لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 01

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفَصْلُ الأَوَّلُ:
كَانَ الصَّبَاحُ فِي أَلْمَانِيَا يَمْضِي كَمَا لَوْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ المُفَاجَآتِ.
كَانَ الضَّوْءُ يَدْخُلُ إِلَى الشَّقَّةِ بِبُطْءٍ مَحْسُوبٍ، وَالمَدِينَةُ فِي الخَارِجِ تَسْتَيْقِظُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ أَحَداً عَنْ رَأْيِهِ. كَانَ سَامِرٌ قَدِ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الجَمِيعِ، لَا لِأَنَّهُ نَشِيطٌ، بَلْ لِأَنَّ النَّوْمَ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ سُلْطَةً كَافِيَةً لِيُبْقِيَهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى النِّهَايَةِ.
فِي المَطْبَخِ، فَتَحَ الخِزَانَةَ، وَتَنَاوَلَ كُوباً، وَسَكَبَ المَاءَ ثُمَّ القَهْوَةَ. حَرَكَاتٌ دَقِيقَةٌ، خَالِيَةٌ مِنَ التَّرَدُّدِ، كَأَنَّهُ يُؤَدِّي دَوْراً تَدَرَّبَ عَلَيْهِ طَوِيلاً.
جَلَسَ إِلَى الطَّاوِلَةِ مِنْ دُونِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئاً. لَا هَاتِفَ، لَا رِسَالَةَ، لَا طَارِئَ. فَقَطْ ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي لَا يَبْدُو فَارِغاً، بَلْ مُمْتَلِئاً بِشَيْءٍ لَا يُسَمَّى بِسُهُولَةٍ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
«لَوْ سَأَلَنِي أَحَدٌ اليَوْمَ: مَنْ أَنْتَ؟ لَقُلْتُ لَهُ الحَقِيقَةَ الَّتِي لَا أَقُولُهَا لِغَيْرِهِ: رَجُلٌ يَخَافُ.
لَا أَخَافُ مِنَ الأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ كَمَا يَتَخَيَّلُ مَنْ يَعْرِفُنِي مِنْ بَعِيدٍ. أَخَافُ مِمَّا هُوَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: بَابٌ لَمْ أَطْرُقْهُ مِنْ قَبْلُ، لُغَةٌ جَدِيدَةٌ يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَهَا فِي مَوْعِدٍ رَسْمِيٍّ، صَدِيقٌ يَقْتَرِحُ عَلَيَّ فِكْرَةً لَمْ تَخْطُرْ لِي، بَلْ حَتَّى فِنْجَانُ قَهْوَةٍ فِي مَقْهًى لَمْ أَدْخُلْهُ سَابِقاً.
كُلُّ التَّغْيِيرَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ لِي فِي حَيَاتِي، إِنْ كُنْتُ صَادِقاً مَعَ نَفْسِي هَذِهِ المَرَّةَ، لَمْ أَبْدَأْهَا أَنَا. كَانَ هُنَاكَ دَائِماً مَنْ يَدْفَعُنِي إِلَيْهَا: أُسْتَاذٌ أَصَرَّ، صَدِيقٌ أَلَحَّ، أَوْ ظَرْفٌ لَمْ يَتْرُكْ لِي خِيَاراً آخَرَ. أَمَّا حِينَ تُرِكْتُ وَحِيداً أَمَامَ الجَدِيدِ، فَقَدْ كُنْتُ أَخْتَارُ البَابَ الَّذِي أَعْرِفُهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَضْيَقَ.
أَنْشَأْتُ المَوْقِعَ الإِلِكْتُرُونِيَّ لِأَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ الصَّمْتَ، لَا لِأَنَّنِي قَرَّرْتُ بِشَجَاعَةٍ أَنْ أُعْلِنَ نَفْسِي لِلْعَالَمِ. تَزَوَّجْتُ لَيْلَى لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلِي كَانَ يَقُولُ إِنَّهَا المَرْأَةُ المُنَاسِبَةُ، لَا لِأَنَّنِي كُنْتُ مُتَأَكِّداً مِنْ قَرَارِي. حَتَّى مَجِيئِي إِلَى أَلْمَانِيَا لَمْ يَكُنِ اخْتِيَاراً بِالمَعْنَى الكَامِلِ لِلْكَلِمَةِ، بَلْ نَجَاةً.
أُسَمِّي هَذَا أَحْيَاناً حِكْمَةً. وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُ خَوْفٌ، مُتَنَكِّرٌ فِي زِيِّ الحِكْمَةِ.
لَمْ أَقُلْهَا لِأَحَدٍ بَعْدُ. رُبَّمَا لَنْ أَقُولَهَا اليَوْمَ أَيْضاً.»
فِي الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ، كَانَتْ لَيْلَى تَتَحَرَّكُ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ. لَمْ يَكُنْ وُجُودُهَا فِي البَيْتِ حُضُوراً طَارِئاً، بَلْ جُزْءاً مِنْ هَنْدَسَةِ المَكَانِ نَفْسِهِ.
رَنَّ الهَاتِفُ فَجْأَةً، فَقَطَعَ عَلَيْهِ سِلْسِلَةَ أَفْكَارِهِ.
كَرِيمٌ: صَبَاحُ الخَيْرِ يَا سَامِرُ، أَأَزْعَجْتُكَ؟
سَامِرٌ: أَبَداً، كُنْتُ أَشْرَبُ قَهْوَتِي فَحَسْبُ. أَخَيْرٌ إِنْ شَاءَ اللهُ؟
كَرِيمٌ: عِنْدِي اجْتِمَاعٌ مُهِمٌّ الأُسْبُوعَ القَادِمَ فِي الشَّرِكَةِ، رُبَّمَا تَرْقِيَةٌ. لَكِنَّنِي، بِصَرَاحَةٍ، قَلِقٌ.
سَامِرٌ: قَلِقٌ مِنَ الِاجْتِمَاعِ؟
كَرِيمٌ: قَلِقٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِصَرَاحَةٍ. إِذَا تُرُقِّيتُ سَيَتَغَيَّرُ كُلُّ شَيْءٍ فِي البَيْتِ. سَتُصْبِحُ مَسْؤُولِيَّةُ رِيمَى أَكْبَرَ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِي، وَأَنَا… لَا أَعْرِفُ كَيْفَ سَأَتَصَرَّفُ مَعَ وَضْعٍ كَهَذَا.
لَمْ يَقُلْ سَامِرٌ شَيْئاً لِلَحْظَةٍ. كَانَ يَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ جَيِّداً، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ مِنْ قَبْلُ.
سَامِرٌ: بِصَرَاحَةٍ، لَنْ أُقَدِّمَ لَكَ نَصِيحَةً جَاهِزَةً يَا كَرِيمُ. لَكِنِ اذْكُرْ أَنَّ الخَوْفَ مِنَ التَّرْقِيَةِ لَيْسَ دَائِماً بِسَبَبِ العَمَلِ. أَحْيَاناً يَكُونُ خَوْفاً مِنْ شَيْءٍ آخَرَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِهِ إِطْلَاقاً.
كَرِيمٌ: مَاذَا تَقْصِدُ إِذَاً؟
سَامِرٌ: لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَكِنْ فَكِّرْ فِيهَا.
أَغْلَقَ الهَاتِفَ، وَنَظَرَ إِلَى الفِنْجَانِ الفَارِغِ أَمَامَهُ. كَانَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَالَهَا لِكَرِيمٍ، فِي الحَقِيقَةِ، مُوَجَّهَةً إِلَى نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا هِيَ مُوَجَّهَةٌ إِلَيْهِ.
خَرَجَ إِلَى الشُّرْفَةِ. سَيَّارَاتٌ تَمُرُّ، أَشْخَاصٌ يَتَّجِهُونَ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، حَيَاةٌ كَامِلَةٌ تَتَحَرَّكُ كَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ: الِاسْتِمْرَارُ. أَمَّا هُوَ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّداً إِنْ كَانَ يَعِيشُ الِاسْتِمْرَارَ، أَمْ مُجَرَّدَ تَكْرَارٍ مُحْتَرِفٍ لَهُ.
مَسَاءً
كَانَ المَسَاءُ يَمِيلُ إِلَى هُدُوءٍ ثَقِيلٍ، مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى البَيْتِ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ مُسْبَقاً.
فِي المَطْبَخِ، كَانَتْ لَيْلَى تُعِدُّ العَشَاءَ مِنْ دُونِ اسْتِعْجَالٍ. جَلَسَا مَعاً. لَمْ تَكُنِ الطَّاوِلَةُ بَيْنَهُمَا كَبِيرَةً، لَكِنَّهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَدَتْ أَطْوَلَ مِنَ المُعْتَادِ.
لَيْلَى: اتَّصَلَ كَرِيمٌ اليَوْمَ، قَالَ إِنَّ عِنْدَهُ اجْتِمَاعاً مُهِمّاً الأُسْبُوعَ القَادِمَ.
سَامِرٌ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي فِي الصَّبَاحِ.
لَيْلَى: وَلِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي؟ أَنَا صَدِيقَةُ رِيمَى، كَانَ يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ قَبْلَ أَنْ تُخْبِرَنِي رِيمَى بِنَفْسِهَا، فَأَشْعُرَ أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَا يَجْرِي فِي حَيَاةِ أَعَزِّ صَدِيقَاتِي.
سَامِرٌ: إِنَّهَا مُكَالَمَةٌ عَادِيَّةٌ يَا لَيْلَى، لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ أُحَدِّثَكِ عَنْهُ فَوْرَ حُدُوثِهِ.
لَيْلَى: كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ تُحَدِّثَنِي عَنْهُ، يَا سَامِرُ. هَكَذَا اتَّفَقْنَا مِنَ البِدَايَةِ: لَا أَسْرَارَ بَيْنَنَا.
لَمْ يُجِبْ. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الجُمَلِ لَا يَحْتَمِلُ جَوَاباً مُبَاشِراً مِنْ دُونِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى نِقَاشٍ أَطْوَلَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ المَسَاءُ.
بَعْدَ لَحْظَةِ صَمْتٍ، رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهَا.
سَامِرٌ: لَيْلَى، بِصَرَاحَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالاً، لَكِنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ تَغْضَبِي.
لَيْلَى: اسْأَلْ.
سَامِرٌ: هَلْ تَشْعُرِينَ أَحْيَاناً أَنَّ فِي البَيْتِ أَشْيَاءَ لَا تُقَالُ؟
تَوَقَّفَتْ يَدُهَا لَحْظَةً عَنِ الطَّبَقِ. لَمْ تَكُنْ وَقْفَةً دِرَامِيَّةً، بَلْ صَغِيرَةً، بِالكَادِ تُرَى.
لَيْلَى: مَاذَا تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟
سَامِرٌ: أَقْصِدُ أَنَّكِ تُلَاحِظِينَ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِيَّ، كُلَّ نَظْرَةٍ، كُلَّ نَبْرَةِ صَوْتٍ. لَكِنَّنِي فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَشْعُرُ أَنَّكِ تَنْسَيْنَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَيْهَا مِنْكِ.
لَيْلَى: يَعْنِي أَنَا مُقَصِّرَةٌ مَعَكَ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلْتُهُ لِهَذَا البَيْتِ وَلِأَوْلَادِنَا، هَكَذَا تَرَانِي؟
سَامِرٌ: لَمْ أَقُلْ مُقَصِّرَةً. قُلْتُ إِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّ ثَمَّةَ مَسَافَةً.
لَيْلَى: المَسَافَةُ يَا سَامِرُ لَيْسَتْ مِنِّي وَحْدِي. أَنْتَ تَذْهَبُ إِلَى عَالَمِكَ، إِلَى مَوْقِعِكَ، إِلَى أَفْكَارِكَ، وَتَتْرُكُنِي فِي الخَارِجِ. أُلَاحِظُ كُلَّ شَيْءٍ فِيكَ لَا لِأَنَّنِي فُضُولِيَّةٌ، بَلْ لِأَنَّ أَحَداً يَجِبُ أَنْ يَنْتَبِهَ، وَأَنْتَ لَسْتَ مُنْتَبِهاً.
قَالَتْهَا بِهُدُوءٍ، لَكِنَّ الجُمْلَةَ اسْتَقَرَّتْ فِي المَكَانِ بَيْنَهُمَا كَحَجَرٍ صَغِيرٍ فِي مَاءٍ سَاكِنٍ.
سَامِرٌ: رُبَّمَا مَعَكِ حَقٌّ.
لَمْ يُضِفْ شَيْئاً آخَرَ. عَادَ الصَّمْتُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الصَّمْتَ نَفْسَهُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الصَّبَاحُ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
«قَالَتْ لَيْلَى إِنَّهَا تَنْتَبِهُ لِأَنَّ أَحَداً يَجِبُ أَنْ يَنْتَبِهَ. رُبَّمَا كَانَتْ مُحِقَّةً.
لَكِنَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ لَهَا هَذَا المَسَاءَ، وَرُبَّمَا لَنْ أَقُولَهُ غَداً أَيْضاً: انْتِبَاهُهَا الشَّدِيدُ لِتَفَاصِيلِي الصَّغِيرَةِ لَا يُشْبِهُ الحُبَّ دَائِماً. أَحْيَاناً يُشْبِهُ المُرَاقَبَةَ. وَثَمَّةَ فَرْقٌ دَقِيقٌ بَيْنَ امْرَأَةٍ تُحِبُّكَ فَتَرَاكَ، وَامْرَأَةٍ تُرَاقِبُكَ فَتَظُنُّ أَنَّ هَذَا حُبٌّ.
وَرُبَّمَا، إِنْ كُنْتُ صَادِقاً حَتَّى النِّهَايَةِ، فَإِنَّ هَذَا التَّنَاقُضَ لَيْسَ فِيهَا وَحْدَهَا. أَنَا أَيْضاً أُهْمِلُهَا بِطُرُقٍ لَا أَعْتَرِفُ بِهَا لِنَفْسِي: أُهْمِلُ أَنْ أَسْأَلَهَا كَيْفَ كَانَ يَوْمُهَا فِعْلاً، أُهْمِلُ أَنْ أَشْكُرَهَا عَلَى أَشْيَاءَ صَارَتْ بَدِيهِيَّةً عِنْدِي، أُهْمِلُ أَنْ أَرَاهَا امْرَأَةً لَهَا احْتِيَاجَاتٌ خَاصَّةٌ بِهَا، لَا مُجَرَّدَ زَوْجَةٍ تُدِيرُ بَيْتاً.
كُلُّ بَيْتٍ، فِي مَكَانٍ جَدِيدٍ كَأَلْمَانِيَا، يُعِيدُ تَعْرِيفَ العَلَاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ دُونِ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ. فِي الوَطَنِ كَانَتِ الأَدْوَارُ وَاضِحَةً، مَحْفُوظَةً، لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِقَاشٍ. هُنَا، صَارَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أَنْ يُعَادَ التَّفَاوُضُ عَلَيْهِ: مَنْ يَعْمَلُ، مَنْ يُقَرِّرُ، مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ مَنْ.
لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ مِنَّا لِلْآخَرِ بِهَذَا الوُضُوحِ. لَكِنَّهَا، هَذَا المَسَاءَ، اقْتَرَبَتْ مِنْ قَوْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.»
—————–
فِي اليَوْمِ التَّالِي، جَاءَتْ سَلْمَى إِلَى البَيْتِ فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ، كَعَادَتِهَا حِينَ يَكُونُ سَامِرٌ خَارِجاً.
لَمْ تَكُنْ سَلْمَى صَدِيقَةً عَادِيَّةً. كَانَتْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَدْخُلُ البَيْتَ فَيُغَيِّرُ إِيقَاعَهُ مِنْ دُونِ أَنْ يَقْصِدَ: صَوْتُهَا أَعْلَى قَلِيلاً مِنَ المُعْتَادِ، وَضَحِكَتُهَا لَا تَحْسِبُ حِسَاباً لِلْجُدْرَانِ الرَّقِيقَةِ، وَأَسْئِلَتُهَا لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ الحُدُودِ الَّتِي يَرْسُمُهَا الآخَرُونَ.
سَلْمَى: شَكْلُكِ مُتْعَبَةٌ يَا لَيْلَى. صَارَ لَكِ أُسْبُوعٌ هَكَذَا.
لَيْلَى: لَا شَيْءَ، لَكِنْ… سَامِرٌ سَأَلَنِي أَمْسِ سُؤَالاً غَرِيباً.
سَلْمَى: مَاذَا سَأَلَكِ؟
لَيْلَى: سَأَلَنِي إِنْ كَانَتْ فِي البَيْتِ أَشْيَاءُ لَا تُقَالُ. وَشَعَرْتُ… لَا أَعْرِفُ، شَعَرْتُ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئاً يُحَضَّرُ لَهُ.
وَضَعَتْ سَلْمَى فِنْجَانَهَا جَانِباً، وَنَظَرَتْ إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً.
سَلْمَى: لَيْلَى، دَعِينِي أَكُونُ صَرِيحَةً مَعَكِ، فَمُنْذُ زَمَنٍ وَأَنَا أَوَدُّ أَنْ أَقُولَ لَكِ هَذَا الكَلَامَ. أَنْتِ تُرَاقِبِينَ سَامِراً كَالشُّرْطَةِ. كُلَّ حَرَكَةٍ، كُلَّ نَظْرَةٍ، كُلَّ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا. لَكِنْ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، مَتَى كَانَتْ آخِرُ مَرَّةٍ سَأَلْتِهِ فِيهَا كَيْفَ كَانَ يَوْمُهُ؟ مَتَى كَانَتْ آخِرُ مَرَّةٍ جَلَسْتِ فِيهَا مَعَهُ مِنْ دُونِ أَنْ تُفَتِّشِي عَنْ شَيْءٍ مُخَبَّأٍ؟
لَيْلَى: سَلْمَى، أَنْتِ لَا تَفْهَمِينَ. أَنَا لَسْتُ زَوْجَتَهُ فَحَسْبُ، أَنَا المَسْؤُولَةُ عَنْ هَذَا البَيْتِ، عَنِ الأَوْلَادِ، عَنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ. إِذَا لَمْ أَنْتَبِهْ أَنَا، فَمَنْ سَيَنْتَبِهُ؟
سَلْمَى: لَكِنَّ الِانْتِبَاهَ شَيْءٌ، وَالمُرَاقَبَةَ شَيْءٌ آخَرُ. وَأَنْتِ تَخْلِطِينَ بَيْنَهُمَا مُنْذُ زَمَنٍ.
لَمْ تُجِبْ لَيْلَى فَوْراً. نَظَرَتْ إِلَى الفِنْجَانِ أَمَامَهَا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ.
لَيْلَى: بِصَرَاحَةٍ؟ أَحْيَاناً أَشْعُرُ أَنَّنِي تَعِبَةٌ مِنْ هَذَا الدَّوْرِ. تَعِبَةٌ مِنْ أَنْ أَكُونَ الوَحِيدَةَ المُنْتَبِهَةَ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ خَائِفَةٌ إِذَا تَوَقَّفْتُ عَنِ الِانْتِبَاهِ أَنْ يَنْهَارَ كُلُّ شَيْءٍ.
سَلْمَى: وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُرِيدُهُ: أَنْ تَقُولِي لِي هَذَا الكَلَامَ، لَا لِسَامِرٍ، بَلْ لِي أَنَا. لِأَنَّ هَذَا الكَلَامَ هُوَ مَا يَنْقُصُ بَيْنَكُمَا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
«لَمْ أَكُنْ فِي البَيْتِ حِينَ قَالَتْ لَيْلَى هَذَا الكَلَامَ، لَكِنَّنِي عَرَفْتُهُ لَاحِقاً، بِطَرِيقَتِي الخَاصَّةِ: مِنْ نَبْرَةِ صَوْتِهَا المُخْتَلِفَةِ قَلِيلاً فِي المَسَاءِ، مِنْ سُؤَالٍ لَمْ تَطْرَحْهُ، مِنْ سُكُوتٍ طَالَ أَكْثَرَ مِنَ المُعْتَادِ.
أَعْرِفُ لَيْلَى أَكْثَرَ مِمَّا تَظُنُّ. أَعْرِفُ مَتَى يَكُونُ صَمْتُهَا رَاحَةً، وَمَتَى يَكُونُ تَعَباً، وَمَتَى يَكُونُ احْتِجَاجاً لَمْ يَجِدْ بَعْدُ الكَلِمَاتِ المُنَاسِبَةَ لَهُ.
المُشْكِلَةُ أَنَّنِي أَعْرِفُ كُلَّ هَذَا، وَأَخْتَارُ غَالِباً أَلَّا أَتَصَرَّفَ بِنَاءً عَلَيْهِ. أَقُولُ لِنَفْسِي إِنَّ الوَقْتَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، أَوْ إِنَّ الأَمْرَ سَيَمُرُّ وَحْدَهُ، أَوْ إِنَّنِي مُتْعَبٌ اليَوْمَ. وَهَذَا، إِنْ كُنْتُ صَادِقاً، هُوَ الشَّكْلُ الأَكْثَرُ أَمَاناً لِلْجُبْنِ: أَنْ تَعْرِفَ وَتَصْمُتَ، بَدَلَ أَنْ تَجْهَلَ فَتُعْذَرَ.
قَالَتْ سَلْمَى لِلَيْلَى إِنَّ المُرَاقَبَةَ وَالِانْتِبَاهَ لَيْسَا الشَّيْءَ نَفْسَهُ. وَلَوْ سَأَلَتْنِي، لَقُلْتُ إِنَّ الصَّمْتَ وَالحِكْمَةَ أَيْضاً لَيْسَا الشَّيْءَ نَفْسَهُ. لَكِنَّنِي، مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، تَعَلَّمْتُ أَنْ أُسَمِّيَ جُبْنِي حِكْمَةً، لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ أَخَفُّ عَلَى الضَّمِيرِ.»
* * *
دُعِيَ سَامِرٌ وَلَيْلَى إِلَى عَشَاءٍ عِنْدَ أَبِي فِرَاسٍ وَأُمِّ فِرَاسٍ، الجَارَيْنِ القَدِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَلَا إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَهُمَا بِعَامَيْنِ. كَانَ أَبُو فِرَاسٍ رَجُلاً فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ، لَا يَزَالُ يَرْتَدِي قَمِيصَهُ المَكْوِيَّ بِعِنَايَةٍ كَمَا لَوْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ فِي حَلَبَ، وَيَرْفُضُ أَنْ يَتَكَلَّمَ غَيْرَ العَرَبِيَّةِ حَتَّى فِي الدَّوَائِرِ الرَّسْمِيَّةِ.
جَلَسُوا حَوْلَ الطَّاوِلَةِ. دَخَلَ فِرَاسٌ، الِابْنُ الأَكْبَرُ، مُتَأَخِّراً، وَأَلْقَى التَّحِيَّةَ بِسُرْعَةٍ، وَجَلَسَ بَعِيداً قَلِيلاً عَنْ مَرْكَزِ الحَدِيثِ.
أَبُو فِرَاسٍ: أَرَأَيْتُمْ مَاذَا حَدَثَ؟ صَارَ فِرَاسٌ يُحَدِّثُنِي بِالأَلْمَانِيَّةِ فِي البَيْتِ. بِالأَلْمَانِيَّةِ! كَأَنَّهُ نَسِيَ لُغَةَ أَهْلِهِ.
فِرَاسٌ: بَابَا، أَنَا أُحَدِّثُكَ بِالعَرَبِيَّةِ الآنَ. لَكِنِّي أَحْيَاناً أَنْسَى الكَلِمَةَ، فَتَأْتِي بِسُرْعَةٍ بِالأَلْمَانِيَّةِ.
أَبُو فِرَاسٍ: تَنْسَى؟ الإِنْسَانُ لَا يَنْسَى لُغَةَ أَهْلِهِ إِلَّا إِذَا قَرَّرَ أَنْ يَنْسَى.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ. نَظَرَتْ أُمُّ فِرَاسٍ إِلَى زَوْجِهَا ثُمَّ إِلَى ابْنِهَا، مِنْ دُونِ أَنْ تَقُولَ شَيْئاً، لَكِنَّ يَدَيْهَا تَوَقَّفَتَا عَنِ الحَرَكَةِ لِلَحْظَةٍ.
أُمُّ فِرَاسٍ: أَبَا فِرَاسٍ، دَعْهُ. الوَلَدُ لَا يَتَنَكَّرُ لِأَصْلِهِ، بَلْ يَعِيشُ حَيَاتَهُ.
أَبُو فِرَاسٍ: هَكَذَا يَبْدَأُ الِانْحِلَالُ، يَا أُمَّ فِرَاسٍ. أَوَّلاً يَنْسَى اللُّغَةَ، ثُمَّ يَنْسَى العَادَاتِ، ثُمَّ لَا يَبْقَى فِيهِ مَا يُذَكِّرُهُ بِمَنْ هُوَ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى فِرَاسٍ، فَرَأَى فِي عَيْنَيْهِ شَيْئاً يَعْرِفُهُ جَيِّداً: التَّعَبَ مِنْ أَنْ يَكُونَ جِسْراً دَائِماً بَيْنَ عَالَمَيْنِ، مِنْ دُونِ أَنْ يُسْمَحَ لَهُ بِالوُقُوفِ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا بِثِقَةٍ.
سَامِرٌ: أَبَا فِرَاسٍ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا أَرَى المَوْضُوعَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلاً. لَيْسَ كُلُّ تَغْيِيرٍ خِيَانَةً. أَحْيَاناً يَكُونُ بَقَاءً، لَكِنْ بِشَكْلٍ آخَرَ.
أَبُو فِرَاسٍ: أَنْتَ أَيْضاً يَا سَامِرُ؟ أَنْتَ كَاتِبٌ، وَالمَفْرُوضُ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى اللُّغَةِ.
سَامِرٌ: أَنَا أُحَافِظُ عَلَيْهَا بِالكِتَابَةِ، لَا بِمَنْعِ ابْنِي مِنْ أَنْ يَعِيشَ حَيَاتَهُ بِاللُّغَةِ الَّتِي حَوْلَهُ.
لَمْ يُجِبْ أَبُو فِرَاسٍ. أَكَلَ بِصَمْتٍ لِدَقَائِقَ، ثُمَّ عَادَ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْضُوعٍ آخَرَ، كَمَنْ يُغْلِقُ بَاباً لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ النَّظَرَ إِلَى مَا خَلْفَهُ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
«فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، فَكَّرْتُ فِي أَبِي فِرَاسٍ طَوِيلاً. لَيْسَ لِأَنَّنِي أَحْتَقِرُ مَوْقِفَهُ، بَلْ لِأَنَّنِي أَخَافُهُ فِي دَاخِلِي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْتَرِفُ.
مَاذَا لَوْ كَانَ أَبُو فِرَاسٍ مُحِقّاً، وَأَنَا فَقَطْ أُسَمِّي جُبْنِي الخَاصَّ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالمَاضِي «انْفِتَاحاً»؟ أَمْ أَنَّهُ هُوَ مَنْ يُسَمِّي خَوْفَهُ مِنْ فُقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى ابْنِهِ «أَصَالَةً»؟
رُبَّمَا لَا فَرْقَ كَبِيرَ بَيْنَنَا. كِلَانَا يَخَافُ. هُوَ يَخَافُ أَنْ يَفْقِدَ ابْنَهُ لِلُغَةٍ جَدِيدَةٍ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ أَفْقِدَ نَفْسِي لِثَبَاتٍ قَدِيمٍ لَمْ أَعُدْ أُؤْمِنُ بِهِ بِالكَامِلِ. الفَرْقُ الوَحِيدُ أَنَّنِي أُخْفِي خَوْفِي بِكَلِمَاتٍ أَنِيقَةٍ عَنِ «التَّوَازُنِ بَيْنَ العَالَمَيْنِ»، بَيْنَمَا هُوَ يَقُولُهَا كَمَا هِيَ: أَنَا خَائِفٌ أَنْ يَصِيرَ ابْنِي غَرِيباً عَنِّي.
رُبَّمَا هَذَا مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَّا لِأَحَدٍ، طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ: نَحْنُ جَمِيعاً، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ، نُحَاوِلُ أَلَّا نَخْتَفِيَ.»

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 02