متحف الأيام المفقودة 38

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّامِنُ وَالثَّلاثُون – فَيلَسُوفَةُ الكِيُوتُو – كِيُوتُو — خَرِيفُ عَامِ ١٩٤٠م
________________________________________
كَانَتِ الحَدِيقَةُ تَنتَظِرُهُ كَأَنَّهَا تَعرِفُ مَوعِدَ قُدُومِهِ.
لَم تَكُن مِنَ الحَدَائِقِ التِي تَستَقبِلُكَ بِالأَلوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالأَزهَارِ المُتَنَافِسَةِ عَلَى الانتِبَاهِ، بَل كَانَت حَدِيقَةً مِن نَوعٍ مُختَلِفٍ تَمَامًا؛ حَدِيقَةٌ تَقُولُ أَشيَاءَ كَثِيرَةً بِصَمتٍ مُطبِق.
رَملٌ أَبيَضُ نَاصِعٌ مُمَشَّطٌ بِأَصَابِعَ خَبِيرَةٍ، تَركَت فِيهِ خُطُوطًا مُتَوَازِيَةً دَقِيقَةً كَأَنَّهَا أَسطُرٌ مِن كِتَابٍ لا يَقرَؤُهُ إِلَّا مَن تَعَلَّمَ الصَّمتَ.
وَصَخَرَاتٌ قَلِيلَةٌ، لَيسَت كَثِيرَةً وَلَيسَت نَادِرَةً، مَنثُورَةٌ هُنَا وَهُنَاكَ بِعِنَايَةٍ تُشبِهُ عِنَايَةَ الكَلِمَاتِ فِي قَصِيدَةٍ مُحكَمَة.
وَامرَأَةٌ.
جَالِسَةٌ أَمَامَ هَذَا كُلِّهِ بِهُدُوءٍ لَم يَرَهُ سَامِرُ مِن قَبلُ فِي أَيِّ إِنسَانٍ قَابَلَهُ طِوَالَ رِحلَتِهِ العَجِيبَةِ هَذِهِ.
كَانَت فِي الثَّامِنَةِ وَالأَربَعِينَ مِن عُمرِهَا، تَلبَسُ كِيمُونُو رَمَادِيًّا هَادِئًا كَلَونِ الغَيمِ قَبلَ المَطَرِ، وَشَعرُهَا الأَسوَدُ المُرَصَّصُ بِخُيُوطٍ فِضِّيَّةٍ قَلِيلَةٍ مَشدُودٌ إِلَى الخَلفِ بِبَسَاطَةٍ لا تَخلُو مِن كِبرِيَاءٍ صَامِت.
لَكِنَّ الأَعجَبَ مِن كُلِّ هَذَا أَنَّهَا لَم تَكُن تَنظُرُ إِلَى الصَّخَرَاتِ.
كَانَت تَنظُرُ إِلَى مَا بَينَهَا.
إِلَى الفَرَاغِ نَفسِهِ، كَأَنَّهُ الشَّيءُ الوَحِيدُ الجَدِيرُ بِالنَّظَرِ فِي هَذَا العَالَم.
وَقَفَ سَامِرُ لَحظَةً عِندَ مَدخَلِ الحَدِيقَةِ، مُتَرَدِّدًا، وَكَأَنَّ خُطوَاتِهِ سَتُحدِثُ ضَجَّةً لا تَلِيقُ بِهَذَا المَكَان.
رَفَعَت المَرأَةُ عَينَيهَا إِلَيهِ دُونَ أَن تَلتَفِتَ، كَأَنَّهَا كَانَت تُدرِكُ وُجُودَهُ مُنذُ البِدَايَة.
قَالَت بِصَوتٍ هَادِئٍ كَنَبضِ الحَدِيقَةِ نَفسِهَا:
ـ أَهلًا بِك.
اجلِس، إِن استَطَعتَ أَن تَتَعَلَّمَ كَيفَ تَرَى الفَرَاغَ كَمَا تَرَى الأَشيَاء.
جَلَسَ سَامِرُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ عَلَى الحَصِيرَةِ المَفرُودَةِ بِجَانِبِهَا، وَشَعَرَ فَجأَةً أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ زَائِدَةٍ مِنهُ ستُكَدِّرُ هَذَا الهُدُوءَ الثَّمِين.
قَالَ بِصَوتٍ أَخفَضَ مِمَّا اعتَادَ:
ـ أَنَا سَامِر.
مَاذَا تَقصِدِينَ بِـ”رُؤيَةِ الفَرَاغِ”؟
نَظَرَت إِلَيهِ بِعُمقٍ هَادِئٍ، كَعُمقِ بِئرٍ لا تَسمَعُ فِيهِ صَدَى الحَجَرِ حِينَ يَسقُط.
قَالَت:
ـ فِي فَلسَفَتِنَا — مَدرَسَةُ كِيُوتُو — نُؤمِنُ أَنَّ “اللَّاشَيءَ”، أَو “الفَرَاغَ”، مَا تُسَمُّونَهُ فِي الفَلسَفَةِ الغَربِيَّةِ أَحيَانًا بِالعَدَمِ، لَيسَ مُجَرَّدَ غِيَابٍ سَلبِيٍّ لِلوُجُود، بَل هُوَ حُضُورٌ إِيجَابِيٌّ عَمِيقٌ لَهُ طَبِيعَتُهُ الخَاصَّةُ وَقَانُونُهُ الخَاصّ.
شَعَرَ سَامِرُ بِارتِبَاكٍ حَقِيقِيٍّ يَضغَطُ خَلفَ جَبهَتِه.
قَالَ:
ـ كَيفَ يُمكِنُ لِلَّاشَيءِ أَن يَكُونَ “حُضُورًا”؟
هَذَا يَبدُو تَنَاقُضًا مَنطِقِيًّا صَرِيحًا، مِثلَ أَن تَقُولِي إِنَّ الصَّمتَ يَصرُخ.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً هَادِئَةً، لَم تُدَافِع وَلَم تَستَنكِر، بَل أَشَارَت بِيَدِهَا إِلَى الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ أَمَامَهُمَا.
قَالَت:
ـ انظُر إِلَى هَذِهِ الحَدِيقَة.
الرَّملُ المُمَشَّطُ بِعِنَايَةٍ، الصَّخَرَاتُ المَنثُورَةُ بِحِكمَة، كُلُّهَا جَمِيلَةٌ نَعَم.
لَكِنَّ جَمَالَهَا الحَقِيقِيَّ لا يَكمُنُ فِي الصَّخَرَاتِ ذَاتِهَا، بَل يَكمُنُ فِي المَسَافَاتِ الفَارِغَةِ بَينَهَا، فِي الفَرَاغِ الذِي يُحِيطُ بِهَا وَيَمنَحُهَا مَعنَاهَا الكَامِل.
تَخَيَّل لَو أَنَّنَا مَلَأنَا كُلَّ فَرَاغٍ بِصَخرَةٍ أُخرَى.
مَاذَا سَيَحدُث؟
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الحَدِيقَةِ بِعَينٍ جَدِيدَة، وَحَاوَلَ أَن يَتَخَيَّلَ هَذَا الرَّملَ الأَبيَضَ وَقَد امتَلَأَ بِالصَّخَرَاتِ حَتَّى لَم يَتَبَقَّ مِنهُ شَيء.
قَالَ بِبُطءٍ كَمَن يَكتَشِفُ شَيئًا يَعرِفُهُ وَلَم يَتَنَبَّه إِلَيهِ مِن قَبل:
ـ لَفَقَدَت الحَدِيقَةُ جَمَالَهَا بِالكَامِل.
أَومَأَت.
قَالَت:
ـ وَهَذَا يَنطَبِقُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ جَمِيلٍ فِي الوُجُود.
الجُملَةُ المَكتُوبَةُ بِإِتقَانٍ تَحتَاجُ إِلَى الفَرَاغَاتِ بَينَ كَلِمَاتِهَا لِتُقرَأ.
المُوسِيقَى تَحتَاجُ إِلَى الصَّمتِ بَينَ نَغَمَاتِهَا لِتُسمَع.
وَالوَجهُ البَشَرِيُّ لا يَصِيرُ جَمِيلًا إِلَّا حِينَ تَكُونُ بَينَ مَلَامِحِهِ مَسَافَاتٌ مُنسَجِمَة.
الكَمَالُ لَيسَ الامتِلَاء، يَا سَامِر.
الكَمَالُ هُوَ التَّوَازُنُ بَينَ مَا هُوَ مَوجُودٌ وَمَا هُوَ غَائِب.
فَكَّرَ سَامِرُ، ثُمَّ قَالَ بِلَهجَةٍ تُنبِئُ أَنَّ شَيئًا مَا بَدَأَ يَتَحَرَّكُ فِي دَاخِلِه:
ـ هَذَا يُشبِهُ مَا قَالَتهُ لِي الشَّاعِرَةُ سَافُو مِن قَبل، عَن الفَجَوَاتِ فِي قَصَائِدِهَا الَّتِي لَم تَكتَمِل، كَيفَ أَنَّ تِلكَ الفَجَوَاتِ لا تُضعِفُ المَعنَى بَل تَعمَّقُهُ أَحيَانًا حَتَّى يُصبِحَ الفَقدَانُ هُوَ القَصِيدَةُ نَفسُهَا.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِإِعجَابٍ هَادِئٍ لِهَذَا الرَّبطِ الَّذِي صَنَعَهُ سَامِر.
قَالَت:
ـ رُبَّمَا هُنَاكَ صَدًى مُشتَرَكٌ عَمِيقٌ بَينَ هَذِهِ الأَفكَارِ عَبرَ الثَّقَافَاتِ المُختَلِفَة، نَعَم.
وَهَذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ فِكرَةٌ جَدِيرَةٌ بِالتَّأَمُّل.
أَمَّا فِي فَلسَفَتِنَا، فَنُسَمِّي هَذَا المَفهُومَ “مَا” — وَهِيَ كَلِمَةٌ يَابَانِيَّةٌ لا تَجِدُ لَهَا تَرجَمَةً دَقِيقَةً فِي لُغَاتٍ أُخرَى — وَمَعنَاهَا الفَرَاغُ الحَيُّ، الفَرَاغُ الَّذِي لَيسَ عَدَمًا مُطلَقًا بَل هُوَ مَسَاحَةٌ مَشحُونَةٌ بِإِمكَانِيَّةٍ كَامِنَة، بِحُضُورٍ صَامِتٍ يَنتَظِرُ.
سَألَهَا سَامِرُ بِصَوتٍ فِيهِ شَيءٌ مِن الحِرصِ الحَقِيقِيّ:
ـ كَيفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا فِي فَهمِ يَومِيَ المَفقُودِ تَحدِيدًا؟
كَيفَ يُسَاعِدُنِي أَن أَعرِفَ أَنَّ الفَرَاغَ لَهُ اسمٌ جَمِيلٌ، إِن كَانَ هَذَا الفَرَاغُ لا يَزَالُ يُوجِعُنِي؟
فَكَّرَت المَرأَةُ طَوِيلًا، نَظرَةٌ عَمِيقَةٌ تَستَقِرُّ فِي عَينَيهَا كَحَجَرٍ يَنزِلُ رُوَيدًا إِلَى قَاعِ بُحيرَةٍ صَافِيَة.
ثُمَّ قَالَت:
ـ رُبَّمَا أَنتَ الآنَ تَنظُرُ إِلَى يَومِكَ المَفقُودِ كَثُقبٍ أَسوَد، كَفَرَاغٍ سَلبِيٍّ مُرعِبٍ يَتَهَدَّدُ سَلَامَةَ ذَاكِرَتِكَ الكَامِلَة، كَجُرحٍ مَفتُوحٍ فِي نَسِيجِ حَيَاتِكَ لا يَلتَئِم.
لَكِن انتَبِه إِلَى هَذَا السُّؤَال:
مَاذَا لَو نَظَرتَ إِلَيهِ — بَدلًا مِن ذَلِكَ كُلِّهِ — كَـ”مَا”؟
كَفَرَاغٍ حَيٍّ لَهُ حُضُورُهُ الخَاصُّ فِي نَسِيجِ حَيَاتِكَ، يُعطِي بَقِيَّةَ ذِكرَيَاتِكَ مَعنًى أَعمَقَ بِمُجَرَّدِ تَبَايُنِهَا مَعَه؟
قَالَ سَامِرُ، وَفِي صَوتِهِ شَيءٌ مِن المُقَاوَمَة:
ـ لَكِنَّ هَذَا يَتَطَلَّبُ تَحَوُّلًا كَامِلًا فِي طَرِيقَةِ نَظَرِي إِلَى هَذَا الفَرَاغ.
أَنَا لَم أَتَعَلَّم يَومًا أَن أَنظُرَ إِلَى مَا لا أَملِكُهُ بِوَصفِهِ هِبَة.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِتَفَهُّمٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِمُجَامَلَة.
قَالَت:
ـ نَعَم.
تَحَوُّلٌ جَذرِيٌّ فِي المَنظَور، أَعرِفُ أَنَّهُ لَيسَ سَهلًا وَلَا سَرِيعًا وَلَا يَحدُثُ بِقَرَارٍ وَاحِد.
نَحنُ فِي ثَقَافَتِنَا نُمَارِسُ هَذَا عَبرَ فُنُونٍ كَثِيرَة، لِأَنَّ مَا لا تَستَطِيعُ اللُّغَةُ تَعلِيمَهُ يُعَلِّمُهُ الجَسَدُ وَالعَينُ وَاليَد.
هَذِهِ الحَدِيقَةُ أَمَامَنَا تُعَلِّمُ الفَرَاغَ الحَيّ.
وَفَنُّ الإِيكِيبَانَا — تَرتِيبُ الأَزهَارِ — يُعَلِّمُ أَنَّ الفَرَاغَ بَينَ السِّيقَانِ مُهِمٌّ بِقَدرِ السِّيقَانِ نَفسِهَا، بَل إِنَّ الفَنَّانَ المُتَمَرِّسَ يَبدَأُ بِتَصمِيمِ الفَرَاغِ قَبلَ أَن يَبدَأَ بِوَضعِ الزَّهرَة.
وَفِي مُوسِيقَانَا التَّقلِيدِيَّة، يَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ — قَبلَ أَيِّ شَيءٍ آخَر — قِيمَةَ الصَّمتِ بَينَ النَّغَمَات، لِأَنَّ المُوسِيقَى الحَقِيقِيَّةَ لَيسَت الأَصوَاتَ وَحدَهَا، بَل هِيَ العَلَاقَةُ بَينَ الأَصوَاتِ وَالصُّمُوت.
غَرِقَ سَامِرُ فِي هَذَا كُلِّهِ لَحظَةً، ثُمَّ سَألَ بِصَوتٍ أَهدَأَ وَأَعمَق:
ـ هَل تَظُنِّينَ أَنَّ هَذَا الفَرَاغَ — يَومِيَ المَفقُودَ — قَد يَحمِلُ قِيمَةً جَمَالِيَّةً، رُوحِيَّةً حَتَّى، لَا مُجَرَّدَ نَقصٍ يَجِبُ مَلؤُه؟
نَظَرَت إِلَيهِ بِعُمقٍ حَقِيقِيّ، وَلَم تَتَسَرَّع فِي الجَوَاب.
قَالَت:
ـ هَذَا احتِمَالٌ يَستَحِقُّ التَّأَمُّلَ فِيهِ بِجِدِّيَةٍ كَامِلَة، يَا سَامِر.
الكَمَالُ المُطلَق — مَلءُ كُلِّ فَرَاغٍ وَسَدُّ كُلِّ ثَغرَةٍ وَإِجَابَةُ كُلِّ سُؤَالٍ — لَيسَ بِالضَّرُورَةِ الحَالَةَ المُثلَى لِلوُجُودِ الإِنسَانِيّ.
الإِنسَانُ الذِي يَملِكُ جَوَابًا لِكُلِّ سُؤَالٍ وَذِكرَى لِكُلِّ يَومٍ وَتَفسِيرًا لِكُلِّ حَدَثٍ — هَذَا الإِنسَانُ لَا يَتَأَمَّل، لِأَنَّهُ لا يَجِدُ مَا يَدعُوهُ إِلَى التَّأَمُّل.
أَحيَانًا، الفَرَاغُ الذِي نَحمِلُهُ يَصنَعُ مَسَاحَةً لِنُمُوٍّ جَدِيدٍ لَم يَكُن مُمكِنًا لَو كَانَ كُلُّ شَيءٍ مَكتُومًا وَمَحسُوبًا وَمَعرُوفًا.
الفَرَاغُ هُوَ البَابُ الَّذِي تَدخُلُ مِنهُ الأَسئِلَةُ الحَقِيقِيَّة.
صَمَتَ سَامِرُ.
ثُمَّ تَكَلَّمَت المَرأَةُ مَرَّةً أُخرَى، لَكِن بِلَهجَةٍ مُختَلِفَةٍ هَذِهِ المَرَّة، أَقَلَّ تَعلِيمًا وَأَكثَرَ سُؤَالًا:
ـ أَخبِرنِي، يَا سَامِر.
حِينَ تُفَكِّرُ فِي حَيَاتِكَ كَكُلٍّ، هَل الفَرَاغُ الوَحِيدُ الذِي يَشغَلُكَ هُوَ يَومُكَ المَفقُودُ هَذَا؟
أَم أَنَّ هُنَاكَ فَرَاغَاتٍ أُخرَى، أَصغَر، أَقَلَّ وُضُوحًا، لَم تَنتَبِه إِلَيهَا بِنَفسِ الحِدَّةِ لِأَنَّهَا لَم تَحمِل اسمًا وَلَم تُصبِح قَضِيَّة؟
فَكَّرَ سَامِرُ طَوِيلًا.
فَاجَأَهُ السُّؤَالُ بِعُمقِهِ لِأَنَّهُ لَم يَطرَحهُ يَومًا بِهَذِهِ الصُّورَة.
قَالَ بِبُطءٍ، كَمَن يَرتَعِبُ مِن الإِجَابَةِ وَيُقِرُّ بِهَا فِي الوَقتِ ذَاتِه:
ـ أَعتَقِدُ… نَعَم.
هُنَاكَ فَرَاغَاتٌ أَصغَرُ كَثِيرَةٌ لَم أُفَكِّر فِيهَا مِن قَبلُ بِنَفسِ القَلَق.
أَيَّامٌ نَسِيتُ مَا جَرَى فِيهَا لِأَنَّهَا لَم تَكُن مُهِمَّةً فِي حِينِهَا.
مَحَادَثَاتٌ طَالَ زَمَانُهَا فَطَوَاهَا النِّسيَان.
لَحَظَاتٌ أَدرَكتُ بَعدَ فَوَاتِ الأَوَانِ أَنَّهَا كَانَت جَوهَرِيَّةً وَلَم أَلتَفِت إِلَيهَا.
ابتَسَمَت المَرأَةُ ابتِسَامَةً حَكِيمَةً، ابتِسَامَةَ مَن يَرَى مَا كَانَ يَعرِفُهُ وَيَنتَظِرُ أَن يَرَاهُ الآخَر.
قَالَت:
ـ هَذَا مُثِيرٌ لِلاهتِمَامِ حَقًّا.
رُبَّمَا يَومُكَ المُحَدَّدُ المَفقُودُ هَذَا قَد أَصبَحَ بُؤرَةَ تَرَكُّزٍ لِقَلَقٍ أَوسَعَ وَأَعمَقَ تِجَاهَ طَبِيعَةِ الذَّاكِرَةِ الإِنسَانِيَّةِ نَفسِهَا.
الذَّاكِرَةُ الإِنسَانِيَّةُ — كُلُّ ذَاكِرَةٍ بَشَرِيَّةٍ دُونَ استِثنَاء — مَثقُوبَةٌ بِفَرَاغَاتٍ كَثِيرَةٍ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ وَمُتَوَسِّطَة.
هَذِهِ لَيسَت مَأسَاةً خَاصَّةً بِكَ، بَل هِيَ طَبِيعَةُ الوُجُودِ الإِنسَانِيِّ الَّذِي يَعِيشُ فِي الزَّمَن.
أَنتَ لَستَ إِنسَانًا مَكسُورَ الذَّاكِرَة.
أَنتَ إِنسَانٌ يَعِيشُ بِذَاكِرَةٍ بَشَرِيَّةٍ عَادِيَّةٍ تَمَامًا.
سَألَ سَامِرُ بِصَوتٍ فِيهِ شَيءٌ يُشبِهُ الأَمَل:
ـ كَيفَ أَتَعَلَّمُ أَن أَعِيشَ بِسَلَامٍ مَعَ كُلِّ هَذِهِ الفَرَاغَات، الصَّغِيرَةِ وَالكَبِيرَة؟
نَظَرَت إِلَى حَدِيقَةِ الرَّملِ أَمَامَهَا بِحُبٍّ عَمِيقٍ هَادِئ، كَنَظرَةِ الأُمِّ إِلَى طِفلٍ نَائِم.
قَالَت:
ـ بِالمُمَارَسَةِ المُستَمِرَّة، يَا سَامِر.
تَمَامًا كَمَا أُمَارِسُ أَنَا التَّأَمُّلَ فِي هَذِهِ الحَدِيقَةِ كُلَّ يَوم، يَومًا بَعدَ يَومٍ وَسَنَةً بَعدَ سَنَة.
ابدَأ بِالنَّظَرِ إِلَى فَرَاغَاتِكَ الصَّغِيرَةِ أَوَّلًا، لِأَنَّهَا أَكثَرُ رَحمَةً مِن الكَبِيرَة.
انظُر إِلَيهَا بِفُضُولٍ هَادِئٍ بَدَلًا مِنَ القَلَقِ المُبَاشِر، كَأَنَّكَ تَكتَشِفُ شَيئًا غَرِيبًا لَا تَعرِفُهُ، لَا كَأَنَّكَ تُوَاجِهُ عَدُوًّا.
لاحِظ كَيفَ تَتَعَايَشُ هَذِهِ الفَرَاغَاتُ مَعَ ذِكرَيَاتِكَ الكَامِلَة، كَيفَ تُضفِي عَلَيهَا أَحيَانًا عُمقًا وَتَبَايُنًا يَجعَلُهَا أَكثَرَ وُضُوحًا لَا أَقَل.
الذِّكرَى الَّتِي تَنبُثُّ بَعدَ صَمتٍ طَوِيلٍ أَكثَرُ تَألُّقًا مِنَ الذِّكرَى التِي لَا تَجِدُ مَكَانًا تَسكُتُ فِيه.
شَعَرَ سَامِرُ بِهُدُوءٍ جَدِيدٍ، هُدُوءٍ لَم يَكُن فِيهِ غِيَابُ الأَلَمِ بَل كَانَ فِيهِ قَبُولٌ لِوُجُودِهِ.
قَالَ:
ـ شُكرًا لَكِ.
هَذَا يَمنَحُنِي طَرِيقَةً جَدِيدَةً كُلِّيًّا لِلنَّظَرِ إِلَى مَا كُنتُ أَعتَبِرُهُ دَائِمًا مُجَرَّدَ مُشكِلَةٍ يَجِبُ حَلُّهَا.
ابتَسَمَت المَرأَةُ ابتِسَامَتَهَا الأَخِيرَةَ الهَادِئَة، ثُمَّ عَادَت إِلَى مُرَاقَبَةِ الفَرَاغِ بَينَ الصَّخَرَاتِ بِصَمتٍ تَامٍّ كَأَنَّهُ لَم يَحدُث شَيء، كَأَنَّ هَذِهِ المَحَادَثَةَ بِأَكمَلِهَا كَانَت هِيَ نَفسُهَا جُزءًا مِنَ الفَرَاغِ الذِي تَتَأَمَّلُه.
ثُمَّ قَالَت، دُونَ أَن تَنظُرَ إِلَيه، وَكَأَنَّ الحَدِيقَةَ هِيَ التِي تَكَلَّمَت:
ـ اذهَب الآن، يَا سَامِر.
وَاحمِل مَعَكَ هَذَا:
الفَرَاغُ لَيسَ دَائِمًا عَدُوًّا يَجِبُ مُحَارَبَتُه.
بَل أَحيَانًا هُوَ مُعَلِّمٌ صَامِتٌ يَنتَظِرُ أَن تَتَعَلَّمَ لُغَتَهُ الخَاصَّة.
بَدَأَتِ الحَدِيقَةُ اليَابَانِيَّةُ وَالرَّملُ الأَبيَضُ المُمَشَّطُ يَتَلَاشَيَانِ رُوَيدًا رُوَيدًا، كَأَنَّهُمَا يَعُودَانِ إِلَى الفَرَاغِ الذِي خَرَجَا مِنه.
وَعَادَ سَامِرُ إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَاد.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لِقَلَمٍ وَامرَأَةٍ تَكتُبُ بِقُوَّة، كَأَنَّهَا تَشُقُّ الوَرَقَ لَا تَملَؤُه.
نَظَرَ إِلَيهِ العَجُوزُ بِعَينَينِ تَعرِفَانِ أَكثَرَ مِمَّا تَقُولَان.
قَالَ:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَة، يَا سَامِر، تَحمِلُ صَوتَ امرَأَةٍ غَيَّرَت فَهمَ العَالَمِ بِأَكمَلِهِ لِمَعنَى أَن تَكُونِي امرَأَة.
امرَأَةٌ صَاغَت الرِّوَايَاتِ التَّارِيخِيَّةَ — تِلكَ الَّتِي كَتَبَهَا الرِّجَالُ غَالِبًا — وَبَيَّنَت كَيفَ أَنَّهَا رَسَمَت المَرأَةَ دَائِمًا كَـ”الآخَر”، لَا كَذَاتٍ كَامِلَةٍ مُستَقِلَّة.
وَقَفَ سَامِرُ أَمَامَ البَابِ لَحظَةً.
ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِقبَضِهِ بِهُدُوءٍ لَم يَكُن يَملِكُهُ حِينَ دَخَلَ الحَدِيقَةَ لِلمَرَّةِ الأُولَى.
وَفَتَحَ البَاب.
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 39