متحف الأيام المفقودة 29

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفصل التاسع والعشرون – العالِمَةُ المُسلِمَة – قُرطُبَة — سَنَةُ أَلفٍ مِيلادِيَّة – «العِلمُ وَالإِيمانُ وَالذَّاكِرَةُ الحَضارِيَّة»
________________________________________
كانَتِ القاعَةُ التَّالِيَةُ تَختَلِفُ عَن سابِقَاتِها اختِلافاً جَوهَرِيَّاً؛ لَم تَكُن أَثَرِيَّةً صامِتَةً تَحمِلُ رَوائِحَ الغُبارِ وَالنِّسيانِ، بَل كانَت حَيَّةً نابِضَةً كَالقَلبِ في صَدرِ رَجُلٍ يَعدو.
دَخَلَ سامِرٌ فَوَجَدَ نَفسَهُ وَسَطَ مَكتَبَةٍ فَخمَةٍ تَتَنَفَّسُ العِلمَ مِن كُلِّ رُكنٍ فيها.
كانَتِ الرُّفوفُ تَمتَدُّ مِن الأَرضِ إِلى السَّقفِ كَأَعمِدَةٍ خَشَبِيَّةٍ تَحمِلُ ثِقَلَ الحَضارَةِ كُلِّها، وَكانَت المَخطوطاتُ المَصفوفَةُ عَليها تَرتَدي أَغلِفَتَها الجِلدِيَّةَ الأَنيقَةَ كَما يَرتَدي الكُرَماءُ أَردِيَتَهُم، بِكَرَمٍ هادِئٍ لا يَحتاجُ إِعلاناً.
في وَسَطِ هذا الثَّراءِ المَعرِفِيِّ كانَت تَجلِسُ امرَأَةٌ في السَّادِسَةِ والثَّلاثينَ.
لَم تَكُن تَجلِسُ بِالمَعنى العادِيِّ لِلكَلِمَةِ، بَل كانَت مُنغَمِسَةً في عَمَلِها انغِماساً جَعَلَها تَبدو كَأَنَّها لَم تَرَ أَحَداً دَخَلَ وَلَن تَرى أَحَداً خَرَجَ.
كانَت أَمامَها طاوِلَةٌ كَبيرَةٌ تَزدَحِمُ فَوقَها أَدَواتٌ فَلَكِيَّةٌ نَحاسِيَّةٌ لامِعَةٌ، وَكُتُبُ طِبٍّ مَفتوحَةٌ على صَفَحاتٍ مُحَدَّدَةٍ كَأَنَّ صاحِبَتَها تُحاوِرُها لا تَقرَأُها فَحَسب.
وَكانَت هِيَ تَكتُبُ.
تَكتُبُ بِتَرَكُّزٍ شَديدٍ كَذَلِكَ الَّذي يَمتَلِكُهُ الَّذِينَ يَعرِفونَ قِيمَةَ كُلِّ لَحظَةٍ تَمُرُّ، فَلا يَسمَحونَ لِلوَقتِ أَن يَنزَلِقَ مِن بَينِ أَصابِعِهِم دونَ أَن يُودِعوا فيهِ شَيئاً يَستَحِقُّ البَقاءَ.
رَفَعَت رَأسَها حينَ سَمِعَت خُطُواتِ سامِرٍ، فَلَم يَكُن في عَينَيها انزِعاجٌ وَلا تَرحيبٌ مُبالَغٌ فيهِ، بَل كانَ فيهِما شَيءٌ أَعمَقُ مِن كِلَيهِما: الانتِباهُ الهادِئُ لِمَن يَعيشُ داخِلَ عَقلِهِ وَلَكِنَّهُ لا يَرفُضُ العالَمَ الخارِجِيَّ حينَ يَطرُقُ بابَه.
قالَت بِنَبرَةٍ دافِئَةٍ لا تَخلو مِن انشِغالٍ حَقيقِيٍّ:
ـ أَهلاً بِكَ.
اعذُر انشِغالي، فَأَنا أُحاوِلُ إِنهاءَ فَصلٍ في كِتابٍ عَنِ الأَمراضِ الباطِنِيَّةِ قَبلَ أَن يَحينَ مَوعِدُ صَلاتي.
جَلَسَ سامِرٌ عَلى مَقعَدٍ قَريبٍ مِن طاوِلَتِها، شاعِراً بِشَيءٍ يَشبِهُ الارتِياحَ في هذا الفَضاءِ المُعَطَّرِ بِرائِحَةِ المَخطوطاتِ وَحِبرِ الأَقلامِ القَديمَةِ.
قالَ:
ـ أَنا سامِر.
ثُمَّ سَأَلَ سُؤالاً كانَ يَتَشَكَّلُ في ذِهنِهِ مُنذُ أَن وَضَعَ قَدَمَهُ عَلى عَتَبَةِ هذِهِ المَكتَبَةِ:
ـ كَيفَ تُوَفِّقينَ بَينَ العِلمِ وَالإِيمانِ، في وَقتٍ واحِدٍ، بِهذا الانسِجامِ؟
رَفَعَت رَأسَها وَابتَسَمَت.
لَم تَكُن ابتِسامَتُها ابتِسامَةَ مَن يَحتَقِرُ سُؤالاً سَمِعَهُ كَثيراً، بَل كانَت ابتِسامَةَ مَن يَعرِفُ أَنَّ السُّؤالَ نَفسَهُ، مَهما كَرَّرَهُ النَّاسُ، يَستَحِقُّ جَواباً حَقيقِيَّاً في كُلِّ مَرَّةٍ.
قالَت:
ـ سُؤالٌ جَميلٌ، يَطرَحُهُ عَليَّ كَثيرونَ مِمَّن يَظُنُّونَ أَنَّ هناكَ تَناقُضاً جَوهَرِيَّاً بَينَهُما.
في تَجرِبَتي، وَفي تَجرِبَةِ كَثيرينَ مِن عُلَماءِ حَضارَتِنا، العِلمُ وَالإِيمانُ لَيسا مُتَناقِضَين، بَل مُتَكامِلَين بِعُمقٍ.
قالَ سامِرٌ وَهُوَ يُمِيلُ رَأسَهُ بِاهتِمامٍ حَقيقِيٍّ:
ـ كَيفَ ذَلِك؟
أَشارَت إِلى المَخطوطاتِ المُحيطَةِ بِها إِشارَةً تَشمَلُ كُلَّ شَيءٍ في هذِهِ القاعَةِ، كَأَنَّها تَقولُ: “اُنظُر، الجَوابُ هُنا في كُلِّ مَكانٍ”:
ـ نَحنُ نُؤمِنُ أَنَّ الكَونَ كُلَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ الخالِق.
وَأَنَّ دِراسَتَهُ بِعُمقٍ، بِفُضولٍ وَعَقلٍ نَقدِيٍّ، هِيَ شَكلٌ مِن أَشكالِ العِبادَةِ في حَدِّ ذاتِها.
كُلَّما فَهِمنا تَعقيدَ الجَسَدِ البَشَرِيِّ وَدِقَّةَ حَرَكَةِ الكَواكِبِ وَتَعقيدَ التَّفاعُلاتِ الكيمِيائِيَّةِ، كُلَّما اقتَرَبنا أَكثَرَ مِن فَهمِ عَظَمَةِ الخَلقِ نَفسِهِ.
خُذ مَثَلاً بَسيطاً: حينَ أَدرُسُ عَينَ الإِنسانِ وَأَعرِفُ كَيفَ تُفَرِّقُ بَينَ سَبعَةِ مَلايينَ لَونٍ، وَكَيفَ تَرى في الظَّلامِ وَفي الضَّوءِ الساطِعِ مَعاً، وَكَيفَ تُرسِلُ إِشاراتٍ إِلى الدِّماغِ بِسُرعَةٍ تَفوقُ ما نَستَطيعُ قِياسَه، لا أَشعُرُ في تِلكَ اللَّحظَةِ بِأَنَّني أَبتَعِدُ عَنِ الإِيمانِ.
أَشعُرُ بِأَنَّني أَقتَرِبُ مِنهُ أَكثَرَ مِمَّا لَو ظَلَلتُ في بَيتي أَتَأَمَّلُ دونَ أَن أَفهَمَ شَيئاً.
شَعَرَ سامِرٌ بِإِعجابٍ حَقيقِيٍّ يَتَصاعَدُ في صَدرِهِ كَدُخانٍ عَطِرٍ لَطيفٍ، لَكِنَّهُ أَراداَ أَن يَدفَعَ الحِوارَ أَعمَقَ، فَسَأَلَ:
ـ هذا مَنظَرٌ جَميلٌ بِلا شَكٍّ.
لَكِن أَلا تُواجِهينَ أَحياناً تَعارُضاً بَينَ ما يَكشِفُهُ العِلمُ وَما تَنُصُّ عَليهِ النُّصوصُ الدِّينِيَّةُ حَرفِيَّاً؟
فَكَّرَت طَويلاً قَبلَ أَن تُجيبَ.
لَم يَكُن هذا التَّفكيرُ تَظاهُراً بِالعُمقِ، بَل كانَ تَفكيراً حَقيقِيَّاً، كَتِلكَ التَّوقُّفاتِ الَّتي يَفعَلُها الَّذينَ اعتادوا أَن يَزِنوا كَلِماتِهِم قَبلَ أَن يُطلِقوها في الهَواءِ.
قالَت بِدِقَّةٍ مَن عَرَفَ طَعمَ التَّفكيرِ العَميقِ وَلا يَرضى بِما هُوَ دونَهُ:
ـ أَحياناً، نَعَم، يَبدو تَعارُضٌ ظاهِرِيٌّ.
لَكِنَّني تَعَلَّمتُ، عَبرَ سَنَواتِ دِراسَتي، أَنَّ هذا التَّعارُضَ غالِباً ما يَكونُ في فَهمِنا البَشَرِيِّ المَحدودِ لِلنُّصوصِ، لا في النُّصوصِ نَفسِها وَلا في الحَقيقَةِ العِلمِيَّةِ نَفسِها.
حينَ أَصِلُ إِلى تَعارُضٍ ظاهِرِيٍّ، أَتَعامَلُ مَعَهُ بِتَواضُعٍ: إِمَّا أَنَّ فَهمي لِلنَّصِّ يَحتاجُ إِعادَةَ نَظَرٍ، أَو أَنَّ فَهمي العِلمِيَّ ما زالَ ناقِصاً وَيَحتاجُ لِمَزيدٍ مِنَ البَحثِ، أَو أَنَّ كِليهِما يَحتاجانِ إِلى تَطَوُّرٍ أَعمَقَ مَعَ مُرورِ الوَقتِ.
وَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ هذا مَوقِفٌ ضَعيفٌ أَو هُروبٌ مِنَ الإِجابَةِ.
بِالعَكسِ، أَعتَقِدُ أَنَّهُ المَوقِفُ الوَحيدُ الصَّادِقُ لِمَن يَحتَرِمُ عَقلَهُ وَإِيمانَهُ في آنٍ واحِدٍ.
المُؤَكَّدُ الوَحيدُ هُوَ أَنَّ الحَقيقَةَ موجودَةٌ، وَأَنَّ طَريقَنا إِليها يَستَلزِمُ أَن نَظَلَّ مُتَواضِعينَ أَمامَ حُدودِ ما نَعرِفُهُ حَتَّى الآنَ.
قالَ سامِرٌ وَهُوَ يُومِئُ بِرَأسِهِ:
ـ هذا يَتَطَلَّبُ تَواضُعاً فِكرِيَّاً كَبيراً.
أَومَأَت بِرَأسِها بِاتِّفاقٍ هادِئٍ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعلِ، وَأَعتَبِرُهُ مِن أَهَمِّ فَضائِلِ العالِمِ الحَقيقِيِّ، في أَيِّ مَجالٍ، وَفي أَيِّ دِينٍ أَو ثَقافَةٍ.
اليَقينُ المُطلَقُ الَّذي يَرفُضُ أَيَّ مُراجَعَةٍ أَو شَكٍّ بَنَّاءٍ هُوَ عَدُوُّ الفَهمِ العَميقِ، سَواءٌ في العِلمِ أَو في الإِيمانِ.
وَأَنا لا أَقولُ هذا تَنظيراً فارِغاً، بَل لِأَنَّني رَأَيتُ بِعَينَيَّ كَيفَ يَتَحَوَّلُ العِلمُ إِلى عَقيدَةٍ جامِدَةٍ حينَ يَفقِدُ عُلَماؤُهُ التَّواضُعَ، وَكَيفَ يَتَحَوَّلُ الإِيمانُ إِلى فانوسٍ خابِئٍ حينَ يَعتَقِدُ أَصحابُهُ أَنَّهُم يَملِكونَ الحَقيقَةَ كاملَةً وَلا يَحتاجونَ إِلى مَزيدٍ مِنَ البَحثِ.
في تِلكَ اللَّحظَةِ سَأَلَ سامِرٌ سُؤالاً كانَ يَلمَسُ قَلقَهُ الخاصَّ لَمساً مُباشِراً:
ـ كَيفَ تَتَعامَلينَ مَعَ الفَجَواتِ في مَعرِفَتِكِ؟
أَشياءُ لا تَستَطيعينَ تَفسيرَها بِالكامِلِ، لا عِلمِيَّاً وَلا إِيمانِيَّاً؟
ابتَسَمَت ابتِسامَةً هادِئَةً تَحمِلُ السَّلامَ الحَقيقِيَّ الَّذي لا يُشتَرى وَلا يُتَظاهَرُ بِهِ:
ـ أَتَعامَلُ مَعَها بِفُضولٍ، لا بِقَلَقٍ مَهووسٍ.
هناكَ أَشياءُ كَثيرَةٌ لا أَفهَمُها بِالكامِلِ بَعد: عَنِ الجَسَدِ البَشَرِيِّ، عَن حَرَكَةِ النُّجومِ، حَتَّى عَن بَعضِ جَوانِبِ إِيمانِي الخاصِّ.
لَكِنَّني لا أَعتَبِرُ هذِهِ الفَجَواتِ تَهديداً لِوُجودي أَو لِقيمَتي.
أَعتَبِرُها دَعوَةً مُستَمِرَّةً لِلتَّعَلُّمِ وَالبَحثِ المُتَواصِلِ.
الفَرقُ بَينَ الفُضولِ وَالقَلَقِ أَنَّ الفُضولَ يَقودُكَ إِلى الأَمامِ، وَأَمَّا القَلَقُ فَيُثَبِّتُكَ في مَكانِكَ وَيَجعَلُ الفَجوَةَ تَبدو وَكَأَنَّها تَتَّسِعُ كُلَّ يَومٍ وَإِن لَم تَتَغَيَّر.
شَعَرَ سامِرٌ بِفِكرَةٍ تَتَشَكَّلُ داخِلَهُ بِقُوَّةٍ، كَأَنَّ شَيئاً كانَ يَدورُ في فَلَكٍ بَعيدٍ بَدَأَ فَجأَةً يَجِدُ مَرسَاهُ:
ـ هذا يُشبِهُ بِالضَّبطِ ما أَحتاجُهُ بِخُصوصِ يَومي المَفقود.
فَجوَةٌ في مَعرِفَتي، لَكِنَّها لَيسَت بِالضَّرورَةِ تَهديداً، بَل رُبَّما دَعوَةٌ لِلبَحثِ المُستَمِرِّ دونَ قَلَقٍ مُسيطِرٍ عَلى حَياتي كُلِّها.
أَومَأَت بِرَأسِها بِحَماسٍ هادِئٍ، الحَماسُ الَّذي يَنبُعُ مِن فَرَحِ العالِمِ حينَ يَرى فِكرَتَهُ تَصِلُ إِلى مَن يَستَحِقُّها:
ـ بِالضَّبطِ هذا ما أُحاوِلُ أَن أُوصِلَهُ.
خُذ مَثَلاً مِن عَمَلي الطِّبِّيِّ: حينَ يَأتيني مَريضٌ بِأَعراضٍ لا أَفهَمُ سَبَبَها بِالكامِلِ، لا أَتَوَقَّفُ عَن عِلاجِهِ بِسَبَبِ جَهلي الجُزئِيِّ.
أَبذُلُ قُصارى جُهدي بِما أَعرِفُهُ، وَأُواصِلُ البَحثَ عَن فَهمٍ أَعمَقَ، وَأَظَلُّ مُتَواضِعَةً أَمامَ حُدودِ مَعرِفَتي الحالِيَّةِ.
هذِهِ ثَلاثَةُ أَفعالٍ تَجري في آنٍ واحِدٍ: أَتَصَرَّفُ بِما أَعرِفُهُ، أَبحَثُ عَمَّا لا أَعرِفُهُ، وَأَتَواضَعُ أَمامَ الهَوَّةِ بَينَهُما.
وَأَيٌّ مِن هذِهِ الأَفعالِ الثَّلاثَةِ لا يَتَطَلَّبُ قَلَقاً وَلا يَستَلزِمُ ذُعراً.
توقَّفَ سامِرٌ ثُمَّ سَأَلَ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهُ يَلمَسُ جُرحاً لا يَعرِفُ إِن كانَ قَد التَأَمَ:
ـ هَل واجَهتِ صُعوباتٍ بِسَبَبِ كَونِكِ امرَأَةً عالِمَةً في مُجتَمَعِكِ؟
خاصَّةً بَعدَ ما سَمِعتُهُ مِنَ المَرأَةِ الإِغريقِيَّةِ المَنسِيَّةِ في قاعَةٍ سابِقَةٍ؟
نَظَرَت إِليهِ نَظرَةً فيها عُمقٌ جَعَلَت سامِراً يَشعُرُ بِأَنَّها تَرى شَيئاً وَراءَ السُّؤالِ نَفسِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَت بِجِدِّيَّةٍ تَحمِلُ ذِكرَياتٍ لَم تَكُن سَهلَةً:
ـ نَعَم، واجَهتُ صُعوباتٍ، لا أُنكِرُها.
بَعضُ الرِّجالِ في مَجالي يُشَكِّكونَ في قُدُراتي فَقَط بِسَبَبِ جِنسي، يُحاوِلونَ أَحياناً تَجاهُلَ إِسهاماتي أَو نِسبَتَها لِرِجالٍ آخَرينَ.
لَقَد كَتَبتُ مَرَّةً فَصلاً كامِلاً عَن تَشخيصِ الحُمَّياتِ البَطيئَةِ، وَحينَ نُشِرَ كانَ اسمُ أُستاذي فَوقَ اسمي بِخَطٍّ أَكبَرَ، لا لِأَنَّهُ أَضافَ شَيئاً جَوهَرِيَّاً بَل لِأَنَّ اسمَهُ كانَ أَقلَّ إِثارَةً لِلتَّساؤُلاتِ.
لَكِنَّ حَضارَتَنا، في هذا الزَّمَنِ بِالذَّاتِ، في قُرطُبَةَ، أَكثَرُ انفِتاحاً نِسبِيَّاً مِن أَزمِنَةٍ وَأَماكِنَ أُخرى كَثيرَةٍ سَمِعتَ عَنها عَلى الأَرجَحِ في رِحلَتِكَ.
أَمتَلِكُ فُرصَةً حَقيقِيَّةً لِلتَّعَلُّمِ وَالتَّدريسِ وَالكِتابَةِ، حَتَّى لَو كانَت تِلكَ الفُرصَةُ لا تَزالُ مَحدودَةً مُقارَنَةً بِما يَحظى بِهِ الرِّجالُ.
سَأَلَ سامِرٌ وَفي صَوتِهِ شَيءٌ يَشبِهُ الخَشيَةَ عَلى شَيءٍ ثَمينٍ:
ـ هَل تَخافينَ أَن يُنسى عَمَلُكِ، كَما نُسِيَت تِلكَ المَرأَةُ الإِغريقِيَّة؟
صَمَتَت طَويلاً.
نَظَرَت إِلى مَخطوطاتِها بِحُبٍّ عَميقٍ، الحُبُّ الَّذي لا يَحتاجُ إِلى كَلِماتٍ وَلَكِنَّهُ يَملأُ الغُرفَةَ كُلَّها كَما يَملأُ الضَّوءُ الصُّبحِيُّ الأَشياءَ بِتَدَرُّجٍ حَنونٍ.
قالَت أَخيراً:
ـ أَخافُ، نَعَم.
لِهذا أَكتُبُ بِكُلِّ ما أَملِكُهُ مِن دِقَّةٍ وَعِنايَةٍ، آمِلَةً أَن تَبقى كَلِماتي، حَتَّى لَو نُسِيَ اسمي شَخصِيَّاً مَعَ الوَقتِ.
ما يُهِمُّني أَكثَرُ هُوَ استِمرارُ المَعرِفَةِ نَفسِها، حَتَّى لَو لَم يُنسَب الفَضلُ الكامِلُ لي شَخصِيَّاً.
فِكِّر في الأَمرِ هكَذا: نَحنُ جَميعاً قَنَواتٌ تَمُرُّ خِلالَها المَعرِفَةُ مِن جيلٍ إِلى جيلٍ.
القَناةُ لا تَسأَلُ: “هَل سَيَتَذَكَّرُ النَّاسُ اسمي أَم لا؟”
القَناةُ تَسأَلُ فَقَط: “هَل الماءُ عَذبٌ؟
هَل يَصِلُ إِلى مَن يَحتاجُهُ؟”
شَعَرَ سامِرٌ بِإِعجابٍ عَميقٍ بِهذا التَّواضُعِ النَّبيلِ الَّذي يَختَلِفُ عَن الاستِسلامِ اختِلافاً جَوهَرِيَّاً.
قالَ:
ـ هذا سَخاءٌ فِكرِيٌّ نادِرٌ.
ابتَسَمَت ابتِسامَةً مُتَواضِعَةً:
ـ رُبَّما، أَو رُبَّما هُوَ بِبَساطَةٍ فَهمي لِما تَعَلَّمتُهُ مِن ديني وَعِلمي مَعاً: أَنَّ المَعرِفَةَ، كَالإِيمانِ الحَقيقِيِّ، لَيسَت مِلكاً فَردِيَّاً نَتَفاخَرُ بِهِ، بَل أَمانَةٌ جَماعِيَّةٌ نَسعى لِنَقلِها بِأَفضَلِ ما نَستَطيعُ لِمَن يَأتي بَعدَنا.
الفَيلَسوفُ الَّذي يَتَشَبَّثُ بِأَفكارِهِ وَلا يُريدُ لَها أَن تَتَطَوَّرَ وَتَنتَقِلَ وَتَتَغَيَّرَ في أَيدي الآخَرينَ لَيسَ فَيلَسوفاً حَقيقِيَّاً.
هُوَ مُجَرَّدُ رَجُلٍ يُريدُ أَن يَضمَنَ أَن ذِكرَهُ سَيَطولَ، وَهذا شَيءٌ مُختَلِفٌ تَماماً.
________________________________________
بَدَأَتِ المَكتَبَةُ الفَخمَةُ وَالمَخطوطاتُ الصَّامِدَةُ عَبرَ القُرونِ تَتَلاشى بِبُطءٍ مَهيبٍ، كَأَنَّ زَمَنَ قُرطُبَةَ كانَ يَطوي نَفسَهُ بِرِفقٍ وَيَودِّعُ سامِراً بِصَمتٍ مُحتَرَمٍ.
حَتَّى عادَ سامِرٌ إِلى الرَّواقِ المَألوفِ.
كانَ العَجوزُ يَنتَظِرُهُ بِجانِبِ آخَرِ بابٍ في هذا المِحوَرِ، يَحمِلُ نَقشاً بَسيطاً لِقَدَمَينِ صَغيرَتَينِ حافِيَتَينِ، نَقشٌ يَحمِلُ مِن البَساطَةِ ما يَجعَلُهُ يَبدو وَكَأَنَّهُ رُسِمَ بِيَدِ طِفلٍ.
قالَ العَجوزُ بِصَوتِهِ الَّذي يَحمِلُ دائِماً طَبَقاتٍ مِنَ المَعنى تَحتَ ما يَقولُهُ ظاهِراً:
ـ القاعَةُ الأَخيرَةُ في هذا المِحوَرِ، يا سامِر، تَحمِلُ صَوتَ طِفلٍ صَغيرٍ جِدَّاً، يَحمِلُ سُؤالاً قَد يَكونُ أَبسَطَ الأَسئِلَةِ وَأَعمَقَها في آنٍ.
هَل الطِّفلُ أَقرَبُ إِلى الحَقيقَةِ، لِأَنَّهُ بِبَساطَةٍ لَم يَنسَ بَعد؟
نَظَرَ سامِرٌ إِلى البابِ وَإِلى القَدَمَينِ الصَّغيرَتَينِ الحافِيَتَينِ المَنقوشَتَينِ عَليهِ.
وَشَعَرَ بِأَنَّ ما وَراءَ هذا البابِ لَيسَ مَجَرَّدَ قاعَةٍ أُخرى.
بَل رُبَّما كانَ بِدايَةَ سُؤالٍ كانَ يَحمِلُهُ دونَ أَن يَعرِفَ اسمَهُ.
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 30