متحف الأيام المفقودة 44

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ – فِيزْيَائِيُّ الكَمّ — جِنِيف، ٢٠١٥م – «الزَّمَنُ وَهْمٌ فِيزْيَائِيٌّ — المَاضِي حَاضِرٌ دَائِماً»
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ تُشْبِهُ تَقَاطُعَ عَالَمَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ عَادَةً: عَالَمُ الأَرْقَامِ الصَّارِمَةِ، وَعَالَمُ الأَسْئِلَةِ الكُبْرَى الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى جَوَابٍ.
وَقَفَ سَامِرٌ عِنْدَ العَتَبَةِ لَحْظَةً، يَسْتَوْعِبُ المَشْهَدَ.
كَانَتِ الجُدْرَانُ الأَرْبَعَةُ مُغَطَّاةً بِأَلْوَاحٍ زُجَاجِيَّةٍ شَفَّافَةٍ، نَقَشَ عَلَيْهَا شَخْصٌ مَا — بِخَطٍّ دَقِيقٍ حَازِمٍ — سِلْسِلَةً مُتَشَابِكَةً مِنَ المُعَادَلَاتِ الرِّيَاضِيَّةِ، كَأَنَّهَا خَرِيطَةُ كَوْنٍ مَصْغَّرٍ رُسِمَتْ بِالحِبْرِ عَلَى الهَوَاءِ نَفْسِهِ.
فِي وَسَطِ القَاعَةِ، وَأَمَامَ أَكْبَرِ هَذِهِ الأَلْوَاحِ، كَانَ يَقِفُ رَجُلٌ فِي السَّادِسَةِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
كَانَ نَحِيلاً بِالقَدْرِ الَّذِي يُنَاسِبُ مَنْ يَصْرِفُ طَاقَتَهُ كُلَّهَا فِي التَّفْكِيرِ، وَيَكَادُ يَنْسَى أَنَّ لَهُ جَسَداً يَحْتَاجُ غِذَاءً وَنَوْماً وَرَاحَةً.
كَانَتْ نَظَّارَتُهُ الطَّبِّيَّةُ دُونَ إِطَارٍ، تَجْلِسُ عَلَى أَنْفِهِ بِهُدُوءٍ يَكَادُ يَكُونُ رَصَانَةً، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ تُحَدِّقَانِ فِي المُعَادَلَاتِ بِتَرْكِيزٍ عَمِيقٍ، كَمَا يُحَدِّقُ المُصَلِّي فِي شُعْلَةِ شَمْعَةٍ، لَا يَرَى شَيْئاً سِوَاهَا.
لَمْ يَلْتَفِتِ الرَّجُلُ حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ، وَكَأَنَّ خُطُوَاتِ الضَّيْفِ كَانَتْ جُزْءاً مِنَ الخَلْفِيَّةِ الصَّامِتَةِ لِلكَوْنِ، شَيْءٌ يُرَجِّئُهُ الذِّهْنُ المُنْشَغِلُ إِلَى مَا بَعْدَ اكْتِمَالِ الفِكْرَةِ.
ثُمَّ، بَعْدَ لَحْظَةٍ، التَفَتَ الفِيزْيَائِيُّ — وَكَأَنَّهُ قَرَّرَ بِإِرَادَتِهِ أَنْ يُعِيدَ نَفْسَهُ إِلَى العَالَمِ المَحْسُوسِ — وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَخْلُو مِنْ حَفَاوَةٍ مُضْمَرَةٍ:
ـ أَهْلاً بِكَ.
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إِيمَاءَةً خَفِيفَةً، كَمَا يُحَيِّي العُلَمَاءُ بَعْضَهُمْ حِينَ تَكُونُ الأَفْكَارُ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً مِنَ المُجَامَلَاتِ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ تَنْطَوِي عَلَى تَحْذِيرٍ وَدُودٍ:
ـ أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مُسْتَعِدّاً لِفِكْرَةٍ قَدْ تَهُزُّ بَعْضَ افْتِرَاضَاتِكَ الأَسَاسِيَّةِ عَنِ الزَّمَنِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الأَلْوَاحِ الزُّجَاجِيَّةِ مِنْ حَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ مُشُوبٍ بِشَيْءٍ مِنَ التَّحَفُّظِ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يَزِنُ دَرَجَةَ اسْتِعْدَادِهِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ وَأَنَا مُسْتَعِدٌّ، أَظُنُّ.
ابْتَسَمَ الفِيزْيَائِيُّ ابْتِسَامَةً حَادَّةً فِكْرِيَّةً، ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الابْتِسَامِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ شَخْصٍ وَجَدَ مَا يَقُولُهُ مُثِيراً لِلاهْتِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ، ثُمَّ بَدَأَ:
ـ أَنَا بَاحِثٌ فِي فِيزْيَاءِ الكَمِّ، أُدْرِسُ طَبِيعَةَ الزَّمَنِ مِنْ مَنْظُورٍ فِيزْيَائِيٍّ عَمِيقٍ.
أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى سِلْسِلَةٍ مِنَ المُعَادَلَاتِ عَلَى اللَّوْحِ الأَكْبَرِ:
ـ وَسَأُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ قَدْ يَبْدُو صَادِماً: فِي كَثِيرٍ مِنْ مُعَادَلَاتِ الفِيزْيَاءِ الأَسَاسِيَّةِ، الزَّمَنُ لَا يَتَدَفَّقُ بِالاتِّجَاهِ الَّذِي نَخْتَبِرُهُ نَحْنُ، مِنَ المَاضِي إِلَى المُسْتَقْبَلِ، بِطَرِيقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ حَتْمِيَّةٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَتَسَلَّلُ إِلَى تَفْكِيرِهِ.
كَانَ قَدْ مَرَّ، مُنْذُ دَخَلَ هَذَا المُتْحَفَ الغَرِيبَ، بِلَحْظَاتٍ طَرَقَتْ فِيهَا الأَفْكَارُ بَابَ عَقْلِهِ بِعُنْفٍ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالتَّحْدِيدِ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، لِأَنَّ الَّذِي يَقُولُهَا لَمْ يَكُنْ شَاعِراً أَوْ فَيْلَسُوفاً أَوْ كَائِناً مِنْ عَصْرٍ بَعِيدٍ، بَلْ كَانَ عَالِماً، رَجُلَ أَرْقَامٍ وَمُعَادَلَاتٍ وَتَجَارِبَ، يَقِفُ أَمَامَ لَوْحٍ زُجَاجِيٍّ فِي جِنِيف، فِي عَامٍ لَيْسَ بَعِيداً.
ـ مَاذَا تَقْصُدُ؟
سَأَلَ سَامِرٌ، وَكَانَتْ فِي صَوْتِهِ لَهْجَةُ مَنْ يَسْعَى إِلَى الفَهْمِ لَا إِلَى المُجَادَلَةِ:
ـ نَحْنُ نَخْتَبِرُ الزَّمَنَ بِوُضُوحٍ، يَمْضِي لِلأَمَامِ، نَتَذَكَّرُ المَاضِيَ، لَا نَسْتَطِيعُ تَذَكُّرَ المُسْتَقْبَلِ.
أَوْمَأَ الفِيزْيَائِيُّ بِرَأْسِهِ، كَمَنْ يُؤَكِّدُ سُؤَالاً قَبْلَ أَنْ يُفَكِّكَهُ:
ـ هَذَا صَحِيحٌ تَمَاماً مِنْ مَنْظُورِ تَجْرِبَتِنَا اليَوْمِيَّةِ.
تَحَرَّكَتْ يَدَاهُ فَوْقَ المُعَادَلَاتِ بِإِيمَاءَاتٍ دَقِيقَةٍ، كَمَا تَتَحَرَّكُ يَدُ المُوسِيقِيِّ فَوْقَ مَفَاتِيحِ بِيَانُو غَيْرِ مَرْئِيٍّ:
ـ لَكِنْ فِي الفِيزْيَاءِ الأَسَاسِيَّةِ، مُعْظَمُ المُعَادَلَاتِ تَعْمَلُ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ سَوَاءٌ اتَّجَهَ الزَّمَنُ لِلأَمَامِ أَوْ لِلْخَلْفِ.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةِ مَنْ يَكْشِفُ سِرّاً مَخْبُوءاً فِي صَمِيمِ الأَشْيَاءِ:
ـ مَا نُسَمِّيهِ “سَهْمَ الزَّمَنِ”، ذَلِكَ الاتِّجَاهَ الَّذِي نَشْعُرُ أَنَّ الزَّمَنَ يَمْضِي فِيهِ، مُرْتَبِطٌ أَسَاساً بِمَفْهُومٍ فِيزْيَائِيٍّ نُسَمِّيهِ الإِنْتُرُوبِيَا: الفَوْضَى المُتَزَايِدَةُ فِي الكَوْنِ.
تَصَوَّرَ سَامِرٌ — مَرْفُوعاً فِي لَحْظَةٍ مِنَ التَّخَيُّلِ — كَوْباً مِنَ القَهْوَةِ يَسْقُطُ عَلَى أَرْضٍ مَرْمَرِيَّةٍ: تَتَهَشَّمُ الفِنْجَانُ، تَتَبَعْثَرُ الشَّظَايَا، يَتَسِيلُ السَّائِلُ الغَامِقُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ.
لَمْ يَرَ أَحَدٌ قَطُّ فِنْجَاناً مُتَهَشِّماً يَجْمَعُ شَظَايَاهُ عَفْواً وَيَنْتَصِبُ كَامِلاً.
هَذَا هُوَ سَهْمُ الزَّمَنِ: اتِّجَاهُ الفَوْضَى المُتَزَايِدَةِ، لَا شَيْءٌ آخَرُ.
وَسَأَلَ:
ـ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَوْمِي المَفْقُودِ؟
أَمْضَى الفِيزْيَائِيُّ لَحْظَةً طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، يَدَاهُ تَتَحَرَّكَانِ عَلَى الزُّجَاجِ بِلَمَسَاتٍ خَفِيفَةٍ، كَأَنَّهُ يَفْتَحُ أَدْرَاجاً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فِي نَسِيجِ المُعَادَلَاتِ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ عَمِيقٌ جِدّاً.
نَفَسَ عَمِيقاً، ثُمَّ بَدَأَ بِهُدُوءٍ رَصِينٍ:
ـ فِي بَعْضِ النَّظَرِيَّاتِ الفِيزْيَائِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، خَاصَّةً تِلْكَ المُتَعَلِّقَةَ بِنَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ لِأَيِنِشْتَايْنَ، المَاضِي وَالحَاضِرُ وَالمُسْتَقْبَلُ، جَمِيعُهَا مَوْجُودَةٌ مَعاً، فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ نُسَمِّيهِ الزَّمَكَانَ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَوْضَحَ:
ـ بَدَلاً مِنْ أَنْ يَكُونَ المَاضِي قَدِ “اخْتَفَى” تَمَاماً بِمُجَرَّدِ مُرُورِ لَحْظَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ مَوْجُوداً، كَنُقْطَةٍ ثَابِتَةٍ فِي هَذَا النَّسِيجِ الكَوْنِيِّ الشَّاسِعِ الَّذِي يَضُمُّ كُلَّ مَا كَانَ وَكُلَّ مَا هُوَ وَكُلَّ مَا سَيَكُونُ.
فِكِّرْ فِي الأَمْرِ هَكَذَا: أَنْتَ الآنَ تَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ المُعَادَلَاتِ، وَإِذَا تَحَرَّكْتَ يَمِيناً خَمْسَةَ أَمْتَارٍ، فَلَنْ تَعُودَ تَرَاهَا.
لَكِنَّهَا لَمْ تَخْتَفِ.
هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي مَكَانِهَا، وَأَنْتَ تَحَوَّلْتَ.
كَذَلِكَ الزَّمَنُ: اللَّحْظَاتُ لَا تَخْتَفِي، أَنْتَ الَّذِي تَتَحَوَّلُ عَبْرَهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ غَرِيبَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ، تِلْكَ المِنْطَقَةُ الَّتِي يَتَمَرْكَزُ فِيهَا التَّفْكِيرُ الصَّعْبُ:
ـ تَقْصُدُ أَنَّ يَوْمِيَ المَفْقُودَ، بِمَعْنىً مَا، لَا يَزَالُ “مَوْجُوداً”، فِيزْيَائِيّاً، فِي مَكَانٍ مَا مِنْ نَسِيجِ الزَّمَكَانِ؟
أَوْمَأَ الفِيزْيَائِيُّ بِرَأْسِهِ بِحَمَاسٍ خَفِيٍّ، ذَلِكَ الحَمَاسُ الَّذِي لَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ لَكِنَّهُ يُضِيءُ العَيْنَيْنِ:
ـ هَذَا تَفْسِيرٌ مُبَسَّطٌ جِدّاً لِفِكْرَةٍ مُعَقَّدَةٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بَعِيداً عَنِ الصَّحَّةِ مِنْ مَنْظُورٍ فِيزْيَائِيٍّ بَحْتٍ.
ثُمَّ أَوْضَحَ بِدِقَّةٍ عِلْمِيَّةٍ صَارِمَةٍ:
ـ فِي نَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، اللَّحْظَةُ الَّتِي عِشْتَ فِيهَا ذَلِكَ اليَوْمَ لَا تَزَالُ، بِمَعْنىً عَمِيقٍ، “حَاضِرَةً” فِي نَسِيجِ الكَوْنِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْتَ، مِنْ مَوْقِعِكَ الحَالِيِّ فِي الزَّمَنِ، أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً بِوَعْيِكَ.
تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَقِفُ فِي وَسَطِ مَدِينَةٍ شَاسِعَةٍ الأَحْيَاءِ.
الحَيُّ الَّذِي وُلِدْتَ فِيهِ لَا يَزَالُ مَوْجُوداً، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الآنَ.
الشَّارِعُ الَّذِي لَعِبْتَ فِيهِ طِفْلاً لَا يَزَالُ يَحْمِلُ آثَارَ قَدَمَيْكَ الصَّغِيرَتَيْنِ فِي ذَاكِرَةِ حَجَرِهِ.
أَنْتَ تَحَوَّلْتَ، لَكِنَّ المَكَانَ لَمْ يَنْتَهِ.
كَذَلِكَ اللَّحْظَاتُ فِي نَسِيجِ الزَّمَكَانِ: أَنْتَ تَحَوَّلْتَ، لَكِنَّهَا لَمْ تَنْتَهِ.
ـ هَذَا يَبْدُو مُطْمَئِنّاً وَمُرْبِكاً فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أَجَابَ سَامِرٌ، وَكَانَتْ فِي نَبْرَتِهِ مَسَافَةٌ صَغِيرَةٌ بَيْنَ الاسْتِيعَابِ وَالاسْتِسْلَامِ.
ضَحِكَ الفِيزْيَائِيُّ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، صَادِقَةً، خَالِيَةً مِنْ أَيِّ اسْتِعْلَاءٍ:
ـ هَذَا رَدُّ فِعْلٍ شَائِعٌ جِدّاً عِنْدَ مُوَاجَهَةِ فِيزْيَاءِ الكَمِّ وَالنِّسْبِيَّةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
حَتَّى فِيزْيَائِيُّونَ مُحَنَّكُونَ يَتَوَقَّفُونَ أَحْيَاناً أَمَامَ هَذِهِ الأَفْكَارِ بِنَفْسِ الشُّعُورِ المُزْدَوَجِ: إِنَّهَا صَحِيحَةٌ رِيَاضِيّاً، وَمُثِيرَةٌ لِلدُّوَارِ وُجُودِيّاً.
ثُمَّ أَضَافَ بِجِدِّيَّةٍ:
ـ لَكِنْ دَعْنِي أُوَضِّحُ أَمْراً مُهِمّاً: هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ، عَمَلِيّاً، “الوُصُولَ” إِلَى ذَلِكَ اليَوْمِ مَرَّةً أُخْرَى، أَوِ “السَّفَرَ” إِلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ عَمَلِيَّةٍ مُمْكِنَةٍ بِمَعْرِفَتِنَا الحَالِيَّةِ.
هَذَا فَهْمٌ فَلْسَفِيٌّ وَفِيزْيَائِيٌّ عَمِيقٌ عَنْ طَبِيعَةِ الزَّمَنِ، لَا حَلٌّ عَمَلِيٌّ مُبَاشِرٌ لِمُشْكِلَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ.
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ، يُسِيغُ هَذَا التَّمَيِيزَ الدَّقِيقَ بَيْنَ مَا هُوَ صَحِيحٌ فِيزْيَائِيّاً وَمَا هُوَ مُمْكِنٌ عَمَلِيّاً، ثُمَّ سَأَلَ:
ـ مَاذَا يَعْنِي هَذَا لِي عَمَلِيّاً إِذَنْ؟
أَمْضَى الفِيزْيَائِيُّ لَحْظَةً طَوِيلَةً فِي صَمْتٍ مُتَأَمِّلٍ.
نَظَرَ إِلَى المُعَادَلَاتِ، كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهَا.
ثُمَّ قَالَ:
ـ رُبَّمَا يَعْنِي أَنَّ فِكْرَةَ “الفُقْدَانِ الكَامِلِ المُطْلَقِ” لَيْسَتْ دَقِيقَةً فِيزْيَائِيّاً بِقَدْرِ مَا تَشْعُرُ بِهَا نَفْسِيّاً.
ذَلِكَ اليَوْمُ لَمْ “يُمْحَ مِنَ الوُجُودِ” بِمَعْنىً فِيزْيَائِيٍّ عَمِيقٍ.
هُوَ أَصْبَحَ فَقَطْ غَيْرَ قَابِلٍ لِلوُصُولِ المُبَاشِرِ مِنْ مَوْقِعِكَ الحَالِيِّ فِي الزَّمَنِ.
تَماماً كَمَا أَنَّ نَجْماً بَعِيداً جِدّاً لَا يَزَالُ مَوْجُوداً، حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهُ مُبَاشَرَةً بِعَيْنِكَ المُجَرَّدَةِ.
ضَوْؤُهُ يُسَافِرُ نَحْوَكَ الآنَ، حَتَّى وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ بِوُجُودِهِ.
وَمَوْجُودٌ، حَتَّى وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ هَذِهِ الصُّورَةِ.
النَّجْمُ الَّذِي لَا تَرَاهُ، لَكِنَّ ضَوْءَهُ يَصِلُكَ.
الذَّاكِرَةُ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ اسْتِرْجَاعَهَا، لَكِنَّهَا تَشْكَّلَتْكَ.
اليَوْمُ الَّذِي لَمْ تَعُدْ تَتَذَكَّرُهُ، لَكِنَّ كُلَّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ الآنَ حَمَلَ بَصَمَتَهُ.
ثُمَّ قَالَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْ فِكْرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لِي النَّجْمَةُ المُحْتَضَرَةُ عَنِ اسْتِمْرَارِ وُجُودِهَا بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا.
نَظَرَ الفِيزْيَائِيُّ إِلَيْهِ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ:
ـ مُثِيرٌ لِلاهْتِمَامِ أَنَّ هَذَا الفَهْمَ الحَدَسِيَّ العَمِيقَ يَتَرَدَّدُ صَدَاهُ عَبْرَ تَخَصُّصَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ جِدّاً.
الفَلَكُ وَالفِيزْيَاءُ وَالفَلْسَفَةُ وَالشِّعْرُ وَالرُّوحَانِيَّاتُ، كُلُّهَا تَصِلُ إِلَى حَافَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الفِكْرَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْسِنَتُهَا.
رُبَّمَا هَذَا يُخْبِرُنَا أَنَّ هُنَاكَ حَقِيقَةً عَمِيقَةً مُشْتَرَكَةً، يَصِلُ إِلَيْهَا البَشَرُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ: العِلْمِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ مَعاً.
وَكَأَنَّ الحَقِيقَةَ شَكْلٌ وَاحِدٌ كَبِيرٌ، وَكُلُّ تَخَصُّصٍ يَلْمِسُهُ مِنْ جِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
ثُمَّ سَأَلَ سَامِرٌ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ فَضُولاً مُتَأَمِّلاً:
ـ هَلْ يُؤْمِنُ الفِيزْيَائِيُّونَ أَنَّ هُنَاكَ أَكْوَاناً مُتَعَدِّدَةً، حَيْثُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ نُسْخَةٌ مِنِّي تَتَذَكَّرُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ؟
ابْتَسَمَ الفِيزْيَائِيُّ ابْتِسَامَةً حَذِرَةً، وَكَانَتِ الحَذَاقَةُ ظَاهِرَةً فِيهَا:
ـ هَذَا فَرْعٌ نَظَرِيٌّ مُثِيرٌ جِدّاً، يُسَمَّى “تَفْسِيرَ الأَكْوَانِ المُتَعَدِّدَةِ” فِي فِيزْيَاءِ الكَمِّ.
بَعْضُ الفِيزْيَائِيِّينَ يَأْخُذُونَهُ عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ كَتَفْسِيرٍ حَقِيقِيٍّ مُحْتَمَلٍ لِمِيكَانِيكَا الكَمِّ.
بَيْنَمَا آخَرُونَ يَعْتَبِرُونَهُ تَفْسِيراً رِيَاضِيّاً مُفِيداً، دُونَ الْتِزَامٍ كَامِلٍ بِوُجُودِهِ الفِيزْيَائِيِّ الحَرْفِيِّ.
لَا نَمْلِكُ إِجْمَاعاً عِلْمِيّاً كَامِلاً حَوْلَ هَذِهِ النُّقْطَةِ حَتَّى الآنَ.
وَأَضَافَ بِلَهْجَةٍ تَنْبَعُ مِنَ الأَمَانَةِ الفِكْرِيَّةِ لَا مِنَ التَّشْكِيكِ:
ـ لَكِنَّ الفِكْرَةَ نَفْسَهَا مُدْهِشَةٌ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ وَضْعِهَا المَرْجَعِيِّ.
تَخَيَّلْ: فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَنْقَسِمُ فِيهَا قَرَارٌ — أَنْ تَمْضِيَ يَمِيناً أَوْ يَسَاراً — يَتَفَرَّعُ الكَوْنُ إِلَى فَرْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا تَذَكَّرْتَ فِيهِ، وَالآخَرُ فَقَدْتَ فِيهِ.
إِذَا كَانَ هَذَا صَحِيحاً، فَلَا يَوْمَ يَضِيعُ كُلِّيّاً.
وَلَا ذَاكِرَةٌ تُمْحَى كُلِّيّاً.
تَنَفَّسَ سَامِرٌ بِعُمْقٍ.
ـ هَذَا يَفْتَحُ أُفُقاً غَرِيباً لِلتَّفْكِيرِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ حَلاً عَمَلِيّاً مُبَاشِراً.
أَوْمَأَ الفِيزْيَائِيُّ بِرَأْسِهِ بِهُدُوءٍ وَاثِقٍ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَفْعَلُهُ الفِيزْيَاءُ النَّظَرِيَّةُ فِي أَفْضَلِ حَالَاتِهَا: تُوَسِّعُ أُفُقَنَا لِلتَّفْكِيرِ فِي الإِمْكَانِيَّاتِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُقَدِّمْ دَائِماً حُلُولاً عَمَلِيَّةً مُبَاشِرَةً وَفَوْرِيَّةً لِمَشَاكِلِنَا الشَّخْصِيَّةِ اليَوْمِيَّةِ.
الفِيزْيَاءُ لَا تَحُلُّ حُزْنَكَ، لَكِنَّهَا تُبَدِّلُ حُدُودَ ذَلِكَ الحُزْنِ.
عِنْدَمَا تَعْرِفُ أَنَّ مَا ضَاعَ لَمْ يَخْتَفِ فِعْلِيّاً، بَلْ صَارَ بَعِيدَ المَنَالِ فَحَسْبُ، يَتَغَيَّرُ مَعْنَى الفُقْدَانِ نَفْسِهِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلْهَامٍ فِكْرِيٍّ عَمِيقٍ، رَغْمَ أَنَّ قَدَمَيْهِ لَمْ تَخْطُوَا خُطْوَةً وَاحِدَةً نَحْوَ حَلٍّ عَمَلِيٍّ مُبَاشِرٍ.
كَانَ الأَمْرُ يُشْبِهُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ جَزِيرَةً مَا مَوْجُودَةٌ فِي مَكَانٍ مَا مِنَ المُحِيطِ، دُونَ أَنْ تَمْلِكَ قَارِباً لِلوُصُولِ إِلَيْهَا.
لَكِنَّ مُجَرَّدَ اليَقِينِ بِوُجُودِهَا يُغَيِّرُ طَبِيعَةَ الغِيَابِ.
ـ شُكْراً لَكَ عَلَى هَذَا المَنْظُورِ الوَاسِعِ جِدّاً.
قَالَ سَامِرٌ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الامْتِنَانَ الحَقِيقِيَّ.
ابْتَسَمَ الفِيزْيَائِيُّ ابْتِسَامَتَهُ الأَخِيرَةَ، ثُمَّ عَادَ بِبَصَرِهِ إِلَى المُعَادَلَاتِ، كَمَنْ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ الحَقِيقِيِّ بَعْدَ زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَصْمُتْ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلَامَهُ الأَخِيرَ، بِهُدُوءِ مَنْ يُلْقِي بَذْرَةً لَا يَعْرِفُ مَتَى تَنْبُتُ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: رُبَّمَا يَوْمُكَ المَفْقُودُ لَيْسَ غَائِباً تَمَاماً عَنِ الوُجُودِ، بَلْ فَقَطْ بَعِيداً عَنْ مَتَنَاوَلِ وَعْيِكَ المُبَاشِرِ الحَالِيِّ، فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا نَسِيجِ الزَّمَكَانِ الوَاسِعِ الَّذِي نَحْنُ جَمِيعاً جُزْءٌ مِنْهُ.
وَرُبَّمَا كُلُّ مَا مَضَى فِيكَ، كُلُّ مَا وَثَّقَتِ الذَّاكِرَةُ وَكُلُّ مَا نَسِيَتِ الذَّاكِرَةُ، يَنْسِجُ مَعاً خَيْطاً وَاحِداً: أَنْتَ.
________________________________________
بَدَأَتْ قَاعَةُ المُعَادَلَاتِ الفِيزْيَائِيَّةِ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
كَانَ الزُّجَاجُ يَتَرَاجَعُ نَحْوَ الجُدْرَانِ كَأَنَّهُ يَطْوِي نَفْسَهُ، وَالمُعَادَلَاتُ تَخْبُو وَاحِدَةً وَاحِدَةً، كَالنُّجُومِ عِنْدَ الفَجْرِ، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ المَعْتَادِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشاً لِمِجْرَفَةِ حَفْرٍ بَسِيطَةٍ وَسَطَ طَبَقَاتِ أَرْضٍ مُتَرَاكِمَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرٌ وَسَأَلَ بِهُدُوءٍ، وَكَانَ لِهُدُوئِهِ هَذَا نَوْعِيَّةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ:
ـ مَنْ فِي القَاعَةِ التَّالِيَةِ؟
ابْتَسَمَ العَجُوزُ، تِلْكَ الابْتِسَامَةُ الَّتِي تَقُولُ أَكْثَرَ مِمَّا تُخْفِي:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ أَمْضَى حَيَاتَهُ يَحْفِرُ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ عَبْرَ طَبَقَاتِ الأَرْضِ، يَكْشِفُ أَسْرَاراً ظَنَّ الجَمِيعُ أَنَّهَا اخْتَفَتْ إِلَى الأَبَدِ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ أَمَامَ البَابِ.
النَّقْشُ البَسِيطُ لِلْمِجْرَفَةِ وَالطَّبَقَاتِ بَدَا فَجْأَةً وَكَأَنَّهُ صَدَى لِمَا قَالَهُ الفِيزْيَائِيُّ: طَبَقَاتٌ تَحْتَ طَبَقَاتٍ، وَمَا يَبْدُو ضَائِعاً لَيْسَ سِوَى مَدْفُونٍ، يَنْتَظِرُ مَنْ يَحْفِرُ بِالصَّبْرِ الكَافِي.
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ مِقْبَضِ البَابِ.

متحف الأيام المفقودة 45