ليل لا يهدأ 05

ليل لا يهدأ

ٱلْجُزْءِ ٱلْخَامِسِ

مُقَدِّمَةُ
دِمَشْقُ لَمْ تَعُدْ تَسْأَلُ…
بَلْ أَصْبَحَتْ تُقَرِّرُ.
فِي تِلْكَ ٱلْمَرْحَلَةِ،
لَمْ تَعُدِ ٱلْحَيَاةُ تُقَاسُ بِمَا يَحْدُثُ…
بَلْ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.
كَانَ ٱلْخَوْفُ قَدْ تَغَيَّرَ…
لَمْ يَعُدْ صَوْتًا يَرْتَفِعُ فِي ٱلْبَعِيدِ،
بَلْ أَصْبَحَ قَرِيبًا،
قَرِيبًا جِدًّا…
إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُسْمَعُ.
لَمْ يَكُنِ ٱلِٱعْتِقَالُ حَادِثَةً…
بَلْ ٱحْتِمَالًا.
ٱحْتِمَالًا يَمُرُّ فِي ٱلشَّارِعِ،
يَقِفُ عِنْدَ ٱلْبَابِ،
يَدْخُلُ دُونَ إِذْنٍ…
وَلَا يَتْرُكُ وَرَاءَهُ سِوَى فَرَاغٍ
لَا يُمْكِنُ مَلْؤُهُ.
ثَلَاثَةٌ كَمَا كَثِيرَين…
لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ يُقَالُ،
وَلَا قِصَّةٌ تُرْوَى…
سِوَى أَنَّهُمْ
جَاءُوا مِنْ مَكَانٍ
قَرَّرَ أَحَدٌ مَا…
أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ ٱلْبَقِيَّةَ.
فَأَصْبَحَ ٱلِٱنْتِمَاءُ تُهْمَةً،
وَأَصْبَحَ ٱلِٱسْمُ…
سُؤَالًا خَطِيرًا.
وَفِي ٱلْبَيْتِ،
لَمْ يَعُدِ ٱلصَّمْتُ رَاحَةً…
بَلْ أَصْبَحَ ثِقْلًا.
كُلُّ زَاوِيَةٍ كَانَتْ تَحْمِلُ ٱسْمًا،
وَكُلُّ مَكَانٍ كَانَ يَنْتَظِرُ صَوْتًا
لَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ.
كَانَ ٱلِٱنْتِظَارُ طَوِيلًا…
وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُمْكِنُ ٱلتَّمَسُّكُ بِهِ،
سِوَى أَمَلٍ خَافِتٍ…
يَتَعَبُ كُلَّ يَوْمٍ،
وَلَا يَخْتَفِي.
“سَامِرٌ” لَمْ يَكُنْ يَعُدُّ ٱلْأَيَّامَ…
بَلْ كَانَ يَعُدُّ مَا تَبَقَّى مِنْهُ.
بَيْنَ ٱلْأَبْوَابِ ٱلْمُغْلَقَةِ،
وَٱلْوُجُوهِ ٱلْمُتْعَبَةِ،
وَٱلْأَخْبَارِ ٱلَّتِي لَا تَكْتَمِلُ…
كَانَ يَتَعَلَّمُ شَيْئًا أَصْعَبَ مِنَ ٱلصَّبْرِ:
أَنْ يُقَرِّرَ…
وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا كَامِلًا
لِيَبْنِي عَلَيْهِ قَرَارَهُ.
ثُمَّ…
لَمْ يَعُدِ ٱلِٱنْتِظَارُ كَافِيًا.
جَاءَ ٱلْخَبَرُ…
لَا كَصَدْمَةٍ،
بَلْ كَحَقِيقَةٍ كَانَ ٱلْخَوْفُ
يُخَفِّفُ مِنْ وَقْعِهَا مُسْبَقًا.
وَلَدٌ…
لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَهُ بَعْدُ.
كِتَابٌ بَقِيَ مَفْتُوحًا…
وَحُلْمٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُكْمِلُهُ.
كَانَ ٱلْوَدَاعُ أَصْغَرَ مِنَ ٱلْكَلِمَاتِ،
وَأَكْبَرَ مِنَ ٱلِٱحْتِمَالِ.
وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ…
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ سُؤَالٌ.
ٱلْقَرَارُ لَمْ يَأْتِ كَفِكْرَةٍ…
بَلْ كَضَرُورَةٍ.
أَنْ يَبْقَى…
لَمْ يَعُدْ شَجَاعَةً.
وَأَنْ يَرْحَلَ…
لَمْ يَكُنْ خِيَارًا.
كَانَ شَيْئًا بَيْنَ ٱلِٱثْنَيْنِ:
مُحَاوَلَةً
لِإِنْقَاذِ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ.
لَمْ يَخْرُجُوا مَرَّةً وَاحِدَةً…
بَلْ تَفَرَّقُوا.
دُفْعَةً…
بَعْدَ دُفْعَةٍ…
كَمَا لَوْ أَنَّ ٱلْبَيْتَ نَفْسَهُ
كَانَ يُقَسَّمُ إِلَى أَجْزَاءٍ،
وَيُرْسَلُ
إِلَى أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ.
كُلُّ رَحِيلٍ
كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ
جُزْءً مِنَ ٱلذَّاكِرَةِ…
وَيَتْرُكُ وَرَاءَهُ
جُزْءً مِنَ ٱلْفَرَاغِ.
بَعْضُ ٱلْأَبْوَابِ فُتِحَتْ…
بَعْدَ جُهْدٍ طَوِيلٍ،
وَكَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ،
وَصَبْرٍ لَمْ يَكُنْ يَكْفِي…
وَبَعْضُهَا…
لَمْ يُفْتَحْ أَبَدًا.
وَفِي ٱلنِّهَايَةِ…
لَمْ يَبْقَ “سَامِرٌ”
كَمَا كَانَ.
لَا لِأَنَّهُ خَسِرَ كَثِيرًا فَقَط…
بَلْ لِأَنَّهُ رَأَى
مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْسَى.
كَانَ يَعْرِفُ…
أَنَّ ٱلْأَوْطَانَ
لَا تَخْتَفِي دَفْعَةً وَاحِدَةً…
بَلْ تَتَفَرَّقُ
فِي قُلُوبِ أَهْلِهَا.
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ ٱلنِّهَايَاتِ…
لَا تَكُونُ ٱلْقِصَّةُ
عَنْ مَا ٱنْتَهَى.
بَلْ عَنْ مَا بَقِيَ…
رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
شَيْءٌ صَغِيرٌ…
قَدْ يَكُونُ ذِكْرَى،
أَوْ صَوْتًا،
أَوْ رَقْمًا…
أَوْ إِنْسَانًا…
يُحَاوِلُ،
لِآخِرِ مَرَّةٍ،
أَنْ يَفْهَمَ…
كَيْفَ يَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ.
—-
فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى لَهُ فِي هَذِهِ الشَّقَّةِ الْفَاخِرَةِ…
بَعْدَ مُغَادَرَةِ الرَّجُلِ بَقِيَ وَحِيدًا صَامِتًا، يُسْنِدُ رَأْسَهُ إِلَى مِسْنَدِ السَّرِيرِ الْخَشَبِيِّ
لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ هُوَ ذَاتُهُ الَّذِي أَلِفَهُ سَامِرُ مِنْ قَبْلُ.
كَانَ صَمْتًا مُثْقَلًا…
لَا يَمُرُّ كَنَسِيمٍ عَابِرٍ،
بَلْ يَسْتَقِرُّ فِي الصَّدْرِ كَحَجَرٍ،
وَيَتَسَرَّبُ إِلَى الأَفْكَارِ كَظِلٍّ لَا يَنْسَحِبُ.
جَلَسَ فِي غُرْفَتِهِ الجَدِيدَةِ
تِلْكَ الَّتِي بَدَتْ أَرْحَبَ، أَنْظَفَ، وَأَقَلَّ قَسْوَةً مِنْ سَابِقَتِهَا
وَلَكِنَّهَا…
لَمْ تَكُنْ أَقْرَبَ إِلَى قَلْبِهِ.
كَانَتْ مَكَانًا يَأْوِي إِلَيْهِ جَسَدُهُ،
بَيْنَمَا رُوحُهُ تَتَسَلَّلُ، بِهُدُوءٍ مرِيرٍ،
نَحْوَ مَكَانٍ آخَر…
مَكَانٍ لَا يُرَى، وَلَكِنَّهُ لَا يَغِيبُ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ…
وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَسْتَدْعِيَ الذِّكْرَى،
فَبَعْضُ الذِّكْرَيَاتِ لَا تُسْتَدْعَى…
بَلْ تَفْرِضُ حُضُورَهَا،
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى الدَّاخِلِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ.
ذٰلِكَ الصَّبَاحُ…
صَوْتُ الهَاتِفِ.
لَمْ يَكُنْ صَاخِبًا،
وَلَكِنَّهُ كَانَ قَاطِعًا…
كَحَدِّ سَيْفٍ يَفْصِلُ بَيْنَ حَيَاتَيْنِ.
“أَأَنْتَ وَالِدُ…؟”
تَوَقَّفَ الصَّوْتُ،
كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُكْمِلَ الاِسْمَ،
أَوْ يَخْشَى أَنْ يُثْبِتَ الحَقِيقَةَ.
“نَعَم.”
“أَنَا مُدِيرُ المَدْرَسَةِ… اِبْنُكَ أُصِيبَ. نَقَلْنَاهُ إِلَى المَشْفَى.”
لَمْ يَقُلْ: “كَيْفَ؟”
وَلَمْ يَقُلْ: “لِمَاذَا؟”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ…
كَانَتِ الأَسْئِلَةُ تَبْدُو صَغِيرَةً،
أَصْغَرَ مِنَ الوَاقِعِ الَّذِي انْفَتَحَ أَمَامَهُ.
وَهَمَسَ فِي دَاخِلِهِ، دُونَ صَوْتٍ:
“هَلْ يَكُونُ هَذَا خَطَأً؟… هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ هُوَ؟”
يَتَذَكَّرُ الطَّرِيقَ…
لَا كَشَوَارِعَ مُتَّصِلَةٍ،
بَلْ كَفَجَوَاتٍ بَيْنَ نَبَضَاتِ قَلْبٍ مُتَسَارِعٍ.
كَيْفَ وَصَلَ؟
لَا يَعْلَم.
كَيْفَ دَخَلَ؟
لَا يَعْلَم.
كَأَنَّ جَسَدَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَقُودُهُ،
بَيْنَمَا عَقْلُهُ تَأَخَّرَ…
رَافِضًا أَنْ يَلْحَقَ بِمَا يَحْدُثُ.
كُلُّ مَا يَعْرِفُهُ…
أَنَّهُ وَقَفَ أَمَامَ بَابِ غُرْفَةٍ،
وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ بِمِعْطَفٍ أَبْيَضَ.
“أَأَنْتَ وَالِدُهُ؟”
أَوْمَأَ،
وَكَأَنَّ الرَّأْسَ أَجَابَ عَنْهُ،
حِينَ عَجَزَ الصَّوْتُ.
نَظَرَ الطَّبِيبُ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً،
لَا عَجَلَةَ فِيهَا…
وَلَا وَعْدَ.
ثُمَّ قَالَ:
“فَعَلْنَا كُلَّ مَا فِي وُسْعِنَا…”
تِلْكَ الجُمْلَةُ…
كَانَتْ بدَايَةَ النِّهَايَةِ،
وَلَكِنَّهُ، يَوْمَهَا، لَمْ يُدْرِكْهَا.
سَأَلَ، كَأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِخَيْطٍ وَاهٍ:
“وَمَاذَا بَعْدُ؟… أَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ آخَرُ؟”
“الرَّصَاصَةُ…”
تَوَقَّفَ الطَّبِيبُ،
وَكَأَنَّهُ يُفَكِّرُ:
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تُقَالَ هَذِهِ الحَقِيقَةُ بِطَرِيقَةٍ أَقَلَّ قَسْوَةً؟”
ثُمَّ قَالَ:
“دَخَلَتْ مِنَ السَّاعِدِ… وَانْفَجَرَتْ فِي البَطْنِ.”
تَجَمَّدَتِ الكَلِمَاتُ فِي أُذُنَيْهِ.
“مَعْظَمُ الأَعْضَاءِ… تَضَرَّرَتْ.”
“معْظَم…؟”
رَدَّدَهَا فِي دَاخِلِهِ،
كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ مَا بَقِيَ بَعْدَ هٰذَا “المعْظَم”.
“مَاذَا بَقِيَ إِذًا؟… أَيَبْقَى الحَيَاةُ بَعْدَ أَنْ يُؤْخَذَ مُعْظَمُهَا؟”
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ.
“يَجِبُ نَقْلُهُ إِلَى مَشْفَى أَفْضَلَ.”
تَعَلَّقَ بِهَا…
لَيْسَ كَاقْتِرَاحٍ،
بَلْ كَطَوْقِ نَجَاةٍ.
قَالَ، بِصَوْتٍ يُخْفِي خَوْفَهُ:
“سَأَنْقُلُهُ… سَأَجِدُ طَرِيقًا.”
وَكَأَنَّهُ يُقْنِعُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْنِعَهُمْ.
وَبَدَأَ الجَرْيُ…
لَا فِي الطُّرُقَاتِ فَقَطْ،
بَلْ بَيْنَ الأَصْوَاتِ،
بَيْنَ الرُّدُودِ البَارِدَةِ،
بَيْنَ الأَبْوَابِ الَّتِي لَا تُفْتَحُ.
“سَيَّارَةُ إِسْعَافٍ؟”
“غَيْرُ مُمْكِنٍ.”
“طَرِيقٌ آمِنٌ؟”
“لَا يُوجَدُ.”
“أَيُّ شَيْءٍ… أَيُّ ثَمَنٍ…”
كَانَ يُقَدِّمُ كُلَّ مَا يَمْلِكُ،
وَمَا لَا يَمْلِكُ.
“خُذُوا البَيْتَ…”
“خُذُوا الأَرْضَ…”
“خُذُوا كُلَّ شَيْءٍ…”
ثُمَّ هَمَسَ، كَأَنَّهُ يُفَاوِضُ القَدَرَ نَفْسَهُ:
“وَاتْرُكُوا لِي مُسْتَقْبَلًا وَاحِدًا… فَقَطْ.”
اللَّيْلُ الأَوَّلُ… مَرَّ،
وَهُوَ مَا زَالَ يَرْكُضُ.
اللَّيْلُ الثَّانِي… جَاءَ،
وَهُوَ مَا زَالَ يُحَاوِلُ.
وَبَيْنَ اللَّيْلَيْنِ…
كَانَ هُنَاكَ سَرِيرٌ،
عَلَيْهِ جَسَدٌ صَغِيرٌ،
يُقَاوِمُ… بِمَا تَبَقَّى فِيهِ مِنْ حَيَاةٍ.
فِي صَبَاحٍ بِلَا لَوْنٍ…
اتَّصَلُوا بِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
“تَعَالَ.”
لَمْ تَكُنْ دَعْوَةً مُسْتَعْجِلَةً…
بَلْ دَعْوَةً صَامِتَةً لِوَدَاعٍ يَقْتَرِبُ.
وَعِنْدَمَا وَصَلَ…
كَانَ الطَّبِيبُ هَادِئًا،
هُدُوءً لَا يُطَمْئِنُ…
بَلْ يُنْذِرُ.
قَالَ:
“لَا جَدْوَى…”
وَفِي هٰذِهِ المَرَّةِ…
فَهِمَ.
شَعَرَ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ قَدِ انْكَسَرَ،
لَيْسَ صَوْتُهُ مَسْمُوعًا،
وَلَكِنَّ أَثَرَهُ بَقِيَ.
قَالَ الطَّبِيبُ:
“اُدْعُوا لَهُ.”
لَمْ يَقُلْ: “سَنُحَاوِلُ.”
وَلَمْ يَقُلْ: “هُنَاكَ أَمَلٌ.”
بَلْ قَالَ:
“اُدْعُوا.”
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ…
عَادَ إِلَى البَيْتِ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ أَرَادَ،
بَلْ لِأَنَّ الطُّرُقَ أُغْلِقَتْ…
وَلَمْ يَبْقَ مَا يُفْعَلُ.
جَلَسَ طَوِيلًا…
وَلَمْ يَدْعُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ:
“بِمَاذَا يَبْدَأُ؟… وَمَاذَا يَطْلُبُ؟”
أَيَقُولُ: “أَنْقِذْهُ؟”
أَمْ يَقُولُ: “خَفِّفْ أَلَمَهُ؟”
وَأَيُّهُمَا أَشَدُّ قَسْوَةً؟
عَادَ إِلَى الحَاضِرِ…
فَتَحَ عَيْنَيْهِ.
الغُرْفَةُ هَادِئَةٌ…
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ فِيهَا كَمَا كَانَ.
كَأَنَّ جُزْءً مِنْهُ
مَا زَالَ هُنَاكَ…
عِنْدَ ذٰلِكَ السَّرِيرِ.
هَمَسَ، دُونَ صَوْتٍ:
“هَلْ كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ أَكْثَر؟”
السُّؤَالُ لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا…
وَلَكِنَّهُ، فِي هٰذِهِ اللَّيْلَةِ،
كَانَ أَثْقَلَ… وَأَصْدَقَ.
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ…
كَأَنَّهُ يَفْتَحُهُمَا لِيَرَى:
“هَلْ خَذَلَتَانِي؟… أَمْ أَنَّهُمَا فَعَلَتَا مَا تَسْتَطِيعَانِ؟”
ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى…
وَلِلمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ…
لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُجِيبَ.
لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُبَرِّرَ…
وَلَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يَهْرُبَ.
بَلْ تَرَكَ السُّؤَالَ فِي مَكَانِهِ…
وَهَمَسَ فِي عُمْقِهِ:
“رُبَّمَا… لَيْسَ كُلُّ سُؤَالٍ خُلِقَ لِيُجَابَ…
بَلْ لِيُعَاشَ.”

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَمْ يَعُدْ فِيهَا الزَّمَانُ يُقَاسُ بِالسَّاعَاتِ، بَلْ بِوَخْزِ الذِّكْرَى…
كَانَ الفَقْدُ عِنْدَ سَامِرَ لَيْسَ حَادِثَةً عَابِرَةً، وَلَا جُرْحًا وَاحِدًا يَنْزِفُ ثُمَّ يَلْتَئِمُ،
بَلْ كَانَ طَبَقَاتٍ مُتَرَاكِمَةً مِنَ الأَلَمِ،
تَتَعَانَقُ وَتَتَثَاقَلُ،
حَتَّى غَدَا لَا يَعْرِفُ:
أَيْنَ يَبْدَأُ الحُزْنُ… وَأَيْنَ يَنْتَهِي؟
لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ ذِكْرَيَاتٍ فَحَسْب،
بَلْ كَانَ يَحْمِلُ شُعُورًا مُرْهِقًا بِالمَسْؤُولِيَّةِ،
كَأَنَّهُ وُكِّلَ بِحِفْظِ العَالَمِ كُلِّهِ… فَأَفْلَتَ مِنْهُ.
وَهَمَسَ فِي أَعْمَاقِهِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِرُ ظِلَّهُ:
“أَكُلُّ مَا ضَاعَ… كَانَ بِسَبَبِي؟
أَمْ أَنَّنِي أُصِرُّ عَلَى أَنْ أَكُونَ المُذْنِبَ… لِأَفْهَمَ مَا لَا يُفْهَم؟”
وَلَدُهُ…
لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ اِبْنٍ رَحَلَ،
بَلْ كَانَ جُرْحًا يَتَكَلَّمُ،
وَسُؤَالًا يَسْتَيْقِظُ كُلَّ لَيْلَةٍ دُونَ إِذْنٍ.
“لِمَاذَا لَمْ أَصِلْ أَسْرَع؟
لِمَاذَا لَمْ أَكْسِرْ كُلَّ الأَبْوَابِ؟
لِمَاذَا لَمْ أَنْتَزِعْهُ مِنَ المَوْتِ كَمَا يُنْتَزَعُ الشَّيْءُ مِنَ النَّار؟”
كَانَ يُعِيدُ المُحَاكَمَةَ…
مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ،
وَيَجْلِسُ فِيهَا قَاضِيًا وَمُتَّهَمًا فِي آنٍ وَاحِد،
وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُصْدِرُ حُكْمًا فِيهِ رَحْمَة.
أَبْنَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ…
لَمْ يَكُونُوا غَائِبِينَ فَقَط،
بَلْ كَانُوا كَأَصْوَاتٍ مَحْبُوسَةٍ خَلْفَ جُدْرَانٍ لَا تُفْتَحُ.
كَانَتْ وُجُوهُهُمْ تَأْتِيهِ،
لَا كَذِكْرَى حَنُونَةٍ،
بَلْ كَأَسْئِلَةٍ حَادَّةٍ:
“هَلْ كُنْتُ أَبًا كَمَا يَنْبَغِي؟
هَلْ كُنْتُ دِرْعًا… أَمْ كُنْتُ مُتَأَخِّرًا دَائِمًا؟
أَمْ أَنَّ القَدَرَ كَانَ أَسْرَعَ مِنِّي فِي كُلِّ مَرَّة؟”
فَيُطْرِقُ رَأْسَهُ،
وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَنْظُرَ فِي أَعْيُنِهِمْ،
حَتَّى وَهُمْ لَيْسُوا هُنَا.
أَمَّا الَّذِينَ بَعُدُوا فِي مَنَافِيهِمْ…
فَقَدْ كَانُوا أَحْيَاءً،
وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ مَتَنَاوَلِ أُبُوَّتِهِ.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَتَنَفَّسُونَ،
يَأْكُلُونَ، يَسِيرُونَ فِي شَوَارِعَ غَرِيبَةٍ،
وَلَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ:
كَيْفَ يَكُونُ أَبًا… مِنْ مَسَافَةٍ؟
“هَلْ تَكْفِي الصَّوْتِيَّاتُ… لِتُعَوِّضَ عَنِ العِنَاق؟
هَلْ تَصِلُ الدُّعَاءَاتُ… إِلَى قُلُوبِهِمْ كَمَا كَانَتْ تَصِلُ يَدِي؟”
كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ الأَبُوَّةَ…
لَيْسَتْ صِفَةً تُحْمَلُ،
بَلْ حُضُورٌ… إِذَا غَابَ، تَبَدَّدَ كُلُّ شَيْء.
وَثُمَّ…
ذٰلِكَ البَحْرُ.
لَمْ يَكُنْ عَاتِيًا كَمَا تَحْكِيهِ الأَسَاطِيرُ،
وَلَا مُرْعِبًا بِصُورَةٍ خَارِقَةٍ لِلْخَيَالِ،
وَلٰكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا…
كَافِيًا لِيُعَرِّيَ الإِنْسَانَ مِنْ وَهْمِ قُوَّتِهِ،
وَيَكْشِفَ لَهُ أَنَّ لَحْظَةً وَاحِدَةً
قَدْ تَهْزِمُ عُمْرًا كَامِلًا مِنَ الاِطْمِئْنَانِ.
هُوَ لَمْ يَنْسَ… وَلَنْ يَنْسَى.
لَمْ يَكُنِ النِّسْيَانُ يَوْمًا مَلَاذًا،
وَلَا الرَّمَادُ يَقْوَى عَلَى إِخْمَادِ جَمْرِ الذِّكْرَيَاتِ
إِذَا مَا هَبَّتْ عَلَيْهِ رِيَاحُ اللَّيَالِي.
فِي يَوْمٍ بَعِيدٍ—أَوْ قَرِيبٍ كَجُرْحٍ لَا يَبْرَأُ—
وَافَقَ،
بِقَلْبٍ مُثْقَلٍ بِالتَّرَدُّدِ،
وَعَيْنٍ تَتَشَبَّثُ بِخُيُوطِ يَقِينٍ آخِرَةٍ،
أَنْ يُرْسِلَ أَبْنَاءَهُ نَحْوَ مَا سَمَّاهُ النَّاسُ
«شَاطِئَ الأَمَانِ»…
هُرُوبًا مِنْ وَطَنٍ
لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ أَحْلَامَ أَبْنَائِهِ،
بَلْ يَلْتَهِمُهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي صَمْتٍ.
كَانَ يَعْلَمُ—فِي أَعْمَاقٍ لَا تَكْذِبُ—
أَنَّ الأَمَانَ لَيْسَ اسْمًا يُقَالُ،
بَلْ حَالٌ تُصَانُ،
وَأَنَّ البِحَارَ لَا تُعْطِي عُهُودًا،
بَلْ تَسْتَعِيرُ الأَرْوَاحَ ثُمَّ تُقَرِّرُ مَتَى تُعِيدُهَا… إِنْ أَرَادَتْ.
فَسَأَلَ نَفْسَهُ،
وَكَأَنَّهُ يُحَاوِرُ قَدَرَهُ:
«أَهٰذَا الشَّاطِئُ مَلَاذٌ حَقًّا؟
أَمْ أَنَّهُ وَهْمٌ يُزَيِّنُهُ التَّعَبُ فِي أَعْيُنِنَا؟»
لَمْ يَقُلْ أَحَدُهُمْ شَيْئًا…
وَلٰكِنَّ الصَمْتَ كَانَ أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ.
كَانَتْ العُيونُ تَقُولُ:
«أَلَا تَرَى؟ لَا مَفَرَّ لَنَا…
أَلَيْسَ البَحْرُ—عَلَى قَسْوَتِهِ—أَرْحَمَ
مِنْ حَيَاةٍ تَأْكُلُنَا بِلَا رَحْمَةٍ؟»
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا…
نَظَرَةً طَوِيلَةً،
كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ فِيهَا شَيْئًا لَا يُقَالُ،
وَقَالَ بِصَوْتٍ يَكْتُمُ اِنْكِسَارَهُ:
«إِنْ مَالَ القَارِبُ…
فَاجْعَلُوا الصِّغَارَ فَوْقَ الرُّؤُوسِ،
لَا تُفْلِتُوا أَيْدِيَهُمْ…
فَإِنَّ حُلُمَنَا كُلَّهُ
يَغْرَقُ إِذَا غَرِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.»
ثُمَّ صَمَتَ…
وَكَأَنَّهُ أَدْرَكَ—مُتَأَخِّرًا—
أَنَّ بَعْضَ الوَصَايَا لَا تُنْقِذُ.
وَافَقَ…
لِأَنَّ الآبَاءَ،
فِي لَحَظَاتِ العَجْزِ،
لَا يَخْتَارُونَ الصَّوَابَ،
بَلْ يَخْتَارُونَ أَقَلَّ الخَسَائِرِ وَجَعًا.
وَكَأَنَّ القَدَرَ—بِهُدُوءٍ مُرِيبٍ—
كَانَ يَرْسُمُ لَهُمْ مَشْهَدًا صَامِتًا،
لَا يُفْهَمُ
إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَحْدُثَ.
فِي وَسَطِ البَحْرِ…
حِينَ اِنْطَوَى اللَّيْلُ عَلَيْهِمْ كَسِتَارٍ ثَقِيلٍ،
وَارْتَجَفَتِ النُّجُومُ فَوْقَهُمْ
كَشُهُودٍ يَخْشَوْنَ الشَّهَادَةَ،
مَالَ القَارِبُ.
لَمْ يَكُنْ مَيْلًا عَابِرًا…
بَلْ كَانَ اِمْتِحَانًا.
وَكَأَنَّ البَحْرَ هَمَسَ فِي أَعْمَاقِهِمْ:
«مَنْ أَنْتُمْ لِتَعْبُرُوا؟
وَبِأَيِّ أَمَلٍ تَتَحَدَّوْنِي؟»
تَعَالَتِ الصَّرَخَاتُ…
صَرَخَاتٌ صَغِيرَةٌ،
وَلٰكِنَّهَا كَانَتْ أَثْقَلَ مِنَ الجِبَالِ فِي قَلْبِهِ:
«لِمَاذَا تَتَحَرَّكُ الأَرْضُ تَحْتَنَا؟!»
فَاحْتَضَنَهُمْ—فِي ذَاكِرَتِهِ—
كَأَنَّهُمْ شُمُوعٌ تَذُوبُ بَيْنَ أَصَابِعِ الخَوْفِ،
وَهَمَسَ—مِنْ مَسَافَةٍ لَا تُقَاسُ—:
«لَا تَخَافُوا… سَتَصِلُونَ.»
ثُمَّ تَوَقَّفَ صَوْتُهُ فِي دَاخِلِهِ،
وَسَأَلَ:
«أَأَنَا أُطَمْئِنُهُمْ…
أَمْ أُحَاوِلُ إِقْنَاعَ نَفْسِي؟»
وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ…
لَمْ تُفَارِقْهُ الصُّورَةُ.
صُورَةُ القَارِبِ
يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ أَيْدٍ تَتَشَابَكُ
لَا طَلَبًا لِلنَّجَاةِ فَقَطْ،
بَلْ خَوْفًا مِنَ الفِرَاقِ
فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ.
كَانَ يَرَاهَا فِي صَمْتِهِ،
فِي مَنَامِهِ،
فِي عُيُونِ أَبْنَائِهِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ بَرِيئَةً…
وَيُحَاوِرُ نَفْسَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ:
«أَكُنْتُ شُجَاعًا… أَمْ هَارِبًا؟»
فَتُجِيبُهُ ذَاتُهُ الأُخْرَى:
«لَوْ أَبْقَيْتَهُمْ…
أَلَمْ يَكُنِ الضَّيَاعُ أَكْبَرَ؟»
فَيُطِيلُ الصَّمْتَ،
ثُمَّ يَقُولُ:
«وَلٰكِنَّ الضَّيَاعَ…
لَيْسَ مَكَانًا نُغَادِرُهُ،
بَلْ شُعُورٌ يَسْكُنُنَا.»
فَتُحَاصِرُهُ ذِكْرَيَاتُهُ بِسُؤَالٍ لَا يَهْدَأُ:
«وَهَلْ نَجَوْتُمْ… حَقًّا؟»
وَفِي لَحْظَةِ اِعْتِرَافٍ مُرَّةٍ،
قَالَ لِنَفْسِهِ—وَصَوْتُ المَوْجِ يَصْطَخِبُ فِي دَاخِلِهِ—:
«مَاذَا كُنْتُ أَمْلِكُ لَهُمْ؟
إِذَا كُنْتُ لَا أَسْتَطِيعُ
أَنْ أَحْمِي حَتَّى مَنْ أُحِبُّ؟»
لَمْ يَبْحَثْ عَنْ إِجَابَةٍ.
فَهِمَ—بِصَمْتٍ مُثْقَلٍ—
أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ حَيَاتَهُمْ،
وَلَا حَتَّى حَيَاتَهُ.
هُوَ لَمْ يَنْسَ…
لِأَنَّ بَعْضَ القَرَارَاتِ
لَا تَنْتَهِي عِنْدَ لَحْظَةِ اِتِّخَاذِهَا،
بَلْ تَبْدَأُ مِنْهَا.
وَلِأَنَّ «شَاطِئَ الأَمَانِ»
لَيْسَ نِهَايَةً دَائِمًا…
بَلْ قَدْ يَكُونُ
بِدَايَةَ سُؤَالٍ أَعْمَقَ:
مَا الأَمَانُ؟
أَهُوَ مَكَانٌ نَصِلُ إِلَيْهِ؟
أَمْ حَالَةٌ نَتَصَالَحُ فِيهَا مَعَ خَوْفِنَا؟
وَهَلْ يُمْكِنُ لِقَلْبٍ
رَأَى قَارِبًا يَمِيلُ بِمَنْ فِيهِ…
أَنْ يَسْكُنَ بَعْدَ ذٰلِكَ أَبَدًا؟
نَجَوْا…
نَعَم،
وَلَكِنَّ شَيْئًا فِي أَعْمَاقِهِ غَرِقَ إِلَى الأَبَد.
الآن…
وَهُوَ جَالِسٌ فِي غُرْفَةٍ جَدِيدَةٍ،
نَظِيفَةٍ، صَامِتَةٍ، خَالِيَةٍ مِنَ الذِّكْرَى…
شَعَرَ أَنَّ الدَّاخِلَ فِيهِ
أَثْقَلُ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَوِيَهُ.
لَمْ يَبْكِ.
وَلَمْ يَغْضَبْ.
كَانَ…
يَحْمِلُ.
وَرُبَّمَا كَانَ الحَمْلُ أَشَدَّ وَطْأَةً مِنَ البُكَاءِ.
هَمَسَ، وَكَأَنَّهُ يَتَعَرَّفُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَوَّلِ مَرَّة:
“هَلْ أَنَا حَزِينٌ…
أَمْ مُذْنِب؟”
ثُمَّ سَكَتَ طَوِيلًا،
قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ، بِصَوْتٍ يَكَادُ يَنْكَسِر:
“أَمْ أَنَّ الحُزْنَ… عِنْدَمَا يَطُولُ، يَتَحَوَّلُ إِلَى اِتِّهَام؟”
كَانَ يَعْرِفُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ…
أَنَّهُ لَا يَرَى نَفْسَهُ ضَحِيَّةً،
بَلْ شَاهِدًا
تَأَخَّرَ… أَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَكْفِي.
وَلَكِنْ…
فِي أَعْمَاقِ أَعْمَاقِهِ،
فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ الَّتِي لَا يَصِلُهَا الصَّوْتُ،
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَشَكَّلُ…
لَيْسَ فِكْرَةً،
بَلْ اِحْتِمَالًا خَافِتًا:
“هَلْ يُمْكِنُ…
أَنْ يَفْعَلَ الإِنْسَانُ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُ،
وَمَعَ ذٰلِكَ… يَخْسَر؟”
تَرَدَّدَ.
لِأَنَّ قَبُولَ هٰذِهِ الفِكْرَةِ…
يَعْنِي أَنْ يُخَفِّفَ الحُكْمَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَهُوَ…
لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ
كَيْفَ يَغْفِرُ.
رَفَعَ رَأْسَهُ ببطء،
وَأَلْقَى نَظْرَةً عَلَى مَا حَوْلَهُ.
كُلُّ شَيْءٍ هَادِئ…
بِشَكْلٍ لَا يُشْبِهُ حَيَاتَهُ،
وَلَا يُشْبِهُ مَا يَضِجُّ فِي دَاخِلِهِ.
لَمْ يَسْأَلْ عَمَّا فَقَدَ.
بَلْ سَأَلَ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ،
كَأَنَّهُ يَطْلُبُ إِذْنًا لِلِاسْتِمْرَار:
“كَيْفَ يَعِيشُ الإِنْسَانُ…
وَهُوَ يَحْمِلُ كُلَّ هٰذَا؟
وَهَلْ يَأْتِي يَوْمٌ…
يَتَحَوَّلُ فِيهِ الحِمْلُ… إِلَى شَيْءٍ يُحْتَمَل؟”
وَلَمْ يَأْتِهِ الجَوَابُ.
لَكِنَّهُ، …
لَمْ يَفِرَّ مِنَ السُّؤَال.

بَيْنَمَا كَانَ سَامِرُ غَارِقًا…
لَا فِي نَوْمٍ يُرِيحُ،
بَلْ فِي سُكُونٍ ثَقِيلٍ يَشْبِهُ الغَرَقَ دُونَ مَاء،
اهْتَزَّ الهَاتِفُ بِخِفَّةٍ،
كَأَنَّهُ طَرْقٌ خَجُولٌ عَلَى بَابٍ أُغْلِقَ طَوِيلًا.
لَمْ يَفْزَعْ…
بَلْ رَفَعَ رَأْسَهُ ببطء،
كَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُفِي أَعْمَاقِهِ
أَيَّ شَيْءٍ يُنْقِذُهُ مِنْ دَوَّامَةِ نَفْسِهِ،
وَلَوْ لِبُرْهَةٍ عَابِرَة.
أَمْسَكَ الهَاتِفَ،
وَفَتَحَ الرِّسَالَة.
كَانَتْ مِنْهَا.
سَامِرْ…
هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ الآنَ؟
هَلْ تَحْتَاجُ شَيْئًا؟
أَرْجُوكَ أَخْبِرْنِي… فَقَطْ لِأَطْمَئِنَّ.
تَثَبَّتَتْ عَيْنَاهُ عَلَى الكَلِمَاتِ،
وَبَقِيَ صَامِتًا طَوِيلًا…
لَيْسَ لِأَنَّهَا غَامِضَة،
بَلْ لِأَنَّهَا وَاضِحَةٌ جِدًّا،
بَسِيطَةٌ إِلَى حَدٍّ مُؤْلِم.
وَهَمَسَ فِي دَاخِلِهِ، كَأَنَّهُ يَسْتَفْهِمُ مِنْ نَفْسِهِ:
“كَيْفَ لِبَعْضِ الكَلِمَاتِ القَلِيلَةِ… أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ هٰذَا الثِّقَل؟”
أَعَادَ قِرَاءَتَهَا…
مَرَّةً،
ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى،
وَكَأَنَّهُ ينقبُ فِي حُرُوفِهَا عَنْ سَبَبٍ خَفِيّ،
عَنْ تَفْسِيرٍ يُطَمْئِنُهُ أَنَّ هٰذَا الاِهْتِمَامَ… لَيْسَ لَهُ.
“لِمَاذَا؟”
لَمْ يَنْطِقْهَا،
وَلَكِنَّهَا ارْتَسَمَتْ فِي دَاخِلِهِ بِحِدَّة.
تَدَفَّقَتِ الذِّكْرَى…
كَيْفَ جَاءَتْ بِهِ إِلَى هٰذَا المَكَان،
دُونَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ تَفَاصِيلَ لَا تَعْنِيهَا.
كَيْفَ تَقَدَّمَتْ خُطْوَةً حِينَ تَرَاجَعَ الجَمِيع.
كَيْفَ بَقِيَتْ إِلَى جَانِبِهِ…
لَا لِوَاجِبٍ،
بَلْ لِشَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْهُ بَعْد.
شَعَرَ بِاِمْتِنَانٍ خَافِت…
يَتَشَكَّلُ فِي صَدْرِهِ.
وَلَكِنَّهُ…
لَمْ يَبْقَ وَحْدَهُ.
خَلْفَهُ،
كَانَ يَنْهَضُ شَيْءٌ آخَر…
أَثْقَل.
هَمَسَ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَسْمَعَ نَفْسَهُ:
“مَاذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُقَدِّمَ لَهَا؟”
صَمْت.
ثُمَّ أَضَافَ، بِمَرَارَةٍ خَفِيَّة:
“وَهَلْ يُطْلَبُ مِنِّي أَنْ أُقَدِّمَ شَيْئًا… أَصْلًا؟
أَمْ أَنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُونَ دَيْنًا ثَقِيلًا… فِي حَيَاةِ أَحَد؟”
لَمْ تَأْتِهِ إِجَابَة.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ…
لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ هٰذَا العَجْزَ عَابِر،
بَلْ كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ تَسْكُنُهُ.
أَمْسَكَ الهَاتِفَ.
كَتَبَ: “أَنَا بِخَيْر…”
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
نَظَرَ إِلَيْهَا…
وَمَسَحَهَا.
كَتَبَ: “لَا تَقْلَقِي…”
ثُمَّ مَسَحَهَا أَيْضًا.
وَتَسَاءَلَ بِصَمْتٍ:
“مَتَى صَارَتِ الكَلِمَاتُ البَسِيطَةُ… كَاذِبَةً إِلَى هٰذَا الحَدّ؟”
بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيل،
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ،
وَبَدَأَ يَكْتُبُ…
لَيْسَ لِيُطَمْئِنَهَا،
بَلْ لِيَكُونَ صَادِقًا
وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَيَاتِهِ.
“آنا…
أَنَا بِخَيْر… أَوْ هٰكَذَا أَبْدُو.
وَلَكِنَّنِي…
لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ بِخَيْرٍ حَقًّا.
مَا فَعَلْتِهِ مِنْ أَجْلِي…
أَكْبَرُ مِنْ أَنْ أَصِفَهُ،
وَأَكْبَرُ رُبَّمَا مِنْ أَنْ أَكُونَ قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ.”
تَوَقَّفَ…
وَكَأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ تَخْرُجُ مِنْهُ تَنْتَزِعُ شَيْئًا مِنْ دَاخِلِهِ.
ثُمَّ كَتَبَ:
“لَا أَقُولُ هٰذَا شُكْرًا فَحَسْب…
بَلْ لِأَنَّ هُنَاكَ سُؤَالًا يُؤْرِقُنِي:
مَاذَا لَوْ كُنْتُ… عِبْئًا؟”
تَرَدَّدَتْ أَصَابِعُهُ،
وَكَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تَكْتُبَ مَا لَا يُغْتَفَر،
ثُمَّ تَابَعَ:
“أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنِي…
لَا أَحْمِلُ تَجَارِبِي فَقَط،
بَلْ أَحْمِلُ وَزْنَهَا إِلَى كُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنِّي.
كَأَنِّي…
لَا أُضِيفُ شَيْئًا،
بَلْ أُثْقِلُ.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ،
وَتَسَاءَلَ فِي سِرِّهِ:
“هَلْ يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يُحِبَّ… مَا يثْقُلُ عَلَيْهِ؟”
ثُمَّ كَتَبَ، بِهُدُوءٍ أَعْمَق:
“أَخَافُ…
أَنْ أَكُونَ نِقْمَةً عَلَى مَنْ يَهْتَمُّ بِي،
لَا لِأَنَّهُمْ ضُعَفَاء،
بَلْ لِأَنِّي…
لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَكُونُ خَفِيفًا.
وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُقَاسِمُ أَلَمِي دُونَ أَنْ أَنْقُلَهُ.”
تَوَقَّفَ طَوِيلًا…
ثُمَّ أَضَافَ، كَأَنَّهُ يَتَرَاجَعُ نِصْفَ خُطْوَة:
“لَا تَقْلَقِي…
أَنَا بِخَيْرٍ الآن.
وَلَكِنَّنِي…
أُفَكِّرُ كَثِيرًا.”
تَأَمَّلَ الرِّسَالَةَ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهَا.
وَتَسَاءَلَ فِي دَاخِلِهِ:
“هَلْ أُطَمْئِنُهَا… أَمْ أَكْشِفُ لَهَا مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى خَفِيًّا؟
وَهَلِ الصِّدْقُ… دَائِمًا خَيْرٌ؟ أَمْ أَنَّهُ أَحْيَانًا يُرْهِقُ مَنْ نُحِبّ؟”
لَكِنَّهُ…
لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ الاِخْتِبَاء.
فَأَرْسَلَ.
وَعِنْدَمَا اِنْطَفَأَتِ الشَّاشَة،
وَعَادَ الصَّمْتُ…
شَعَرَ بِهُدُوءٍ غَرِيب.
لَيْسَ رَاحَةً،
وَلَا طُمَأْنِينَةً،
بَلْ شَيْءٌ يُشْبِهُ…
أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَحْمِلُ السِّرَّ وَحْدَهُ.
وَفِي عُمْقِ ذٰلِكَ الهُدُوء،
مَرَّ سُؤَالٌ خَافِت،
كَأَنَّهُ خَائِفٌ مِنْ نَفْسِهِ:
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى أَحَدٌ…
إِذَا رَأَى كُلَّ هٰذَا الَّذِي فِيَّ؟
أَمْ أَنَّ القُرْبَ… لَا يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً؟”

فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ…
لَمْ يَكُنِ النُّورُ قَدِ اكْتَمَلَ بَعْدُ،
وَلَا النَّوْمُ قَدِ اكْتَمَلَ فِيهِ.
كَانَتِ الغُرْفَةُ تَقِفُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ:
لَيْلٍ لَمْ يَنْسَحِبْ كُلِّيًّا،
وَصَبَاحٍ لَمْ يَجْتَرِئْ بَعْدُ عَلَى الاِنْتِشَار.
اِسْتَيْقَظَ سَامِرُ…
لَيْسَ لِأَنَّهُ اسْتَرَاحَ،
بَلْ لِأَنَّ التَّعَبَ بَلَغَ حَدًّا لَمْ يَعُدْ يَسْمَحُ لِلنَّوْمِ أَنْ يُخَفِّفَهُ.
وَتَسَاءَلَ فِي نِصْفِ وَعْيٍ:
“أَيُمكِنُ لِلتَّعَبِ… أَنْ يَطْرُدَ النَّوْمَ، كَمَا يَطْرُدُ النُّورُ الظِّلَال؟”
مَدَّ يَدَهُ إِلَى الهَاتِفِ…
بِحَرَكَةٍ بَدِيهِيَّةٍ،
كَأَنَّهُ يَتَلَمَّسُ شَيْئًا يُثْبِتُ أَنَّهُ مَا زَالَ فِي الحَاضِر،
وَلَمْ يَذُبْ كُلِّيًّا فِي دَوَّامَةِ مَا مَضَى.
وَهُنَاكَ…
كَانَتْ رِسَالَةٌ.
رَقْمٌ غَرِيب.
يَبْدَأُ بِمِفْتَاحٍ دَوْلِيٍّ
لَمْ تَعُدْ عَيْنَاهُ تَأْلَفَانِهِ مُنذُ زَمَنٍ.
رُوسْيَا.
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ لَحْظَةً…
لَا تَرَدُّدًا فَحَسْب،
بَلْ كَأَنَّهَا تَسْتَأْذِنُ ذَاكِرَتَهُ.
ثُمَّ فَتَحَ الرِّسَالَة.
“صَدِيقِي سَامِر…
أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكْتُبْ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيل،
وَلَكِنِّي أَكْتُبُ إِلَيْكَ الآنَ وَأَنَا مُطْمَئِنٌّ.
ابْنَتِي سيلفا Silva…
تَخَرَّجَتْ حَدِيثًا،
وَتَرْغَبُ أَنْ تَزُورَ دِمَشْق… بَلَدَهَا الَّذِي لَمْ تَرَهُ.
أَرْجُو أَنْ تَرْعَاهَا…
وَأَثِقُ أَنَّكَ سَتَكُونُ مَعَهَا،
كَأَنَّهَا ابْنَتُكَ…
كَمَا هِيَ ابْنَتِي.
سَتَصِلُ إِلَى مَطَارِ بَيْرُوتَ صَبَاحَ الْغَدِ،
وَسَتَكُونُ فِي دِمَشْقَ ظُهْرًا.
مَعَهَا مَفَاتِيحُ الْبَيْتِ،
وَلَكِنَّهَا لَا تَعْرِفُ الطَّرِيقَ.
لَا تَقْلَقْ، هِيَ تَتَحَدَّثُ لُغَتَنَا، لَيْسَ تَمَامًا مِثْلَ لُغَتِكَ.
هَلْ سَتَكُونُ فِي انْتِظَارِهَا عِنْدَ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ ظُهْرَ الْغَدِ فِي مَرَاكِزِ انْطِلَاقِ تَكْسِي بَيْرُوتَ فِي دِمَشْقَ؟
أَنَا أَثِقُ بِكَ.
صَدِيقُكَ الْقَدِيمُ غَسَّانُ.”
لَمْ تَكُنِ الرِّسَالَةُ طَوِيلَةً…
وَلَكِنَّهَا سَقَطَتْ فِي دَاخِلِهِ
كَحَجَرٍ فِي بِئْرٍ عَمِيق.
وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَة…
لَا بِدَهْشَةٍ،
بَلْ بِشَيْءٍ أَثْقَلَ:
مَعْرِفَةٌ تَعُودُ،
وَتَفْتَحُ أَبْوَابًا كَانَ يَظُنُّهَا أُغْلِقَتْ.
تَدَاعَتِ الذِّكْرَيَات…
وَجْهُ صَدِيقِهِ،
مَقَاعِدُ الجَامِعَة،
نِقَاشَاتٌ تَتَّسِعُ لِكُلِّ شَيْء،
وَضَحِكَاتٌ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
أَنَّهَا سَتُصْبِحُ نَادِرَةً… ثُمَّ تَنْقَطِع.
تَذَكَّرَ كَيْفَ تَفَرَّقَتِ الطُّرُق،
وَكَيْفَ بَقِيَ شَيْءٌ وَاحِد…
لَمْ تَمْسَسْهُ المَسَافَات:
الثِّقَة.
هَمَسَ، دُونَ صَوْت:
“كَيْفَ تَثِقُ بِي… إِلَى هٰذَا الحَدّ؟”
ثُمَّ تَوَقَّفَ،
وَسَأَلَ نَفْسَهُ بِصَرَاحَةٍ أَقْسَى:
“وَهَلْ مَا زِلْتُ أَنَا ذٰلِكَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّ هٰذِهِ الثِّقَة؟
أَمْ أَنَّنِي تَغَيَّرْتُ… دُونَ أَنْ أَنْتَبِه؟”
عَادَتْ عَيْنَاهُ إِلَى الجُمْلَة:
“كَأَنَّهَا ابْنَتُكَ…”
تَوَقَّفَ عِنْدَهَا طَوِيلًا.
لَمْ تَكُنْ طَلَبًا…
بَلْ كَانَتْ مِرْآةً.
وَفِيهَا…
رَأَى مَا كَانَ يَتَجَنَّبُهُ.
شَعَرَ بِاِنْقِبَاضٍ فِي صَدْرِهِ…
لَيْسَ خَوْفًا مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ وَحْدَهَا،
بَلْ مِنَ المَعْنَى الَّذِي تَحْمِلُهُ.
“أَبٌ…”
لَمْ يَنْطِقْهَا،
وَلَكِنَّهَا مَرَّتْ فِي دَاخِلِهِ
كَجُرْحٍ قَدِيمٍ يُعَاوِدُ النَّبْض.
وَسَأَلَ نَفْسَهُ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“هَلْ يَكْفِي أَنْ أَكُونَ كُنْتُ أَبًا… لِأَسْتَطِيعَ أَنْ أَكُونَهُ مَرَّةً أُخْرَى؟
أَمْ أَنَّ بَعْضَ الأَدْوَارِ… إِذَا تَكَسَّرَتْ، لَا تُجْبَر؟”
جَلَسَ مُسْتَقِيمًا قَلِيلًا،
وَشَعَرَ بِانْقِسَامٍ فِي دَاخِلِهِ.
صَوْتٌ أَوَّلُ، حَادٌّ وَمُتَعَب:
“لَا… لَسْتَ قَادِرًا. لَيْسَ الآن. لَيْسَ أَنْتَ.
لَا تُضِفْ حِمْلًا جَدِيدًا إِلَى مَا لَا يُحْتَمَل.”
وَصَوْتٌ آخَر…
أَهْدَأ، وَلَكِنَّهُ أَعْمَقُ،
كَأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَمَسَّهُ الاِنْهِزَام:
“وَهَلْ تُرِيدُ أَنْ تَبْقَى كَذٰلِكَ؟
هَلْ سَتَهْرُبُ مِنْ كُلِّ مَا يُشْبِهُ الحَيَاةَ… لِأَنَّهُ يُذَكِّرُكَ بِمَا فَقَدْتَ؟
أَمْ أَنَّكَ سَتُحَاوِلُ مَرَّةً أُخْرَى وَلَوْ كَانَتِ المُحَاوَلَةُ مُؤْلِمَة؟”
نَظَرَ حَوْلَهُ…
الغُرْفَةُ هِيَ هِيَ،
الصَّمْتُ هُوَ هُوَ،
وَلَكِنَّ شَيْئًا دَقِيقًا تَغَيَّر:
لَمْ يَعُدْ هٰذَا الصَّبَاحُ خَالِيًا.
كَانَ فِيهِ…
طَلَبٌ،
وَثِقَةٌ،
وَحَيَاةٌ تَقْتَرِبُ مِنْهُ،
دُونَ أَنْ تَعْلَمَ مَا يَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِهِ.
أَمْسَكَ الهَاتِفَ…
كَتَبَ:
“صَدِيقِي…”
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
لَمْ تَكُنِ الكَلِمَاتُ عَصِيَّةً فَحَسْب،
بَلْ كَانَتْ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا،
وَهُوَ مَا لَمْ يَعْتَدْهُ فِي مِثْلِ هٰذِهِ اللَّحَظَات.
“هَلْ أَعِدُهُ… وَأَنَا لَا أَعْرِفُ نَفْسِي؟
أَمْ أَرْفُضُ… وَأُضَيِّعُ مَا تَبَقَّى مِنْ ثِقَةٍ؟”
بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيل…
كَتَبَ:
“صَدِيقِي…
وَصَلَتْنِي رِسَالَتُكَ،
وَفَهِمْتُ مَا تَعْنِيهِ ثِقَتُكَ… أَكْثَرَ مِمَّا تَعْنِيهِ كَلِمَاتُكَ.
لَا أَعِدُكَ أَنْ أَكُونَ كَمَا تَتَخَيَّل،
وَلَكِنِّي أَعِدُكَ أَلَّا أَكُونَ أَقَلَّ مِمَّا أَسْتَطِيع.
سَأَكُونُ مَعَهَا…
كَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُون.”
تَوَقَّفَ…
قَرَأَ مَا كَتَبَ.
لَمْ يَكُنْ وَعْدًا كَامِلًا،
وَلَا اِعْتِذَارًا صَرِيحًا.
كَانَ…
خُطْوَةً مُرْتَبِكَةً نَحْوَ شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ بَعْد.
أَرْسَلَ الرِّسَالَة.
وَبَقِيَ جَالِسًا…
كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ صَوْتًا لَنْ يَأْتِي.
ثُمَّ هَمَسَ لِنَفْسِهِ، بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ:
“رُبَّمَا…
لَا تَأْتِي الحَيَاةُ دَائِمًا لِتَسْأَلَ إِنْ كُنَّا مُسْتَعِدِّين،
بَلْ تَأْتِي… لِتَرَى إِنْ كُنَّا سَنُحَاوِل.
وَرُبَّمَا…
لَيْسَ المهِمُّ أَنْ نَكُونَ كَامِلِينَ،
بَلْ أَنْ لَا نَرْفُضَ أَنْ نَكُونَ حَاضِرِينَ.”
أَمْسَكَ بِالهَاتِفِ مَرَّةً أُخْرَى…
وَلَمْ تَكُنِ اللَّحْظَةُ هٰذِهِ كَسَابِقَتِهَا،
فَثَمَّةَ شَيْءٌ خَفِيٌّ تَغَيَّرَ فِي دَاخِلِهِ،
شَيْءٌ لَا يُرَى، وَلَكِنَّهُ يُثْقِلُ الأَصَابِعَ وَهِيَ تَسْتَعِدُّ لِلكِتَابَةِ.
لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ لِيَكْشِفَ عَمَّا فِي أَعْمَاقِهِ،
وَلَا لِيُفْضِيَ بِمَا يُثْقِلُ صَدْرَهُ،
بَلْ كَانَ يَكْتُبُ لِيُخْبِرَ…
وَرُبَّمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْتَرِفُ لِنَفْسِهِ
لِيَرْسُمَ حُدُودًا خَفِيَّةً،
أَوْ لِيُهَيِّئَ مَسَافَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ يَخْشَى اقْتِرَابَهُ.
تَوَقَّفَ قَلِيلًا…
وَتَرَدَّدَتْ أَصَابِعُهُ فَوْقَ الشَّاشَةِ،
كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ إِذْنًا مِنْ قَلْبٍ لَمْ يَحْسِمْ أَمْرَهُ بَعْدُ.
ثُمَّ بَدَأَ يَكْتُبُ:
“آنا…
صباحُ الخير.
لَا أَدْرِي كَيْفَ أَبْدَأُ،
وَلَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَبْدَأَ…
وَصَلَتْنِي قَبْلَ قَلِيلٍ رِسَالَةٌ مِنْ صَدِيقٍ قَدِيمٍ جِدًّا،
صَدِيقٍ تَتَجَاوَزُ عِلَاقَتِي بِهِ مَعْنَى الصَّدَاقَةِ العَادِيَّةِ،
كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ زَمَنٍ لَمْ يَعُدْ يَتَكَرَّرُ.
كُنَّا مَعًا عَلَى مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ فِي كُلِّيَّةِ الاقْتِصَادِ بِجَامِعَةِ دِمَشْق،
نَحْمِلُ أَحْلَامًا مُتَشَابِهَةً،
وَنَظُنُّ أَنَّ الطُّرُقَ لَنْ تَفْتَرِقَ بِنَا أَبَدًا…
لَكِنَّهَا افْتَرَقَتْ.
وَبَقِيَ بَيْنَنَا شَيْءٌ…
لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى،
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَفِي.
اسْمُهُ الدُّكْتُورُ غَسَّان،
وَهُوَ الآنَ أُسْتَاذٌ جَامِعِيٌّ فِي رُوسْيَا.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً…
وَارْتَفَعَ سُؤَالٌ خَافِتٌ فِي دَاخِلِهِ:
“هَلْ تَعْنِيهَا هٰذِهِ التَّفَاصِيلُ؟
أَمْ أَنَّنِي أَتَوَارَى خَلْفَهَا؟”
لٰكِنَّهُ لَمْ يَحْذِفْ شَيْئًا…
بَلْ تَابَعَ:
“كَتَبَ لِي طَلَبًا…
بَسِيطًا فِي كَلِمَاتِهِ،
وَلَكِنَّهُ لِغَرَابَةٍ لَا أَفْهَمُهَا
لَيْسَ بَسِيطًا عَلَيَّ.
ابْنَتُهُ الوَحِيدَةُ… سيلفا
تَخَرَّجَتْ حَدِيثًا،
وَتُرِيدُ أَنْ تَزُورَ دِمَشْق…
أَنْ تَرَى المَدِينَةَ الَّتِي كَانَ يُحَدِّثُهَا عَنْهَا طِوَالَ سِنِينَ،
كَأَنَّهَا حُلْمٌ مُؤَجَّلٌ…
أَوْ وَعْدٌ لَمْ يَحِنْ وَقْتُهُ إِلَّا الآن.
وَقَدْ طَلَبَ مِنِّي…
أَنْ أَكُونَ مَعَهَا خِلَالَ وُجُودِهَا هُنَا،
أَنْ أَرْعَاهَا،
أَنْ أُرَافِقَهَا…
كَمَا لَوْ أَنَّهَا ابْنَتِي.”
هُنَا تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ طَوِيلًا…
وَكَأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ خَبَرًا فَقَط،
بَلْ مِرْآةً فُتِحَتْ فَجْأَةً عَلَى مَاضٍ لَمْ يَنْطَوِ.
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ…
ثُمَّ كَتَبَ:
“لَا أُخْفِي عَنْكِ…
لَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أَسْتَقْبِلُ هٰذَا الطَّلَبَ فِي البِدَايَةِ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ صَعْبٌ فَقَط،
بَلْ لِأَنَّهُ أَعَادَ إِلَيَّ أَشْيَاءَ…
أَشْيَاءَ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي وَضَعْتُهَا فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ،
أَوْ أَنَّهَا نَسِيَتْ طَرِيقَهَا إِلَيَّ.
فَلِمَاذَا تَعُودُ الآن؟
وَلِمَاذَا بِهٰذِهِ الطَّرِيقَةِ؟”
سَكَتَتْ أَصَابِعُهُ،
كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ جَوَابًا…
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ.
فَأَكْمَلَ:
“مَعَ ذٰلِكَ…
وَافَقْتُ.
رُبَّمَا لِأَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعِ الرَّفْضَ،
أَوْ لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَرَى…
إِلَى أَيْنَ سَيَقُودُنِي هٰذَا الأَمْرُ.
وَلِذٰلِكَ،
رُبَّمَا سَأَكُونُ مُنْشَغِلًا مَعَهَا خِلَالَ فَتْرَةِ وُجُودِهَا فِي دِمَشْق،
أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ عَلَى قَدْرِ هٰذِهِ الثِّقَةِ…
أَوْ وَ هٰذَا مَا يُقْلِقُنِي
أَنْ أَكُونَ عَلَى قَدْرِ مَا سَيَظْهَرُ فِي دَاخِلِي أَثْنَاءَ ذٰلِكَ.”
تَوَقَّفَ طَوِيلًا…
وَشَعَرَ أَنَّ الرِّسَالَةَ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ،
وَأَنَّ هُنَاكَ كَلِمَاتٍ تَتَرَدَّدُ فِي حَافَّةِ القَوْلِ.
فَأَضَافَ بِبُطْءٍ:
“أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أُخْبِرَكِ…
لَا لِأُبَرِّرَ غِيَابًا،
بَلْ لِأَنَّنِي لَا أُحِبُّ أَنْ أَخْتَفِي
دُونَ أَنْ أَقُولَ لِمَاذَا.
وَرُبَّمَا…
لِأَنَّنِي دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ
اعْتَدْتُ أَنْ أُشَارِكُكِ مَا يَحْدُثُ فِي حَيَاتِي.
فَهَلْ هٰذَا اعْتِيَادٌ فَقَط؟
أَمْ أَنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ لَمْ أُسَمِّهِ بَعْدُ؟”
تَرَدَّدَ…
وَشَعَرَ بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ يَهْبِطُ عَلَى صَوْتِهِ الدَّاخِلِي،
ثُمَّ خَتَمَ:
“أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي بِخَيْرٍ هٰذَا الصَّبَاح؛ وَكُلَّ صَبَاح.”
بَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الرِّسَالَةِ طَوِيلًا…
لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ مَا كَتَبَهُ فَقَط،
بَلْ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَى مَا لَمْ يُكْتَبْ،
إِلَى الفَرَاغَاتِ بَيْنَ الجُمَلِ،
إِلَى التَّرَدُّدِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ،
وَإِلَى الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى صِيَاغَتِهَا.
“هَلْ سَتَفْهَمُ؟
أَمْ أَنَّنِي أُرْسِلُ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ؟
وَهَلْ كُنْتُ أُخْبِرُهَا…
أَمْ كُنْتُ أُخْبِرُ نَفْسِي؟”
وَبِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ…
كَأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ،
أَرْسَلَ الرِّسَالَةَ.
وَمَا إِنْ أُرْسِلَتْ…
حَتَّى شَعَرَ بِشَيْءٍ يَمُرُّ فِي دَاخِلِهِ،
خَفِيفٍ…
وَلَكِنَّهُ وَاضِحٌ.
لَيْسَ ارْتِيَاحًا كَامِلًا،
وَلَا قَلَقًا صَرِيحًا،
بَلْ إِحْسَاسٌ مُرَكَّبٌ،
كَأَنَّ أَبْوَابًا كَانَتْ مُغْلَقَةً بَدَأَتْ تُفْتَحُ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَر.
وَكَأَنَّ حَيَاتَهُ…
لَمْ تَعُدْ خَطًّا وَاحِدًا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ،
بَلْ تَشَعَّبَتْ فِي أَكْثَرَ مِنِ اتِّجَاهٍ،
وَأَنَّهُمَهْمَا حَاوَلَ
لَنْ يَسْتَطِيعَ بَعْدَ الآن
أَنْ يَبْقَى فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ،
لِأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ…
قَدْ بَدَأَ يَتَحَرَّكُ نَحْوَ مَا لَا يَعْرِفُهُ بَعْدُ.

جَاءَتْ رِسَالَتُهَا كَأَنَّهَا تَفْتَحُ بَابًا مِنْ هَوَاءٍ نَقِيٍّ…
نَسِيمٌ خَفِيفٌ يَمُرُّ عَلَى الرُّوحِ فَيُهَدِّئُهَا،
وَيُوهِمُ القَلْبَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَا زَالَ فِي مَوْضِعِهِ.
ثُمَّ شَيْئًا فَشَيْئًا
تَكَاثَفَ ذٰلِكَ الهَوَاءُ،
وَصَارَ أَثْقَلَ مِمَّا يَنْبَغِي،
حَتَّى غَدَا أَقْرَبَ إِلَى شُعُورٍ خَفِيٍّ…
يُشْبِهُ الغَيْرَةَ،
غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَرِّحُ بِاسْمِهِ،
وَلَا يَجْرُؤُ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِنَفْسِهِ.
كَتَبَتْ:
“أَفْهَمُ طَلَبَ صَدِيقِكَ…
وَأَفْهَمُ أَيْضًا أَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْفُضَهُ.
هُنَاكَ أُمُورٌ لَا تُرْفَضُ،
لِأَنَّهَا تَأْتِي مَحْمُولَةً بِثِقَةٍ قَدِيمَةٍ،
وَبِذِكْرَيَاتٍ لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا دُونَ أَنْ يَخْسَرَ شَيْئًا مِنْ نَفْسِهِ.”
تَوَقَّفَتْ…
وَبَدَا أَنَّهَا تَكْتُبُ ثُمَّ تَمْحُو،
تَتَقَدَّمُ كَلِمَةً وَتَتَرَاجَعُ أُخْرَى،
كَأَنَّهَا تَخَافُ أَنْ تَقُولَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ،
أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يَنْبَغِي.
ثُمَّ عَادَتْ، بِحَذَرٍ أَشَدَّ:
“وَرُبَّمَا… هٰذَا خَيْرٌ لَكَ.
أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ شَيْءٌ تَنْشَغِلُ بِهِ،
شَيْءٌ يُخْرِجُكَ قَلِيلًا مِنْ دَاخِلِكَ،
مِنْ تِلْكَ الدَّوَّامَةِ الَّتِي تَدُورُ فِيهَا مُنْذُ مُدَّةٍ.
فَهَلْ نَحْنُ نَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى مَا يُبْعِدُنَا عَنْ أَنْفُسِنَا…
لِنَسْتَطِيعَ أَنْ نَرَاهَا بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ؟”
قَرَأَ سَامِرُ الجُمْلَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ…
لَمْ تَكُنْ اِعْتِرَاضًا صَرِيحًا،
وَلَا مُوَافَقَةً كَامِلَةً،
بَلْ كَانَتْ شَيْئًا بَيْنَ الأَمْرَيْنِ…
تَرْكًا مَشُوبًا بِرَغْبَةٍ خَفِيَّةٍ فِي أَلَّا يَبْتَعِد.
وَكَأَنَّهَا تَقُولُ دُونَ أَنْ تَقُول:
“اِذْهَبْ… وَلَكِنْ لَا تَمْضِ بَعِيدًا.”
ثُمَّ تَابَعَتْ:
“أَنَا أَيْضًا… أُحَاوِلُ أَنْ أَشْغَلَ نَفْسِي.
المُحَامِيَةُ تَتَّصِلُ بِي بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ،
تُخْبِرُنِي أَنَّ القَضِيَّةَ تَتَحَرَّكُ،
وَلَكِنَّهَا… لَا تَتَحَرَّكُ بِالسُّرْعَةِ الَّتِي تُقْنِعُ القَلْبَ
أَنَّ هُنَاكَ نِهَايَةً قَرِيبَةً.
فَهَلْ يَكْفِي أَنْ تَسِيرَ الأُمُورُ…
أَمْ أَنَّنَا نَحْتَاجُ أَنْ نَشْعُرَ بِأَنَّهَا تَسِيرُ نَحْوَنَا؟”
تَوَقَّفَتْ هُنَا…
وَبَدَا أَنَّهَا تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ شَيْءٍ لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تَقُولَهُ.
ثُمَّ وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِهٰذَا الوُضُوحِ
دَخَلَتْ إِلَى مَا كَانَتْ تُحِيطُهُ بِالصَّمْتِ:
“تَرَكْتُهُ… مُنْذُ أَنْ تَعَرَّفْتُ إِلَيْكَ.
وَلَا أَعْرِفُ حَقًّا…
هَلْ كَانَ ذٰلِكَ قَرَارًا وَاعِيًا،
أَمْ أَنَّهُ حَدَثَ كَمَا تَحْدُثُ الأَشْيَاءُ الكَبِيرَةُ…
بِدُونِ إِذْنٍ،
وَبِدُونِ اسْمٍ.”
شَعَرَ سَامِرُ أَنَّ كَلِمَاتِهَا لَا تُقْرَأُ فَقَط…
بَلْ تَمْتَدُّ حَوْلَهُ،
تَأْخُذُ مَكَانَهَا فِي الغُرْفَةِ،
وَتُثْقِلُ الهَوَاءَ الَّذِي يَتَنَفَّسُهُ.
“هُوَ لَمْ يَنْتَظِرْ طَوِيلًا…
تَزَوَّجَ.
وَأَدْخَلَهَا البَيْتَ نَفْسَهُ،
كَأَنَّ الأَمْكِنَةَ لَا تَحْفَظُ أَثَرًا،
وَلَا تَسْأَلُ عَمَّنْ مَرُّوا بِهَا قَبْلًا.”
تَوَقَّفَتِ الجُمْلَةُ…
وَكَأَنَّهَا اكْتَفَتْ بِمَا فِيهَا مِنْ صَمْتٍ.
ثُمَّ أَضَافَتْ، بِنَبْرَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَكُونَ أَخَفَّ،
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ كَشْفًا:
“لَا أَرَى أَوْلَادِي كَمَا يَنْبَغِي…
أَرَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ،
أَوْ عِنْدَ البَابِ،
أَوْ فِي لَحَظَاتٍ عَابِرَةٍ…
كَأَنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِي
وَلَا يَتَوَقَّفُونَ.
فَهَلْ يُمْكِنُ لِلأُمُومَةِ أَنْ تَصِيرَ ذِكْرَى…
وَهِيَ مَا زَالَتْ حَيَّةً؟”
سَكَتَتِ الرِّسَالَةُ قَلِيلًا…
ثُمَّ عَادَتْ، بِنَبْرَةٍ أَخْفَضَ،
كَأَنَّهَا تَتَحَدَّثُ إِلَى نَفْسِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ:
“لِذٰلِكَ…
حِينَ أَقُولُ لَكَ إِنِّي أَفْهَمُ أَنْ تَنْشَغِلَ بِابْنَةِ صَدِيقِكَ…
فَهٰذَا لَيْسَ كَلَامًا يُقَالُ فَقَط.
إِنَّنِي أَعْرِفُ مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ
مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ…
وَمَا مَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ.”
ثُمَّ جَاءَتِ الجُمْلَةُ…
هَادِئَةً فِي صِيَاغَتِهَا،
حَادَّةً فِي أَثَرِهَا:
“وَلَكِنْ…
لَا تَنْشَغِلْ إِلَى الحَدِّ الَّذِي تَنْسَى فِيهِ
أَنَّ هُنَاكَ مَنْ… يَنْتَظِرُكَ أَيْضًا.”
تَوَقَّفَ سَامِرُ عِنْدَهَا طَوِيلًا.
لَمْ تَقُلْ: “أَنَا أَنْتَظِرُكَ.”
وَلَمْ تَقُلْ: “لَا تَذْهَبْ.”
وَلَكِنَّهَا بِذٰلِكَ الاِقْتِصَادِ المُربِكِ
قَالَتْ كِلْتَا الجُمْلَتَيْنِ…
دُونَ أَنْ تَنْطِقَ بِهِمَا.
ثُمَّ خَتَمَتْ:
“اِهْتَمَّ بِنَفْسِكَ…
فَأَنْتَ لَا تُدْرِكُ كَمْ يَكُونُ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا
حِينَ يُهْمِلُهَا.
وَإِذَا احْتَجْتَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا
فَأَخْبِرْنِي.
وَ…
لَا تَتَأَخَّرْ فِي الكِتَابَةِ كَثِيرًا.
فَبَعْضُ الاِنْتِظَارِ…
يَكْبُرُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.”
أَغْلَقَ الرِّسَالَةَ…
وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ طَوِيلًا.
لَمْ تَكُنْ فِي كَلِمَاتِهَا غَيْرَةٌ تُتَّهَمُ صَرَاحَةً،
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ هُنَاكَ…
تَتَسَلَّلُ بَيْنَ السُّطُورِ،
كَخَيْطٍ رَفِيعٍ،
يَشُدُّهُ نَحْوَهَا دُونَ أَنْ يُقَيِّدَهُ،
وَيُقَرِّبُهُ مِنْهَا دُونَ أَنْ يَطْلُبَ ذٰلِكَ بِوُضُوحٍ.
وَفِي دَاخِلِهِ…
نَهَضَ سُؤَالٌ هَادِئٌ،
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَهْلًا:
“هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ حَاضِرًا لِشَخْصَيْنِ…
دُونَ أَنْ أَغِيبَ عَنْ أَحَدِهِمَا؟
وَهَلِ الحُضُورُ يُقَاسُ بِالقُرْبِ…
أَمْ بِمَا نَحْمِلُهُ فِي دَوَاخِلِنَا؟”
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
مُنْذُ أَنْ وَصَلَتْهُ رِسَالَةُ صَدِيقِهِ…
لَمْ تَعُدِ المَسْأَلَةُ تَبْدُو لَهُ مُجَرَّدَ “مُسَاعَدَةٍ”،
وَلَا وَاجِبًا عَابِرًا يُؤَدِّيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
بَلْ بَدَتْ…
كَاخْتِبَارٍ آخَرَ،
اخْتِبَارٍ لَا يَسْأَلُهُ عَمَّا سَيَفْعَلُ فَقَط،
بَلْ عَمَّنْ سَيَكُونُ…
وَهُوَ يَفْعَلُ ذٰلِكَ.
—– 
وَقَفَ سَامِرُ فِي المَكَانِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ،
ثَابِتًا فِي ظَاهِرِهِ،
مُتَحَرِّكًا فِي دَاخِلِهِ بِأَسْئِلَةٍ لَا تَسْتَقِرُّ.
كَانَ يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَوْحَةً صَغِيرَةً،
كَتَبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ وَاضِحٍ:
“Silva”.
وَلِغَرَابَةِ الأَمْرِ…
لَمْ يَكُنِ الاسْمُ مُجَرَّدَ حُرُوفٍ،
بَلْ بَدَا لَهُ كَأَنَّهُ عتَبَةٌ،
سَيَعْبُرُهَا بَعْدَ قَلِيلٍ إِلَى شَيْءٍ لَا يَعْرِفُ مَلَامِحَهُ بَعْدُ.
تَلَفَّتَ حَوْلَهُ قَلِيلًا…
وَتَسَلَّلَ إِلَيْهِ سُؤَالٌ خَافِتٌ:
“مَاذَا أَنْتَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ يَا سَامِرُ؟
أَهِيَ زِيَارَةٌ عَابِرَةٌ سَتَمْضِي كَمَا مَضَتْ غَيْرُهَا،
أَمْ أَنَّكَ تَخْطُو مَرَّةً أُخْرَى نَحْوَ شَيْءٍ سَيُغَيِّرُ فِيكَ مَا ظَنَنْتَ أَنَّهُ اسْتَقَرَّ؟”
لَمْ يَطُلِ الِانْتِظَارُ.
رَآهَا قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ…
أَوْ رُبَّمَا شَعَرَ بِقُدُومِهَا،
فَبَعْضُ الحُضُورِ لَا يُرَى،
بَلْ يُدْرَكُ.
فَتَاةٌ شَقْرَاءُ،
تَخْتَلِطُ فِي خُطُوَاتِهَا العَجَلَةُ بِالتَّرَقُّبِ،
وَفِي عَيْنَيْهَا بَحْثٌ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ التَّعَرُّفِ،
بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ…
كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ صُورَةٍ سَبَقَ أَنْ حَمَلَتْهَا فِي خَيَالِهَا طَوِيلًا.
مَا إِنْ وَقَعَ بَصَرُهَا عَلَى اللَّوْحَةِ…
حَتَّى تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً،
تَأَمَّلَتِ الاسْمَ،
كَأَنَّهَا تَسْأَلُ نَفْسَهَا:
“أَهٰذَا هُوَ؟
أَهٰذَا مَا قَادَنِي إِلَيْهِ كُلُّ هٰذَا الطَّرِيقِ؟”
ثُمَّ دُونَ تَرَدُّدٍ طَوِيلٍ
أَسْرَعَتْ نَحْوَهُ.
“أممو… سامر؟”
خَرَجَ صَوْتُهَا مُتَرَدِّدًا قَلِيلًا،
مُحَمَّلًا بِلَكْنَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ،
وَبِبَرَاءَةٍ خَفِيَّةٍ لَا تُخْفِيهَا المَسَافَاتُ وَلَا السِّنُونَ.
أَجَابَ بِهُدُوءٍ، وَهُوَ يُخْفِضُ اللَّوْحَةَ قَلِيلًا:
“نَعَم… Silva.”
وَقَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الجُمْلَةُ،
كَانَتْ قَدِ اقْتَرَبَتْ مِنْهُ،
وَأَحَاطَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا.
لَمْ يَكُنْ عِنَاقًا عَابِرًا…
كَانَ أَطْوَلَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ اللَّحْظَةُ،
وَأَعْمَقَ مِمَّا يَسْمَحُ بِهِ التَّعَارُفُ الأَوَّلُ،
وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّشَبُّثِ الصَّامِتِ،
كَأَنَّهَا لَا تُعَانِقُهُ هُوَ فَقَط،
بَلْ تُعَانِقُ ذِكْرَى،
أَوْ حُلْمًا،
أَوْ وَطَنًا سَمِعَتْ عَنْهُ حَتَّى ظَنَّتْ أَنَّهَا تَعْرِفُهُ.
تَوَقَّفَ سَامِرُ لَحْظَةً…
دهِشَ مِنْ هٰذَا القُرْبِ المُبَاغِتِ،
فَهُوَ لَمْ يَعْتَدْ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى مَسَافَاتِ النَّاسِ بِهٰذِهِ السُّرْعَةِ،
وَلَا أَنْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَيْهِ.
لَكِنَّهُ لِسَبَبٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ طَوِيلًا
لَمْ يَبْتَعِدْ.
بَلْ شَعَرَ بِوُضُوحٍ غَرِيبٍ
أَنَّ هٰذَا العِنَاقَ لَا يَتَّجِهُ إِلَيْهِ كَفَرْدٍ،
بَلْ إِلَى مَا يُمَثِّلُهُ:
إِلَى المَدِينَةِ،
إِلَى الذِّكْرَيَاتِ،
إِلَى صَدِيقٍ غَابَ… وَتَرَكَ بَدَلًا مِنْهُ وَعْدًا.
تَرَدَّدَتْ يَدَاهُ لَحْظَةً…
ثُمَّ ارْتَفَعَتَا بِبُطْءٍ،
وَرَدَّ العِنَاقَ بِحَذَرٍ،
كَأَنَّهُ يَتَعَلَّمُ شَيْئًا جَدِيدًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
اِبْتَعَدَتْ قَلِيلًا،
وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ،
فِيهِمَا فَرَحٌ وَدَهْشَةٌ،
وَرُبَّمَا شَيْءٌ مِنَ الاِرْتِيَاحِ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ سِوَى أَنَّهَا وَصَلَتْ.
قَالَتْ، بِصَوْتٍ يَشْبِهُ الهَمْسَ:
“أَخِيرًا… دِمَشْق.”
لَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ مُجَرَّدَ اِسْمِ مَكَانٍ،
بَلْ كَانَتْ نُطْقًا بِحُلْمٍ طَالَ اِنْتِظَارُهُ.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرُ،
وَمَرَّ فِي دَاخِلِهِ شُعُورٌ مُرَكَّبٌ:
هِيَ تَأْتِي إِلَيْهَا بِشَوْقٍ طَازَجٍ،
وَهُوَ يَعِيشُ فِيهَا…
وَقَدْ تَعَلَّمَ أَنْ يُخْفِي شَوْقَهُ،
أَوْ يُؤَجِّلَهُ،
أَوْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
قَالَ بِهُدُوءٍ:
“أَهْلًا بِكِ.”
وَلٰكِنَّ الجُمْلَةَ بِبَسَاطَتِهَا
لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِتَحْمِلَ كُلَّ مَا دَارَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَيْنَهُمَا.
اِنْحَنَى قَلِيلًا،
وَحَمَلَ حَقِيبَتَهَا،
فَتَبِعَتْهُ بِنَظَرَاتٍ تَتَنَقَّلُ حَوْلَهَا،
بِفُضُولٍ طِفْلِيٍّ لَا يُخْفِي نَفْسَهُ.
قَالَتْ، وَهِيَ تَلْتَفِتُ إِلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ:
“أُرِيدُ أَنْ أَرَى كُلَّ شَيْءٍ…
كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يَفُوتَنِي شَيْءٌ.”
اِبْتَسَمَ بِخِفَّةٍ،
وَقَالَ:
“سَنُحَاوِلُ…
وَلَكِنْ،
هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُرَى مِنَ المَرَّةِ الأُولَى؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِاهْتِمَامٍ صَادِقٍ:
“وَمَا الَّذِي لَا يُرَى؟”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً،
كَأَنَّهُ يَخْتَارُ كَلِمَاتٍ لَا تَخُونُ مَعْنَاهَا،
ثُمَّ قَالَ:
“مِثْلَ دِمَشْق…
وَمِثْلَ النَّاسِ أَيْضًا.
فَبَعْضُ الأَشْيَاءِ…
تَحْتَاجُ أَنْ نَبْقَى مَعَهَا قَلِيلًا،
لِكَيْ تَكْشِفَ عَمَّا فِيهَا.
فَهَلْ أَنْتِ مُسْتَعِدَّةٌ لِأَنْ تَنْتَظِرِي…
أَمْ أَنَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرَيْ كُلَّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً؟”
اِبْتَسَمَتْ…
اِبْتِسَامَةً تَحْمِلُ قَبُولًا وَتَحَدِّيًا فِي آنٍ مَعًا،
كَأَنَّهَا تَقُولُ:
“سَأَرَى… وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.”
وَبَيْنَمَا كَانَا يَتَّجِهَانِ نَحْوَ الخُرُوجِ…
تَسَلَّلَ إِلَى دَاخِلِ سَامِرَ شُعُورٌ آخَرُ،
شُعُورٌ لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا تَمَامًا،
بَلْ كَأَنَّهُ تَكَرَّرَ مَرَّةً مِنْ قَبْلُ…
مَعَ آنا.
“أَهٰذَا مُجَرَّدُ لِقَاءٍ؟
أَمْ أَنَّ الأَبْوَابَ فِي حَيَاتِي…
لَمْ تَعُدْ تُفْتَحُ صُدْفَةً؟”
لَمْ يُجِبْ.
وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِهُدُوءٍ لَا يَخْلُو مِنَ القَلَقِ
أَنَّ هٰذَا اللِّقَاءَ لَيْسَ عَابِرًا،
وَأَنَّهُ بَابٌ آخَرُ…
يُفْتَحُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ فِيهِ عَلَى اسْتِقْبَالِ أَحَدٍ جَدِيدٍ.
وَمَعَ ذٰلِكَ…
لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُغْلِقَهُ.
رَكِبَا سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ فِي صَمْتٍ خَفِيٍّ، يَتَسَلَّلُ بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ طَرِيفٌ ثَالِثٌ لَا يُرَى وَلَا يُسْمَع، وَلَكِنَّهُ يُثْقِلُ المَسَافَةَ بَيْنَ القَلْبَيْنِ.
جَلَسَتْ “Silva” قُرْبَ النَّافِذَةِ، تُلْصِقُ جَبْهَتَهَا بِالزُّجَاجِ البَارِدِ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَرِدَّ شَيْئًا تَبَعْثَرَ مِنْهَا فِي هٰذِهِ الشَّوَارِعِ، أَوْ أَنْ تَلْتَقِطَ مَا تَبَقَّى مِنْ صُوَرٍ قَدِيمَةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْتَلِعَهَا النِّسْيَانُ.
أَمَّا سَامِرُ، فَأَعْطَى السَّائِقَ العُنْوَانَ بِصَوْتٍ مُقْتَضَبٍ:
“أبو رمانة.”
وَكَأَنَّ الاِسْمَ وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا لِيُثِيرَ طَبَقَاتٍ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ، لَا يَعْرِفُ أَيُّهَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَيُّهَا يَبْقَى مُؤَجَّلًا.
اِنْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ، وَبَدَأَتِ المَدِينَةُ تَنْسَابُ خَلْفَ الزُّجَاجِ كَشَرِيطٍ مُتَقَطِّعٍ، تَخْتَلِطُ فِيهِ مَعَالِمُ الوَاقِعِ بِظِلَالِ الذَّاكِرَةِ؛ فَلَا يُعْرَفُ أَيُّهُمَا أَصْدَقُ: مَا يُرَى، أَمْ مَا يُسْتَحْضَرُ.
لَمْ يَحْتَمِلِ الصَّمْتُ طُولًا، فَالْتَفَتَ سَامِرُ نَحْوَهَا قَلِيلًا، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ يَغْلِبُ عَلَيْهَا التَّرَدُّدُ:
“Silva… أَتُفَضِّلِينَ أَنْ نَتَّجِهَ مُبَاشَرَةً إِلَى بَيْتِ وَالِدِكِ، أَمْ تُرِيدِينَ أَنْ نَذْهَبَ أَوَّلًا إِلَى المَكَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ وَالِدُكِ؟”
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا، وَلَمْ تُحَوِّلْ نَظَرَهَا عَنِ النَّافِذَةِ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تُرَتِّبُ أَفْكَارَهَا فِي دَاخِلِهَا، أَوْ تُفَاوِضُ ذِكْرَيَاتٍ تَرْفُضُ أَنْ تَنْقَادَ بِسُهُولَةٍ.
فَتَابَعَ، وَكَأَنَّهُ يَشْرَحُ مَا لَا يُقَالُ:
“بَيْتُ الجَدَّيْنِ مُغْلَقٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ… وَمُنْذُ وَفَاةِ جَدَّتِكِ، لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرٌ لِحَيَاةٍ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ وَفِي صَوْتِهِ مَسْحَةُ حَنِينٍ خَفِيَّةٍ:
“كُنْتُ أَزُورُهُ أَحْيَانًا… لَا أَدْرِي لِمَاذَا، رُبَّمَا كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أُبْقِيَ شَيْئًا مِنْ غَسَّانَ حَيًّا… أَوْ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَغِبْ كُلِّيًّا.”
عِنْدَ هٰذِهِ النُّقْطَةِ، اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهِ “Silva” بِنَظْرَةٍ مُبَاغِتَةٍ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَخْتَلِطُ فِيهَا الدَّهْشَةُ بِشَيْءٍ آخَرَ لَا يُسَمَّى:
“كُنْتَ تَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ… وَحْدَكَ؟”
أَجَابَهَا بِبَسَاطَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا مَا لَا يُقَالُ:
“نَعَم… وَحْدِي.”
سَكَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ سَأَلَتْ، وَكَأَنَّهَا تَخْتَبِرُ مَا بَقِيَ فِي العَالَمِ مِنْ وُجُوهِ الوَفَاءِ:
“وَهَلْ كَانَ يُجِيبُكَ المَكَانُ؟… أَمْ كُنْتَ تَتَحَدَّثُ إِلَى صَمْتٍ لَا يَرُدُّ؟”
اِبْتَسَمَ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، وَقَالَ:
“أَحْيَانًا… كَانَ الصَّمْتُ أَصْدَقَ مِنْ أَيِّ إِجَابَةٍ.”
لَمْ تَقُلْ “شُكْرًا”، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهَا لَانَتَا بِشَكْلٍ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ فِي دَاخِلِهَا:
“لَمْ تَكُنْ مُضْطَرًّا… وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ.”
أَعَادَ سَامِرُ سُؤَالَهُ، وَفِي صَوْتِهِ هٰذِهِ المَرَّةِ مَزِيدٌ مِنَ الحِرْصِ:
“إِنْ شِئْتِ… نَذْهَبُ أَوَّلًا إِلَى مَكَانٍ يُشْعِرُكِ بِالرَّاحَةِ، ثُمَّ نُؤَجِّلُ الزِّيَارَةَ حَتَّى تَكُونِي أَكْثَرَ اسْتِعْدَادًا.”
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِحَسْمٍ هَادِئٍ، وَقَالَتْ:
“لَا… أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ أَوَّلًا.”
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا، كَأَنَّهَا تَسْتَجْمِعُ شَجَاعَةً مُتَأَخِّرَةً، وَأَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ، وَلَكِنَّهُ أَكْثَرُ ثَبَاتًا:
“مَهْمَا كَانَ وَضْعُهُ… لَا أُرِيدُ أَنْ أَبْنِيَ بدَايَةً جَدِيدَةً فَوْقَ فَرَاغٍ لَمْ أُوَاجِهْهُ بَعْدُ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرُ بِتَأَمُّلٍ، فَتَابَعَتْ، وَعَيْنَاهَا تَعُودَانِ إِلَى الطَّرِيقِ:
“كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُصْلِحَ مَا لَا يَعْرِفُ حَجْمَ تَصَدُّعِهِ؟… وَكَيْفَ يَخْتَارُ مَا يَجِبُ أَنْ يَبْقَى، إِنْ لَمْ يَرَ مَا تَبَقَّى أَصْلًا؟”
سَكَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَتْ، وَكَأَنَّهَا تُحَدِّثُ نَفْسَهَا:
“بَعْدَ ذٰلِكَ… رُبَّمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ: هٰذَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَهُ مَعِي… وَهٰذَا مَا يَجِبُ أَنْ أَتْرُكَهُ خَلْفِي.”
مَرَّ صَمْتٌ قَصِيرٌ، لَكِنَّهُ كَانَ مُثْقَلًا بِمَعَانٍ لَا تُقَالُ؛ صَمْتٌ يَحْمِلُ بَوادِرَ قَرَارٍ، وَظِلَالَ مُوَاجَهَةٍ تَقْتَرِبُ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تَصِلَ قَبْلَ أَوَانِهَا.
أَخَذَ سَامِرُ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ قَالَ لِلسَّائِقِ:
“مِنْ فَضْلِكَ! غَيِّرِ الطَّرِيقَ… لِنَتَّجِهْ إِلَى الْبَيْتِ الْقَدِيمِ فِي دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ فِي الْقَيْمَرِيَّةِ.”
هَزَّ السَّائِقُ رَأْسَهُ، وَانْعَطَفَتِ السَّيَّارَةُ نَحْوَ شَوَارِعَ أَضْيَقَ، تَتَزَاحَمُ فِيهَا البُيُوتُ القَدِيمَةُ كَأَنَّهَا تَحْرُسُ أَسْرَارًا لَمْ يُفْتَحْ بَابُهَا مُنْذُ زَمَنٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَا يَغُوصَانِ فِي تِلْكَ الأَزِقَّةِ، شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي دَاخِلِهِ… سُؤَالٍ لَمْ يَجِدْ لَهُ بَعْدُ جَوَابًا:
“هَلْ نَحْنُ مَنْ نَعُودُ إِلَى الأَمَاكِنِ… أَمْ أَنَّ الأَمَاكِنَ هِيَ الَّتِي تَسْتَدْعِينَا لِنُوَاجِهَ أَنْفُسَنَا؟”
وَفِي لَحْظَةٍ غَامِرَةٍ بِالإِحْسَاسِ، أَدْرَكَ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا إِلَى بَيْتٍ مَهْجُورٍ فَقَط…
بَلْ إِلَى عَتَبَةٍ خَفِيَّةٍ فِي الدَّاخِلِ، قَدْ تُعِيدُ تَشْكِيلَهَا…
أَوْ تُعِيدُ تَشْكِيلَهُ هُوَ أَيْضًا.
فِي القَيْمَرِيَّةِ…
حَيْثُ تَتَعَانَقُ الحَارَاتُ الضَّيِّقَةُ كَأَنَّهَا تَتَوَاطَأُ عَلَى كِتْمَانِ أَسْرَارِهَا فِي صَدْرِ الحَجَرِ العَتِيقِ،
تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ بِهُدُوءٍ، كَأَنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّهَا بَلَغَتْ حُدُودَ مَكَانٍ لَا يَحْتَمِلُ الضَّجِيجَ.
نَزَلَا بِتؤدَةٍ…
وَكَأَنَّ خُطُوَاتِهِمَا، دُونَ وَعْيٍ مِنْهُمَا، صَارَتْ أَخَفَّ وَأَحْذَرَ،
لَا خَوْفًا… بَلْ اِحْتِرَامًا لِمَوْضِعٍ تَتَرَسَّبُ فِي جُدْرَانِهِ بَقَايَا أَصْوَاتٍ، وَآثَارُ مَنْ مَرُّوا مِنْ هُنَا ثُمَّ غَابُوا.
اِنْحَدَرَا عَلَى دَرَجٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ،
مَصْقُولٍ بِلَمْسَاتِ السِّنِينَ،
وَكَأَنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ فِيهِ تَحْمِلُ خطْوَةً مِنْ زَمَنٍ مَضَى،
ثُمَّ دَخَلَا فِي أَزِقَّةِ القَيْمَرِيَّةِ.
كَانَتِ البُيُوتُ تَتَقَارَبُ حَتَّى تَكَادُ تَتَلَامَسُ،
وَالنَّوَافِذُ تُطِلُّ كَعُيُونٍ قَدِيمَةٍ،
تُرَاقِبُ فِي صَمْتٍ، وَتَتَسَاءَلُ:
“مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعُودُونَ… وَبِأَيِّ حِكَايَةٍ يَأْتُونَ؟”
أَمَّا الهَوَاءُ، فَكَانَ مُشْبَعًا بِرَائِحَةٍ مُرَكَّبَةٍ لَا تُوصَفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ…
خَلِيطٌ مِنْ خَشَبٍ عَتِيقٍ، وَرُطُوبَةٍ خَفِيَّةٍ، وَذِكْرَى بَشَرٍ لَمْ يغَادِرُوا المَكَانَ كُلِّيًّا،
بَلْ بَقُوا فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ أَثَرٍ… أَوْ شُعُورٍ.
لَمْ تَكُنْ “Silva” تَتَكَلَّمُ.
كَانَتْ تَسِيرُ بِجَانِبِ سَامِرَ،
وَعَيْنَاهَا تَتَحَرَّكَانِ بِبُطْءٍ، لَا تَنْظُرَانِ فَقَط… بَلْ تَتَحَسَّسَانِ،
كَأَنَّهَا تُفَتِّشُ عَنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ المَشْهَدِ…
شَيْءٍ يُشْبِهُ الإِحْسَاسَ بِالانْتِمَاءِ الَّذِي لَمْ تَعِشْهُ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِهَا كَذِكْرَى غَامِضَةٍ.
تَوَقَّفَ سَامِرُ أَمَامَ بَابٍ خَشَبِيٍّ كَبِيرٍ،
تَآكَلَ لَوْنُهُ، وَتَشَقَّقَتْ حَوَافُّهُ،
وَلَكِنَّهُ مَا زَالَ صَامِدًا…
كَأَنَّهُ يَقُولُ فِي صَمْتٍ عَنِيدٍ:
“لَمْ أُفْتَحْ مُنْذُ زَمَنٍ… وَلَمْ أَسْقُطْ.”
أَخْرَجَ سَامِرُ المِفْتَاحَ،
وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي القُفْلِ فَوْرًا.
تَوَقَّفَ…
وَفِي تَوَقُّفِهِ انْضَوَتْ سَنَوَاتٌ كَامِلَةٌ،
لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ ذِكْرَيَاتٍ، بَلْ وُجُوهًا، وَأَصْوَاتًا، وَوُعُودًا لَمْ تَكْتَمِلْ.
هٰذَا المِفْتَاحُ… لَمْ يَكُنْ أَدَاةً.
كَانَ أَمَانَةً.
تَسَلَّلَتْ إِلَيْهِ ذِكْرَى غَسَّانَ،
يَوْمَ وَضَعَ المِفْتَاحَ فِي يَدِهِ قَبْلَ سَفَرِهِ إِلَى موْسْكُو،
وَقَالَ لَهُ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ، وَلَكِنَّهَا مُثْقَلَةٌ بِمَا لَا يُقَالُ:
“اِحْفَظْهُمْ… لَا تَدَعْهُمْ يَضِيعُونَ.”
وَلَمْ يَكُنْ يَعْنِي الجُدْرَانَ وَحْدَهَا.
هَمَسَتْ “Silva”، وَهِيَ تُرَاقِبُ وَجْهَهُ:
“مَاذَا تَرَى الآن؟… أَتَرَاهُ كَمَا هُوَ… أَمْ كَمَا كَانَ؟”
أَجَابَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
“لَا أَعْلَمُ… رُبَّمَا أَرَاهُ كَمَا لَمْ يَعُدْ يَكُونُ.”
مُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ…
لَمْ يَعُدْ غَسَّانُ.
وَبَقِيَ سَامِرُ…
هُوَ الَّذِي يَأْتِي،
يَسْأَلُ عَنِ الأَبِ،
وَيُجَالِسُ الأُمَّ،
وَيُرَمِّمُ مَا تَصَدَّعَ،
وَيُؤَجِّلُ مَا لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ…
وَيَفْعَلُ، فِي صَمْتٍ، مَا لَوْ كَانَ غَسَّانُ حَاضِرًا لَفَعَلَهُ.
حَتَّى رَحَلَ الأَبُ…
ثُمَّ رَحَلَتِ الأُمُّ…
وَبَقِيَ البَيْتُ، وَالمِفْتَاحُ، وَذِكْرَى لَا تَتَفَكَّكُ.
أَدْخَلَ المِفْتَاحَ،
وَأَدَارَهُ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ،
كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ شَيْئًا نَائِمًا.
صَوْتُ القفْلِ…
لَمْ يَكُنْ صَوْتَ مَعْدِنٍ فَقَط،
بَلْ كَأَنَّهُ تَنَهُّدُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
اِنْفَتَحَ البَابُ.
دَفَعَهُ قَلِيلًا،
فَكَشَفَ عَنْ فِنَاءٍ دَاخِلِيٍّ صَغِيرٍ،
تَتَوَسَّطُهُ أَرْضِيَّةٌ حَجَرِيَّةٌ،
وَتَتَسَلَّقُ مِنْهُ دَرَجَاتٌ نَحْوَ الطَّابِقِ الأَعْلَى،
كَأَنَّهَا تَدْعُو وَلَا تُلِحُّ.
كَانَ الغُبَارُ خَفِيفًا…
وَلَكِنَّهُ حَاضِرٌ بِإِصْرَارٍ،
يَقُولُ:
“هُنَا… لَمْ يَمُرَّ أَحَدٌ مُنْذُ زَمَنٍ.”
لَمْ يَدْخُلْ سَامِرُ فَوْرًا.
تَنَحَّى قَلِيلًا، وَقَالَ بِهُدُوءٍ يَحْمِلُ اِحْتِرَامًا وَتَسْلِيمًا:
“تَفَضَّلِي… هٰذَا المَكَانُ يَعْرِفُكِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُنِي.”
تَوَقَّفَتْ “Silva” عِنْدَ العَتَبَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى البَابِ… ثُمَّ إِلَى الدَّاخِلِ…
وَكَأَنَّهَا تَقِفُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ.
هَمَسَتْ، كَأَنَّهَا تُخَاطِبُ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا:
“هَلْ أَدْخُلُ إِلَى مَكَانٍ… أَمْ إِلَى نَفْسِي؟”
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لَحْظَةً،
ثُمَّ خَطَتْ.
خُطْوَةً… بَعْدَ خُطْوَةٍ.
وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ،
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَنْبَعِثُ فِي دَاخِلِهَا…
لَيْسَ ذِكْرَى عَاشَتْهَا،
بَلْ ذِكْرَى مَوْرُوثَةٌ،
تَتَشَكَّلُ الآنَ كَأَنَّهَا وُلِدَتْ لِتَوِّهَا.
وَقَفَ سَامِرُ خَلْفَهَا،
وَتَرَكَهَا تَتَقَدَّمُ.
لِأَنَّهُ أَدْرَكَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
أَنَّ دَوْرَهُ قَدْ تَغَيَّرَ.
لَمْ يَعُدِ الحَافِظَ…
بَلْ المُسَلِّمَ.
وَبَيْنَ جُدْرَانٍ لَا تَنْسَى،
وَعَتَبَةٍ فُتِحَتْ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ،
وَخُطًى تَدْخُلُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَكَأَنَّهَا تَعُودُ…
بَدَأَ شَيْءٌ جَدِيدٌ،
شَيْءٌ لَا يُشْبِهُ العَوْدَةَ،
وَلَا يُشْبِهُ البِدَايَةَ…
بَلْ يُشْبِهُ الحَقِيقَةَ حِينَ تَظْهَرُ بَعْدَ طُولِ اِخْتِفَاءٍ.
اِقْتَرَبَتْ مِنْ شَجَرَةِ الكَبَّادِ،
فَرَأَتِ اليَاسَمِينَةَ قَدِ الْتَفَّتْ حَوْلَهَا حَتَّى كَادَتْ تُخْفِيهَا،
وَكَأَنَّهَا تُعَلِّمُهَا مَعْنَى العِنَاقِ الَّذِي لَا يُرَى.
اِنْدَمَجَ عِطْرُ زَهْرِ النَّارَنْجِ مَعَ عِطْرِ اليَاسَمِينِ،
فَتَشَكَّلَ فِي الهَوَاءِ سُؤَالٌ غَامِضٌ:
“أَيُمكِنُ لِلرَّوَائِحِ أَنْ تَحْمِلَ ذِكْرَيَاتٍ أَكْثَرَ صِدْقًا مِنَ الكَلِمَاتِ؟”
تَوَقَّفَتْ، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“أَتَشُمُّ هٰذَا؟… كَأَنَّهُ لَيْسَ عِطْرًا فَقَط… بَلْ حِكَايَةٌ.”
أَجَابَ سَامِرُ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَبْتَسِمَ:
“بَلْ هُوَ مَا تَبَقَّى مِنَ الحِكَايَاتِ حِينَ تَعْجِزُ عَنِ البَقَاءِ فِي الصُّوَرِ.”
تَقَدَّمَا نَحْوَ البُحَيْرَةِ الَّتِي تَتَوَسَّطُ البَاحَةَ،
كَأَنَّهَا قَلْبُ البَيْتِ النَّابِضُ،
وَلَكِنْ بِنَبْضٍ خَافِتٍ، يَكَادُ لَا يُسْمَعُ.
نَظَرَتْ “Silva” إِلَى سَطْحِ المَاءِ،
وَقَالَتْ:
“لِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيَّ؟… أَلَيْسَ المَاءُ مِرْآةً فَقَط؟”
رَدَّ سَامِرُ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ:
“رُبَّمَا… وَلَكِنَّ بَعْضَ المَرَايَا لَا تَعْكِسُ الوُجُوهَ، بَلْ مَا خَلْفَهَا.”
مَرَّا بِالإِيوَانِ،
حَيْثُ الظِّلُّ أَعْمَقُ،
وَالسُّكُونُ أَثْقَلُ،
كَأَنَّ المَكَانَ هُنَا يَحْتَفِظُ بِأَسْرَارٍ أَقْدَمَ.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ عِنْدَ طَقْمِ الجُلُوسِ المُزَيَّنِ بِالمُوزَايِيكِ،
تَتَشَابَكُ فِيهِ الأَلْوَانُ كَخُيُوطِ حِكَايَةٍ لَا تَنْتَهِي،
وَتَلْمَعُ حَوَافُّهُ بِخُيُوطٍ فِضِّيَّةٍ،
كَأَنَّهَا تَحْمِلُ بَقَايَا ضَوْءٍ مِنْ زَمَنٍ آخَرَ.
أَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا،
وَبَدَأَتْ تَلْتَقِطُ الصُّوَرَ…
قَرِيبًا… بَعِيدًا… مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ،
كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُحِيطَ بِالمَكَانِ،
أَوْ رُبَّمَا تُثْبِتَ لِنَفْسِهَا أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
قَالَ لَهَا سَامِرُ، وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ مِنَ التَّسَاؤُلِ:
“هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ الصُّوَرَ تَكْفِي؟”
تَوَقَّفَتْ عَنْ التَّصْوِيرِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ:
“لَا أَعْلَمُ… وَلَكِنَّنِي أَخَافُ أَنْ أَفْقِدَهُ إِذَا لَمْ أَحْتَفِظْ بِهِ.”
اِبْتَسَمَ بِحُزْنٍ خَفِيفٍ، وَقَالَ:
“بَعْضُ الأَمَاكِنِ… لَا تُفْقَدُ إِذَا غَادَرْنَاهَا،
بَلْ تُفْقَدُ إِذَا حَاوَلْنَا حَبْسَهَا.”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ،
لَمْ يَكُنْ فَارِغًا…
بَلْ كَانَ مُمْتَلِئًا بِمَا لَا يُقَالُ.
ثُمَّ سَأَلَتْهُ “Silva” بِنَبْرَةٍ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ اليَقِينِ وَالخَوْفِ:
“أَتَظُنُّ أَنَّ هٰذَا البَيْتَ… كَانَ يَنْتَظِرُني؟”
أَجَابَ بَعْدَ تَأَمُّلٍ طَوِيلٍ:
“رُبَّمَا تَنْتَظِرُ الأَمَاكِنُ أَصْحَابَهَا…
وَلَا تَنْسَى مَنْ كَانُوا فِيهَا.”
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
بَيْنَ حَجَرٍ يَحْفَظُ،
وَعِطْرٍ يَسْتَحْضِرُ،
وَصُوَرٍ تُحَاوِلُ أَنْ تُثَبِّتَ مَا لَا يُثَبَّتُ…
كَانَ شَيْءٌ خَفِيٌّ يَتَشَكَّلُ.
لَيْسَ عَوْدَةً…
وَلَا اكْتِشَافًا…
بَلْ وُعْيًا بَطِيئًا،
بِأَنَّ بَعْضَ الأَمَاكِنِ لَا نَدْخُلُهَا فَقَط…
بَلْ تَدْخُلُنَا.
—-
هِيَ قَادِمَةٌ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ،
تَحْمِلُ فِي خُطُوَاتِهَا بَقَايَا طُرُقٍ لَمْ تَنْتَهِ،
وَفِي عَيْنَيْهَا إِجْهَادًا مُتَرَاكِمًا كَأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِالرَّاحَةِ السَّرِيعَةِ.
لَمْ تَجِدْ مَكَانًا يَحْمِلُ مَعْنَى السُّكُونِ الَّذِي تَحْتَاجُهُ،
فَاقْتَرَحَ سَامِرُ بِنَبْرَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الحِرْصِ وَالتَّرَدُّدِ
أَنْ يَذْهَبَا إِلَى شَقَّةِ وَالِدِهَا فِي شَارِعِ المَالِكِي،
حَيْثُ كَانَ قَدْ بَدَأَ، مُنْذُ الأَمْسِ، تَنْظِيفَ بَعْضِ الغُرَفِ،
كَأَنَّهُ يُهَيِّئُ المَكَانَ لِوُصُولٍ كَانَ يَتَوَقَّعُهُ،
نَظَرَتْ إِلَيْهِ،
وَهَزَّتْ رَأْسَهَا بِمُوَافَقَةٍ خَفِيفَةٍ،
وَفِي عَيْنَيْهَا بَقِيَّةُ تَعَبٍ لَمْ يَذُبْ بَعْدُ.
وَلَكِنَّهَا، بَعْدَ خُطْوَاتٍ قَلِيلَةٍ دَاخِلَ البَيْتِ،
تَوَقَّفَتْ، كَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا أَعَادَ تَرْتِيبَ القَرَارِ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ لَا يَخْلُو مِنْ حَسْمٍ:
“أُفَضِّلُ أَنْ نَذْهب إلى بَيْتِ وَالدِي.”
تَوَقَّفَ سَامِرُ،
وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا،
كَأَنَّهُ يَقْرَأُ مَا وَرَاءَ الكَلِمَاتِ.
ثُمَّ أَوْمَأَ ببطء:
“كَمَا تُرِيدِينَ… لَعَلَّ المَكَانَ أَقْدَرُ عَلَى اِحْتِمَالِ التَّعَبِ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ.”
وَقَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ الغُرْفَةَ،
اِلْتَفَتَتْ نَحْوَهُ،
وَبَدَا فِي نَظْرَتِهَا شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى الاِسْتِعَانَةِ مِنْهُ إِلَى الطَّلَبِ.
قَالَتْ:
“لَا تَذْهَبْ… أَعْنِي… لَا أُرِيدُ أَنْ أَبْقَى وَحْدِي فِي هٰذِهِ اللَّيْلَةِ الأُولَى.”
لَمْ يَسْأَلْ: لِمَاذَا؟
لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ السُّؤَالَ لَنْ يُضِيفَ شَيْئًا،
وَأَنَّ الجَوَابَ حَتَّى لَوْ قِيلَ لَنْ يَكُونَ كَامِلًا.
فِي دَاخِلِهَا، لَمْ يَكُنِ الخَوْفُ وَحْدَهُ،
بَلْ شُعُورٌ غَامِضٌ بِأَنَّ الأَمَاكِنَ القَدِيمَةَ
تَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ آخَرَ
لِتَصِيرَ مُمْكِنَةَ الاِحْتِمَالِ.
قَالَ بِهُدُوءٍ يَحْمِلُ وَعْدًا صَامِتًا:
“سَأَبْقَى.”
دَخَلَتْ إِلَى الحَمَّامِ،
وَأُغْلِقَ البَابُ خَلْفَهَا،
وَانْسَابَ صَوْتُ المَاءِ كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُخْفِي مَا فِي دَاخِلِهَا مِنْ تَشَظٍّ.
بَقِيَ سَامِرُ فِي الصَّالُونِ،
يَنْظُرُ إِلَى المَكَانِ بِنَظَرٍ مُخْتَلِفَةٍ
نَظَرِ مَنْ يَفْحَصُ لَيْسَ الأَثَاثَ، بَلِ القُدْرَةَ عَلَى الاِحْتِوَاءِ.
هَمَسَ لِنَفْسِهِ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ الجُدْرَانَ:
“هَلْ تَكْفِي هٰذِهِ المُحَاوَلَةُ؟… أَمْ أَنَّ بَعْضَ التَّعَبِ لَا يُنَظَّفُ؟”
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَقَّالِيَّةِ المُجَاوِرَةِ.
كَانَ اللَّيْلُ يَنْسَحِبُ بِبُطْءٍ عَلَى الشَّارِعِ،
اِشْتَرَى مَا تَحْتَاجُهُ:
مَاءً، وَعَصَائِرَ،
وَقَلِيلًا مِنَ الطَّعَامِ الخَفِيفِ،
وَتِلْكَ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ
الَّتِي لَا يَنْتَبِهُ لَهَا الإِنْسَانُ
إِلَّا حِينَ يَشْعُرُ أَنَّهُ غَرِيبٌ فِي مَكَانٍ يُفْتَرَضُ أَنَّهُ بَيْتُهُ.
وَهُوَ يَعُودُ، تَسَاءَلَ فِي صَمْتٍ:
“أَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ المَكَانُ بَيْتًا… بِمُجَرَّدِ أَنْ نُقِيمَ فِيهِ؟
أَمْ أَنَّ البَيْتَ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ… أَشْبَهَ بِالرُّوحِ؟”
حِينَ دَخَلَ،
كَانَ صَوْتُ المَاءِ مَا يَزَالُ يَنْسَابُ،
كَأَنَّهُ يُطِيلُ لَحْظَةَ العُزْلَةِ.
وَضَعَ الأَغْرَاضَ عَلَى الطَّاوِلَةِ،
وَجَلَسَ،
وَتَرَكَ الصَّمْتَ يَمْلَأُ الفَاصِلَ بَيْنَ الوُجُودَيْنِ.
بَعْدَ قَلِيلٍ،
فُتِحَ البَابُ.
خَرَجَتْ،
وَقَطَرَاتُ المَاءِ مَا زَالَتْ عَلَى شَعْرِهَا،
وَخُطُوَاتُهَا أَخَفُّ،
كَأَنَّ التَّعَبَ لَمْ يَغِبْ،
وَلَكِنَّهُ تَرَاجَعَ قَلِيلًا إِلَى الخَلْفِ.
نَظَرَتْ إِلَى الطَّاوِلَةِ،
ثُمَّ إِلَيْهِ، وَابْتَسَمَتْ:
“كُنْتَ سَرِيعًا.”
قَالَ:
“لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَسْتَحِقُّ التَّأْخِير.”
جَلَسَتْ،
وَبَدَأَتْ تَأْكُلُ بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهَا تَتَعَلَّمُ مِنْ جَدِيدٍ كَيْفَ تَعُودُ إِلَى إِيقَاعٍ بَسِيطٍ كَالطَّعَامِ.
بَعْدَ لُقْمَاتٍ قَلِيلَةٍ،
تَوَقَّفَتْ، وَنَظَرَتْ حَوْلَهَا.
قَالَتْ:
“هٰذِهِ الغُرْفَةُ… كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُهْمَلَةً.”
قَالَ:
“نَظَّفْتُهَا أَمْسِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ،
وَفِي نَظْرَتِهَا سُؤَالٌ صَامِتٌ:
“لِأَجْلِي؟”
فَقَالَ، بِنَبْرَةٍ لَا تَجْزِمُ وَلَا تَنْفِي:
“كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكِ سَتَأْتِينَ… أَوْ رُبَّمَا كُنْتُ أُرِيدُ ذٰلِكَ.”
سَكَتَتْ،
وَلَمْ تُلِحَّ،
لِأَنَّ بَعْضَ الإِجَابَاتِ يَكْفِيهَا أَنْ تُقَالَ نِصْفَ قَوْلٍ.
بَعْدَ أَنْ فَرَغَتْ،
أَسْنَدَتْ ظَهْرَهَا، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا.
قَالَتْ:
“غَرِيبٌ… أَنَا فِي بَيْتٍ لَمْ أَعِشْ فِيهِ يَوْمًا… وَمَعَ ذٰلِكَ لَا أَشْعُرُ بِالغُرْبَةِ.”
أَجَابَ سَامِرُ:
“لِأَنَّ بَعْضَ الأَمَاكِنِ لَا تَسْأَلُ مَنْ نَحْنُ… بَلْ تَتَذَكَّرُنَا قَبْلَ أَنْ نَتَذَكَّرَهَا.”
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا،
وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
ثُمَّ سَأَلَتْهُ:
“وَأَنْتَ… لِمَاذَا لَا تَبْدُو غَرِيبًا هُنَا؟
أَهُوَ المَكَانُ… أَمْ أَنَّ فِيكَ شَيْئًا يَنْتَمِي إِلَيْهِ؟”
تَوَقَّفَ،
وَأَحَسَّ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَطْلُبُ إِجَابَةً سَرِيعَةً،
بَلِ اعْتِرَافًا مُؤَجَّلًا.
قَالَ أَخِيرًا:
“رُبَّمَا… لِأَنِّي لَمْ أَنْقَطِعْ عَنْ العَوْدَةِ إِلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ ذٰلِكَ.”
سَكَتَتْ،
وَتَرَكَتِ الكَلِمَاتِ تَسْتَقِرُّ بَيْنَهُمَا.
نَظَرَتْ إِلَى الغُرْفَةِ مَرَّةً أُخْرَى،
ثُمَّ قَالَتْ بِهُدُوءٍ حَاسِمٍ:
“سَأَنَامُ هُنَا اللَّيْلَةَ.”
ثُمَّ أَضَافَتْ، وَفِي صَوْتِهَا رِقَّةٌ خَفِيَّةٌ:
“وَلَا تغَادِرْ… بَعْدَ أَنْ أَنَامَ.”
اِبْتَسَمَ:
“لَنْ أَغَادِرَ.”
وَحِينَ دَخَلَتْ الغُرْفَةَ،
وَأُغْلِقَ البَابُ خَلْفَهَا،
بَقِيَ سَامِرُ جَالِسًا،
يُصْغِي إِلَى سُكُونِ المَكَانِ،
وَإِلَى شَيْءٍ آخَرَ يَنْبُضُ فِي دَاخِلِهِ.
هَمَسَ:
“أَيَكُونُ هٰذَا بَدْءً؟… أَمِ اسْتِئْنَافًا لِمَا لَمْ يَكْتَمِلْ؟”
وَلَمْ يَجِدْ إِجَابَةً.
لِأَنَّ بَعْضَ البِدَايَاتِ…
لَا تُعْلِنُ نَفْسَهَا،
بَلْ تَتَسَلَّلُ،
كَحُضُورٍ خَفِيٍّ،
ثُمَّ بِدُونِ إِذْنٍ
تُصْبِحُ حَقِيقَةً.

كَتَبَ، وَاللَّيْلُ يَنْسَحِبُ بِهُدُوءٍ عَلَى جُدْرَانِ البَيْتِ،
وَالسُّكُونُ يَتَّسِعُ حَتَّى يَكْشِفَ مَا يَخْتَبِئُ فِي الدَّاخِلِ…
كَانَتْ “Silva” نَائِمَةً فِي الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ،
وَنَفَسُهَا المُنْتَظِمُ يَتَسَلَّلُ كَإِيقَاعٍ خَفِيٍّ يُطَمْئِنُ المَكَانَ،
أَمَّا هُوَ، فَكَانَ جَالِسًا وَحْدَهُ،
يُحَاوِلُ أَنْ يُرَتِّبَ نَهَارًا لَمْ يَكُنْ عَادِيًّا.
أَمْسَكَ هَاتِفَهُ،
وَتَوَقَّفَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ،
كَأَنَّهُ يَسْأَلُ نَفْسَهُ:
“هَلْ تُكْتَبُ الأَحدَاثُ في الأَيَّام… أَمْ تُعَاشُ فَقَط؟”
ثُمَّ بَدَأَ:
“آنا…
أَكْتُبُ إِلَيْكِ الآنَ،
بَيْنَمَا هِيَ نَائِمَةٌ فِي الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ،
وَالبَيْتُ هَادِئٌ عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ الأَفْكَارَ أَعْلَى صَوْتًا مِمَّا يَنْبَغِي.
كَانَ اليَوْمُ طَوِيلًا…
أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ،
لَيْسَ بِالسَّاعَاتِ… بَلْ بِمَا احْتَوَاهُ مِنْ مَشَاعِرَ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهَا.
اِسْتَقْبَلْتُهَا فِي المَحَطةِ،
وَكَانَ فِي طَرِيقَةِ اِقْتِرَابِهَا شَيْءٌ غَرِيبٌ…
لَمْ تَكُنْ تَرَانِي كَغَرِيبٍ،
بَلْ كَأَنَّهَا تَعْرِفُنِي مُنْذُ زَمَنٍ لَا أَعْلَمُهُ.
تَسَاءَلْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ:
“أَيُمْكِنُ لِبَعْضِ اللِّقَاءِاتِ أَنْ تَسْبِقَ أَنْفُسَهَا؟”
ذَهَبْنَا إِلَى القَيْمَرِيَّةِ…
إِلَى بَيْتِكُمْ القَدِيمِ.
فَتَحْتُ البَابَ بِالمِفْتَاحِ الَّذِي لَمْ أُفَارِقْهُ،
وَلَكِنِّي أَدْرَكْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ
أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَفْتَحُ بَابًا،
بَلْ أُوقِظُ مَكَانًا مِنْ سُبَاتِهِ.
تَجَوَّلَتْ فِي البَيْتِ كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ…
فِي الجُدْرَانِ، فِي الشَّجَرَةِ، فِي البُحَيْرَةِ،
فِي تَفَاصِيلَ لَمْ تَعِشْهَا…
وَلَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِهَا كَأَنَّهَا تَذْكُرُهَا.
وَسَأَلْتُ نَفْسِي:
“هَلْ يُمْكِنُ لِلذِّكْرَى أَنْ تُورَثَ… دُونَ أَنْ تُعَاشَ؟”
اِلْتَقَطَتْ كَثِيرًا مِنَ الصُّوَرِ،
وَلَكِنِّي لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدًا:
هَلْ كَانَتْ تُصَوِّرُ المَكَانَ… أَمْ تُحَاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ؟
ثُمَّ بَدَا عَلَيْهَا التَّعَبُ،
تَعَبٌ لَا يَخُصُّ الجَسَدَ وَحْدَهُ،
بَلْ المَسَافَةَ… وَمَا تَرَكَتْهُ وَرَاءَهَا.
اِقْتَرَحْتُ أَنْ نَذْهَبَ إِلَى شَقَّةِ وَالِدِهَا فِي المَالِكِي،
كُنْتُ قَدْ نَظَّفْتُ بَعْضَ الغُرَفِ بِالأَمْسِ…
وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ لِمَاذَا.
الآنَ… أَعْلَمُ.
لَكِنَّهَا اخْتَارَتْ أَنْ تَبْقَى هُنَا،
وَقَالَتْ لِي بِبَسَاطَةٍ لَا تَحْتَاجُ تَفْسِيرًا:
“لَا تَذْهَبْ.”
وَكَانَ فِي طَلَبِهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ كَلِمَاتٍ…
كَأَنَّهَا تَقُولُ:
“لَا تَتْرُكْنِي أَمَامَ ذَاكِرَةٍ لَا أَعْرِفُهَا وَحْدِي.”
نَزَلْتُ إِلَى البَقَّالِيَّةِ،
وَعُدْتُ بِمَا تَحْتَاجُهُ،
وَعِنْدَمَا خَرَجَتْ مِنَ الحَمَّامِ،
بَدَتْ أَخَفَّ…
لَيْسَ لأَنَّ التَّعَبَ زَالَ،
بَلْ لأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ فِيهَا.
قَالَتْ شَيْئًا لَفَتَنِي:
إِنَّهَا لَا تَشْعُرُ بِالغُرْبَةِ هُنَا.
وَلَمْ أُجِبْهَا كَثِيرًا،
لِأَنِّي شَعَرْتُ أَنَّ الإِجَابَةَ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ،
بَلْ شَيْءٌ يُفْهَمُ دُونَ أَنْ يُقَالَ.
الآنَ هِيَ نَائِمَةٌ،
نَوْمًا عَمِيقًا…
يُشْبِهُ الوُصُولَ، لَا الرَّاحَةَ فَقَط.
آنا…
لَمْ تَغِيبِي عَنْ ذَاكِرَتِي اليَوْمَ… وَلَا لَحْظَةً.
كُنْتِ حَاضِرَةً فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ:
فِي البَيْتِ،
فِي طَرِيقَةِ نَظَرِي إِلَى الأَشْيَاءِ،
فِي الصَّمْتِ الَّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا،
وَحَتَّى فِي الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَمْ أُجِبْ عَنْهَا.
تَسَاءَلْتُ:
“كَيْفَ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانَيْنِ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ؟”
وَلَكِنِّي عِشْتُ ذٰلِكَ اليَوْمَ.
أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أُخْبِرَكِ…
أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ،
لَمْ يَمُرَّ بِي وَحْدِي…
بَلْ مَرَّ بِي وَأَنْتِ فِيهِ.
هَلْ تَشْعُرِينَ بِذٰلِكَ أَيْضًا؟… أَمْ أَنَّ بَعْضَ الحُضُورِ لَا يُدْرَكُ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؟
أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي بِخَيْرٍ الآنَ،
وَأَنْ يَكُونَ هٰذَا المَسَاءُ أَخَفَّ عَلَيْكِ مِنْ غَيْرِهِ.
سَامِر.”
تَوَقَّفَ عَنِ الكِتَابَةِ،
وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ لَحْظَةً،
كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَنْ تُجِيبَ الكَلِمَاتُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُكْتَبْ.
ثُمَّ هَمَسَ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ:
“أَهِيَ رِسَالَةٌ… أَمِ اِعْتِرَافٌ مُؤَجَّلٌ؟”
وَفِي صَمْتِ اللَّيْلِ،
كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ تَأْتِيَهُ الْإِجَابَةُ سَرِيعًا…
لَا بِصَفَةِ مَنْ يَتَرَقَّبُ رَدًّا عَابِرًا،
بَلْ كَمَنْ يُصْغِي إِلَى صَدًى يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْهِ… وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
كَانَ قَدِ اعْتَادَ مِنْهَا سُرْعَةً تَكْتَادُ تُشْبِهُ الحُضُورَ،
حَتَّى لَيَخْيَلُ إِلَيْهِ أَنَّ كَلِمَاتِهَا لَا تَصِلُهُ مِنْ بُعْدٍ،
بَلْ تَنْبُتُ قُرْبَ قَلْبِهِ،
كَأَنَّهَا تُكْمِلُ مَا يَعْجِزُ عَنْ قَوْلِهِ.
لٰكِنَّ هٰذِهِ المَرَّةَ…
تَأَخَّرَتِ الإِجَابَةُ.
وَلَمْ يَكُنِ التَّأَخُّرُ مُجَرَّدَ فَارِقِ وَقْتٍ،
بَلْ فَارِقُ شُعُورٍ…
تَسَلَّلَ إِلَيْهِ دُونَ إِذْنٍ.
نَظَرَ إِلَى الشَّاشَةِ…
مَرَّةً،
ثُمَّ أُخْرَى،
ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا كَأَنَّهُ يَسْتَفْسِرُ مِنْهَا:
“أَلَا يَنْبَغِي لِلكَلِمَاتِ الصَّادِقَةِ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَهَا أَسْرَعَ؟
أَمْ أَنَّ الصِّدْقَ—حِينَ يَبْلُغُ ذُرْوَتَهُ—يُصْبِحُ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُجَابَ عَلَيْهِ بِعَجَلَةٍ؟”
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ…
سِوَى رِسَالَتِهِ،
وَكَأَنَّهَا—بَعْدَ أَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ—
عَادَتْ لِتُجَالِسَهُ،
تُحَاوِرُهُ هِيَ هٰذِهِ المَرَّةَ.
وَضَعَ الهَاتِفَ إِلَى جَانِبِهِ…
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ عَادَ فَأَمْسَكَهُ.
لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ تَرَدُّدًا فَحَسْب،
بَلْ مُحَاوَلَةً خَفِيَّةً لِفَهْمِ نَفْسِهِ:
“هَلِ الاِنْتِظَارُ خِيَارٌ أَمْ قَدَرٌ؟
هَلْ أَنْتَظِرُهَا… أَمْ أَنْتَظِرُ نَفْسِي فِي مَا سَتَقُولُهُ؟”
تَنَهَّدَ بِخُفُوتٍ،
وَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى المِقْعَدِ،
كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْ فِكْرِهِ وُقُوعَ هٰذَا السُّؤَالِ.
رَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ بَابِ الغُرْفَةِ المُغْلَقِ،
حَيْثُ تَنَامُ سِيلفا،
وَأَصْغَى إِلَى صَمْتِ البَيْتِ…
ذٰلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي لَا يَخْلُو،
بَلْ يَمْتَلِئُ بِأَشْيَاءَ تُشْبِهُ الْحَيَاةَ دُونَ وُجُودٍ كَامِلٍ،
بِأَنْفَاسٍ هَادِئَةٍ،
وَبِذِكْرَيَاتٍ تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ القَلْبِ.
وَهُنَاكَ…
تَسَلَّلَ إِلَيْهِ سُؤَالٌ آخَرُ،
أَعْمَقُ، وَأَشَدُّ صِدْقًا:
“أَيَكُونُ الاِنْتِظَارُ لِمَنْ نُحِبُّ…
أَمْ لِمَا نَخْشَى أَنْ نَسْمَعَهُ مِنْهُمْ؟”
عَادَ إِلَى رِسَالَتِهِ،
وَقَرَأَهَا مَرَّةً أُخْرَى،
بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهُ يَقْرَؤُ نَفْسَهُ… لَا كَلِمَاتِهِ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ:
“كُلُّ مَا حَدَثَ… مَرَّ بِي، وَأَنْتِ فِيهِ.”
تَأَمَّلَهَا طَوِيلًا،
ثُمَّ هَمَسَ، كَأَنَّهُ يُجِيبُ عَنْ نَفْسِهِ:
“أَوَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَقُولَ ذٰلِكَ؟
أَمْ أَنَّ بَعْضَ المَشَاعِرِ—حِينَ تُقَالُ—تُصْبِحُ أَثْقَلَ مِمَّا تُحْتَمَلُ؟”
أَغْلَقَ الشَّاشَةَ بِبُطْءٍ…
لَا عَجَلَةَ فِي حَرَكَتِهِ،
وَلَا هُرُوبَ فِي قَرَارِهِ،
بَلْ شَيْءٌ مِنَ التَّسْلِيمِ الهَادِئِ.
لِأَنَّهُ أَدْرَكَ—فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ—
أَنَّ بَعْضَ الرَّسَائِلِ
لَا تُرْسَلُ لِتُجَابَ،
بَلْ لِتَكْشِفَ مَا فِينَا.
وَأَنَّ بَعْضَ الاِنْتِظَارِ…
لَا يَكُونُ ضَعْفًا،
بَلْ شَجَاعَةً مُؤَجَّلَةً.
ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا،
وَتَرَكَ اللَّيْلَ يَمْضِي…
دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ إِجَابَةً.
لِأَنَّهُ فَهِمَ أَخِيرًا:
“لَيْسَ كُلُّ صَمْتٍ غِيَابًا…
وَلَا كُلُّ تَأَخُّرٍ نِسْيَانًا…
فَبَعْضُ القُلُوبِ،
تَحْتَاجُ وَقْتًا…
لِكَيْ تَجْرُؤَ عَلَى أَنْ تُجِيبَ.”
مَرَّت سَاعَة…
وَالْهَاتِفُ يَثْبُتُ عَلَى الشَّاشَةِ، صَامِتًا كَمَنْ يُعاقِبُهُ بِصَمْتٍ قَاسٍ.
كأنَّها تُرْسِلُ لَهُ تَأْدِيبًا بِصُوْتٍ صَافٍ:
يَوْمٌ وَاللَّيْلَةُ كَامِلَتَانِ، وَأَنْتَ هُهُنا، تَنْتَظِرُ…
وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ غِيَابِهَا، كَمَا تَثْقُلُ عَلَى عُيُونِهِ لْمَسَاتُ زَمَانٍ تَرَكَتْهُ وَحْدَهُ.
قَلْبُهُ يَخْفِقُ، وَنَفَسُهُ يَتَوَتَّرُ،
وَهُوَ يَتَفَحَّصُ الشَّاشَةَ كَأَنَّهُ يَرْجُو مِنْهَا أَنْ تُفَكِّرَ بِهِ…
أَوْ أَنْ تُخْبِرَهُ، بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، أَنَّهَا لَمْ تَنْسَهُ كُلِّيًا.
وَفِي صَمْتِ هٰذِهِ السَّاعَةِ،
شَعَرَ أَنَّ الغِيابَ لَا يَكُونُ فَارِغًا…
بَلْ أَنَّ كُلَّ دَقَّةٍ مِنَ السَّاعَةِ تَحْمِلُ لَهُ تَأْوِيلًا، وَتَسْتَدْعِي مِنْهُ أَلْفَ سُؤَالٍ،
وَكُلُّهَا يَتَرَاوَحُ بَيْنَ الاِحْتِرَامِ وَالْقَلَقِ،
بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ…
كَأَنَّ الشَّاشَةَ صَارَتْ صَفْحَةً مِنْ كِتَابٍ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْهُ،
وَهُوَ مُجبَرٌ عَلَى مُوَاجَهَةِ صَمْتِهَا،
صَمْتٍ يَرْسُمُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ،
وَيُذَكِّرُهُ أَنَّ غِيَابَهَا…
يَكُونُ أَقْوَى أَحْيَانًا مِنْ حُضُورِهَا أَيَّامًا وَليَالٍ.
عَادَ إِلَى الْهَاتِفِ، وَأَعَادَ فَتْحَ نَافِذَةِ الرَّسَائِلِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِخِفَّةٍ، مَزِيجٌ مِنَ الْقَلَقِ وَالْأَمَلِ. كَتَبَ لَهَا ثَانِيَةً، بِحُرُوفٍ تَنْبُضُ بِالْحَنَانِ وَالرَّغْبَةِ فِي الِاطْمِئْنَانِ:
“آنَا…
أَرْجُو أَنْ تُطْمَئِنِي نَفْسَكِ قَلِيلًا، وَأَنْ تَمْنَحِي قَلْبِي الطُّمَأْنِينَةَ عَنْكِ… عَنْ أَحْوَالِكِ، عَنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ بَالَكِ، وَعَنْ كُلِّ شَيْءٍ تُفَكِّرِينَ فِيهِ وَيَأْخُذُ مِنْكِ وَقْتَكِ.
لَمْ تَغِيبِي عَنْ ذَاكِرَتِي لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَلَا تَلَاشَيْتِ مِنْ بَالِي…
إِنَّمَا انْشَغَلْتُ عَنْكِ مُؤَقَّتًا، تَلْبِيَةً لِمُتَطَلَّبَاتِ وَاجِبٍ قَدِيمٍ، أَمَامَ صَدِيقٍ مَضَى زَمَانُهُ وَلَمْ أَنْسَهُ…
لَكِنِّي أُرِيدُكِ أَنْ تَعْلَمِي، بِكُلِّ بَسَاطَةٍ، أَنَّ قَلْبِي مَعَكِ، وَأَنَّكِ لَمْ تُغَادِرِي عَالَمِي أَبَدًا، حَتَّى وَلَوْ تَأَخَّرْتُ عَنْكِ سَاعَةً أَوْ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً كَامِلَةً…
فَاطْمَئِنِّي، يَا مَنْ تَشْغَلِينَ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنْ فُؤَادِي،
وَأَخْبِرِينِي، وَلَوْ بِالْقَلِيلِ، عَنْ نَفْسِكِ… عَنْ ضَحَكَاتِكِ، عَنْ هَمَسَاتِكِ، عَنْ أَيِّ شَيْءٍ… كُلَّ شَيْءٍ.
سَامِرُ”
وَرَدَتْهُ رِسَالَتُهَا، كَلِمَاتُهَا بَسِيطَةٌ، صَادِقَةٌ، لَكِنَّهَا مُمتَلِئَةٌ بِالشَّوْقِ وَالْحَنِينِ:
“أَنَا وَأَخِي فِي الْبَيْتِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ بِالْأَمْسِ…
نَحْنُ نَنْتَظِرُكَ مُنْذُ الْمَسَاءِ…
وَلَكِنَّكَ لَمْ تَعُدْ.”
فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَلِيلَةِ…
تَسْكُنُ سَاعَاتُ الِانْتِظَارِ، وَتَرْتَجِفُ الْأَصَابِعُ عَلَى مَفَاتِيحِ الْهَاتِفِ،
وَتَشْعُرُ الْقُلُوبُ بِثِقْلِ الْغِيَابِ…
حَتَّى لَوْ كَانَ الْغِيَابُ سَاعَةً فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَبْدُو كَالدَّهْرِ.

ليل لا يهدأ 06