مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ: المَرْأَةُ الصُّوفِيَّةُ – البَصْرَةُ، 780 مِيلَادِيَّةً | «الحُبُّ الإِلَهِيُّ فَوْقَ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ»
——————————
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يُعْلِنُ عَنْ هَذِهِ القَاعَةِ. لَا نَقْشٌ عَلَى البَابِ، وَلَا زُخْرُفَةٌ تَسْتَقْبِلُكَ، وَلَا حَتَّى ضَوْءٌ يَتَسَرَّبُ مِنْ تَحْتِ العَتَبَةِ لِيُنَبِّئَكَ بِمَا وَرَاءَهَا. فَقَطْ بَابٌ مِنْ خَشَبٍ بَسِيطٍ لَا يَدَّعِي شَيْئًا، وَحِينَ فَتَحَهُ سَامِرٌ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي زَاوِيَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ بَيْتٍ طِينِيٍّ، سَقْفُهُ مُنْخَفِضٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْ يَشْعُرَ الزَّائِرُ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَانًا يُرَادُ لَهُ أَنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ.
لَا زَخَارِفَ. لَا أَثَاثَ يُثْبِتُ ثَرْوَةً أَوْ يُعْلِنُ مَكَانَةً. سَجَّادَةُ صَلَاةٍ قَدِيمَةٌ، طَالَ اسْتِعْمَالُهَا حَتَّى بَهَتَتْ أَلْوَانُهَا فِي أَمَاكِنَ بِعَيْنِهَا، تَكْشِفُ عَنِ المَوَاضِعِ الَّتِي طَالَتْهَا رُكْبَتَاهَا وَجَبْهَتُهَا، وَمِنْ حَوْلِ تِلْكَ البُقَعِ بَهَتَانٌ أَفْتَحُ، كَأَنَّ الصَّلَاةَ تَرَكَتْ بَصْمَتَهَا فِي النَّسِيجِ بِمَا لَمْ تَتْرُكْهُ السِّنُونُ. وَفِي رُكْنٍ بَعِيدٍ عَنِ البَابِ، قِنْدِيلُ زَيْتٍ يُضِيءُ بِتَرَدُّدٍ، لَهَبُهُ يُقَاوِمُ مِنْ دُونِ أَنْ يُؤَكِّدَ انْتِصَارَهُ.
وَأَمَامَ السَّجَّادَةِ، فِي وَسَطِ هَذَا الفَقْرِ الَّذِي لَا يَبْدُو شَقَاءً، جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالأَرْبَعِينَ. جَسَدُهَا نَحِيلٌ بِنَحَافَةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُعْطِي أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْفَةِ جُلُوسِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ اكْتِمَالًا لَا يُفَسِّرُهُ الجَسَدُ وَحْدَهُ. وَجْهُهَا هَادِئٌ بِهُدُوءِ مَنْ لَا يُحَاوِلُ الهُدُوءَ، بَلْ يُقِيمُ فِيهِ. شَفَتَاهَا تَتَحَرَّكَانِ بِكَلِمَاتٍ لَا تَصِلُ إِلَى سَامِرٍ بِوُضُوحٍ، كَتَيَّارٍ عَمِيقٍ تَحْتَ سَطْحٍ سَاكِنٍ.
لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَهَا فَوْرًا.
وَحِينَ رَفَعَتْهُ أَخِيرًا، كَانَ فِي عَيْنَيْهَا نُورٌ غَرِيبٌ يَصْعُبُ تَسْمِيَةُ مَصْدَرِهِ:
—مَنْ جَاءَ يَقْطَعُ خَلْوَتِي؟
—أَنَا سَامِرٌ. أَعْتَذِرُ إِنْ أَزْعَجْتُكِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً لَا تُشْبِهُ ابْتِسَامَاتِ التَّرْحِيبِ المُعْتَادَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَسْتَقْبِلُ، بَلْ كَانَتْ فَقَطْ تُخْبِرُ بِشَيْءٍ:
—لَا أَحَدَ يُزْعِجُ مَنْ تَخَلَّى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى الحُبِّ الَّذِي يَمْلَؤُهُ. اجْلِسْ، إِنْ شِئْتَ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِ عَتَبَةِ الزَّاوِيَةِ. شَعَرَ بِرَهْبَةٍ هَادِئَةٍ، النَّوْعِ الَّذِي لَا يُخِيفُ، بَلْ يُطْلَبُ مِنْكَ احْتِرَامًا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَدِّدَ سَبَبَهُ بِدِقَّةٍ.
—أَعْرِفُ عَنْكِ، أَوْ عَمَّنْ تُشْبِهِينَهَا. هُنَاكَ امْرَأَةٌ تُدْعَى رَابِعَةَ العَدَوِيَّةَ، عَاشَتْ فِي زَمَانِكِ تَقْرِيبًا، اشْتُهِرَتْ بِحُبٍّ إِلَهِيٍّ عَمِيقٍ تَجَاوَزَ كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ فِي حَيَاتِهَا. يَقُولُونَ إِنَّهَا قَالَتْ إِنَّهَا لَا تَعْبُدُ اللهَ خَوْفًا مِنْ نَارِهِ، وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ، بَلْ حُبًّا بِهِ وَحْدَهُ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، وَفِي عَيْنَيْهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ التَّعَرُّفَ لَا المُفَاجَأَةَ:
—أَحْمِلُ مِنْ رُوحِهَا الكَثِيرَ، نَعَمْ. مَا وَصَفْتَهُ لَيْسَ شِعَارًا يُقَالُ، بَلْ حَالَةٌ تُعَاشُ، وَتَخْتَلِفُ عَنِ الكَلِمَةِ الَّتِي تَصِفُهَا اخْتِلَافَ المَاءِ عَنْ كَلِمَةِ «مَاءٍ». أَمْضَيْتُ حَيَاتِي أُحَاوِلُ الوُصُولَ إِلَى ذَلِكَ الحُبِّ الخَالِصِ، الحُبِّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ شَيْئًا فِي المُقَابِلِ، لَا مُكَافَأَةً، وَلَا أَمَانًا، وَلَا تَبَادُلًا. حُبٌّ لِذَاتِ الحُبِّ نَفْسِهِ، كَالنَّهْرِ الَّذِي يَجْرِي لِأَنَّ جَرَيَانَهُ طَبِيعَتُهُ، لَا لِأَنَّ البَحْرَ وَعَدَهُ بِشَيْءٍ.
—هَذَا يَبْدُو سَامِيًا جِدًّا. لَكِنَّهُ أَيْضًا بَعِيدُ الفَهْمِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَعِيشُ فِي يَوْمِيَّاتِهِ العَادِيَّةِ، بِأَسْئِلَتِهِ العَادِيَّةِ وَقَلَقِهِ العَادِيِّ.
—مُعْظَمُ النَّاسِ يَجِدُونَهُ كَذَلِكَ فِي البِدَايَةِ. لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلْكَ سُؤَالًا: حِينَ تُحِبُّ شَخْصًا حُبًّا عَمِيقًا حَقِيقِيًّا، هَلْ تُحِبُّهُ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُكَ بِشَيْءٍ فِي مَاضِيكَ، أَمْ تُحِبُّهُ لِذَاتِهِ هُوَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ ذَاكِرَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ؟
فَكَّرَ سَامِرٌ، لَيْسَ تَظَاهُرًا بِالتَّفْكِيرِ، بَلْ فِعْلًا:
—أَظُنُّ… فِي الحُبِّ الحَقِيقِيِّ، تُحِبُّ الشَّخْصَ لِذَاتِهِ. لَكِنَّ الذِّكْرَيَاتِ المُشْتَرَكَةَ تَجْعَلُ الحُبَّ أَعْمَقَ وَأَرْسَخَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِتَفَهُّمٍ لَا يُخْطِئُ صِدْقَهُ:
—هَذَا صَحِيحٌ لِلْحُبِّ البَشَرِيِّ، نَعَمْ. الذِّكْرَيَاتُ المُشْتَرَكَةُ تَبْنِي جِسْرًا مِنَ الأُلْفَةِ وَمِنَ الفَهْمِ المُتَبَادَلِ. لَكِنَّنِي اكْتَشَفْتُ، فِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِ تَجْرِبَتِي الرُّوحِيَّةِ، شَيْئًا أَبْعَدَ: حِينَ يَصِلُ الحُبُّ إِلَى دَرَجَاتِهِ الأَعْمَقِ، يَتَجَاوَزُ حَتَّى حَاجَتَهُ إِلَى الذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَةِ. أَنَا أُحِبُّ اللهَ لَيْسَ لِأَنَّنِي أَتَذَكَّرُ مُعْجِزَةً بِعَيْنِهَا حَدَثَتْ لِي، أَوْ نِعْمَةً مُحَدَّدَةً أُحْصِيهَا. أُحِبُّهُ لِأَنَّ الحُبَّ نَفْسَهُ أَصْبَحَ حَقِيقَتِي الجَوْهَرِيَّةَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ أَوْ ذَاكِرَةٍ بِعَيْنِهَا. الحُبُّ سَابِقٌ لِلذَّاكِرَةِ، وَبَاقٍ بَعْدَهَا.
—كَيْفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا فِي مُشْكِلَتِي؟ أَنَا فَقَدْتُ يَوْمًا مِنْ حَيَاتِي لَا أَتَذَكَّرُ مِنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا يُقْلِقُنِي بِشِدَّةٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعُمْقٍ يُشْعِرُكَ بِأَنَّهَا لَا تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِكَ، بَلْ إِلَى شَيْءٍ خَلْفَهُ:
—رُبَّمَا لِأَنَّكَ تَرْبِطُ قِيمَةَ نَفْسِكَ، وَقِيمَةَ حَيَاتِكَ كُلِّهَا، بِقُدْرَتِكَ عَلَى تَذَكُّرِ كُلِّ تَفَاصِيلِهَا. كَأَنَّ الحَيَاةَ مَحْكَمَةٌ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِسِجِلٍّ كَامِلٍ لَا فَجْوَةَ فِيهِ. لَكِنْ مَاذَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُكَ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ؟ مَاذَا لَوْ كَانَ فِيكَ شَيْءٌ أَعْمَقُ مِنَ الذَّاكِرَةِ، يَظَلُّ حَقِيقِيًّا وَيَظَلُّ كَامِلًا حَتَّى حِينَ تَخْتَفِي صَفْحَةٌ مِنَ الكِتَابِ؟
—تَقْصِدِينَ أَنَّ وُجُودِي، وَقِيمَتِي كَإِنْسَانٍ، لَا يَعْتَمِدَانِ عَلَى ذَاكِرَةٍ مُوَثَّقَةٍ لَا فَرَاغَ فِيهَا؟
—بِالضَّبْطِ. أَنَا لَا أَمْلِكُ ذَاكِرَةً كَامِلَةً لِكُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِي. كُلُّ إِنْسَانٍ يَنْسَى، وَيَسْهُو، وَيَخْسَرُ أَجْزَاءً مِنْ تَارِيخِهِ الدَّاخِلِيِّ. لَكِنَّنِي أَمْلِكُ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنَ الذَّاكِرَةِ: حُضُورًا مُسْتَمِرًّا فِي حُبِّي، لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا أَتَذَكَّرُهُ أَوْ أَنْسَاهُ. أَنَا لَسْتُ مَجْمُوعَ ذِكْرَيَاتِي، بَلْ مَجْمُوعُ حُضُورِي فِي كُلِّ لَحْظَةٍ عِشْتُهَا وَأَعِيشُهَا. وَهَذَا الحُضُورُ لَا يَسْرِقُهُ مِنْكَ أَيُّ يَوْمٍ مَفْقُودٍ.
—كَيْفَ وَصَلْتِ إِلَى هَذَا الحُبِّ العَمِيقِ؟ هَلْ كَانَ طَرِيقًا سَهْلًا؟
ضَحِكَتْ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، فِيهَا مَرَارَةٌ لَا تَطْلُبُ تَعَاطُفًا، بَلْ تُقَرِّرُ حَقِيقَةً:
—لَا، أَبَدًا. لَمْ يَكُنْ سَهْلًا بِأَيِّ مَعْنًى مِنَ المَعَانِي. كَانَ طَرِيقًا مَلِيئًا بِأَلَمٍ حَقِيقِيٍّ وَتَخَلٍّ مُؤْلِمٍ. تَخَلَّيْتُ عَنِ الرَّاحَةِ، وَعَنِ الأَمَانِ المَادِّيِّ، وَعَنْ بَعْضِ العَلَاقَاتِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَهْلِكُ طَاقَتِي فِي اتِّجَاهَاتٍ بَعِيدَةٍ عَمَّا وَجَدْتُ فِيهِ مَعْنَى حَيَاتِي. وَلَمْ يَكُنِ التَّخَلِّي قَرَارًا يُتَّخَذُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَنْتَهِي، كَمَا يَتَخَيَّلُ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْهُ. هُوَ قَرَارٌ يُجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ، حِينَ تُغْرِي الرَّاحَةُ، وَالإِغْوَاءُ، وَالأَمَانُ. لَكِنِّي تَخَلَّيْتُ، لَيْسَ لِأَنَّنِي أَكْرَهُ الحَيَاةَ بِمَعْنَاهَا العَمِيقِ، بَلْ لِأَنَّنِي وَجَدْتُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ أَنْ أُكَرِّسَ لَهُ كُلَّ طَاقَتِي، وَلَا أُشَتِّتَهَا.
—هَلْ تَشْعُرِينَ بِالوَحْدَةِ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّخَلِّي عَمَّا يَمْنَحُ النَّاسَ شُعُورَ الِانْتِمَاءِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِصِدْقٍ لَا يُزَيِّنُ إِجَابَتَهَا:
—أَحْيَانًا، نَعَمْ، بِالمَعْنَى البَشَرِيِّ العَادِيِّ. هُنَاكَ لَحَظَاتٌ يَشْتَاقُ فِيهَا الجَسَدُ وَالنَّفْسُ إِلَى دِفْءٍ عَادِيٍّ، إِلَى يَدٍ تُمْسِكُ بِهَا، إِلَى ضَحْكَةٍ يُشَارِكُهَا أَحَدٌ. هَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا أُنْكِرُهَا. لَكِنْ فِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِي مَعَ الحُبِّ الَّذِي وَصَلْتُ إِلَيْهِ، لَا أَشْعُرُ بِأَيِّ وَحْدَةٍ عَلَى الإِطْلَاقِ. أَشْعُرُ بِحُضُورٍ كَامِلٍ، يَمْلَأُ الفَرَاغَ الَّذِي تَعْتَقِدُ أَنَّهُ فَرَاغٌ، حَتَّى يَبْدُوَ الصَّمْتُ مَسْكُونًا، وَالخَلْوَةُ مُكْتَظَّةً. وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا يُفْهَمُ بِالعَقْلِ وَحْدَهُ، بَلْ يُعَاشُ.
—هَذَا يَبْدُو تَجْرِبَةً اسْتِثْنَائِيَّةً جِدًّا. كَيْفَ لِإِنْسَانٍ عَادِيٍّ، يَعِيشُ هُمُومَهُ العَادِيَّةَ، وَيَحْمِلُ قَلَقَهُ العَادِيَّ، أَنْ يَلْمَسَ شَيْئًا مِنْ هَذَا؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِتَوَاضُعٍ حَقِيقِيٍّ، لَا تَوَاضُعَ مَنْ يَتَوَاضَعُ لِيُقَالَ عَنْهُ مُتَوَاضِعٌ:
—رُبَّمَا لَا تَسْتَطِيعُ، يَا سَامِرُ، أَنْ تَصِلَ إِلَى عُمْقِ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ. فَلِكُلِّ إِنْسَانٍ طَرِيقُهُ الخَاصُّ، وَوَقْتُهُ الخَاصُّ، وَمِقْدَارُهُ الخَاصُّ. لَكِنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَلْمَسُ جُزْءًا صَغِيرًا مِنْ هَذَا الحُبِّ فِي لَحَظَاتٍ بِعَيْنِهَا، دُونَ أَنْ يُسَمِّيَهُ دَائِمًا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ. حِينَ يُسَاعِدُ غَرِيبًا دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ شُكْرًا، أَوْ حَتَّى أَنْ يَعْرِفَ اسْمَهُ. حِينَ يُحِبُّ شَخْصًا، وَقَدْ يَخْسَرُهُ غَدًا، وَيَخْتَارُ أَنْ يُحِبَّهُ الآنَ عَلَى أَيِّ حَالٍ. حِينَ يَجْلِسُ فِي صَمْتٍ أَمَامَ غُرُوبٍ، أَوْ أَمَامَ طِفْلٍ نَائِمٍ، أَوْ أَمَامَ بَحْرٍ، وَيَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى سَبَبٍ مُحَدَّدٍ، وَلَا إِلَى مُخَاطَبٍ مُحَدَّدٍ. فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، أَنْتَ تَلْمَسُ مَا أُحَاوِلُ وَصْفَهُ، حَتَّى لَوْ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِكَ فَقَطْ.
—هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ هَذَا قَدْ يُسَاعِدُنِي فِي التَّعَامُلِ مَعَ يَوْمِيَ المَفْقُودِ؟
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً حَانِيَةً، لَيْسَتِ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَمْنَحُ إِجَابَةً، بَلِ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الأَثْقَالِ لَا تُرْفَعُ، بَلْ تُحْمَلُ بِطَرِيقَةٍ أَخَفَّ:
—أَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَدْ يُخَفِّفُ مِنْ ثِقْلِ المُشْكِلَةِ، لَا أَنْ يَحُلَّهَا تَمَامًا. حِينَ تَجِدُ لَحَظَاتٍ، وَلَوْ صَغِيرَةً وَقَصِيرَةً، مِنْ حُبٍّ حَقِيقِيٍّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ لِيَكُونَ حَقِيقِيًّا، سَتَشْعُرُ تَدْرِيجِيًّا أَنَّ قِيمَتَكَ كَإِنْسَانٍ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى فَجْوَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَاضِيكَ. سَتَشْعُرُ أَنَّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، بِكُلِّ حُضُورِكَ فِيهَا، يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. الفَجْوَةُ فِي الذَّاكِرَةِ حَقِيقِيَّةٌ، لَكِنَّ الحُضُورَ فِي اللَّحْظَةِ أَكْثَرُ حَقِيقِيَّةً مِنْهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدِفْءٍ يَسْرِي فِي صَدْرِهِ بِبُطْءٍ، نَوْعُ الدِّفْءِ الَّذِي لَا يَأْتِي مِنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَتَجَمَّعُ مِنْ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ:
—شُكْرًا لَكِ. هَذَا مُخْتَلِفٌ عَنْ كُلِّ مَا سَمِعْتُهُ حَتَّى الآنَ فِي هَذِهِ القَاعَاتِ، لَكِنَّهُ يَلْمَسُ شَيْئًا فِي أَعْمَقِ مَا فِيَّ.
لَمْ تُجِبْ بِكَلِمَاتٍ. عَادَتْ إِلَى تَمْتَمَتِهَا الهَادِئَةِ بِبُطْءٍ، عَيْنَاهَا تَنْغَلِقَانِ نِصْفَ انْغِلَاقٍ، كَأَنَّهَا تَعُودُ إِلَى عَالَمٍ كَانَ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا كُلَّ هَذَا التَّخَلِّي. ثُمَّ قَالَتْ، دُونَ أَنْ تَفْتَحَ عَيْنَيْهَا بِالكَامِلِ، بِصَوْتٍ يَجِيءُ مِنْ مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنَ الحَنْجَرَةِ:
—اذْهَبِ الآنَ، بِسَلَامٍ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: الحُبُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَسْأَلُ: «هَلْ أَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيْءٍ؟» بَلْ يَسْأَلُ فَقَطْ: «هَلْ أَنَا حَاضِرٌ الآنَ، بِكُلِّ قَلْبِي؟»
بَدَأَتِ الزَّاوِيَةُ الصَّغِيرَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ. البَيْتُ الطِّينِيُّ يُصْبِحُ خُطُوطًا وَظِلَالًا، ثُمَّ يَخْتَفِي، وَالقِنْدِيلُ يَضْعُفُ لَهَبُهُ حَتَّى يُصْبِحَ نُقْطَةً مِنْ دِفْءٍ وَسْطَ التَّلَاشِي. لَكِنَّ تَمْتَمَتَهَا لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ. اسْتَمَرَّتْ تَمْلَأُ الهَوَاءَ حَتَّى بَعْدَ أَنْ اخْتَفَى كُلُّ مَا حَوْلَهَا، كَأَنَّ الكَلِمَاتِ كَانَتْ أَبْقَى مِنَ الجُدْرَانِ.
عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ. كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، لَكِنَّ فِي وَقْفَتِهِ هَذِهِ المَرَّةَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا. وَقْفَةً أَثْقَلَ قَلِيلًا، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ لَيْسَ سَهْلًا، لَا عَلَى مَنْ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُشِيرُ.
بِجَانِبِ العَجُوزِ، بَابٌ يَحْمِلُ نَقْشًا لِنَجْمَةِ دَاوُدَ بَسِيطَةٍ، مُحَاطَةً بِشَرِيطٍ أَسْوَدَ رَفِيعٍ. الأَسْوَدُ لَيْسَ زُخْرُفَةً، بَلْ حِدَادٌ.
قَالَ العَجُوزُ، بِصَوْتٍ أَهْدَأَ مِنْ عَادَتِهِ:
—القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، صَعْبَةٌ جِدًّا. لَيْسَتْ صُعُوبَةَ الأَلَمِ المُبَاشِرِ الَّذِي يُحَسُّ بِهِ الجَسَدُ، بَلْ صُعُوبَةَ السُّؤَالِ الَّذِي يُحَسُّ بِهِ كُلُّ مَا تَبَقَّى بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ. سَتُقَابِلُ رَجُلًا يَحْمِلُ أَثْقَلَ سُؤَالٍ إِيمَانِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَهُ إِنْسَانٌ: كَيْفَ يُؤْمَنُ بِإِلَهٍ بَعْدَ أَنْ سَمَحَ بِأَكْبَرِ مَحْوٍ جَمَاعِيٍّ لِلذَّاكِرَةِ وَالحَيَاةِ فِي التَّارِيخِ الحَدِيثِ؟
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّجْمَةِ المُحَاطَةِ بِالسَّوَادِ عَلَى البَابِ. وَفِي صَدْرِهِ، لَا يَزَالُ دِفْءُ تِلْكَ الكَلِمَاتِ الأَخِيرَةِ يُقَاوِمُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ وَرَاءَ هَذَا البَابِ.
وَاللَّوْحُ الطِّينِيُّ فِي يَدِهِ بَدَأَ يَشْعُرُ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى، بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مَا قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ اللَّحْظَةُ.
