قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 20

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ
دَخَلَتْ مَنَالُ غُرْفَةَ ابْنِهَا عَدْنَانَ بَحْثًا عَنْ سَمَّاعَاتِهَا الَّتِي اسْتَعَارَهَا مِنْهَا، فَوَجَدَتْ عَلَى مَكْتَبِهِ سَجَّادَةَ الصَّلَاةِ مَطْوِيَّةً فِي الزَّاوِيَةِ، عَلَيْهَا طَبَقَةُ غُبَارٍ خَفِيفَةٌ تُوحِي أَنَّهَا لَمْ تُسْتَخْدَمْ مُنْذُ أَسَابِيعَ. تَوَقَّفَتْ طَوِيلًا أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الصَّغِيرِ، تَشْعُرُ بِثِقْلٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ مِنْ تَفْصِيلٍ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ.
تَذَكَّرَتْ مَنَالُ كَيْفَ كَانَ عَدْنَانُ، فِي دِمَشْقَ، يُصَلِّي بِانْتِظَامٍ مَعَ وَالِدِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ مِنْ بَيْتِهِمْ، وَكَيْفَ كَانَ يَفْخَرُ بِحِفْظِهِ لِأَجْزَاءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمَدْرَسَةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي الْتَحَقَ بِهَا لِسَنَوَاتٍ. كُلُّ هَذَا بَدَا الْآنَ بَعِيدًا، كَأَنَّهُ يَنْتَمِي إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى عَاشَهَا ابْنٌ آخَرُ، لَا الشَّابُّ الَّذِي أَصْبَحَ عَلَيْهِ عَدْنَانُ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْقَلِيلَةِ مُنْذُ وُصُولِهِمْ إِلَى أَلْمَانِيَا.
فِي الْمَسَاءِ، سَأَلَتْهُ بِحَذَرٍ، وَهُمَا يَتَنَاوَلَانِ الْعَشَاءَ:
– عَدْنَانُ، مَتَى صَلَّيْتَ آخِرَ مَرَّةٍ؟
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنِ الْأَكْلِ، وَبَدَا عَلَيْهِ ارْتِبَاكٌ وَاضِحٌ:
– لِمَاذَا تَسْأَلِينَ، يَا أُمِّي؟
– رَأَيْتُ سَجَّادَةَ الصَّلَاةِ فِي زَاوِيَتِكَ، عَلَيْهَا غُبَارٌ. لَاحَظْتُ أَنَّكَ لَمْ تَعُدْ تُصَلِّي مَعَنَا فِي الْبَيْتِ كَمَا اعْتَدْتَ.
صَمَتَ عَدْنَانُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ مُبَاغِتٍ:
– لَمْ أَعُدْ مُتَأَكِّدًا مِمَّا أُؤْمِنُ بِهِ، يَا أُمِّي. لَا أَقْصِدُ أَنَّنِي تَخَلَّيْتُ عَنِ الدِّينِ كُلِّيًّا، لَكِنَّ أَسْئِلَةً كَثِيرَةً بَدَأَتْ تُرَاوِدُنِي مُنْذُ وُصُولِنَا هُنَا، وَلَمْ أَجِدْ إِجَابَاتٍ مُقْنِعَةً لَهَا بَعْدُ.
——————————
شَعَرَتْ مَنَالُ بِصَدْمَةٍ عَمِيقَةٍ، وَسَأَلَتْ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ:
– أَيُّ أَسْئِلَةٍ؟
فَكَّرَ عَدْنَانُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصَرَاحَةٍ:
– أَسْئِلَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا: عَنْ مَعْنَى الْعِبَادَاتِ الَّتِي اعْتَدْنَا عَلَيْهَا بِلَا تَفْكِيرٍ، عَنْ سَبَبِ اخْتِلَافِ النَّاسِ هُنَا فِي مُعْتَقَدَاتِهِمْ دُونَ أَنْ يُعَاقِبَ أَحَدٌ أَحَدًا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، عَنْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِأُنَاسٍ طَيِّبِينَ حَقًّا، لَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُؤْمِنُ بِهِ، أَنْ يَعِيشُوا حَيَاةً أَخْلَاقِيَّةً كَامِلَةً دُونَ الدِّينِ الَّذِي رُبِّينَا عَلَى أَنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ أَخْلَاقٍ.
اسْتَمَعَتْ مَنَالُ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، وَقَالَتْ:
– هَذِهِ أَسْئِلَةٌ خَطِيرَةٌ، يَا عَدْنَانُ. أَخْشَى أَنْ تَبْتَعِدَ كُلِّيًّا عَنْ دِينِنَا بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّكُوكِ.
قَالَ عَدْنَانُ بِهُدُوءٍ:
– لَا أُرِيدُ أَنْ أَبْتَعِدَ، يَا أُمِّي. أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَفْهَمَ إِيمَانِي بِعُمْقٍ أَكْبَرَ، لَا أَنْ أُمَارِسَهُ فَقَطْ لِأَنَّهُ عَادَةٌ وَرِثْتُهَا دُونَ تَفْكِيرٍ حَقِيقِيٍّ.
——————————
كَانَتْ شَقِيقَتُهُ الصُّغْرَى، لَمَى، ذَاتُ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا، تَسْتَمِعُ إِلَى هَذَا الْحِوَارِ مِنْ طَرَفِ الطَّاوِلَةِ، وَتَدَخَّلَتْ فَجْأَةً بِجُرْأَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ مِنْ عُمْرِهَا:
– أُمِّي، أَنَا أَيْضًا لَدَيَّ أَسْئِلَةٌ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أَطْرَحَهَا لِأَنَّكِ سَتَنْزَعِجِينَ مِثْلَمَا انْزَعَجْتِ الْآنَ مِنْ أَسْئِلَةِ عَدْنَانَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهَا مَنَالُ بِمُفَاجَأَةٍ، مَمْزُوجَةً بِقَلَقٍ مُضَاعَفٍ:
– مَا هِيَ أَسْئِلَتُكِ، يَا لَمَى؟
قَالَتْ لَمَى، بِصِدْقٍ طُفُولِيٍّ مُبَاشِرٍ:
– صَدِيقَتِي فِي الْمَدْرَسَةِ، هَانَا، لَا تُؤْمِنُ بِأَيِّ دِينٍ، وَهِيَ أَفْضَلُ إِنْسَانَةٍ أَعْرِفُهَا تَقْرِيبًا. تُسَاعِدُ الْجَمِيعَ، لَا تَكْذِبُ أَبَدًا، وَتَحْتَرِمُ كُلَّ شَخْصٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ دِينِهِ. لِمَاذَا أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّ بَعْضَ الْكِبَارِ يَقُولُونَ إِنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا أَخْلَاقِيِّينَ، بَيْنَمَا هَانَا تُثْبِتُ الْعَكْسَ كُلَّ يَوْمٍ أَمَامِي؟
شَعَرَتْ مَنَالُ بِثِقْلٍ مُضَاعَفٍ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ، الْقَادِمِ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنِ ابْنَتِهَا الصُّغْرَى الَّتِي لَمْ تَتَوَقَّعْ مِنْهَا هَذَا الْعُمْقَ فِي التَّفْكِيرِ:
– أَسْئِلَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا لِعُمْرِكِ، يَا لَمَى.
قَالَتْ لَمَى بِبَرَاءَةٍ:
– لَكِنَّهَا أَسْئِلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، أُمِّي. أَرَاهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي الْمَدْرَسَةِ.
جَلَسَتْ مَنَالُ بِجِوَارِ ابْنَتِهَا الصُّغْرَى، وَحَاوَلَتْ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ بَدَلَ أَنْ تَتَجَنَّبَ السُّؤَالَ:
– أَظُنُّ، يَا لَمَى، أَنَّ الْأَخْلَاقَ وَالدِّينَ مُرْتَبِطَانِ فِي تَرْبِيَتِنَا، لَكِنَّهُمَا لَيْسَا الشَّيْءَ نَفْسَهُ بِالضَّرُورَةِ. يُمْكِنُ لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَخْلَاقِيًّا جِدًّا دُونَ دِينٍ رَسْمِيٍّ، لِأَنَّ الْأَخْلَاقَ قِيمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَامَّةٌ، لَا حِكْرًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَحْدَهُمْ. لَكِنْ، بِالنِّسْبَةِ لِي شَخْصِيًّا، دِينِي يَمْنَحُنِي إِطَارًا وَمَعْنًى أَعْمَقَ لِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ، لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْرَحُ هَذَا بِشَكْلٍ أَفْضَلَ الْآنَ، لَكِنَّنِي أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأُفَكِّرُ فِي إِجَابَةٍ أَوْضَحَ لَكِ.
قَالَتْ لَمَى، مُقْتَنِعَةً جُزْئِيًّا:
– شُكْرًا لِأَنَّكِ لَمْ تَغْضَبِي مِنْ سُؤَالِي، أُمِّي. كُنْتُ أَخْشَى ذَلِكَ.
ابْتَسَمَتْ مَنَالُ، وَضَمَّتِ ابْنَتَهَا:
– لَنْ أَغْضَبَ أَبَدًا مِنْ سُؤَالٍ صَادِقٍ، يَا لَمَى. الْغَضَبُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ هُوَ مَا يَدْفَعُ أَبْنَاءَنَا لِلْبَحْثِ عَنْ إِجَابَاتٍ بَعِيدًا عَنَّا، لَا مَعَنَا.
——————————
أَخْبَرَتْ مَنَالُ فِرَاسًا بِهَذَا الِاكْتِشَافِ فِي الْمَسَاءِ، فَاسْتَقْبَلَهُ بِقَلَقٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ.
قَالَ فِرَاسٌ، بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ:
– يَجِبُ أَنْ نَتَحَدَّثَ مَعَهُ بِجِدِّيَّةٍ. لَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْمَحَ لَهُ بِالِانْجِرَافِ بَعِيدًا عَنْ قِيَمِنَا الْأَسَاسِيَّةِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
قَالَتْ مَنَالُ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ حِدَّتِهِ:
– أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَحْتَاجُ حِوَارًا هَادِئًا، لَا مُوَاجَهَةً حَادَّةً قَدْ تَدْفَعُهُ لِلتَّمَرُّدِ أَكْثَرَ.
لَكِنَّ فِرَاسًا، الْمُنْشَغِلَ أَصْلًا بِضَغْطِ دِرَاسَتِهِ الْمُكَثَّفَةِ لِامْتِحَانِ مُعَادَلَةِ شَهَادَتِهِ الطِّبِّيَّةِ، كَانَ أَقَلَّ صَبْرًا مِنَ الْمُعْتَادِ:
– لَيْسَ لَدَيَّ وَقْتٌ لِحِوَارَاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ مُرَاهِقٍ يُشَكِّكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّهُ لَنْ يَتَخَلَّى عَنْ قِيَمِهِ الْأَسَاسِيَّةِ بَيْنَمَا أَنَا مَشْغُولٌ بِمُحَاوَلَةِ إِنْقَاذِ مُسْتَقْبَلِنَا الْمِهَنِيِّ هُنَا.
——————————
شَعَرَتْ مَنَالُ بِضِيقٍ مِنْ نَبْرَةِ فِرَاسٍ، وَقَالَتْ بِصَرَاحَةٍ:
– فِرَاسُ، هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ. أَنْتَ غَارِقٌ فِي دِرَاسَتِكَ لِدَرَجَةِ أَنَّكَ لَمْ تَعُدْ تُلَاحِظُ مَا يَحْدُثُ لِأَبْنَائِنَا. عَدْنَانُ يَحْتَاجُ أَبًا حَاضِرًا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، لَا أَبًا مَشْغُولًا بِمُصْطَلَحَاتٍ طِبِّيَّةٍ فَقَطْ.
تَوَقَّفَ فِرَاسٌ، مُتَأَثِّرًا بِحِدَّةِ هَذَا الِاتِّهَامِ:
– أَعْرِفُ أَنَّنِي مُقَصِّرٌ، لَكِنَّنِي أَفْعَلُ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِ مُسْتَقْبَلِ الْعَائِلَةِ كُلِّهَا، بِمَنْ فِيهِمْ عَدْنَانُ.
قَالَتْ مَنَالُ، بِصِدْقٍ مُؤْلِمٍ:
– مُسْتَقْبَلٌ بِلَا حَاضِرٍ مُشْتَرَكٍ لَنْ يَعْنِيَ شَيْئًا، يَا فِرَاسُ. عَدْنَانُ يَحْتَاجُكَ الْآنَ، لَا بَعْدَ سَنَتَيْنِ حِينَ تَحْصُلُ أَخِيرًا عَلَى تَرْخِيصِكَ الطِّبِّيِّ.
——————————
تَصَاعَدَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَى مُوَاجَهَةٍ أَكْبَرَ، تَجَاوَزَتْ مَوْضُوعَ عَدْنَانَ لِتُلَامِسَ شُقُوقًا أَعْمَقَ فِي عَلَاقَتِهِمَا بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ مُنْذُ وُصُولِهِمَا إِلَى أَلْمَانِيَا.
قَالَتْ مَنَالُ، بِصَرَاحَةٍ لَمْ تَعْتَدْ اسْتِخْدَامَهَا بِهَذِهِ الْحِدَّةِ:
– أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنِي أُرَبِّي أَبْنَاءَنَا وَحْدِي، يَا فِرَاسُ. أَنْتَ حَاضِرٌ جَسَدِيًّا، لَكِنَّكَ غَائِبٌ ذِهْنِيًّا مُعْظَمَ الْوَقْتِ، غَارِقٌ فِي بِطَاقَاتِ الْمُصْطَلَحَاتِ وَالِامْتِحَانَاتِ التَّجْرِيبِيَّةِ.
قَالَ فِرَاسٌ، بِدِفَاعِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
– وَأَنَا أَشْعُرُ أَنَّكِ لَا تُقَدِّرِينَ حَجْمَ الضَّغْطِ الَّذِي أَتَحَمَّلُهُ. أُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَعِيدَ هُوِيَّتِي الْمِهَنِيَّةَ كَامِلَةً، لَا أَنْ أَتَخَلَّى عَنْهَا كَمَا فَعَلَ كَثِيرُونَ قَبْلِي.
رَفَعَتْ مَنَالُ صَوْتَهَا قَلِيلًا، بِانْفِعَالٍ لَمْ تَعْتَدْ إِظْهَارَهُ أَمَامَ فِرَاسٍ:
– وَأَنَا أَيْضًا كَانَ لَدَيَّ هُوِيَّةٌ مِهَنِيَّةٌ، يَا فِرَاسُ! كُنْتُ صَيْدَلَانِيَّةً نَاجِحَةً فِي دِمَشْقَ، وَتَخَلَّيْتُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِصَمْتٍ لِأَرْعَى أَطْفَالَنَا وَأَدْعَمَ طُمُوحَكَ أَنْتَ. لَمْ أَسْمَعْ مِنْكَ يَوْمًا سُؤَالًا وَاحِدًا عَمَّا إِذَا كُنْتُ أَنَا أَيْضًا أَفْتَقِدُ شَيْئًا مِنْ هُوِيَّتِي الْقَدِيمَةِ.
تَوَقَّفَ فِرَاسٌ، مَصْدُومًا مِنْ حِدَّةِ هَذَا الِاعْتِرَافِ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ زَوْجَتِهِ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ:
– لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكِ تَشْعُرِينَ بِكُلِّ هَذَا الْغَضَبِ الْمَكْبُوتِ.
قَالَتْ مَنَالُ، بِدُمُوعٍ بَدَأَتْ تُفْلِتُ رَغْمًا عَنْهَا:
– لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أُثْقِلَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ مَشْغُولٌ بِامْتِحَانَاتِكَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَكُونَ الزَّوْجَةَ الدَّاعِمَةَ الَّتِي لَا تَشْتَكِي. لَكِنَّنِي تَعِبْتُ، يَا فِرَاسُ. تَعِبْتُ مِنْ أَنْ أَكُونَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تُلَاحِظُ تَفَاصِيلَ حَيَاةِ أَبْنَائِنَا، بَيْنَمَا تَعِيشُ أَنْتَ فِي عَالَمٍ مُوَازٍ مِنَ الْمُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ وَالِامْتِحَانَاتِ.
قَالَ فِرَاسٌ، بِذَنْبٍ وَاضِحٍ:
– أَعْتَذِرُ، مَنَالُ. لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ حَجْمَ هَذَا الْعِبْءِ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ وَحْدَكِ.
قَالَتْ مَنَالُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا لَكِنَّهُ يَحْمِلُ ثِقَلًا حَقِيقِيًّا:
– أَفْهَمُ طُمُوحَكَ، وَأَدْعَمُهُ حَقًّا. لَكِنَّنِي أَخْشَى أَنْ نَسْتَيْقِظَ يَوْمًا، بَعْدَ أَنْ تَحْصُلَ أَخِيرًا عَلَى تَرْخِيصِكَ، فَنَجِدَ أَنَّ أَبْنَاءَنَا كَبِرُوا بَعِيدًا عَنَّا، وَأَنَّ زَوَاجَنَا نَفْسَهُ أَصْبَحَ مُجَرَّدَ شَرَاكَةٍ إِدَارِيَّةٍ لِتَرْبِيَةِ أَطْفَالٍ، لَا عَلَاقَةً حَقِيقِيَّةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ.
——————————
صَمَتَ فِرَاسٌ طَوِيلًا، مُتَأَثِّرًا بِعُمْقِ هَذَا الْقَلَقِ الَّذِي عَبَّرَتْ عَنْهُ مَنَالُ:
– هَلْ تَشْعُرِينَ بِهَذَا فِعْلًا؟ أَنَّ زَوَاجَنَا أَصْبَحَ مُجَرَّدَ شَرَاكَةٍ إِدَارِيَّةٍ؟
فَكَّرَتْ مَنَالُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ مُؤْلِمٍ:
– أَحْيَانًا، نَعَمْ. أَشْعُرُ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ فَقَطْ عَنْ جَدَاوِلِ الْأَوْلَادِ، عَنْ فَوَاتِيرَ، عَنْ مَوَاعِيدِ امْتِحَانَاتِكَ. مَتَى تَحَدَّثْنَا آخِرَ مَرَّةٍ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِ عَمَلِيٍّ، عَنْ أَحْلَامِنَا، عَنْ مَخَاوِفِنَا الْحَقِيقِيَّةِ؟
شَعَرَ فِرَاسٌ بِوَخْزَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَأَدْرَكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجَابَةً سَرِيعَةً عَلَيْهِ:
– لَا أَتَذَكَّرُ بِصَرَاحَةٍ. رُبَّمَا مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا، تَحَوَّلَتْ كُلُّ أَحَادِيثِنَا إِلَى أَحَادِيثَ عَمَلِيَّةٍ بَحْتَةٍ.
سَأَلَتْهُ مَنَالُ، بِصِدْقٍ يَحْمِلُ خَوْفًا حَقِيقِيًّا:
– هَلْ مَا زِلْتَ تُحِبُّنِي، يَا فِرَاسُ؟ لَا أَقْصِدُ الْحُبَّ النَّظَرِيَّ، بَلْ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الْحُبِّ الَّذِي يَجْعَلُكَ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ تَفَاصِيلَ يَوْمِي، لَا فَقَطْ أَنْ تَتَأَكَّدَ أَنَّ الْأَوْلَادَ بِخَيْرٍ وَالْبَيْتَ مُنَظَّمٌ؟
تَأَثَّرَ فِرَاسٌ بِهَذَا السُّؤَالِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا:
– أُحِبُّكِ، مَنَالُ، وَأَعِدُكِ أَنَّ هَذَا الْحُبَّ لَمْ يَتَغَيَّرْ. لَكِنَّنِي أَعْتَرِفُ أَنَّنِي سَمَحْتُ لِلضَّغْطِ الْيَوْمِيِّ أَنْ يَحْجُبَ تَعْبِيرِي عَنْ هَذَا الْحُبِّ. سَأُصْلِحُ هَذَا، أَعِدُكِ.
قَالَتْ مَنَالُ، بِصِدْقٍ مَمْزُوجٍ بِأَمَلٍ حَذِرٍ:
– لَا أُرِيدُ وُعُودًا كُبْرَى، يَا فِرَاسُ. أُرِيدُ فَقَطْ خُطُوَاتٍ صَغِيرَةً: عَشَاءٌ أُسْبُوعِيٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهِ عَنْ أَنْفُسِنَا فَقَطْ، لَا عَنِ الْأَوْلَادِ أَوِ الِامْتِحَانَاتِ. نُزْهَةٌ قَصِيرَةٌ مَعًا كُلَّ أُسْبُوعَيْنِ. أَشْيَاءُ بَسِيطَةٌ تُذَكِّرُنَا أَنَّنَا زَوْجَانِ، لَا فَقَطْ شَرِيكَانِ فِي إِدَارَةِ أَزْمَةٍ.
——————————
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قَرَّرَ فِرَاسٌ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ضَغْطِ دِرَاسَتِهِ، أَنْ يُخَصِّصَ مَسَاءً كَامِلًا لِلْجُلُوسِ مَعَ عَدْنَانَ، دُونَ أَيِّ حَدِيثٍ عَنِ الْمُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ أَوْ جَدْوَلِ دِرَاسَتِهِ.
جَلَسَا فِي الْحَدِيقَةِ، وَسَأَلَهُ فِرَاسٌ بِصِدْقٍ:
– أَخْبِرْنِي، عَدْنَانُ، بِكُلِّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تَشْغَلُ بَالَكَ. أَعِدُكَ أَنَّنِي سَأَسْتَمِعُ دُونَ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْكَ أَوْ أَتَسَرَّعَ فِي الرَّدِّ.
تَفَاجَأَ عَدْنَانُ مِنْ هَذَا التَّغَيُّرِ الْمُفَاجِئِ فِي نَبْرَةِ وَالِدِهِ، وَبَدَأَ يُشَارِكُ أَسْئِلَتَهُ بِصَرَاحَةٍ أَكْبَرَ: عَنِ الْعَدَالَةِ، عَنْ مَعْنَى الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ، عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا تَرَبَّى عَلَيْهِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ قِيَمٍ مُخْتَلِفَةٍ يَحْتَرِمُهَا فِي أَصْدِقَائِهِ الْأَلْمَانِ الْجُدُدِ.
قَالَ عَدْنَانُ، بِصِدْقٍ مُتَزَايِدٍ:
– أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي تَرَبَّيْنَا عَلَيْهِ كَانَ مَجْمُوعَةً مِنَ الطُّقُوسِ الْمَحْفُوظَةِ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ فَهْمًا حَقِيقِيًّا. أُصَلِّي لِأَنَّنِي اعْتَدْتُ الصَّلَاةَ، لَا لِأَنَّنِي أَفْهَمُ بِعُمْقٍ لِمَاذَا أُصَلِّي أَوْ مَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ لِعَلَاقَتِي بِاللهِ.
اسْتَمَعَ فِرَاسٌ بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، مُتَأَثِّرًا بِعُمْقِ هَذَا الِاعْتِرَافِ:
– أَعْتَقِدُ أَنَّكَ تُلَامِسُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا، يَا عَدْنَانُ. رُبَّمَا أَنَا نَفْسِي أُصَلِّي أَحْيَانًا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، بِالْعَادَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْفَهْمِ الْعَمِيقِ. لَعَلَّ أَزْمَتَكَ هَذِهِ فُرْصَةٌ لَنَا كِلَيْنَا لِنُعِيدَ اكْتِشَافَ إِيمَانِنَا بِوَعْيٍ أَكْبَرَ، لَا أَنْ أَفْرِضَ عَلَيْكَ إِيمَانِيَ الْجَاهِزَ فَحَسْبُ.
سَأَلَهُ عَدْنَانُ، بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
– وَكَيْفَ تَقْتَرِحُ أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ؟
فَكَّرَ فِرَاسٌ قَلِيلًا، ثُمَّ اقْتَرَحَ:
– مَاذَا لَوْ قَرَأْنَا مَعًا، أَنَا وَأَنْتَ، كُتُبًا عَنِ الْفَلْسَفَةِ الدِّينِيَّةِ، عَنْ أَسْئِلَةٍ مُشَابِهَةٍ طَرَحَهَا مُفَكِّرُونَ مُسْلِمُونَ كِبَارٌ عَبْرَ التَّارِيخِ؟ رُبَّمَا نَجِدُ فِيهَا أَجْوِبَةً لَمْ نُفَكِّرْ فِيهَا مِنْ قَبْلُ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ نَتَعَلَّمُ كَيْفَ صَاغَ آخَرُونَ أَسْئِلَةً مُشَابِهَةً لِأَسْئِلَتِكَ.
أَشْرَقَ وَجْهُ عَدْنَانَ بِحَمَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ:
– أُحِبُّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ كَثِيرًا، أَبِي. أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ تَطْلُبَ مِنِّي فَقَطْ أَنْ أُصَلِّيَ دُونَ أَنْ أَفْهَمَ لِمَاذَا.
اسْتَمَعَ فِرَاسٌ بِصَبْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، ثُمَّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ:
– لَا أَمْلِكُ إِجَابَاتٍ جَاهِزَةً لِكُلِّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، يَا عَدْنَانُ. لَكِنَّنِي أَعِدُكَ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ، أَنَّنِي سَأُخَصِّصُ وَقْتًا مُنْتَظَمًا لِلْحَدِيثِ مَعَكَ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، لَا أَنْ أَتْرُكَكَ تُوَاجِهُهَا وَحْدَكَ. وَالثَّانِي، أَنَّنِي سَأُحَاوِلُ أَنْ أَعِيشَ إِيمَانِي بِوَعْيٍ أَكْبَرَ أَنَا نَفْسِي، لَا أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ إِيمَانًا أَعْمَى لَمْ أَعُدْ أُمَارِسُهُ بِصِدْقٍ كَافٍ حَتَّى أَنَا نَفْسِي.
——————————
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ هَذِهِ الْمُحَادَثَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْعَائِلَةُ تَتَنَاوَلُ الْعَشَاءَ مَعًا، لَاحَظَتْ مَنَالُ أَنَّ عَدْنَانَ أَخْرَجَ سَجَّادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ زَاوِيَتِهَا، وَوَضَعَهَا بِجِوَارِ سَجَّادَةِ وَالِدِهِ، دُونَ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ بِشَكْلٍ صَرِيحٍ.
لَمْ تَسْأَلْهُ مَنَالُ عَنِ السَّبَبِ، لَكِنَّهَا تَبَادَلَتْ نَظْرَةً مَعَ فِرَاسٍ، الَّذِي ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، مُدْرِكًا أَنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ الصَّغِيرَ لَمْ يَأْتِ مِنْ مَوْعِظَةٍ أَوْ إِلْزَامٍ، بَلْ مِنْ حِوَارٍ صَادِقٍ اسْتَمَعَ فِيهِ إِلَى ابْنِهِ دُونَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ شَيْئًا.
كَانَ فِرَاسٌ وَعَدْنَانُ قَدْ بَدَآ بِالْفِعْلِ، مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ، قِرَاءَةً مُشْتَرَكَةً لِكِتَابٍ بَسِيطٍ عَنِ الْفَلْسَفَةِ الدِّينِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، يُنَاقِشَانِ فَصْلًا كُلَّ أُسْبُوعٍ فِي جَلْسَةٍ مَسَائِيَّةٍ هَادِئَةٍ، بَعِيدًا عَنْ ضَغْطِ الدِّرَاسَةِ وَالِامْتِحَانَاتِ. لَاحَظَتْ مَنَالُ أَنَّ هَذِهِ الْجَلَسَاتِ لَمْ تُصْلِحْ عَلَاقَةَ عَدْنَانَ بِدِينِهِ فَحَسْبُ، بَلْ قَرَّبَتِ الْأَبَ مِنِ ابْنِهِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَحْدُثْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، بَدَأَ فِرَاسٌ وَمَنَالُ يُطَبِّقَانِ اتِّفَاقَهُمَا الْجَدِيدَ: عَشَاءٌ أُسْبُوعِيٌّ، كُلَّ خَمِيسٍ، يُخَصِّصَانِهِ لِأَنْفُسِهِمَا فَقَطْ، بَعْدَ أَنْ يَنَامَ الْأَطْفَالُ، يَتَحَدَّثَانِ فِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْجَدَاوِلَ وَالِامْتِحَانَاتِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ الْيَوْمِيَّةَ.
فِي أَحَدِ هَذِهِ الْعَشَاءَاتِ، سَأَلَتْ مَنَالُ فِرَاسًا بِابْتِسَامَةٍ:
– هَلْ تَتَذَكَّرُ أَوَّلَ مَوْعِدٍ جَمَعَنَا فِي دِمَشْقَ؟
ابْتَسَمَ فِرَاسٌ بِحَنِينٍ وَاضِحٍ:
– بِالطَّبْعِ أَتَذَكَّرُ. كُنْتُ مُتَوَتِّرًا جِدًّا، وَسَكَبْتُ الْقَهْوَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ مَرَّتَيْنِ.
ضَحِكَتْ مَنَالُ:
– وَلَمْ أُخْبِرْكَ يَوْمَهَا أَنَّنِي وَجَدْتُ تَوَتُّرَكَ هَذَا لَطِيفًا جِدًّا، لَا مُحْرِجًا كَمَا كُنْتَ تَظُنُّ.
تَحَدَّثَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِسَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ عَنْ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةٍ، عَنْ أَحْلَامٍ لَمْ يُشَارِكَاهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَشَعَرَا كِلَاهُمَا بِدِفْءٍ لَمْ يَشْعُرَا بِهِ مُنْذُ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الِانْشِغَالِ الْمُتَبَادَلِ.
قَالَتْ مَنَالُ لِفِرَاسٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَهُمَا يَسْتَعِدَّانِ لِلنَّوْمِ:
– أَظُنُّ أَنَّنَا تَعَلَّمْنَا مَعًا دَرْسًا مُزْدَوِجًا هَذَا الْأُسْبُوعَ: كَيْفَ نَسْتَمِعُ لِأَبْنَائِنَا، وَكَيْفَ نَسْتَمِعُ لِبَعْضِنَا أَيْضًا.
ابْتَسَمَ فِرَاسٌ، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا:
– أَعِدُكِ أَنْ أُخَصِّصَ وَقْتًا لَنَا نَحْنُ أَيْضًا، لَا لِأَبْنَائِنَا فَقَطْ. رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِنَتَذَكَّرَ كَيْفَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ كُلُّ أَحَادِيثِنَا عَمَلِيَّةً بَحْتَةً.
أَضَافَ فِرَاسٌ، بِصِدْقٍ يَحْمِلُ تَوَاضُعًا جَدِيدًا:
– أَظُنُّ أَيْضًا أَنَّنِي تَعَلَّمْتُ شَيْئًا آخَرَ مِنْ عَدْنَانَ: أَنَّ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ، بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ إِيمَانًا دِينِيًّا أَوْ إِيمَانًا بِزَوَاجِنَا نَفْسِهِ، لَا يَبْقَى قَوِيًّا بِالْعَادَةِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْتَاجُ تَجْدِيدًا وَاعِيًا وَمُسْتَمِرًّا، وَإِلَّا تَحَوَّلَ إِلَى مُجَرَّدِ طَقْسٍ فَارِغٍ نُمَارِسُهُ دُونَ أَنْ نَشْعُرَ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ بَعْدَ الْآنَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مَنَالُ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ:
– هَذَا أَجْمَلُ مَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ، يَا فِرَاسُ. رُبَّمَا أَزْمَةُ عَدْنَانَ الصَّغِيرَةُ كَانَتْ أَكْبَرَ هَدِيَّةٍ لِعَائِلَتِنَا هَذَا الْعَامَ، لِأَنَّهَا أَجْبَرَتْنَا جَمِيعًا عَلَى أَنْ نَتَوَقَّفَ وَنُعِيدَ النَّظَرَ فِيمَا كُنَّا نَأْخُذُهُ كَأَمْرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 21


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 19