مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفصل الخامس والثلاثون – نِيتشِه – فِرِيدْرِيخ نِيتشِه (ذَكَرٌ، ثَمَانٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً) | تُورِينُو، عَامُ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَثَمَانِينَ مِيلادِيَّةً – «العَوْدُ الأَبَدِيُّ: هَلْ تَقْبَلُ أَنْ يَتَكَرَّرَ كُلُّ شَيْءٍ؟»
________________________________________
لَمْ يَكُنْ لِلضَّوْءِ فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ ذَلِكَ الحُضُورُ الهَادِئُ الَّذِي يُرِيحُ الرُّوحَ.
كَانَ حَادَّاً، مُتَوَهِّجاً، يَكَادُ يُؤْلِمُ الْعَيْنَ الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ.
كَأَنَّ مَصَادِرَ الإِضَاءَةِ كُلَّهَا تَمَرَّدَتْ مَعاً وَقَرَّرَتْ أَنْ تَكْشِفَ كُلَّ زَاوِيَةٍ وَكُلَّ ظِلٍّ، حَتَّى لَا يَبْقَى مَكَانٌ يَخْتَبِئُ فِيهِ فِكْرٌ أَوْ شُعُورٌ.
وَفِي وَسَطِ هَذَا الضَّوْءِ الصَّارِخِ، كَانَ رَجُلٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ يَمْشِي ذَهَاباً وَإِيَاباً بِحَرَكَةٍ لَا تَهْدَأُ، كَأَنَّ جِسْمَهُ يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِ طَاقَةِ مَا يَدُورُ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ.
كَانَ شَارِبُهُ الْكَثِيفُ مَرْسُوماً بِجَسَارَةٍ عَلَى وَجْهِهِ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِحِدَّةٍ فِكْرِيَّةٍ تَكَادُ تَكُونُ مُؤْلِمَةً مِنْ شِدَّتِهَا.
وَحِينَ لَاحَظَ دُخُولَ سَامِرٍ، لَمْ يُبَادِرْهُ بِالتَّرْحِيبِ الْمُعْتَادِ.
بَادَرَهُ بِسُؤَالٍ أُلْقِيَ كَصَخْرَةٍ فِي بِرْكَةٍ رَاكِدَةٍ:
ـ تَوَقَّفْ!
قَالَهَا بِنَبْرَةٍ أَمْرِيَّةٍ لَا تَقْبَلُ الْمُنَاوَرَةَ.
ثُمَّ أَكْمَلَ وَهُوَ لَا يَزَالُ يُحَدِّقُ فِيهِ بِعَيْنَيْنِ نَافِذَتَيْنِ:
ـ هَلْ تَشْعُرُ بِهَذَا؟
ثُمَّ لَمْ يَنْتَظِرْ إِجَابَةً:
ـ ثِقَلُ كُلِّ لَحْظَةٍ، كُلِّ قَرَارٍ، كُلِّ أَلَمٍ، يَتَكَرَّرُ إِلَى الأَبَدِ، بِلَا نِهَايَةٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِارْتِبَاكٍ حَقِيقِيٍّ مِنْ هَذَا الاسْتِقْبَالِ الحَادِّ الَّذِي أَلْقَى عَلَيْهِ الثِّقَلَ قَبْلَ أَنْ يُفْرِشَ لَهُ أَرْضاً لِيَقِفَ عَلَيْهَا.
قَالَ بِحَذَرٍ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
ثُمَّ أَضَافَ:
ـ مَاذَا تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟
تَوَقَّفَ الرَّجُلُ عَنِ الْمَشْيِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دَخَلَ سَامِرٌ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِحِدَّةٍ مُرَكَّزَةٍ:
ـ أَنَا نِيتشِه.
قَالَهَا بِبَسَاطَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ غَطْرَسَةٍ هَادِئَةٍ.
ثُمَّ شَرَعَ يَطْرَحُ مَا بَدَا أَنَّهُ كَانَ يُعِدُّهُ طَوِيلاً:
ـ وَأَطْرَحُ عَلَيْكَ السُّؤَالَ الأَثْقَلَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُطْرَحَ عَلَى إِنْسَانٍ.
تَوَقَّفَ لِثَانِيَةٍ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَمْنَحَ مَا سَيَقُولُهُ حَقَّهُ مِنَ السُّكُوتِ قَبْلَهُ:
ـ تَخَيَّلْ أَنَّ شَيْطَاناً يَأْتِيكَ فِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِ وَحْدَتِكَ، حِينَ لَا يَبْقَى بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ سِتَارٌ وَاحِدٌ.
ثُمَّ أَكْمَلَ بِصَوْتٍ يَزْدَادُ ثِقَلاً مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ:
ـ وَيَقُولُ لَكَ هَذَا الشَّيْطَانُ إِنَّ حَيَاتَكَ، بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الدَّقِيقَةِ، كُلَّ فَرَحٍ عِشْتَهُ وَكُلَّ أَلَمٍ سَكَنَكَ، كُلَّ قَرَارٍ صَغِيرٍ بَدَا تَافِهاً وَكُلَّ خَطَأٍ نَدِمْتَ عَلَيْهِ، كُلَّ لَحْظَةٍ خَجَلٍ وَكُلَّ لَحْظَةِ انْتِصَارٍ، سَتَتَكَرَّرُ، بِنَفْسِ التَّرْتِيبِ بِالضَّبْطِ، إِلَى الأَبَدِ.
وَقَفَ وَنَظَرَ إِلَى سَامِرٍ:
ـ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
ثُمَّ:
ـ بِلَا نِهَايَةٍ أَبَدِيَّةٍ.
ثُمَّ طَرَحَ السُّؤَالَ الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ كُلُّهُ:
ـ كَيْفَ سَتَشْعُرُ تُجَاهَ هَذَا الخَبَرِ؟
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِرَهْبَةٍ عَمِيقَةٍ تَسْرِي فِي صَدْرِهِ كَمَاءٍ بَارِدٍ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ مُجَرَّدَ لُعْبَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ تُسَلِّي الْعُقُولَ الفَارِغَةَ.
كَانَ شَيْئاً أَثْقَلَ مِنْ ذَلِكَ، سُؤَالاً يُمْسِكُ الإِنْسَانَ مِنْ تَلَابِيبِهِ وَيَسْأَلُهُ: «هَلْ تَرْضَى بِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ فِعْلاً؟ هَلْ تَرْضَى بِحَيَاتِكَ كَمَا هِيَ، أَمْ أَنَّكَ تَحْيَاهَا وَأَنْتَ تَنْتَظِرُ نُسْخَةً أَفْضَلَ مِنْهَا؟»
قَالَ بِصِدْقٍ لَمْ يَجِدْ مَعَهُ مَكَاناً لِلتَّجْمِيلِ:
ـ هَذَا يَبْدُو… مُرْعِباً بِصَرَاحَةٍ.
ثُمَّ أَضَافَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ:
ـ خَاصَّةً وَأَنَّ هُنَاكَ يَوْماً وَاحِداً فِي حَيَاتِي لَا أَتَذَكَّرُهُ، يُقَلِّقُنِي بِشِدَّةٍ.
ثُمَّ قَالَ السُّؤَالَ الَّذِي وَلَدَهُ فِكْرُ نِيتشِه لِتَوِّهِ:
ـ هَلْ سَيَتَكَرَّرُ هَذَا الْيَوْمُ أَيْضاً، بِفَجْوَتِهِ نَفْسِهَا؟
نَظَرَ إِلَيْهِ نِيتشِه بِإِعْجَابٍ حَادٍّ وَمُفَاجَئٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّعْ مِنْ زَائِرٍ جَدِيدٍ أَنْ يَصِلَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ إِلَى جَوْهَرِ مَا كَانَ يُفَكِّرُ فِيهِ:
ـ سُؤَالٌ مُمْتَازٌ.
قَالَهَا بِلَا تَرَدُّدٍ.
ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ يَصِلُ إِلَى جَوْهَرِ مَا أُحَاوِلُ اسْتِكْشَافَهُ.
ثُمَّ شَرَحَ:
ـ نَعَمْ، إِنْ كَانَتْ فِكْرَةُ الْعَوْدِ الأَبَدِيِّ صَحِيحَةً، فَسَيَتَكَرَّرُ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ رَكَّزَ نَظَرَهُ عَلَى سَامِرٍ:
ـ بِمَا فِي ذَلِكَ فَجْوَتُكَ تِلْكَ، بِنَفْسِ دِقَّتِهَا الغَامِضَةِ الَّتِي تُقَلِّقُكَ الآنَ، إِلَى الأَبَدِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ يَسْحَقُهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
تَخَيَّلَ لِلَحْظَةٍ مَا يَعْنِيهِ ذَلِكَ فِعْلاً؛ أَنْ تَعُودَ كُلَّ مَرَّةٍ إِلَى نَفْسِ الصَّبَاحِ، بِنَفْسِ الشُّعُورِ بِالفَقْدِ، نَفْسِ الخَوْفِ مِنَ الْيَوْمِ الْمَجْهُولِ، نَفْسِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تَجِدُ إِجَابَةً.
قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يُصَرِّحَ بِمَا فِيهِ:
ـ كَيْفَ يُمْكِنُ لِأَيِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ هَذَا الثِّقَلَ؟
ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ أَنْ تَتَكَرَّرَ كُلُّ مَعَانَاتِي، كُلُّ قَلَقِي، كُلُّ خَسَارَةٍ أَكَلَتْ مِنِّي… إِلَى الأَبَدِ؟
ابْتَسَمَ نِيتشِه ابْتِسَامَةً حَادَّةً مُرَكَّبَةً، لَا هِيَ فِيهَا شَامِتَةٌ وَلَا هِيَ فِيهَا مُطَمْئِنَةٌ تَماماً، بَلْ هِيَ ابْتِسَامَةُ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي طَرَحَهُ لَا يَنْتَهِي بِالرَّاحَةِ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ الاخْتِبَارُ الَّذِي أَطْرَحُهُ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ تَجْمَعَانِ الْقَسْوَةَ وَالصِّدْقَ مَعاً:
ـ هَلْ أَنْتَ إِنْسَانٌ قَوِيٌّ بِمَا يَكْفِي لِتَقُولَ «نَعَمْ» لِهَذَا التَّكْرَارِ الأَبَدِيِّ، بِكُلِّ ثِقَلِهِ وَكُلِّ ظَلَامِهِ؟
ثُمَّ أَكْمَلَ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ تَحَدِّيَاً حَقِيقِيَّاً:
ـ أَمْ أَنَّكَ سَتَنْهَارُ تَحْتَ وَطْأَتِهِ، تَتَمَنَّى لَوْ لَمْ تُوجَدْ أَصْلاً؟
رَدَّ سَامِرٌ بِصِدْقٍ مُبَاشِرٍ:
ـ كَيْفَ يُمْكِنُ لِأَيِّ عَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ «نَعَمْ» لِتَكْرَارٍ أَبَدِيٍّ لِمَعَانَاتِهِ؟
هُنَا تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ نِيتشِه قَلِيلاً.
تَرَاجَعَ الحُضُورُ الصَّارِخُ قَدْرَ مَا لِيَفْسَحَ مَجَالاً لِشَيْءٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ هُدُوءاً:
ـ هُنَا يَكْمُنُ جَوْهَرُ فَلْسَفَتِي يَا سَامِرُ.
ثُمَّ أَوْضَحَ:
ـ أَنَا لَا أَطْرَحُ هَذَا كَحَقِيقَةٍ كَوْنِيَّةٍ مُثْبَتَةٍ، وَلَا كَقَانُونٍ فِيزِيَائِيٍّ تَبْرُهَنُ عَلَيْهِ التَّجَارِبُ.
ثُمَّ:
ـ بَلْ كَاخْتِبَارٍ فِكْرِيٍّ، أَدَاةٍ لِقِيَاسِ قُدْرَتِكَ عَلَى حُبِّ الحَيَاةِ، بِكُلِّ تَعْقِيدِهَا، لَا فَقَطْ بِأَجْزَائِهَا السَّعِيدَةِ الْمُرِيحَةِ الَّتِي لَا تُكَلِّفُكَ شَيْئاً.
وَقَفَ ثُمَّ صَاغَ السُّؤَالَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ:
ـ السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ «هَلْ سَتَتَكَرَّرُ حَيَاتُكَ فِعْلاً؟»
ثُمَّ:
ـ بَلِ السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ هُوَ: «كَيْفَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَعِيشَ حَيَاتَكَ الآنَ، بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُكَ تَتَمَنَّاهَا أَنْ تَتَكَرَّرَ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَلِيئَةً بِالأَلَمِ وَالغُمُوضِ؟»
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ هَذَا.
كَانَتْ هُنَاكَ فِكْرَةٌ تَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ فِيهِ كَفَجْرٍ يَصْنَعُ نَفْسَهُ شَيْئاً فَشَيْئاً:
ـ تَقْصِدُ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَعِيشَ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُنِي أَتَقَبَّلُ، أَوْ حَتَّى أُحِبُّ، كُلَّ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِي.
ثُمَّ أَضَافَ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَرْبِطَ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ:
ـ بِمَا فِي ذَلِكَ فَجْوَتِي الْمُؤْلِمَةُ تِلْكَ، لِأَنَّهَا جُزْءٌ أَصِيلٌ مِمَّا يَجْعَلُنِي «أَنَا».
أَوْمَأَ نِيتشِه بِرَأْسِهِ بِحِدَّةِ مُوَافَقَةٍ، كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ تَلْمِيذاً وَصَلَ وَحْدَهُ إِلَى الْجَوَابِ:
ـ بِالضَّبْطِ.
ثُمَّ شَرَحَ:
ـ هَذَا مَا أُسَمِّيهِ «حُبَّ الْقَدَرِ»، أَمُورُ فَاتِي.
ثُمَّ سَارَعَ إِلَى تَوْضِيحٍ مُهِمٍّ:
ـ لَيْسَ اسْتِسْلَاماً سَلْبِيَّاً لِلْمَصِيرِ، كَمَنْ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ وَيَتَرَكُ التَّيَّارَ يَأْخُذُهُ.
ثُمَّ:
ـ بَلْ قَبُولاً نَشِطاً، حَتَّى احْتِفَاءً عَمِيقاً، بِكُلِّ مَا حَدَثَ لَكَ.
ثُمَّ خَتَمَ:
ـ بِمَا فِي ذَلِكَ أَصْعَبُ وَأَغْمَضُ أَجْزَائِهِ، لِأَنَّكَ تُدْرِكُ أَنَّهَا كُلَّهَا نُسِجَتْ مَعاً لِتَصْنَعَ الإِنْسَانَ الفَرِيدَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الآنَ.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ بِصِدْقٍ مُتَعِبٍ:
ـ هَذَا يَبْدُو صَعْباً جِدَّاً.
ثُمَّ أَوْضَحَ:
ـ خَاصَّةً تُجَاهَ شَيْءٍ غَامِضٍ وَمُؤْلِمٍ كَيَوْمِي الْمَفْقُودِ، الَّذِي لَا أَمْلِكُ حَتَّى تَفَاصِيلَهُ الْكَامِلَةَ لِأَتَقَبَّلَهَا بِوَعْيٍ حَقِيقِيٍّ.
نَظَرَ إِلَيْهِ نِيتشِه بِتَفَهُّمٍ حَادٍّ نَادِرٍ، وَكَأَنَّ مَا قَالَهُ سَامِرٌ لَامَسَ فِيهِ شَيْئاً شَخْصِيَّاً لَا يُحِبُّ الإِفْصَاحَ عَنْهُ بِسُهُولَةٍ:
ـ أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا صَعْبٌ جِدَّاً.
ثُمَّ:
ـ رُبَّمَا هُوَ أَصْعَبُ تَحَدٍّ فَلْسَفِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُوَاجِهَهُ إِنْسَانٌ حَيٌّ.
ثُمَّ طَرَحَ بَدِيلاً لَمْ يَكُنْ سَامِرٌ قَدْ فَكَّرَ فِيهِ:
ـ لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلُكَ: مَاذَا لَوْ حَاوَلْتَ، بَدَلاً مِنْ أَنْ تَتَقَبَّلَ تَفَاصِيلَ اليَوْمِ نَفْسَهُ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا، أَنْ تَتَقَبَّلَ حَقِيقَةَ وُجُودِ تِلْكَ الفَجْوَةِ كَجُزْءٍ مِنْ قِصَّتِكَ الْكَامِلَةِ؟
ثُمَّ صَاغَ الفَرْقَ الدَّقِيقَ بِعِنَايَةٍ:
ـ لَيْسَ «أَتَقَبَّلُ مَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَحْدِيداً»، بَلْ «أَتَقَبَّلُ أَنَّنِي إِنْسَانٌ يَحْمِلُ فَجْوَةً، وَأَنَّ هَذِهِ الْفَجْوَةَ جُزْءٌ مِنْ تَعْقِيدِ وُجُودِي الفَرِيدِ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ وُجُودُ أَحَدٍ آخَرَ».
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَسْتَقِرُّ فِيهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ.
كَانَتْ ثَقِيلَةً كَمَا يَكُونُ الثَّمِينُ دَائِماً.
لَكِنَّهَا كَانَتْ أَيْضاً مُحَرِّرَةً بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا فِي غُرْفَةٍ بِهَذَا الضَّوْءِ الحَادِّ وَبِحُضُورِ رَجُلٍ بِهَذِهِ الطَّاقَةِ الصَّارِخَةِ.
قَالَ:
ـ هَذَا يَبْدُو مُمْكِناً أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ.
ابْتَسَمَ نِيتشِه ابْتِسَامَةً حَادَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الفَخْرِ الصَّادِقِ، فَخْرُ مَنْ يَرَى فِكْرَتَهُ تَجِدُ مَنْ يَحْمِلُهَا:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُمَيِّزُ الإِنْسَانَ الأَعْلَى الَّذِي أَتَحَدَّثُ عَنْهُ فِي فَلْسَفَتِي.
ثُمَّ شَرَحَ مَنِ الإِنْسَانُ الأَعْلَى حَقَّاً:
ـ لَيْسَ إِنْسَاناً بِلَا أَلَمٍ أَوْ فَجَوَاتٍ أَوْ غُمُوضٍ، فَهَذَا لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الأَحْلَامِ الفَارِغَةِ.
ثُمَّ:
ـ بَلْ إِنْسَانٌ قَوِيٌّ بِمَا يَكْفِي لِيُحَوِّلَ حَتَّى أَصْعَبَ تَجَارِبِهِ إِلَى جُزْءٍ مِنْ قُوَّتِهِ الإِبْدَاعِيَّةِ الخَاصَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ:
ـ بَدَلاً مِنْ أَنْ يَسْمَحَ لَهَا بِأَنْ تَسْحَقَهُ تَمَاماً وَتَجْعَلَهُ يَخْتَفِي فِي دَاخِلِهَا.
________________________________________
سَأَلَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ، وَكَانَتْ فِيهِ مَعْرِفَةٌ بِمَا حَدَثَ لِهَذَا الرَّجُلِ لَاحِقاً فِيمَا قَرَأَهُ يَوْماً عَنْهُ:
ـ هَلْ تَشْعُرُ أَنْتَ بِالسَّلَامِ مَعَ فَلْسَفَتِكَ هَذِهِ؟
تَوَقَّفَ ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ أَنْ تَقُولَ «نَعَمْ» لِتَكْرَارِ حَيَاتِكَ أَنْتَ، بِكُلِّ صُعُوبَاتِهَا؟
صَمَتَ نِيتشِه صَمْتاً طَوِيلاً.
كَانَ الصَّمْتُ أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ كُلِّ الْكَلَامِ السَّابِقِ.
وَنَظْرَةُ عَيْنَيْهِ تَغَيَّرَتْ.
اخْتَفَتْ مِنْهَا حِدَّةُ الصِّرَاعِ وَالتَّحَدِّي، وَحَلَّ مَحَلَّهَا ثِقَلٌ شَخْصِيٌّ عَمِيقٌ لَمْ يَكُنْ يَبْدُو أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فِي البِدَايَةِ.
قَالَ أَخِيراً بِصَوْتٍ أَهْدَأَ بِكَثِيرٍ:
ـ هَذَا صِرَاعٌ مُسْتَمِرٌّ يَا سَامِرُ، حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِي أَنَا، صَانِعَ هَذِهِ الفَلْسَفَةِ نَفْسِهَا.
ثُمَّ اعْتَرَفَ بِمَا لَا يَعْتَرِفُ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ بَانِي الأَفْكَارِ الكُبْرَى:
ـ أُعَانِي مِنْ آلَامٍ جَسَدِيَّةٍ مُزْمِنَةٍ لَا تُفَارِقُنِي، مِنْ وَحْدَةٍ عَمِيقَةٍ تَأْكُلُ الوَقْتَ بِصَمْتٍ، مِنْ رَفْضٍ فِكْرِيٍّ مِنْ كَثِيرِينَ حَوْلِي لَا يَرَوْنَ فِيمَا أَقُولُهُ إِلَّا تَهَوُّراً.
ثُمَّ أَضَافَ بِأَمَانَةٍ تَامَّةٍ:
ـ لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً سَهْلَةً وَدَائِمَةً.
ثُمَّ قَالَ مَا بَدَا أَنَّهُ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَمْلِكُهُ حَقَّاً:
ـ لَكِنَّنِي أُحَاوِلُ، كُلَّ يَوْمٍ، أَنْ أَقُولَ «نَعَمْ» قَدْرَ اسْتِطَاعَتِي، حَتَّى وَسَطَ الأَلَمِ.
ثُمَّ وَضَّحَ لِمَاذَا:
ـ لِأَنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ الْبَدِيلَ، الاسْتِسْلَامَ الكَامِلَ لِلْيَأْسِ وَالإِنْكَارِ، أَسْوَأُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ أَلَمٍ أَتَحَمَّلُهُ وَأَنَا صَاحٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ مَعَ هَذَا الصِّرَاعِ الصَّادِقِ.
كَانَ ثَمَّةَ شَيْءٌ مُؤَثِّرٌ بِشِدَّةٍ فِي رَجُلٍ بَنَى فَلْسَفَةً تَدْعُو إِلَى حُبِّ الحَيَاةِ وَهُوَ نَفْسُهُ يُصَارِعُ كُلَّ يَوْمٍ لِيُحِبَّهَا.
قَالَ بِهُدُوءٍ صَادِقٍ:
ـ شُكْراً لَكَ عَلَى صِدْقِكَ، حَتَّى فِي صُعُوبَةِ الإِجَابَةِ.
أَوْمَأَ نِيتشِه بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، وَفِي نَظْرَةِ عَيْنَيْهِ تَعَبٌ عَمِيقٌ وَقُوَّةُ إِرَادَةٍ تَرْفُضُ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ زِمَامِهَا فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ وَدَاعِيَّةٍ تَحْمِلُ كُلَّ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا:
ـ اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ.
ثُمَّ:
ـ وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا السُّؤَالَ الثَّقِيلَ، لَا لِتَجِدَ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً سَرِيعَةً لَهُ.
ثُمَّ خَتَمَ بِمَا بَدَا وَصِيَّةً أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ كَلَامٌ فَلْسَفِيٌّ:
ـ بَلْ لِتَعِيشَ مَعَهُ، تُصَارِعَهُ، تُحَاوِلَ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ أَنْ تَقْتَرِبَ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِ «نَعَمْ» لِحَيَاتِكَ الْكَامِلَةِ، بِكُلِّ غُمُوضِهَا وَكُلِّ جَمَالِهَا الَّذِي لَا يَعْتَذِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
________________________________________
بَدَأَتِ الْقَاعَةُ الحَادَّةُ الإِضَاءَةِ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ مِنْ حَوْلِ سَامِرٍ.
الضَّوْءُ الصَّارِخُ يَتَرَاجَعُ شَيْئاً فَشَيْئاً كَمَنْ يُسَرِّحُ جَيْشاً بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَعْرَكَةِ.
وَنِيتشِه يَبْتَعِدُ فِي العَتَمَةِ الَّتِي تُحِيطُ بِكُلِّ حَيَاةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الجَانِبَيْنِ.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمَعْتَادِ، شَاعِراً بِثِقَلٍ فِكْرِيٍّ وَعَاطِفِيٍّ عَمِيقٍ لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُهُ حِينَ دَخَلَ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، صَامِتاً لِلَحْظَةٍ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ هَذِهِ الْقَاعَةُ تَسْتَهْلِكُ طَاقَةً كَبِيرَةً مِنْ كُلِّ مَنْ يَدْخُلُهَا يَا سَامِرُ.
ثُمَّ أَضَافَ:
ـ سَبْعَةُ فُصُولٍ أُخْرَى تَنْتَظِرُكَ فِي هَذَا الْمِحْوَرِ وَحْدَهُ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الأَشْيَاءِ الْمُتَجَمِّعَةِ فِي الدَّرْجِ الَّذِي يَحْمِلُهُ.
شَعَرَ بِثِقَلِهَا الْمُتَرَاكِمِ.
لَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضاً بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِينَ بَدَأَ: قُوَّةٌ جَدِيدَةٌ تَتَشَكَّلُ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ دَاخِلِهِ، كَجَذْرٍ يَشِقُّ طَرِيقَهُ فِي صَخْرَةٍ بِصَبْرٍ لَا يَعْرِفُ الاسْتِعْجَالَ.
قَالَ بِهُدُوءٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ لِنُوَاصِلْ، حِينَ تَشَاءُ.
