متحف الأيام المفقودة 20

مَتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ العِشْرُونَ: الرَّجُلُ الفِينِيقِيُّ – قَرْطَاجَةُ، الثَّمَانُمِئَةُ قَبْلَ المِيلَادِ
———————————–
لَمْ يَكُنِ الانْتِقَالُ هٰذِهِ المَرَّةَ تَدْرِيجِيًّا.
لَمْ تَتَلَاشَ الجُدْرَانُ بِبُطْءٍ، وَلَمْ يَتَرَاجَعِ الرِّوَاقُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَمَا اعْتَادَ.
حَدَثَ كُلُّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَأَنَّ أَحَدًا قَلَبَ صَفْحَةً بِحَرَكَةٍ حَادَّةٍ: الهَوَاءُ السَّاكِنُ لِلْمُتْحَفِ تَحَوَّلَ إِلَى رِيحٍ مَالِحَةٍ رَطْبَةٍ تَلْسَعُ الوَجْهَ، وَالأَرْضُ الصُّلْبَةُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أَصْبَحَتْ سَطْحًا خَشَبِيًّا يَتَمَايَلُ، وَرَائِحَةُ الحِبْرِ وَالغُبَارِ اخْتَفَتْ وَحَلَّ مَحَلَّهَا مَزِيجٌ غَرِيبٌ وَحَادٌّ؛ مِلْحٌ وَسَمَكٌ وَقَارٌ وَتَوَابِلُ لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا، مَمْزُوجَةٌ مَعًا فِي نَسِيجِ رَائِحَةٍ وَاحِدَةٍ تَقُولُ بِوُضُوحٍ: هٰذَا البَحْرُ.
وَكَانَ البَحْرُ هَادِئًا.
هَادِئًا بِذٰلِكَ الهُدُوءِ المَدْرُوسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ البَحْرُ وَحْدَهُ، لَيْسَ غِيَابَ الحَرَكَةِ، بَلْ حَرَكَةً نَاعِمَةً مُنْتَظِمَةً، مَوْجَةٌ تَعْلُو ثُمَّ تَهْبِطُ ثُمَّ تَعْلُو، وَالسَّفِينَةُ تَتَمَايَلُ مَعَهَا كَرَاقِصَةٍ تَعْرِفُ الإِيقَاعَ جَيِّدًا.
شِرَاعٌ أَبْيَضُ كَبِيرٌ يَنْتَفِخُ فَوْقَ سَامِرٍ، يَمْلَؤُهُ الهَوَاءُ مِنْ خَلْفِهِ، وَيَشُدُّ السَّفِينَةَ إِلَى الأَمَامِ بِثِقَةٍ هَادِئَةٍ.
الفَضَاءُ حَوْلَهُ كَانَ مُكْتَظًّا.
صَنَادِيقُ خَشَبِيَّةٌ مُكَدَّسَةٌ بِإِحْكَامٍ، وَأَكْيَاسٌ مَرْبُوطَةٌ بِحِبَالٍ سَمِيكَةٍ، وَجِرَارٌ فَخَّارِيَّةٌ مَخْتُومَةٌ بِالشَّمْعِ، وَأَحْزِمَةٌ مِنَ الجِلْدِ المَدْبُوغِ مَلْفُوفَةٌ بِعِنَايَةٍ.
رَائِحَةُ التَّوَابِلِ تَخْرُجُ مِنْ إِحْدَى الصَّنَادِيقِ، حَادَّةً وَعَطِرِيَّةً، تَفْرِضُ نَفْسَهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ.
وَعِنْدَ مُقَدِّمَةِ السَّفِينَةِ، وَظَهْرُهُ لِسَامِرٍ، كَانَ رَجُلٌ يَقِفُ.
فِي الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ عَلَى الأَرْجَحِ.
أَسْمَرُ البَشَرَةِ بِتِلْكَ السُّمْرَةِ الَّتِي تَصْنَعُهَا الشَّمْسُ وَالبَحْرُ مَعًا، لَا الأَصْلُ وَحْدَهُ.
شَعْرُهُ أَسْوَدُ قَصِيرٌ، وَرِيَاحُ البَحْرِ تُحَرِّكُهُ دُونَ أَنْ تَعْبَأَ بِاسْتِئْذَانِهِ.
كَانَ يَحْمِلُ فِي يَدَيْهِ شَيْئًا مَبْسُوطًا أَمَامَهُ، يَفْحَصُهُ بِدِقَّةٍ وَتَرْكِيزٍ، وَيَتَتَبَّعُ خُطُوطَهُ بِإِصْبَعٍ تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ.
خَرِيطَةً.
مَرْسُومَةً عَلَى جِلْدٍ رَقِيقٍ نَاعِمٍ، خُطُوطُهَا بِالحِبْرِ الدَّاكِنِ، تُمَثِّلُ سَوَاحِلَ وَخُلْجَانًا وَنُجُومًا فِي الزَّوَايَا لِلِاسْتِدْلَالِ.
حِينَ سَمِعَ خُطُوَاتِ سَامِرٍ عَلَى أَلْوَاحِ السَّطْحِ، لَمْ يَلْتَفِتْ فَوْرًا.
أَنْهَى مَا كَانَ يَقْرَؤُهُ، وَطَوَى الخَرِيطَةَ بِحَرَكَةٍ مُعْتَادَةٍ تَدُلُّ عَلَى آلَافِ التَّكْرَارَاتِ، ثُمَّ اسْتَدَارَ.
وَجْهُهُ كَانَ مُنْفَتِحًا.
لَيْسَتِ السَّذَاجَةُ، بَلْ ذٰلِكَ الانْفِتَاحُ الَّذِي يَصْنَعُهُ اللِّقَاءُ المُتَكَرِّرُ بِالغُرَبَاءِ حَتَّى تَتَوَقَّفَ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ غُرَبَاءَ.
— مَرْحَبًا بِكَ عَلَى سَفِينَتِي، أَيُّهَا الغَرِيبُ. — صَوْتُهُ كَانَ عَمَلِيًّا وَدَافِئًا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ. — هَلْ أَتَيْتَ لِتَشْتَرِيَ، أَمْ لِتُبْحِرَ مَعِي فَقَطْ؟
— لَمْ آتِ لِأَشْتَرِيَ شَيْئًا. — قَالَ سَامِرٌ، وَهُوَ يَقْتَرِبُ. — أَنَا سَامِرٌ، وَأَبْحَثُ عَنْ إِجَابَاتٍ أَكْثَرَ مِمَّا أَبْحَثُ عَنْ بِضَائِعَ.
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ.
ابْتِسَامَةً مُعْتَادَةً عَلَى مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ يَوْمِيًّا فِي أَسْوَاقٍ وَمَوَانِئَ مُتَعَدِّدَةٍ، فِيهَا تَرْحِيبٌ، وَلٰكِنْ فِيهَا أَيْضًا تَقْيِيمٌ سَرِيعٌ لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ.
— هٰذَا أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ التِّجَارَةِ، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟ — قَالَ. — تَبَادُلُ الأَفْكَارِ، لَا فَقَطِ السِّلَعِ. التِّجَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ كُلُّهَا كَذٰلِكَ فِي نِهَايَةِ المُطَافِ. اسْمِي حَنُّونُ. تَاجِرٌ مِنْ قَرْطَاجَةَ، أُبْحِرُ بَيْنَ مَوَانِئَ كَثِيرَةٍ: مِصْرَ، وَاليُونَانَ، وَإِسْبَانِيَا، وَسَوَاحِلَ أَبْعَدَ مِنْ ذٰلِكَ، أَمَاكِنَ لَمْ يَصِلْهَا كَثِيرُونَ قَبْلِي.
أَشَارَ سَامِرُ إِلَى الصَّنَادِيقِ وَالأَكْيَاسِ المُكَدَّسَةِ:
— مَاذَا تَحْمِلُ فِي سَفِينَتِكَ؟
مَشَى حَنُّونُ بِبُطْءٍ بَيْنَ الصَّنَادِيقِ، يُرَبِّتُ عَلَى بَعْضِهَا كَمَنْ يُشِيرُ إِلَى أَصْدِقَاءَ قُدَامَى:
— زُجَاجٌ مُلَوَّنٌ مِنْ فِينِيقِيَا، وَأَصْبَاغٌ أُرْجُوَانِيَّةٌ ثَمِينَةٌ تُسْتَخْرَجُ مِنْ مَحَارٍ بَحْرِيٍّ نَادِرٍ يَسْتَلْزِمُ اسْتِخْرَاجُهُ وَقْتًا وَجُهْدًا هَائِلَيْنِ — وَهٰذَا وَحْدَهُ يَسْتَحِقُّ رِحْلَةً — وَعَاجٌ مِنْ أَعْمَاقِ أَفْرِيقِيَا، وَتَوَابِلُ شَرْقِيَّةٌ يَدْفَعُ لَهَا الأَثْرِيَاءُ فِي رُومَا ذَهَبًا حَقِيقِيًّا.
ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَدَارَ نَحْوَ سَامِرٍ بِتَعْبِيرٍ مُخْتَلِفٍ عَلَى وَجْهِهِ، أَقَلَّ تِجَارَةً وَأَكْثَرَ تَفْكِيرًا:
— لٰكِنْ، يَا سَامِرُ، أَهَمُّ مَا أَنْقُلُهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي هٰذِهِ الصَّنَادِيقِ.
انْتَظَرَ سَامِرُ.
— أَنْقُلُ أَبْجَدِيَّةً.
قَالَهَا بِهُدُوءٍ، بِلَا تَفْخِيمٍ وَلَا اسْتِعْرَاضٍ، كَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ يَعْرِفُهَا وَيَرَاهَا وَاضِحَةً بِمَا لَا يَسْتَدْعِي التَّأْكِيدَ.
— نَحْنُ الفِينِيقِيِّينَ طَوَّرْنَا نِظَامًا لِلْكِتَابَةِ مُخْتَلِفًا عَمَّا عَرَفَهُ العَالَمُ قَبْلَنَا. الهِيرُوغْلِيفِيَّةُ المِصْرِيَّةُ تَحْمِلُ مِئَاتِ الرُّمُوزِ، وَكُلُّ رَمْزٍ قَدْ يَعْنِي كَلِمَةً كَامِلَةً أَوْ فِكْرَةً بِأَكْمَلِهَا — وَيَحْتَاجُ تَعَلُّمُهَا سَنَوَاتٍ. الكِتَابَةُ البَابِلِيَّةُ الإِسْفِينِيَّةُ لَيْسَتْ أَبْسَطَ بِكَثِيرٍ. أَمَّا نِظَامُنَا، فَيَسْتَخْدِمُ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ رَمْزًا فَقَطْ. كُلُّ رَمْزٍ يُمَثِّلُ صَوْتًا وَاحِدًا، لَا أَكْثَرَ. تَتَعَلَّمُ الرُّمُوزَ، ثُمَّ تُرَكِّبُهَا لِتَكْتُبَ أَيَّ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا فِي أَيِّ لُغَةٍ.
تَوَقَّفَ، وَنَظَرَ إِلَى البَحْرِ أَمَامَهُ:
— أَيْنَمَا أُبْحِرْ، وَأَيْنَمَا أُتَاجِرْ، أَتْرُكْ هٰذِهِ الأَبْجَدِيَّةَ. يَتَعَلَّمُهَا التُّجَّارُ المَحَلِّيُّونَ لِتَسْهِيلِ التَّوَاصُلِ. يُعَلِّمُونَهَا لِأَبْنَائِهِمْ. تَنْتَشِرُ. لَا أُخَطِّطُ لِذٰلِكَ وَلَا أَقْصِدُهُ بِالضَّرُورَةِ، هُوَ يَحْدُثُ لِأَنَّ النَّاسَ يَجِدُونَهَا مُفِيدَةً، وَمَا يَجِدُهُ النَّاسُ مُفِيدًا يَنْتَشِرُ وَحْدَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرُ، وَفِي صَدْرِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ المَصْحُوبَةَ بِالمَعْرِفَةِ المُسْبَقَةِ:
— حَنُّونُ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ هٰذِهِ الأَبْجَدِيَّةَ الَّتِي تَنْقُلُهَا سَتُصْبِحُ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، أَسَاسَ مُعْظَمِ أَنْظِمَةِ الكِتَابَةِ فِي العَالَمِ لَاحِقًا؟ اليُونَانِيُّونَ أَخَذُوا عَنْكُمْ وَطَوَّرُوا أَبْجَدِيَّتَهُمْ. وَالرُّومَانُ أَخَذُوا عَنِ اليُونَانِيِّينَ وَطَوَّرُوا أَبْجَدِيَّتَهُمْ. وَالأَبْجَدِيَّةُ اللَّاتِينِيَّةُ الَّتِي كَتَبَ بِهَا الرُّومَانُ أَصْبَحَتِ اليَوْمَ — فِي الزَّمَنِ الَّذِي أَتَيْتُ مِنْهُ — الأَبْجَدِيَّةَ الَّتِي تُكْتَبُ بِهَا مُعْظَمُ لُغَاتِ العَالَمِ: الإِنْجِلِيزِيَّةُ، وَالفَرَنْسِيَّةُ، وَالإِسْبَانِيَّةُ، وَالأَلْمَانِيَّةُ. مِلْيَارَاتُ البَشَرِ يَكْتُبُونَ يَوْمِيًّا بِحُرُوفٍ يُمْكِنُ تَتَبُّعُ جُذُورِهَا مُبَاشَرَةً إِلَى مَا تَحْمِلُهُ سَفِينَتُكَ الآنَ.
تَوَقَّفَ حَنُّونُ عَنِ الحَرَكَةِ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ بِطَرِيقَةٍ تَخْتَلِفُ عَنْ نَظَرَاتِ التَّاجِرِ المُحْتَرِفِ، نَظْرَةَ إِنْسَانٍ يَسْمَعُ شَيْئًا يَخْتَرِقُ طَبَقَاتٍ كَثِيرَةً وَيَصِلُ إِلَى مَكَانٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ بِالضَّبْطِ.
— هٰذَا… — بَدَأَ، ثُمَّ تَوَقَّفَ. ثُمَّ بَدَأَ مِنْ جَدِيدٍ. — لَا أَمْلِكُ طَرِيقَةً لِأَعْرِفَ إِنْ كَانَ هٰذَا حَقِيقِيًّا. لٰكِنَّهُ يُثْلِجُ صَدْرِي بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا. — ضَحِكَ ضَحْكَةً خَافِتَةً. — نَحْنُ التُّجَّارَ لَا نُفَكِّرُ عَادَةً فِي أَنْفُسِنَا كَحَامِلِي حَضَارَةٍ. نُفَكِّرُ فِي الأَرْبَاحِ وَالدُّيُونِ وَالرِّيَاحِ وَالمَوَانِئِ وَالمَخَاطِرِ. أَحْيَانًا فِي أُسَرِنَا، وَمَنْ نَدِينُ لَهُ، وَمَنْ يَدِينُ لَنَا. لٰكِنْ أَنْ يُصْبِحَ مَا نَفْعَلُهُ — دُونَ أَنْ نَقْصِدَ بِالضَّرُورَةِ — شَيْئًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ تِجَارَةٍ… فَهٰذَا يَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ عِنْدَهُ.
— هٰذَا يُذَكِّرُنِي بِشَيْءٍ. — قَالَ سَامِرٌ. — قَرَأْتُ مَرَّةً عَنْ بَاحِثٍ دَرَسَ كَيْفَ انْتَشَرَتِ الأَعْدَادُ الهِنْدِيَّةُ — الَّتِي نُسَمِّيهَا الآنَ «العَرَبِيَّةَ» — حَوْلَ العَالَمِ. لَمْ تَنْتَشِرْ بِسَبَبِ مَرْسُومٍ مَلَكِيٍّ أَوْ قَرَارٍ مِنْ مَجْلِسِ عُلَمَاءَ. انْتَشَرَتْ لِأَنَّ التُّجَّارَ وَجَدُوا أَنَّ حِسَابَ الأَرْبَاحِ وَالخَسَائِرِ بِهَا أَسْهَلُ وَأَسْرَعُ مِنَ الأَرْقَامِ الرُّومَانِيَّةِ. الفَائِدَةُ العَمَلِيَّةُ هِيَ الَّتِي نَقَلَتِ الفِكْرَةَ، لَا الخُطَّةُ المَدْرُوسَةُ.
أَوْمَأَ حَنُّونُ بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ:
— هٰذَا بِالضَّبْطِ مَا أَعِيشُهُ. كُلُّ مِينَاءٍ أَزُورُهُ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ شَيْئًا وَأَتْرُكُ فِيهِ شَيْئًا. أَتَعَلَّمُ مِنْ مِصْرَ طُرُقًا فِي حِفْظِ البِضَاعَةِ مِنَ الرُّطُوبَةِ، أَنْقُلُهَا لَاحِقًا لِتُجَّارٍ فِي إِسْبَانِيَا. أَسْمَعُ فِي اليُونَانِ أَسَاطِيرَ عَنْ كَائِنَاتِ البَحْرِ، أَرْوِيهَا فِي مَوَانِئَ بَعِيدَةٍ حَيْثُ يُضِيفُ إِلَيْهَا الرُّوَاةُ المَحَلِّيُّونَ تَفَاصِيلَ مِنْ ثَقَافَتِهِمْ. وَصْفَةُ الخُبْزِ الَّتِي أَكَلْتُهَا فِي قَرْطَاجَةَ أَصْبَحَتْ فِي مِصْرَ خُبْزًا آخَرَ يَحْمِلُ مَلَامِحَ مِنَ الاثْنَتَيْنِ. مَعَ كُلِّ رِحْلَةٍ، تَتَشَابَكُ الثَّقَافَاتُ أَكْثَرَ. لَا يُخَطِّطُ لِذٰلِكَ أَحَدٌ مِنْ مَرْكَزٍ. يَحْدُثُ لِأَنَّ النَّاسَ يُعْطُونَ وَيَأْخُذُونَ وَهُمْ يُبَادِلُونَ مَا يَحْتَاجُونَهُ.
مَشَيَا بِبُطْءٍ عَلَى طُولِ السَّطْحِ، وَالبَحْرُ يَتَمَايَلُ تَحْتَهُمَا.
— هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هٰذَا التَّبَادُلَ دَائِمًا إِيجَابِيٌّ؟
جَمَّدَ حَنُّونُ خُطْوَتَهُ.
جَاءَتْ كَلِمَاتُ سَامِرٍ فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ تَمَامًا.
فَكَّرَ بِجِدِّيَّةٍ، وَنَظْرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ حَلَّتْ عَلَى وَجْهِهِ، أَبْعَدُ عَنِ الابْتِسَامَةِ التِّجَارِيَّةِ المُعْتَادَةِ:
— لَا. — قَالَهَا مُبَاشَرَةً، دُونَ تَرَدُّدٍ. — لَيْسَ دَائِمًا. رَأَيْتُ تُجَّارًا يَسْتَغِلُّونَ مَنْ لَا يَعْرِفُونَ قِيمَةَ بِضَاعَتِهِمُ الحَقِيقِيَّةَ. رَجُلًا لَا يَعْرِفُ أَنَّ الأَصْبَاغَ الأُرْجُوَانِيَّةَ تَسْتَحِقُّ عَشْرَةَ أَضْعَافِ مَا يُعْطَى لَهُ ثَمَنُهَا. قَبِيلَةً لَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا تَبِيعُهُ مِنْ خَشَبٍ نَادِرٍ يُبَاعُ فِي مَوَانِئَ بَعِيدَةٍ بِمِئَةِ ضِعْفٍ. التَّبَادُلُ بَيْنَ الشُّعُوبِ يَحْمِلُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَقِيقِيًّا وَعَمِيقًا، لٰكِنَّهُ يَحْمِلُ أَيْضًا مَخَاطِرَ اسْتِغْلَالٍ حَقِيقِيَّةً لَا يَجِبُ تَجْمِيلُهَا بِتَفَاؤُلٍ سَاذَجٍ. الشَّبَكَةُ الوَاسِعَةُ تَنْقُلُ الخَيْرَ وَالشَّرَّ مَعًا، لِأَنَّ الشَّبَكَةَ لَا تَحْكُمُ عَلَى مَا تَنْقُلُهُ، هِيَ فَقَطْ تَنْقُلُ.
أُعْجِبَ سَامِرُ بِهٰذِهِ الصَّرَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ خِطَابٍ مُتَحَمِّسٍ عَنْ فَضَائِلِ التِّجَارَةِ.
— هٰذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ يَخُصُّنِي. — قَالَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ. — أَنَا أَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ مَفْقُودٍ مِنْ ذَاكِرَتِي. يَوْمٌ كَامِلٌ غَائِبٌ. لَا صُورَةَ، وَلَا صَوْتَ، وَلَا أَثَرَ. وَكُنْتُ طُوَالَ الوَقْتِ أَبْحَثُ عَنِ الذَّاكِرَةِ كَأَنَّهَا شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ أَجِدَهُ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ، كَبِضَاعَةٍ تَقَعُ فِي صُنْدُوقٍ مُحَدَّدٍ فِي مُسْتَوْدَعٍ مُحَدَّدٍ. لٰكِنَّ مَا تَقُولُهُ يَفْتَحُ احْتِمَالًا آخَرَ: رُبَّمَا ذَاكِرَةُ ذٰلِكَ اليَوْمِ لَمْ تَخْتَفِ فِي فَرَاغٍ، بَلِ انْتَقَلَتْ بِطَرِيقَةٍ مَا. إِلَى شَخْصٍ آخَرَ. إِلَى مَكَانٍ آخَرَ. تَحَوَّلَتْ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا أَسْتَطِيعُ تَتَبُّعَهُ مُبَاشَرَةً.
رَفَعَ حَنُّونُ حَاجِبَيْهِ.
هٰذَا الرَّبْطُ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ، وَعَيْنَاهُ قَالَتَا ذٰلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ لِسَانُهُ:
— هٰذِهِ فِكْرَةٌ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا بِهٰذَا الشَّكْلِ مِنْ قَبْلُ. — تَأَمَّلَ، يُقَلِّبُ الفِكْرَةَ. — كُلُّ بِضَاعَةٍ أَحْمِلُهَا، حَتَّى بَعْدَ أَنْ تُغَادِرَ يَدَيَّ، تَسْتَمِرُّ فِي رِحْلَتِهَا. الزُّجَاجَةُ الأُرْجُوَانِيَّةُ الَّتِي أَبِيعُهَا فِي إِسْبَانِيَا تُكْسَرُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ وَتُصْبِحُ شَظَايَا تُدْمَجُ فِي جِدَارٍ. الجِدَارُ يُهْدَمُ، وَتَبْنِي بِهِ عَائِلَةٌ أُخْرَى مَوْقِدًا. المَوْقِدُ يَحْتَرِقُ فِيهِ حَطَبٌ تُطْهَى فِيهِ وَجْبَةٌ. الوَجْبَةُ تُعْطِي قُوَّةً لِطِفْلٍ يَبْنِي يَوْمًا مَا شَيْئًا لَا أَعْلَمُهُ وَلَا أَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا. البِضَاعَةُ لَا تَخْتَفِي. هِيَ تَتَحَوَّلُ. رُبَّمَا الذَّاكِرَةُ تَعْمَلُ بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ: لَا تَخْتَفِي حِينَ تَفْقِدُهَا أَنْتَ، بَلْ تَتَحَوَّلُ، تَنْتَقِلُ، وَتُؤَثِّرُ فِي أَشْيَاءَ أُخْرَى بِطُرُقٍ لَا تَسْتَطِيعُ تَتَبُّعَهَا بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ.
وَقَفَ سَامِرُ سَاكِنًا لَحْظَةً.
الرِّيَاحُ وَالأَمْوَاجُ وَالشِّرَاعُ وَالرَّائِحَةُ — كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مَوْجُودًا، لٰكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُلَاحِظُهُ.
كَانَ يُفَكِّرُ فِي فِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ تَتَشَكَّلُ.
— هٰذَا يَمْنَحُنِي عَزَاءً غَرِيبًا.
ابْتَسَمَ حَنُّونُ، هٰذِهِ المَرَّةَ ابْتِسَامَةً مُخْتَلِفَةً عَنِ الابْتِسَامَةِ التِّجَارِيَّةِ، ابْتِسَامَةَ إِنْسَانٍ يَسْعَدُ لِأَنَّ كَلَامَهُ وَصَلَ إِلَى مَكَانٍ حَقِيقِيٍّ:
— هٰذَا أَفْضَلُ مَا تُقَدِّمُهُ التِّجَارَةُ فِي الحَقِيقَةِ، يَا سَامِرُ. أَبْعَدَ مِنَ الرِّبْحِ المَادِّيِّ: فِكْرَةُ أَنْ لَا شَيْءَ يَبْقَى مُنْعَزِلًا تَمَامًا. أَنْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الفُقْدَانَ، يَتَشَابَكُ فِي النِّهَايَةِ مَعَ شَبَكَةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ نَرَاهَا كَامِلَةً مِنْ مَوْقِعِنَا الفَرْدِيِّ. نَحْنُ نَرَى خَيْطًا وَاحِدًا وَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ كُلُّ النَّسِيجِ. لٰكِنَّ النَّسِيجَ أَضْخَمُ بِمَا لَا يُقَاسُ.
بَدَأَتِ الرِّيَاحُ تَتَغَيَّرُ.
لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ مَرْئِيٌّ بِالضَّرُورَةِ، لٰكِنَّ حَنُّونَ أَحَسَّ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَرَاهَا.
أَدَارَ رَأْسَهُ، وَقَرَأَ الشِّرَاعَ، وَقَرَأَ المَاءَ، وَعَرَفَ.
— يَجِبُ أَنْ أُعَدِّلَ الشِّرَاعَ الآنَ. الرِّيَاحُ تَتَغَيَّرُ، وَالبَحْرُ لَا يَنْتَظِرُ تُجَّارًا يَتَفَلْسَفُونَ. — ثُمَّ، وَكَأَنَّهُ تَذَكَّرَ شَيْئًا، مَدَّ يَدَهُ إِلَى جَيْبٍ وَاسِعٍ فِي عَبَاءَتِهِ وَأَخْرَجَ قِطْعَةً صَغِيرَةً. — خُذْ هٰذَا.
وَضَعَ فِي كَفِّ سَامِرٍ قِطْعَةَ زُجَاجٍ صَغِيرَةً.
أُرْجُوَانِيَّةَ اللَّوْنِ بِعُمْقٍ، تَلْمَعُ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُكَ تَظُنُّ أَنَّ الضَّوْءَ يَأْتِي مِنْ دَاخِلِهَا لَا مِنْ خَارِجِهَا.
— هٰذَا جُزْءٌ مِنْ بِضَاعَتِي. صَنَعَهَا حِرَفِيُّونَ مَهَرَةٌ فِي مَدِينَةِ صُورَ، مَدِينَتِنَا الأُمِّ، يَقْضُونَ أَيَّامًا فِي صُنْعِ قِطْعَةٍ وَاحِدَةٍ. رُبَّمَا لَا تَحْمِلُ قِيمَةً كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لَكَ فِي زَمَانِكَ. لٰكِنَّهَا تُذَكِّرُكَ بِشَيْءٍ: أَشْيَاءُ صَغِيرَةٌ، حَتَّى حِينَ تَبْدُو تَافِهَةً، تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسَافِرَ مَسَافَاتٍ هَائِلَةً وَتَرْبِطَ بَيْنَ أُنَاسٍ لَمْ يَكُونُوا لِيَلْتَقُوا بِأَيِّ طَرِيقَةٍ أُخْرَى. هٰذِهِ القِطْعَةُ الزُّجَاجِيَّةُ الصَّغِيرَةُ هِيَ تَارِيخٌ طَوِيلٌ مِنْ يَدَيْنِ تَعِبَتَا فِي صُنْعِهَا، وَسَفِينَةٍ خَاضَتْ أَمْوَاجًا لِإِيصَالِهَا، وَشَخْصٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ مَكَانٍ لَا أَسْتَطِيعُ تَخَيُّلَهُ لِيَقِفَ اليَوْمَ عَلَى سَطْحِ سَفِينَتِي.
أَخَذَ سَامِرُ القِطْعَةَ.
أَحَسَّ بِثِقَلِهَا فِي رَاحَتِهِ.
ثِقَلٌ حَقِيقِيٌّ، غَيْرُ مُتَنَاسِبٍ مَعَ حَجْمِهَا الصَّغِيرِ.
كَأَنَّ الزُّجَاجَ يَحْمِلُ شَيْئًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ.
بَدَأَتِ السَّفِينَةُ تَتَلَاشَى.
وَالبَحْرُ يَتَرَاجَعُ.
وَالشِّرَاعُ يَشْحَبُ.
وَرَائِحَةُ المِلْحِ تَضْعُفُ تَدْرِيجِيًّا، ثُمَّ تَخْتَفِي.
آخِرُ مَا سَمِعَهُ سَامِرُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الرِّوَاقِ كَانَ صَوْتَ حَنُّونَ يَصْرُخُ تَعْلِيمَاتٍ لِرِجَالِهِ بِلُغَةٍ أُخْرَى، صَوْتًا عَمَلِيًّا وَحَيَوِيًّا، صَوْتَ إِنْسَانٍ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ الأَفْكَارِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّ البَحْرَ وَالرِّيَاحَ وَالرِّبْحَ وَالخَسَارَةَ لَا تَنْتَظِرُ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُ.
وَاقِفًا بِجَانِبِ الدَّرَجِ الخَشَبِيِّ القَصِيرِ، وَفِي يَدِهِ اللَّوْحُ الطِّينِيُّ الفَارِغُ الَّذِي يُرَافِقُ سَامِرًا مُنْذُ البِدَايَةِ.
وَبِجَانِبِهِ عَلَى الدَّرَجِ، مَوْضُوعَةً بِعِنَايَةٍ كَمَا يُوضَعُ شَيْءٌ ثَمِينٌ، القِطْعَةُ الأُرْجُوَانِيَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي أَعْطَاهَا إِمْحُوتِبُ فِي قَاعَةٍ سَابِقَةٍ.
وَالآنَ أَضَافَ سَامِرُ القِطْعَةَ الزُّجَاجِيَّةَ الجَدِيدَةَ إِلَى جَانِبِهَا.
شَيْئَانِ صَغِيرَانِ.
لَوْحٌ فَارِغٌ.
وَمَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ لَا تَزَالُ أَمَامَهُ.
— انْتَهَى المِحْوَرُ الثَّانِي الآنَ فِعْلًا. — قَالَ العَجُوزُ، بِنَبْرَةٍ إِعْلَانِيَّةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الزِّينَةِ الزَّائِدَةِ. — اثْنَا عَشَرَ صَوْتًا مِنْ أَعْمَقِ حَضَارَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ القَدِيمَةِ. سَبْعُونَ فَصْلًا يَنْتَظِرُونَكَ بَعْدُ، لٰكِنَّ المِحْوَرَ الثَّالِثَ يَأْخُذُكَ إِلَى عَالَمٍ مُخْتَلِفٍ: الإِيمَانِ وَالشَّكِّ وَالرُّوحَانِيَّاتِ، حَيْثُ سَتُقَابِلُ أَصْوَاتًا تَحْمِلُ أَسْئِلَةً لَيْسَ لِلْعَقْلِ وَحْدَهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهَا.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ المُجَمَّعَةِ عَلَى الدَّرَجِ.
— أَشْعُرُ أَنَّنِي أَجْمَعُ شَيْئًا، رَغْمَ أَنِّي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مَا هُوَ.
ابْتَسَمَ العَجُوزُ ابْتِسَامَتَهُ الغَامِضَةَ الَّتِي تَقُولُ دَائِمًا أَكْثَرَ مِمَّا تَبُوحُ:
— هٰذَا بِالضَّبْطِ مَا يَحْدُثُ.
ثُمَّ أَشَارَ نَحْوَ الرِّوَاقِ التَّالِي:
— تَعَالَ. الرَّاهِبُ البُوذِيُّ يَنْتَظِرُكَ، وَمَعَهُ سُؤَالٌ قَدْ يَكُونُ أَصْعَبَ مِنْ كُلِّ مَا سَمِعْتَهُ حَتَّى الآنَ: هَلِ النِّيرْفَانَا هِيَ الذَّاكِرَةُ الكَامِلَةُ، أَمْ إِلْغَاؤُهَا التَّامُّ؟
حَمَلَ سَامِرُ اللَّوْحَ الطِّينِيَّ الفَارِغَ.
القِطْعَتَانِ الصَّغِيرَتَانِ فِي جَيْبِهِ.
وَخَطَا نَحْوَ المَمَرِّ.
البَحْرُ الَّذِي غَادَرَهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَادَرَ.
كَانَ لَا يَزَالُ هُنَاكَ، فِي مَكَانٍ مَا خَلْفَ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَلْفِ مِيلٍ، يَتَمَايَلُ بِهُدُوءٍ، يَنْتَظِرُ سَفِينَةً أُخْرَى.

متحف الأيام المفقودة 21