مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ التَّاسِعُ وَالأَربَعُون – عَالِمُ الفَلَك – مَرصَدُ لَا سِيلَّا — لَيلَةٌ مِن لَيَالِي عَامِ ٢٠٠٥م
________________________________________
لَم تَكُن هَذِهِ القَاعَةُ قَاعَةً.
كَانَت سَمَاء.
أَو هَكَذَا أَحَسَّ سَامِرُ حِينَ عَبَرَ العَتَبَةَ وَوَجَدَ نَفسَهُ تَحتَ قُبَّةٍ مَفتُوحَةٍ عَلَى اللَّيلِ كُلِّهِ، سَمَاءٌ صَافِيَةٌ لا تُصَدِّقُ، سَوَدَاءُ وَعَمِيقَةٌ كَأَنَّهَا فُتِحَت لِلتَّوِّ بَعدَ أَن كَانَت مَطوِيَّةً مُنذُ الأَزَل، وَعَلَيهَا نُقَاطٌ لَامِعَةٌ لا تُحصَى، تَمتَدُّ مِنَ الأُفُقِ إِلَى الأُفُقِ كَأَنَّ أَحَدًا سَكَبَ مِلحًا أَبيَضَ عَلَى مِخمَلٍ أَسوَد.
وَفِي وَسَطِ هَذَا كُلِّهِ، تِلِسكُوبٌ ضَخمٌ يَشِيرُ بِأُنبُوبَتِهِ الطَّوِيلَةِ نَحوَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرِيضَةَ صَلَاةٍ لا تَنقَطِع.
وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ فِي الرَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ مِن عُمرِهِ، نَحِيفٌ بِطُولٍ لافِت، شَعرُهُ أَبيَضُ كَامِلٌ وَكَأَنَّ السَّمَاءَ نَفسَهَا صَبَّت بَعضَ نُجُومِهَا فِيه.
كَانَ يَنظُرُ إِلَى الأَعلَى.
لَيسَ نَظرَةَ مَن يَعمَلُ أَو يُحَلِّل أَو يَقِيس.
بَل نَظرَةَ مَن يَدهَشُ لِلمَرَّةِ الأُولَى.
وَكَانَ سَامِرُ يَعرِفُ مِن الوَهلَةِ الأُولَى أَنَّ هَذِهِ الدَّهشَةَ لَم تَخفُت فِيهِ رَغمَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ مِنَ العَمَل، كَأَنَّ السَّمَاءَ تُجَدِّدُ نَفسَهَا لَهُ كُلَّ لَيلَة.
دُونَ أَن يَلتَفِتَ إِلَيه، قَالَ الرَّجُلُ بِصَوتٍ دَافِئٍ كَصَوتِ مَن اعتَادَ الحَدِيثَ مَعَ اللَّيل:
ـ أَهلًا بِك.
انظُر مَعِي، إِن شِئتَ، إِلَى هَذِهِ السَّمَاء.
كُلُّ نَجمَةٍ تَرَاهَا هُنَاكَ تَحمِلُ قِصَّةً عَن الزَّمَنِ لَم تَفهَمهَا بَعدُ بِالكَامِل.
رَفَعَ سَامِرُ عَينَيهِ نَحوَ السَّمَاء.
وَلَحظَةً، نَسِيَ كُلَّ شَيء.
نَسِيَ يَومَهُ المَفقُودَ وَرِحلَتَهُ الطَّوِيلَةَ وَالأَسئِلَةَ التِي تَنتَظِرُ الأَجوِبَة.
لِأَنَّ السَّمَاءَ لا تَترُكُ لَكَ مَكَانًا لِشَيءٍ آخَر.
قَالَ بِصَوتٍ أَصغَرَ مِمَّا قَصَد:
ـ أَنَا سَامِر.
مَاذَا تَقصِدُ بِالضَّبط؟
التَفَتَ الرَّجُلُ إِلَيهِ أَخِيرًا، عَينَاهُ لَامِعَتَانِ بِذَكَاءٍ حَقِيقِيٍّ وَشَيءٍ آخَرَ يَصعُبُ تَسمِيَتُه، شَيءٌ يُشبِهُ الرِّضَا العَمِيقَ لِمَن قَضَى عُمرَهُ يَفعَلُ مَا يُحِبّ.
أَشَارَ بِإِصبَعِهِ إِلَى نَجمَةٍ لَامِعَةٍ فِي عُمقِ السَّمَاء.
قَالَ:
ـ هَذِهِ النَّجمَة، يَا سَامِر.
انظُر إِلَيهَا جَيِّدًا.
يَصِلُكَ ضَوؤُهَا الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحظَةِ بِالذَّات.
لَكِنَّ هَذَا الضَّوءَ غَادَرَهَا مُنذُ مِئَاتٍ أَو آلَافِ السِّنِين، حَسَبَ بُعدِهَا عَنَّا.
أَنتَ، الآنَ، لا تَرَى تِلكَ النَّجمَةَ كَمَا هِيَ فِي هَذِهِ اللَّحظَة.
أَنتَ تَرَاهَا كَمَا كَانَت فِي مَاضٍ بَعِيدٍ جِدًّا، حِينَ انطَلَقَ ذَلِكَ الضَّوءُ نَحوَنَا وَبَدَأَ رِحلَتَهُ الطَّوِيلَةَ عَبرَ الفَضَاء.
وَقَفَ سَامِرُ لَحظَةً يَهضِمُ هَذَا.
قَالَ بِبُطءٍ:
ـ هَذَا يَعنِي أَنَّنِي أَنظُرُ إِلَى المَاضِي حَرفِيًّا حِينَ أَنظُرُ إِلَى السَّمَاء؟
لَيسَ مَجَازًا، بَل حَرفِيًّا؟
أَومَأَ عَالِمُ الفَلَكِ بِرَأسِهِ بِحَمَاسٍ عِلمِيٍّ لَا يَخفَى عَلَى النَّاظِر.
قَالَ:
ـ بِالضَّبطِ هَذَا مَا يَحدُثُ فِعلِيًّا، بِدِقَّةٍ فِيزِيَائِيَّةٍ كَامِلَةٍ لَا تَقبَلُ الجَدَل.
لَكِنَّ الأَكثَرَ إِثَارَةً مِن هَذَا، وَالأَكثَرَ إِرهَاقًا لِلعَقلِ أَيضًا:
بَعضُ النُّجُومِ الَّتِي نَرَاهَا الآنَ فِي سَمَائِنَا تَوَقَّفَت بِالفِعلِ عَن الوُجُودِ مُنذُ زَمَنٍ طَوِيل.
انفَجَرَت.
أَو خَمَدَت وَبَرَدَت وَصَارَت ظَلَامًا.
لَكِنَّ ضَوءَهَا — الضَّوءَ الَّذِي انطَلَقَ مِنهَا قَبلَ مَوتِهَا بِآلَافِ السِّنِين — مَا زَالَ يُسَافِرُ عَبرَ الفَضَاءِ الشَّاسِع، يَصِلُنَا الآنَ، يُضِيءُ عُيُونَنَا الآن، حَتَّى بَعدَ أَن “مَاتَ” مَصدَرُهَا الأَصلِيُّ مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا.
أَنتَ تَرَى نَجمَةً مَيِّتَةً وَتُسَمِّيهَا لَامِعَة.
شَعَرَ سَامِرُ بِدَهشَةٍ عَمِيقَةٍ تَنزَحُ كُلَّ شَيءٍ آخَرَ مِن رَأسِه.
وَتَذَكَّرَ فَجأَةً.
تَذَكَّرَ النَّجمَةَ المُحتَضِرَةَ الَّتِي قَابَلَهَا فِي أَوَّلِ رِحلَتِهِ، حِينَ لَم يَكُن قَد فَهِمَ بَعدُ أَينَ هُوَ وَإِلَى أَينَ يَسِير.
نَجمَةٌ شَيَّعَت ضَوءَهَا الأَخِيرَ وَهِيَ تُوَدِّعُ الوُجُود.
قَالَ:
ـ هَذَا يُشبِهُ بِالضَّبطِ مَا عِشتُهُ مَعَ نَجمَةٍ احتَضَرَت أَمَامِي مُبَاشَرَةً فِي بِدَايَةِ رِحلَتِي.
رَأَيتُهَا تَتَلَاشَى وَلَم أَفهَم حِينَهَا مَاذَا كَانَت تُعَلِّمُنِي.
أَومَأَ عَالِمُ الفَلَكِ بِرَأسِهِ بِإِعجَابٍ حَقِيقِيّ.
قَالَ:
ـ هَذَا مَنطِقِيٌّ جِدًّا أَن تَكُونَ قَد قَابَلتَهَا.
فَهِيَ تُمَثِّل، بِطَرِيقَةٍ مَا، نَفسَ الحَقِيقَةِ الكَونِيَّةِ العَمِيقَةِ الَّتِي أَعِيشُ مَعَهَا يَومِيًّا وَأُفَكِّرُ فِيهَا مُنذُ عُقُودٍ طَوِيلَة:
الفِقدَانُ، فِي الكَونِ، نَادِرًا مَا يَعنِي الاختِفَاءَ الفَورِيَّ الكَامِل.
هُنَاكَ دَائِمًا أَثَرٌ يَستَمِرّ.
أَحيَانًا لِفَتَرَاتٍ هَائِلَةٍ جِدًّا بِمَقَايِيسَ بَشَرِيَّة.
الكَونُ لا يُتقِنُ فَنَّ النِّسيَانِ الكَامِل.
سَألَ سَامِرُ بِصَوتٍ فِيهِ شَوقٌ حَقِيقِيٌّ لِلإِجَابَة:
ـ كَيفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَومِيَ المَفقُودِ تَحدِيدًا؟
فَكَّرَ عَالِمُ الفَلَكِ طَوِيلًا.
عَينَاهُ لا تَزَالَانِ تُحَدِّقَانِ فِي السَّمَاءِ كَأَنَّهُ يَسأَلُهَا هِيَ قَبلَ أَن يُجِيبَ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ رُبَّمَا، بِطَرِيقَةٍ مَجَازِيَّةٍ عَمِيقَةٍ أَرَاهَا حَقِيقِيَّةً أَكثَرَ مِمَّا تَبدُو مَجَازِيَّة:
يَومُكَ المَفقُودُ يُشبِهُ نَجمَةً “مَاتَت” بِالنِّسبَةِ لِوَعيِكَ المُبَاشِر.
لَا تَستَطِيعُ رُؤيَتَهَا.
لَا تَستَطِيعُ التَّحدِيقَ فِيهَا وَجهًا لِوَجه.
لَكِنَّ “ضَوءَهَا” — أَثَرَهَا عَلَى حَيَاتِكَ اللَّاحِقَة، عَلَى شَخصِيَّتِك، عَلَى القَرَارَاتِ الَّتِي اتَّخَذتَهَا وَلَا تَعرِفُ سَبَبَهَا الكَامِل، عَلَى الأَشيَاءِ الَّتِي تُحِبُّهَا وَتَخشَاهَا — مَا زَالَ يَصِلُكَ وَيُؤَثِّرُ فِيكَ.
حَتَّى لَو لَم تَعُد تَستَطِيعُ رُؤيَةَ مَصدَرِهَا الأَصلِيِّ بِوُضُوحٍ كَامِل.
شَعَرَ سَامِرُ بِفِكرَةٍ جَدِيدَةٍ تَستَقِرُّ فِيهِ كَحَجَرٍ يَجِدُ قَاعَه.
قَالَ بِبُطءٍ، كَمَن يُفَكِّرُ بِصَوتٍ عَالٍ وَلَم يُقَرِّر بَعدُ إِن كَانَ مُقتَنِعًا:
ـ هَذَا يَجعَلُنِي أُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَةٍ عَن “وَفَاةِ” ذَلِكَ اليَومِ فِي ذَاكِرَتِي.
كَأَنَّ الوَفَاةَ لَيسَت نَقطَةَ النِّهَايَةِ الَّتِي كُنتُ أَظُنُّهَا.
أَومَأَ عَالِمُ الفَلَكِ بِرَأسِهِ بِإِعجَابٍ وَاضِح.
قَالَ:
ـ بِالضَّبطِ هَذَا مَا أُحَاوِلُ الإِشَارَةَ إِلَيه.
وَاسمَع هَذَا جَيِّدًا:
حَتَّى لَو لَم تَستَطِع أَبَدًا “رُؤيَةَ” ذَلِكَ اليَومِ مُبَاشَرَةً مَرَّةً أُخرَى — بِنَفسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا أَستَطِيعُ بِهَا أَنَا رُؤيَةَ نَجمَةٍ مَاتَت فِعلِيًّا، لِأَنَّ لا أَدَاةَ فِي الكَونِ تُعِيدُ مَاتَ — فَإِنَّ “ضَوءَهُ” حَاضِرٌ وَحَقِيقِيٌّ وَفَاعِل.
تَأثِيرُهُ المُستَمِرُّ عَلَى مَن أَنتَ اليَومَ لا يَحتَاجُ إِذنَكَ وَلا ذَاكِرَتَكَ الوَاعِيَةَ لِكَي يَعمَل.
هُوَ يَعمَلُ مِن تَحتِ السَّطح، تَمَامًا كَمَا يَعمَلُ الضَّوءُ عَلَى عَينِكَ قَبلَ أَن يَنقُلَ عَقلُكَ الصُّورَةَ الكَامِلَة.
صَمَتَ سَامِرُ لَحظَةً.
ثُمَّ قَالَ بِصَوتٍ أَعمَقَ مِمَّا كَانَ يَتَوَقَّع:
ـ كَيفَ تَتَعَامَلُ أَنتَ شَخصِيًّا مَعَ هَذِهِ الفِكرَة؟
أَعنِي، كَيفَ تَتَعَامَلُ مَعَ حَقِيقَةِ أَنَّ كُلَّ مَا تَدرُسُهُ قَدِيمٌ جِدًّا، وَأَنَّ نَظرَتَكَ لِلسَّمَاءِ هِيَ — بِمَعنًى عَمِيقٍ لا يَحتَمِلُ المَجَاز — نَظرَةٌ دَائِمَةٌ إِلَى الماضِي، لا إِلَى الحَاضِر؟
تَوَقَّفَ عَالِمُ الفَلَكِ عَن النَّظَرِ إِلَى التِّلِسكُوب.
التَفَتَ إِلَى سَامِرٍ بِوَجهٍ فِيهِ شَيءٌ لَم يَتَوَقَّعهُ سَامِر، شَيءٌ يُشبِهُ الامتِنَان.
قَالَ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ يَطرَحُهُ عَلَيَّ نَادِرًا مَن يَزُورُنِي هُنَا.
النَّاسُ يَسأَلُونَ عَن النُّجُومِ وَالمَجَرَّاتِ وَالثُّقُوبِ السَّودَاء.
لَكِنَّ أَحَدًا نَادِرًا مَا يَسأَلُنِي كَيفَ أَشعُرُ أَنَا.
فِي البِدَايَة، حِينَ بَدَأتُ دِرَاسَتِي وَكُنتُ أَصغَرَ بِكَثِيرٍ وَأَقَلَّ صَبرًا عَلَى الحَقِيقَة، شَعَرتُ بِنَوعٍ مِنَ الحُزنِ الوُجُودِيِّ تِجَاهَ هَذِهِ الحَقِيقَة.
حَزنٌ غَرِيبٌ صَعبُ الوَصف.
أَن تُمضِيَ حَيَاتَكَ تَدرُسُ أَشيَاءَ انتَهَت بِالفِعل، وَأَن تُسَمِّيَ هَذَا عِلمًا وَعَمَلًا وَشَغَفًا.
لَكِن مَعَ الوَقتِ، تَطَوَّرَ فَهمِي إِلَى شَيءٍ مُختَلِفٍ تَمَامًا.
نَظَرَ إِلَيهِ سَامِرُ بِاهتِمَامٍ حَقِيقِيّ.
قَالَ:
ـ مَاذَا تَطَوَّر؟
قَالَ عَالِمُ الفَلَكِ بِصَوتٍ فِيهِ عُمقٌ رُوحِيٌّ لَم يَتَوَقَّعهُ سَامِرُ مِن رَجُلٍ يَعمَلُ بِالأَرقَامِ وَالقِيَاسَاتِ:
ـ أَدرَكتُ أَنَّ دِرَاسَةَ الماضِي البَعِيدِ جِدًّا — حَتَّى المَاضِي الذِي يَخُصُّ أَشيَاءَ “مَاتَت” فِعلِيًّا وَلَن تَعُودَ — لَيسَت عَمَلًا حَزِينًا عَقِيمًا لِمَن فَاتَهُ القِطَار.
بَل هِيَ احتِفَاءٌ عَمِيقٌ بِحَقِيقَةٍ أَجَدُهَا مُعَزِّيَةً: أَنَّ لا شَيءَ يَضِيعُ تَمَامًا مِن سِجِلِّ الكَوِن.
حَتَّى لَو غَابَ عَن مُتَنَاوَلِنَا المُبَاشِر.
حَتَّى لَو لَم يَستَطِع أَيُّ تِلِسكُوبٍ فِي العَالَمِ رُؤيَتَهُ بَعدَ الآن.
الكَونُ يَحتَفِظُ بِكُلِّ شَيءٍ، بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّة.
هَذَا الفَهمُ مَنَحَنِي سَلَامًا عَمِيقًا تِجَاهَ فِكرَةِ المَوتِ وَالفِقدَانِ بِشَكلٍ عَامٍّ، لَيسَ فِيمَا يَخُصُّ النُّجُومَ فَحَسب، بَل فِيمَا يَخُصُّ كُلَّ شَيءٍ فَقَدتُهُ وَكُلَّ إِنسَانٍ رَحَلَ مِن حَيَاتِي.
شَعَرَ سَامِرُ بِإِلهَامٍ عَمِيقٍ مِن هَذَا السَّلَامِ الفَلسَفِيِّ الَّذِي لَا يَأتِي مِنَ الكُتُبِ بَل مِنَ السِّنِينَ وَالنُّجُومِ وَالوُقُوفِ وَحِيدًا تَحتَ السَّمَاءِ فِي مَنتَصَفِ الَّليل.
قَالَ:
ـ هَذَا يَمنَحُنِي عَزَاءً حَقِيقِيًّا بِخُصُوصِ يَومِيَ المَفقُودِ أَيضًا.
كَأَنَّ عَدَمَ قُدرَتِي عَلَى رُؤيَتِهِ لا يَعنِي أَنَّهُ لَم يَكُن، وَلا يَعنِي أَنَّهُ لَم يَترُك أَثَرًا.
أَومَأَ عَالِمُ الفَلَكِ بِرَأسِهِ بِدِفءٍ حَقِيقِيّ.
قَالَ:
ـ آمُلُ ذَلِكَ بِصِدق، يَا سَامِر.
تَذَكَّر:
السَّمَاءُ الَّتِي تَرَاهَا الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ بِالذَّات، تَحمِلُ نُورًا قَدِيمًا جِدًّا يَصِلُكَ مِن مَاضٍ بَعِيدٍ لَا تَستَطِيعُ تَخَيُّلَ عُمقِه.
تَمَامًا كَمَا يَحمِلُ وُجُودُكَ الحَالِيُّ أَثَرًا لِيَومِكَ المَفقُود، يَسِيرُ فِيكَ دُونَ أَن تَرَاهُ، يُوَجِّهُكَ دُونَ أَن تَعرِفَ مِن أَينَ تَأتِي تَوجِيهَاته.
أَنتَ لَا تَرَى الضَّوءَ الَّذِي يُنِيرُكَ.
لَكِنَّهُ حَاضِرٌ.
شَعَرَ سَامِرُ بِدِفءٍ عَمِيقٍ مِن هَذَا الرَّبطِ الجَمِيلِ الَّذِي جَعَلَ مِنَ السَّمَاءِ مِرآةً لِحَيَاتِهِ الدَّاخِلِيَّة.
قَالَ:
ـ شُكرًا لَك.
سَأَنظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَةٍ تَمَامًا مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا.
لَن تَكُونَ مُجَرَّدَ سَمَاءٍ بَعدَ اليَوم.
ابتَسَمَ عَالِمُ الفَلَكِ ابتِسَامَتَهُ الأَخِيرَة، وَعَادَ إِلَى تِلِسكُوبِهِ بِشَغَفٍ مُتَجَدِّدٍ كَأَنَّ هَذِهِ المَحَادَثَةَ مَنَحَتهُ هُوَ أَيضًا شَيئًا مَا لَم يَكُن يَتَوَقَّعُه.
قَالَ دُونَ أَن يَرفَعَ عَينَيهِ مِنَ التِّلِسكُوب:
ـ اذهَب الآن، يَا سَامِر.
وَاحمِل مَعَكَ هَذَا:
أَنتَ أَيضًا، مِثلَ كُلِّ نَجمَةٍ تَرَاهَا فِي هَذِهِ السَّمَاء، تَحمِلُ ضَوءًا مِن مَاضٍ لَا تَرَاهُ.
ضَوءٌ يَستَمِرُّ فِي الوُصُولِ وَالتَّأثِير.
حَتَّى لَو لَم تَعُد قَادِرًا عَلَى رُؤيَةِ مَصدَرِهِ الأَصلِيِّ مُبَاشَرَة.
وَهَذَا لَيسَ ضَعفًا.
هَذَا هُوَ المَعنَى الكَونِيُّ لِكَلِمَةِ “الاستِمرَار”.
بَدَأَت قَاعَةُ المَرصَدِ اللَّيلِيِّ وَالتِّلِسكُوبُ الضَّخمُ يَتَلَاشَيَانِ رُوَيدًا رُوَيدًا، لَكِنَّ النُّجُومَ — وَهَذَا مَا لَاحَظَهُ سَامِرُ بِشَيءٍ يُشبِهُ الدَّهشَةَ الصَّامِتَة — بَقِيَت لَحظَةً أَطوَلَ قَبلَ أَن تَختَفِيَ.
كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ المَقطَعَ الأَخِيرَ أَيضًا.
وَعَادَ سَامِرُ إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَاد.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لِحُرُوفٍ غَرِيبَةٍ مِن لُغَةٍ قَدِيمَةٍ لَم يَستَطِع سَامِرُ قِرَاءَتَهَا، لِأَنَّهَا لَا تُشبِهُ أَيَّ لُغَةٍ رَآهَا مِن قَبل.
نَظَرَ إِلَيهَا طَوِيلًا.
وَشَعَرَ بِشَيءٍ غَرِيبٍ:
أَنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَعرِفُهُ هُوَ وَلَا يَعرِفُهَا.
قَالَ العَجُوزُ بِصَوتِهِ الهَادِئِ الَّذِي يَحمِلُ دَائِمًا أَكثَرَ مِمَّا يَقُول:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَة، يَا سَامِر، تَحمِلُ صَوتَ امرَأَةٍ تَدرُسُ شَيئًا مُهَدَّدًا بِالاختِفَاءِ التَّامّ.
لُغَاتٌ بِأَكمَلِهَا، يُوشِكُ آخِرُ مُتَحَدِّثِيهَا عَلَى الرَّحِيلِ عَن هَذَا العَالَم، حَامِلِينَ مَعَهُم عَوَالِمَ كَامِلَةً مِنَ المَعنَى لَن يَعرِفَهَا أَحَدٌ بَعدَهُم.
وَقَفَ سَامِرُ أَمَامَ الحُرُوفِ الغَرِيبَةِ لَحظَةً.
وَأَدرَكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يَنظُرُ — لِلمَرَّةِ الأُولَى — إِلَى ضَوءِ نَجمَةٍ عَلَى وَشكِ المَوت.
وَفَتَحَ البَاب.
