Numan Albarbari نعمان البربري

ما هُوَ الوَداعُ؟

ما هُوَ الوَداعُ؟
لَمْ يَلْتَفِتِ الآخَرونَ إِلى شَيْءٍ.
رَأَوْا نُصوصًا مُكْتَمِلَةً، مُشْبَعَةً بِالتَّفاصِيلِ، كَأَنَّها خَرَجَتْ مِنْ حَياةٍ لا تَحْتاجُ إِلى إِضافَةٍ أَوْ نُقْصانٍ.
أَمّا أَنا، فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا ما ناقِصٌ.
لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الجُمَلِ، بَلْ خَلْفَها.
شَيْءٌ لا يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ، وَمَعَ ذٰلِكَ يُحَسُّ في كُلِّ مَرَّةٍ.
قالَتْ بِصَوْتٍ خافِتٍ:
«أَهٰذا كُلُّ شَيْءٍ؟»
أَجَبْتُ بِسُرْعَةٍ:
«أَنا أَصِفُ كُلَّ شَيْءٍ.»
سَكَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قالَتْ:
«كُلُّ شَيْءٍ… إِلّا أَنْتَ.»
نَظَرْتُ إِلى يَدَيَّ. كانَتْ ساكِنَةً أَمامِي، كَأَنَّها لَمْ تَتَرَدَّدْ يَوْمًا.
لٰكِنِ الحَقيقَةُ أَنَّنِي كُنْتُ أَتَجَنَّبُها دَائِمًا، أَتَجاوَزُ شَيْئًا لا أَحْتاجُ إِلّا أَنْ أَلْمِسَهُ.
سَأَلَتْنِي:
«لِماذا؟»
هٰذِهِ المَرَّةُ لَمْ أُجِبْ سَريعًا.
كانَ الضَّوْءُ في الخارِجِ يَنْزَلِقُ فَوْقَ الطَّريقِ، يَنْكَسِرُ عَلَى الزُّجاجِ، ثُمَّ يَخْتَفِي.
قُلْتُ أَخيرًا:
«لِأَنَّ اللَّمْسَ يُغَيِّرُ الأَشْياءَ.»
لَمْ تَقُلْ شَيْئًا، لٰكِنَّنِي فَهِمْتُ ما قَصَدَتْهُ.


كُنْتُ أَكْتُبُ عَنِ الطُّرُقِ الَّتِي أَسْلُكُها كُلَّ صَباحٍ.
عَنِ الأَرْصِفَةِ الَّتِي تَعْرِفُ خُطُواتِي.
عَنِ الوُجوهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ في المَقْهَى نَفْسِهِ.
عَنِ الضَّوْءِ عَلَى الحِجارَةِ، عَنِ السَّماءِ، حَتّى عَنْ صَوْتِ خُطُواتِي.
كُلُّ شَيْءٍ كانَ حاضِرًا…
إِلّا تِلْكَ السّاعَةَ الواحِدَةَ الَّتِي تَغِيبُ دَائِمًا.
قالَتْ مَرَّةً:
«كَمْ أَنْتَ دَقيقٌ… وَكَمْ أَنْتَ بَعيدٌ.»
سَأَلْتُها:
«بَعيدٌ عَنْ ماذا؟»
لَمْ تُجِبْ مُباشَرَةً.
ثُمَّ قالَتْ:
«عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُغَيِّرَ كُلَّ شَيْءٍ.»


في مَدِينَةٍ لا يَحْدُثُ فيها شَيْءٌ — هٰكَذا كُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي — تَوَقَّفْتُ قَليلًا.
«لا شَيْءَ؟»
نَظَرْتُ حَوْلِي: بُيوتٌ، نَوافِذُ، ضَوْءٌ.
قُلْتُ:
«رُبَّما أَنا لا أَراهُ.»
فَرَدَّتْ:
«أَوْ أَنَّكَ لا تُرِيدُ أَنْ تَراهُ.»
صَمَتُّ.
كانَ أَسْهَلَ أَنْ أَضَعَ لِلنَّفْيِ كَلِماتٍ، مِنْ أَنْ أُواجِهَهُ.
فَواصَلْتُ الكِتابَةَ…
دُونَ أَنْ أَعْرِفَ إِلى أَيْنَ.


في لَحْظَةٍ نادِرَةٍ، عَمَّ الصَّمْتُ.
لا أَصْواتَ. لا اعْتِراضَ.
فَقَطِ النَّصُّ أَمامِي.
وَشَيْءٌ ما ناقِصٌ داخِلَهُ.
هَمَسْتُ:
«اُكْتُبْ نَفْسَكَ.»
لٰكِنَّ يَدِي لَمْ تَتَحَرَّكْ.
بَقِيَتِ الكَلِمَةُ مُعَلَّقَةً، كَأَنَّها تَعْرِفُ ما الَّذِي سَيَحْدُثُ لَوْ وُضِعَتْ في مَكانِها.


في البِدايَةِ كانَ الأَمْرُ سَهْلًا.
كُنْتُ أُرَتِّبُ ما أَراهُ.
أَمْنَحُ الأَشْياءَ شَكْلًا.
أَجْعَلُها قابِلَةً لِلسَّرْدِ.
وَسَمَّيْتُهُ كِتابَةً…
وَظَنَنْتُ أَنَّ ذٰلِكَ يَكْفِي.
سَأَلَتْنِي:
«أَلَيْسَ هٰذا مَسْمُوحًا؟»
بَقِيَ السُّؤالُ في الهَواءِ.
ثُمَّ أَضافَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
«رُبَّما.»
وَلَمْ تَقُلْ أَكْثَرَ.


وَمَعَ الوَقْتِ، حَدَثَ شَيْءٌ خَفِيٌّ.
لا يُرَى بِسُهولَةٍ.
لَمْ أُغَيِّرْ الكَثيرَ…
فَقَطْ عَدَّلْتُ زاويَةَ النَّظَرِ.
قَليلًا.
بِما يَكْفِي.
سَأَلَتْنِي:
«لِماذا؟»
أَجَبْتُ:
«لِكَيْ لا أَراهُ.»
سَكَتَتْ لَحْظَةً.
ثُمَّ قالَتْ:
«أَمْ لِكَيْ لا تَضْطَرَّ أَنْ تَقُولَهُ؟»


كانَ هُناكَ شَيْءٌ لا أُسَمِّيهِ.
ظَنَنْتُ طَويلًا أَنَّهُ بِلا اسْمٍ.
لٰكِنَّ ذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ صَحيحًا.
كُنْتُ أَعْرِفُهُ… مُنْذُ البِدايَةِ.
سَأَلَتْنِي:
«لِماذا لا تَكْتُبُهُ؟»
لَمْ أُجِبْ.
كانَ الصَّمْتُ كافِيًا.


أَحْيانًا كُنْتُ أُحاوِلُ أَنْ أَشْرَحَ لِنَفْسِي

كُنْتُ أَقولُ: أَنا لا أُغَيِّرُ شَيْئًا، أَنا فَقَطْ أَصوغُ الكَلامَ بِطَريقَةٍ أُخْرَى.
لٰكِنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ تَصْمُدُ طَويلًا.
«أَنْتَ لا تُعِيدُ الصِّياغَةَ… بَلْ تُزِيحُ المَعْنَى.»
لَحْظَةُ صَمْتٍ.
ثُمَّ جاءَتِ العِبارَةُ أَوْضَحَ، كَأَنَّها أَقْرَبُ إِلى الحَقيقَةِ:
«بَلْ تُزِيحُ نَفْسَكَ.»
نَظَرْتُ إِلى النَّصِّ أَمامِي.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ أَعُدْ مُتَأَكِّدًا مِمّا إِذا كانَ فِيهِ ما يَزالُ صَحيحًا.


في لَحْظَةٍ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ الكِتابَةِ وَالتَّرَدُّدِ، أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَمْ أَكْتُبْ يَوْمًا لِأَقْتَرِبَ.
بَلْ لِأَلّا أَصِلَ.
سَأَلْتُ نَفْسِي:
«هَلْ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ شَيْءٍ يَسيرُ نَحْوَهُ؟»
لَمْ أَنْتَظِرْ جَوابًا.
لٰكِنَّنِي قُلْتُ أَخيرًا:
«نَعَمْ… إِذا كانَ يَعْرِفُ ما يَنْتَظِرُهُ هُناكَ.»


بَقِيَتِ الكَلِماتُ واقِفَةً عِنْدَ حافَّةِ اسْمٍ.
كُنْتُ أَعْرِفُهُ.
لطالَما عَرَفْتُ كَيْفَ يُكْتَبُ.
لٰكِنَّنِي لَمْ أَكْتُبْهُ يَوْمًا.
سَأَلَتْنِي تِلْكَ الفِكْرَةُ:
«هَلْ تَخافُ؟»
هَزَزْتُ رَأْسِي.
«لا.»
ثُمَّ أَضَفْتُ بَعْدَ لَحْظَةٍ قَصيرَةٍ:
«لٰكِنَّنِي أَخافُ ما يَأْتِي بَعْدَهُ.»
وَلَمْ أَقُلْ أَكْثَرَ.


في مَساءٍ ما، وَجَدْتُ الدَّفْتَرَ.
كانَ في آخِرِ دُرْجٍ، بَيْنَ أَشْياءَ لَمْ أَعُدْ أَلْمِسُها مُنْذُ زَمَنٍ.
أَخْرَجْتُهُ بِتَرَدُّدٍ.
ثُمَّ فَتَحْتُهُ.
الجُمْلَةُ الأُولى أَصابَتْنِي دُونَ اسْتِعْدادٍ.
لا أَلَمٌ واضِحٌ.
وَلا ذِكْرَى مُحَدَّدَةٌ.
بَلْ شَيْءٌ بَيْنَهُما… شَيْءٌ لا يَجِدُ لَهُ مَكانًا.
واصَلْتُ التَّقْليبَ بِبُطْءٍ،
وَكَأَنَّ كُلَّ صَفْحَةٍ قَدْ تُغَيِّرُ شَيْئًا في داخِلِي.


الكَلِماتُ كانَتْ كَلِماتِي.
وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ تَكُنْ لِي.
كُنْتُ أَعْرِفُ الخَطَّ،
لٰكِنَّنِي لَمْ أَعْرِفْ ما يَقُولُهُ.
تَوَقَّفْتُ عِنْدَ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ.


«لَمْ يَكُنِ الوَداعُ كَما تَخَيَّلْتُهُ.»


قَرَأْتُ الجُمْلَةَ مَرَّةً أُخْرَى.
ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي.
كانَ الصَّمْتُ في الغُرْفَةِ كَثيفًا.
أَثْقَلَ مِمّا يَنْبَغِي.
«وَداعٌ؟»
لا أَحَدَ أَجابَ.
عُدْتُ إِلى الصَّفْحَةِ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ سَأَلْتُ نَفْسِي:
عَمّاذا يَتَحَدَّثُ هٰذا النَّصُّ أَصْلًا؟


بَدَأَتِ الأَصْواتُ تَخْفُتُ.
لَمْ يَتَبَقَّ الكَثيرُ.
صَوْتٌ واحِدٌ فَقَطْ.
قالَتْ:
«رُبَّما لَمْ يَكُنْ وَداعًا… رُبَّما لَمْ تُسَمِّهِ كَذٰلِكَ أَبَدًا.»
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.


في البِدايَةِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ.
ثُمَّ… بِبُطْءٍ… بَدَأَ يَتَشَكَّلُ مَكانٌ.
لَيْسَتْ صُورَةً واضِحَةً.
بَلْ مَلامِحُ فَقَطْ.
أَصْواتٌ.
وُجوهٌ.
أَشْياءُ أَعْرِفُها… وَلا أَعْرِفُها في الوَقْتِ نَفْسِهِ.
سَأَلَتْنِي:
«أَتَتَذَكَّرُ؟»
تَرَدَّدْتُ.
قُلْتُ:
«لا أَعْلَمُ… أَوْ لا أُريدُ أَنْ أَعْلَمَ.»


نَظَرْتُ مُجَدَّدًا إِلى الجُمْلَةِ.
هٰذِهِ المَرَّةُ لَمْ أَمُرَّ عَلَيْها سَريعًا.
«لَمْ يَكُنِ الوَداعُ كَما تَخَيَّلْتُهُ.»
شَيْءٌ ما فيها لَمْ يَكُنْ صَحيحًا.
لَيْسَ في الجُمْلَةِ نَفْسِها…
بَلْ في ما وَضَعْتُهُ أَنا داخِلَها.
كُنْتُ أَقولُ لِنَفْسِي: لَقَدْ فَهِمْتُ.
لٰكِنَّ ذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ صَحيحًا.
كانَ مُجَرَّدَ راحَةٍ مُؤَقَّتَةٍ.


الدَّفْتَرُ مَفْتوحٌ أَمامِي.
لَمْ أَعُدْ أُقَلِّبُ الصَّفَحاتِ.
جَلَسْتُ فَقَطْ أُحَدِّقُ في السَّطْرِ.
كَأَنَّهُ يَكْشِفُ شَيْئًا لا أُريدُ رُؤْيَتَهُ.
سَأَلَتْنِي الفِكْرَةُ:
«هَلْ كُنْتَ تَعْرِفُ؟»
تَنَفَّسْتُ بِبُطْءٍ.
«رُبَّما.»
صَمْتٌ.
ثُمَّ جاءَ الصَّوْتُ:
«لا.»
لَحْظَةٌ ثَقيلَةٌ مَرَّتْ.
«كُنْتَ تَعْرِفُ… وَتَرَكْتَهُ كَما هُوَ.»


جَلَسْتُ في مَكانِي

طَويلًا.
الجُمْلَةُ أَمامِي لَمْ تَتَغَيَّرْ.
لٰكِنَّنِي أَنا تَغَيَّرْتُ.
كُنْتُ قَدْ كَتَبْتُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ:
عَنِ الضَّوْءِ،
عَنِ الصَّمْتِ،
عَنِ الوُجوهِ الَّتِي تَمُرُّ وَتَعُودُ.
مِرارًا وَتِكْرارًا.
إِلّا هٰذا الشَّيْءَ الواحِدَ… لَمْ أَكْتُبْهُ يَوْمًا.


«أَيُّ شَيْءٍ؟»
لَمْ أَقُلْ شَيْئًا.
كُنْتُ أَعْرِفُ.
لطالَما عَرَفْتُ.
لٰكِنَّنِي لَمْ أَكْتُبْهُ قَطّ.
لَيْسَ لِأَنَّنِي لا أَسْتَطِيعُ.
بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَلِمَةً.


بَلِ اعْتِرافًا.


كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ لَهُ اسْمًا.
اقْتَرَبْتُ مِنْهُ كَثيرًا.
أَقْرَبَ مِمّا يَنْبَغِي.
وَفي كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتُ أَتَوَقَّفُ.
قَبْلَ أَنْ يُقالَ مُباشَرَةً.


«لِماذا؟»


بَحَثْتُ عَنْ جَوابٍ.
وَلَمْ أَجِدْ.
كانَ هُناكَ فَقَطْ شُعورٌ غامِضٌ:
كَأَنَّ شَيْئًا سَيَتَغَيَّرُ لَحْظَةَ نُطْقِهِ.
لَيْسَ ما حَدَثَ…
بَلْ مَعْناهُ بِالنِّسْبَةِ لِي.


كُنْتُ قَدْ كَتَبْتُ عَنْ ذٰلِكَ اليَوْمِ كَثيرًا.
أَعْرِفُ تَفاصِيلَهُ جَميعًا.
الضَّوْءُ، الصَّمْتُ، الوُجوهُ.
كُلُّ شَيْءٍ مَوْجودٌ.
إِلّا الِاسْمَ.


«أَهُوَ غائِبٌ فِعْلًا؟»
نَظَرْتُ إِلى الصَّفْحَةِ.
لا.
لَمْ يَكُنْ غائِبًا.
كانَ هُناكَ طِوالَ الوَقْتِ.
لٰكِنْ بِصَمْتٍ.


لَمْ أَتَجَنَّبِ القِصَّةَ.
كُنْتُ فَقَطْ أَنْتَظِرُ.
أَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي سَأَضْطَرُّ فيها إِلى تَسْمِيَتِها.


«وَمَتَى كانَ ذٰلِكَ؟»
لَمْ أُجِبْ.
كُنْتُ أَعْرِفُ اللَّحْظَةَ.
لطالَما عَرَفْتُها.
لٰكِنَّنِي كُنْتُ أُؤَجِّلُها دَائِمًا.


وَقَفْتُ عِنْدَ حافَّةِ تِلْكَ الكَلِمَةِ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ تَساءَلْتُ:
هَلْ أَكْتُبُ لِكَيْ أَتَذَكَّرَ…
أَمْ لِكَيْ لا أَقُولَ ما أَتَذَكَّرُهُ؟


الوَداعُ


الكَلِمَةُ كانَتْ هُناكَ.
ساكِنَةً.
دُونَ تَفْسيرٍ.


لِطالَما ظَنَنْتُ أَنَّنِي أَعْرِفُ مَعْناها

أَنَّها لَحْظَةٌ، أَوْ نِهايَةٌ.
لٰكِنَّ ذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ صَحيحًا.


الوَداعُ لَيْسَ ذَهابًا.
وَلَيْسَ بَقاءً.


إِنَّهُ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَنْتَهِي فيها شَيْءٌ…
دُونَ أَنْ يُقالَ.


كُنْتُ أَظُنُّ طَويلًا أَنَّ الوَداعَ يَحْدُثُ مِنَ الخارِجِ

شَخْصٌ يَرْحَلُ، شَيْءٌ يَنْتَهِي، وَآخَرُ يَبْقَى.
لٰكِنَّ ذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ صَحيحًا.


نَظَرْتُ مُجَدَّدًا إِلى الصَّفْحَةِ.
ثُمَّ إِلى الدَّفْتَرِ.
وَفَجْأَةً جاءَنِي الفِكْرُ الَّذِي تَهَرَّبْتُ مِنْهُ طَويلًا:
رُبَّما لَمْ أَكُنْ أَنا مَنْ بَقِيَ.


لَمْ أَتَحَرَّكْ.
لٰكِنَّ شَيْئًا داخِلِيًّا تَراجَعَ خُطْوَةً.
خَفيفَةً جِدًّا… لٰكِنَّها كافِيَةٌ.


«أَنْتَ الَّذِي رَحَلْتَ.»
جاءَتِ الجُمْلَةُ هادِئَةً.
أَرَدْتُ أَنْ أَرْفُضَها.
لٰكِنَّنِي لَمْ أَفْعَلْ.


لَمْ أَتَذَكَّرْ رَحيلًا.
لا كَلِمَةً.
لا حَرَكَةً.
لا لَحْظَةً يُمْكِنُ تَسْمِيَتُها وَداعًا.


وَهٰذا بِالضَّبْطِ ما كانَ.


لَمْ أَقُلْ إِنَّنِي أَرْحَلُ.
لٰكِنَّنِي لَمْ أَقُلْ أَيْضًا إِنَّنِي أَبْقَى.


أُفَكِّرُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
لَيْسَتْ واضِحَةً…
بَلْ إِحْساسٌ فَقَطْ.
كانَ هُناكَ شَخْصٌ.
يَنْتَظِرُ شَيْئًا.
رُبَّما كَلِمَةً.
رُبَّما إِشارَةً.


وَأَنا…
لَمْ أَقُلْ شَيْئًا.


لا وَعْدًا.
لا خَطَأً.
لا وَداعًا.
فَقَطْ صَمْتٌ.


«هَلْ كانَ يُمْكِنُ أَنْ تَبْقَى؟»
جاءَ السُّؤالُ مُتَأَخِّرًا.
مُتَأَخِّرًا جِدًّا.
لَمْ أُجِبْ.


لِأَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ:
لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِالبَقاءِ أَصْلًا.


نَظَرْتُ إِلى الصَّفْحَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
إِلى الكَلِمَةِ الَّتِي تَجَنَّبْتُها طَويلًا.


الوَداعُ


وَهٰذِهِ المَرَّةُ فَهِمْتُ:
لَيْسَ لِأَنَّ أَحَدًا رَحَلَ…
بَلْ لِأَنَّنِي أَنا مَنْ تَرَكْتُهُ يَرْحَلُ.


عادَ الِاسْمُ

لَمْ يَعُدْ كامِلًا.
بَلْ تَشَكَّلَ كَظِلٍّ عَلى سَطْحِ ماءٍ يَرْتَجِفُ؛ يَقْتَرِبُ ثُمَّ يَتَلاشى قَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنَ الإِمْساكِ بِهِ.
هٰذِهِ المَرَّةُ لَمْ أَطْرُدْهُ.
جَلَسْتُ عَلَى الأَرْضِ، وَالدَّفْتَرُ مَفْتوحٌ أَمامِي.
كانَتِ الصَّفَحاتُ تَرْتَجِفُ… أَوْ كُنْتُ أَنا مَنْ يَرْتَجِفُ. لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ.
بَدَأْتُ أُقَلِّبُ الصَّفَحاتِ بِبُطْءٍ.


في مُنْتَصَفِ إِحْدَى الصَّفَحاتِ — بَيْنَ سُطورٍ بَدَتْ مَأْلوفَةً أَكْثَرَ مِمّا يَنْبَغِي — وَجَدْتُ جُمْلَةً لَمْ تَظْهَرْ في أَيِّ نُصوصِي المَنْشورَةِ:
«قُلْتُ لَها إِنَّنِي سَأَعُودُ بَعْدَ ساعَةٍ.»
تَوَقَّفَ التَّنَفُّسُ.
أَصْبَحَتِ الغُرْفَةُ أَضْيَقَ. أَثْقَلَ.
كَأَنَّ الهَواءَ نَفْسَهُ فَقَدَ اتِّساعَهُ.
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
وَرَأَيْتُ المَشْهَدَ… لا كَما كَتَبْتُهُ يَوْمًا، بَلْ كَما حَدَثَ فِعْلًا:
شَخْصٌ يَنْتَظِرُ.

بابٌ نِصْفُ مَفْتوحٍ.

وَصَوْتِي يَقولُ بِلا اكْتِراثٍ: «سَأَعُودُ بَعْدَ ساعَةٍ.»
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ.
نَظَرْتُ إِلى الخَطِّ. كانَ مُتَرَدِّدًا، مُرْتَجِفًا، كَأَنَّ اليَدَ لَمْ تُثَبِّتْ حَدَثًا بَلِ اعْتَرَفَتْ بِهِ.
قَرَأْتُ الجُمْلَةَ مَرَّةً… ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ تَفْقِدْ غُموضَها.
بَلِ اكْتَسَبَتْ قَسْوَةً.


وَكُلُّ وَعْدٍ لا يُوفى بِهِ يَتَحَوَّلُ إِلى وَداعٍ.
تَغَيَّرَ السُّؤالُ.
لَمْ يَعُدْ: ما هُوَ الوَداعُ؟
بَلْ: هَلْ كانَ الوَداعُ هُوَ تِلْكَ السّاعَةُ الَّتِي لَمْ أَعُدْ بَعْدَها؟
تَرَكْتُ الصَّفْحَةَ.
لَمْ تَرْحَلْ هيَ.
بَلْ أَنا مَنْ لَمْ أَعُدْ.
لَمْ تَكُنْ فِكْرَةً بِصَوْتٍ.
بَلْ حُضورًا مُفاجِئًا… كَأَنَّها كانَتْ دَائِمًا في الغُرْفَةِ، تَنْتَظِرُ فَقَطْ أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ التَّجاهُلِ.
ساعَةٌ واحِدَةٌ.
كُنْتُ دَائِمًا أَكْتُبُ أَنَّ الطَّريقَ كانَ أَطْوَلَ، وَأَنَّ شَيْئًا ما أَعاقَنِي.
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ الأَسْبابِ — وَأَجِدُها، لِأَنَّ الإِنْسانَ يَجِدُ دَائِمًا ما يُريدُ حِينَ يُصِرُّ بِما يَكْفِي.
لٰكِنَّ هٰذِهِ الجُمْلَةَ لَمْ أَكْتُبْها يَوْمًا:
أَنَّنِي وَعَدْتُ بِالعَوْدَةِ.
رَفَعْتُ رَأْسِي.
كانَتِ الغُرْفَةُ فارِغَةً.
ثُمَّ، مِنْ طَبَقَةٍ أُخْرَى مِنَ الذّاكِرَةِ، جاءَتْ دُونَ اسْتِئْذانٍ:
«لا تَتَأَخَّرْ.»
تَجَمَّدَ كُلُّ شَيْءٍ.
لا صُورَةَ واضِحَةً. فَقَطْ صَوْتُها.
وَفِيهِ شَيْءٌ بَيْنَ الرَّجاءِ وَالأَمْرِ… شَيْءٌ كانَ يَعْرِفُ.
كانَ عِنْدَ البابِ، نِصْفُهُ في الضَّوْءِ.
لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ عَوْدَتِي.
كانَ يَنْتَظِرُ أَنْ أَبْقَى.
لٰكِنَّنِي لَمْ أَفْهَمْ…
أَوْ فَهِمْتُ، ثُمَّ واصَلْتُ السَّيْرَ.


«هَلْ كانَت تَعْرِفُ؟»
سَأَلْتُ نَفْسِي… وَلَمْ أُجِبْ.
بَعْضُ الأَسْئِلَةِ لا تُجابُ.
بَلْ تُتْرَكُ كَما هِيَ.


تَثاقَلَتِ الصُّورَةُ أَكْثَرَ.
نَظْرَةٌ لَمْ أَفْهَمْها حِينَها.
تَرَدُّدٌ لَمْ أَتَوَقَّفْ عِنْدَهُ.
وَجُمْلَةٌ بَسيطَةٌ… قَصيرَةٌ… كانَتِ النُّقْطَةَ الَّتِي انْقَسَمَ عِنْدَها كُلُّ شَيْءٍ.
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ
«لِأَنَّنِي لَوْ كَتَبْتُهُ، لَما اسْتَطَعْتُ بَعْدَها أَنْ أَقُولَ إِنَّنِي فَقَطْ تَأَخَّرْتُ.»
قُلْتُها بِصَوْتٍ عالٍ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
مِنْ دُونِ أَنْ يَسْمَعَنِي أَحَدٌ.
لَمْ تَكُنْ مَسْأَلَةَ تَأْخِيرٍ.
وَلا طَريقًا أَطْوَلَ.
وَلا ظَرْفًا عابِرًا.
بَلْ وَعْدٌ لَمْ يُوفَّ بِهِ.


نَظَرْتُ إِلى البابِ — إِلى نِصْفِهِ المَغْمُورِ بِالضَّوْءِ، وَنِصْفِهِ الآخَرِ في الظِّلِّ —
وَفَهِمْتُ أَنَّ الوَداعَ لَمْ يَحْدُثْ حِينَ رَحَلَت هيَ…
بَلْ حِينَ لَمْ أَعُدْ أَنا.
أَنا مَنْ اخْتارَ.
أَمْ أَنَّنِي فَقَطْ تَرَكْتُ الأَشْياءَ تَحْدُثُ، ثُمَّ أَطْلَقْتُ عَلَيْها اسْمَ «اخْتِيارٍ» لِأَنَّنِي كُنْتُ أَحْتاجُ إِلى قِصَّةٍ أَسْتَنِدُ إِلَيْها؟
لا أَعْرِفُ.
وَلَنْ أَعْرِفَ أَبَدًا.
وَرُبَّما…
تِلْكَ هِيَ الإِجابَةُ الأَكْثَرُ صِدْقًا الَّتِي أَمْلِكُها.


أَغْلَقْتُ الدَّفْتَرَ.
لَيْسَ بِرِفْقٍ.
«سَأَعُودُ بَعْدَ ساعَةٍ.»
الجُمْلَةُ بَقِيَتْ.
لَمْ تَعُدْ عَلَى الوَرَقِ فَقَطْ…
بَلْ داخِلِي.
بِنَفْسِ النَّبْرَةِ.
بِنَفْسِ البُرودِ.
كَأَنَّها لَمْ تُقَلْ لِتُسْمَعَ،
بَلْ لِتَشْهَدَ عَلى أَنَّها حَدَثَتْ.
وَضَعْتُ الدَّفْتَرَ عَلَى الطّاوِلَةِ، مَقْلوبًا عَلى وَجْهِهِ.
وَلَمْ أَفْتَحْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّةً أُخْرَى.


كانَ الدَّفْتَرُ في وَسَطِ الغُرْفَةِ.
لَمْ أَسْتَطِعِ الابْتِعادَ عَنْهُ تَمامًا.
كُنْتُ أَلْتَفُّ حَوْلَهُ… أَقْتَرِبُ ثُمَّ أَتَراجَعُ، ثُمَّ أَقْتَرِبُ مُجَدَّدًا.
كَمَنْ يَخْشَى لَمْسَ شَيْءٍ حَيٍّ.
تَوَقَّفْتُ.
لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ أَنْ يُفْتَحَ.
كانَ يَنْتَظِرُ شَيْئًا آخَرَ.
«هَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَعُودَ؟»
سَأَلْتُ نَفْسِي، وَتَرَكْتُ الصَّمْتَ يَتَمَدَّدُ.
ثُمَّ قُلْتُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
«لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ… لٰكِنَّنِي لَمْ أُحاوِلْ أَنْ أَعْرِفَ.»
تِلْكَ كانَتْ أَصْدَقَ إِجابَةٍ قُلْتُها لِنَفْسِي.
وَلَمْ يَسْمَعْها أَحَدٌ سِوايَ.


إِذا لَمْ تَعُدْ حِينَها…
فَمَتَى قَرَّرْتَ أَلّا تَعُودَ؟
لَمْ أَجِدْ جَوابًا.
فَقَطْ خُطُواتِي… تَقْتَرِبُ ثُمَّ تَبْتَعِدُ.
جَلَسْتُ.
لَمْ أَنْظُرْ إِلى الدَّفْتَرِ.
أَشْعَلْتُ سِيجارَةً — لَمْ أَكُنْ أُدَخِّنُ مُنْذُ سَنَواتٍ.
صَعِدَ الدُّخانُ بِبُطْءٍ، الْتَفَّ حَوْلِي،
وَلَمْ يَحْجُبِ المَشْهَدَ… بَلْ جَعَلَهُ أَكْثَرَ وُضوحًا.


في الخارِجِ، كانَتْ أَضْواءُ الشّارِعِ تَنْعَكِسُ عَلَى الزُّجاجِ.
وَالمَدِينَةُ تَبْدو أَهْدَأَ مِمّا يَنْبَغِي.
صَمْتٌ لا يُطْمئِنُّ… بَلْ يُشارِكُ في الصَّمْتِ.
ثُمَّ عادَ.
لَيْسَ كَصُورَةٍ كامِلَةٍ.
بَلْ كَأَجْزاءٍ مُتَقَطِّعَةٍ.
وَبَيْنَها جَميعًا… بابٌ.
نِصْفُهُ مَفْتوحٌ.
لا وَجْهَ أَمامَهُ، وَلا صَوْتَ خَلْفَهُ.
فَقَطْ بابٌ عالِقٌ بَيْنَ الفَتْحِ وَالإِغْلاقِ،
كَأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلى دَفْعِهِ حَتّى النِّهايَةِ.


أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
عادَتِ اللَّحْظَةُ — لا مُرَتَّبَةً، بَلْ شَظايا.
وَما جَمَعَها كانَ ذٰلِكَ البابُ.
ضَوْءٌ خافِتٌ يَتَسَلَّلُ مِنَ الدّاخِلِ،
يَمْتَدُّ عَلَى الأَرْضِ قُرْبَ العَتَبَةِ…
كَخَيْطٍ رَفِيعٍ بَيْنَ عالَمَيْنِ.


كُنْتُ هُناكَ.
لا مُغادِرًا تَمامًا، وَلا باقٍ تَمامًا.
في تِلْكَ المَسافَةِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تَتَشَكَّلُ فيها القَراراتُ… أَوْ تَتَلاشَى.
خُطْوَةٌ واحِدَةٌ فَقَطْ كانَتْ تَكْفِي.
لٰكِنَّنِي لَمْ أَفْعَلْ.
لا إِلى الدّاخِلِ وَلا إِلى الخارِجِ
أَوْ رُبَّما كِلاهُما…
لٰكِنَّ ذاكِرَتِي قَرَّرَتْ أَنْ تَتَوَقَّفَ هُنا، عِنْدَ تِلْكَ الثّانِيَةِ الوَحيدَةِ، لِأَنَّها كانَتْ أَقَلَّ قَسْوَةً مِمّا تَلاها.


فَتَحْتُ عَيْنَيَّ.
كانَ الدُّخانُ ما يَزالُ يَرْتَفِعُ.
الغُرْفَةُ صامِتَةٌ.
وَالدَّفْتَرُ هُناكَ.
لَمْ أَدْخُلْ.
وَلا أَعْرِفُ حَتّى اليَوْمِ لِماذا.
هَلْ كُنْتُ مُسْتَعْجِلًا؟
هَلْ خِفْتُ أَنْ أَرى ما في الدّاخِلِ؟
أَمْ — وَهٰذا هُوَ الأَثْقَلُ — كُنْتُ أَعْرِفُ مُسْبَقًا؟


مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَ الدَّفْتَرِ.
ثُمَّ سَحَبْتُها.


«إِذا فَتَحْتَ الصَّفْحَةَ التّالِيَةَ… فَلَنْ تَسْتَطِيعَ العَوْدَةَ.»
تَرَكْتُ الفِكْرَةَ كَما هِيَ، دُونَ أَنْ أُوازِنَها.
ثُمَّ ضَحِكْتُ بِخِفَّةٍ… ضَحِكَةً جافَّةً، غَريبَةً، كَأَنَّها لَيْسَتْ لِي.
العَوْدَةُ إِلى ماذا أَصْلًا؟
إِلى النُّصوصِ المُرَتَّبَةِ الَّتِي لا تَتْرُكُ أَثَرًا؟
إِلى الحِكاياتِ الَّتِي تَنْتَهِي دَائِمًا بِطَريقَةٍ يُمْكِنُ احْتِمالُها؟
هَزَزْتُ رَأْسِي.
ثُمَّ — مِنْ طَبَقَةٍ أُخْرَى، غَيْرِ مَدْعُوَّةٍ — جاءَ صَوْتٌ:
ارْتِطامٌ.
لَيْسَ عالِيًا.
بَلْ مَكْتومًا… كَأَنَّهُ حَدَثَ خَلْفَ بابٍ مُغْلَقٍ.
تَجَمَّدْتُ.
لَمْ أَكْتُبْ هٰذا يَوْمًا.
في كُلِّ قِصَصِي كانَ هُناكَ وَداعٌ… كَلِماتٌ أَخِيرَةٌ، نَظْرَةٌ، صَمْتٌ مَفْهومٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ.
لٰكِنْ لا ارْتِطامَ. أَبَدًا.


ابْتَلَعْتُ رِيقِي.
شَعَرْتُ بِطَعْمٍ مَعْدِنِيٍّ خَفيفٍ.
كانَتْ يَدَايَ ساكِنَتَيْنِ عَلى فَخِذَيَّ، هادِئَتَيْنِ أَكْثَرَ مِمّا يَنْبَغِي.
كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَفْتَحُ الدَّفْتَرَ.
لٰكِنْ لَيْسَ الآنَ.


بَحَثْتُ داخِلَ الذّاكِرَةِ عَنْ شَيْءٍ صَغيرٍ، شَيْءٍ يُمْكِنُ الإِمْساكُ بِهِ.
فَوَجَدْتُ:
مِفْتاحًا.
مُعَلَّقًا مِنَ الدّاخِلِ.
حَدَّقْتُ فِيهِ — في ذاكِرَتِي — ثابِتًا، لَمْ يُلْمَسْ مُنْذُ زَمَنٍ.
مِنَ الدّاخِلِ.
هٰذا يَعْنِي: كانَ هُناكَ شَخْصٌ.
شَخْصٌ لَمْ يَخْرُجْ.
مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَ الدَّفْتَرِ.


كانَ المِفْتاحُ هُناكَ في ذاكِرَتِي، أَوْضَحَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ.
ثابِتًا، لا يَتَحَرَّكُ.
مِنَ الدّاخِلِ.
ابْتَلَعْتُ.
شَعَرْتُ أَنَّ الغُرْفَةَ تَمِيلُ قَليلًا… أَوْ أَنَّنِي أَفْقِدُ تَوازُنِي.
مَدَدْتُ يَدِي إِلى سَطْحِ الطّاوِلَةِ، لا إِلى الدَّفْتَرِ، فَقَطْ لِأُثَبِّتَ نَفْسِي.
ثُمَّ عادَ الصَّوْتُ.
لَيْسَ الِارْتِطامَ فَقَطْ، بَلْ ما سَبَقَهُ كُلُّهُ.


خُطُواتٌ… سَريعَةٌ ثُمَّ مُتَرَدِّدَةٌ.
اقْتَرَبَتْ مِنَ البابِ. تَوَقَّفَتْ.
وَأَنا كُنْتُ في الخارِجِ.
هٰذِهِ المَرَّةُ لَمْ تَكُنِ الذّاكِرَةُ ضَبابِيَّةً.
كانَتْ حادَّةً… قاسِيَةً… كَأَنَّها لَمْ تَغِبْ يَوْمًا، بَلْ أَنا الَّذِي ابْتَعَدْتُ عَنْها.
كُنْتُ عِنْدَ الشَّقِّ الضَّيِّقِ.
الضَّوْءُ المُتَسَلِّلُ.
وَالظِّلُّ خَلْفَهُ يَتَحَرَّكُ.


«سَأَعُودُ بَعْدَ ساعَةٍ.»
قُلْتُها بِسُرْعَةٍ.
لَمْ أَنْتَظِرْ جَوابًا.
وَدُرْتُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ الصَّمْتُ.
نَزَلْتُ الدَّرَجَ… أَسْرَعَ مِنَ اللازِمِ.
ثُمَّ انْقَطَعَتِ الذّاكِرَةُ.
لَيْسَ بِلُطْفٍ…
بَلْ كَأَنَّها اصْطَدَمَتْ بِجِدارٍ.


جَلَسْتُ في الغُرْفَةِ.
يَدِي ما تَزالُ عَلى الطّاوِلَةِ.
المِفْتاحُ اخْتَفى… عادَ إِلى الطَّبَقَةِ الَّتِي جاءَ مِنْها.
لٰكِنَّ ما تَرَكَهُ خَلْفَهُ بَقِيَ.
السُّؤالُ الَّذِي نَزَلْتُ الدَّرَجَ هَرَبًا مِنْهُ.


أَمْسَكْتُ الدَّفْتَرَ وَفَتَحْتُهُ.
وَجَدْتُ الصَّفْحَةَ سَريعًا — كَأَنَّها كانَتْ تَنْتَظِرُنِي.
«لَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا حِينَ أَغْلَقْتُ البابَ خَلْفِي.»
تَجَمَّدْتُ.
هٰذا غَيْرُ صَحيحٍ.
أَنا أَعْرِفُ أَنَّنِي سَمِعْتُ. أَعْرِفُ ذٰلِكَ يَقِينًا.
قَرَأْتُ الجُمْلَةَ مَرَّةً أُخْرَى… ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ تَتَغَيَّرْ. بارِدَةٌ، نَظيفَةٌ، كَذِبَةٌ كامِلَةٌ. كَذِبَةٌ أَنا مَنْ كَتَبَها.


لَمْ أَكْتُبْ ما حَدَثَ.
كَتَبْتُ ما يَسْمَحُ لِي أَنْ أُواصِلَ العَيْشَ بَعْدَهُ.
ارْتَجَفَتْ أَصابِعِي. قَلَبْتُ الصَّفْحَةَ.
جُمْلَةٌ أُخْرَى. أَقْصَرُ. أَقْسى:
«حِينَ عُدْتُ، كانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدِ انْتَهَى.»
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.


كُلُّ شَيْءٍ.
الكَلِمَةُ جَلَسَتْ في الغُرْفَةِ كَجِسْمٍ ثَقيلٍ، لا يَتَحَرَّكُ.
لَمْ أُحاوِلْ تَفْسيرَها. لا يُمْكِنُ تَفْسيرُها. كانَتْ مَوْجودَةً فَقَطْ… وَكانَ عَلَيَّ أَنْ أَحْمِلَها.
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ.
الدَّفْتَرُ مَفْتوحٌ. الجُمْلَتانِ مَفْتوحَتانِ.
وَبَيْنَهُما — بَيْنَ الكَذِبَةِ وَالنِّهايَةِ — كانَ ما هَرَبْتُ مِنْهُ طِوالَ تِلْكَ السَّنَواتِ.


هَلْ عُدْتُ فِعْلًا؟
أَمْ أَنَّنِي كَتَبْتُ عَوْدَةً لَمْ تَحْدُثْ يَوْمًا؟
تَفاصِيلُ تَتَدافَعُ، هٰذِهِ المَرَّةُ بِلا تَرْتيبٍ:
الدَّرَجُ. الشّارِعُ. الهَواءُ البارِدُ.
ثُمَّ…
شَيْءٌ ناقِصٌ.


فَتَحْتُ عَيْنَيَّ.
المُكالَمَةُ.
كُنْتُ أَجْلِسُ عَلى طَرَفِ السَّريرِ، الدَّفْتَرُ عَلى فَخِذَيَّ.
المَدِينَةُ صامِتَةٌ في الخارِجِ.
السّاعَةُ تَضْرِبُ — وَكُلُّ ثانِيَةٍ كَأَنَّها وَزْنٌ صَغيرٌ يَسْقُطُ داخِلِي.
ثُمَّ الرّائِحَةُ:
مَطَرٌ عَلى حَجَرٍ بارِدٍ. وَرَقٌ قَديمٌ. قَهْوَةٌ لَمْ أَشْرَبْها.
وَشَيْءٌ آخَرُ… شَخْصٌ لَمْ أَرَهُ مُنْذُ سَنَواتٍ.
ابْتَسَمْتُ. ابْتِسامَةً قَصيرَةً، مُرَّةً — ابْتِسامَةَ مَنْ يُكَرِّرُ الخَطَأَ نَفْسَهُ بِلا تَوَقُّفٍ.
الدَّفْتَرُ أَمامِي. لَمْ أَفْتَحْهُ. وُجودُهُ وَحْدَهُ كانَ كافِيًا… كَذِكْرَى أَنَّنِي كَتَبْتُ سَنَواتٍ عَنِ الهُروبِ، بَدَلًا مِنْ ما كُنْتُ أَهْرُبُ مِنْهُ.
المِفْتاحُ. الصَّوْتُ خَلْفَ البابِ. الظِّلالُ خَلْفَ الضَّوْءِ.
وَالسّاعَةُ الَّتِي لَمْ أَسْمَحْ لِنَفْسِي فيها أَنْ أَبْقَى.


نَظَرْتُ إِلى السّاعَةِ.
ثُمَّ رَنَّ الهاتِفُ.
لَمْ أَتَحَرَّكْ فَوْرًا.
أَمْسَكْتُ الدَّفْتَرَ بِكِلْتَا يَدَيَّ.
تَنَفَّسْتُ بِعُمْقٍ.
ثُمَّ أَجَبْتُ.
الصَّمْتُ في الطَّرَفِ الآخَرِ طالَ أَكْثَرَ مِمّا يَنْبَغِي.
ثُمَّ جاءَ الصَّوْتُ — مَأْلوفًا، لٰكِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَيِّ ذِكْرَى:
«لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَتَّصِلَ… بَعْدَ كُلِّ هٰذِهِ السَّنَواتِ.»
تَجَمَّدْتُ.
«كُنْتُ—»
لَمْ تَخْرُجِ الكَلِماتُ.
بَحَثْتُ عَنْ تَفْسيرٍ… وَلَمْ أَجِدْ واحِدًا يَصْمُدُ. كُلُّها كانَتْ أَصْغَرَ مِنَ اللَّحْظَةِ.
صَمْتٌ.
ثُمَّ قالَ الصَّوْتُ:
«كُنْتَ تَعْلَمُ.»
«كُنْتَ تَعْلَمُ ما سَيَحْدُثُ… وَمَعَ ذٰلِكَ ذَهَبْتَ.»
«أَنا… لَمْ أَسْتَطِعْ—»
تَوَقَّفَتِ الجُمْلَةُ.
صَمْتٌ طَويلٌ… لا يُخَفِّفُ شَيْئًا.
«انْتَهَى الأَمْرُ.»
سَكَتُّ.
الدَّفْتَرُ بَيْنَ يَدَيَّ. الصَّفَحاتُ لا تَتَحَرَّكُ.
في الخارِجِ، المَدِينَةُ ما تَزالُ صامِتَةً — نَفْسُ الصَّمْتِ… لٰكِنْ مَعَ مَعْنًى مُخْتَلِفٍ الآنَ.


انْتَهَى الأَمْرُ.
ثَلاثُ كَلِماتٍ.
كُنْتُ أَعْرِفُها مُنْذُ سَنَواتٍ.
كُنْتُ فَقَطْ أَنْتَظِرُ أَنْ يَقُولَها أَحَدٌ غَيْرِي.


هاتِفٌ سَقَطَ عَلَى الطّاوِلَةِ.
وَالدَّفْتَرُ مَفْتوحٌ — الصَّفْحَةُ الأَخِيرَةُ. بَيْضاءُ. خالِيَةٌ.
مَسَحْتُ دُموعِي. لَيْسَ لِأَنَّنِي لَمْ أَرَها، بَلْ لِأَنَّها لَمْ تُفَسِّرْ شَيْئًا.
لَقَدْ كَتَبْتُ سَنَواتٍ طَويلَةً: عَنِ الشَّوارِعِ، عَنِ الضَّوْءِ، عَنِ الوُجوهِ، عَنْ وَداعَاتٍ يُمْكِنُ احْتِمالُها.
كُنْتُ أَجِدُ كَلِماتٍ لِكُلِّ شَيْءٍ… إِلّا لِذٰلِكَ الشَّيْءِ الواحِدِ.
تِلْكَ السّاعَةُ الواحِدَةُ.
تِلْكَ الجُمْلَةُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ جُمْلَةً، بَلِ اعْتِرافًا.
لَمْ تَكُنِ الكِتابَةُ مِرْآةً.
كانَتْ سِتارًا.


جَلَسْتُ أَمامَ الصَّفْحَةِ البَيْضاءِ.
طَويلًا.
لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُنِي. لَمْ تَطْلُبْ شَيْئًا. كانَتْ فَقَطْ هُناكَ… مَفْتوحَةً، خالِيَةً، بِلا كَلِمَةٍ واحِدَةٍ تَحْمِينِي.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ… لَمْ يَعُدْ بَيْنِي وَبَيْنَها شَيْءٌ.


بَدَأْتُ أَكْتُبُ.
لَيْسَ كَما كُنْتُ أَفْعَلُ دَائِمًا.
دُونَ نِظامٍ. دُونَ حِمايَةٍ. دُونَ أَنْ أُهَذِّبَ الكَلِماتِ قَبْلَ وُصولِها.


دَفْتَرُها

وَجَدْتُهُ بَيْنَ الصَّفَحاتِ، مَطْوِيًّا — كَأَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ لِيُقْرَأْ.
رُبَّما كانَ مُخْبَأً،
أَوْ مُهْلَةً صَغِيرَةً أَمَامَ الحَقيقَةِ.
لٰكِنِّي قَرَأْتُهُ.
تَوَقَّفْتُ عِنْدَ الجُمْلَةِ الأُولَى.
لَمْ تَكُنْ جُمْلَةً…
بَلْ بَدَايَةُ شَيْءٍ يَسْحَبُ ما بَعْدَهُ.


قَرَأْتُ:
«كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يَعُودَ…
لَيْسَ مِنْ عَيْنَيْهِ،
بَلْ مِنْ طَرِيقَةِ إِغْلَاقِهِ لِلْبَابِ.
هَادِئَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.»
تَوَقَّفْتُ.

بَابٌ يُغْلَقُ بِكُلِّ تِلْكَ الرِّفْقَةِ…

لا يَنْوِي أَنْ يُفْتَحَ قَرِيبًا.


تَابَعْتُ:
«لَمْ يَكُنْ صَمْتُهُ وَدَاعًا…
بَلْ صَمْتَ اخْتِفَاءٍ بَطِيءٍ.»


«انْتَظَرْتُ سَاعَةً… ثُمَّ أُخْرَى.
لَمْ أَتَحَرَّكْ.»


وُصِلْتُ إِلَى الجُمْلَةِ:
«سَأَعُودُ بَعْدَ سَاعَةٍ.»
لَمْ تُجِبْ.
لَيْسَ لِأَنَّهَا صَدَّقَتْ…
بَلْ لِأَنَّهَا أَحَبَّتِ الجُمْلَةَ.
تَرَكَتْهَا مُعَلَّقَةً،
نَقِيَّةً،
كَأَنَّهَا وَعْدٌ لَمْ يُمَسَّ.


قَرَأْتُ بِبُطْءٍ:
«الوُعُودُ الَّتِي لا تُخْتَبَرُ…
تَبْقَى جَمِيلَةً.»


هُنَا…
لَمْ يَعُدِ النَّصُّ يَتَقَدَّمُ.
بَلْ شَيْءٌ فِيَّ تَرَاجَعَ.
فَهِمْتُ — دُونَ أَنْ يُقَالَ —
أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ لَمْ تَكُنْ زَمَنًا…
بَلْ مَكَانًا بَقِيَتْ فِيهِ.


تَابَعْتُ:
«لَمْ أَبْكِ.
فَالبُكَاءُ يَحْتَاجُ إِلَى يَقِينٍ.»


ثُمَّ:
«كَتَبْتُ جُمْلَةً وَاحِدَةً…»
تَوَقَّفْتُ قَبْلَ أَنْ أُكْمِلَهَا.
لَمْ أَكُنْ أَقْرَأُهَا…
بَلْ أَعْرِفُهَا.


أَكْمَلْتُ:
«رُبَّمَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي وَعَدَ بِهَا…
هِيَ السَّاعَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا صَادِقًا.»


أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ.
بِهُدُوءٍ…
يُشْبِهُ هُدُوءَ إِغْلَاقِيِ لِلْبَابِ.


وَعِنْدَ هَذَا الحَدِّ…
لَمْ أَعُدْ أَقْرَأُ.
بَلْ أَتَذَكَّرُ.


فَهِمْتُ أَخِيرًا:
لَمْ تَكُنِ القِصَّةُ فِي مَا حَدَثَ،
بَلْ فِي مَا لَمْ يُحْسَمْ.
فِي سَاعَةٍ تُرِكَتْ مُعَلَّقَةً…
وَصَارَتْ زَمَنًا كَامِلًا.


أَغْلَقْتُ الدَّفْتَرَ.
وَبَقِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ:
لَيْسَ مَا قَرَأْتُهُ…
بَلْ مَا لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ.


رُبَّمَا…
لَمْ يَكُنِ الِانْتِظَارُ شَيْئًا يَحْدُثُ بَعْدَ ذٰلِكَ.
بَلْ هُوَ الشَّيْءُ الوَحِيدُ
الَّذِي بَقِيَ.


نعمان البربري

باكنانغ -بادن فورتمبرغ- ألمانيا

14 ذو القعدة 1447 هـ
30 نيسان 2026 مـ