ما الرحيل؟
لَمْ يَكُنِ النَّقْصُ وَاضِحًا لِلآخَرِينَ،
بَلْ كَانُوا يَرَوْنَ النُّصُوصَ مُكْتَمِلَةً، مُشْبَعَةً بِالتَّفَاصِيلِ، كَأَنَّهَا مُقْتَطَعَةٌ مِنْ حَيَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِضَافَةٍ.
وَحْدِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ فِي الأَمْرِ شَيْئًا مَا يَتَسَرَّبُ مِنْ بَيْنِ السُّطُورِ،
شَيْئًا لَا يُمْكِنُ لِلْعَيْنِ أَنْ تَرَاهُ، وَلَكِنَّ القَلْبَ يَتَعَثَّرُ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ.
“أَهَذَا كُلُّ مَا عِنْدَكَ؟”
كَانَ صَوْتٌ خَافِتٌ يَنْبَعِثُ مِنْ دَاخِلِي، كَأَنَّهُ ظِلِّي وَهُوَ يُحَاوِرُنِي.
فَأُجِيبُهُ—وَأَنَا أَتَظَاهَرُ بِالثِّقَةِ:
“أَلَسْتُ أَصِفُ كُلَّ شَيْءٍ؟ أَلَا أُحْصِي التَّفَاصِيلَ إِحْصَاءً؟”
فَيَرُدُّ، بِهُدُوءٍ يُرْبِكُنِي:
“بَلْ تَصِفُ كُلَّ شَيْءٍ… إِلَّا نَفْسَكَ.”
كُنْتُ أَمُرُّ—فِي كُلِّ مَرَّةٍ—بِجَانِبِ شَيْءٍ مَا،
شَيْءٍ يَكْفِي أَنْ أَمُدَّ يَدِي لِأَلْمِسَهُ، لَكِنِّي كُنْتُ أَتَرَدَّدُ،
كَأَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَاجِزًا شَفَّافًا لَا يُرَى.
“لِمَاذَا تَخَافُ؟”
يَسْأَلُنِي صَوْتٌ آخَرُ، يَبْدُو هَذِهِ المَرَّةَ أَقْرَبَ إِلَى صَوْتِ عَالِمٍ يُشَرِّحُ نَفْسًا بَشَرِيَّةً.
فَأُجِيبُ—بِتَرَدُّدٍ:
“لَأَنَّ اللَّمْسَ يَكْشِفُ… وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أُكْشَفَ.”
فَيَقُولُ، كَأَنَّهُ يُدَوِّنُ مُلَاحَظَةً فِي دَفْتَرِهِ:
“إِذًا أَنْتَ لَا تَكْتُبُ لِتُظْهِرَ، بَلْ لِتَسْتُرَ.”
كُنْتُ أَكْتُبُ عَنِ الشَّوَارِعِ الَّتِي أَمْشِي فِيهَا كُلَّ صَبَاحٍ،
عَنِ الأَرْصِفَةِ الَّتِي تَحْفَظُ خُطُوَاتِي،
عَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ فِي المَقْهَى ذَاتِهِ،
عَنِ النَّوَافِذِ المُضَاءَةِ فِي المَسَاءِ البَارِدِ.
كُنْتُ أَصِفُ كُلَّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ:
لَوْنَ السَّمَاءِ،
اِرْتِعَاشَةَ الضَّوْءِ عَلَى الأَرْصِفَةِ،
حَتَّى صَوْتَ خُطُوَاتِي—كَيْفَ يَتَغَيَّرُ بَيْنَ زِقَاقٍ وَآخَرَ.
“كُنت أَكتُب كُلّ شَيء… إِلّا تِلْكَ السَّاعَة…”
وَكَأَنَّ شَخْصًا آخَرَ—نَاقِدًا خَفِيًّا—يُعَلِّقُ فِي دَاخِلِي:
“مَا أَدَقَّكَ… وَمَا أَبْعَدَكَ.”
فَأَسْأَلُهُ—بِقَلَقٍ:
“أَبْعَدُ عَمَّاذَا؟”
فَيُجِيبُ:
“عَنْ نَفْسِكَ… عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي لَوْ كَتَبْتَهَا لَانْهَارَ كُلُّ هَذَا التَّمَاسُكِ.”
فِي مَدِينَةٍ أُورُوبِّيَّةٍ، حَيْثُ لَا يَحْدُثُ شَيْءٌ—أَوْ هَكَذَا كُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي—
كُنْتُ أَخْتَبِئُ خَلْفَ هَذَا “اللَّاشَيْءِ”.
“هَلْ هُوَ لَاشَيْءٍ حَقًّا؟”
يَتَدَخَّلُ صَوْتُ مُؤَرِّخٍ مُتَخَيَّلٍ، كَأَنَّهُ يُنَقِّبُ فِي طَبَقَاتِ المَكَانِ.
فَأَتَلَفَّتُ فِي دَاخِلِي قَبْلَ أَنْ أُجِيبَ:
“رُبَّمَا… أَوْ رُبَّمَا أَنَا الَّذِي لَا يَرَى.”
فَيَقُولُ، بِنَبْرَةٍ عَالِمَةٍ:
“لَا مَدِينَةَ خَالِيَةً مِنَ الحَدَثِ، بَلْ هُنَاكَ عَيْنٌ لَا تُبْصِرُ.”
كُنْتُ أَمْنَحُ هَذَا “اللَّاشَيْءَ” لُغَةً،
أُزَيِّنُهُ بِالأَلْفَاظِ، أُغَلِّفُهُ بِالصُّوَرِ،
وَأَمْنَحُ نَفْسِي—فِي المُقَابِلِ—مُبَرِّرًا لِلِاسْتِمْرَارِ.
“اِسْتِمْرَارٌ إِلَى أَيْنَ؟”
يَسْأَلُ صَوْتٌ يَحْمِلُ مَلَامِحَ فَيْلَسُوفٍ تَعِبٍ.
فَأَصْمُتُ…
لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ.
وَفِي لَحْظَةِ صِدْقٍ نَادِرَةٍ،
حِينَ خَفَتَتْ كُلُّ الأَصْوَاتِ،
وَبَقِيتُ وَحْدِي أَمَامَ نَصٍّ لَا يُخْفِي شَيْئًا إِلَّا أَهَمَّ شَيْءٍ،
سَمِعْتُ دَاخِلِي يَهْمِسُ:
“اُكْتُبْكَ… وَلَوْ مَرَّةً.”
فَارْتَعَشَتْ يَدِي.
وَتَرَدَّدَتِ الكَلِمَةُ بَيْنَ أَصَابِعِي،
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهَا إِنْ وُلِدَتْ…
فَلَنْ يَبْقَى بَعْدَهَا شَيْءٌ كَمَا كَانَ.
فِي البِدَايَةِ، بَدَا الأَمْرُ بَرِيئًا،
كَأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ إِلَّا ذَلِكَ المَيْلَ الخَفِيَّ إِلَى الجَمَالِ،
إِلَى تَرْتِيبِ الفَوْضَى،
إِلَى جَعْلِ الحَيَاةِ قَابِلَةً لِلسَّرْدِ، كَأَنَّهَا حِكَايَةٌ تُرَوَّضُ بِاللُّغَةِ.
وَكُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي—فِي هُدُوءٍ مُخَاتِلٍ—أَنَّ مَا أَفْعَلُهُ لَيْسَ إِلَّا صَنْعَةَ الأَدَبِ،
وَأَنَّ الكِتَابَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِعَادَةِ تَرْتِيبِ الوَاقِعِ،
وَإِعْطَائِهِ شَكْلًا أَجْمَلَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ.
“أَلَيْسَ الجَمَالُ حَقًّا مَشْرُوعًا؟”
هَكَذَا سَأَلْتُ نَفْسِي، كَأَنِّي أَسْتَفْتِي قَاضِيًا فِي دَاخِلِي.
فَجَاءَنِي الجَوَابُ—بِصَوْتٍ يَحْمِلُ نَبْرَةَ نَاقِدٍ خَبِيرٍ:
“بَلَى… وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ جَمَالٍ بَرَاءَةً.”
مَعَ الوَقْتِ، لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ تَرْتِيبًا فَقَطْ،
بَلْ صَارَ يُشْبِهُ الإِزَاحَةَ…
إِزَاحَةً خَفِيَّةً، لَا يَشْعُرُ بِهَا أَحَدٌ سِوَايَ.
كَأَنِّي—فِي كُلِّ نَصٍّ—أُحَرِّفُ زَاوِيَةَ النَّظَرِ قَلِيلًا،
لَا كَثِيرًا… فَقَطْ بِمَا يَكْفِي.
“بِمَا يَكْفِي لِمَاذَا؟”
سَأَلَنِي صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، هَذِهِ المَرَّةَ أَقْرَبُ إِلَى صَوْتِ مُحَلِّلٍ نَفْسِيٍّ.
فَأَجَبْتُ—وَأَنَا أَتَفَادَى نَظَرَتَهُ:
“لِأَتَجَنَّبَ رُؤْيَةَ شَيْءٍ…”
فَتَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
“أَمْ لِتَتَجَنَّبَ الاِعْتِرَافَ بِهِ؟”
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ…
شَيْءٌ لَا اسْمَ لَهُ—هَكَذَا كُنْتُ أَقُولُ.
وَلَكِنَّ صَوْتًا آخَرَ—يَبْدُو كَأَنَّهُ لِبَاحِثٍ فِي اللُّغَةِ—تَدَخَّلَ قَائِلًا:
“لَا يُوجَدُ شَيْءٌ بِلَا اسْمٍ، بَلْ هُنَاكَ مَا نَرْفُضُ تَسْمِيَتَهُ.”
فَارْتَبَكْتُ…
وَشَعَرْتُ أَنَّ كَلِمَاتِي تَنْقَلِبُ عَلَيَّ.
“أَلَا تَعْرِفُ اسْمَهُ؟”
سَأَلَنِي بِهُدُوءٍ.
فَأَجَبْتُ—بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَادَ لَا يُسْمَعُ:
“بَلَى… أَعْرِفُهُ جَيِّدًا.”
“إِذًا لِمَاذَا لَا تَكْتُبُهُ؟”
فَصَمَتُّ طَوِيلًا…
صَمْتًا كَانَ أَبْلَغَ مِنْ أَيِّ إِجَابَةٍ.
كَأَنَّ دَاخِلِي امْتَلَأَ بِأَصْوَاتٍ،
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَرَى الحَقِيقَةَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
صَوْتُ كَاتِبٍ يُدَافِعُ:
“إِنَّنِي لَا أُخْفِي شَيْئًا… أَنَا أُعِيدُ تَشْكِيلَهُ فَقَطْ.”
وَصَوْتُ فَيْلَسُوفٍ يُعَارِضُهُ:
“إِعَادَةُ التَّشْكِيلِ قَدْ تَكُونُ أَرْقَى أَشْكَالِ الإِخْفَاءِ.”
وَصَوْتُ مُؤَرِّخٍ يَتَدَخَّلُ:
“كَمْ مِنْ حَقَائِقَ ضَاعَتْ لِأَنَّ أَحَدًا قَرَّرَ أَنْ يَرْوِيَهَا بِشَكْلٍ أَجْمَلَ؟”
ثُمَّ يَأْتِي صَوْتٌ خَافِتٌ،
لَا يَحْمِلُ صِفَةً وَلَا مِهْنَةً،
وَلَكِنَّهُ الأَقْرَبُ إِلَيَّ:
“أَنْتَ لَا تُحَرِّفُ النَّظَرَ… أَنْتَ تُحَرِّفُ نَفْسَكَ.”
وَفِي لَحْظَةٍ بَيْنَ الكِتَابَةِ وَالتَّرَدُّدِ،
أَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ كُنْتُ أَكْتُبُهُ
لَمْ يَكُنْ إِلَّا مُحَاوَلَةً أُخْرَى لِلِاقْتِرَابِ… وَالهُرُوبِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
“هَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَهْرُبَ نَحْوَ الشَّيْءِ ذَاتِهِ؟”
سَأَلْتُ، كَأَنِّي أُلْقِي سُؤَالًا فِي فَرَاغٍ.
فَجَاءَ الجَوَابُ—مِنْ دَاخِلِي هَذِهِ المَرَّةَ—وَاضِحًا:
“نَعَمْ… حِينَ يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ يَمُرُّ بِالاعْتِرَافِ.”
وَهُنَا…
تَوَقَّفَتِ الكَلِمَاتُ عِنْدَ حَافَّةِ الاِسْمِ.
ذَلِكَ الاِسْمُ الَّذِي عَرَفْتُهُ مُنْذُ البِدَايَةِ،
وَكَتَبْتُ حَوْلَهُ كَثِيرًا…
وَلَكِنِّي لَمْ أَكْتُبْهُ أَبَدًا.
“أَتَخَافُ مِنْهُ؟”
سَأَلَنِي الصَّوْتُ الأَخِيرُ.
فَأَجَبْتُ—بِصِدْقٍ لَمْ أَعْهَدْهُ فِي نَفْسِي:
“لَا… بَلْ أَخَافُ مِمَّا سَيَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ أَكْتُبَهُ.”
وَبَيْنَ رَعْشَةِ الحَرْفِ وَوَلَادَةِ الحَقِيقَةِ،
بَقِيتُ مُعَلَّقًا…
أَتَأَمَّلُ:
“هَلِ الكِتَابَةُ شَجَاعَةٌ… أَمْ لَحْظَةُ انْكِشَافٍ لَا مَفَرَّ مِنْهَا؟”
ذَاتَ مَسَاءٍ، وَأَنَا أُنَقِّبُ فِي دُرْجٍ قَدِيمٍ تَآكَلَتْ حَوَافُّهُ بِصَمْتِ السِّنِينَ،
عَثَرْتُ عَلَى دَفْتَرٍ مَنْسِيٍّ، كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مُقْتَطَعَةٌ مِنْ زَمَنٍ لَمْ يعُدْ يعْتَرِفُ بِي.
تَرَدَّدَتْ يَدِي قَبْلَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهِ،
وَكَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِي كَانَ يُحَذِّرُنِي:
“لَا تَفْتَحْهُ… فَبَعْضُ الأَبْوَابِ لَا تُغْلَقُ مَرَّةً أُخْرَى.”
لَكِنِّي فَتَحْتُهُ.
وَمَا إِنْ وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى السَّطْرِ الأَوَّلِ،
حَتَّى تَسَلَّلَ إِلَيَّ شُعُورٌ غَامِضٌ…
لَمْ يَكُنْ خَوْفًا خَالِصًا، وَلَا حَنِينًا صَرِيحًا،
بَلْ شَيْءٌ بَيْنَهُمَا—
شَيْءٌ يُشْبِهُ الِارْتِبَاكَ… أَوِ الخِيَانَةَ.
“خِيَانَةُ مَنْ؟”
سَأَلْتُ نَفْسِي، وَأَنَا أُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ بِحَذَرٍ.
فَأَجَابَنِي صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، يَبْدُو كَأَنَّهُ لِنَاقِدٍ لَا يَرْحَمُ:
“خِيَانَتُكَ لِذَاكِرَتِكَ… أَوْ خِيَانَةُ ذَاكِرَتِكَ لَكَ.”
لَمْ تَكُنِ الكَلِمَاتُ غَرِيبَةً عَنِّي،
كُنْتُ أَعْرِفُهَا كَمَا أَعْرِفُ خُطُوطَ يَدِي،
وَلَكِنَّهَا—فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ—لَمْ تَكُنْ تَقُولُ مَا أَتَذَكَّرُهُ.
كَأَنَّهَا كُتِبَتْ بِيَدِي… لَكِنْ بِنَفْسٍ أُخْرَى.
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَصِلَ الإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ إِلَى هَذَا الحَدِّ؟”
هَكَذَا تَدَخَّلَ صَوْتٌ يَحْمِلُ مَلَامِحَ عَالِمِ نَفْسٍ،
وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ تَفْسِيرَ مَا يَجْرِي فِي دَاخِلِي.
فَأَجَبْتُهُ—وَأَنَا أَتَأَمَّلُ الحُرُوفَ:
“رُبَّمَا… أَوْ رُبَّمَا نَحْنُ نَتَغَيَّرُ بِمَا يَكْفِي لِنُصْبِحَ غُرَبَاءَ عَنْ أَنْفُسِنَا.”
تَوَقَّفْتُ طَوِيلًا عِنْدَ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ،
كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُنِي هُنَا،
كَأَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ إِلَّا لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ:
“لَمْ يَكُنِ الرَّحِيلُ كَمَا ظَنَنْتُهُ.”
قَرَأْتُهَا مَرَّةً…
ثُمَّ أُخْرَى…
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ صَدَاهَا يَتَّسِعُ فِي الدَّاخِلِ، كَأَنَّهُ يُوقِظُ شَيْئًا نَائِمًا.
رَفَعْتُ رَأْسِي فَجْأَةً،
كَأَنَّ أَحَدًا نَطَقَهَا بِصَوْتٍ عَالٍ فِي الغُرْفَةِ.
“الرَّحِيلُ؟”
تَلَفَّتُّ حَوْلِي…
وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا.
فَعُدْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي:
“أَيُّ رَحِيلٍ؟”
تَدَاخَلَتِ الأَصْوَاتُ فِي دَاخِلِي،
كُلٌّ يُقَدِّمُ تَفْسِيرًا، وَكُلٌّ يَشُكُّ فِي الآخَرِ.
صَوْتُ مُؤَرِّخٍ يَقُولُ:
“الرَّحِيلُ لَيْسَ دَائِمًا مُغَادَرَةَ مَكَانٍ، قَدْ يَكُونُ مُغَادَرَةَ زَمَنٍ… أَوْ نَفْسٍ.”
وَصَوْتُ فَيْلَسُوفٍ يُضِيفُ:
“بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّحِيلُ هُوَ أَنْ تَبْقَى، وَلَكِنْ دُونَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ.”
وَصَوْتُ شَخْصٍ آخَرَ—لَا أَعْرِفُهُ، وَلَكِنَّهُ يَشْبِهُنِي كَثِيرًا—يَهْمِسُ:
“أَوْ لَعَلَّهُ الرَّحِيلُ الَّذِي لَمْ تَعْتَرِفْ بِهِ أَبَدًا.”
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ لِبُرْهَةٍ،
وَتَرَكَتْنِي الجُمْلَةُ أَغُوصُ فِي طَبَقَاتٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ كُنْتُ أَتَجَنَّبُهَا.
وَفَجْأَةً…
بَدَأَتْ مَلَامِحُ غَامِضَةٌ تَتَشَكَّلُ.
مَكَانٌ…
صَوْتٌ…
وُجُوهٌ لَمْ أَعُدْ أَذْكُرُهَا بِوُضُوحٍ.
“هَلْ تَذَكَّرْتَ الآنَ؟”
سَأَلَنِي الصَّوْتُ الدَّاخِلِيُّ.
فَتَرَدَّدْتُ… ثُمَّ قُلْتُ:
“لَا أَدْرِي… أَمْ أَنِّي بَدَأْتُ أَتَذَكَّرُ مَا كُنْتُ أُصِرُّ عَلَى نِسْيَانِهِ؟”
أَعَدْتُ النَّظَرَ إِلَى الجُمْلَةِ،
وَبَدَتْ لِي—هَذِهِ المَرَّةَ—أَثْقَلَ مِمَّا احْتَمَلْتُ.
“لَمْ يَكُنِ الرَّحِيلُ كَمَا ظَنَنْتُهُ.”
كَأَنَّهَا لَا تَحْكِي عَنْ حَدَثٍ،
بَلْ عَنْ وَهْمٍ كَانَ يَحْمِينِي.
“أَيُّ وَهْمٍ؟”
سَأَلْتُ، وَأَنَا أَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا يَقْتَرِبُ مِنَ الاِنْكِشَافِ.
فَجَاءَ الجَوَابُ—بِهُدُوءٍ مُخِيفٍ:
“وَهْمُ أَنَّكَ كُنْتَ تَفْهَمُ مَا حَدَثَ.”
وَبَيْنَ الدَّفْتَرِ المَفْتُوحِ وَالصَّمْتِ المُثْقَلِ،
أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَقْرَأُ مَاضِيَّ فَقَطْ،
بَلْ كُنْتُ أُوَاجِهُ نَسْخَةً مِنِّي…
نَسْخَةً كَتَبَتْ مَا لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى تَذَكُّرِهِ.
فَسَأَلْتُ—وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَثْبُتَ أَمَامَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ:
“هَلْ كُنْتُ أَعْرِفُ… ثُمَّ نَسِيتُ؟”
فَجَاءَ الصَّوْتُ الأَخِيرُ، أَكْثَرَ صِدْقًا مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَ:
“بَلْ كُنْتَ تَعْرِفُ… فَاخْتَرْتَ أَلَّا تَتَذَكَّرَ.”
وَبَقِيتُ طَوِيلًا،
أُحَدِّقُ فِي تِلْكَ الجُمْلَةِ،
كَأَنَّهَا مِرْآةٌ لَا تُظْهِرُ الوَجْهَ…
بَلْ مَا وَرَاءَهُ.
كُنْتُ مُتَأَكِّدًا—بِقَدْرِ مَا يَكُونُ اليَقِينُ مُرْبِكًا—أَنَّنِي كَتَبْتُ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ عَشَرَاتِ المَرَّاتِ،
أَعَدْتُ صِيَاغَتَهُ، وَنَقَّحْتُهُ، وَدُرْتُ حَوْلَهُ كَمَنْ يَطُوفُ بِمَعْنًى لَا يَجْرُؤُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَيْهِ.
كَتَبْتُ عَنِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ:
عَنِ الضَّوْءِ الَّذِي كَانَ يَنْسَابُ عَلَى الجُدْرَانِ،
عَنِ الصَّمْتِ الَّذِي كَانَ يَثْقُلُ فِي الهَوَاءِ،
عَنِ الوُجُوهِ الَّتِي كَانَتْ تُخْفِي أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ.
وَلَكِنِّي—رَغْمَ كُلِّ ذَلِكَ—
لَمْ أَسْتَخْدِمْ تِلْكَ الكَلِمَةَ… وَلَا مَرَّةً.
“أَيُّ كَلِمَةٍ؟”
سَأَلَنِي صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَنِي أَنْطِقُ بِمَا أُؤَجِّلُهُ.
فَتَرَدَّدْتُ،
وَشَعَرْتُ أَنَّ الحُرُوفَ تَتَجَمَّعُ عَلَى طَرَفِ لِسَانِي… ثُمَّ تَتَرَاجَعُ.
“أَنْتَ تَعْرِفُهَا.”
هَكَذَا قَالَ الصَّوْتُ، بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ ثِقَةً لَا تَتَزَعْزَعُ.
فَقُلْتُ—كَأَنِّي أُحَاوِلُ أَنْ أُبَاعِدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا:
“رُبَّمَا… وَلَكِنِّي لَمْ أَكْتُبْهَا.”
فَأَجَابَ، بِهُدُوءٍ يَكْشِفُنِي:
“لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَلِمَةً… بَلِ اعْتِرَافٌ.”
تَدَخَّلَ صَوْتٌ آخَرُ، يَحْمِلُ مَلَامِحَ عَالِمِ لُغَةٍ،
وَكَأَنَّهُ يُفَسِّرُ مَا يَجْرِي فِي دَاخِلِي:
“لَيْسَ كُلُّ مَا نَعْرِفُهُ نَسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهُ،
وَلَيْسَ كُلُّ مَا نُسَمِّيهِ نَحْتَمِلُهُ.”
فَسَأَلْتُهُ—بِقَلَقٍ:
“أَفَتَكُونُ اللُّغَةُ حُدُودًا… أَمْ مَلَاذًا؟”
فَقَالَ:
“هِيَ الاثْنَانِ مَعًا… وَلِذَلِكَ تَخْتَارُ أَنْ تَتَوَقَّفَ قَبْلَ الحَدِّ.”
وَقَالَ صَوْتٌ يَبْدُو أَقْرَبَ إِلَى مُحَلِّلٍ نَفْسِيٍّ:
“أَنْتَ لَمْ تَتَجَنَّبِ الكَلِمَةَ صُدْفَةً،
بَلْ كُنْتَ تَبْنِي حَوْلَهَا دَائِرَةً مِنَ الصِّيَاغَاتِ،
تَقْتَرِبُ… ثُمَّ تَنْسَحِبُ،
كَأَنَّكَ تَخْشَى أَنْ تُصِيبَ المَعْنَى فِي مَقْتَلٍ.”
فَسَأَلْتُهُ:
“وَلِمَاذَا أَخْشَى ذَلِكَ؟”
فَأَجَابَ:
“لِأَنَّ بَعْضَ الكَلِمَاتِ، إِذَا كُتِبَتْ،
لَا تَصِفُ مَا حَدَثَ… بَلْ تُغَيِّرُ مَعْنَاهُ فِي الدَّاخِلِ.”
وَهُنَا،
شَعَرْتُ أَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ—الَّذِي كَتَبْتُ عَنْهُ كَثِيرًا—
لَمْ يَكُنْ يَنْقُصُهُ التَّفْصِيلُ،
بَلْ كَانَ يَنْقُصُهُ الاسْمُ.
“هَلْ يُمْكِنُ لِيَوْمٍ كَامِلٍ أَنْ يَبْقَى مُعَلَّقًا بِسَبَبِ كَلِمَةٍ؟”
سَأَلْتُ، وَأَنَا أَشْعُرُ بِثِقَلِ الفِكْرَةِ.
فَجَاءَ الجَوَابُ، مِنْ صَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَنْتَمِي إِلَى أَحَدٍ:
“بَلْ الكَلِمَةُ هِيَ الَّتِي تُثَبِّتُ اليَوْمَ فِي ذَاكِرَتِكَ… أَوْ تُطْلِقُهُ.”
وَبَيْنَ كُلِّ مَا كَتَبْتُهُ… وَكُلِّ مَا لَمْ أَكْتُبْهُ،
أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أُحَاوِلُ أَنْ أَرْوِيَ الحِكَايَةَ،
بَلْ كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أُؤَجِّلَ لَحْظَةَ تَسْمِيَتِهَا.
“إِلَى مَتَى؟”
سَأَلَنِي الصَّوْتُ الأَوَّلُ.
فَصَمَتُّ…
لِأَنَّنِي أَدْرَكْتُ—لِلْمَرَّةِ الأُولَى—
أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَجْهَلُ السَّبَبَ،
بَلْ كُنْتُ أَعْرِفُهُ جَيِّدًا…
وَأَتَجَنَّبُ أَنْ أَقُولَهُ.
وَهُنَا،
عِنْدَ حَافَّةِ الكَلِمَةِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ،
تَوَقَّفْتُ، وَتَسَاءَلْتُ—بِصَوْتٍ يَكْشِفُ مَا فِي الدَّاخِلِ:
“أَتُرَانِي كُنْتُ أَكْتُبُ لِأَتَذَكَّرَ… أَمْ لِأَتَجَنَّبَ أَنْ أُسَمِّيَ مَا أَتَذَكَّرُهُ؟”
مَا هُوَ “الرَّحِيلُ”؟
لَيْسَ سُؤَالًا يُجِيبُ عَنْهُ التَّعْرِيفُ،
بَلْ هُوَ سُؤَالٌ يَتَّسِعُ كُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَحَطْنَا بِهِ.
“أَالرَّحِيلُ حَدَثٌ… أَمْ حَالَةٌ؟”
هَكَذَا سَأَلْتُ، وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُثَبِّتَ مَعْنًى يَتَفَلَّتُ مِنِّي.
فَجَاءَنِي صَوْتٌ هَادِئٌ، يَشْبِهُ صَوْتَ مُفَكِّرٍ قَدِيمٍ:
“هُوَ الاثْنَانِ مَعًا… وَهُنَا تَكْمُنُ خُطُورَتُهُ.”
“الرَّحِيلُ كَفَقْدٍ”
قَالَ صَوْتٌ مُثْقَلٌ بِالحُزْنِ:
“هُوَ أَنْ يَغِيبَ شَخْصٌ كَانَ يَمْلَأُ المَكَانَ،
فَيَبْقَى المَكَانُ… وَلَا يَبْقَى هُوَ.”
لَيْسَ المَوْتُ فَقَطْ هُوَ الرَّحِيلُ،
بَلْ قَدْ يَكُونُ صَمْتًا طَوِيلًا،
أَوْ غِيَابًا لَا يَحْمِلُ تَبْرِيرًا،
أَوْ وَدَاعًا لَمْ يَحْدُثْ أَصْلًا.
“أَيُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَدُّ الرَّحِيلِ هُوَ مَا لَمْ يُقَلْ فِيهِ وَدَاعٌ؟”
سَأَلْتُ.
فَجَاءَ الجَوَابُ:
“نَعَمْ… لِأَنَّهُ يَبْقَى مُعَلَّقًا، لَا يُغْلَقُ.”
“الرَّحِيلُ كَخِيَانَةٍ”
هُنَا، تَدَخَّلَ صَوْتٌ حَادٌّ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ أَثَرَ جُرْحٍ قَدِيمٍ:
“لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَحَلَ فَقَدَ، بَعْضُهُمْ اخْتَارَ أَنْ يَذْهَبَ.”
الرَّحِيلُ هُنَا لَا يُوجِعُ لِأَنَّهُ فَقْدٌ فَقَطْ،
بَلْ لِأَنَّهُ قَرَارٌ.
“قَرَارٌ بِتَرْكِكَ.”
فَسَأَلْتُ، وَفِي صَوْتِي شَيْءٌ مِنَ الاِنْكِسَارِ:
“أَيَكُونُ الأَلَمُ فِي الرَّحِيلِ… أَمْ فِي أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ كَافِيَنَ لِيَبْقَى؟”
فَأَجَابَ صَوْتُ مُحَلِّلٍ نَفْسِيٍّ:
“بَلْ فِي السُّؤَالِ نَفْسِهِ… لِأَنَّهُ يُحَوِّلُ الفَقْدَ إِلَى ذَنْبٍ.”
“الرَّحِيلُ كَمَنْفًى”
قَالَ صَوْتٌ بَعِيدٌ، كَأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ طَرِيقٍ طَوِيلٍ:
“هُوَ أَنْ تَتْرُكَ مَكَانًا لَا يَتْرُكُكَ.”
مُغَادَرَةُ الوَطَنِ لَا تَكُونُ دَائِمًا صَاخِبَةً،
أَحْيَانًا تَكُونُ هَادِئَةً، مُنَظَّمَةً،
كَأَنَّهَا قَرَارٌ عَاقِلٌ…
وَلَكِنَّهَا فِي الدَّاخِلِ،
تَكُونُ اقْتِلَاعًا لَا يُرَى.
“لَمْ يَكُنِ الرَّحِيلُ اقْتِلَاعًا… بَلْ كَانَ اخْتِيَارًا هَادِئًا.”
رَدَّدْتُهَا فِي دَاخِلِي،
فَاعْتَرَضَ صَوْتٌ آخَرُ:
“أَمْ هَكَذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَدِّقَ؟”
فَصَمَتُّ…
لِأَنَّ الحَقِيقَةَ كَانَتْ أَقْسَى:
لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا كَامِلًا،
وَلَمْ يَكُنْ اقْتِلَاعًا مُعْلَنًا…
بَلْ كَسْرًا دَاخِلِيًّا يَحْدُثُ فِي صَمْتٍ.
“الرَّحِيلُ كَذَاكِرَةٍ مُشَوَّهَةٍ”
تَدَخَّلَ صَوْتٌ عَالِمٍ فِي عِلْمِ النَّفْسِ،
بِهُدُوءٍ يَحْمِلُ قَلَقًا خَفِيًّا:
“لَيْسَ كُلُّ مَا نَتَذَكَّرُهُ حَقِيقَةً… بَعْضُهُ مَا اسْتَطَعْنَا تَحَمُّلَهُ فَقَطْ.”
الرَّحِيلُ قَدْ لَا يَتَغَيَّرُ فِي الوَاقِعِ،
وَلَكِنَّهُ يَتَغَيَّرُ فِي ذَاكِرَتِنَا.
نُعِيدُ كِتَابَتَهُ،
نُخَفِّفُهُ،
نُزَيِّنُهُ،
أَوْ نُفَرِّغُهُ مِنْ مَعْنَاهُ.
“هَلْ مَا أَتَذَكَّرُهُ حَقِيقِيٌّ أَصْلًا؟”
سَأَلْتُ.
فَجَاءَ الجَوَابُ:
“هُوَ حَقِيقِيٌّ بِقَدْرِ مَا احْتَجْتَ أَنْ تَكُونَ.”
“الرَّحِيلُ كَفِعْلٍ قُمْتُ بِهِ”
وَهُنَا…
خَفَتَتِ الأَصْوَاتُ كُلُّهَا،
وَبَقِيَ صَوْتٌ وَاحِدٌ،
أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَيَّ… وَأَصْعَبُهَا مُوَاجَهَةً:
“لَمْ تَكُنْ شَاهِدًا… كُنْتَ جُزْءًا مِنَ الحِكَايَةِ.”
تَسَمَّرْتُ فِي مَكَانِي.
“مَاذَا تَعْنِي؟”
فَقَالَ:
“قَدْ يَكُونُ الرَّحِيلُ لَيْسَ مَا فُعِلَ بِكَ… بَلْ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ أَنْتَ.”
تَرْكُ شَخْصٍ فِي لَحْظَةٍ كَانَ يَحْتَاجُكَ فِيهَا،
الصَّمْتُ حِينَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَكَلَّمَ،
العُجْزُ… أَوِ الاِخْتِيَارُ.
“أَكَانَ بِإِمْكَانِي أَنْ أَبْقَى؟”
سَأَلْتُ، وَقَلْبِي يَضِيقُ.
فَجَاءَ الجَوَابُ، دُونَ قَسْوَةٍ:
“لَا يَهُمُّ الآنَ… مَا يَهُمُّ أَنَّكَ تَسْأَلُ.”
وَبَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ لِلرَّحِيلِ،
أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَخْشَى الكَلِمَةَ نَفْسَهَا،
بَلْ مَا تَكْشِفُهُ.
“أَنَّ أَحَدَنَا رَحَلَ…
وَأَنَّ الآخَرَ كَانَ قَادِرًا—أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا—عَلَى أَنْ يُبْقِيَهُ.”
وَهُنَا،
تَوَقَّفَ السُّؤَالُ عَنْ مَعْنَى الرَّحِيلِ،
وَتَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ…
إِلَى مُوَاجَهَةٍ صَامِتَةٍ:
“مَنْ الَّذِي رَحَلَ حَقًّا؟…
وَمَنْ الَّذِي تَرَكَهُ يَرْحَلُ؟”
عَادَ الاِسْمُ…
لَمْ يَأْتِ مُكْتَمِلًا،
بَلْ تَشَكَّلَ كَظِلٍّ عَلَى سَطْحِ مَاءٍ مُرْتَعِشٍ،
“كَأَنَّ أَحَدًا كَتَبَهُ… ثُمَّ مَحَاهُ قَبْلَ أَنْ أَقْرَأَهُ.”
وَلَكِنِّي—هَذِهِ المَرَّةَ—لَمْ أُبْعِدْهُ.
جَلَسْتُ عَلَى الأَرْضِ،
وَالدَّفْتَرُ مَفْتُوحٌ أَمَامِي،
وَالصَّفَحَاتُ تَرْتَجِفُ بَيْنَ يَدَيَّ،
لَا كَأَنَّهَا وَرَقٌ… بَلْ كَأَنَّهَا كَائِنٌ يَعْرِفُ مَا سَأَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ.
“لِمَاذَا تَرْتَجِفُ؟ أَمْ أَنَّ الَّذِي يَرْتَجِفُ هُوَ أَنَا؟”
سَأَلْتُ نَفْسِي،
فَجَاءَنِي جَوَابٌ خَافِتٌ مِنْ دَاخِلِي:
“لِأَنَّ بَعْضَ الذِّكْرَيَاتِ لَا تُفْتَحُ… بَلْ تُفْلِتُ.”
قَلَّبْتُ الصَّفَحَاتِ بِبُطْءٍ،
بِحَذَرٍ يُشْبِهُ الخَوْفَ مِنْ كَسْرِ شَيْءٍ هَشٍّ…
أَوْ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ،
مِنِ اسْتِعَادَتِهِ.
وَكَأَنَّ صَوْتًا آخَرَ—صَوْتَ رَجُلٍ خَبِيرٍ بِخَفَايَا النَّفْسِ—هَمَسَ فِي أُذُنِي:
“أَنْتَ لَا تَخَافُ أَنْ تَجِدَ… بَلْ تَخَافُ أَنْ تَتَذَكَّرَ كَيْفَ وَجَدْتَ.”
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعِي.
هُنَاكَ…
فِي مُنْتَصَفِ الصَّفْحَةِ،
بَيْنَ سُطُورٍ بَدَتْ مَأْلُوفَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي،
وَكَأَنَّهَا لَا تَكْتُبُ حَدَثًا… بَلْ تُخْفِي آخَرَ،
وَجَدْتُ جُمْلَةً.
جُمْلَةً لَمْ تَكُنْ فِي أَيٍّ مِنْ نُصُوصِي المَنْشُورَةِ،
وَلَمْ أَتَذَكَّرْ أَنِّي سَمَحْتُ لَهَا يَوْمًا أَنْ تَخْرُجَ إِلَى النُّورِ:
“قُلْتُ لَهُ إِنَّنِي سَأَعُودُ بَعْدَ سَاعَةٍ.”
تَوَقَّفَ النَّفَسُ.
لَا، لَمْ يَكُنْ تَوَقُّفًا عَابِرًا،
بَلْ كَأَنَّ الهَوَاءَ نَفْسَهُ تَرَاجَعَ خُطْوَةً إِلَى الوَرَاءِ،
تَارِكًا الغُرْفَةَ أَضْيَقَ… وَأَثْقَلَ.
“سَاعَةٌ؟”
رَدَّدْتُهَا فِي دَاخِلِي،
فَجَاءَ صَوْتٌ آخَرُ، أَقْسَى:
“أَمْ كَانَتْ وَعْدًا لَا تَنْوِي الوَفَاءَ بِهِ؟”
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ لِحْظَةً،
فَرَأَيْتُ المَشْهَدَ…
لَا كَمَا كَتَبْتُهُ،
بَلْ كَمَا حَدَثَ.
شَخْصٌ يَنْتَظِرُ.
بَابٌ نِصْفُ مَفْتُوحٍ.
وَصَوْتِي—هَادِئًا، عَادِيًّا، كَأَنَّهُ لَا يَعِدُ بِشَيْءٍ كَبِيرٍ:
“سَأَعُودُ بَعْدَ سَاعَةٍ.”
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ.
“هَلْ عُدْتُ؟”
سُؤَالٌ بَسِيطٌ…
وَلَكِنَّهُ شَقَّ فِي صَدْرِي فَجْوَةً لَمْ أَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ.
تَدَخَّلَ صَوْتٌ ثَالِثٌ،
كَأَنَّهُ لِمُؤَرِّخٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَكْتُبَ الحَقِيقَةَ بِبُرُودٍ:
“لَوْ عُدْتَ… لَمَا كُتِبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِهَذَا الِارْتِبَاكِ.”
نَظَرْتُ إِلَى الخَطِّ.
كَانَ مُتَرَدِّدًا،
مُهَزَّزًا،
كَأَنَّ اليَدَ الَّتِي كَتَبَتْهُ لَمْ تَكُنْ تُسَجِّلُ ذِكْرَى…
بَلْ تَعْتَرِفُ.
أَعَدْتُ قِرَاءَةَ الجُمْلَةِ.
مَرَّةً.
مَرَّتَيْنِ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ،
كَانَتْ تَفْقِدُ شَيْئًا مِنْ غُمُوضِهَا…
وَتَكْتَسِبُ شَيْئًا مِنْ قَسْوَتِهَا.
“لَمْ تَكُنْ جُمْلَةً… بَلْ كَانَتْ وَعْدًا.”
هَمَسَ صَوْتِي الدَّاخِلِيُّ.
“وَكُلُّ وَعْدٍ لَا يُنْفَّذُ… يَتَحَوَّلُ إِلَى رَحِيلٍ.”
فَجْأَةً،
لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ: مَا هُوَ الرَّحِيلُ؟
بَلْ أَصْبَحَ:
“هَلْ كَانَ الرَّحِيلُ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي لَمْ أَعُدْ بَعْدَهَا؟”
وَصَوْتٌ أَخِيرٌ—كَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَعْمَقِ نُقْطَةٍ فِيَّ—قَالَ بِهُدُوءٍ مُخِيفٍ:
“لَمْ يَرْحَلْ هُوَ…
أَنْتَ الَّذِي لَمْ تَعُدْ.”
فَارْتَجَفَتِ الصَّفْحَةُ بَيْنَ يَدَيَّ،
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
لَمْ أَخَفْ مِمَّا سَأَقْرَأُ…
بَلْ مِمَّا تَذَكَّرْتُ.
“سَاعَةٌ…”
لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ وَحْدَةِ زَمَنٍ،
بَلْ صَارَتْ مِقْيَاسًا لِمَا لَمْ يَحْدُثْ.
كُنْتُ أَكْتُبُ دَائِمًا أَنَّنِي تَأَخَّرْتُ،
أَنَّ الطَّرِيقَ كَانَ أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ،
أَنَّ شَيْئًا مَا—أَيَّ شَيْءٍ—أَعَاقَنِي.
“كَانَ لَا بُدَّ مِنْ عُذْرٍ… أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
هَكَذَا هَمَسَ صَوْتٌ فِي دَاخِلِي،
صَوْتٌ يَشْبِهُنِي… وَلَكِنَّهُ لَا يُدَافِعُ عَنِّي.
لَكِنِّي—مَهْمَا كَتَبْتُ—
لَمْ أَكْتُبْ تِلْكَ الجُمْلَةَ.
لَمْ أَكْتُبْ أَنَّنِي وَعَدْتُ.
رَفَعْتُ رَأْسِي بِبُطْءٍ،
كَأَنَّنِي أَنْتَظِرُ أَنْ يَقِفَ أَحَدٌ أَمَامِي،
أَنْ يُكْمِلَ القِصَّةَ بَدَلًا عَنِّي،
أَنْ يَقُولَ مَا عَجَزْتُ عَنْ قَوْلِهِ.
“قُلْهَا… وَانْتَهِ.”
صَوْتٌ حَازِمٌ، كَأَنَّهُ لِقَاضٍ لَا يَعْرِفُ المُرَاوَغَةَ.
نَظَرْتُ حَوْلِي.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ.
فَقَطِ الصَّمْتُ…
وَذَلِكَ الصَّوْتُ القَدِيمُ،
الَّذِي ظَنَنْتُ أَنِّي دَفَنْتُهُ بَيْنَ الكَلِمَاتِ.
“لَا تَتَأَخَّرْ.”
تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ.
لَيْسَ كَذِكْرَى وَاضِحَةٍ،
بَلْ كَاصْطِدَامٍ مُفَاجِئٍ
بِشَيْءٍ كُنْتُ أَتَجَنَّبُهُ عَنْ قَصْدٍ.
“الآنَ تَتَذَكَّرُ؟”
سَأَلَنِي صَوْتٌ خَفِيٌّ،
لَا يَحْمِلُ سُخْرِيَّةً… بَلْ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنْهَا.
أَجَبْتُ بِهَمْسٍ مُتَرَدِّدٍ:
“لَا… أَنَا لَا أَتَذَكَّرُ،
أَنَا أَصْطَدِمُ.”
كَانَ هُنَاكَ.
وَاقِفًا عِنْدَ البَابِ.
نِصْفُهُ فِي الضَّوْءِ،
وَنِصْفُهُ فِي الظِّلِّ،
كَأَنَّهُ لَمْ يُقَرِّرْ بَعْدُ:
“أَيَبْقَى… أَمْ يَرْحَلُ؟”
وَصَوْتٌ آخَرُ—كَأَنَّهُ لِرَجُلٍ يَفْهَمُ لُغَةَ اللَّحَظَاتِ الفَاصِلَةِ—قَالَ:
“لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُ القَرَارَ… كُنْتَ أَنْتَ.”
شَعَرْتُ بِضِيقٍ فِي صَدْرِي.
“هَلْ كَانَ يَعْلَمُ؟”
جَاءَ الجَوَابُ، هَادِئًا كَحَقِيقَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتٍ:
“كَانَ يَعْلَمُ مَا يَكْفِي لِيَطْلُبَ مِنْكَ أَلَّا تَتَأَخَّرَ.”
“لَا تَتَأَخَّرْ.”
لَمْ تَكُنْ جُمْلَةً عَابِرَةً.
كَانَتْ طَلَبًا…
أَوْ رُبَّمَا رَجَاءً…
أَوْ—وَهُوَ الأَقْسَى—
كَانَتْ مَعْرِفَةً مُسْبَقَةً بِأَنَّ التَّأَخُّرَ سَيَحْدُثُ.
“أَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّنِي لَنْ أَعُودَ؟”
سَأَلْتُ، وَقَلْبِي يَنْقَبِضُ.
فَأَجَابَ صَوْتٌ عَمِيقٌ، كَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَعِيدٍ:
“لَا…
وَلَكِنَّهُ كَانَ يَخَافُ.”
فَجْأَةً،
لَمْ يَعُدِ المَشْهَدُ صَامِتًا.
صَارَ مُثْقَلًا بِمَا لَمْ يُقَلْ.
نَظَرَةٌ لَمْ أَفْهَمْهَا يَوْمَهَا.
تَرَدُّدٌ لَمْ أَتَوَقَّفْ عِنْدَهُ.
وَجُمْلَةٌ—بَسِيطَةٌ، قَصِيرَةٌ—
لَمْ أُدْرِكْ أَنَّهَا كَانَتِ النُّقْطَةَ الَّتِي تَنْقَسِمُ عِنْدَهَا الحِكَايَةُ.
“لِمَاذَا لَمْ تَكْتُبْهَا؟”
سَأَلَنِي الصَّوْتُ نَفْسُهُ الَّذِي لَا يَتْعَبُ مِنَ السُّؤَالِ.
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
وَبَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ،
قُلْتُ—وَكَأَنِّي أَعْتَرِفُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ:
“لِأَنَّنِي لَوْ كَتَبْتُهَا…
لَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَقُولَ إِنَّنِي تَأَخَّرْتُ فَقَطْ.”
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.
لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ تَأَخُّرًا،
وَلَا طَرِيقًا أَطْوَلَ،
وَلَا ظَرْفًا عَابِرًا.
بَلْ أَصْبَحَ شَيْئًا أَبْسَطَ… وَأَثْقَلَ:
“وَعْدٌ… لَمْ يُحْفَظْ.”
نَظَرْتُ إِلَى البَابِ فِي ذَاكِرَتِي مَرَّةً أُخْرَى،
إِلَى ذَلِكَ الجُزْءِ الَّذِي كَانَ فِي الضَّوْءِ…
وَالآخَرِ الَّذِي كَانَ فِي الظِّلِّ.
وَفَهِمْتُ، أَخِيرًا،
أَنَّ الرَّحِيلَ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَمَا خَرَجَ هُوَ…
بَلْ عِنْدَمَا لَمْ أَعُدْ أَنَا.
“وَأَنَا…”
تَوَقَّفَتِ الكَلِمَةُ عِنْدَ حَافَّةِ الاِعْتِرَافِ،
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَيْسَ سَهْلًا.
“كُنْتُ قَدْ قَرَّرْتُ.”
هَكَذَا قُلْتُ…
أَوْ لَعَلَّهُ مَا أَقْنَعْتُ بِهِ نَفْسِي لَاحِقًا،
حِينَ احْتَجْتُ إِلَى قِصَّةٍ تُفَسِّرُ لِي مَا فَعَلْتُ.
فَجَاءَ صَوْتٌ خَفِيٌّ، لَا يَخْلُو مِنْ شَكٍّ:
“أَقَرَّرْتَ… أَمْ تَرَكْتَ الأُمُورَ تَحْدُثُ ثُمَّ سَمَّيْتَهَا قَرَارًا؟”
لَمْ أُجِبْ.
لِأَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ لَا يُجِيبُ عَنْهَا الصَّوْتُ،
بَلْ يَنْكَشِفُ جَوَابُهَا فِي الاِرْتِجَافِ.
أَغْلَقْتُ الدَّفْتَرَ بِعُنْفٍ،
كَأَنَّ بَيْنَ صَفَحَاتِهِ شَيْئًا يَحْتَرِقُ،
وَأَنَّ إِطْبَاقَهُ قَدْ يُخْمِدُهُ.
“تَوَقَّفْ.”
قُلْتُهَا لَا لِلدَّفْتَرِ…
بَلْ لِمَا بَدَأَ يَنْفَلِتُ مِنْهُ.
لَكِنَّ الجُمْلَةَ… بَقِيَتْ.
لَمْ تَعُدْ عَلَى الوَرَقِ فَقَطْ،
بَلِ انْتَقَلَتْ إِلَيَّ،
كَأَنَّهَا وَجَدَتْ مَكَانَهَا الأَصْلِيَّ:
“سَأَعُودُ بَعْدَ سَاعَةٍ.”
تَكَرَّرَتْ.
بِنَفْسِ النَّبْرَةِ.
بِنَفْسِ البُرُودِ.
وَكَأَنَّهَا لَا تُقَالُ لِتُسْمَعَ،
بَلْ لِتُثْبِتَ أَنَّهَا حَدَثَتْ.
“سَاعَةٌ… لَمْ تَعُدْ بَعْدَهَا.”
قَالَ صَوْتٌ آخَرُ،
لَا يَحْمِلُ اتهامًا… وَلَكِنَّهُ لَا يُخَفِّفُ شَيْئًا.
شَعَرْتُ أَنَّ الكَلِمَاتِ لَمْ تَعُدْ مجَرَّدَ ذِكْرَى،
بَلْ أَصْبَحَتْ وَاقِعًا مُؤَجَّلًا،
يَعُودُ الآنَ لِيَكْتَمِلَ.
لَمْ أَفْتَحِ الدَّفْتَرَ مُجَدَّدًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
تَرَكْتُهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ،
مَقْلُوبًا،
كَأَنَّنِي أُدِيرُ وَجْهَهُ عَنِّي…
أَوْ أُدِيرُ وَجْهِي عَنْهُ.
“أَتُعَاقِبُهُ؟”
سَأَلَ الصَّوْتُ بِهُدُوءٍ.
تَرَدَّدْتُ،
ثُمَّ قُلْتُ:
“لَا… رُبَّمَا أُعَاقِبُ نَفْسِي.”
فَأَجَابَ:
“وَهَلْ يُغَيِّرُ ذَلِكَ مَا حَدَثَ؟”
لَمْ أَقُلْ شَيْئًا.
لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَبْتَعِدَ عَنْهُ تَمَامًا.
كَانَ هُنَاكَ…
فِي وَسَطِ الغُرْفَةِ،
لَا كَدَفْتَرٍ،
بَلْ كَحُضُورٍ.
ظَلَلْتُ أَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ،
أَقْتَرِبُ… ثُمَّ أَبْتَعِدُ،
أَدُورُ حَوْلَهُ كَمَنْ يَخْشَى أَنْ يَلْمَسَ شَيْئًا حَيًّا.
“لِمَاذَا لَا تَقْتَرِبُ؟”
سَأَلَ صَوْتٌ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ التَّحَدِّي.
“لِأَنِّي أَعْرِفُ مَا سَأَجِدُ.”
قُلْتُهَا بِصَرَاحَةٍ أَخِيرًا.
فَجَاءَ الجَوَابُ، أَعْمَقَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ:
“لَا…
أَنْتَ لَا تَخَافُ مِمَّا سَتَجِدُ،
بَلْ مِمَّا سَيَجِدُكَ.”
تَوَقَّفْتُ فِي مَكَانِي.
نَظَرْتُ إِلَى الدَّفْتَرِ،
وَشَعَرْتُ—لِأَوَّلِ مَرَّةٍ—
أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ أَنْ أَفْتَحَهُ،
بَلْ أَنْ أَعْتَرِفَ.
“هَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَعُودَ؟”
جَاءَ السُّؤَالُ،
بِبُطْءٍ… كَأَنَّهُ يُمْنَحُ لِي لِأُجِيبَ عَنْهُ أَوْ أَهْرُبَ مِنْهُ.
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ،
وَتَرَكْتُ الصَّمْتَ يَمْتَدُّ.
ثُمَّ هَمَسْتُ،
لَا أَدْرِي لِمَنْ:
“لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ…
وَلَكِنِّي لَمْ أُحَاوِلْ أَنْ أَعْرِفَ.”
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
لَمْ يَعُدِ الدَّفْتَرُ شَيْئًا خَارِجِيًّا،
وَلَمْ تَعُدِ الجُمْلَةُ ذِكْرَى.
بَلْ أَصْبَحَا سُؤَالًا وَاحِدًا،
يَدُورُ فِي الغُرْفَةِ… وَفِي دَاخِلِي:
“إِذَا لَمْ تَعُدْ يَوْمَهَا…
فَمَتَى قَرَّرْتَ أَلَّا تَعُودَ؟”
وَلَمْ أَجِدْ جَوَابًا.
فَقَطْ خُطْوَاتِي،
تَقْتَرِبُ…
ثُمَّ تَبْتَعِدُ.
فِي الخَارِجِ، كَانَتِ الأَنْوَارُ القَلِيلَةُ فِي الشَّارِعِ تَنْعَكِسُ عَلَى الزُّجَاجِ،
فَتُبَاعِدُ المَدِينَةَ عَنِّي،
لَا بِالمَسَافَةِ… بَلْ بِالشُّعُورِ.
بَدَتْ هَادِئَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي،
“هُدُوءٌ لَا يُطَمْئِنُ… بَلْ يُوَاطِئُ.”
كَأَنَّهَا تَتَّفِقُ مَعَ صَمْتِي،
تَحْمِيهِ… أَوْ تُخْفِيهِ.
جَلَسْتُ أَخِيرًا،
دُونَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِ،
كَأَنَّ النَّظَرَ قَدْ يَكْسِرُ شَيْئًا لَا يُصْلَحُ بَعْدَهُ.
أَشْعَلْتُ سِيجَارَةً.
“مُنْذُ مَتَى تَعُودُ إِلَى مَا تَرَكْتَهُ؟”
سَأَلَ صَوْتٌ فِي دَاخِلِي،
فَأَجَبْتُ بِبُرُودٍ:
“مُنْذُ أَنْ عَادَ مَا تَرَكْتُهُ إِلَيَّ.”
لَمْ أَكُنْ أُدَخِّنُ مُنْذُ سِنِينَ،
وَلَمْ يَكُنِ الدُّخَانُ هُنَا لِيُهَدِّئَ،
بَلْ لِيَكْشِفَ.
تَصَاعَدَ ببطءٍ،
يَلْتَفُّ حَوْلِي كَضَبَابٍ خَفِيفٍ،
وَبَدَلَ أَنْ يُخْفِي الصُّورَةَ…
جَعَلَهَا أَوْضَحَ.
“بَابٌ.”
هَذَا مَا عَادَ أَوَّلًا.
لَا وَجْهٌ.
لَا صَوْتٌ.
لَا تَفَاصِيلُ.
فَقَطْ بَابٌ.
مَفْتُوحٌ نِصْفَ فَتْحَةٍ،
كَأَنَّهُ يَقِفُ فِي مَنْطِقَةٍ لَا تَعْرِفُ الحَسْمَ،
بَيْنَ الدَّفْعِ وَالإِغْلَاقِ،
بَيْنَ البَقَاءِ وَالرَّحِيلِ.
“لِمَاذَا نِصْفُ فَتْحَةٍ؟”
سَأَلْتُ، وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُفَسِّرَ هَذَا التَّرَدُّدَ المُتَجَمِّدَ فِي الذَّاكِرَةِ.
فَجَاءَ الجَوَابُ، كَأَنَّهُ لِمُفَسِّرٍ لِأَعْمَاقِ الإِنْسَانِ:
“لِأَنَّ أَحَدَكُمَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يُغْلِقَهُ تَمَامًا…
وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى أَنْ يَفْتَحَهُ.”
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
فَعَادَ المَشْهَدُ…
لَا كَذِكْرَى مُرَتَّبَةٍ،
بَلْ كَلُقْطَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ،
يَجْمَعُهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ:
ذَلِكَ البَابُ.
كَانَ هُنَاكَ ضَوْءٌ خَافِتٌ،
يَتَسَلَّلُ مِنَ الدَّاخِلِ،
يَمْتَدُّ عَلَى الأَرْضِ قُرْبَ العَتَبَةِ،
كَخَيْطٍ رَقِيقٍ بَيْنَ عَالَمَيْنِ.
“خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ تَكْفِي…”
هَمَسَ صَوْتٌ، لَا يَخْلُو مِنْ أَلَمٍ.
“خُطْوَةٌ إِلَى الدَّاخِلِ… أَوْ إِلَى الخَارِجِ.”
“وَتَذَكَّرْ…”
قَالَ الصَّوْتُ،
ثُمَّ تَوَقَّفَ، كَأَنَّهُ يَمْنَحُنِي فُرْصَةَ الاِخْتِيَارِ:
أَنْ أُكْمِلَ… أَوْ أَصْمُتَ.
فَهَمَسْتُ:
“أَوْ أَظُنُّ أَنَّنِي أَتَذَكَّرُ…”
لِأَنَّ مَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ،
لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا،
بَلْ كَانَ إِحْسَاسًا مُبَاغِتًا،
كَاصْطِدَامٍ بِلَحْظَةٍ لَمْ أُرِدْ لَهَا أَنْ تَبْقَى.
“تَوَقَّفْتَ.”
قَالَ الصَّوْتُ بِثِقَةٍ.
فَسَأَلْتُ، وَقَلْبِي يَنْقَبِضُ:
“لِثَانِيَةٍ؟”
فَأَجَابَ:
“أَوْ لِعُمْرٍ كَامِلٍ… تَكَثَّفَ فِي ثَانِيَةٍ.”
نَعَمْ…
هُنَاكَ، عِنْدَ العَتَبَةِ،
قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ أَيُّ شَيْءٍ بَعْدَهَا،
تَوَقَّفْتُ.
لَمْ أَكُنْ قَدْ رَحَلْتُ بَعْدُ،
وَلَمْ أَكُنْ قَدْ بَقِيتُ.
كُنْتُ فِي تِلْكَ المَسَافَةِ الدَّقِيقَةِ،
حَيْثُ يَتَشَكَّلُ القَرَارُ…
أَوْ يَتَبَدَّدُ.
“مَاذَا لَوْ دَفَعْتَ البَابَ؟”
سَأَلَ صَوْتٌ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الأَمَلِ المُتَأَخِّرِ.
“وَمَاذَا لَوْ أَغْلَقْتَهُ؟”
أَجَابَ صَوْتٌ آخَرُ، أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً.
لَكِنِّي…
لَمْ أَفْعَلْ أَيًّا مِنْهُمَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
أَوْ رُبَّمَا فَعَلْتُ…
وَلَكِنَّ ذَاكِرَتِي اخْتَارَتْ أَنْ تَتَوَقَّفَ هُنَا،
عِنْدَ تِلْكَ الثَّانِيَةِ،
لِأَنَّهَا أَقَلُّ قَسْوَةً مِنَ البَقِيَّةِ.
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ.
الدُّخَانُ مَا زَالَ يَتَصَاعَدُ،
وَالغُرْفَةُ مَا زَالَتْ صَامِتَةً،
وَالدَّفْتَرُ مَا زَالَ هُنَاكَ…
لَكِنَّ شَيْئًا تَغَيَّرَ.
لَمْ يَعُدِ البَابُ صُورَةً بَعِيدَةً،
بَلْ أَصْبَحَ سُؤَالًا حَاضِرًا،
يَقِفُ أَمَامِي كَمَا وَقَفَ يَوْمَهَا:
“فِي تِلْكَ الثَّانِيَةِ…
مَاذَا فَعَلْتَ؟”
“ثَانِيَةٌ وَاحِدَةٌ…”
تَرَاوَحَتِ الفِكْرَةُ بَيْنَ الخَفْقَةِ وَالصَّمْتِ،
وَكِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ مَا سَيَتْبَعُهَا لَا يرْجَعُ.
لَمْ أَدْخُل.
وَلَا أَعْرِفُ حَالِيًّا لِمَاذَا.
“هَلْ كُنْتُ مُسْتَعْجِلًا؟”
سَأَلَ صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، يَحْمِلُ شَكًّا بَارِدًا.
“أَمْ كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أَرَى مَا فِي الدَّاخِلِ؟”
أَجَبْتُهُ بِصَمْتٍ، وَكِلْتَا الفِكْرَتَيْنِ تَتَقَاطَعَانِ فِي رَأْسِي.
أَوْ… “لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ.”
فَفَتَحْتُ عَيْنَيَّ بِسُرْعَةٍ، كَأَنِّي ضَبَطْتُ نَفْسِي مُتَلَبِّسًا بِشَيْءٍ مَنْسِيٍّ.
نَظَرْتُ إِلَى الدَّفْتَرِ…
لَمْ يَتَحَرَّكْ، طَبْعًا.
لَكِنَّهُ لَمْ يَعُد صَامِتًا.
وَكَأَنَّهُ يَنطِقُ بِصَوْتٍ لَا يُسْمَعُ،
يَقُولُ: “هَلْ تَجْرُؤُ أَنْ تُكْمِل؟”
مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَهُ… ثُمَّ سَحَبْتُهَا،
تَرَدَّدْتُ كَمَنْ يَمْسِكُ بِحرْبَةٍ بَلا شَفْرَةٍ.
فِي رَأْسِي، فِكْرَةٌ وَاحِدَةٌ تَطْرُقُ بَعُضَهَا الأَخَرَ بِإِصْرَارٍ:
“إِذَا فَتَحْتَ الصَّفْحَةَ التَّالِيَةَ…
لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَعُودَ.”
وَسَكَنَتِ الغُرْفَةُ، وَتَرَكْتُهَا وأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُقَيِّمَ نَفْسِي،
بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالخَوْفِ،
بَيْنَ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَهُ، وَمَا كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَرَى.
فَظَلَلْتُ هُنَاكَ، أُقَلِّبُ البَصَرَ وَالأَفْكَارَ،
كَأَنَّ الدَّفْتَرَ يَنْتَظِرُنِي أَن أَخْتَارَ… أَوْ أَنْ أَتَرُكَ.
“ضَحِكْتُ بِخَفُوتٍ… ضَحِكَةٌ جَافَّةٌ لَا تُشْبِهُنِي.”
العودة إلى ماذا، أصلاً؟
“إلى تِلْكَ النُّصُوصِ الْمُرَتَّبَةِ، النَّظِيفَةِ، الَّتِي لَا تَتْرُكُ أَثَرًا؟”
إلى الحكايات التي تنتهي دائمًا بطريقة يمكن احتمالهَا؟
هَزَّزْتُ رَأْسِي، كَأَنِّي أَرْفُضُ السُّؤَالَ،
لكنَّ شَيْئًا آخَرَ عَاد… هَذِهِ المَرَّةَ أَكْثَرَ وُضُوحًا:
صَوْتُ ارْتِطَامٍ.
لَا عَالِيًا…
بَلْ مَكْتُومًا، كَأَنَّهُ حَدَثَ خَلْفَ جِدَارٍ،
أَوْ دَاخِلَ غُرْفَةٍ أُغْلِقَ بَابُهَا بِسُرْعَةٍ.
تَجَمَّدْتُ.
لَمْ أَكُن قَدْ كَتَبْتُ هَذَا أَيْضًا.
فِي كُلِّ قِصَصِي، كَانَ هُنَاكَ وَدَاعٌ.
كَلِمَاتٌ أَخِيرَةٌ، نَظْرَةٌ، حَتَّى صَمْتٌ مُشْتَرَكٌ يَفْهَمُهُ الطَّرَفَانِ.
لَكِن لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ… ارْتِطَامٌ.
بَلْلَت شَفَتَيَّ،
وَشَعَرْتُ بِطَعْمٍ مَعْدَنِيٍّ غَرِيبٍ.
الخَوْف، رُبَّمَا…
أَوْ بَدَايَةُ التَّذَكُّرِ.
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، يَهُمِسُ بِحَذَرٍ:
“مَا الَّذِي كُنْتَ تَتَجَنَّبُهُ كُلَّ هَذِهِ السِّنِينَ؟”
وَأَنَا أَجِيبُهُ بِصَمْتٍ… وَكُلُّ الخَفْقَاتِ فِي صَدْرِي تَرْجِفُ:
“لَعَلَّهُ هَذَا، لَعَلَّهُ هَذَا الرَّحِيلُ الَّذِي لَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أُسَمِّيهِ.”
تَبِعَ ذَلِكَ صَمْتٌ أَعْمَقُ، يَلْتَقِطُ كُلَّ لَمْحَةٍ مِنْ ذَاكِرَتِي…
وَيَجْمَعُهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ،
حَيْثُ يَصْطَدِمُ المَاضِي بِالحَاضِرِ،
وَأَنَا أَحْسَبُ كُلَّ خُطْوَةٍ كَأَنَّهَا آخِرُ خُطْوَةٍ أَتَجَرَّأُ عَلَيْهَا.
“نَظَرْتُ إِلَى يَدَيَّ.
كَاَنَّهُمَا ثَابِتَتَانِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
جَسَدِي كَامِلًا تَمَرَّدَ عَلَى الحَرَكَةِ…
كَمَنْ يَخَافُ أَنْ يُكْمِلَ مَا بَدَأَهُ فِي قَلْبِهِ.”
كُنْتُ أَعْلَمُ أَنِّي سَأَفْتَحُ الدَّفْتَرَ.
“لَيْسَ الآن… لَيْسَ بَعْدُ.”
كُنْتُ أَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ صَغِيرٍ…
تَفْصِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، تَرُدُّ الْفَوْضَى إِلَى مَكَانِهَا،
أَوْ عَلَى الأَقَلِّ تجعلُهَا قَابِلَةً لِلتحمُّل.”
وَقَبْلَ أَنْ أَمُدَّ يَدِي مُجَدَّدًا، ظَهَرَتْ.
لَيْسَت صُورَةً كَامِلَة…
بَلْ تَفْصِيلَةٌ وَحْدَهَا.
مِفْتَاح.
مُعَلَّقٌ مِنَ الدَّاخِلِ.
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، يَهُمِسُ بِتَؤَدُّبٍ:
‘هَلْ هَذَا مِفْتَاحُكَ لِتَفْهَمَ مَا تَجَنَّبْتَهُ؟’
أَحَسَسْتُ بِاهْتِزَازٍ دَاخِلِيٍّ كَأَنَّ جَمِيعَ الخُطُوطِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لَمْ تَكُنْ سِوَى خُطُوطٍ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ.
وَفَجْأَةً، تَمَتَّعَتْ عَيْنَايَ بِرُؤْيَةٍ بَسِيطَةٍ:
مِفْتَاحٌ صَغِيرٌ، باردٌ، مُغْمَضٌ كَسِرٍّ لَمْ يُفَكَّ بَعْدُ.
صَوْتٌ آخَرُ دَاخِلِيٌّ، أَلِفَهُ مُنذُ زَمَنٍ:
‘هَذَا المِفْتَاحُ… لَيْسَ لِلْوَرَقِ فَقَطْ، بَلْ لِكُلِّ مَا كُنْتَ تَتَجَنَّبُهُ فِي نَفْسِكَ.’
وَتَرَاءَتْ لِي أَنَّ كُلَّ تَفْصِيلَةٍ، كُلُّ كَلِمَةٍ، كُلُّ صَمْتٍ، كَانَتْ تَتَوَقَّفُ هُنَا،
تَنْتَظِرُ أَنْ أُفَكِّ الرمزَ،
أَنْ أُقِرَّ بِأَنَّ المِفْتَاحَ لَا يَفْتَحُ الدَّفْتَرَ فَقَطْ، بَلْ قَلْبِي أَيْضًا.”
“المِفْتَاح…”
ظَلَّ مُعَلَّقًا هُنَاكَ، فِي ذِهْنِي، أَكْثَرَ وُضُوحًا مِنْ أَيِّ وَجْهٍ.
يَتَدَلَّى قَلِيلًا، سَاكِنًا… كَأَنَّهُ لَمْ يُلْمَسْ مُنذُ زَمَنٍ.
“مِنَ الدَّاخِل…” كررت العبارة بصمت، كَأَنَّهَا قَد تُفَسِّر كُلَّ شَيْء.
مِنَ الدَّاخِل…
أي أن أحدًا كَان هُنَاكَ.
أَحَدٌ لَمْ يَخْرُج.
أَحَدٌ لَمْ يَكُن يَنْتَظِرُنِي.
ابتَلَعْتُ رِيقي بِصُعُوبَةٍ، وَشَعَرْتُ أَنَّ الغُرْفَةَ تَمِيلُ قَلِيلًا،
أَوْ رُبَّمَا أَنَا مَنْ فَقَدَ تَوَازُنَهُ.
مَدَدْتُ يَدِي إِلَى الطَّاوِلَةِ…
لَا لِأَفْتَحَ الدَّفْتَرَ هَذِهِ المَرَّةَ…
بَلْ لِأُثْبِتَ نَفْسِي.
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، هَادِئٌ وَثَقِيلٌ:
“أَلَمْ تَدْرِ أَنَّ المِفْتَاحَ هُوَ دَعْوَةٌ لِمَا تَخَافُهُ؟”
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، وَشَعَرْتُ بِوَسَطِ جَوْفِي يَنْفَجِرُ بِمَخَاوِفَ لَمْ تُسَمَّى،
كَمَا أَنَّ كُلَّ تَفَاصِيلِ الغُرْفَةِ—الصَّمْتُ، الظِّلُّ، ضوءُ الشَّارِعِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ—تَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ وَحِيدَةٍ:
“كُلُّ شَيْءٍ هُنَا يَنْتَظِرُكَ… أَنْ تَسْمَعَ، أَنْ تَعْرِفَ، أَنْ تقْرِرَ.”
وَأَنَا جَالِسٌ، أَحْسِسُ أَنَّ المِفْتَاحَ لَيْسَ فَقَطْ لِفَتْحِ الدَّفْتَرِ،
بَلْ لِفَتْحِ وَجْهِي المَخْفِي…
وَكُلُّ ذَلِكَ صَامِتٌ، يَنْتَظِرُ خُطْوَتِي الْأُولَى.
“ثُمَّ عَادَ الصَّوْت…”
لَا، لَمْ يَكُنِ الِارْتِطَامُ فَقَطْ…
بَلْ كُلُّ مَا سَبَقَهُ.
خُطُوَات.
سَرِيعَة… ثُمَّ مُتَرَدِّدَة.
كَأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ.
اِقْتَرَبَتْ مِنَ البَابِ.
تَوَقَّفَتْ.
وَأَنَا… كُنْتُ فِي الخَارِجِ.
هَذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكُن ذِكْرَى غَائِمَة.
كَانَت حَادَّة، قَاسِيَة، كَأَنَّهَا لَمْ تَغَادِرْنِي أَصْلًا—
أَنَا فَقَطْ مَنْ ابْتَعَدَ عَنْهَا.
وَقَفْتُ هُنَاكَ، أُحَدِّقُ فِي الفَتْحَةِ الضَّيِّقَة،
فِي الضَّوْءِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ مِنْهَا، وَفِي الظِّلِّ الَّذِي يَتَحَرَّكُ خَلْفَهُ.
“سَأَعُودُ بَعْدَ سَاعَة.”
قُلْتُهَا بِسُرْعَةٍ.
لَا كَطُمَأْنِينَة…
بَلْ كَذِريعَة.
صَوْتِي دَاخِلِيٌّ هَمَسَ:
“وَمَا هِيَ السَّاعَةُ إِلَّا وَهْمٌ… وَوَعْدٌ بِلا وُجُود.”
وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي،
بَيْنَ خَوْفٍ مِنَ الدّخُولِ، وَحَافَةٍ مِنَ التَّرَقُّبِ،
أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ أَقِفَ هُنَا…
أَنْ أُشَاهِدَ الظِّلَّ وَالضَّوْءَ، وَأَدْرِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِي ثَانِيَة.
“أَذْكُرُ الآنَ كَيْفَ لَمْ أَنْتَظِرْ رَدًّا.
كَيْفَ أَدِرْتُ ظَهْرِي قَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ الصَّمْتُ.
كَيْفَ نَزَلْتُ الدَّرَجَ بِخُطُوَاتٍ أَسْرَعَ مِمَّا يَنْبَغِي،
كَأَنِّي أَهْرُبُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَحْدُث بَعْدُ…
أَوْ… مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَحْدُثَ إِنْ بَقِيتُ.”
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ هَمَسَ:
“مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَهْرُبُ؟ مِنَ الذِّكْرَى… أمْ مِنَ نَفْسِكَ؟”
تَوَقَّفَتِ الذَّاكِرَةُ فَجْأَةً، كَأَنَّهَا اِصْطَدَمَتْ بِجِدَارٍ.
وَكُلُّ الشَّيْءِ الَّذِي كُنْتُ أَتَجَنَّبُهُ لَحَظَةً أَصْبَحَ يُرَاقِبُنِي.
صَوْتٌ آخَرُ دَاخِلِيٌّ، أَلِفْتُهُ مُنذُ سِنِينَ:
“هَذِهِ الثَّانِيَاتُ… هِيَ الْحَقِيقَةُ، وَكُلُّ مَا بَعْدَهَا فَقَطْ ظِلٌّ.”
وَأَنَا أَسِيرُ أَدْرَاجَ ذِهْنِي، أَحسُ كَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تُسْتَخْدَمُ لِكِتَابَةِ قَصَّةٍ لَمْ تُقْتَرَح بَعْدُ،
قَصَّةٍ فِيهَا الهَوَاسُ، وَالصَّمْتُ، وَالرَّهْبَةُ مِنْ مَا كَانَ سَيَحْدُثُ لَوْ لَمْ أَهْرُب.”
صَوْتٌ مُؤَرِّخٍ دَاخِلِيٌّ تَدَخَّلَ:
“أَلَيْسَ الهَرَبُ أَحَدَ أَشْكَالِ الرَّحِيلِ؟ أَمْ أَنَّك تَخْشَى أَنْ تَصْطَدِمَ بِمَا كُتِبَ سِرًّا فِي الدَّفْتَر؟”
وَفَجْأَةً، شَعَرْتُ أَنَّ الدَّرَجَ الَّذِي نزَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ، لَمْ يَكُنْ سِلْسِلَةَ حَجَرٍ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ خُطُوَةٍ فِي مَاضِيِّي، تُرَتَّبُ لِكَيْ أَفْهَمَ أَنَّ الهَرَبَ هُوَ النِّقَاطَةُ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُهُ وَمَا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أدْرِكَهُ.”
“لَكِنَّ هَذِهِ المَرَّةَ، لَمْ تَخْتَفِ.
بَقِيَت هُنَاكَ، عِنْدَ الحَافَّة…
تَدْفَعُنِي، تَسْتَفِزُّنِي بِصَمْتِهَا.
رَفَعْتُ الدَّفْتَرَ بِبُطْءٍ، وَفَتَحْتُهُ.
لَمْ أَبْحَثْ كَثِيرًا، كَأَنَّ الصَّفْحَةَ كَانَت تَنْتَظِرُنِي، تَعْرِفُ أَنَّنِي سَأَصِلُ إِلَيْهَا.
قَرَأْتُ:
‘لَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا حِين أَغْلَقْتُ البَابَ خَلْفِي.’
تَجَمَّدْتُ.
هَذَا لَيْسَ صَحِيحًا.
أَنَا سَمِعْتُ.
أَعْرِفُ أَنِّي سَمِعْتُ.
أَعِدْتُ قِرَاءَةَ الجُمْلَةِ، كَأَنَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ إِنْ حَدَّقْتُ فِيهَا بِمَا يَكْفِي.
لَكِنَّهَا بَقِيَت كَمَا هِيَ—بارِدَة، نَظِيفَة، كَذِبَةٌ مُكْتَمِلَة.
مَرَّرْتُ يَدِي عَلَى وَجْهِي، وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِي،
كأنَّ كُلَّ هَذاِ الصَّمْتِ وَالكَلِمَاتِ تُحَاوِل أَنْ تُخْفِي حَقِيقَةً لَمْ أَرْتَضِهَا أَبَدًا.”
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ هَمَسَ بِهُدُوءٍ:
“أَلَيْسَتِ الكَلِمَةُ الَّتِي لَمْ تُقُلْهَا، أَكْثَرَ صِدْقًا مِنْ هَذِهِ الَّتِي قُلت؟”
وَأَنَا أَجِدُ أَنَّ الجُمْلَةَ تَلْمِسُ فِي نَفْسِي شَيْئًا كَانَ مَخْفِيًّا طَوِيلًا،
شَيْئًا يَرْفُضُ أَنْ يُنْسَى، وَيُرِيدُ أَنْ يُقَالَ حَقًّا.”
“لَمْ أَكُن أَكْتُبُ مَا حَدَثَ.
كُنْتُ أَكْتُبُ مَا يَسْمَحُ لِي أَنْ أَعِيشَ بَعْدَهُ.
اِرْتَجَفَت أَصَابِعِي، لَكِنِّي قَلَّبْتُ الصَّفْحَةَ.
وَكَانَت هُنَاكَ جُمْلَةٌ أُخْرَى، أَقْصَر…
أَقْسَى:
‘عِنْدَمَا عُدْتُ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدِ انْتَهَى.’
أَغْلَقْتُ عَيْنَيَّ.
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ تَدَخَّلَ، بِمَلَامِحِ نَفْسٍ قَدِيمَة،
يَسْأَلُ: ‘وَمَا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ؟ أَمْ هُوَ هَذَا الَّذِي خَشِيتَ أَنْ تَعْرِفَهُ؟’
تَنَفَّسْتُ بِصُعُوبَةٍ، وَشَعَرْتُ أَنَّ الغُرْفَةَ أَضْحَتْ أَثْقَلَ،
كأنَّ الجملةَ لَمْ تَكُنْ كَلِمَةً عَلَى وَرَقٍ،
بَلْ وَزْنًا يَسْتَقِرُّ فِي الرُّوحِ، يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أُجَاهِدَ لِتَحَمُّلِهَا.
صَوْتٌ آخَرُ، كَصَوْتِ مُؤَرِّخٍ يَعْرِفُ أَنَّ الوَقْتَ لا يَشْفِي، هَمَسَ:
‘كُلُّ نِهَايَةٍ هِيَ فَتْحٌ لِسِرٍّ لَمْ يُقَال… وَهُنَا، أَنْتَ المُسْتَمِعُ وَالْمُشْهَدُ فِي آنٍ وَاحِد.’
وَأَنَا أَشْعُرُ كَأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الصَّمْتَاتِ وَالْكَلِمَاتِ،
تَرْتَكِبُ جَرِيمَةً صَغِيرَةً فِي ضَمِيرِي،
تَجْعَلُنِي أُسْتَجِيبُ لِمَا كُنْتُ أَخْشَاهُ،
وَلَكِنِّي أَيْضًا أَفْهَمُ أَنَّ هَذَا الْخَوْفَ هُوَ مَا يُبْقِينِي عَلَى قَيْدِ الحَيَاة.”
“عُدْتُ؟
هَلْ عُدْتُ فِعْلًا؟
أَمْ أَنِّي، فِي كُلِّ تِلْكَ النُّصُوصِ، كُنْتُ أَكْتُبُ عَوْدَةً لَمْ تَحْدُث أَبَدًا؟
تَسَارَعَت نَفْسِي، وَبَدَأَتِ التَّفَاصِيلُ تَتَدَافَعُ، بِلَا تَرْتِيبٍ هَذِهِ المَرَّة:
الدَّرَج…
الشَّارِع…
الهَوَاء البَارِد…
ثُمّ—
تَوَقَّفْت.
شَيْءٌ وَاحِد كَان نَاقِصًا.
شَيْءٌ بَسِيط…
لَكِنَّهُ، إِنْ ظَهَرَ، سَيَسْحَبُ كُلَّ شَيْءٍ خَلْفَهُ.
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ بِبُطْءٍ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أَجِدَهُ أَمَامِي.
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، هَادِئٌ كَالظِّلِّ، سَأَلَ:
‘وَمَا هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ؟ هَلْ هُوَ مَا خَفَتْ نُورَهُ، أَمْ مَا كَانَتْ تَجْرِبَتُكَ فِيهِ تَمْنَعُكَ مِنَ الاِسْتِعْرَاضِ؟’
تَنَفَّسْتُ بِصُعُوبَةٍ، وَشَعَرْتُ بِوَجْدَانِي يَتَلَوَّنُ بَيْنَ الرَّهْبَةِ وَالْتَّرَقُّبِ،
كَأَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ سَتُحَرِّكُ كُلَّ الذِّكْرَى،
وَتُجْبِرُ كُلَّ مَا هُوَ مُخْفٍى أَنْ يَظْهَرَ فِي ضَوْءِ اليَقِين.”
“وَهَمَسْتُ، دُونَ أَنْ أَشْعُرَ:
المُكَالَمَة…
جَلَسْتُ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، الدَّفْتَرُ عَلَى فَخْذَيَّ، وَالْمَدِينَةُ الْهَادِئَةُ مِنْ حَوْلِي تَصْمُتُ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَا سَيَأْتِي.
السَّاعَةُ عَلَى الْحَائِطِ تَدُقُّ بِبُطْءٍ، كُلُّ ثَانِيَةٍ ثَقِيلَةٍ كَحَجَرٍ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِي.
أَصْوَاتُ الْحَيَاةِ مِنَ الْخَارِج—خُطُوَاتٌ عَابِرَة، بَابٌ يُفْتَحُ، هَمْسَةٌ فِي الشَّارِع—تَبْدُو بَعِيدَةً جِدًّا، أَوْ رُبَّمَا مُزَيَّفَة.
تَذَكَّرْتُ رَائِحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ…
لَمْ تَكُن شَيْئًا مَأْلُوفًا، لَكِنَّ ذَاكِرَتِي عَادَت بِهَا فَجْأَةً: رَائِحَةُ الْمَطَرِ عَلَى الشَّارِعِ الْبَارِدِ، رَائِحَةُ الْوَرَقِ الْقَدِيمِ، رَائِحَةُ الْقَهْوَةِ الَّتِي لَمْ أَشْرَبْهَا، وَرَائِحَةُ شَخْصٍ لَمْ أَرَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ…
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ، يَحْمِلُ نَفَسَ عَالِمٍ فِي النَّفْسِ، هَمَسَ:
‘أَلَيْسَتِ الرَّائِحَاتُ أَحْرَى أَنْ تُخْبِرَكَ بِالْحَقَائِقِ الَّتِي كَانَتْ مُخْفِيَة؟ أَمْ أَنَّكَ تَخْشَى أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تَتَجَنَّبُهُ؟’
تَنَفَّسْتُ بِبُطْءٍ، وَشَعَرْتُ بِكُلِّ ذِكْرَى تَتَسَلَّلُ إِلَى وُجُوهِي،
كأنَّ الرَّائِحَاتِ لَمْ تَكُنْ عَابِرَةً، بَلْ أَبْوَابًا تَفْتَحُ لِي مَاضِيًّا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُقَال.”
“ابْتَسَمْتُ ابْتِسَامَةً مَرِيرَةً.
ابْتِسَامَةُ الشَّخْصِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ أَخْطَأَ، وَلَكِنَّهُ يُكَرِّرُ نَفْسَ الْخَطَأِ بِلا تَوَقُّفٍ.
جَلَسْتُ دَقِيقَةً، ثُمَّ دَقِيقَتَيْنِ، مُحَاوِلًا تَرْتِيبَ أَفْكَارِي، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَدَا مُتَنَاثِرًا، كَأَنَّهُ أَوْرَاقٌ فِي رِيحٍ صَغِيرَةٍ.
الدَّفْتَرُ كَانَ أَمَامِي، وَلَكِنِّي لَمْ أَفْتَحْهُ.
كَانَ مُجَرَّدُ وُجُودِهِ يَكْفِي… يَكْفِي لِتَذْكِيرِي أَنَّنِي كُنْتُ أَكْتُبُ عَنِ الْهَرْبِ بَدَلَ الْحَقِيقَةِ.
تَذَكَّرْتُ أَيْضًا مَفَاتِيحَ الْبَابِ، الصَّوْتَ الَّذِي لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى مُوَاجَهَتِهِ، الظِّلَالَ الَّتِي تَحَرَّكَتْ خَلْفَ الضَّوْءِ، وَأَنَّنِي، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْحَاسِمَةِ، لَمْ أَسْمَحْ لِنَفْسِي أَنْ أَبْقَى.”
“رَمَيْتُ نَظْرَةً عَلَى السَّاعَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
الْوَقْتُ يَمُرُّ… بِبُطْءٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَرْحَمُ.
كُلُّ دَقِيقَةٍ أَقْضِيهَا هُنَا، كُلُّ نَفَسٍ أَأخُذُهُ، يُقَرِّبُنِي إِلَى النِّهَايَةِ، إِلَى الْمُكَالَمَةِ الَّتِي أَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَأْتِي، الْمُكَالَمَةِ الَّتِي سَتَسْحَبُ كُلَّ الْحَوَاجِزِ.
وَهَا أَنَا الآن… لَا أَسْتَطِيعُ الْهُرُوبَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ التَّوَقُّفَ.
كُلُّ شَيْءٍ صَارَ ثَقِيلًا، كُلُّ شَيْءٍ صَارَ صَامِتًا، كُلُّ شَيْءٍ صَارَ فِي دَاخِلِي يَصْرُخُ بِمَا لَمْ أَكْتُبْهُ أَبَدًا.
ثُمَّ سَمِعْتُ الْهَاتِفَ… يَرِنُّ فِي الزَّاوِيَةِ، الصَّوْتُ خَافِتٌ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ، يَكَادُ يَقْطَعُ صَمْتَ الْغُرْفَةِ كَالْسِّكِّينِ.
لَمْ أَتَحَرَّكْ فَوْرًا.
أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَمَلَأْتُ يَدِي بِالدَّفْتَرِ، كَأَنَّنِي أَتَمَسَّكُ بِآخِرِ شَيْءٍ متِينٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ.
رَفَعْتُ الْهَاتِفَ… وَكُلُّ شَيْءٍ بَدَا لِلَّحْظَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا مَعْنًى، بِلَا تَرْتِيب…
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ هَمَسَ:
‘هَلْ كُنْتَ مُسْتَعِدًّا لِمَا سَيَأْتِي؟ أَمْ أَنَّكَ كُنْتَ تَخْشَى أَنْ تُعَرَّضَ لِلصَّدْمَةِ؟’
صَوْتٌ آخَرُ—أكثر حدة—أضاف:
‘كُلُّ تَأْخِيرٍ، كُلُّ نَفَسٍ تهْدِرُهُ، يَقْتَرِبُ بِكَ مِنْ نِهَايَةٍ لَا يُمْكِنُ التَّنَازُلُ عَنْهَا.’
رُبَّمَا كَانَ الدَّفْتَرُ فِي يَدَيَّ أَمَانًا، وَلَكِنَّهُ أَيْضًا مِرْآةٌ لِكُلِّ مَا أَخَفتهُ نَفْسِي.”
“وفَجْأَةً، أَدْرَكْتُ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً: كُلُّ نَصٍّ كَتَبْتُهُ، كُلُّ هُرُوبٍ، كُلُّ تَأْجِيلٍ… كُلُّ شَيْءٍ كَانَ تَحْضِيرًا لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ.
رَفَعْتُ الْهَاتِفَ بِبُطْءٍ، يَدٌ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا.
الصَّمْتُ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ كَانَ أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي… كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ تَوَقَّفَ لِيتَرَقَّبَ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ، مَأْلُوفٌ لَكِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَيِّ ذِكْرَى:
‘لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ تَتَّصِلَ… بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.’
تَجَمَّدْتُ.
الصَّوْتُ يَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يُقَلْ، كُلَّ الفَرَاغِ الَّذِي خَلَّفَهُ الرَّحِيلُ، كُلَّ الْخِيَانَةِ الَّتِي حَاوَلْتُ أَنْ أُخْفِيَهَا بَيْنَ السُّطُورِ.
‘كُنْتُ…’ بَدَأْتُ، لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ لَمْ تَخْرُجْ.
كُنْتُ سَأَقُولُ أَعْذَارًا، لَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ أَيًّا مِنْهَا مُنَاسِبًا.
كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، كُلُّهَا صَغِيرَةٌ أَمَامَ الْحَقِيقَةِ الْكَبِيرَةِ.
صَمت ثَانِيَةً… وَبَيْنَ كُلِّ نَفَسٍ، كَانَتِ الذِّكْرَى وَالْوَعْدُ وَالرَّحِيلُ يَتَسَابَقُونَ فِي الصَّدْرِ، كَأَنَّهُم يُخْبِرُونَنِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُخْفَى أَبَدًا.”
“كُنتَ تَعرِف…” استمرَّ الصوت، وكأنَّه يَقرأ أعماقي، “كُنتَ تَعرِف ماذا سَيَحدُث… ومَع ذلك رَحلْت.”
تجمَّدتُ، والدَّفتر يَهتِزُّ بَيْن يَدَيَّ كَأَنَّه يَتحوَّل إلى كائن حيّ، صَرخاتُهُ المُكتومة تَتَسَرَّب إلى قَلبي، تَهُزُّ ما بَقِيَ مِنّي من تَماسك.
“أَنا… لَم أ… لَم أَستَطِع…” هَمَستُ، كَأَنَّ الكَلِمات نَفسَها تُسرَق مِنّي، تَتَطاير قَبل أن تَجِد مَلاذَها.
كُلُّ الأعذار تَبدَّدت، كَضباب صيفي أَمام شمس حارقة، لا أَثرَ لها سوى الفَراغ.
ثُمَّ جاءَ الصَّمت.
صَمت ثَقيل، كَثِقل حِجارة مُتراكِمة على الصَّدر، يجعل كُلّ ثانية عُقدة، وكُلَّ نَفس تَذْكِرة بِما فات، بِما لَم يُعُد قابِلًا للاستِرجاع.
ثُمَّ، بِبطء، كُلُّ حَرف يَزلزِل داخِلي، جاءَت الكَلِمَة الأخيرة:
“لَقَد انتهى كُلُّ شَيء.”
صَمتُ. لَكِنَّ الصَّدى ظَلَّ في صَدري، يَتَكرَّر، كَأَنَّه يَسأَلُني عن الرَّحيل الَّذي اخترتُه، عن كُلِّ الصَّمت الَّذي تَرَكتهُ وَراءه، عن كُلّ اللحظات الَّتي هَرَبْتُ مِنها تحت ستار النُّصوص المُرتَّبة، مُتَنكِّرًا في لُغة خافِتة، لَكِنَّه أَكثَر وُضوحًا من أي نور.
“اِرتَجَفَت يَدَايَّ، وسَقَطَ الهاتِف على الطاوِلَة بِصَوت خافِت، كَأَنَّه يَهْمِس بِالأَسئِلَة الَّتي لَم أَجرُؤ على طَرْحِها.”
“الدَّفتر اِنفَتَح تَلقائِيًا على الصَّفحَة الأَخِيرَة… البَيضاء، الفارِغَة، كَمِرآة تَنتَظِر أَن أُواجِه نَفسِي أَخيرًا. هُناك، حَيث لَم أَكتُب الرَّحِيل… حَيث لَم أَكتُب الألَم… حَيث الحَقيقة ظَلَّت مَطمورَة تَحت طَبَقَاتٍ مِن الهُروب وَالتَّهَرُّب.”
“أَدرَكت فَجأَة أَن كُلَّ ما كَتبته كَان تَحايُلًا على نَفسِي، كِتابة لِشيء لَم يَحدُث، هُروب مِن مُواجَهَة ساعَة وَاحِدَة… ساعَة قَلَبَت حَياتَنا رَأسًا على عَقِب، وَخلَّفَت فَراغًا لَا يُمْحى.”
“جَفَّفت دُموعِي بِسُرعَة، لَا لأَنِّي لَم أَرَها، بَل لِأَنَّ الكَلِمات لَم تَعُد كافِيَة. كُلُّ شَيء صَار صامِتًا الآن، سِوى الصَّدى الطَّويل لتِلك المُكالَمَة، الصَّدى الَّذي يَلِتفُّ داخِلِي كَحَبْل غَير مَرئي، يَدور وَيَصعَد وَيَهبِط، يُذكّرني بِما فات وَما لَم أَجرُؤ على مُواجَهَتِه.”
“كانَ الصَّمت أَخطرَ مِن أي جُملَة مَكتوبَة، لِأَنَّه لَم يَكن مُجرَّد غيابٍ للكَلام، بَل حُضورٌ مُطلَق لِكُلِّ ما لَم يُقَل، لِكُلِّ خِيانَة وَكُلِّ لَحظَة لَم أَتمَكَّن مِن البَقاء فيها، وَكُلِّ وَعد لَم أَلتزِم بِهِ لِنَفسِي أَو لِلآخَرين.”
“وأَدرَكت أَخيرًا… أَن الهُروب قَد اِنتهى. أَن كُلَّ النُّصوص، كُلَّ الحِكايات المُرتَّبَة، لَم تَكن سِوى وَسِيلَة لِلهُروب، لِلنَّجاة مِن مُواجَهَة الحَقيقة الَّتي أَخافَتْها طَويلاً.”
“أَدرَكت أَن الأَدَب لَم يَكن مِرآةً لِلواقع كَما ظَنَنت، بَل كانَ ستارًا رَقيقًا يُخفِّف وَطأَةَ الصَّدمَة، يُغَطّي عَلَى الألَم، وَيَمْنَحُني وَهْمَ السَّيطَرَة، بَينَما الحَقيقة… الحَقيقة بَقِيَت صامِتَة خَلف كُلِّ الكَلِمات، تَنتَظِر اللَّحظَة الَّتي سَأُواجِهها فيها بِلَا أَيِّ مبَرّر أَو هُروب.”
“الآن فَقَط… أَدرَكت أَن الحَياة لَا تُكتَب بِالهُروب، وَأَن ما كَتبتُه طِوال سَنَوات كَان تَدرِيبًا صامتًا، اِستعدادًا لِمُواجَهَة ساعَة وَاحِدَة… ساعَة قَلَبَت كُلَّ شَيء رَأسًا عَلَى عَقِب، ساعَة لَم أَجرُؤ عَلَى النَّظر إليها حَتّى هَذِهِ اللَّحظة.”
“والصَّفحَة البَيضاء أَمامِي الآن… لَم تَعُد مُجرَّد وَرَق. إنَّها مِرآة صَافِيَة، بِلَا خِداع، بِلَا سِتار، بِلَا نُصوص جاهِزَة… مُجرَّد مُواجَهَة صَريحَة مَع نَفسِي، ومَع الرَّحِيل الَّذي لَم أَكتُبْه أبدًا، ومَع كُلّ ما أَخفيتُه خَلف كَلِماتٍ مُرتَّبَة، مُنظَّمَة، آمنة.”
“جَلَسْتُ طَويلاً أَمام الصَّفحَة البَيضاء، كَأَنِّي أَمامها لِأول مَرّة في حَياتي، أَرى فيها كُلّ ما لَم أَجرُؤ على قَولِه: الرَّحِيل، الخِيانَة، الألَم، كُلّ ساعَة ضائِعَة، وَكُلّ كَلِمَة لَم تُكتَب.”
“بَدَأت الذِّكرَيَات تَتَدافَع داخِلِي بِلَا تَرتيب، كَأَنّها مياه نَهر جارف: خُطواتِي على الدَّرج، الضَّوء الَّذي تَسَلَّل مِن النَّافِذَة نِصف مَفتوح، ذاك الصَّوت الَّذي لَم أُواجِهْه يومَها، الرِّيح البارِدَة الَّتي أَمسَكَت بِالشَّارِع، وَحَتّى رَائحَة المَطر القَديمة الَّتي لَم أَغادِرها أبدًا.”
“صَوت داخِلِي آخَر هَمَس، هَذِهِ المَرّة أَكثر حِدَّةً مِن أيّ صَوت سَمِعْتُه: ‘هَل كُنتَ شُجاعًا؟ أَم مُجرَّد هارِب طِوال الوَقت؟’ رَفَعْتُ رَأسي، كَأَنِّي أُواجِه مِرآة لَم تُظهِر وَجهي، بَل كُلّ ما كُنت أُحاوِل دَفنه.”
“أَحَسَستُ بِشَيء في صَدري يَنقَبِض، كَأَنّه قَلبي نَفسُه يُريد الهُروب، كَأَنّ كُلّ اللَّحظات الَّتي كَتَبتُها كَذِبَة، وَكُلّ الهُروب الَّذي صَوَّرْتُه في النُّصوص كَان تَدرِيبًا على مُواجَهَة ما أَنا عَلَيه الآن.”
“ثُمَّ ظَهَر آخَر صَوت، أَقَل صَوتًا لَكِنَّه أَثقل وَقعًا: ‘الآن… لا مَكان للاختِباء.’ شَعَرتُ بِالدَّفتر بَيْن يَدَيَّ يَلْمِس أَصابِعي، كَأَنّه يربِت عَلَيّ بِلُطف شَديد، أَو يُلومني بِرِفق، كَأَنّه يَقول: ‘هَيّا، اُكتُب الحَقِيقَة هَذِهِ المَرّة. لا تَتهرَّب.’”
“وَهَكَذا، بَدَأت أَكتُب، لَيْس كَما كُنت دَائمًا، بَل كَما أَشعُر، بِلَا تَرتيب، بِلَا هُروب، بِلَا زِينَة لِلْكَلِمات… فَقَط الحَقِيقَة، حَتّى لَو كَانَت مُؤلِمَة، حَتّى لَو جَعَلَت كُلّ شَيء يَبْدُو هَشًّا بِلَا أمان.”
