لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 08

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفصل الثامن:
بَعْدَ عَامٍ كَامِلٍ عَلَى بِدَايَةِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ، جَمَعَ سَامِرٌ وَلَيْلَى فِي بَيْتِهِمَا كُلَّ مَنْ عَرَفَاهُمَا خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ: الْخَالَةَ، وَأَبَا فِرَاسٍ وَأُمَّ فِرَاسٍ، وَفِرَاسًا، وَمَازِنًا، وَسَلْمَى وَزَوْجَهَا، وَزِيَادًا وَهِبَةَ، وَحَتَّى كَرِيمًا وَرِيمَا، اللَّذَيْنِ حَضَرَا مَعًا كَصَدِيقَيْنِ.
امْتَلَأَ الْبَيْتُ بِأَصْوَاتٍ مُتَدَاخِلَةٍ، وَضَحِكَاتٍ، وَذِكْرَيَاتٍ يَتَبَادَلُهَا الْجَمِيعُ. جَلَسَتْ كَرِيسْتِينُ وَمَرْيَمُ وَيُوسُفُ فِي رُكْنٍ خَاصٍّ بِهِمْ، يَتَحَدَّثُونَ بِمَزِيجٍ مِنَ اللُّغَتَيْنِ لَا يُزْعِجُ أَحَدًا.
فِي لَحْظَةٍ مَا، طَلَبَ سَامِرٌ مِنَ الْجَمِيعِ لَحْظَةَ صَمْتٍ قَصِيرَةً.
— سَامِرٌ: أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، وَلَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ. قَبْلَ عَامٍ، جَلَسْتُ إِلَى هَذِهِ الطَّاوِلَةِ نَفْسِهَا، خَائِفًا مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجْهُولٍ، صَامِتًا عَنْ كُلِّ مَا كَانَ يَعْتَمِلُ فِي دَاخِلِي. وَاللَّيْلَةَ، أَنْظُرُ حَوْلِي فَأَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَانَ جُزْءًا مِنْ رِحْلَتِي نَحْوَ أَنْ أَتَعَلَّمَ كَيْفَ أَقُولُ مَا لَمْ أَكُنْ أَجْرُؤُ عَلَى قَوْلِهِ.
نَظَرَ إِلَى لَيْلَى، الَّتِي كَانَتْ تَبْتَسِمُ بِعَيْنَيْنِ مُمْتَلِئَتَيْنِ.
— سَامِرٌ: وَلَيْلَى، الَّتِي عَلَّمَتْنِي أَنَّ الصِّدْقَ، مَهْمَا كَانَ مُوجِعًا، أَرْحَمُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي يَتَرَاكَمُ حَتَّى يَخْنُقَ صَاحِبَهُ.
رَفَعَ مَازِنٌ كَأْسَهُ.
— مَازِنٌ: نَخْبُ الْحَقِيقَةِ الَّتِي لَمْ نَقُلْهَا لِأَحَدٍ طَوِيلًا، وَقُلْنَاهَا أَخِيرًا، وَلَوْ مُتَأَخِّرِينَ.
رَفَعَ الْجَمِيعُ كُؤُوسَهُمْ، وَامْتَلَأَ الْمَكَانُ بِضَحِكٍ وَحَدِيثٍ مُتَجَدِّدٍ، بَيْنَمَا وَقَفَ سَامِرٌ لَحْظَةً عِنْدَ بَابِ الشُّرْفَةِ، يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ هَذِهِ الْحَيَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ، قِطْعَةً قِطْعَةً، مِنْ فَوْقِ أَنْقَاضِ صَمْتٍ طَوِيلٍ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ، حِينَ بَدَأْتُ أَكْتُبُ عَنْ نَفْسِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَنَّ الْكِتَابَةَ سَتَقُودُنِي إِلَى كُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَيُعِيرُنِي جُزْءًا مِنْ حِكْمَتِهِ الْخَاصَّةِ، الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَلَمِهِ الْخَاصِّ.
رُبَّمَا هَذَا مَا تَعْنِيهِ الْغُرْبَةُ حِينَ نَعِيشُهَا بِوَعْيٍ: لَيْسَتْ فَقْدًا لِلْوَطَنِ فَقَطْ، بَلْ فُرْصَةً لِبِنَاءِ وَطَنٍ آخَرَ، أَصْغَرَ رُقْعَةً وَلَكِنْ أَعْمَقَ جُذُورًا، مِنْ أُنَاسٍ اخْتَرْنَاهُمْ، لَا مِنْ أُنَاسٍ وُلِدْنَا بَيْنَهُمْ فَقَطْ.
مَا زِلْتُ لَمْ أَقُلْهَا لِأَحَدٍ، بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا، حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةَ. وَلَكِنِّي أَعْرِفُ الْآنَ أَنَّ بَعْضَ الْحَقَائِقِ لَا تُقَالُ بِالْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ تُقَالُ بِطَاوِلَةٍ مُمْتَلِئَةٍ بِمَنْ نُحِبُّ، وَبِصَمْتٍ لَمْ يَعُدْ يُخِيفُنَا.
——————
بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى وُصُولِ مَرْيَمَ، صَارَتْ تَتَحَدَّثُ الْأَلْمَانِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ تُقَارِبُ طَلَاقَةَ كَرِيسْتِينَ، وَإِنْ ظَلَّتْ تَحْتَفِظُ بِلَكْنَةٍ خَفِيفَةٍ أَحَبَّتْهَا وَلَمْ تُحَاوِلْ إِخْفَاءَهَا.
فِي غُرْفَةِ كَرِيسْتِينَ، جَلَسَتِ الْفَتَاتَانِ تَتَصَفَّحَانِ صُوَرًا قَدِيمَةً لِمَرْيَمَ فِي دِمَشْقَ.
— كَرِيسْتِينُ: هَلْ مَا زِلْتِ تَشْعُرِينَ بِالْغُرْبَةِ هُنَا؟
— مَرْيَمُ: أَحْيَانًا، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا كُنْتُ أَشْعُرُ فِي الْبِدَايَةِ. صِرْتُ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَحْمِلُ بَيْتَيْنِ فِي دَاخِلِي، لَا بَيْتًا وَاحِدًا فَقَدْتُهُ.
— كَرِيسْتِينُ: وَأَنَا أَحْيَانًا أَتَمَنَّى لَوْ كَانَ عِنْدِي بَيْتَانِ فِي دَاخِلِي مِثْلَكِ، بَدَلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ لَسْتُ مُتَأَكِّدَةً حَتَّى مِنْ مَكَانِهِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهَا مَرْيَمُ بِدَهْشَةٍ.
— مَرْيَمُ: مَاذَا تَقْصِدِينَ؟ أَنْتِ وُلِدْتِ هُنَا، هَذَا بَيْتُكِ بِوُضُوحٍ.
— كَرِيسْتِينُ: وُلِدْتُ هُنَا، نَعَمْ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فِي الْمَدْرَسَةِ يَسْأَلُونَنِي دَائِمًا: مِنْ أَيْنَ أَنْتِ حَقًّا؟ وَكَأَنَّ وِلَادَتِي هُنَا لَا تَكْفِي. وَحِينَ أَزُورُ سُورِيَا مَعَ أَبِي، يَشْعُرُ النَّاسُ هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّنِي مُخْتَلِفَةٌ عَنْهُمْ. فَأَيْنَ بَيْتِي بِالضَّبْطِ؟
فَكَّرَتْ مَرْيَمُ فِي كَلَامِهَا مَلِيًّا، ثُمَّ أَجَابَتْ بِحِكْمَةٍ تَفُوقُ عُمْرَهَا.
— مَرْيَمُ: رُبَّمَا بَيْتُكِ لَيْسَ مَكَانًا، يَا كَرِيسْتِينُ. رُبَّمَا بَيْتُكِ هُوَ نَحْنُ: عَائِلَتُكِ، وَأَصْدِقَاؤُكِ، وَاللُّغَاتُ الَّتِي تَتَحَدَّثِينَهَا، وَالْقِصَصُ الَّتِي تَحْمِلِينَهَا. بَيْتٌ لَيْسَ عَلَى الْخَرِيطَةِ، بَلْ فِي كُلِّ مَا تَحْمِلِينَهُ مَعَكِ أَيْنَمَا ذَهَبْتِ.
ابْتَسَمَتْ كَرِيسْتِينُ، وَشَعَرَتْ أَنَّ ابْنَةَ عَمِّهَا، الَّتِي جَاءَتْ إِلَيْهَا غَرِيبَةً قَبْلَ سَنَةٍ، صَارَتِ الْآنَ مَنْ تَمْنَحُهَا أَعْمَقَ إِجَابَاتٍ عَنْ أَسْئِلَتِهَا الْخَاصَّةِ.
— كَرِيسْتِينُ: أَتَعْرِفِينَ؟ صِرْتِ الْآنَ جُزْءًا مِنْ بَيْتِي أَنَا أَيْضًا.
احْتَضَنَتِ الْفَتَاتَانِ بَعْضَهُمَا بَعْضًا، بِأُلْفَةٍ لَمْ تَعُدْ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ.
——————
بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ إِرْسَالِ ابْنَتِهِ مَرْيَمَ، حَصَلَ خَالِدٌ أَخِيرًا عَلَى تَأْشِيرَةِ زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ، وَجَاءَ لِيَرَى ابْنَتَهُ وَأَخَاهُ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ.
احْتَضَنَ سَامِرٌ أَخَاهُ عِنْدَ الْمَطَارِ احْتِضَانًا طَوِيلًا، كِلَاهُمَا يَبْكِي بِصَمْتٍ، دُونَ أَنْ يُحَاوِلَا إِخْفَاءَ ذَلِكَ.
فِي الْبَيْتِ، جَلَسَ خَالِدٌ يُرَاقِبُ ابْنَتَهُ وَهِيَ تَتَحَدَّثُ بِطَلَاقَةٍ مَعَ كَرِيسْتِينَ، وَعَيْنَاهُ مُمْتَلِئَتَانِ بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ.
— خَالِدٌ: لَا أُصَدِّقُ كَمْ تَغَيَّرَتْ مَرْيَمُ. صَارَتْ تَبْدُو… لَا أَدْرِي كَيْفَ أَصِفُ ذَلِكَ، أَكْثَرَ ثِقَةً بِنَفْسِهَا مِمَّا كَانَتْ فِي دِمَشْقَ.
— سَامِرٌ: أَتَشْعُرُ بِالْحُزْنِ لِهَذَا؟
— خَالِدٌ: بِصَرَاحَةٍ؟ مَزِيجٌ مِنَ الْفَخْرِ وَالْحُزْنِ الْخَفِيفِ. فَخُورٌ لِأَنَّهَا تَزْدَهِرُ، وَحَزِينٌ لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ جُزْءًا مِنْ هَذَا الِازْدِهَارِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ كَلِمَاتِ أَخِيهِ، وَهُوَ يَتَذَكَّرُ كَمْ مِنَ اللَّحَظَاتِ فَاتَتْهُ هُوَ نَفْسُهُ فِي حَيَاةِ خَالِدٍ وَأَوْلَادِهِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ بَقُوا فِي سُورِيَا.
— سَامِرٌ: هَذَا ثَمَنُ الْمَسَافَةِ، يَا خَالِدُ، وَلَا أَحَدَ مِنَّا يَدْفَعُهُ بِرِضًا كَامِلٍ. وَلَكِنَّ مَرْيَمَ لَنْ تَنْسَى أَبَدًا أَنَّكَ أَنْتَ مَنِ اتَّخَذَ الْقَرَارَ الصَّعْبَ بِإِرْسَالِهَا، لِأَجْلِ مُسْتَقْبَلِهَا لَا لِأَجْلِ رَاحَتِكَ.
اقْتَرَبَتْ مَرْيَمُ مِنْهُمَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَجَلَسَتْ بِجَانِبِ أَبِيهَا، تُمْسِكُ يَدَهُ.
— مَرْيَمُ: بَابَا، أَنَا لَمْ أَتَغَيَّرْ فِي كُلِّ شَيْءٍ. مَا زِلْتُ أَحْلُمُ بِرَائِحَةِ بَيْتِنَا، وَمَا زِلْتُ أَشْتَاقُ إِلَيْكَ كُلَّ يَوْمٍ. أَنَا فَقَطْ صِرْتُ أَحْمِلُ حَيَاةً ثَانِيَةً إِلَى جَانِبِ حَيَاتِي مَعَكَ، لَا بَدَلًا مِنْهَا.
أَمْسَكَ خَالِدٌ يَدَ ابْنَتِهِ بِقُوَّةٍ، وَشَعَرَ أَنَّ كُلَّ ثَمَنٍ دَفَعَهُ فِي هَذَا الِاخْتِيَارِ كَانَ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالذَّاتِ.
—————
وُلِدَ الطِّفْلُ الْأَوَّلُ لِزِيَادٍ وَهِبَةَ فِي لَيْلَةٍ شِتَائِيَّةٍ بَارِدَةٍ، وَسَمَّيَاهُ يَاسِينَ، اسْمًا اخْتَارَاهُ مَعًا بَعْدَ نِقَاشَاتٍ طَوِيلَةٍ حَاوَلَا فِيهَا أَنْ يَجِدَا اسْمًا يَحْمِلُ جُذُورًا عَرَبِيَّةً وَيَسْهُلُ نُطْقُهُ بِالْأَلْمَانِيَّةِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
زَارَهُمَا سَامِرٌ وَلَيْلَى فِي الْمُسْتَشْفَى، يَحْمِلَانِ هَدِيَّةً صَغِيرَةً.
— لَيْلَى: مَبْرُوكٌ، يَا هِبَةُ. كَيْفَ تَشْعُرِينَ؟
— هِبَةُ: مُتْعَبَةٌ، وَلَكِنْ سَعِيدَةٌ بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَتَخَيَّلْهَا مِنْ قَبْلُ. وَخَائِفَةٌ أَيْضًا، بِصَرَاحَةٍ.
— سَامِرٌ: خَائِفَةٌ مِنْ مَاذَا؟
— هِبَةُ: خَائِفَةٌ أَنْ أُرَبِّيَ يَاسِينَ بِلَا أَنْ أَمْنَحَهُ جُذُورًا كَافِيَةً. أَنَا وَزِيَادٌ لَا نَحْمِلُ ذِكْرَيَاتٍ كَثِيرَةً عَنْ سُورِيَا لِنُوَرِّثَهَا لَهُ، فَكَيْفَ سَيَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟
نَظَرَ زِيَادٌ إِلَى زَوْجَتِهِ بِحُبٍّ، ثُمَّ تَدَخَّلَ بِهُدُوءٍ.
— زِيَادٌ: لَنْ نُوَرِّثَهُ ذِكْرَيَاتٍ عَنْ حَرْبٍ لَمْ نَعِشْهَا، وَلَا عَنْ بَيْتٍ لَمْ نَسْكُنْهُ. سَنُوَرِّثُهُ شَيْئًا آخَرَ: لُغَةً يَتَحَدَّثُهَا بَيْتُنَا، وَقِصَصًا عَنْ أَجْدَادِهِ نَرْوِيهَا لَهُ كَمَا سَمِعْنَاهَا، وَحُبًّا لِثَقَافَةٍ لَمْ نَعِشْ فِيهَا وَلَكِنَّنَا نَحْمِلُهَا فِينَا.
— سَامِرٌ: هَذَا أَجْمَلُ تَعْرِيفٍ لِلْجُذُورِ سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، يَا زِيَادُ. الْجُذُورُ لَيْسَتْ دَائِمًا ذِكْرَيَاتٍ مُبَاشَرَةً، قَدْ تَكُونُ حِكَايَاتٍ نُوَرِّثُهَا بِوَعْيٍ، بَدَلَ أَنْ نَتْرُكَهَا لِلصُّدْفَةِ.
حَمَلَتْ لَيْلَى الطِّفْلَ الصَّغِيرَ بَيْنَ يَدَيْهَا لِلَحَظَاتٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِهِ الصَّغِيرِ النَّائِمِ.
— لَيْلَى: أَهْلًا بِكَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمُعَقَّدِ الْجَمِيلِ، يَا يَاسِينُ. سَتَجِدُ هُنَا أُنَاسًا كَثِيرِينَ يُحِبُّونَكَ، مِنْ ثَقَافَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَسَتَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ جَمِيعًا كَيْفَ تَبْنِي هُوِيَّتَكَ الْخَاصَّةَ بِكَ.
—————–
بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ بَلَدَيْنِ، أَعْلَنَ مَازِنٌ لِسَامِرٍ قَرَارًا فَاجَأَهُ.
— مَازِنٌ: سَامِرُ، قَرَّرْتُ أَنْ أَفْتَتِحَ مَكْتَبَةً صَغِيرَةً، هُنَا فِي الْمَدِينَةِ، مُتَخَصِّصَةً بِالْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمُتَرْجَمَةِ.
— سَامِرٌ: مَكْتَبَةٌ؟ هَذَا قَرَارٌ جَرِيءٌ، يَا مَازِنُ. مَاذَا دَفَعَكَ إِلَيْهِ؟
— مَازِنٌ: طَوَالَ سِنِينَ، كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ أَشْعُرُ فِيهِ أَنَّنِي أُقَدِّمُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا، لَا لِنَفْسِي فَقَطْ، بَلْ لِلْجَالِيَةِ كُلِّهَا. وَفَكَّرْتُ: مَاذَا لَوْ صَنَعْتُ مَكَانًا يَلْتَقِي فِيهِ أَبْنَاؤُنَا بِلُغَتِهِمِ الْأُولَى، لَا كَوَاجِبٍ مَدْرَسِيٍّ، بَلْ كَمُتْعَةٍ؟
أَعْجَبَتْ سَامِرًا الْفِكْرَةُ فَوْرًا.
— سَامِرٌ: فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ حَقًّا. وَهَلْ سَتَبِيعُ نُصُوصِي أَيْضًا فِي مَكْتَبَتِكَ؟
— مَازِنٌ: بِالطَّبْعِ، وَسَأَجْعَلُ لَهَا رُكْنًا خَاصًّا. أَظُنُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ هُنَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَقْرَؤُوا قِصَّةً تُشْبِهُ قِصَّتَهُمْ، كَقِصَّتِكَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِارْتِبَاكٍ لَطِيفٍ عِنْدَ هَذَا الْمَدْحِ.
— سَامِرٌ: لَمْ أَنْشُرْ بَعْدُ مُعْظَمَ مَا كَتَبْتُهُ هَذِهِ السَّنَةَ، يَا مَازِنُ. مَا زِلْتُ أَتَرَدَّدُ.
— مَازِنٌ: أَعْرِفُ. وَلَكِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ. لَقَدْ عِشْتَ الْحِكَايَةَ، وَتَعَلَّمْتَ مِنْهَا، وَشَارَكَنَا جَمِيعًا فِيهَا بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى. لِمَاذَا لَا تَدَعُ الْآخَرِينَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا كَمَا اسْتَفَدْنَا نَحْنُ؟
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
كَلِمَاتُ مَازِنٍ ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِي طَوَالَ الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتِ. لَقَدْ كَتَبْتُ كُلَّ هَذِهِ النُّصُوصِ لِأَفْهَمَ نَفْسِي، لَا لِأَنْشُرَهَا. وَلَكِنَّ سُؤَالًا بَدَأَ يُلِحُّ عَلَيَّ: أَلَيْسَ مِنَ الْأَنَانِيَّةِ أَنْ أَحْتَفِظَ بِمَا تَعَلَّمْتُهُ لِنَفْسِي وَحْدِي؟
رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأُعِيدَ النَّظَرَ فِي قَرَارِي الْقَدِيمِ بِأَلَّا أَنْشُرَ. لَيْسَ لِأَنَّ النَّشْرَ سَيَمْنَحُنِي شُهْرَةً أَبْحَثُ عَنْهَا، بَلْ لِأَنَّ هُنَاكَ، رُبَّمَا، شَخْصًا آخَرَ يَحْتَاجُ أَنْ يَقْرَأَ مَا كَتَبْتُهُ، تَمَامًا كَمَا كُنْتُ أَنَا أَحْتَاجُ، مُنْذُ سَنَةٍ، أَنْ أَسْمَعَ أَنَّ خَوْفِي لَيْسَ فَرِيدًا، وَأَنَّ غَيْرِي يَعِيشُهُ أَيْضًا، بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ.
———
بَعْدَ اقْتِرَاحِ مَازِنٍ، جَلَسَ سَامِرٌ لَيَالِيَ عِدَّةً أَمَامَ نُصُوصِهِ الْقَدِيمَةِ، يُعِيدُ قِرَاءَتَهَا، يُرَدِّدُ فِي نَفْسِهِ السُّؤَالَ نَفْسَهُ: هَلْ أَنَا مُسْتَعِدٌّ حَقًّا لِأَنْ يَقْرَأَ النَّاسُ كُلَّ هَذَا؟
فِي أَحَدِ الْأَمْسِيَاتِ، وَجَدَتْهُ لَيْلَى جَالِسًا أَمَامَ حَاسُوبِهِ، شَارِدَ الذِّهْنِ.
— لَيْلَى: مَا الَّذِي يُقْلِقُكَ، يَا سَامِرُ؟
— سَامِرٌ: مَازِنٌ اقْتَرَحَ أَنْ أَنْشُرَ كُلَّ مَا كَتَبْتُهُ هَذِهِ السَّنَةَ. وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ، لِأَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ تَتَحَدَّثُ عَنِّي، وَعَنْكِ، وَعَنْ نُورٍ، وَعَنْ كُلِّ مَنْ نَعْرِفُهُ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ مِنَ الْإِنْصَافِ أَنْ أَجْعَلَ حَيَاتَنَا الْخَاصَّةَ مَادَّةً لِقِرَاءَةِ الْآخَرِينَ.
جَلَسَتْ لَيْلَى بِجَانِبِهِ، تُفَكِّرُ فِي السُّؤَالِ بِجِدِّيَّةٍ.
— لَيْلَى: بَصَرَاحَةٍ، سَامِرُ، فِي الْبِدَايَةِ سَأَشْعُرُ بِالْحَرَجِ، لَا أُنْكِرُ ذَلِكَ. وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ قِصَّتَنَا، بِكُلِّ أَخْطَائِهَا، قَدْ تُسَاعِدُ زَوْجَيْنِ آخَرَيْنِ يَمُرَّانِ بِمَا مَرَرْنَا بِهِ، وَلَا يَعْرِفَانِ كَيْفَ يَتَحَدَّثَانِ عَنْهُ.
— سَامِرٌ: وَلَكِنْ مَاذَا لَوْ عَرَفَ النَّاسُ تَفَاصِيلَ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً أَنْتِ لِمُشَارَكَتِهَا؟
— لَيْلَى: دَعْنَا نَتَّفِقَ عَلَى شَيْءٍ: سَتُغَيِّرُ الْأَسْمَاءَ، وَتُغَيِّرُ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي قَدْ تَكْشِفُنَا بِوُضُوحٍ زَائِدٍ. وَسَأَقْرَأُ كُلَّ فَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَنْشُرَهُ مَازِنٌ، وَلِي حَقُّ الِاعْتِرَاضِ عَلَى أَيِّ جُزْءٍ أَشْعُرُ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ حُدُودِي.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ، وَشَعَرَ بِثِقَلٍ يَخِفُّ عَنْ كَاهِلِهِ.
— سَامِرٌ: هَذَا عَادِلٌ تَمَامًا. شُكْرًا لَكِ، يَا لَيْلَى، عَلَى ثِقَتِكِ بِي فِي هَذَا أَيْضًا.
— لَيْلَى: لَسْتُ أَثِقُ بِكَ فِي هَذَا فَحَسْبُ، يَا سَامِرُ. أَنَا أَثِقُ بِأَنَّنَا، مَعًا، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْعَلَ حَتَّى أَصْعَبَ أَخْطَائِنَا شَيْئًا نَافِعًا لِغَيْرِنَا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَدَأَ سَامِرٌ يَكْتُبُ مُقَدِّمَةً جَدِيدَةً لِنُصُوصِهِ، لَا مُقَدِّمَةَ اعْتِذَارٍ، بَلْ مُقَدِّمَةَ تَقْدِيمٍ صَادِقٍ لِحِكَايَةٍ يَأْمُلُ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَهَا إِلَى مَنْ يَحْتَاجُهَا.
——————-
بَدَأَ يُوسُفُ سَنَتَهُ الْأُولَى فِي دِرَاسَةِ الْأَدَبِ الْمُقَارَنِ، وَعَادَ فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ إِلَى الْبَيْتِ مُتَحَمِّسًا لِمَشْرُوعٍ بَحْثِيٍّ اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ.
— يُوسُفُ: بَابَا، أُسْتَاذِي طَلَبَ مِنَّا أَنْ نَخْتَارَ مَوْضُوعًا لِبَحْثِ نِهَايَةِ الْفَصْلِ، وَاخْتَرْتُ أَنْ أَكْتُبَ عَنِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ الْمَكْتُوبِ فِي الْمَنْفَى.
— سَامِرٌ: فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ! وَهَلْ فَكَّرْتَ فِي كُتَّابٍ بِعَيْنِهِمْ سَتُرَكِّزُ عَلَيْهِمْ؟
— يُوسُفُ: فَكَّرْتُ، وَبِصَرَاحَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ عَنْكَ أَيْضًا، يَا بَابَا، إِذَا وَافَقْتَ.
فُوجِئَ سَامِرٌ بِالطَّلَبِ.
— سَامِرٌ: عَنِّي أَنَا؟ وَلَكِنَّنِي لَمْ أَنْشُرْ إِلَّا نُصُوصًا قَلِيلَةً، يَا يُوسُفُ. لَسْتُ كَاتِبًا مَعْرُوفًا بِمَا يَكْفِي لِيَكْتُبَ عَنِّي أَحَدٌ بَحْثًا جَامِعِيًّا.
— يُوسُفُ: لَا يَهُمُّنِي إِنْ كُنْتَ مَعْرُوفًا أَمْ لَا. أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ عَنْ تَجْرِبَتِكَ لِأَنَّهَا التَّجْرِبَةُ الَّتِي أَعْرِفُهَا مِنَ الدَّاخِلِ، لَا مِنَ الْكُتُبِ فَقَطْ. أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ، بِعَيْنٍ أَكَادِيمِيَّةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَيْفَ يُشَكِّلُ الْمَنْفَى صَوْتَ الْكَاتِبِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ، مُخْتَلِطٍ بِشَيْءٍ مِنَ الِارْتِبَاكِ لِفِكْرَةِ أَنْ يُصْبِحَ هُوَ نَفْسُهُ مَوْضُوعَ دِرَاسَةٍ لِابْنِهِ.
— سَامِرٌ: بِشَرْطٍ وَاحِدٍ: أَنْ تَكْتُبَ بِمَوْضُوعِيَّةٍ، لَا بِعَيْنِ ابْنٍ يُحِبُّ أَبَاهُ فَقَطْ. أُرِيدُ أَنْ تَنْتَقِدَ أَيْضًا مَا تَرَاهُ يَسْتَحِقُّ النَّقْدَ فِي كِتَابَتِي.
— يُوسُفُ: مُتَّفِقَانِ. وَبِصَرَاحَةٍ، هُنَاكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فِي طَرِيقَةِ تَعَامُلِكَ مَعَ مَشَاعِرِكَ فِي الْبِدَايَةِ أَنْوِي أَنْ أَنْتَقِدَهَا، مَهْمَا كُنْتَ أَبِي.
ضَحِكَ سَامِرٌ ضَحِكَةً صَادِقَةً، سَعِيدًا بِأَنَّ ابْنَهُ وَرِثَ عَنْهُ الصَّرَاحَةَ نَفْسَهَا الَّتِي تَعَلَّمَهَا هُوَ مُتَأَخِّرًا، وَلَكِنَّهُ وَرِثَهَا مُبَكِّرًا، وَبِلَا ثَمَنٍ مُوجِعٍ كَالَّذِي دَفَعَهُ أَبُوهُ لِيَصِلَ إِلَيْهَا.
——————–
بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الدِّرَاسَةِ الدَّؤُوبَةِ، تَقَدَّمَتِ الْخَالَةُ لِامْتِحَانِ اللُّغَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الرَّسْمِيِّ، وَعَادَتْ إِلَى الْبَيْتِ يَوْمَ النَّتَائِجِ وَهِيَ تَحْمِلُ وَرَقَةً بَيْنَ يَدَيْهَا تَرْتَجِفَانِ مِنَ التَّرَقُّبِ.
— الْخَالَةُ: لَيْلَى! سَامِرُ! انْظُرَا!
أَسْرَعَ الِاثْنَانِ نَحْوَهَا، وَرَأَيَا عَلَى وَجْهِهَا ابْتِسَامَةً لَمْ يَرَيَاهَا مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الِاتِّسَاعِ.
— الْخَالَةُ: نَجَحْتُ! فِي عُمْرِ التَّاسِعَةِ وَالسِّتِّينَ، نَجَحْتُ فِي امْتِحَانٍ لِلُّغَةٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مِنْهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً قَبْلَ سَنَتَيْنِ!
احْتَضَنَتْهَا لَيْلَى بِحَرَارَةٍ، وَشَعَرَتْ بِدُمُوعِ الْفَرَحِ تُبَلِّلُ خَدَّيْهَا.
— لَيْلَى: أَنَا فَخُورَةٌ بِكِ إِلَى حَدٍّ لَا يُوصَفُ، يَا خَالَتِي.
— الْخَالَةُ: وَأَنَا فَخُورَةٌ بِنَفْسِي، بِصَرَاحَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. كُنْتُ طَوَالَ حَيَاتِي أَفْخَرُ بِأَبْنَائِي وَبِزَوْجِي، رَحِمَهُ اللهُ، وَلَكِنِّي نَادِرًا مَا فَخَرْتُ بِشَيْءٍ أَنْجَزْتُهُ أَنَا وَحْدِي.
جَلَسُوا مَعًا يَحْتَفِلُونَ بِهَذَا الْإِنْجَازِ الصَّغِيرِ فِي ظَاهِرِهِ، الْعَظِيمِ فِي مَعْنَاهُ.
— سَامِرٌ: خَالَتِي، مَاذَا سَتَفْعَلِينَ الْآنَ بَعْدَ هَذَا النَّجَاحِ؟
— الْخَالَةُ: فَكَّرْتُ أَنْ أَتَطَوَّعَ فِي الْمَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ، لِأُسَاعِدَ نِسَاءً أُخْرَيَاتٍ مِنْ جِيلِي وَصَلْنَ حَدِيثًا، وَيَخَفْنَ مِنَ اللُّغَةِ الْجَدِيدَةِ كَمَا كُنْتُ أَخَافُ أَنَا. أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَهُنَّ: إِنْ اسْتَطَعْتُ أَنَا، تَسْتَطِعْنَ أَنْتُنَّ أَيْضًا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى خَالَتِهِ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ، وَتَذَكَّرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى بَيْتِهِمْ قَبْلَ سِنِينَ، مُتَعَبَةً، مُرْتَابَةً مِنْ كُلِّ مَا هُوَ جَدِيدٌ، وَرَآهَا الْآنَ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَصْدَرِ إِلْهَامٍ لِغَيْرِهَا.

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 09