كيف يُصنع المعنى في النص القرآني

الإهداء
إلى كل من والدي ووالدتي
إلى من لم يكونا طريقًا فحسب
بل كانا المعنى الذي علّمني كيف أسير
إلى كل وقتٍ منحاني إيّاه قبل أن أعرف قيمة الوقت
وكل اهتمامٍ أحطتُ به قبل أن أعي معنى العناية
وكل توجيهٍ صامتٍ سبق السؤال
وكل حرصٍ لم يكن خوفًا، بل حبًّا يتخفّى في الحكمة
إليكما
وقد كنتما البذرة الأولى لكل معرفة
والظلّ الذي احتميتُ به قبل أن أتعلم الوقوف
واليد التي أمسكت بالخطوة الأولى دون أن تُقيِّد المسير
ما كنتُ لأقرأ لولا أنكما علّمتما قلبي الإنصات
ولا كنتُ لأفهم لولا أنكما ربيتما فيّ الصبر قبل السؤال
ولا كان لهذا الجهد أن يرى النور
لولا تربيةٍ لم تصنع عالمًا صغيرًا
بل فتحت لي باب العالم
هذا العمل ليس ثمرة عقلٍ فقط
بل أثر تربية
وأثر دعاء
وأثر حبٍّ لم يُطالِب يومًا بشكر
فإن كان في هذه الصفحات معنى
فبفضلكما بدأ
وإن كان فيها خير
فإليكما يرجع
رحمكما الله رحمةً تليق بما زرعتما
وجعل ما علَّمتماه لي صدقةً جاريةً عنكما
ما دامت الكلمة تُقرأ
والمعنى يُطلب
والإنسان يتعلّم كيف يبدأ
ابنكما
الذي شرَّفتماه بحمل اسمه كُنيةً لكما: أبا نعمان وأم نعمان

نعمــان البربـــري

———————————-

حين شرعت في مقاربة النص القرآني، ولا سيما البسملة والفاتحة، أدركت منذ اللحظة الأولى أنني لا أقف أمام نص يمكن تطويقه بحقل معرفي واحد. لم يكن الأمر مجرد لغة تُفسَّر، ولا معنى يُشرح، بل شبكة معقّدة من العلاقات بين اللفظ والدلالة، وبين الفهم والسلوك، وبين العقيدة والمنهج.

قلت في نفسي:
“كيف يمكن لنصٍّ بهذا الاتساع أن يُقرأ قراءة أحادية؟”
ثم جاءني الجواب من طبيعة النص نفسه:
“لا يُقارب هذا الكلام إلا بحوار بين العلوم، لا بتسلّط علم على غيره.”

من هنا، بنيتُ هذا البحث على مقاربة تكاملية، لا تجمع العلوم جمعًا اعتباطيًا، بل تُدخلها في حوار منهجي منضبط، تتكامل فيه علوم اللغة، والتفسير، وأصول الفقه، والعقيدة، والدلالة الحديثة، بوصفها دوائر متداخلة لا جزرًا منفصلة.

أولًا: المرجعية اللغوية – حين أؤسّس المعنى من داخل اللفظ

بدأت من اللغة، لا لأنها البداية الزمنية فقط، بل لأنها شرط الفهم الأول. كنت أعي أن اللفظ القرآني ليس وعاءً محايدًا يُسكب فيه المعنى، بل هو جزء من بنيته، وأن أي قراءة تتجاوز اللفظ تفسد المعنى من حيث لا تشعر.

في هذا السياق، وجدت في “الخصائص” لابن جني مرجعًا تأسيسيًا لا غنى عنه. لم أقرأه بوصفه كتابًا في الصرف والنحو فحسب، بل بوصفه رؤية في تولّد الدلالة. علّمني ابن جني أن المعنى لا ينبثق من المفردات المعزولة، بل من انتظام الاسم والفعل في بنية واعية. ومن هنا، استعنت بهذا المنهج في تحليل ألفاظ مركزية مثل “اسم” و”الحمد” و”الرحمة”، لا بوصفها كلمات، بل بوصفها أفعالًا دلالية.

ثم وجدتني أعود إلى “مفردات ألفاظ القرآن” للراغب الأصفهاني، لأنه لا يكتفي بالشرح اللغوي، بل يربط اللفظة بسياقها القرآني الخاص. وهنا توقّفت طويلًا عند الفروق الدقيقة بين الألفاظ المتقاربة، ولا سيما التفريق بين “الرحمن” و”الرحيم”، وبين “الحمد” و”الشكر”.
وسألت نفسي:
“كيف يتغيّر المعنى حين يتغيّر السياق، مع بقاء الجذر واحدًا؟”

أما “مقاييس اللغة” لابن فارس، فقد مثّل بالنسبة لي أداة حاسمة في ردّ الألفاظ إلى أصولها الدلالية الأولى. من خلاله تتبّعت المعنى من الجذر إلى الاستعمال القرآني، وهو ما أفادني بعمق في دراسة مواد مثل (ر ح م) و(س م و / س م ي)، حيث لا يكون الاشتقاق حركة شكلية، بل مسارًا دلاليًا متدرّجًا.

وجاء “لسان العرب” لابن منظور ليمنح هذا التحليل بعده التاريخي الواسع، عبر تتبّع الاستعمالات العربية المتنوعة، والاستشهاد بالشعر والنثر، فشعرت أن الكلمة القرآنية تقف في قلب لغة حيّة، لا في معجم جامد.

ثانيًا: النحو والبلاغة – حين أفهم كيف يتشكّل المعنى من النظم

لم أكتفِ بتحليل الألفاظ منفردة، لأنني أدركت أن المعنى لا يكتمل إلا من خلال النظم. هنا كان عليّ أن أسأل:
“كيف تقول الجملة ما لا تقوله الكلمة وحدها؟”

في هذا الباب، عدت إلى “الكتاب” لسيبويه، لأفهم وظائف التراكيب، مثل باء الاستعانة، والتقديم والتأخير، والحذف ودلالاته. واكتشفت أن هذه العناصر ليست مسائل صناعية، بل مفاتيح دلالية، ولا سيما في تركيب البسملة.

ثم وجدت في عبد القاهر الجرجاني، في “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”، حجر الزاوية في هذا المسار. علّمني أن المعنى لا ينشأ من المفردات متجاورة، بل من انتظامها في سياق مخصوص. وبذلك تعاملت مع البسملة لا بوصفها مجموعة ألفاظ، بل بوصفها وحدة دلالية متكاملة، حيث كل كلمة تأخذ معناها من موقعها، لا من معجمها فقط.

ثالثًا: المرجعية التفسيرية – حين أضبط المعنى في سياقه القرآني

بعد هذا التأسيس اللغوي، انتقلت إلى التفاسير الكبرى، لا لأستبدل اللغة بالتفسير، بل لأضبط الفهم في سياقه الشرعي والتاريخي.

اعتمدت على “جامع البيان” للطبري بوصفه مرجعًا تأسيسيًا، لأنه ينقل أقوال السلف، ويقدّم المعنى كما فُهم في سياقه الأول، ولا يخرج عنه إلا بدليل. كنت أقرأه وأسأل نفسي:
“كيف سُمع هذا النص أول مرة؟”

ثم استفدت من “الكشاف” للزمخشري في التحليل البلاغي والنحوي الدقيق، ولا سيما في قضايا الترتيب والتقديم واختيار الألفاظ. ووجدت في “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي جسرًا يربط الدلالة بالحكم والسلوك، بينما منحني “التحرير والتنوير” لابن عاشور رؤية مقاصدية وفلسفية لبنية الفاتحة، وعلاقتها بالهداية والتكليف.

وفي مجال علوم القرآن، كان “الإتقان” للسيوطي مصدرًا ضروريًا، ولا سيما فيما يتعلّق بالبسملة: هل هي آية؟ وما دلالة الافتتاح القرآني؟ وكيف يؤثّر ترتيب السور في الفهم؟

رابعًا: المرجعية العقدية والفكرية – حين أوجّه المعنى نحو الجهة والغاية

كنت واعيًا أن البسملة لا تُفهم لغويًا فقط، بل عقديًا ومنهجيًا. لذلك، عدت إلى علم التوحيد وأسماء الله الحسنى.

في “المقصد الأسنى” للغزالي، وجدت تحليلًا يربط أسماء “الله” و”الرحمن” و”الرحيم” بدلالاتها السلوكية، لا بوصفها معلومات، بل بوصفها توجيهات للإنسان.
ثم رجعت إلى نصوص ابن تيمية في باب الأسماء والصفات، لأضبط الفهم العقدي، وأمنع التأويل المنفلت الذي يقطع الصلة بين اللفظ والمعنى.

كما استفدت من “الموافقات” للشاطبي في ربط النص بالغاية، وإدراج الدلالة ضمن منظومة المقاصد، ومن أعمال محمد عبد الله دراز، مثل “النبأ العظيم” و”دستور الأخلاق في القرآن”، لإبراز البنية الأخلاقية للفاتحة، والعلاقة العميقة بين العقيدة والسلوك.

خامسًا: الدلالة الحديثة – حين أوسّع أفق القراءة

بوصفها عنصرًا داعمًا لا بديلًا، استعنت بمفاهيم الدلالة الحديثة، لا لأفرضها على النص، بل لأفهم كيف يظل النص حيًّا في الوعي.
وجدت في الربط بين المعنى والسياق والفعل أفقًا جديدًا لقراءة القرآن بوصفه خطابًا موجّهًا، لا نصًا ساكنًا.

وفي أطروحات طه عبد الرحمن، استقرّت لديّ الفكرة الحاسمة:
“النص الديني لا يُفهم ليُشرح فقط، بل ليُعاش بوصفه ممارسة أخلاقية.”

الخلاصة المنهجية: حين أعي أنني أبحث في طريقة القراءة

في نهاية هذا المسار، وصلت إلى قناعة واضحة: دراسة البسملة لا يمكن أن تكون لغوية محضة، ولا تفسيرية تقليدية، ولا فلسفية معزولة. إنها دراسة تكاملية، تقوم على حوار منضبط بين العلوم، حيث تؤسّس اللغة للمعنى، ويضبطه التفسير، ويهذّبه الفقه، وتوجّهه العقيدة، وتُعيد الدلالة الحديثة إحياءه في الوعي المعاصر.

وهكذا أدركت أنني، حين أبحث في البسملة، لا أبحث في الألفاظ وحدها،
بل أبحث في منهج القراءة ذاته.

01- البسملة أنموذجًا لمنهج دلالي معرفي

02- الفاتحة: منهج التشكُّل الإنساني

03-

04-

05-

06-

تنبيه منهجي:
اعتمد هذا الكتاب على مزيج من المصادر التفسيرية واللغوية التراثية، والدراسات الحديثة في الدلالة وتحليل الخطاب، مع تركيز خاص على الدراسات التي تناولت البسملة مباشرة، وذلك انسجامًا مع طبيعة البحث الذي ينطلق من التحليل اللغوي ليبني تصورًا معرفيًا ومنهجيًا.

أولًا: دراسات خاصة بالبسملة (نواة البحث)

  1. العطري، فهد بن زويد.
    البسملة في فاتحة الكتاب بين رواية القرّاء ومذاهب الفقهاء.
    – دراسة في قرآنية البسملة والخلاف الفقهي حولها.
  2. العمروسي، أحمد محمدي إبراهيم.
    تقريب الخطاب في بسملة الكتاب.
    – دراسة في موقع البسملة ووظيفتها في الخطاب القرآني.
  3. عبد العاطي، عادل عبد اللطيف.
    البسملة: تفسيرها وأحكامها.
    – تفسير تحليلي لألفاظ البسملة وأبعادها العقدية.
  4. البسملة في البيان القرآني: خصائصها وأسرارها البلاغية.
    – دراسة بلاغية دلالية.
  5. ترك البسملة في سورة التوبة: أسبابه وأثره في علوم القرآن.
    – دراسة في الحذف ودلالته.
  6. علي القاري الهروي.
    المسألة في البسملة.
    –  تحقيق تراثي في تاريخ النظر في البسملة.
  7. Approaches to Basmala in Islamic Sources and Orientalist Texts.
    –  دراسة مقارنة (باللغة الإنجليزية).
  8. القيصري، إبراهيم بن محمد.
    رسالة موجزة في حق البسملة.
    رسالة تراثية في تقرير موقع البسملة

ثانيًا: مصادر التفسير وعلوم القرآن (الإطار التفسيري)

  1. الطبري، محمد بن جرير.
    جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
  2. الزمخشري، محمود بن عمر.
    الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون التأويل.
  3. البيضاوي، ناصر الدين.
    أنوار التنزيل وأسرار التأويل.
  4. ابن كثير، إسماعيل بن عمر.
    تفسير القرآن العظيم.
  5. القرطبي، محمد بن أحمد.
    الجامع لأحكام القرآن.
  6. السيوطي، جلال الدين.
    الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
  7. ابن عاشور (إن رغبت بإضافته – اختياري لكن قوي):
    التحرير والتنوير.

ثالثًا: أصول التفسير والمقاصد والمنهج

  1. الشاطبي، إبراهيم بن موسى.
    الموافقات في أصول الشريعة.
  2. دراز، عبد الله.
    تجربة الفكر الإسلامي في تفسير القرآن الكريم.
  3. دراز، محمد عبد الله.
    مذاهب التفسير في الإسلام.

رابعًا: العقيدة وأسماء الله (حسم الجهة)

  1. الغزالي، أبو حامد.
    الاقتصاد في الاعتقاد.
  2. الغزالي، أبو حامد (اختياري لكن مهم):
    المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
  3. ابن تيمية.
    مجموع الفتاوى – باب الأسماء والصفات.

خامسًا: اللغة العربية والدلالة والنظم

  1. ابن جني.
    الخصائص.
  2. سيبويه.
    الكتاب.
  3. عبد القاهر الجرجاني.
    دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة.
  4. الثعالبي.
    الكامل في اللغة والأدب.
  5. الراغب الأصفهاني.
    مفردات ألفاظ القرآن.
  6. ابن فارس.
    مقاييس اللغة.
  7. ابن منظور.
    لسان العرب.

سادسًا: اللسانيات والدلالة الحديثة (الدعم المعاصر)

  1. غريماس، أ. ج. – بارت، رولان.
    نظرية الدلالة.
  2. ناتشور صغير.
    مقدمة في التداولية.
  3. مشروع بحث تولّد الدلالة في النص القرآني الرابط التالي

    تولّد الدلالة في النص القرآني