متحف الأيام المفقودة 10

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ – أُورُ، 2100 قَبْلَ الْمِيلَادِ | «الْكِتَابَةُ ثَوْرَةٌ ضِدَّ النِّسْيَانِ»
________________________________________
كَانَتِ الْقَاعَةُ فِي نِهَايَةِ الرِّوَاقِ أَصْغَرَ مِنْ أَخَوَاتِهَا، لَكِنَّهَا كَانَتِ الْأَكْثَرَ دِفْئاً.
لَمْ يَكُنِ الدِّفْءُ مِنْ حَرَارَةِ الْهَوَاءِ، بَلْ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، لَا يُقَاسُ بِالْأَجْسَادِ، وَيُحَسُّ بِهِ أَعْمَقَ مِنَ الْجِلْدِ.
مَصَابِيحُ الزَّيْتِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْجُدْرَانِ بِأَسْلَاكٍ نُحَاسِيَّةٍ رَفِيعَةٍ، تَتَأَرْجَحُ أَحْيَاناً دُونَ أَنْ تَنْطَفِئَ، وَتُلْقِي ظِلَالاً تَتَمَدَّدُ وَتَتَقَلَّصُ كَأَنَّهَا أَرْوَاحٌ تَتَنَفَّسُ.
عَلَى الْأَرْضِ، حَصِيرَةٌ مَنْسُوجَةٌ مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ تَمْلَأُ وَسَطَ الْقَاعَةِ، وَعَلَيْهَا جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَحْنِي ظَهْرَهَا قَلِيلاً فَوْقَ لَوْحٍ مِنَ الطِّينِ الرَّطْبِ.
وَقَفَ سَامِرُ عِنْدَ مَدْخَلِ الْقَاعَةِ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُحْدِثَ صَوْتُ خَطْوَتِهِ شَيْئاً مَا.
لَكِنَّ الْمَرْأَةَ رَفَعَتْ رَأْسَهَا قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ، كَمَنْ يُحِسُّ بِاضْطِرَابِ الْهَوَاءِ لَا بِالصَّوْتِ.
قَالَتْ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَمُعْتَدِلٍ:
ـ أَهْلاً.
أَنْتَ تَتَحَرَّكُ كَأَحْلَامِ اللَّيْلِ، لَا كَزَائِرٍ حَقِيقِيٍّ.
ـ أَعْتَذِرُ إِنْ أَخَفْتُكِ.
اِبْتَسَمَتْ، وَفِي اِبْتِسَامَتِهَا شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي لَا تَأْتِي عَادَةً إِلَّا مَعَ الْعَقْدِ السَّادِسِ مِنَ الْعُمْرِ:
ـ لَمْ تُخِفْنِي.
لَقَدْ رَأَيْتُ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا فِي حَيَاتِي.
اِسْمِي… حَسَناً، الِاسْمُ لَا يَهُمُّ كَثِيراً فِي النِّهَايَةِ.
مَا يَهُمُّ هُوَ هَذَا.
وَأَشَارَتْ إِلَى اللَّوْحِ الطِّينِيِّ أَمَامَهَا.
________________________________________
اِقْتَرَبَ سَامِرُ بِبُطْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ قَادِراً عَلَى رُؤْيَةِ مَا عَلَى اللَّوْحِ.
عَلَامَاتٌ إِسْفِينِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، مُنْضَبِطَةٌ كَجُنُودٍ فِي صُفُوفٍ، تَنْتَشِرُ عَلَى سَطْحِ الطِّينِ الرَّطْبِ الَّذِي لَا يَزَالُ يَلْمَعُ قَلِيلاً فِي ضَوْءِ الْمَصَابِيحِ.
ـ مَاذَا تَكْتُبِينَ؟
ـ وَصِيَّتِي.
ـ وَصِيَّةٌ؟
بِهَذَا الْعُمْرِ؟
أَطْلَقَتْ ضَحِكَةً قَصِيرَةً، فِيهَا مَرَارَةٌ خَفِيَّةٌ، كَمَنْ يَضْحَكُ مِنْ سُؤَالٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ بَرِيءٌ لَكِنَّهُ يَكْشِفُ جَهْلاً حَقِيقِيَّاً:
ـ الْعُمْرُ لَا يَحْمِي أَحَداً مِنَ الْمَوْتِ، يَا غَرِيبُ.
وُلِدْتُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَاماً فَحَسْبُ، لَكِنَّنِي رَأَيْتُ صَدِيقَاتٍ وَأَخَوَاتٍ كَثِيرَاتٍ يَمُتْنَ فِي الْوِلَادَةِ، وَهُنَّ فِي أَوْجِ فَرَحِهِنَّ بِالْحَيَاةِ.
رَأَيْتُ فَتَيَاتٍ فِي الْعِشْرِينَ يُسْحَبْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ بِسَبَبِ مَرَضٍ ضَيْفٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ.
رَأَيْتُ مَنْ عَاشَتْ حَتَّى الْأَرْبَعِينَ وَكَأَنَّهَا أَنْجَزَتْ مُعْجِزَةً.
قَرَّرْتُ أَنْ أَكْتُبَ مَا أُرِيدُهُ لِأَطْفَالِي وَمُمْتَلَكَاتِي قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الْأَوَانُ، بَدَلاً مِنْ أَنْ أَتْرُكَ الْقَرَارَ لِأَقَارِبِي الَّذِينَ قَدْ يَتَذَكَّرُونَ مَا يُنَاسِبُهُمْ لَا مَا أَرَدْتُهُ فِعْلاً.
ـ هَذَا يَبْدُو شُجَاعاً.
أَنْ تُخَطِّطِي لِمَا بَعْدَ رَحِيلِكِ وَأَنْتِ فِي قَلْبِ حَيَاتِكِ.
وَضَعَتْ قَلَمَ الْقَصَبِ جَانِباً، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ تَامَّةٍ:
ـ لَيْسَ شَجَاعَةً بِقَدْرِ مَا هُوَ خَوْفٌ مُنَظَّمٌ.
أَخَافُ أَنْ يُنْسَى مَا أُرِيدُهُ.
أَخَافُ أَنْ تَتَحَوَّلَ كَلِمَاتِي فِي الْأَفْوَاهِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، كَمَا تَتَحَوَّلُ الْأُغْنِيَةُ حِينَ تُرْوَى دُونَ مُوسِيقَاهَا.
تَعْرِفُ كَيْفَ تَسِيرُ الْأَخْبَارُ بَيْنَ النَّاسِ؟
الْكَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ امْرَأَةٍ كَقَمْحٍ، وَتَصِلُ إِلَى الْأُذُنِ الْعَاشِرَةِ كَرَمْلٍ.
أَكْتُبُ لِأَضْمَنَ أَنَّ مَا قُلْتُهُ يَبْقَى كَمَا قُلْتُهُ.
الطِّينُ لَا يُحَرِّفُ، وَلَا يُضِيفُ، وَلَا يَتَأَثَّرُ بِمِزَاجِ مَنْ يَقْرَأُهُ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَلْمَسُ صَمِيمَ قَلَقِهِ الْخَاصِّ، كَأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَبْعُدُ عَنْهُ فِي الزَّمَنِ آلَافَ السِّنِينَ تُعِيدُ صِيَاغَةَ خَوْفِهِ بِكَلِمَاتٍ أَوْضَحَ مِمَّا اسْتَطَاعَ هُوَ أَنْ يَجِدَهَا:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي أَنَا أَيْضاً، رَغْمَ أَنَّنِي أَعِيشُ بَعْدَكِ بِآلَافِ السِّنِينَ.
فَقَدْتُ يَوْماً كَامِلاً مِنْ حَيَاتِي، لَا أَذْكُرُ مِنْهُ شَيْئاً.
لَا أَمْلِكُ وَثِيقَةً، لَا أَمْلِكُ شَاهِداً، لَا أَمْلِكُ حَتَّى شُعُوراً غَامِضاً يُرْشِدُنِي إِلَى مَا حَدَثَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ نَظْرَةَ تَعَاطُفٍ صَادِقٍ، كَمَنْ يَرَى جُرْحاً وَيَعْرِفُ أَلَمَهُ:
ـ هَذَا أَصْعَبُ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَخْشَاهُ أَنَا.
عَلَى الْأَقَلِّ أَنَا أَعْرِفُ مَا أُرِيدُ الْحِفَاظَ عَلَيْهِ، فَأَكْتُبُهُ.
أَمَّا أَنْتَ… أَنْتَ تَخْشَى فَقْدَانَ شَيْءٍ لَا تَعْرِفُ حَتَّى شَكْلَهُ، وَلَا لَوْنَهُ، وَلَا وَزْنَهُ.
مِثْلَ مَنْ يَبْكِي عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَهُ قَطُّ وَلَا يَعْرِفُ اسْمَهُ.
ـ بِالضَّبْطِ.
وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا يَجْعَلُهُ مُسْتَعْصِياً.
صَمَتَ سَامِرُ لَحْظَةً، يُحَدِّقُ فِي اللَّوْحِ الطِّينِيِّ، فِي تِلْكَ الْعَلَامَاتِ الصَّغِيرَةِ الْمُتَرَاصَّةِ بِعِنَايَةٍ.
ـ كَيْفَ تَعَلَّمْتِ الْكِتَابَةَ؟
أَعْنِي… هَلْ هِيَ مَهَارَةٌ مُتَاحَةٌ لِلْجَمِيعِ هُنَا؟
اِبْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَافِتَةً:
ـ لَا.
الْكِتَابَةُ فِي بِلَادِي كَانَتْ لِلْكُتَّابِ وَالْكَهَنَةِ وَالْمَسْؤُولِينَ.
تَعَلَّمْتُهَا لِأَنَّ زَوْجِي كَانَ يَعْمَلُ فِي الْمَعْبَدِ وَعَلَّمَنِي رَغْمَ اعْتِرَاضِ أَهْلِهِ.
قَالُوا إِنَّ امْرَأَةً تَكْتُبُ كَامْرَأَةٍ تَحْمِلُ سِلَاحاً، لَا حَاجَةَ لَهَا بِهِ وَلَا يَلِيقُ بِهَا.
لَكِنَّنِي فَهِمْتُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ سِلَاحاً لِلْهُجُومِ، بَلْ دِرْعٌ ضِدَّ النِّسْيَانِ.
________________________________________
عَادَتْ إِلَى عَمَلِهَا، تَضْغَطُ بِعِنَايَةٍ عَلَى الطِّينِ الرَّطْبِ بِطَرَفِ الْقَصَبِ الْمُدَبَّبِ.
كَانَتْ يَدُهَا ثَابِتَةً، مُتَأَنِّيَةً، كَأَنَّ كُلَّ عَلَامَةٍ قَرَارٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ.
ـ هَلْ تَعْرِفُ لِمَاذَا اخْتَرْتُ الطِّينَ تَحْدِيداً؟
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى اللَّوْحِ:
ـ لِأَنَّهُ مُتَاحٌ؟
ـ لَا.
الْجِلْدُ مُتَاحٌ أَيْضاً، وَوَضْعُ عَلَامَاتٍ عَلَى الْجُدْرَانِ أَسْهَلُ.
اِخْتَرْتُ الطِّينَ لِأَنَّهُ يَتَصَلَّبُ مَعَ الْوَقْتِ.
الْكَلِمَةُ الَّتِي أَكْتُبُهَا الْآنَ سَتَكُونُ أَصْلَبَ مِنْ حَجَرٍ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.
هَذَا اللَّوْحُ الَّذِي أُمْسِكُ بِهِ بِيَدَيْنِ لَحْمِيَّتَيْنِ سَيَبْقَى قَائِماً بَعْدَ أَنْ يُصْبِحَ جَسَدِي تُرَاباً، وَبَعْدَ أَنْ يُنْسَى وَجْهِي حَتَّى مِنْ أَحْفَادِي.
تَخَيَّلْ: بَعْدَ جِيلَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، لَنْ يَتَذَكَّرَ أَحَدٌ مَلَامِحَ وَجْهِي بِدِقَّةٍ.
لَكِنَّ هَذَا اللَّوْحَ سَيَقُولُ مَا قُلْتُهُ، حَرْفاً حَرْفاً، دُونَ أَنْ يُضِيفَ شَيْئاً أَوْ يُنْقِصَ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بَعْدَ لَحْظَةِ تَأَمُّلٍ:
ـ مِثْلَ حَبَّةِ الْقَمْحِ تَمَاماً.
حِينَ تَجِفُّ وَتُخَزَّنُ، تَحْتَفِظُ بِذَرَّةِ الْحَيَاةِ فِي دَاخِلِهَا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
الطِّينُ حِينَ يَجِفُّ يَحْتَفِظُ بِالْكَلِمَةِ فِي دَاخِلِهِ لِقُرُونٍ.
ـ هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ كَلِمَاتِكِ سَتَبْقَى فِعْلاً؟
بَعْدَ آلَافِ السِّنِينَ؟
أَوْقَفَتْ يَدَهَا لَحْظَةً، نَظَرَتْ أَمَامَهَا كَمَنْ يُفَكِّرُ فِي سُؤَالٍ يَكْبُرُ فِي فَضَاءٍ لَا يُحَدُّ:
ـ لَا أَعْرِفُ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ يَقِيناً أَنَّهَا سَتَبْقَى أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ جِدَّاً مِمَّا يَبْقَى صَوْتِي أَوْ ذَاكِرَةُ مَنْ سَمِعَنِي.
وَهَذَا يَكْفِينِي.
الْكِتَابَةُ لَيْسَتْ ضَمَاناً لِلْخُلُودِ، لَا أَحَدَ يَضْمَنُ ذَلِكَ.
لَكِنَّهَا مُقَاوَمَةٌ لِلنِّسْيَانِ الْفَوْرِيِّ، لِلنِّسْيَانِ الَّذِي يَبْدَأُ حَتَّى قَبْلَ أَنْ تُغْمَضَ عَيْنَاكَ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ.
هِيَ طَرِيقَةٌ لِأَقُولَ: «كُنْتُ هُنَا.
أَرَدْتُ هَذَا.
فَكَّرْتُ بِهَذَا.
خِفْتُ مِنْ هَذَا.
أَحْبَبْتُ هَذَا.»
حَتَّى بَعْدَ أَنْ يَصْمُتَ صَوْتِي لِلْأَبَدِ.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرُ عَلَى حَجَرٍ فِي زَاوِيَةِ الْقَاعَةِ، ظَهْرُهُ إِلَى الْجِدَارِ، عَيْنَاهُ تُتَابِعَانِ حَرَكَةَ يَدِهَا عَلَى الطِّينِ.
كَانَ فِي الْمَشْهَدِ شَيْءٌ يَجْمَعُ الْهَشَاشَةَ بِالْقُوَّةِ فِي آنٍ مَعاً، مِثْلَ ضَوْءِ الْمَصَابِيحِ تَمَاماً، يَتَأَرْجَحُ لَكِنَّهُ لَا يَنْطَفِئُ.
ـ قُلْتِ إِنَّ الْكَلِمَاتِ عَلَى الطِّينِ أَقْوَى مِنَ الذَّاكِرَةِ.
لَكِنْ أَلَا تَظُنِّينَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ أَكْثَرُ صِدْقاً؟
الْمَشَاعِرُ الَّتِي أَحْسَسْتِ بِهَا لَا يَسْتَطِيعُ الطِّينُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهَا.
رَفَعَتْ إِصْبَعاً مُحَذِّرَةً:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُخْدَعُ فِيهِ النَّاسُ.
يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ صَادِقَةٌ لِأَنَّهَا تَنْبُعُ مِنَ الدَّاخِلِ.
لَكِنَّ الذَّاكِرَةَ تَكْذِبُ بِلُطْفٍ شَدِيدٍ.
تُضِيفُ أَلْوَاناً لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ، وَتَحْذِفُ أَجْزَاءً مُؤْلِمَةً، وَتُغَيِّرُ تَرْتِيبَ الْأَحْدَاثِ لِتَجْعَلَ الْقِصَّةَ أَكْثَرَ مَنْطِقاً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ.
أَنَا إِنْ تَرَكْتُ وَصِيَّتِي فِي ذَاكِرَةِ أَطْفَالِي فَقَطْ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ سَيَتَذَكَّرُ مَا يُرِيحُهُ.
الِابْنَةُ الْكُبْرَى سَتَتَذَكَّرُ أَنَّنِي قُلْتُ إِنَّ الْبَيْتَ لَهَا.
وَالِابْنُ الْأَصْغَرُ سَيَتَذَكَّرُ أَنَّنِي اِبْتَسَمْتُ حِينَ ذَكَرَ اسْمَهُ قَبْلَ الْبَقِيَّةِ.
أَمَّا هَذَا اللَّوْحُ فَسَيَقُولُ مَا قُلْتُهُ فِعْلاً، دُونَ تَفْسِيرٍ وَلَا تَلْوِينٍ.
اِبْتَسَمَ سَامِرُ اِبْتِسَامَةً فِيهَا إِقْرَارٌ وَحُزْنٌ مُتَشَابِكَانِ:
ـ رُبَّمَا هَذَا مَا فَقَدْتُهُ أَنَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَجْهُولِ.
رُبَّمَا لَمْ تَكُنِ الْحَادِثَةُ بِمِقْدَارِ مَا كَانَ تَرْتِيبُهَا فِي ذَاكِرَتِي، لَكِنَّ غِيَابَهَا خَلَّفَ فَرَاغاً أَكْبَرَ مِنْ حَجْمِهَا الْحَقِيقِيِّ.
ـ أَوْ رُبَّمَا الْعَكْسُ، رُبَّمَا كَانَتْ أَكْبَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ ذَاكِرَتُكَ تَحَمُّلَهُ، فَاخْتَارَتْ أَنْ تُسْقِطَهَا.
________________________________________
مَرَّتْ لَحْظَةٌ مِنَ الصَّمْتِ، لَيْسَ صَمْتَ الْفَرَاغِ، بَلْ صَمْتٌ يَمْلَؤُهُ ضَغْطُ الْقَصَبِ عَلَى الطِّينِ وَصَوْتُ الْمَصَابِيحِ حِينَ تَتَقَلَّصُ لَهَبُهَا ثُمَّ تَعُودُ.
ـ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ، قَالَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا عَنِ اللَّوْحِ: مَاذَا سَتَفْعَلُ حِينَ تَعُودُ مِنْ هَذَا الْمُتْحَفِ الْغَرِيبِ؟
فَكَّرَ سَامِرُ:
ـ لَا أَعْرِفُ.
الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَفْقُودِ، أَظُنُّ.
ـ وَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ؟
ـ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ أَيْضاً.
أَوْقَفَتْ يَدَهَا وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً فِي عَيْنَيْهِ:
ـ إِنْ لَمْ تَجِدْهُ، فَأَنْتَ أَمَامَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَمْضِيَ بَقِيَّةَ حَيَاتِكَ تَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ لَنْ تَجِدَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَبْنِيَ فَوْقَ الْغِيَابِ.
لَيْسَ تَجَاهُلاً لَهُ، بَلْ بِنَاءً حَقِيقِيَّاً يَأْخُذُ الْفَرَاغَ فِي الِاعْتِبَارِ.
مِثْلَ مَنْ يَبْنِي بَيْتاً فَوْقَ أَرْضٍ فِيهَا بِئْرٌ مَجْهُولَةُ الْقَاعِ.
إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ عُمْرَكَ تُحَاوِلُ رَدْمَهَا، أَوْ تَبْنِيَ بِبَرَاعَةٍ حَوْلَ مَوْضِعِهَا وَتَجْعَلَ الْبِئْرَ جُزْءاً مِنْ تَصْمِيمِ الْبَيْتِ لَا عَيْباً فِيهِ.
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَتَحَوَّلُ فِي صَدْرِهِ، بِبُطْءٍ وَبِلَا ضَجِيجٍ، كَالطِّينِ الَّذِي يَبْدَأُ بِالتَّصَلُّبِ.
ـ رُبَّمَا هَذَا مَا يَنْقُصُنِي أَنَا.
رُبَّمَا عَلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالضَّبْطِ.
أَنْ أَكْتُبَ عَنِ الْبَحْثِ نَفْسِهِ، عَنِ الْقَلَقِ، عَنْ هَذِهِ الْقَاعَاتِ وَهَذِهِ اللِّقَاءَاتِ، عَنْ كُلِّ شَيْءٍ أَشْعُرُ بِهِ الْآنَ.
أَوْمَأَتْ بِحَمَاسٍ هَادِئٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الرِّضَا حِينَ يَرَى مُعَلِّمٌ أَنَّ فِكْرَتَهُ وَصَلَتْ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعَلَّمْتُهُ.
لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ لِتَكْتُبَ شَيْئاً ذَا قِيمَةٍ.
الْمُؤَرِّخُونَ الْقُدَامَى الَّذِينَ كَتَبُوا عَنِ الْحُرُوبِ لَمْ يَكُونُوا فِي كُلِّ سَاحَةِ مَعْرَكَةٍ.
كَتَبُوا مَا وَصَلَهُمْ، وَمَا تَخَيَّلُوهُ، وَمَا شَعَرُوا أَنَّهُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ.
وَالْكُتُبُ الَّتِي نَجَتْ لَيْسَتْ دَائِماً الْأَكْثَرَ دِقَّةً، بَلِ الْأَكْثَرُ صِدْقاً فِي لَحْظَتِهَا.
اُكْتُبْ مَا تَعْرِفُهُ وَمَا لَا تَعْرِفُهُ، وَمَا تَشْعُرُ بِهِ وَمَا تَخْشَاهُ، وَمَا تَأْمَلُهُ وَمَا يُحَيِّرُكَ.
هَذَا كُلُّهُ ذَاكِرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرَةَ الْحَدَثِ الَّذِي فَقَدْتَهُ.
________________________________________
ـ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ، قَالَ سَامِرُ وَقَدْ قَامَ مِنَ الْحَجَرِ: هَلْ تَخَافِينَ مِنَ الْمَوْتِ؟
نَظَرَتْ إِلَى اللَّوْحِ نِصْفِ الْمُكْتَمِلِ أَمَامَهَا.
عَلَامَاتٌ نِصْفُهَا تَكَلَّمَ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لَا يَزَالُ يَنْتَظِرُ.
أَجَابَتْ بِبُطْءٍ:
ـ أَخَافُ أَنْ أُنْسَى أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَخَافُ الْمَوْتَ.
الْمَوْتُ حَتْمِيٌّ، لَا جِدَالَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُضَ مَعَهُ.
الْخَوْفُ مِنْهُ طَاقَةٌ مُهْدَرَةٌ.
لَكِنَّ النِّسْيَانَ… النِّسْيَانُ لَيْسَ حَتْمِيَّاً بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ.
يُمْكِنُ مُقَاوَمَتُهُ، وَلَوْ جُزْئِيَّاً، وَلَوْ بِلَوْحِ طِينٍ صَغِيرٍ فِي غُرْفَةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا قَلِيلُونَ.
أَلَا تَرَى؟
أَنَا لَا أُقَاوِمُ الْمَوْتَ، ذَلِكَ مَعْرَكَةٌ خَاسِرَةٌ حَتْماً.
أَنَا أُقَاوِمُ النِّسْيَانَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، وَهَذِهِ مَعْرَكَةٌ فِيهَا أَمَلٌ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بَعْدَ تَوَقُّفٍ قَصِيرٍ:
ـ فَكِّرْ فِي الْأُغْنِيَةِ.
حِينَ تَمُوتُ الْمَرْأَةُ الَّتِي اِبْتَكَرَتْهَا، تَبْقَى الْأُغْنِيَةُ فِي حَنَاجِرِ الْأُخْرَيَاتِ.
لَكِنَّ الْأُغْنِيَةَ تَتَغَيَّرُ مَعَ كُلِّ صَوْتٍ جَدِيدٍ، تُضَافُ إِلَيْهَا كَلِمَةٌ أَوْ تُحْذَفُ مِنْهَا.
أَمَّا حِينَ تُكْتَبُ الْأُغْنِيَةُ، تَبْقَى كَمَا هِيَ.
رُبَّمَا لَا يُغَنِّيهَا أَحَدٌ، لَكِنَّهَا تَبْقَى.
وَهَذَا فَارِقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى حَيَّاً فِي الذَّاكِرَةِ وَأَنْ تَبْقَى حَيَّاً عَلَى الطِّينِ.
________________________________________
أَحَسَّ سَامِرُ بِإِلْهَامٍ غَرِيبٍ يَسْرِي فِي صَدْرِهِ بِبُطْءٍ، كَضَوْءِ فَجْرٍ لَمْ تُشْرِقْ شَمْسُهُ بَعْدُ لَكِنَّ السَّمَاءَ بَدَأَتْ تَتَلَوَّنُ.
كَأَنَّ جُزْءاً مِنْ قَلَقِهِ الْقَدِيمِ الْمُتَجَمِّدِ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ أَقْرَبَ لِلْهَدَفِ، كَأَنَّهُ أَمْسَكَ بِخَيْطٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ ضَائِعٌ حَتَّى الْآنَ.
ـ سَأَبْدَأُ بِالْكِتَابَةِ.
أَعِدُكِ بِذَلِكَ.
اِبْتَسَمَتِ الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ اِبْتِسَامَةً لَيْسَ فِيهَا تَحَدٍّ وَلَا اِدِّعَاءٌ، مُجَرَّدُ رِضاً هَادِئٍ كَمَنْ يَزْرَعُ وَيَعْرِفُ أَنَّ الزَّرْعَ سَيَأْتِي فِي وَقْتِهِ:
ـ لَا تَكْتُبْ لِأَنَّكَ وَعَدْتَنِي.
اُكْتُبْ لِأَنَّكَ سَتَحْتَاجُ.
الْكِتَابَةُ لَيْسَتْ شَرَفاً نَمْنَحُهُ لِبَعْضِنَا، هِيَ ضَرُورَةٌ يَكْتَشِفُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ حِينَ يَقِفُ أَمَامَ شَيْءٍ يَخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ.
ثُمَّ اِنْحَنَتْ مِنْ جَدِيدٍ فَوْقَ لَوْحِهَا، وَتَابَعَتْ تَضْغَطُ عَلَى الطِّينِ بِعِنَايَةِ امْرَأَةٍ تَعْرِفُ أَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ فِي صَفِّهَا، لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ سَتَبْقَى بَعْدَهُ.
بَدَأَتِ الْقَاعَةُ تَتَلَاشَى مِنْ حَوْلِ سَامِرَ بِبُطْءٍ، مِثْلَ حُلْمٍ يَتَرَاجَعُ عِنْدَ أَطْرَافِ الْيَقَظَةِ، حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ فِي الرِّوَاقِ مَرَّةً أُخْرَى.
________________________________________
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الْبَابِ، كَعَادَتِهِ حِينَ يَنْتَظِرُ لَا يَتَّكِئُ وَلَا يَتَلَفَّتُ، يَقِفُ كَشَجَرَةٍ تَعْرِفُ أَنَّهَا مَكَانَهَا.
فِي يَدِهِ لَوْحٌ صَغِيرٌ مِنَ الطِّينِ، يَبْدُو حَدِيثَ الصُّنْعِ، سَطْحُهُ أَمْلَسُ وَنَظِيفٌ تَمَاماً.
ـ هَدِيَّةٌ مِنْهَا، قَالَهَا تَرَكَتْهَا لَكَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ.
لَمْ تَكْتُبْ عَلَيْهِ شَيْئاً، تَرَكَتْهُ فَارِغاً، لِتَكْتُبَ أَنْتَ مَا تَشَاءُ، حِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدَّاً.
أَخَذَ سَامِرُ اللَّوْحَ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، أَحَسَّ بِثِقْلِهِ الْحَقِيقِيِّ، ثِقَلٌ لَيْسَ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ بَلْ مِنْ كُلِّ مَا يَعْنِيهِ هَذَا الْفَرَاغُ.
لَوْحٌ لَا يَحْمِلُ شَيْئاً بَعْدُ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ إِمْكَانِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ.
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ؟
أَشَارَ الْعَجُوزُ إِلَى بَابٍ جَدِيدٍ فِي الرِّوَاقِ.
عَلَيْهِ نَقْشٌ لِتَاجٍ مَلَكِيٍّ بَسِيطٍ، بِلَا زَخْرَفَةٍ مُبَالَغٍ فِيهَا، تَاجُ مَنْ يَعْرِفُ وَزْنَ مَا يَحْمِلُهُ.
ـ مَلِكٌ تَائِبٌ، قَالَ الْعَجُوزُ بِهُدُوءِ الرَّاوِي الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَوْضِعُهَا فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ.
حَاوَلَ طُوَالَ مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِهِ أَنْ يَكْتُبَ نُسْخَةً جَدِيدَةً مِنْ ذَاكِرَتِهِ، بَعْدَ أَنْ فَعَلَ شَيْئاً لَا تَسْتَطِيعُ أَيُّ كِتَابَةٍ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَمْحُوَهُ بِالْكَامِلِ.
نَظَرَ سَامِرُ مَرَّةً أَخِيرَةً إِلَى اللَّوْحِ الْفَارِغِ فِي يَدِهِ.
فَكَّرَ: رُبَّمَا الْبِدَايَةُ لَيْسَتْ أَنْ تَعْرِفَ مَا سَتَكْتُبُهُ.
رُبَّمَا الْبِدَايَةُ هِيَ أَنْ تُمْسِكَ بِاللَّوْحِ وَتَثِقَ بِأَنَّ الْكَلِمَاتِ سَتَأْتِي.
مِثْلَ الطِّينِ الَّذِي يَبْدَأُ رَطْباً طَيِّعاً دُونَ شَكْلٍ، ثُمَّ تَمْنَحُهُ الْيَدُ مَا تُرِيدُ، ثُمَّ يُقَرِّرُ الزَّمَنُ كَمْ يَبْقَى.
وَبِهَذَا الْإِحْسَاسِ الْغَرِيبِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْخَسَارَةِ وَالْبِدَايَةِ فِي آنٍ مَعاً، خَطَا سَامِرُ نَحْوَ الْبَابِ ذِي التَّاجِ الْبَسِيطِ، وَاللَّوْحُ الطِّينِيُّ الْفَارِغُ فِي يَدِهِ يُشِعُّ ثِقْلاً لَا وَزْنَ لَهُ.

متحف الأيام المفقودة 11