متحف الأيام المفقودة 32

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفصل الثاني والثلاثون – المَرأَةُ الرَّواقِيَّة – رومَا — المِئَةُ المِيلادِيَّة – «الحُرِّيَّةُ الدَّاخِلِيَّةُ رَغمَ القُيودِ الخارِجِيَّة»
________________________________________
كانَت الغُرفَةُ الَّتي دَخَلَها سامِرٌ هذِهِ المَرَّةَ مُختَلِفَةً عَن كُلِّ ما سَبَقَها.
لَم تَكُن فَخمَةً كَمَكتَبَةِ قُرطُبَةَ، وَلَم تَكُن مُزَيَّنَةً بِأَعمِدَةِ الرُّخامِ وَالنُّقوشِ الَّتي تَتَفاخَرُ بِسُلطَةِ أَصحابِها.
كانَت بَسيطَةً بِبَساطَةٍ مَقصودَةٍ، كَأَنَّ مَن صَمَّمَها قَرَّرَ أَن يَنزِعَ كُلَّ ما يُمكِنُ نَزعُهُ حَتَّى لا يَبقى إِلاَّ الجَوهَرُ.
جُدرانٌ مُجَرَّدَةٌ مِن كُلِّ زَخرَفَةٍ.
ضَوءٌ هادِئٌ يَدخُلُ مِن نافِذَةٍ صَغيرَةٍ بِلا ستائِرَ.
وَمَقعَدٌ خَشَبِيٌّ واحِدٌ في وَسَطِ الغُرفَةِ.
عَلَيهِ تَجلِسُ امرَأَةٌ في الثَّانِيَةِ وَالأَربَعينَ، تَرتَدي ثَوباً مُتَواضِعاً لا يَدَّعي شَيئاً وَلا يَخجَلُ مِن شَيءٍ.
كانَت عَيناها هادِئَتَينِ بِشَكلٍ لافِتٍ، هُدوءٌ لَيسَ مِن نَوعِ الهُدوءِ الَّذي يَنبُعُ مِن غِيابِ الأَلَمِ، بَل مِن نَوعِ الهُدوءِ الَّذي يَنبُعُ مِن تَجاوُزِهِ.
وَحينَ تَقَدَّمَ سامِرٌ أَكثَرَ شَيئاً ما لَفَتَ بَصَرَهُ.
كانَ حَولَ مَعصِمِها قَيدٌ مَعدِنِيٌّ خَفيفٌ، لَيسَ ثَقيلاً كَتِلكَ الأَصفادِ الَّتي يَتَخَيَّلُها المَرءُ حينَ يُفَكِّرُ في العُبودِيَّةِ، بَل خَفيفٌ كَأَنَّهُ هُنا لِيُؤَدِّيَ وَظيفَةً رَمزِيَّةً أَكثَرَ مِنها عَمَلِيَّةً.
قالَت المَرأَةُ قَبلَ أَن يَنطِقَ سامِرٌ بِأَيِّ شَيءٍ، كَأَنَّها اعتادَت أَن يَكونَ هذا القَيدُ أَوَّلَ ما تَقَعُ عَليهِ أَعيُنُ الزَّوارِ:
ـ أَهلاً بِكَ.
لا تَقلَق بِشَأنِ هذا القَيدِ، فَهُوَ لا يُقَيِّدُ شَيئاً مُهِمَّاً حَقَّاً.
نَظَرَ إِليهِ سامِرٌ بِدَهشَةٍ صادِقَةٍ:
ـ أَنتِ… عَبدَة؟
أَومَأَت بِرَأسِها بِبَساطَةٍ مُزِعجَةٍ في هُدوئِها، بَساطَةٌ مَن لا يَرى في الكَلِمَةِ ما يَرى فيها غَيرُهُ مِن ذُعرٍ أَو دَهشَةٍ:
ـ كُنتُ كَذَلِكَ، نَعَم، لِجُزءٍ مِن حَياتي.
لَكِنَّ هذا لا يُهِمُّ كَثيراً بِالنِّسبَةِ لِما أُريدُ أَن أُحَدِّثَكَ عَنهُ.
تَوَقَّفَ سامِرٌ عِندَ هذِهِ الجُملَةِ الأَخيرَةِ.
لا يُهِمُّ كَثيراً؟
قالَ بِشَيءٍ يَقتَرِبُ مِنَ الاحتِجاجِ:
ـ كَيفَ يُمكِنُ أَن لا تُهِمَّ العُبودِيَّةُ؟
هذا يَبدو قَيداً جَوهَرِيَّاً عَلى حُرِّيَّتِكِ.
ابتَسَمَت ابتِسامَةً هادِئَةً عَميقَةً، كَتِلكَ الابتِسامَةِ الَّتي يُطلِقُها مَن مَرَّ بِالنَّارِ وَخَرَجَ مِنها وَيَرى الآنَ مَن يَخشى حَتَّى الشَّرارَةَ:
ـ هذا بِالضَّبطِ ما تَعَلَّمتُهُ أَنا، بِصُعوبَةٍ كَبيرَةٍ، عَبرَ سَنَواتٍ.
هُناكَ نَوعانِ مِنَ الحُرِّيَّةِ، يا سامِر.
حُرِّيَّةٌ خارِجِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِجَسَدِكَ، بِحَرَكَتِكَ، بِقَراراتِكَ العَمَلِيَّةِ اليَومِيَّةِ، وَهذِهِ يُمكِنُ أَن تُقَيَّدَ بِسُهولَةٍ مِن قِبَلِ آخَرينَ أَقوى مِنكَ.
وَهُناكَ حُرِّيَّةٌ داخِلِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَفكارِكَ، بِمَواقِفِكَ، بِكَيفِيَّةِ تَفسيرِكَ لِما يَحدُثُ لَكَ.
وَهذِهِ، أُؤمِنُ بِقُوَّةٍ، لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَنتَزِعَها مِنكَ، مَهما كانَت قُوَّتُهُ.
أَخَذَ سامِرٌ لَحظَةً يَتَأَمَّلُ فيها هذا التَّمييزَ.
كانَ يَبدو في البِدايَةِ تَمييزاً سَهلاً، مِن تِلكَ التَّمييزاتِ الَّتي يَسمَعُها المَرءُ وَيُومِئُ لَها بِرَأسِهِ دونَ أَن تُحدِثَ فيهِ أَثَراً حَقيقِيَّاً.
لَكِنَّ شَيئاً في طَريقَةِ قَولِها جَعَلَهُ يَشعُرُ بِأَنَّ الكَلِماتِ نَفسَها تَحمِلُ ثِقلاً مَختَلِفاً حينَ تَصدُرُ مِمَّن عاشَها لا مِمَّن قَرَأَها.
سَأَلَ بِفُضولٍ حَقيقِيٍّ:
ـ كَيفَ وَصَلتِ إِلى هذا الفَهمِ رَغمَ ظُروفِكِ الصَّعبَةِ؟
قالَت وَهِيَ تَنظُرُ إِلى مَكانٍ بَعيدٍ بَعيدٍ، مَكانٍ لا يَراهُ سامِرٌ لَكِنَّهُ يَشعُرُ بِأَنَّهُ حَقيقِيٌّ في ذاكِرَتِها:
ـ بِالتَّعَلُّمِ مِن فَلاسِفَةَ رَواقِيِّينَ، رِجالاً وَبَعضِ النِّساءِ، عَلَّمونا أَن نُمَيِّزَ بِدِقَّةٍ بَينَ ما يَقَعُ في سَيطَرَتِنا وَما لا يَقَعُ فيها.
جَسَدي، حُرِّيَّتي الخارِجِيَّةُ، حَتَّى حَياتي نَفسُها، كُلُّها أُمورٌ قَد لا تَقَعُ بِالكامِلِ في سَيطَرَتي.
لَكِنَّ أَفكاري، تَفسيري لِما يَحدُثُ، اختِياراتي الأَخلاقِيَّةَ في كَيفِيَّةِ التَّصَرُّفِ ضِمنَ الظُّروفِ المُتاحَةِ لي، هذِهِ أُمورٌ تَبقى دائِماً في سَيطَرَتي، مَهما كانَت ظُروفي الخارِجِيَّةُ قاسِيَةً.
خُذ مَثَلاً أَعرِفُهُ جَيِّداً مِن حَياتي: في إِحدى الأَيَّامِ أُمِرتُ بِعَمَلٍ كَرِهتُهُ مِن أَعمَاقِ نَفسي.
كانَ بِإِمكاني أَن أَفعَلَهُ وَأَنا مَليئَةٌ بِالحِقدِ وَالبَغضاءِ، وَكانَ بِإِمكاني أَن أَفعَلَهُ وَأَنا أَحتَفِظُ في داخِلي بِقَرارٍ أَنَّني حُرَّةٌ في تَحديدِ مَعنى ما أَفعَلُه.
اخَترتُ الثَّانِيَةَ.
وَهذا الاختِيارُ الصَّغيرُ، الَّذي لَم يَرَهُ أَحَدٌ مِن الخارِجِ، كانَ أَكثَرَ الأَشياءِ الَّتي صَنَعتُها في حَياتي أَهَمِّيَّةً.
قالَ سامِرٌ مُتَأَمِّلاً:
ـ هذا يَبدو فَلسَفَةً قَوِيَّةً جِدَّاً، لَكِنَّها صَعبَةُ التَّطبيقِ العَمَلِيِّ.
أَومَأَت بِرَأسِها بِصِدقٍ يَخلو مِن أَيِّ رَغبَةٍ في التَّجميلِ:
ـ هِيَ صَعبَةٌ جِدَّاً بِالفِعلِ، لا أُنكِرُ هذا أَبَداً.
لَيسَت فَلسَفَةً سَهلَةً تُعطى بِسُرعَةٍ كَوَصفَةٍ يَكتُبُها طَبيبٌ لِمَريضٍ لا يَعرِفُهُ.
بَل هِيَ مُمارَسَةٌ يَومِيَّةٌ مُتَواصِلَةٌ، تَحتاجُ انضِباطاً ذِهنِيَّاً مُستَمِرَّاً لا يَتَوَقَّفُ.
لَكِنَّها أَيضاً الفَلسَفَةُ الوَحيدَةُ الَّتي سَمَحَت لي بِالحِفاظِ عَلى كَرامَتي الدَّاخِلِيَّةِ، رَغمَ كُلِّ ما فَقَدتُهُ خارِجِيَّاً.
وَإِذا سَأَلتَني: ما البَديلُ؟
فَسَأُجيبُكَ: البَديلُ هُوَ أَن تَكونَ أَسيرَ ظُروفِكَ مَرَّتَينِ لا مَرَّةً واحِدَةً.
أَسيرَها مِن خارِجٍ وَأَسيرَ رَدِّ فِعلِكَ عَليها مِن داخِلٍ.
شَعَرَ سامِرٌ بِشَيءٍ يَلمَسُهُ مِن دَاخِلِهِ لَمساً مُباشِراً.
قالَ:
ـ كَيفَ يُساعِدُني هذا في التَّعامُلِ مَعَ يَومي المَفقودِ؟
فَكَّرَت طَويلاً، لَم تَكُن صامِتَةً بَل كانَت تَبني الجَوابَ بِعِنايَةِ مَن يَعرِفُ أَنَّ الكَلِمَاتِ الطَّائِشَةَ تَضُرُّ أَكثَرَ مِمَّا تَنفَعُ، ثُمَّ قالَت بِحِكمَةٍ عَمَلِيَّةٍ واضِحَةٍ:
ـ يَومُكَ المَفقودُ نَفسُهُ، حَقيقَةُ فَقدانِهِ، لا تَقَعُ في سَيطَرَتِكَ يا سامِر.
لَقَد حَدَثَ ما حَدَثَ، وَأَنتَ لا تَتَذَكَّرُهُ، وَهذا واقِعٌ لا تَستَطيعُ تَغييرَهُ بِإِرادَتِكَ المُباشِرَةِ، تَماماً كَما لا أَستَطيعُ أَنا أَن أَمحوَ السَّنَواتِ الَّتي عِشتُها عَبدَةً بِمُجَرَّدِ الرَّغبَةِ في ذَلِكَ.
لَكِنَّ ما يَقَعُ في سَيطَرَتِكَ تَماماً هُوَ كَيفَ تُفَسِّرُ هذا الفَقدانَ، كَيفَ تَتَعامَلُ مَعَهُ، أَيَّ مَعنىً تَمنَحُهُ في قِصَّةِ حَياتِكَ الكامِلَةِ.
هَل تَجعَلُهُ سِجناً يَحتَجِزُكَ في مَكانِكَ؟
أَم تَجعَلُهُ باباً يَفتَحُ أَمامَكَ أَسئِلَةً تَستَحِقُّ أَن تُطرَحَ؟
قالَ سامِرٌ وَهُوَ يُومِئُ ببُطءٍ:
ـ هذا يُشبِهُ ما قالَهُ لي العَديدُ مِمَّن قابَلتُهُم في رِحلَتي، بِطُرُقٍ مُختَلِفَةٍ.
ابتَسَمَت ابتِسامَةَ مَن يَعرِفُ لِماذا يَحدُثُ هذا:
ـ رُبَّما لِأَنَّ هذِهِ حَقيقَةٌ جَوهَرِيَّةٌ يَكتَشِفُها كُلُّ حَكيمٍ حَقيقِيٍّ بِطَريقَتِهِ الخاصَّةِ، عَبرَ كُلِّ العُصورِ وَالثَّقافاتِ.
السَّيطَرَةُ الحَقيقِيَّةُ لَيسَت في التَّحَكُّمِ بِالأَحداثِ الخارِجِيَّةِ، بَل في التَّحَكُّمِ بِرَدَّةِ فِعلِنا الدَّاخِلِيَّةِ تُجاهَها.
الفَيلَسوفُ الَّذي يَجلِسُ في بَيتِهِ المُريحِ وَيُعَلِّمُ هذا المَبدَأَ لا يُعَلِّمُ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي تَعَلَّمتُهُ أَنا في أَقسى ظُروفٍ.
كِلانا يَقولُ الجُملَةَ نَفسَها، لَكِنَّ الجُملَةَ حينَ تُقالُ مِن داخِلِ السِّجنِ تَحمِلُ وَزناً لا تَحمِلُهُ حينَ تُقالُ مِن شُرفَةٍ مُطِلَّةٍ عَلى البُستانِ.
صَمَتَ سامِرٌ لَحظَةً ثُمَّ سَأَلَ بِتَرَدُّدٍ خَفيفٍ:
ـ هَل تَشعُرينَ بِالغَضَبِ تُجاهَ مَن استَعبَدَكِ؟
تُجاهَ ظُروفِكِ القاسِيَةِ؟
نَظَرَت إِليهِ بِصِدقٍ عَميقٍ لا يَتَوارى وَراءَ أَيِّ أَداءٍ أَو تَحسينٍ لِلصورَةِ:
ـ شَعَرتُ بِالغَضَبِ كَثيراً، في بِدايَةِ حَياتي كَعَبدَةٍ، نَعَم.
غَضَبٌ عَميقٌ، شُعورٌ بِالظُّلمِ الفادِحِ الَّذي يَمَسُّ كُلَّ شَيءٍ وَلا يَتَوَقَّفُ عَن الحَرقِ.
لَكِنَّني تَعَلَّمتُ مَعَ الوَقتِ أَنَّ الغَضَبَ المُستَمِرَّ يَستَهلِكُ طاقَتي الدَّاخِلِيَّةَ، يَجعَلُني أَسيرَةً مَرَّتَينِ: أَسيرَةً لِظُروفي الخارِجِيَّةِ، وَأَسيرَةً لِمَشاعِري الدَّاخِلِيَّةِ السَّلبِيَّةِ أَيضاً.
تَخَيَّل رَجُلاً يَحمِلُ وَزناً ثَقيلاً عَلى كَتِفَيهِ وَهُوَ يَسيرُ في طَريقٍ طَويلٍ.
الوَزنُ الخارِجِيُّ هُوَ ظُروفُهُ الَّتي لا يَختارُها.
لَكِنَّ الغَضَبَ المُستَمِرَّ هُوَ أَن يُمسِكَ هُوَ بِيَدِهِ وَيَضُمَّ الوَزنَ أَكثَرَ إِلى جَسَدِهِ، مُؤكِّداً ثِقلَهُ في كُلِّ لَحظَةٍ بَدَلاً مِن أَن يُفَكِّرَ كَيفَ يَمشي بِهِ بِأَقَلِّ عَناءٍ.
سَأَلَ سامِرٌ:
ـ كَيفَ تَجاوَزتِ هذا الغَضَبَ؟
ـ بِالتَّمييزِ الدَّقيقِ بَينَ ما يَستَحِقُّ غَضَبي وَما لا يَستَحِقُّهُ.
الظُّلمُ الَّذي أَتَعَرَّضُ لَهُ خارِجِيَّاً لا أَستَطيعُ تَغييرَهُ بِسُرعَةٍ، لَكِنَّني أَستَطيعُ أَن أَختارَ أَلاَّ أَسمَحَ لَهُ بِتَسميمِ سَلامي الدَّاخِلِيِّ.
وَهذا لا يَعني أَنَّني أَتَقَبَّلُ الظُّلمَ كَشَيءٍ جَيِّدٍ أَو عادِلٍ.
بِالعَكسِ، أَرفُضُهُ رَفضاً كامِلاً في عَقلي.
لَكِنَّني أَرفُضُ أَيضاً أَن أَمنَحَهُ سُلطَةً عَلى روحي، حَتَّى وَهُوَ يَملِكُ سُلطَةً عَلى جَسَدي.
الفَرقُ بَينَ الرَّفضَينِ أَنَّ الأَوَّلَ يَستَهلِكُني وَالثَّانيَ يُحَرِّرُني.
نَظَرَ إِليها سامِرٌ بِإِعجابٍ عَميقٍ يَمزُجُهُ شَيءٌ يَقتَرِبُ مِنَ الدَّهشَةِ:
ـ هذا يَبدو شَجاعَةً استِثنائِيَّةً.
هَزَّت رَأسَها بِتَواضُعٍ حَقيقِيٍّ لا يَتَظاهَرُ بِالتَّواضُعِ:
ـ لَيسَت شَجاعَةً استِثنائِيَّةً بِقَدرِ ما هِيَ مُمارَسَةٌ يَومِيَّةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، أَحياناً أَفشَلُ فيها وَأَحتاجُ أَن أَبدَأَ مِن جَديدٍ.
الحُرِّيَّةُ الدَّاخِلِيَّةُ لَيسَت حالَةً تَصِلُ إِليها مَرَّةً واحِدَةً وَتَبقى فيها إِلى الأَبَدِ، كَما لَو كُنتَ قَد تَسَلَّقتَ جَبَلاً وَبَلَغتَ قِمَّتَهُ وَانتَهى الأَمرُ.
بَل هِيَ اختِيارٌ مُتَجَدِّدٌ كُلَّ يَومٍ، أَحياناً كُلَّ ساعَةٍ.
وَأَحياناً أَنسى وَأُخطِئُ وَأَسمَحُ لِلغَضَبِ أَو الحُزنِ بِأَن يَسيطُرا عَلَيَّ لِفَترَةٍ.
لَكِنَّ الفَرقَ هُوَ أَنَّني أَعرِفُ الآنَ كَيفَ أَعودُ.
سَأَلَ سامِرٌ وَقَد أَرادَ شَيئاً مُلمَساً يَحمِلُهُ مَعَهُ حينَ يَغادِرُ:
ـ ماذا تَنصَحينَني أَن أَفعَلَ عَمَلِيَّاً بِخُصوصِ يَومي المَفقودِ؟
فَكَّرَت طَويلاً قَبلَ أَن تُجيبَ، وَكانَ في تَفكيرِها هذِهِ المَرَّةَ شَيءٌ يُشبِهُ الحِرصَ، حِرصُ مَن يُريدُ أَن تَكونَ الكَلِماتُ مُفيدَةً فِعلاً لا مُريحَةً فَقَط:
ـ كُلَّ صَباحٍ، حينَ يَطرَأُ قَلَقُ يَومِكَ المَفقودِ عَلى ذِهنِكَ، اسأَل نَفسَكَ بِهُدوءٍ: هَل هذا الأَمرُ يَقَعُ في سَيطَرَتي المُباشِرَةِ الآنَ؟
إِن كانَتِ الإِجابَةُ لا، فَاسمَح لِنَفسِكَ أَن تَصرِفَ انتِباهَكَ عَنهُ، لَيسَ بِإِنكارِهِ، بَل بِوَضعِهِ في حَجمِهِ الصَّحيحِ.
وَإِن كانَت هُناكَ خُطوَةٌ صَغيرَةٌ واحِدَةٌ تَقَعُ في سَيطَرَتِكَ، خُطوَةٌ عَمَلِيَّةٌ تُجاهَ فَهمِهِ أَو تَقَبُّلِهِ، فَاتَّخِذها بِهُدوءٍ دونَ تَشَنُّجٍ أَو قَلَقٍ مُفرِطٍ.
خُطوَةٌ واحِدَةٌ فَقَط.
لَيسَ عَشراً وَلَيسَ كُلَّ المَسيرَةِ دُفعَةً واحِدَةً.
خُطوَةٌ واحِدَةٌ بِهُدوءٍ.
ثُمَّ خُطوَةٌ أُخرى حينَ يَحينُ وَقتُها.
شَعَرَ سامِرٌ بِفِكرَةٍ عَمَلِيَّةٍ واضِحَةٍ تَستَقِرُّ فيهِ كَحَجَرٍ يَجِدُ أَخيراً قاعَ النَّهرِ وَيَتَوَقَّفُ عَن الغَرَقِ.
قالَ:
ـ شُكراً لَكِ.
هذا يَبدو نَهجاً عَمَلِيَّاً أَكثَرَ مِمَّا تَوَقَّعتُ.
ابتَسَمَت ابتِسامَةً أَخيرَةً هادِئَةً، كَتِلكَ الابتِسامَةِ الَّتي يَبتَسِمُها مَن يَعرِفُ أَنَّ الوَداعَ لَيسَ نِهايَةً:
ـ اذهَب الآنَ يا سامِر.
وَاحمِل مَعَكَ هذا: حُرِّيَّتُكَ الحَقيقِيَّةُ لا تَكمُنُ في استِعادَةِ يَومِكَ المَفقودِ، بَل في كَيفِيَّةِ اختِيارِكَ أَن تَعيشَ مَعَ غُموضِهِ.
________________________________________
بَدَأَتِ الغُرفَةُ البَسيطَةُ تَتَلاشى بِبُطءٍ، لَيسَ بِالطَّريقَةِ الَّتي تَتَلاشى بِها الأَحلامُ فَجأَةً، بَل بِالطَّريقَةِ الَّتي يَنسَحِبُ بِها الضَّوءُ في أُخرَياتِ النَّهارِ، بِرِفقٍ وَبِصَبرٍ وَبِلا اعتِذارٍ.
حَتَّى عادَ سامِرٌ إِلى الرَّواقِ المَألوفِ.
كانَ العَجوزُ يَنتَظِرُهُ بِجانِبِ بابٍ يَحمِلُ نَقشاً لِكِتابَينِ مُتَقابِلَينِ، أَحَدُهُما بِالعَرَبِيَّةِ وَالآخَرُ بِلُغَةٍ أُخرى.
نَقشٌ يَحمِلُ مِن الهُدوءِ ما يَجعَلُكَ تَشعُرُ بِأَنَّ ما وَراءَهُ لَيسَ قاعَةً عادِيَّةً.
قالَ العَجوزُ بِصَوتِهِ المُعتادِ الَّذي يَقولُ دائِماً أَكثَرَ مِمَّا يَقولُ:
ـ القاعَةُ التَّالِيَةُ تَحمِلُ صَوتَ رَجُلٍ أَمضى حَياتَهُ جِسراً بَينَ حَضارَتَينِ، يَنقُلُ حِكمَةَ اليونانِ القَديمَةِ إِلى عالَمٍ جَديدٍ تَماماً، رَغمَ أَنَّ كَثيرينَ مِن مُعاصِريهِ لَم يُقَدِّروا جُهدَهُ الكامِلَ إِلاَّ بَعدَ رَحيلِهِ.
نَظَرَ سامِرٌ إِلى الكِتابَينِ المُتَقابِلَينِ عَلى البابِ.
وَفَكَّرَ بِأَنَّ الجُسورَ دائِماً يَدفَعُ ثَمَنَها مَن يَبنيها لا مَن يَعبُرُ فَوقَها.
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 33