متحف الأيام المفقودة 47

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ السَّابِعُ وَالأَربَعُون: عَالِمُ الأَحيَاءِ الجِينِي
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ لا تُشْبِهُ أَيَّ مَكَانٍ عَبَرَهُ سَامِرُ فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ دَاخِلَ هَذَا المُتْحَفِ الغَرِيبِ.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَيُّ دِفْءٍ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي عَرَفَهُ فِي سَاحَةِ القَرْيَةِ الأَفْرِيقِيَّةِ، وَلا نَارٌ تَرْقُصُ وَلا حِجَارَةٌ دَائِرِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ بِأَيْدٍ حَانِيَةٍ.
كَانَ المَكَانُ مُضَاءً بِضَوْءٍ أَبْيَضَ بَارِدٍ مُتَسَاوٍ يَمْلأُ كُلَّ زَاوِيَةٍ وَلا يَتْرُكُ ظِلاًّ لِشَيْءٍ، وَعَلَى الطَّاوِلاتِ أَنَابِيبُ اخْتِبَارٍ مُرَتَّبَةٌ بِدِقَّةٍ تَكَادُ تَكُونُ مَهَابَةً، وَأَجْهِزَةٌ إِلِكْتُرُونِيَّةٌ تَنْبِضُ بِأَضْوَاءٍ خَضْرَاءَ وَزَرْقَاءَ مُتَنَاوِبَةٍ فِي صَمْتٍ مُنْتَظِمٍ.
وَفِي مُقَدِّمَةِ القَاعَةِ، تَمْلأُ الجِدَارَ بِأَكْمَلِهِ، شَاشَةٌ ضَخْمَةٌ تَعْرِضُ صُوَراً مُكَبَّرَةً لِخُيُوطٍ مُلْتَوِيَةٍ دَقِيقَةٍ مُضِيئَةٍ، تَبْدُو مِنْ بُعْدٍ كَسُلالِمَ مَجْدُولَةٍ تَصْعَدُ إِلَى مَكَانٍ لا تُدْرِكُهُ العَيْنُ.
أَمَامَ هَذِهِ الشَّاشَةِ، يَقِفُ رَجُلٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالأَرْبَعِينَ مِنَ العُمْرِ، طَوِيلٌ نَحِيلٌ، يَرْتَدِي مِعْطَفاً أَبْيَضَ يَحْمِلُ آثَارَ جِلسَاتٍ طَوِيلَةٍ مَعَ أَوْرَاقٍ وَأَقْلامٍ.
كَانَ يَتَكَلَّمُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ مَعَ أَحَدٍ.
كَانَ يَشْرَحُ لِنَفْسِهِ، أَوْ رُبَّمَا لِلصُّوَرِ المُتَلَأْلِئَةِ عَلَى الشَّاشَةِ، أَوْ لِذَلِكَ الاكْتِشَافِ الَّذِي لَمْ يَسْتَوْعِبِ امِّتِدَادَاتِهِ بَعْدُ رَغْمَ أَنَّهُ صَاحِبُهُ.
حِينَ سَمِعَ خُطَى سَامِرَ عَلَى أَرْضِيَّةِ القَاعَةِ المُصْقُولَةِ، الْتَفَتَ إِلَيْهِ بِاهْتِمَامٍ صَادِقٍ لا تَكَلُّفَ فِيهِ:
ـ أَهْلاً بِكَ. أَنْتَ تَأْتِي فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ جِدَّاً، فَأَنَا أُرَاجِعُ نَتَائِجَ بَحْثٍ مُذْهِلٍ تَمَاماً.
ـ أَنَا سَامِرُ. مَا هَذَا البَحْثُ الَّذِي يَجْعَلُكَ تَتَكَلَّمُ مَعَ نَفْسِكَ؟
ضَحِكَ العَالِمُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْتَبِهْ لِهَذِهِ العَادَةِ مِنْ نَفْسِهِ:
ـ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ لا أَسْتَطِيعُ الإِفْلاتَ مِنْهَا. الأَفْكَارُ الكَبِيرَةُ تَحْتَاجُ أَنْ تُقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ قَبْلَ أَنْ تُكْتَبَ.
أَشَارَ إِلَى الشَّاشَةِ بِحَمَاسٍ عِلْمِيٍّ وَاضِحٍ كَانَ أَقْوَى مِنْ أَنْ يُخَفِّيَهُ:
ـ نَدْرُسُ ظَاهِرَةً نُسَمِّيهَا عِلْمَ التَّخَلُّقِ الوِرَاثِيَّ عَبْرَ الأَجْيَالِ، وَهُوَ مَجَالٌ بَيُّولُوجِيٌّ حَدِيثٌ نِسْبِيّاً لا يَزَالُ يُدْهِشُنَا بِمَا يَكْشِفُهُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَكْمَلَ بِلَهْجَةِ مَنْ يَقُولُ شَيْئاً لا يَزَالُ يُصَعِّقُهُ رَغْمَ أَنَّهُ اكْتَشَفَهُ بِنَفْسِهِ:
ـ اكْتَشَفْنَا أَنَّ صَدَمَاتٍ شَدِيدَةً يَعِيشُهَا جِيلٌ مُعَيَّنٌ مِنَ البَشَرِ، أَوْ حَتَّى الحَيَوَانَاتِ، يُمْكِنُ أَنْ تَتْرُكَ آثَاراً كِيمِيَائِيَّةً عَلَى الجِينَاتِ نَفْسِهَا. آثَارٌ لَا تَمَسُّ التَّسَلْسُلَ الأَسَاسِيَّ لِلحَمْضِ النَّوَوِيِّ، وَلَكِنَّهَا تُغَيِّرُ طَرِيقَةَ قِرَاءَتِهِ وَتَشْغِيلِهِ. وَالأَشَدُّ إِدْهَاشاً: أَنَّ هَذِهِ الآثَارَ تَنْتَقِلُ إِلَى الأَجْيَالِ اللَّاحِقَةِ، كَأَنَّهَا رِسَالَةٌ بِيُولُوجِيَّةٌ مِنَ الأَجْدَادِ إِلَى الأَحْفَادِ لَا يَعْرِفُ الأَحَدُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُرْسِلُهَا أَوْ يَتَلَقَّاهَا.
شَعَرَ سَامِرُ بِدَهْشَةٍ عَمِيقَةٍ جَعَلَتْهُ يَخْطُو خُطْوَةً نَحْوَ الشَّاشَةِ بِلا وَعْيٍ:
ـ تَقْصِدُ أَنَّ الصَّدَمَاتِ الَّتِي عَاشَهَا أَجْدَادِي قَدْ تَكُونُ مَوْجُودَةً، بِطَرِيقَةٍ مَا، فِي جِينَاتِي أَنَا؟ أَنَا الَّذِي لَمْ أَعِشْ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ وَلَمْ أَرَهَا؟
أَوْمَأَ العَالِمُ بِرَأْسِهِ بِحَمَاسٍ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَكْشِفُهُ أَبْحَاثُنَا. دَرَسْنَا، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، أَحْفَادَ نَاجِينَ مِنْ مَجَاعَاتٍ شَدِيدَةٍ دَامَتْ سَنَوَاتٍ. وَوَجَدْنَا أَنَّ هَؤُلاءِ الأَحْفَادَ، الَّذِينَ وُلِدُوا فِي رَفَاهِيَةٍ وَعَاشُوا مَشْبَعِينَ وَلَمْ يَعْرِفُوا الجُوعَ يَوْماً، يَحْمِلُونَ فِي جِينَاتِهِمْ تَغَيُّرَاتٍ كِيمِيَائِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ تَعَامُلِ الجِسْمِ مَعَ الطَّعَامِ وَتَخْزِينِ الطَّاقَةِ، كَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ لا تَزَالُ تَسْتَعِدُّ لِمَجَاعَةٍ لَمْ تَأْتِ وَلَنْ تَأْتِيَ.
ـ وَالأَمْرُ ذَاتُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى صَدَمَاتِ الحُرُوبِ؟
رَفَعَ العَالِمُ حَاجِبَيْهِ تَأْكِيداً:
ـ بِشَكْلٍ مُرْعِبٍ أَحْيَاناً، نَعَمْ. دَرَسْنَا أَحْفَادَ نَاجِينَ مِنْ حُرُوبٍ مَرِيرَةٍ وَمُعَسْكَرَاتِ أَسْرٍ، وَوَجَدْنَا فِي جِينَاتِهِمْ بَصَمَاتٍ كِيمِيَائِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِاسْتِجَابَةِ الجِسْمِ لِلضَّغْطِ وَالخَوْفِ. هَؤُلاءِ الأَحْفَادُ لَمْ يَعِيشُوا تِلْكَ التَّجَارِبَ المُرَوِّعَةَ، وَأَحْيَاناً لَمْ يَعْرِفُوا حَتَّى تَفَاصِيلَهَا. وَمَعَ ذَلِكَ، أَجْسَادُهُمْ تَعْرِفُ. تَحْمِلُ ذَاكِرَةَ مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنُهَا.
صَمَتَ سَامِرُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ يَعْكِسُ فِكْرَةً تَتَشَكَّلُ بِحَذَرٍ:
ـ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَوْمِيَ المَفْقُودِ تَحْدِيداً؟ مَا تَصِفُهُ حَدَثَ عَبْرَ أَجْيَالٍ، وَيَوْمِي المَفْقُودُ حَادِثَةٌ فِي حَيَاتِي أَنَا وَحْدِي.
فَكَّرَ العَالِمُ طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَفِي عَيْنَيْهِ حَذَرُ العِلْمِ الَّذِي لا يَقُولُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُ:
ـ سُؤَالٌ مَشْرُوعٌ وَدَقِيقٌ. مَا أَدْرُسُهُ أَنَا يَتَعَلَّقُ أَسَاساً بِانْتِقَالِ آثَارِ الصَّدَمَةِ عَبْرَ الأَجْيَالِ، لا بِفُقْدَانِ ذَاكِرَةٍ فَرْدِيَّةٍ ضِمْنَ حَيَاةٍ وَاحِدَةٍ كَحَالَتِكَ. لَكِنَّ المَبْدَأَ الأَعْمَقَ الَّذِي تَكْشِفُهُ أَبْحَاثُنَا يُثِيرُ سُؤَالاً أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ: رُبَّمَا الذَّاكِرَةُ، بِمَعْنَاهَا الأَوْسَعِ، لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي الدِّمَاغِ وَحْدَهُ وَفِي الوَعْيِ المُبَاشِرِ. رُبَّمَا هِيَ مُوَزَّعَةٌ عَبْرَ الجَسَدِ كُلِّهِ، حَتَّى عَلَى المُسْتَوَى الجُزَيئِيِّ الجِينِيِّ، بِطُرُقٍ لا نَفْهَمُهَا بَعْدُ بِالكَامِلِ.
أَوْمَأَ سَامِرُ بِبُطْءٍ:
ـ هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ خَلَايَايَ، جِينَاتِي نَفْسَهَا، قَدْ تَحْمِلُ أَثَراً لِيَوْمِيَ المَفْقُودِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ ذَلِكَ الأَثَرُ إِلَى وَعْيِيَ المُبَاشِرِ؟
رَدَّ العَالِمُ بِحَذَرٍ عِلْمِيٍّ وَاضِحٍ:
ـ هَذَا احْتِمَالٌ نَظَرِيٌّ مُثِيرٌ، وَلا أَمْلِكُ دَلِيلاً مُبَاشِراً يُؤَكِّدُهُ بِخُصُوصِ فُقْدَانِ ذَاكِرَةٍ فَرْدِيٍّ كَحَالَتِكَ تَحْدِيداً. لَكِنَّ المَبْدَأَ العَامَّ الَّذِي اكْتَشَفَهُ عِلْمُنَا صَحِيحٌ وَمُثَبَّتٌ تَجْرِيبِيَّاً: الجَسَدُ يَحْمِلُ ذَاكِرَةً أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنَّا نَظُنُّ. تَخَيَّلْ مَعِي: أَنْتَ تَلْتَقِي بِشَخْصٍ لَمْ تَرَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَفَجْأَةً تَشُمُّ عِطْرَهُ فَتَنْتَفِضُ كُلُّ أَعْصَابِكَ قَبْلَ أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيْهِ بِوَعْيِكَ. مَنْ تَذَكَّرَ أَوَّلاً؟ عَقْلُكَ أَمْ جَسَدُكَ؟
وَقَفَ سَامِرُ أَمَامَ هَذَا المِثَالِ البَسِيطِ وَأَحَسَّ بِثِقَلِهِ:
ـ جَسَدِي، بِلا شَكٍّ.
أَوْمَأَ العَالِمُ:
ـ بِالضَّبْطِ. الجَسَدُ يَتَذَكَّرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ العَقْلَ. وَمَا نَكْشِفُهُ نَحْنُ هُوَ أَنَّ هَذَا التَّذَكُّرَ يَذْهَبُ إِلَى أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ العَاطِفِيَّةِ أَوِ العَضَلِيَّةِ. يَذْهَبُ إِلَى الخَلايَا نَفْسِهَا، إِلَى الكِيمِيَاءِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَصْنَعُكَ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ:
ـ الأَمَرُ المُدْهِشُ هُوَ أَنَّ هَذِهِ الذَّاكِرَةَ الجَسَدِيَّةَ، خِلافاً لِلذَّاكِرَةِ الدِّمَاغِيَّةِ، لا تُنْسَى بِسُهُولَةٍ، وَلا تُشَوَّهُ بِمُرُورِ الوَقْتِ وَلا بِمُؤَثِّرَاتِ العَوَاطِفِ، وَلا تُعِيدُ كِتَابَةَ نَفْسِهَا لِتُنَاسِبَ مَا نُرِيدُ تَذَكُّرَهُ. إِنَّهَا أَمِينَةٌ بِطَرِيقَةٍ صَارِمَةٍ رُبَّمَا لا نَحْتَمِلُهَا دَائِماً.
قَالَ سَامِرُ بِهُدُوءٍ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَهُ لِي آخَرُونَ فِي رِحْلَتِي، عَنِ الجَسَدِ الَّذِي يَتَذَكَّرُ مَا يَنْسَاهُ العَقْلُ الوَاعِي. اكْتَشَفْتُ أَنَّ هَذِهِ الفِكْرَةَ تَعْبُرُ عُصُوراً وَثَقَافَاتٍ مُتَبَايِنَةً.
أَوْمَأَ العَالِمُ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ يَبْدُو أَنَّ أَبْحَاثِيَ العِلْمِيَّةَ الحَدِيثَةَ تَتَقَاطَعُ مَعَ حِكْمَةٍ قَدِيمَةٍ جِدَّاً، عَبَّرَ عَنْهَا أُنَاسٌ عَبْرَ التَّارِيخِ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَاماً عَنْ لُغَتِيَ العِلْمِيَّةِ الدَّقِيقَةِ. الشُّعَرَاءُ يَصِلُونَ أَحْيَاناً قَبْلَ العُلَمَاءِ، وَهَذَا يُثِيرُ فِيَّ إِعْجَاباً حَقِيقِيَّاً لا أَخْجَلُ مِنِ الاعْتِرَافِ بِهِ.
تَجَرَّأَ سَامِرُ عَلَى سُؤَالٍ كَانَ يَخْشَاهُ لأَنَّهُ كَانَ يَخْشَى إِجَابَتَهُ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ العِلْمَ سَيَصِلُ يَوْماً إِلَى طَرِيقَةٍ لِقِرَاءَةِ هَذِهِ “الذَّاكِرَةِ الجَسَدِيَّةِ” بِدِقَّةٍ، لِاسْتِعَادَةِ ذِكْرَيَاتٍ مَفْقُودَةٍ مِثْلَ يَوْمِي؟
فَكَّرَ العَالِمُ طَوِيلاً، وَفِي عَيْنَيْهِ حَمَاسٌ عِلْمِيٌّ يُقَيِّدُهُ حَذَرٌ حَقِيقِيٌّ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ يُثِيرُ خَيَالِيَ العِلْمِيَّ كَثِيراً صِدْقاً. لا أَمْلِكُ إِجَابَةً مُؤَكَّدَةً، فَالعِلْمُ لا يَزَالُ فِي مَرَاحِلَ مُبَكِّرَةٍ نِسْبِيَّاً مِنْ فَهْمِ هَذِهِ الآلِيَاتِ المُعَقَّدَةِ. لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ المُسْتَقْبَلَ قَدْ يَحْمِلُ اكْتِشَافَاتٍ مُذْهِلَةً فِي هَذَا المَجَالِ. وَمَعَ ذَلِكَ، أَكُونُ أَمِيناً مَعَكَ إِنِ اعْتَرَفْتُ: حَتَّى لَوْ وَصَلَ العِلْمُ يَوْماً مَا إِلَى قِرَاءَةِ الذَّاكِرَةِ الجَسَدِيَّةِ بِدِقَّةٍ، فَلَيْسَ مَضْمُوناً أَنَّ مَا سَيَجِدُهُ سَيَكُونُ يَوْمَكَ المَفْقُودَ كَمَا تَتَذَكَّرُهُ، أَوْ كَمَا تُرِيدُ أَنْ تَجِدَهُ. رُبَّمَا سَيَجِدُ شَيْئاً أَدَقَّ وَأَكْثَرَ تَشَابُكاً مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
ـ مَاذَا تَنْصَحُنِي أَنْ أَفْعَلَ إِذَنْ، فِي انْتِظَارِ مَا لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَتَى سَيَأْتِي؟
ابْتَسَمَ العَالِمُ ابْتِسَامَةً عَمَلِيَّةً وَاقِعِيَّةً، لَيْسَ فِيهَا نُضُبٌ مِنَ التَّعَاطُفِ:
ـ أَنْصَحُكَ أَلا تَنْتَظِرَ العِلْمَ لِيَحُلَّ مُشْكِلَتَكَ بِالكَامِلِ، فَهَذَا قَدْ يَسْتَغْرِقُ وَقْتاً طَوِيلاً جِدَّاً، وَرُبَّمَا لا يَحْدُثُ أَبَداً بِالشَّكْلِ الَّذِي تَتَمَنَّاهُ. الرَّجُلُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ يَنْتَظِرُ أَنْ تَتَوَقَّفَ الأَمْوَاجُ سَيَنْتَظِرُ طَوِيلاً. بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ، اسْتَمِرَّ فِي اسْتِكْشَافِ طُرُقٍ أُخْرَى مُتَاحَةٍ لَكَ الآنَ: عِلاجٌ نَفْسِيٌّ يَفْهَمُ الصَّدَمَةَ وَيَتَعَامَلُ مَعَهَا، تَأَمُّلٌ يُقَرِّبُكَ مِنْ جَسَدِكَ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِجْوَابِ الذَّاكِرَةِ، مُحَادَثَاتٌ صَادِقَةٌ مَعَ مَنْ عَرَفُوكَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ. العِلْمُ سَيَتَطَوَّرُ، لَكِنَّ حَيَاتَكَ تَسْتَمِرُّ الآنَ، وَلا يَجِبُ أَنْ تَتَوَقَّفَ بِانْتِظَارِ إِجَابَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ قَدْ لا تَأْتِي بِالشَّكْلِ الَّذِي تَظُنُّهُ.
شَعَرَ سَامِرُ بِحِكْمَةٍ عَمَلِيَّةٍ فِي هَذِهِ النَّصِيحَةِ، حِكْمَةٍ لا تَلْبَسُ ثَوْبَ الفَلْسَفَةِ لَكِنَّهَا فَلْسَفَةٌ فِي جَوْهَرِهَا:
ـ شُكْراً لَكَ عَلَى هَذَا التَّوَازُنِ بَيْنَ الأَمَلِ العِلْمِيِّ وَالوَاقِعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ. هَذَا نَوْعٌ مِنَ الصِّدْقِ لا أَجِدُهُ دَائِماً.
ابْتَسَمَ العَالِمُ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى مُرَاجَعَةِ بَيَانَاتِهِ بِتَرْكِيزٍ مُتَجَدِّدٍ، كَأَنَّ هَذِهِ المُحَادَثَةَ أَيْضاً أَعْطَتْهُ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْهُ:
ـ اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: جَسَدُكَ، بِكُلِّ تَعْقِيدِهِ الجِينِيِّ وَالبِيُولُوجِيِّ، قَدْ يَحْمِلُ آثَاراً لِذَاكِرَتِكَ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ، حَتَّى لَوْ لَمْ نَمْلِكْ بَعْدُ الأَدَوَاتَ العِلْمِيَّةَ الكَافِيَةَ لِقِرَاءَتِهَا بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ. أَنْتَ لَسْتَ فَقَطْ مَا تَتَذَكَّرُهُ، أَنْتَ أَيْضاً مَا نَسِيَ أَنْ يَنْسَاهُ جَسَدُكَ.
بَدَأَ المُخْتَبَرُ البِيُولُوجِيُّ وَالشَّاشَةُ المُضِيئَةُ بِخُيُوطِ الحَمْضِ النَّوَوِيِّ الذَّهَبِيَّةِ يَتَلاشَيَانِ بِبُطْءٍ، حَتَّى عَادَ سَامِرُ إِلَى الرَّوَاقِ المَأْلُوفِ، حَامِلاً مَعَهُ شَيْئاً لا يَسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهُ بِدِقَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَشْعُرُ بِهِ فِي الصَّدْرِ كَبَذْرَةٍ تَحْتَاجُ وَقْتاً قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَنْبُتُ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ مَنْعَطَفِ الرَّوَاقِ، يَضَعُ شَيْئاً صَغِيراً زُجَاجِيَّاً يُشْبِهُ أَنْبُوبَ اخْتِبَارٍ مُصَغَّراً بِجَانِبَ الأَشْيَاءِ الأُخْرَى المُتَرَاكِمَةِ فِي الدَّرَجِ، دُوَّنَ عَلَيْهِ بِخَطٍّ دَقِيقٍ: ذَاكِرَةُ الجَسَدِ:
ـ سَبْعَةُ فُصُولٍ أُخْرَى تَنْتَظِرُكَ فِي هَذَا المِحْوَرِ العِلْمِيِّ يَا سَامِرُ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَفْتَحُ بَاباً لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ. هَلْ تُرِيدُ أَنْ نُوَاصِلَ الآنَ أَمْ تَأْخُذُ اسْتِرَاحَةً بَعْدَ كُلِّ هَذَا العُمْقِ الَّذِي لا يَسْتَرِيحُ هُوَ نَفْسُهُ؟
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الدَّرَجِ المَفْتُوحِ وَالأَشْيَاءِ المُتَرَاكِمَةِ فِيهِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ يُمَثِّلُ فِكْرَةً غَيَّرَتْ شَيْئاً فِيهِ لا يَعُودُ كَمَا كَانَ.
شَعَرَ بِثِقَلِ المَعْرِفَةِ الجَدِيدَةِ فِي صَدْرِهِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضاً بِفُضُولٍ مُتَجَدِّدٍ أَقْوَى مِنَ الثِّقَلِ:
ـ لِنُوَاصِلْ، حِينَ تَشَاءُ.

متحف الأيام المفقودة 48