَنَفْسِيَّةً لِلنِّسَاءِ اللَّاجِئَاتِ، بِشَكْلٍ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا مِمَّا أَفْعَلُهُ الْآنَ كَمُتَطَوِّعَةٍ فَرْدِيَّةٍ. لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ شُرَكَاءَ، وَتَمْوِيلًا، وَخِبْرَةً إِدَارِيَّةً لَا أَمْلِكُهَا بِمُفْرَدِي.
قَالَتْ سَلْمَى، بِحَمَاسَةٍ مُفَاجِئَةٍ:
• رُبَّمَا يُمْكِنُنِي الْمُسَاعَدَةُ يَوْمًا، بَعْدَ أَنْ أُنْهِيَ هَذِهِ الدَّوْرَةَ وَأَسْتَقِرَّ فِي عَمَلِي. أَشْعُرُ أَنَّنِي مَدِينَةٌ لَكِ بِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْخُطْوَةِ الَّتِي بَدَأْتُهَا، وَأَوَدُّ أَنْ أَرُدَّ الْجَمِيلَ بِطَرِيقَةٍ مَا.
ابْتَسَمَتْ غَادَةُ، مُتَأَثِّرَةً بِهَذَا الْعَرْضِ الصَّادِقِ:
• سَلْمَى، إِنْ كَانَ هَذَا الْعَرْضُ جَادًّا، فَسَأَحْمِلُهُ مَعِي كَأَمَلٍ حَقِيقِيٍّ لِلْمُسْتَقْبَلِ. رُبَّمَا، يَوْمًا مَا، سَنَبْنِي هَذَا الْحُلْمَ مَعًا.
قَالَتْ غَادَةُ، بِابْتِسَامَةٍ عَمِيقَةٍ، وَهِيَ تَخْتَتِمُ لِقَاءَهُمَا:
• هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ آمُلُ أَنْ تَكْتَشِفِيهِ، يَا سَلْمَى. الِانْدِمَاجُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنْ هُوِيَّتِكِ، بَلْ إِيجَادَ مُجْتَمَعَاتٍ جَدِيدَةٍ تَنْتَمِينَ إِلَيْهَا بِحُكْمِ مَهَارَتِكِ وَشَغَفِكِ، لَا بِحُكْمِ ظُرُوفِكِ فَقَطْ.
افْتَرَقَتَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَحْمِلُ مَعَهَا بَذْرَةً جَدِيدَةً مِنَ الْأَمَلِ: سَلْمَى بِمُسْتَقْبَلِهَا الْمِهَنِيِّ الْقَرِيبِ، وَغَادَةُ بِحُلْمٍ أَكْبَرَ بَدَأَ يَتَشَكَّلُ مَلَامِحُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، بِفَضْلِ صَدَاقَةٍ نَمَتْ مِنْ لِقَاءٍ عَابِرٍ فِي مَكْتَبٍ حُكُومِيٍّ بَارِدٍ، لِتَتَحَوَّلَ إِلَى شَرَاكَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَحْمِلُ وَعْدًا بِمُسْتَقْبَلٍ مُشْتَرَكٍ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 19


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 17