متحف الأيام المفقودة 26

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصلُ السَّادِسُ وَالعِشرُون: حَارِسُ الغَابَة – (الشَّامَانُ الأَمَازُونِيُّ — خَمسٌ وَسِتُّونَ سَنَة | غَابَاتُ الأَمَازُون — الحَاضِر) – «الطَّبِيعَةُ كَذَاكِرَةٍ حَيَّةٍ تُقرَأُ وَلَا تُكتَب»
________________________________________
تَغَيَّرَ الهَوَاءُ فَجأَةً.
لَم يَكُن تَغَيُّراً تَدرِيجِيَّاً يَسمَحُ لِلعَقلِ بِأَن يَتَهَيَّأَ لَهُ أَو يَتَقَبَّلَهُ بِهُدُوء، بَل كَانَ انقِلَاباً مَفاجِئاً وَشَامِلاً، كَمَا لَو أَنَّ كَوناً بِأَسرِهِ قَد أُسدِلَ السِّتَارُ عَلَيهِ وَفُتِحَ كَونٌ آخَرُ مَكانَه فِي لَحظَةٍ وَاحِدَة.
أَصبَحَ الهَوَاءُ كَثِيفاً رَطِباً دَافِئاً، يَحمِلُ رَائِحَةَ تُرَابٍ مَبلُولٍ وَأَوراقٍ مُتَعَفِّنَةٍ وَزُهُورٍ لَا اسمَ لَهَا عِندَ سَامِر.
مَلأَت أُذُنَيهِ أَصوَاتٌ لَم يَسمَعهَا قَطُّ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا، أَصوَاتُ حَشَرَاتٍ بِطُنِينٍ مُتَشَعِّبٍ لَا يُشبِهُ طَنِينَ أَيِّ حَشَرَةٍ يَعرِفُهَا، وَصَيَاحُ طُيُورٍ لَم يَتَخَيَّل أَن يَكُونَ لَهَا أَن تُصدِرَ هَذِهِ الأَلحَانَ المُعَقَّدَةَ الغَرِيبَة، وَصَوتُ مِيَاهٍ جَارِيَةٍ يَصِلُ مِن بَعِيدٍ كَهَمسٍ مُستَمِرٍّ لَا يَنقَطِع.
ارتَفَعَت حَولَهُ أَشجَارٌ عِمَلاقَةٌ بِجُذُوعٍ أَضخَمَ مِن غُرَفٍ كَامِلَة، تَمتَدُّ جُذُورُهَا البَارِزَةُ فَوقَ التُّرَابِ كَأَذرُعٍ ضَخمَةٍ تَتَشَابَكُ وَتَتَعَانَق، وَتَمتَدُّ سَوَاقِيهَا إِلَى أَعلَى حَتَّى تَختَفِيَ فِي سَقفٍ مِن أَوراقٍ خَضرَاءَ كَثِيفَةٍ تَحجُبُ السَّمَاءَ تَقرِيباً بِالكَامِل، فَلَا يَصِلُ مِن ضَوءِ الشَّمسِ إِلَّا خُيُوطٌ ذَهَبِيَّةٌ رَفِيعَةٌ تَتَسَرَّبُ بَينَ الأَوراقِ وَتَسقُطُ عَلَى الأَرضِ كَشَظَايَا نُورٍ مُبَعثَرَة.
شَعَرَ سَامِر، لِوَهلَةٍ، بِأَنَّ الغَابَةَ كَائِنٌ حَيٌّ وَاحِدٌ بِعِظَمِ العَالَم، يَتَنَفَّسُ حَولَهُ بِإِيقَاعٍ بَطِيءٍ لَا تُدرِكُهُ الأُذُنُ لَكِنَّ الجِلدَ يَحُسُّهُ بِوُضُوح.
________________________________________
جَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى جِذعِ شَجَرَةٍ سَاقِطَةٍ غَطَّتهُ الطُّحلُبَاتُ الخَضرَاءُ حَتَّى كَادَ يَبدُو جُزءاً مِنهَا لَا جَالِساً عَلَيهَا.
كَانَ فِي الخَامِسَةِ وَالسِّتِّينَ مِن عُمرِهِ تَقرِيباً، أَو هَكَذَا بَدَا لِسَامِر، وَإِن كَانَ التَّخمِينُ عَسِيراً، إِذ تَحمِلُ مَلَامِحُهُ مِن العُمُقِ وَالأَصَالَةِ مَا يَتَجَاوَزُ الأَرقَام.
كَانَت بَشَرَتُهُ بُنِّيَّةً غَامِقَةً تَتَقَاطَعُ عَلَيهَا تَجَاعِيدُ عَمِيقَةٌ كَخَرِيطَةِ أَرضٍ قَدِيمَة، وَعَينَاهُ سَوداوَانِ لَامِعَتَانِ تَحمِلَانِ فِي عُمقِهِمَا شَيئاً يَصعُبُ وَصفُهُ، شَيئاً يُشبِهُ الهُدُوءَ المُطلَقَ الَّذِي لَا يَعرِفُهُ مَن لَم يَقضِ عُمُرَهُ يَستَمِعُ إِلَى الصَّمت.
ارتَدَى زِينَةً بَسِيطَةً مِن رِيشٍ مُلَوَّنٍ، حَمرَاءَ وَزُرقَاءَ وَبَيضَاءَ وَبُنِّيَّة، مُرَتَّبَةً بِعِنَايَةٍ حَولَ رَقَبَتِهِ وَذِرَاعَيهِ كَمَا لَو أَنَّ كُلَّ رِيشَةٍ مَوضُوعَةٌ فِي مَكَانِهَا الدَّقِيقِ بِقَصدٍ وَمَعنَى لَا بِمُجَرَّدِ الزِّينَة.
بَينَ أَصَابِعِهِ الغَلِيظَةِ المُتَجَعِّدَةِ غُليُونٌ صَغِيرٌ مَنحُوتٌ مِن خَشَبٍ دَاكِن، دَخَانُهُ يَتَصَاعَدُ بِبُطءٍ عَجِيبٍ كَأَنَّهُ يَرفُضُ أَن يَتَفَرَّقَ وَيَتَبَدَّد، يَظَلُّ فَترَةً مُعَلَّقاً فِي الهَوَاءِ يَتَشَكَّلُ وَيَتَحَوَّلُ وَيَرسُمُ خُطُوطاً وَمَنحَنَيَاتٍ وَكَأَنَّ يَداً خَفِيَّةً تُحَرِّكُهُ بِقَصد.
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى سَامِرٍ حِينَ اقتَرَبَ، لَا بِالدَّهشَةِ الَّتِي يَنظُرُ بِهَا أَحَدٌ يَرَى غَرِيباً يَهبِطُ مِن لَا مَكَان، بَل بِالهُدُوءِ الَّذِي يَنظُرُ بِهِ مَن كَانَ يَنتَظِرُ هَذِهِ اللَّحظَةَ مِنذُ زَمَن.
قَالَ بِصَوتٍ عَمِيقٍ أَجَشَّ يَخرُجُ مِن صَدرِهِ كَمَا يَخرُجُ الصَّوتُ مِن جَوفِ شَجَرَةٍ عَتِيقَة:
ـ تَنَفَّسْ بِعُمقٍ، أَيُّهَا الغَرِيب.
تَوَقَّفَ، أَطَالَ سَحبَةً مِن غُليُونِهِ، ثُمَّ أَكمَل:
ـ هَذِهِ الغَابَةُ تَتَكَلَّم، وَلَكِنَّ قِلَّةً مِن البَشَرِ يَعرِفُونَ كَيفَ يُصغُون.
________________________________________
قَالَ سَامِر، وَهُوَ يَجلِسُ عَلَى الأَرضِ المُغَطَّاةِ بِأَوراقٍ طَرِيَّة:
ـ أَنَا سَامِر.
ابتَسَمَ الرَّجُلُ ابتِسَامَةً هَادِئَة، لَا تَتَعَجَّلُ:
ـ أَنَا حَارِسُ هَذِهِ الغَابَة، طَبِيبُهَا الرُّوحِيُّ، مَن يَقرَأُ إِشَارَاتِهَا لِقَبِيلَتِي.
تَوَقَّفَ لَحظَةً، ثُمَّ أَضَاف:
ـ لَا أَملِكُ اسماً وَاحِداً يَكفِي لِوَصفِ مَا أَكُون، فَأَنَا أَتَغَيَّرُ بِقَدرِ مَا تَتَغَيَّرُ الغَابَةُ نَفسُهَا، وَالغَابَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَن التَّغَيُّرِ أَبَدَاً.
نَظَرَ سَامِرٌ حَولَهُ بِدَهشَةٍ مُمزُوجَةٍ بِشَيءٍ يُشبِهُ الرَّهبَة، ثُمَّ سَأَل:
ـ قُلتَ إِنَّ الغَابَةَ تَتَكَلَّم. مَاذَا تَقصِدُ بِالضَّبط؟
________________________________________
أَشَارَ الشَّامَانُ بِيَدِهِ إِشَارَةً وَاسِعَةً تَشمَلُ الأَشجَارَ وَالنَّهرَ القَرِيبَ وَالحَشَرَاتِ الطَّنَّانَةَ وَكُلَّ مَا تَقَعُ عَلَيهِ العَين:
ـ كُلُّ شَيءٍ هُنَا يَحمِلُ ذَاكِرَة، يَا سَامِر، لَكِنَّهَا ذَاكِرَةٌ لَا تُكتَبُ بِحُرُوفٍ كَمَا تَفعَلُون أَنتُم.
وَقَفَ، اتَّجَهَ نَحوَ شَجَرَةٍ ضَخمَةٍ مِن جُذُوعِهَا العَتِيقَة، وَوَضَعَ يَدَهُ الغَلِيظَةَ عَلَيهَا بِرِفقٍ كَبِيرٍ كَمَن يَلمِسُ جَبهَةَ صَدِيقٍ عَزِيز:
ـ هَذِهِ الشَّجَرَةُ تَتَذَكَّرُ كُلَّ جَفَافٍ مَرَّت بِهِ مِنذُ مِئَاتِ السِّنِين، تَتَذَكَّرُ كُلَّ عَاصِفَةٍ اجتَاحَت هَذِهِ الغَابَة، كُلَّ حَرِيقٍ اقتَرَبَ مِنهَا وَابتَعَد.
ثُمَّ لَمَسَ بِأُصبُعِهِ الجِلدَ الخَارِجِيَّ لِلجِذعِ بِتَمَعُّن:
ـ ذَاكِرَتُهَا مَحفُورَةٌ فِي حَلَقَاتِهَا الدَّاخِلِيَّة، خَطٌّ رَفِيعٌ يَعنِي سَنَةَ جَفَاف، خَطٌّ عَرِيضٌ يَعنِي سَنَةَ وَفرَة، اصطِرَاعٌ فِي الأَلوَانِ يَعنِي مَرَضاً أَو حَرِيقاً أَو ضُغُوطَاً خَفِيَّة.
ثُمَّ أَشَارَ نَحوَ النَّهرِ الَّذِي تَلمَعُ مِيَاهُهُ بَعِيداً بَينَ الأَشجَار:
ـ وَالنَّهرُ يَتَذَكَّرُ كُلَّ فَيَضَانٍ مَرَّ بِهِ عَبرَ شَكلِ ضِفَافِهِ وَمَسَارِهِ المُتَعَرِّج، حَتَّى الحَشَرَاتُ الَّتِي تَطِيرُ حَولَنَا الآنَ تَحمِلُ فِي سُلُوكِهَا الغَرِيزِيِّ ذَاكِرَةَ أَجيَالٍ طَوِيلَةٍ لَا حَصرَ لَهَا.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَعَينَاهُ لَا تَزَالَانِ تَتَتَبَّعَانِ حَرَكَةَ دَخَانِ الغُليُون:
ـ هَذَا يُشبِهُ مَا تَحَدَّثَت عَنهُ الخَلِيَّةُ الأُولَى مَعِي فِي بِدَايَةِ رِحلَتِي، حِينَ ذَكَرَت الذَّاكِرَةَ الجِينِيَّةَ الَّتِي تَنتَقِلُ عَبرَ الأَجيَالِ خَارِجَ نِطَاقِ الوَعيِ المُباشِر.
أَومَأَ الشَّامَانُ بِرَأسِهِ بِحَركَةٍ بَطِيئَةٍ وَاثِقَة، كَمَن يَسمَعُ شَيئاً كَانَ يَعرِفُهُ مِن زَمَنٍ بَعِيد:
ـ نَعَم، رُبَّمَا تُشبِهُ شَيئاً قَابَلتَهَا فِي رِحلَتِك.
ثُمَّ عَادَ إِلَى مَقعَدِهِ عَلَى الجِذعِ المُغَطَّى بِالطُّحلُبَاتِ وَاستَأنَف:
ـ نَحنُ، فِي تَقَالِيدِنَا العَتِيقَة، لَا نَفصِلُ بَينَ الذَّاكِرَةِ البِيُولُوجِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ الرُّوحِيَّةِ بِنَفسِ الحِدَّةِ الَّتِي يَفصِلُ بِهَا عِلمُكُم الحَدِيث.
أَطَالَ النَّظَرَ فِي أَوراقِ الغَابَةِ العُلوِيَّةِ الَّتِي تَتَحَرَّكُ فِي نَسِيمٍ خَفِيفٍ لَا يُحَسُّ مِن الأَسفَل:
ـ كُلُّ شَيءٍ حَيٍّ يَحمِلُ ذَاكِرَة، وَكُلُّ ذَاكِرَة، بِطَرِيقَةٍ مَا، حَيَّة.
________________________________________
سَأَلَ سَامِر، وَهُوَ يَتَّكِئُ إِلَى الخَلفِ مُحاوِلاً استِيعَابَ مَا يَسمَع:
ـ كَيفَ تَعَلَّمتَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الذَّاكِرَة؟
استَنشَقَ الشَّامَانُ مِن غُليُونِهِ بِبُطءٍ لَا يَتَعَجَّل، عَينَاهُ نِصفُ مُغمَضَتَين، كَمَن يَستَحضِرُ شَيئاً مِن أَعمَاقٍ بَعِيدَة:
ـ بِالصَّبرِ، أَوَّلاً وَقَبلَ كُلِّ شَيء.
وَقَفَ لَحظَةً طَوِيلَةً قَبلَ أَن يُكمِل:
ـ تَستَطِيعُ أَن تَمشِيَ عَبرَ هَذِهِ الغَابَةِ لِسَاعَاتٍ دُونَ أَن تُلَاحِظَ شَيئاً حَقِيقِيَّاً، إِن كُنتَ مُتَعَجِّلاً مُشَتَّتَ الذِّهن، تُفَكِّرُ فَقَط فِي وِجهَتِكَ النِّهَائِيَّة.
وَرَبَّتَ بِيَدِهِ عَلَى الجِذعِ الَّذِي يَجلِسُ عَلَيهِ بِحَنَانٍ حَقِيقِيّ:
ـ لَكِن إِن جَلَستَ، صَمَتَّ، فَتَحتَ كُلَّ حَوَاسِّكَ بِالكَامِل، تَبدَأُ الغَابَةُ تَكشِفُ لَكَ أَسرَارَهَا بِبُطءٍ وَاحِدٍ وَاحِدَاً: نَمَطُ طَيَرَانِ طَائِرٍ مُعَيَّنٍ يُخبِرُكَ بِتَغَيُّرِ الطَّقسِ القَادِم، وَرَائِحَةٌ مُعَيَّنَةٌ تُخبِرُكَ بِنَبَاتٍ شَافٍ قَرِيب، وَصَمتٌ مُفَاجِئٌ فِي أَصوَاتِ الحَيَوَانَاتِ يُخبِرُكَ بِخَطَرٍ يَقتَرِب.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكرَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ بِبُطءٍ مُشَابِهٍ لِبُطءِ الدُّخَانِ المُتَصَاعِد:
ـ هَل تَظُنُّ أَنَّ جَسَدِي، أَو حَيَاتِي نَفسَهَا، تَحمِلُ ذَاكِرَةً مُشَابِهَةً لِيَومِي المَفقُود؟ ذَاكِرَةً لَا تُقرَأُ بِالتَّفكِيرِ المُباشِرِ وَالبَحثِ المُتَعَجِّل، بَل بِصَبرٍ مُشَابِهٍ لِصَبرِكَ أَنتَ مَعَ إِشَارَاتِ الغَابَة؟
أَومَأَ الشَّامَانُ بِرَأسِهِ بِحَمَاسٍ هَادِئٍ لَا يَصخَب:
ـ هَذَا سُؤَالٌ مُمتَاز، وَأَظُنُّ أَنَّ الإِجَابَةَ نَعَم، بِطَرِيقَةٍ مَا.
ثُمَّ أَشَارَ إِلَيهِ بِأُصبُعٍ هَادِئَة:
ـ أَنتَ تَبحَثُ عَن يَومِكَ المَفقُودِ بِعَقلِكَ المُتَعَجِّل، تُرِيدُ إِجَابَةً وَاضِحَةً فَورِيَّة، كَمَا لَو كُنتَ تَبحَثُ عَن طَرِيقٍ مُختَصَرٍ عَبرَ هَذِهِ الغَابَةِ الكَثِيفَة.
نَظَرَ إِلَى الأَشجَارِ مِن حَولِهِمَا:
ـ لَكِنَّ الغَابَةَ لَا تُقَدِّمُ طُرُقاً مُختَصِرَة. وَرُبَّمَا يَومُكَ يَحتَاجُ مِنكَ نَوعاً مُختَلِفاً مِن الإِصغَاءِ، أَبطَأَ بِكَثِير، أَقَلَّ تَوجِيهاً مُباشِراً، أَشبَهَ بِكَيفِيَّةِ إِصغَائِي أَنَا لِإِشَارَاتِ الغَابَةِ حِينَ أَجلِسُ هُنَا سَاعَاتٍ دُونَ أَن أَنتَظِرَ شَيئاً بِعَيِنِه.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَفِي صَوتِهِ لَهَجَةُ المَن يُحَاوِلُ أَن يَتَعَلَّمَ مَهَارَةً لَا يَعرِفُ عَنهَا سِوَى الاسم:
ـ كَيفَ أَفعَلُ هَذَا عَمَلِيَّاً؟
فَكَّرَ الشَّامَانُ طَوِيلاً بِصَمتٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَتَظَاهَرُ بِالتَّفكِير، ثُمَّ قَال:
ـ ابدَأ بِمُلَاحَظَةِ جَسَدِكَ دُونَ مُحَاوَلَةِ فَهمِهِ فَوراً.
وَاستَعرَضَ بِأُصبُعِهِ فِي الهَوَاءِ كَمَن يَكتُبُ خُطوَاتٍ عَلَى لَوحٍ غَيرِ مَرئِيّ:
ـ لَاحِظ مَتَى يَتَوَتَّر، وَمَتَى يَرتَاح، وَفِي أَيِّ مَوَاقِفَ بِالضَّبط، وَمَعَ مَن، وَعِندَ سَمَاعِ أَيِّ كَلِمَاتٍ أَو أَصوَاتٍ أَو رَوَائِح.
وَنَظَرَ إِلَيهِ نَظرَةً مُباشِرَة:
ـ لَا تُحَاوِل أَن تَربِطَ هَذَا فَوراً بِتَفسِيرٍ مَنطِقِيٍّ كَامِل. فَقَط اجمَعِ المُلَاحَظَات، كَمَا يَجمَعُ حَارِسُ الغَابَةِ مُلَاحَظَاتِهِ عَن أَنمَاطِ الطَّبِيعَةِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ أَحيَاناً قَبلَ أَن يَبدَأَ النَّمَطُ الكَامِلُ بِالظُّهُورِ بِوُضُوح.
قَالَ سَامِر وَفِي صَوتِهِ أَثَرٌ مِن إِحسَاسٍ بِضَخَامَةِ المَطلُوب:
ـ هَذَا يَتَطَلَّبُ صَبراً كَبِيراً جِدَّاً.
ضَحِكَ الشَّامَانُ ضَحكَةً هَادِئَةً عَمِيقَةً تَنبَعُ مِن مَكَانٍ دَاخِلِيٍّ مُطمَئِنٍّ لَا مِن المَوقِفِ الخَارِجِيّ:
ـ الطَّبِيعَةُ لَا تَستَعجِلُ أَبَداً، يَا سَامِر.
وَأَشَارَ إِلَى الجِذعِ الضَّخمِ الَّذِي يَجلِسُ عَلَيه:
ـ هَذِهِ الشَّجَرَةُ الَّتِي أَجلِسُ عَلَى جِذعِهَا الآنَ اسْتَغرَقَت قُرُوناً كَامِلَةً لِتَنمُوَ إِلَى هَذَا الحَجمِ الهَائِل. قُرُوناً مِن الصَّبرِ الصَّامِتِ الَّذِي لَا يَشكُو وَلَا يَتَضَجَّر. فَلِمَاذَا تَتَوَقَّعُ أَنتَ أَن تَحُلَّ لُغزَ يَومِكَ المَفقُودِ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَة؟
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِحرَاجٍ خَفِيفٍ يَنبَعُ مِن مَكَانٍ صَادِقٍ فِي الدَّاخِل:
ـ أَنتَ مُحِقّ. أَعِيشُ فِي زَمَنٍ يَطلُبُ إِجَاباتٍ سَرِيعَةً لِكُلِّ شَيءٍ حَتَّى لِلأَشيَاءِ الَّتِي لَا تَنتَمِي بِطَبِيعَتِهَا إِلَى السُّرعَة.
أَومَأَ الشَّامَانُ بِتَفَهُّمٍ لَا يَنطَوِي عَلَى أَيِّ شَعُورٍ بِالتَّفَوُّق:
ـ هَذَا أَحَدُ أَعمَقِ أَمرَاضِ زَمَنِكُم، حَسبَ مَا سَمِعتُهُ مِن زُوَّارٍ سَابِقِينَ أَتَوا إِلَيَّ مِن عَالَمِكُم.
وَرَسَمَ بِيَدِهِ قَوسَيناً فِي الهَوَاءِ كَمَن يَزِنُ شَيئَين:
ـ أَنتُم تَملِكُونَ أَدَوَاتٍ هَائِلَة، مَعرِفَةً عِلمِيَّةً وَاسِعَةً مُذهِلَة، سُرعَةً فِي نَقلِ المَعلُومَاتِ لَم تَعرِفهَا البَشَرِيَّةُ مِن قَبل. لَكِنَّكُم فَقَدتُم، إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ جِدَّاً، القُدرَةَ عَلَى الصَّبرِ الحَقِيقِيّ، عَلَى الإِصغَاءِ الطَّوِيلِ البَطِيء. هَذَا يَجعَلُكُم سَرِيعِينَ فِي إِيجَادِ إِجَاباتٍ سَطحِيَّة، لَكِن بَطِيئِينَ جِدَّاً فِي الوُصُولِ إِلَى فَهمٍ عَمِيقٍ حَقِيقِيٍّ يَصمُدُ مَعَ الزَّمَن.
________________________________________
سَأَلَ سَامِر، وَقَد نَضِجَ فِيهِ الاستِعدَادُ لِلاستِمَاع:
ـ مَاذَا تَنصَحُنِي تَحدِيدَاً؟ كَيفَ أَبدَأُ هَذَا الإِصغَاءَ البَطِيءَ لِيَومِي المَفقُود؟
نَظَرَ الشَّامَانُ إِلَى دُخَانِ غُليُونِهِ يَتَصَاعَدُ بِبُطءٍ كَأَنَّهُ يَقرَأُ فِيهِ جَوَابَهُ قَبلَ أَن يَنطِقَ بِه:
ـ اخرُج إِلَى الطَّبِيعَةِ بِانتِظَام، إِن استَطَعت، وَلَو لِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الأُسبُوع. اجلِس فِي صَمتٍ حَقِيقِيٍّ لَا تَتَظَاهَرُ بِهِ، بِلَا هَاتِف، بِلَا كِتَاب، بِلَا أَيِّ مُشتِّتٍ يَسرِقُ انتِبَاهَك.
ثُمَّ رَفَعَ أُصبُعَهُ بِتَأكِيد:
ـ اسمَح لِعَقلِكَ أَن يَهدَأَ، أَن يَتِيهَ قَلِيلاً بِلَا تَوجِيهٍ صَارِم. أَحيَاناً، الذِّكرَيَاتُ المَفقُودَةُ لَا تَأتِي حِينَ نَبحَثُ عَنهَا بِعَزمٍ مُباشِر، بَل حِينَ نَمنَحُ أَنفُسَنَا فَرَاغاً كَافِياً وَهُدُوءاً حَقِيقِيَّاً لِتَظهَرَ فِيهِ بِهُدُوئِهَا الخَاصِّ الَّذِي لَا تُعَجِّلُهُ الإِرَادَة.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَفِي صَوتِهِ شَيءٌ مِن الجُرأَةِ اللَّازِمَةِ لِطَرحِ سُؤَالٍ شَخصِيٍّ عَلَى غَرِيب:
ـ هَل جَرَّبتَ هَذَا بِنَفسِك؟ مَعَ ذِكرَيَاتٍ صَعبَةٍ أَو أَسئِلَةٍ أَلِيمَةٍ فِي حَيَاتِك؟
أَومَأَ الشَّامَانُ بِرَأسِهِ، وَحَمَلَت نَظرَةُ عَينَيهِ ذِكرَى عَمِيقَةً يَعرِفُ صَاحِبُهَا وَزنَهَا:
ـ نَعَم. فَقَدتُ ابنِي الأَكبَرَ مِنذُ سَنَوَاتٍ، فِي حَادِثٍ فِي النَّهرِ ذَاتِهِ الَّذِي تَسمَعُ صَوتَهُ الآنَ مِن بَعِيد.
صَمَتَ لَحظَةً طَوِيلَةً، وَالغَابَةُ مِن حَولِهِمَا تَواصَلُ حَيَاتَهَا المُستَمِرَّةَ بِلَا مُبَالَاةٍ بِأَحزَانِ البَشَر:
ـ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَاوَلتُ أَن أَفهَمَ “لِمَاذَا” بِعَقلِي المُبَاشِرِ الَّذِي أَرَادَ إِجَابَةً وَاضِحَةً وَتَفسِيراً مَنطِقِيَّاً كَامِلَاً.
وَهَزَّ رَأسَهُ بِحَركَةٍ تَنطَوِي عَلَى ذِكرَى أَلَمٍ بَعِيد:
ـ لَم أَصِل إِلَى شَيءٍ سِوَى أَلَمٍ مُضَاعَف. لَكِن حِينَ تَوَقَّفتُ عَن البَحثِ المُباشِر، وَبَدَأتُ فَقَط أَجلِسُ مَعَ الغَابَةِ كَمَا كُنتُ أَجلِسُ مَعَهَا مِن قَبل، أُصغِي، أَتَأَمَّل، أُلَاحِظُ بِلَا أَن أَطلُب، بَدَأتُ أَفهَمُ شَيئاً مُختَلِفاً تَمَاماً.
وَتَوَقَّفَ وَكَأَنَّهُ يَختَارُ كَلِمَاتِهِ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَة:
ـ لَيسَ “لِمَاذَا” بِالمَعنَى المَنطِقِيّ، بَل نَوعاً مِن السَّلَامِ مَعَ الغُمُوضِ نَفسِهِ، قُدرَةً عَلَى العَيشِ مَعَ سُؤَالٍ لَا يَملِكُ جَوَاباً دُونَ أَن يَكُونَ ذَلِكَ مَصدَرَ عَذَابٍ مُستَمِرٍّ لَا يَنقَطِع.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ يَملَأُ صَدرَهُ فَجأَة:
ـ أَنَا آسِفٌ لِخَسَارَتِكَ.
أَومَأَ الشَّامَانُ بِهُدُوءٍ يَحمِلُ فِيهِ أَثَرُ السَّلَامِ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنهُ، وَكَأَنَّهُ تَصَالَحَ مَعَ هَذَا الأَلَمِ القَدِيمِ تَصَالُحاً حَقِيقِيَّاً لَا يَتَظَاهَرُ بِالنِّسيَان:
ـ شُكرَاً لَكَ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا أَيضاً جُزءٌ مِن الدَّرسِ الَّذِي أُحَاوِلُ أَن أَنقُلَهُ إِلَيكَ اليَوم.
وَنَظَرَ إِلَيهِ نَظرَةً مُباشِرَةً صَافِيَة:
ـ أَحيَاناً، السَّلَامُ لَا يَأتِي مِن حَلِّ اللُّغزِ كَامِلاً وَامتِلَاكِ الإِجَابَةِ الكَامِلَةِ الوَاضِحَة، بَل مِن تَغيِيرِ عَلَاقَتِنَا بِاللُّغزِ نَفسِه، مِن أَن نَتَعَلَّمَ كَيفَ نَجلِسُ مَعَ السُّؤَالِ بِلَا أَن نُعَذِّبَ أَنفُسَنَا بِضَرُورَةِ إِجَابَتِهِ الفَوِريَّة.
________________________________________
بَدَأَت الغَابَةُ الكَثِيفَةُ تَخفُتُ تَدرِيجِيَّاً، كَمَن يُسدِلُ سِتَارَةً خَضرَاءَ ضَخمَةً بِهُدُوءٍ لَا يَستَعجِل.
أَصوَاتُ الحَشَرَاتِ وَالطُّيُورِ تَتَلَاشَى وَاحِداً وَاحِداً كَنُوتَاتٍ مُوسِيقِيَّةٍ تَبتَعِدُ عَن الأُذُنِ شَيئاً فَشَيئاً، حَتَّى لَم يَبقَ مِنهَا إِلَّا صَدَى يَتَلَاشَى.
وَبَقِيَت كَلِمَاتُ الشَّامَانِ الأَخِيرَةُ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهنِ سَامِرٍ كَحَجَرٍ أُلقِيَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ وَوَسَّعَ دَوَائِرَهُ إِلَى مَا لَا يَنتَهِي.
________________________________________
حِينَ عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَادِ الهَادِئ، كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ كَالمُعتَاد، وَاقِفاً بِجَانِبِ بَابٍ جَدِيدٍ يَحمِلُ نَقشاً لِعَجَلَةٍ دَائِرِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ تَدُورُ فِي نَفسِهَا إِلَى مَا لَا نِهَايَة.
قَالَ العَجُوزُ بِنَبرَتِهِ الَّتِي تَحمِلُ دَائِماً شَيئاً مِن غَمزِ الخَبِيرِ الَّذِي يَعرِفُ أَكثَرَ مِمَّا يَقُول:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَة، يَا سَامِر، تَحمِلُ صَوتَ فَتَاةٍ صَغِيرَة، تَحمِلُ سُؤَالاً مُختَلِفاً تَمَاماً عَمَّا سَمِعتَهُ حَتَّى الآن.
وَابتَسَمَ ابتِسَامَةً خَفِيفَةً قَبلَ أَن يُضِيف:
ـ سَتَسأَلُكَ هَذِهِ الفَتَاةُ: هَل نَحمِلُ ذَاكِرَةَ حَيَوَاتٍ سَابِقَةٍ عِشنَاهَا قَبلَ أَن نُولَدَ فِي هَذَا الجَسَدِ الحَالِيّ؟
وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِقبَضِ البَاب، مُنتَظِراً.

متحف الأيام المفقودة 27