قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 27

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ عَامَيْنِ مِنْ وُصُولِهِ إِلَى أَلْمَانِيَا، أَنْهَى كَرِيمٌ دِرَاسَتَهُ الْجَامِعِيَّةَ الْأُولَى بِتَفَوُّقٍ لَافِتٍ، وَحَصَلَ عَلَى وَظِيفَةٍ فِي شَرِكَةٍ هَنْدَسِيَّةٍ أَلْمَانِيَّةٍ مُتَوَسِّطَةِ الْحَجْمِ. فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ نَفْسِهَا، كَانَ قَدْ أَصْبَحَ فِي عَلَاقَةٍ جَادَّةٍ مَعَ زَمِيلَةِ دِرَاسَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ تُدْعَى لِينَا، تَعَرَّفَ عَلَيْهَا فِي مَشْرُوعِ تَخَرُّجٍ مُشْتَرَكٍ.
كَانَتْ لِينَا قَدْ نَشَأَتْ فِي مَدِينَةٍ صَغِيرَةٍ قُرْبَ الْحُدُودِ الْهُولَنْدِيَّةِ، وَلَمْ يَسْبِقْ لَهَا أَنْ تَعَرَّفَتْ عَنْ قُرْبٍ عَلَى شَخْصٍ مِنْ خَلْفِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ سُورِيَّةٍ قَبْلَ كَرِيمٍ. جَذَبَهَا فِيهِ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ لَاحِقًا، ذَلِكَ الْمَزِيجُ النَّادِرُ بَيْنَ الْجِدِّيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ وَالْحَسَاسِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، إِذْ كَانَ كَرِيمٌ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ انْدِمَاجِهِ السَّرِيعِ، لَا يَزَالُ يَحْمِلُ مَعَهُ إِرْثًا ثَقَافِيًّا غَنِيًّا يَظْهَرُ فِي أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ: طَرِيقَتِهِ فِي اسْتِضَافَةِ أَصْدِقَائِهِ، اهْتِمَامِهِ الشَّدِيدِ بِأُسْرَتِهِ، وَاحْتِرَامِهِ الْعَمِيقِ لِلْكِبَارِ.
تَذَكَّرَ كَرِيمٌ، وَهُوَ يَسْتَعِدُّ لِإِخْبَارِ عَائِلَتِهِ، ذَلِكَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ حِينَ سَأَلَهُ طِفْلٌ صَغِيرٌ إِنْ كَانُوا سَيُصْبِحُونَ أَلْمَانًا، وَأَجَابَ حِينَهَا بِابْتِسَامَةٍ نِصْفِ جَادَّةٍ: «سَنُصْبِحُ شَيْئًا جَدِيدًا، لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ». بَدَا لَهُ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أَنَّهُ أَخِيرًا وَجَدَ اسْمًا لِهَذَا الشَّيْءِ الْجَدِيدِ: رَجُلٌ يَحْمِلُ جُذُورَهُ السُّورِيَّةَ بِفَخْرٍ، بَيْنَمَا يَبْنِي حَيَاةً كَامِلَةَ الْمَلَامِحِ فِي هَذَا الْبَلَدِ الَّذِي احْتَضَنَهُ.
أَعْلَنَ كَرِيمٌ لِعَائِلَتِهِ نِيَّتَهُ الزَّوَاجَ مِنْ لِينَا فِي عَشَاءٍ عَائِلِيٍّ هَادِئٍ، وَشَعَرَ بِتَوَتُّرٍ خَفِيفٍ وَهُوَ يَتَرَقَّبُ رَدَّ فِعْلِ وَالِدَيْهِ.
———————
قَالَ هَمَّامٌ، بِابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ لَمْ تَحْمِلْ أَيَّ تَرَدُّدٍ:
– أَنَا سَعِيدٌ مِنْ أَجْلِكَ، يَا كَرِيمُ. تَعْرِفُ أَنَّنَا لَسْنَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَفْرِضُ قُيُودًا تَقْلِيدِيَّةً صَارِمَةً عَلَى اخْتِيَارَاتِ الْقَلْبِ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِحَمَاسَةٍ مُمَاثِلَةٍ:
– أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَلْتَقِيَ بِهَا قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، وَأَنْ أَتَأَكَّدَ أَنَّهَا تَفْهَمُ عَائِلَتَنَا وَتَقَالِيدَنَا كَمَا نَفْهَمُ نَحْنُ عَالَمَهَا.
رَتَّبَ كَرِيمٌ لِقَاءً عَائِلِيًّا، جَمَعَ فِيهِ لِينَا بِوَالِدَيْهِ وَأُخْتِهِ، وَسَارَ اللِّقَاءُ بِسَلَاسَةٍ فَاجَأَتِ الْجَمِيعَ: تَحَدَّثَتْ لِينَا بِفُضُولٍ صَادِقٍ عَنْ سُورِيَا، عَنْ تَقَالِيدِ الْعَائِلَةِ، وَأَظْهَرَتِ احْتِرَامًا حَقِيقِيًّا لِخَلْفِيَّةِ كَرِيمٍ الثَّقَافِيَّةِ، دُونَ أَنْ تَتَظَاهَرَ بِفَهْمٍ كَامِلٍ لِتَفَاصِيلَ لَمْ تَعِشْهَا.
سَأَلَتْهَا سَلْمَى، بِلُطْفٍ وَاخْتِبَارٍ خَفِيٍّ:
– كَيْفَ تَشْعُرِينَ حِيَالَ الزَّوَاجِ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُ تَارِيخًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ تَارِيخِكِ، لِينَا؟
أَجَابَتْ لِينَا بِصِدْقٍ مَدْرُوسٍ:
– أَشْعُرُ أَنَّنِي مَحْظُوظَةٌ لِأَتَعَلَّمَ عَالَمًا جَدِيدًا كَامِلًا مِنْ خِلَالِ كَرِيمٍ. لَنْ أَدَّعِيَ أَنَّنِي أَفْهَمُ كُلَّ تَفَاصِيلِ مَا مَرَرْتُمْ بِهِ، لَكِنَّنِي مُسْتَعِدَّةٌ أَنْ أَتَعَلَّمَ، وَأَنْ أَدْعَمَهُ فِي الْحِفَاظِ عَلَى هَذَا الْجُزْءِ مِنْ هُوِيَّتِهِ، لَا أَنْ أَطْلُبَ مِنْهُ التَّخَلِّيَ عَنْهُ مِنْ أَجْلِي.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِارْتِيَاحٍ عَمِيقٍ مِنْ هَذِهِ الْإِجَابَةِ النَّاضِجَةِ، وَتَبَادَلَتْ نَظْرَةً مَعَ هَمَّامٍ تَحْمِلُ مُوَافَقَةً صَامِتَةً.
———————
أُقِيمَ الزِّفَافُ بَعْدَ أَشْهُرٍ، حَفْلًا بَسِيطًا جَمَعَ بَيْنَ تَقَالِيدِ الطَّرَفَيْنِ: خُطْبَةً قَصِيرَةً بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ مَعًا، وَرَقْصَةً تَقْلِيدِيَّةً سُورِيَّةً تَعَلَّمَتْهَا لِينَا بِحَمَاسَةٍ وَاضِحَةٍ لِإِسْعَادِ عَائِلَةِ زَوْجِهَا، وَنُخْبًا أَلْمَانِيًّا تَقْلِيدِيًّا رَفَعَهُ وَالِدَا لِينَا احْتِفَاءً بِابْنَتِهِمَا.
حَضَرَ الزِّفَافَ عَدَدٌ مِنَ الْعَائِلَاتِ السُّورِيَّةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ نَسِيجِ حَيَاةِ عَائِلَةِ مُرَادٍ عَلَى مَدَى السَّنَوَاتِ: أَبُو خَالِدٍ وَأُمُّ خَالِدٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ حَيَاتِهِمَا كَثِيرًا مُنْذُ ذَلِكَ الصِّدَامِ الْأَوَّلِ حَوْلَ تَوْقِيعِ اسْتِمَارَةِ اللُّغَةِ، فِرَاسٌ وَمَنَالُ اللَّذَانِ وَجَدَا تَوَازُنًا جَدِيدًا فِي زَوَاجِهِمَا، وَزِيَادٌ قَنَّاصٌ الَّذِي أَصْبَحَ صَدِيقًا دَائِمًا لِلْعَائِلَةِ لَا يُفَوِّتُ مُنَاسَبَةً مُهِمَّةً فِي حَيَاتِهِمْ.
وَقَفَ هَمَّامٌ فِي الْحَفْلِ، يُلْقِي كَلِمَةً قَصِيرَةً بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَأَثُّرًا عَمِيقًا:
– حِينَ وَصَلْنَا إِلَى هَذَا الْبَلَدِ، كُنْتُ أَخْشَى أَنْ نَفْقِدَ أَبْنَاءَنَا فِي هَذَا الِاتِّسَاعِ الْجَدِيدِ. الْيَوْمَ، أَرَى ابْنِي يَبْنِي بَيْتًا جَدِيدًا، لَا يَتَخَلَّى فِيهِ عَنْ جُذُورِهِ، بَلْ يُضِيفُ إِلَيْهَا جُذُورًا جَدِيدَةً تَجْعَلُهُ أَغْنَى، لَا أَقَلَّ انْتِمَاءً.
———————
فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، كَانَتْ رَهَفُ تَقِفُ أَمَامَ قَرَارٍ مَصِيرِيٍّ خَاصٍّ بِهَا: تَلَقَّتْ قَبُولًا فِي جَامِعَةٍ مَرْمُوقَةٍ لِدِرَاسَةِ الْأَدَبِ الْمُقَارَنِ، لَكِنَّ الْجَامِعَةَ تَقَعُ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى، بَعِيدَةٍ عِدَّةَ سَاعَاتٍ عَنْ مَدِينَةِ إِقَامَةِ عَائِلَتِهَا.
تَرَدَّدَتْ رَهَفُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُخْبِرَ وَالِدَيْهَا، خَشْيَةَ أَنْ يَعْتَبِرَا الْأَمْرَ ابْتِعَادًا غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ عَنِ الْعَائِلَةِ.
قَالَتْ لِسَلْمَى بِحَذَرٍ:
– أُمِّي، قُبِلْتُ فِي بَرْنَامَجٍ مُمْتَازٍ لِدِرَاسَةِ الْأَدَبِ الْمُقَارَنِ، لَكِنَّهُ فِي مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُنَاسِبِ أَنْ أَذْهَبَ.
———————
نَظَرَتْ إِلَيْهَا سَلْمَى طَوِيلًا، وَتَذَكَّرَتْ فَوْرًا حَدِيثَهُمَا الْقَدِيمَ عَنِ الثِّقَةِ وَالِاسْتِقْلَالِيَّةِ، وَحَدِيثَهَا الْخَاصَّ مَعَ غَادَةَ عَنْ أَهَمِّيَّةِ أَنْ يَرَى الْأَبْنَاءُ أُمًّا تُلَاحِقُ طُمُوحَهَا:
– رَهَفُ، لِمَاذَا تَتَرَدَّدِينَ فِي إِخْبَارِي بِهَذَا؟
قَالَتْ رَهَفُ بِصِدْقٍ:
– أَخْشَى أَنْ تَشْعُرِي أَنَّنِي أَهْرُبُ مِنَ الْعَائِلَةِ، خَاصَّةً بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَرْنَا بِهِ مَعًا هُنَا.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ ابْنَتِهَا:
– يَا رَهَفُ، أَكْبَرُ خَطَإٍ يُمْكِنُ أَنْ أَرْتَكِبَهُ كَأُمٍّ هُوَ أَنْ أَجْعَلَكِ تَشْعُرِينَ بِالذَّنْبِ لِمُتَابَعَةِ حُلْمِكِ. اذْهَبِي، وَابْنِي حَيَاتَكِ الْأَكَادِيمِيَّةَ بِثِقَةٍ. سَنَبْقَى قَرِيبِينَ مِنْكِ، حَتَّى لَوْ فَصَلَتْنَا مَسَافَةٌ جُغْرَافِيَّةٌ.
أَضَافَتْ سَلْمَى، بِابْتِسَامَةٍ تَحْمِلُ ذِكْرَى قَدِيمَةً:
– أَتَذَكَّرِينَ حِينَ كُنْتِ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ، فِي أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لَنَا هُنَا، سَأَلْتِنِي إِنْ كُنْتُ خِفْتُ مِنْ أَبِيكِ حِينَ تَعَرَّفْتُ عَلَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟ قُلْتُ لَكِ إِنَّ خَوْفِي الْحَقِيقِيَّ كَانَ أَنْ أُصْبِحَ غَرِيبَةً عَنْ نَفْسِي. الْيَوْمَ، أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّنِي تَعَلَّمْتُ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، كَيْفَ لَا أَخَافُ هَذَا الْخَوْفَ بِالذَّاتِ. أُرِيدُكِ أَنْ تَبْدَئِي حَيَاتَكِ بِهَذَا الدَّرْسِ مُبَكِّرًا، لَا أَنْ تَتَعَلَّمِيهِ مُتَأَخِّرَةً كَمَا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا.
تَأَثَّرَتْ رَهَفُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَعَانَقَتْ وَالِدَتَهَا بِحَرَارَةٍ:
– شُكْرًا لَكِ، أُمِّي. لَا أَعْرِفُ امْرَأَةً أُخْرَى تَمْنَحُ ابْنَتَهَا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الْوَاعِيَةِ.
———————
لَكِنَّ هَمَّامًا، حِينَ عَلِمَ بِالْخَبَرِ، شَعَرَ بِتَرَدُّدٍ أَعْمَقَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ رَهَفُ، فَتَذَكَّرَ فَجْأَةً كُلَّ مَخَاوِفِهِ الْقَدِيمَةِ مِنَ الْفَقْدِ وَالتَّغْيِيرِ:
– رَهَفُ، أَنْتِ ابْنَتُنَا الْوَحِيدَةُ هُنَا بَعْدَ زَوَاجِ كَرِيمٍ. أَخْشَى أَنْ يُصْبِحَ الْبَيْتُ فَارِغًا جِدًّا دُونَ حُضُورِكِ الْيَوْمِيِّ.
شَعَرَتْ رَهَفُ بِثِقْلِ هَذَا الْقَلَقِ الْأَبَوِيِّ الصَّادِقِ، لَكِنَّهَا أَجَابَتْ بِنُضْجٍ اكْتَسَبَتْهُ عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْحِوَارَاتِ الصَّرِيحَةِ مَعَهُ:
– أَبِي، أَتَذَكَّرُ حِينَ عَلَّمْتَنِي أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ التَّغْيِيرِ لَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَنَا مِنِ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ الصَّحِيحِ؟ أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ دَوْرِي لِأُذَكِّرَكَ بِهَذَا الدَّرْسِ.
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ، مُتَأَمِّلًا كَلِمَاتِ ابْنَتِهِ، وَتَذَكَّرَ فَجْأَةً تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْأُولَى حِينَ كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ عَنْ خَوْفِهِ مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجْهُولٍ:
– أَنْتِ مُحِقَّةٌ تَمَامًا. أَظُنُّ أَنَّنِي مَا زِلْتُ أَحْمِلُ بَقَايَا ذَلِكَ الْخَوْفِ الْقَدِيمِ، حَتَّى بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنْ مُحَاوَلَةِ مُوَاجَهَتِهِ.
قَالَتْ رَهَفُ، بِحَنَانٍ صَادِقٍ:
– هَذَا طَبِيعِيٌّ، أَبِي. لَكِنَّكَ عَلَّمْتَنِي أَنَّ الْخَوْفَ لَا يَجِبُ أَنْ يُقَرِّرَ نِيَابَةً عَنَّا. أَنْتَ مَنْ عَلَّمَنِي هَذَا، وَلَوْ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، مِنْ خِلَالِ كُلِّ الْأَخْطَاءِ وَالْمُحَاوَلَاتِ الَّتِي شَارَكْتَنِي إِيَّاهَا بِصِدْقٍ عَبْرَ السَّنَوَاتِ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، مُتَأَثِّرًا بِأَنَّ ابْنَتَهُ تَسْتَخْدِمُ حِكْمَتَهُ الْخَاصَّةَ لِتُقْنِعَهُ:
– لَطَالَمَا كُنْتِ أَذْكَى مِنِّي فِي تَطْبِيقِ مَا أَكْتُبُهُ فَقَطْ عَنِ الْحِكْمَةِ. اذْهَبِي، يَا رَهَفُ، بِمُبَارَكَتِي الْكَامِلَةِ.
———————
فِي يَوْمِ انْتِقَالِ رَهَفَ إِلَى مَدِينَتِهَا الْجَامِعِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، وَقَفَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا لِتُوَدِّعَهَا: هَمَّامٌ وَسَلْمَى، كَرِيمٌ وَلِينَا اللَّذَانِ حَضَرَا خِصِّيصًا، وَحَتَّى زِيَادٌ قَنَّاصٌ الَّذِي أَصْبَحَ كَعَمٍّ حَقِيقِيٍّ لِلْعَائِلَةِ عَبْرَ السَّنَوَاتِ.
قَالَ كَرِيمٌ لِأُخْتِهِ، بِابْتِسَامَةٍ أُخُوِيَّةٍ دَافِئَةٍ:
– أَذْكُرُ حِينَ كُنْتِ تِلْكَ الْفَتَاةَ الْخَائِفَةَ فِي أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لَنَا هُنَا، تَكْتُبِينَ رِسَالَةً لِصَبِيٍّ فِي صَفِّ اللُّغَةِ ثُمَّ تَمْحِينَهَا. انْظُرِي إِلَيْكِ الْآنَ.
ضَحِكَتْ رَهَفُ، مُتَأَثِّرَةً بِهَذَا الِاسْتِذْكَارِ:
– وَأَنْتَ أَذْكُرُ حِينَ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَحْرِقَ كُلَّ الْمَرَاحِلِ بِسُرْعَةٍ. يَبْدُو أَنَّنَا كِلَانَا وَجَدْنَا إِيقَاعَنَا الْخَاصَّ فِي النِّهَايَةِ، وَلَوْ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا.
قَالَ زِيَادٌ لِرَهَفَ، بِابْتِسَامَتِهِ الْمُعْتَادَةِ:
– اذْهَبِي، وَابْنِي عَالَمَكِ الْخَاصَّ. تَذَكَّرِي فَقَطْ أَنَّ الْكِتَابَةَ الصَّادِقَةَ، أَيًّا كَانَ مَجَالُهَا، تَحْتَاجُ شَجَاعَةً أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
عَانَقَتْ رَهَفُ وَالِدَيْهَا بِحَرَارَةٍ، وَقَالَتْ:
– شُكْرًا لِأَنَّكُمَا لَمْ تَمْنَعَانِي، وَلَا حَتَّى مَرَّةً وَاحِدَةً، مِنْ أَنْ أَكُونَ نَفْسِي، حَتَّى حِينَ كَانَ هَذَا يَعْنِي أَنْ أَخْتَلِفَ عَنْكُمَا فِي بَعْضِ الْقَرَارَاتِ.
———————
بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ رَهَفُ، جَلَسَ هَمَّامٌ وَسَلْمَى وَحْدَهُمَا فِي غُرْفَتِهِمَا الْهَادِئَةِ، يَشْعُرَانِ بِمَزِيجٍ مِنَ الْفَخْرِ وَالْحَنِينِ الصَّامِتِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَنْظُرُ حَوْلَهَا فِي الْغُرْفَةِ الَّتِي بَدَتْ فَجْأَةً أَكْبَرَ بِغِيَابِ أَبْنَائِهِمَا:
– بَيْتُنَا أَصْبَحَ صَغِيرًا حَقًّا الْآنَ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا:
– بَيْتُنَا الْحَقِيقِيُّ لَمْ يَعُدْ هَذِهِ الْغُرْفَةَ، يَا سَلْمَى. أَصْبَحَ مُمْتَدًّا الْآنَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَمَدِينَةِ كَرِيمٍ وَلِينَا، وَمَدِينَةِ رَهَفَ الْجَامِعِيَّةِ. هَذَا، رُبَّمَا، أَجْمَلُ دَرْسٍ تَعَلَّمْنَاهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا: أَنَّ الْعَائِلَةَ لَا تَحْتَاجُ سَقْفًا وَاحِدًا لِتَبْقَى مُتَرَابِطَةً، بَلْ قُلُوبًا مُتَّصِلَةً، أَيْنَمَا تَفَرَّقَتِ الْأَسْقُفُ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 28


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 26