قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ – الْخَاتِمَةُ
بَعْدَ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى أَمَامَ بَابِ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، وَقَفَ هَمَّامٌ مُرَادٌ فِي قَاعَةٍ صَغِيرَةٍ بِمَكْتَبَةٍ عَامَّةٍ فِي الْمَدِينَةِ، يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ نُسْخَةً وَاحِدَةً، الْأُولَى، مِنْ رِوَايَتِهِ الْمَطْبُوعَةِ أَخِيرًا: «قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ».
نَظَرَ إِلَى الْغِلَافِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْقَاعَةَ: عُنْوَانٌ بَسِيطٌ، وَصُورَةٌ لِبَابٍ نِصْفِ مَفْتُوحٍ، لَمْ يُوَضِّحْ تَمَامًا إِنْ كَانَ يُفْتَحُ إِلَى الدَّاخِلِ أَمْ إِلَى الْخَارِجِ، كَمَا كَتَبَ هُوَ نَفْسُهُ فِي تِلْكَ الْفِقْرَةِ الْأُولَى الَّتِي ظَلَّتْ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ التَّعْدِيلَاتِ وَالْمُرَاجَعَاتِ، دُونَ تَغْيِيرٍ جَوْهَرِيٍّ مُنْذُ أَنْ كَتَبَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ فِي ذَلِكَ الدَّفْتَرِ الصَّغِيرِ.
كَانَتِ الْقَاعَةُ مُمْتَلِئَةً عَنْ آخِرِهَا، وُجُوهٌ عَرَفَهَا هَمَّامٌ جَيِّدًا عَلَى مَدَى هَذِهِ السَّنَوَاتِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ قِصَّتَهُ الْخَاصَّةَ الَّتِي اسْتَلْهَمَ مِنْهَا جُزْءًا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، دُونَ أَنْ يُفْصِحَ عَنِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي حَمَاهَا بِتَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ وَالْوَقَائِعِ الصَّغِيرَةِ، كَمَا وَعَدَ كُلَّ مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَى قِصَّتِهِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
———————
جَلَسَتْ سَلْمَى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، بِجَانِبِهَا رَهَفُ الَّتِي عَادَتْ خِصِّيصًا مِنَ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَدْرُسُ فِيهَا لِحُضُورِ هَذِهِ الْأُمْسِيَةِ، وَكَرِيمٌ وَزَوْجَتُهُ لِينَا، يَحْمِلَانِ طِفْلَهُمَا الْأَوَّلَ الَّذِي وُلِدَ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، يُمَثِّلُ الْجِيلَ الثَّالِثَ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ.
خَلْفَهُمْ، جَلَسَ زِيَادٌ قَنَّاصٌ، بِجَانِبِهِ كَلَاوْدِيَا، يَبْتَسِمُ بِفَخْرٍ لِصَدِيقِهِ الَّذِي أَنْجَزَ أَخِيرًا هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي بَدَأَهُ بِتَرَدُّدٍ شَدِيدٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ.
وَعَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُمْ، جَلَسَتْ عَائِلَاتٌ عَرَفَهَا الْقَارِئُ عَلَى مَدَى هَذِهِ الصَّفَحَاتِ: أَبُو خَالِدٍ وَأُمُّ خَالِدٍ وَأَبْنَاؤُهُمَا الْأَرْبَعَةُ، فِرَاسٌ وَمَنَالُ وَعَدْنَانُ وَلَمَى، سَلِيمٌ وَوَفَاءُ وَيَزَنُ، جُورْجُ وَمِيرَا وَسَلْوَى وَزَوْجُهَا وَطِفْلُهُمَا الصَّغِيرُ، رُونَاهِي وَهَوْزَانُ جَالِسَانِ بِجِوَارِ بَعْضِهِمَا بِسَلَامٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الِانْفِصَالِ، يَحْمِلَانِ بَيْنَهُمَا دِيَارَ الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ طِفْلًا يُجِيدُ الْكُرْدِيَّةَ وَالْأَلْمَانِيَّةَ وَالْعَرَبِيَّةَ مَعًا، كِنَانُ وَرِيمَا وَدَانَا وَمَاتِيَاسُ، وَأَبُو أَحْمَدَ وَأُمُّ أَحْمَدَ وَأَحْمَدُ وَإِخْوَتُهُ.
———————
وَقَفَ هَمَّامٌ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَبَدَأَ حَدِيثَهُ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ ارْتِجَافًا خَفِيفًا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ سَنَوَاتِ الْخِبْرَةِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْحَدِيثِ الْعَامِّ:
– حِينَ وَصَلْنَا إِلَى هَذَا الْبَلَدِ قَبْلَ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، كَتَبْتُ فِي دَفْتَرٍ صَغِيرٍ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، جُمْلَةً قُلْتُ فِيهَا إِنَّ الْبَابَ الَّذِي دَخَلْنَا مِنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ يَكُنْ يُغْلَقُ تَمَامًا خَلْفَنَا. الْيَوْمَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أُدْرِكُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ أَنْ يُغْلَقَ أَصْلًا. كَانَ يَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَمْشِي عَبْرَهُ، ذَهَابًا وَإِيَابًا، بَيْنَ مَنْ كُنَّا وَمَنْ أَصْبَحْنَا، دُونَ أَنْ نَخُونَ أَيًّا مِنَ النُّسْخَتَيْنِ.
نَظَرَ إِلَى الْحُضُورِ، وَتَابَعَ:
– هَذَا الْكِتَابُ لَيْسَ قِصَّتِي وَحْدِي. هُوَ قِصَّةُ كُلِّ عَائِلَةٍ مِنَ الْعَائِلَاتِ الْجَالِسَةِ أَمَامِي اللَّيْلَةَ، مُمَوَّهَةً بِأَسْمَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ جَوْهَرَ مَا عِشْنَاهُ مَعًا: الْخَوْفَ مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ، وَالتَّنَاقُضَ بَيْنَ مَا وَرِثْنَاهُ وَمَا نُصْبِحُ عَلَيْهِ، وَالْحُبَّ الَّذِي يَصْمُدُ أَوْ يَتَغَيَّرُ شَكْلُهُ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الِاضْطِرَابِ.
———————
بَعْدَ الْحَدِيثِ، فُتِحَ الْمَجَالُ لِلْأَسْئِلَةِ، وَوَقَفَ أَبُو خَالِدٍ، بِصَوْتٍ لَمْ يَعْتَدْ رَفْعَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ الْعَامَّةِ:
– أُسْتَاذُ هَمَّامُ، هَلْ كُنْتَ تَعْرِفُ، حِينَ رَفَضْتُ تَوْقِيعَ تِلْكَ الِاسْتِمَارَةِ فِي أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لَنَا هُنَا، أَنَّكَ سَتَكْتُبُ عَنِّي يَوْمًا فِي كِتَابٍ؟
ضَحِكَ هَمَّامٌ، وَضَحِكَ مَعَهُ الْحُضُورُ:
– لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ، يَا أَبَا خَالِدٍ. لَكِنَّنِي عَرَفْتُ، مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يَحْمِلُ قِصَّةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى، حَتَّى لَوْ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ سَتَنْتَهِي.
قَالَتْ مَنَالُ، مِنْ مَكَانِهَا:
– وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ: هَلِ الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي اسْتَلْهَمْتَهَا مِنْ قِصَّتِي، تِلْكَ الَّتِي اكْتَشَفَتْ أَنَّ ابْنَهَا تَوَقَّفَ عَنِ الصَّلَاةِ، هَلِ انْتَهَتْ قِصَّتُهَا بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي انْتَهَتْ بِهَا قِصَّتُنَا الْحَقِيقِيَّةُ؟
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ:
– اقْرَئِي الْكِتَابَ وَسَتَعْرِفِينَ، لَكِنَّنِي سَأَقُولُ لَكِ سِرًّا: بَعْضُ النِّهَايَاتِ فِي الرِّوَايَةِ مُخْتَلِفَةٌ عَنِ الْوَاقِعِ، لَيْسَ لِأَنَّ الْوَاقِعَ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا، بَلْ لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَكْشِفَ احْتِمَالَاتٍ أُخْرَى كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَحْدُثَ، لَوِ اخْتَلَفَ قَرَارٌ صَغِيرٌ هُنَا أَوْ هُنَاكَ.
وَقَفَ زِيَادٌ مِنْ مَكَانِهِ، وَقَالَ بِابْتِسَامَتِهِ السَّاخِرَةِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ سَنَوَاتِ النُّضْجِ:
– وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ سُؤَالًا مُخْتَلِفًا: هَلِ الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي تُشْبِهُنِي، أَنَا أَفْتَرِضُ، تَظْهَرُ بِمَظْهَرٍ جَيِّدٍ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ؟ لِأَنَّنِي أَذْكُرُ أَنَّنِي طَلَبْتُ مِنْكَ أَلَّا تَجْعَلَنِي حَكِيمًا مِثَالِيًّا بِلَا عُيُوبٍ.
ضَحِكَ الْحُضُورُ، وَضَحِكَ هَمَّامٌ مَعَهُمْ:
– لَا تَقْلَقْ، يَا زِيَادُ. حَافَظْتُ عَلَى وَعْدِي بِالْكَامِلِ. الشَّخْصِيَّةُ الْمُسْتَوْحَاةُ مِنْكَ تَحْمِلُ كُلَّ عُيُوبِكَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَكُلَّ حِكْمَتِكَ أَيْضًا، تَمَامًا كَمَا طَلَبْتَ.
قَالَتْ كَلَاوْدِيَا، بِجَانِبِ زِيَادٍ، بِمَرَحٍ وَاضِحٍ:
– يُمْكِنُنِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ قَرَأْتُ الْفَصْلَ قَبْلَ الْجَمِيعِ تَقْرِيبًا، وَضَحِكْتُ كَثِيرًا مِنْ دِقَّةِ بَعْضِ التَّفَاصِيلِ.
———————
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْأُمْسِيَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الْحُضُورُ يَتَجَمَّعُونَ حَوْلَ طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ تَحْمِلُ الْكُتُبَ وَالْقَهْوَةَ، جَلَسَ هَمَّامٌ مَعَ سَلْمَى فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ مِنَ الْقَاعَةِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَحْمِلُ نُسْخَتَهَا الْخَاصَّةَ مِنَ الْكِتَابِ، مُوَقَّعَةً بِخَطِّ زَوْجِهَا:
– قَرَأْتُ كُلَّ فَصْلٍ قَبْلَ نَشْرِهِ، كَمَا وَعَدْتَنِي. لَكِنْ قِرَاءَتَهُ الْآنَ، مَطْبُوعًا، بَيْنَ هَذِهِ الْجُدْرَانِ الْمَلِيئَةِ بِكُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الَّذِينَ اسْتَلْهَمْتَ مِنْهُمْ، تُشْعِرُنِي بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا.
سَأَلَهَا هَمَّامٌ:
– مَاذَا تَشْعُرِينَ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
– أَشْعُرُ أَنَّنَا لَمْ نَعُدْ فَقَطْ عَائِلَةً نَجَتْ مِنَ الْحَرْبِ وَبَنَتْ حَيَاةً جَدِيدَةً. أَصْبَحْنَا جُزْءًا مِنْ قِصَّةٍ أَكْبَرَ، قِصَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقْرَأَهَا أُنَاسٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، فِي أَمَاكِنَ لَمْ نَزُرْهَا، وَرُبَّمَا يَجِدُونَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
———————
سَأَلَهَا هَمَّامٌ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حَمِيمِيَّةً:
– هَلْ تَذْكُرِينَ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ؟ ذَلِكَ الَّذِي لَمْ أُشَارِكْهُ مَعَكِ إِلَّا قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ؟
أَوْمَأَتْ سَلْمَى، وَعَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ تَأَثُّرًا وَاضِحًا:
– الْفَصْلُ الَّذِي كَتَبْتَ فِيهِ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، حِينَ كُنْتُ مُسْتَلْقِيَةً بِجَانِبِكَ، تَظُنُّ أَنَّنِي نَائِمَةٌ، بَيْنَمَا كُنْتَ تَسْتَمِعُ إِلَى خَرْبَشَةِ قَلَمِكَ عَلَى الْوَرَقِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ؟
– نَعَمْ. كَتَبْتُ يَوْمَهَا أَنَّكِ فَكَّرْتِ، دُونَ أَنْ تَنْطِقِي: «كَمْ مِنَ الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ سَأَتَحَمَّلُ قَبْلَ أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ الِانْتِظَارِ؟» هَلْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا؟ هَلْ كَانَ هَذَا مَا فَكَّرْتِ فِيهِ فِعْلًا؟
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً حَزِينَةً وَهَادِئَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ:
– كَانَ صَحِيحًا تَمَامًا. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أَقُولُهَا لَكَ حِينَهَا، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَفْقِدَكَ تَدْرِيجِيًّا، خَلْفَ كُلِّ تِلْكَ الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ الَّتِي كُنْتَ تَحْمِلُهَا فِي دَاخِلِكَ.
———————
أَمْسَكَ هَمَّامٌ بِيَدِهَا، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِصِدْقٍ لَمْ يَعْتَدْ إِظْهَارَهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ حَتَّى بَعْدَ كُلِّ سَنَوَاتِ الْعِلَاجِ وَالْحِوَارِ الْمُشْتَرَكِ:
– أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ لَمْ أَكْتُبْهُ فِي الرِّوَايَةِ، لَمْ أُشَارِكْهُ مَعَ أَحَدٍ حَتَّى الْآنَ، لَيْسَ حَتَّى مَعَ زِيَادٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِفُضُولٍ مَمْزُوجٍ بِقَلَقٍ خَفِيفٍ:
– مَاذَا؟
تَنَفَّسَ هَمَّامٌ بِعُمْقٍ، وَقَالَ أَخِيرًا:
– حِينَ وَقَفْتُ أَمَامَ ذَلِكَ الْبَابِ، فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى، لَمْ يَكُنْ خَوْفِي الْأَكْبَرُ مِنَ اللُّغَةِ الْجَدِيدَةِ، وَلَا مِنْ فُقْدَانِ بَيْتِنَا فِي دِمَشْقَ، وَلَا حَتَّى مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ الْمَجْهُولِ. كَانَ خَوْفِي الْأَكْبَرُ أَنَّنِي، وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّغْيِيرِ، قَدْ أَفْقِدُكِ أَنْتِ تَحْدِيدًا، لَا لِأَنَّكِ سَتَتَغَيَّرِينَ، بَلْ لِأَنَّنِي كُنْتُ أَخْشَى أَلَّا أَكُونَ رَجُلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَافِقَكِ فِي رِحْلَةٍ كَهَذِهِ.
———————
دَمَعَتْ عَيْنَا سَلْمَى، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا:
– لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِهَذَا مِنْ قَبْلُ؟
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً تَحْمِلُ كُلَّ سَنَوَاتِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ:
– لِأَنَّنِي، مِثْلَ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ فِي حَيَاتِي، احْتَجْتُ وَقْتًا طَوِيلًا لِأَجِدَ الشَّجَاعَةَ الْكَافِيَةَ لِقَوْلِهَا. رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا: أَنَّ بَعْضَ الْحَقَائِقِ تَسْتَحِقُّ الِانْتِظَارَ، لَا لِأَنَّهَا أَقَلُّ أَهَمِّيَّةً، بَلْ لِأَنَّنَا نَحْتَاجُ وَقْتًا لِنُصْبِحَ الْأَشْخَاصَ الْقَادِرِينَ عَلَى قَوْلِهَا بِصِدْقٍ كَامِلٍ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا بِابْتِسَامَةٍ:
– إِذَنْ، هَلْ هَذِهِ هِيَ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ؟ تِلْكَ الَّتِي لَمْ تُقَلْ لِأَحَدٍ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟
———————
فَكَّرَ هَمَّامٌ طَوِيلًا، يَنْظُرُ حَوْلَهُ إِلَى الْقَاعَةِ الْمُمْتَلِئَةِ بِكُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي رَافَقَتْهُ فِي رِحْلَتِهِ: زِيَادٍ الَّذِي عَلَّمَهُ أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ الْقَدَرَ الْوَحِيدَ، أَبِي خَالِدٍ الَّذِي تَعَلَّمَ أَنْ يُفْسِحَ الْمَجَالَ لِعَائِلَتِهِ، فِرَاسٍ وَمَنَالَ اللَّذَيْنِ أَعَادَا بِنَاءَ زَوَاجِهِمَا، سَلِيمٍ وَوَفَاءَ اللَّذَيْنِ تَعَلَّمَا حَمْلَ الْمَاضِي مَعًا، جُورْجَ الَّذِي فَتَحَ قَلْبَهُ لِأُخْتِهِ، رُونَاهِي وَهَوْزَانَ اللَّذَيْنِ اخْتَارَا الِانْفِصَالَ بِحُبٍّ لَا بِكَرَاهِيَةٍ، كِنَانَ وَرِيمَا اللَّذَيْنِ تَعَلَّمَا التَّوَازُنَ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالْحُبِّ، أَبِي أَحْمَدَ الَّذِي حَوَّلَ فَقْدَهُ إِلَى إِرْثٍ، كَرِيمٍ وَرَهَفَ اللَّذَيْنِ بَنَيَا طَرِيقَيْهِمَا الْخَاصَّيْنِ، وَسَلْمَى، الَّتِي بَقِيَتْ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَى جَانِبِهِ.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ يَقِينًا جَدِيدًا:
– لَا، لَيْسَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ. أَظُنُّ أَنَّ رِحْلَتَنَا، كُلَّ رِحَلَاتِنَا، لَنْ تَنْتَهِيَ عِنْدَ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ نِهَائِيَّةٍ. سَيَبْقَى دَائِمًا شَيْءٌ لَمْ يُقَلْ بَعْدُ، سُؤَالٌ جَدِيدٌ، خَوْفٌ جَدِيدٌ، حُبٌّ جَدِيدٌ يَحْتَاجُ أَنْ يُكْتَشَفَ وَيُقَالَ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي أَخَذْتُهُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ: أَنْ نَسْتَمِرَّ فِي قَوْلِ مَا لَمْ نَقُلْهُ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، بَدَلَ أَنْ نَنْتَظِرَ جُمْلَةً أَخِيرَةً وَاحِدَةً تُغْلِقُ كُلَّ شَيْءٍ.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَأَسْنَدَتْ رَأْسَهَا عَلَى كَتِفِهِ:
– إِذَنْ، لِنَسْتَمِرَّ فِي قَوْلِ مَا لَمْ نَقُلْهُ بَعْدُ، يَا هَمَّامُ. قَلْبًا بَعْدَ قَلْبٍ، وَبَابًا بَعْدَ بَابٍ، حَتَّى النِّهَايَةِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَسْطَ ضَجِيجِ الْقَاعَةِ الدَّافِئِ وَأَصْوَاتِ كُلِّ هَذِهِ الْعَائِلَاتِ الَّتِي عَبَرَتِ الْمَنْفَى مَعًا، جَلَسَ هَمَّامٌ وَسَلْمَى، مُتَشَابِكَيِ الْأَيْدِي، لَا يَحْمِلَانِ إِجَابَاتٍ نِهَائِيَّةً عَنْ كُلِّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي رَافَقَتْهُمَا مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى أَمَامَ الْبَابِ الَّذِي لَا يُغْلَقُ، لَكِنَّهُمَا يَحْمِلَانِ شَيْئًا أَثْمَنَ: الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَظَلَّا يَسْأَلَانِ، وَيُحِبَّانِ، وَيَقُولَانِ، مَعًا، كُلَّ مَا لَمْ يُقَلْ بَعْدُ.
———————
بَعْدَ قَلِيلٍ، اقْتَرَبَتْ رَهَفُ مِنْ وَالِدَيْهَا، وَجَلَسَتْ عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَهُمَا، تَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِابْتِسَامَةٍ تَحْمِلُ فَخْرًا حَقِيقِيًّا:
– أَبِي، أُمِّي، أَتَعْرِفَانِ؟ حِينَ كُنْتُ طِفْلَةً، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، سَأَلْتُكَ يَا أَبِي لِمَاذَا لَمْ تَتَكَلَّمْ طَوَالَ الْوَقْتِ. الْيَوْمَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أَرَاكَ تَتَكَلَّمُ أَمَامَ قَاعَةٍ كَامِلَةٍ، وَتُشَارِكُ أَعْمَقَ مَخَاوِفِكَ مَعَ الْجَمِيعِ. لَا أَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الطِّفْلَةَ كَانَتْ لِتُصَدِّقَ أَنَّ أَبَاهَا الصَّامِتَ سَيُصْبِحُ يَوْمًا كَاتِبًا يُشَارِكُ الْعَالَمَ كُلَّ هَذَا الصِّدْقِ.
تَأَثَّرَ هَمَّامٌ بِكَلِمَاتِ ابْنَتِهِ، وَقَالَ:
– وَلَا أَنَا كُنْتُ لِأُصَدِّقَ، يَا رَهَفُ، أَنَّ ابْنَتِي الصَّغِيرَةَ سَتَكْبَرُ لِتُصْبِحَ امْرَأَةً تُعَلِّمُنِي، فِي كُلِّ مَرَّةٍ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، دُرُوسًا فِي الشَّجَاعَةِ لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُهَا فِي عُمْرِهَا.
انْضَمَّ إِلَيْهِمْ كَرِيمٌ، يَحْمِلُ طِفْلَهُ الصَّغِيرَ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ، وَقَالَ:
– أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ، حِينَ يَكْبَرُ وَيَسْأَلُ يَوْمًا عَنْ قِصَّةِ عَائِلَتِهِ، سَيَكُونُ لَدَيْهِ كِتَابٌ كَامِلٌ يُجِيبُهُ، بَدَلَ أَنْ يَعْتَمِدَ فَقَطْ عَلَى ذَاكِرَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ كَمَا فَعَلْنَا نَحْنُ فِي الْبِدَايَةِ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، وَنَظَرَ إِلَى حَفِيدِهِ النَّائِمِ بِسَلَامٍ بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَالِدِهِ:
– هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَرَدْتُهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، يَا كَرِيمُ. لَيْسَ فَقَطْ أَنْ يُوَثِّقَ رِحْلَتَنَا، بَلْ أَنْ يَمْنَحَ الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ شَيْئًا لَمْ نَمْلِكْهُ نَحْنُ حِينَ وَصَلْنَا: قِصَّةً مُكْتَمِلَةً، وَلَوْ جُزْئِيًّا، يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَبْنُوا عَلَيْهَا فَهْمَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِمَنْ سَبَقَهُمْ.
———————
فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَ مُعْظَمُ الْحُضُورِ، بَقِيَ هَمَّامٌ وَسَلْمَى وَحْدَهُمَا فِي الْقَاعَةِ الْفَارِغَةِ تَقْرِيبًا، يُرَتِّبَانِ الْكَرَاسِيَّ الْمُتَنَاثِرَةَ بِمُسَاعَدَةِ أَحَدِ مُوَظَّفِي الْمَكْتَبَةِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَنْظُرُ حَوْلَهَا إِلَى الْقَاعَةِ الَّتِي شَهِدَتْ هَذَا الْمَسَاءَ الِاسْتِثْنَائِيَّ:
– أَتَعْرِفُ، يَا هَمَّامُ؟ حِينَ وَصَلْنَا إِلَى هُنَا، لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّنَا سَنَقِفُ فِي مَكَانٍ كَهَذَا، مُحَاطِينَ بِكُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ، نَحْتَفِلُ بِكِتَابٍ يَحْمِلُ قِصَّتَنَا جَمِيعًا.
قَالَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يَحْمِلُ آخِرَ كِتَابٍ مُتَبَقٍّ عَلَى الطَّاوِلَةِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِ طَوِيلًا:
– وَلَا أَنَا. لَكِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعْنِيهِ رِحْلَةٌ كَهَذِهِ: أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ أَبَدًا إِلَى أَيْنَ سَتَأْخُذُنَا الْخُطْوَةُ الْأُولَى، تِلْكَ الَّتِي نَتَّخِذُهَا بِخَوْفٍ شَدِيدٍ أَمَامَ بَابٍ لَا نَعْرِفُ مَا خَلْفَهُ. كُلُّ مَا نَمْلِكُهُ هُوَ الشَّجَاعَةُ الْكَافِيَةُ لِنَخْطُوَهَا، ثُمَّ نَثِقُ أَنَّ الْخُطُوَاتِ التَّالِيَةَ سَتَتَكَشَّفُ لَنَا وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى.
أَطْفَآ أَضْوَاءَ الْقَاعَةِ مَعًا، وَخَرَجَا إِلَى الشَّارِعِ اللَّيْلِيِّ الْهَادِئِ، يَدًا بِيَدٍ، تَارِكَيْنِ خَلْفَهُمَا قَاعَةً فَارِغَةً تَحْمِلُ صَدَى كُلِّ تِلْكَ الْأَصْوَاتِ وَالْقِصَصِ، لَكِنَّهُمَا يَحْمِلَانِ مَعَهُمَا، إِلَى بَيْتِهِمَا وَمُسْتَقْبَلِهِمَا، وَعْدًا صَامِتًا بِأَنَّ رِحْلَةَ الْقَوْلِ وَالِاكْتِشَافِ لَنْ تَتَوَقَّفَ عِنْدَ هَذَا الْكِتَابِ، بَلْ سَتَسْتَمِرُّ، لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، وَبَابًا بَعْدَ بَابٍ، حَتَّى آخِرِ قَلْبٍ بَيْنَهُمَا يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّبْضِ.
نعمـــــان البربــــري
فايسخ ام تال – المانيا
يوم السبت 2 ربيع الأول 1440هـ،
الموافق لـ 10 تشرين الثاني – نوفمبر 2018م

