متحف الأيام المفقودة 53

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالخَمْسُونَ – عَالِمَةُ المَنَاخِ — القُطْبُ الجَنُوبِيُّ، ٢٠٢٢م – «الأَرْضُ تَحْتَفِظُ بِذَاكِرَةٍ مَنَاخِيَّةٍ لِمَلَايِينِ السِّنِينَ»
________________________________________
لَمْ يَكُنِ البَرْدُ الَّذِي اسْتَقْبَلَ سَامِراً عِنْدَ العَتَبَةِ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الجَسَدُ وَيَخَافُهُ.
كَانَ بَرْداً مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: وَاسِعٌ، صَامِتٌ، نَقِيٌّ كَنَقَاءِ الفِضَّةِ حِينَ تَلْمَسُهَا بِإِصْبَعٍ جَافَّةٍ، يَدْخُلُ إِلَى الرِّئَتَيْنِ كَأَنَّهُ أَوَّلُ هَوَاءٍ خُلِقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
نَظَرَ سَامِرٌ مِنْ حَوْلِهِ.
كَانَتِ القَاعَةُ لَا قَاعَةَ بِالمَعْنَى المَعْتَادِ، بَلْ كَانَتِ امْتِدَاداً جَلِيدِيّاً أَبْيَضَ شَاسِعاً، سَقْفُهُ السَّمَاءُ القُطْبِيَّةُ بِلَوْنِهَا الرَّصَاصِيِّ الثَّقِيلِ، وَأَرْضُهُ ثَلْجٌ مَضْغُوطٌ عَلَى مَدَى آلَافِ السِّنِينَ حَتَّى صَارَ صَلْباً كَالرُّخَامِ.
عَلَى مَدِّ البَصَرِ، بَيَاضٌ.
بَيَاضٌ يَكَادُ يَكُونُ صَوْتاً.
فِي وَسَطِ هَذَا الاتِّسَاعِ كُلِّهِ، كَانَتْ تَقِفُ امْرَأَةٌ فِي الخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَرْتَدِي مَلَابِسَ قُطْبِيَّةً ثَقِيلَةً بِلَوْنِ الكَحْلِ وَالبُرْتُقَالِيِّ المُضِيءِ، تَقِفُ بِجَانِبِ أُنْبُوبٍ جَلِيدِيٍّ طَوِيلٍ مُسْتَخْرَجٍ مِنَ الأَرْضِ، تَفْحَصُهُ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، أُنَامِلُهَا المُغَطَّاةُ بِقُفَّازَاتٍ دَقِيقَةٍ تَتَحَسَّسُ سَطْحَهُ بِحِرْفِيَّةِ طَبِيبٍ يَقْرَأُ نَبْضاً.
رَفَعَتِ المَرْأَةُ رَأْسَهَا حِينَ سَمِعَتِ الخُطُوَاتِ، فَبَدَا وَجْهُهَا صَاحِياً بِالاهْتِمَامِ العِلْمِيِّ الحَقِيقِيِّ، لَا ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الاهْتِمَامِ المُصْطَنَعِ الَّذِي يَتَزَيَّا بِزِيِّهِ لِلْمُجَامَلَةِ، بَلِ اهْتِمَامٌ جُذُورُهُ فِي الأَعْمَاقِ، كَمَنْ أَمْضَى سَنَوَاتٍ يَسْأَلُ سُؤَالاً وَاحِداً وَمَا زَالَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الجَوَابَ مُمْكِنٌ.
ـ أَهْلاً بِكَ.
قَالَتْ بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ تُنَاقِضُ المَحِيطَ الجَلِيدِيَّ مِنْ حَوْلِهَا:
ـ احْذَرْ مِنَ البَرْدِ، رَغْمَ أَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّهُ لَنْ يُؤْذِيَكَ حَقّاً فِي هَذَا المَكَانِ الغَرِيبِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الأُنْبُوبِ الجَلِيدِيِّ الطَّوِيلِ الَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ أُقْتُلِعَ مِنْ عَمَقٍ بَعِيدٍ جِدّاً، يَشِفُّ فِي بَعْضِهِ كَالكِرِسْتَالِ وَيَعْتِمُ فِي بَعْضِهِ كَالزُّجَاجِ المَطْحُونِ، ثُمَّ قَالَ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
وَأَضَافَ بِفَضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ مَا هَذَا الَّذِي تَفْحَصِينَهُ؟
أَشَارَتِ المَرْأَةُ إِلَى الأُنْبُوبِ الجَلِيدِيِّ بِفَخْرٍ عِلْمِيٍّ وَاضِحٍ، ذَلِكَ الفَخْرُ الَّذِي لَا يَنْبُعُ مِنَ الغُرُورِ بَلْ مِنَ الذَّهُولِ المُتَجَدِّدِ أَمَامَ مَا تَفْعَلُهُ الطَّبِيعَةُ حِينَ تُمْهَلُ وَقْتاً كَافِياً:
ـ هَذِهِ عَيِّنَةٌ جَلِيدِيَّةٌ، اسْتَخْرَجْنَاهَا مِنْ عُمْقٍ يَصِلُ إِلَى آلَافِ الأَمْتَارِ تَحْتَ سَطْحِ القُطْبِ الجَنُوبِيِّ.
أَمَسَكَتِ الأُنْبُوبَ بِرِفْقٍ، كَمَا يُمْسِكُ القَارِئُ كِتَاباً نَادِراً خَشِيَةَ أَنْ تَنْكَسِرَ أَوْرَاقُهُ:
ـ كُلُّ طَبَقَةٍ هُنَا تُمَثِّلُ سَنَةً وَاحِدَةً مِنْ تَسَاقُطِ الثُّلُوجِ، تَرَاكَمَتْ عَبْرَ مِئَاتِ آلَافِ السِّنِينَ.
تَقَدَّمَ سَامِرٌ خُطُوَةً وَاحِدَةً، يُحَاوِلُ أَنْ يَرَى مَا تَرَاهُ هِيَ فِي هَذَا الأُنْبُوبِ الشَّفِيفِ.
كَانَ الجَلِيدُ يَبْدُو مِنَ الخَارِجِ مَصْمَتاً لَا سِرَّ فِيهِ.
لَكِنَّ عَيْنَيِ العَالِمَةِ كَانَتَا تَقْرَآنِ فِيهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ سَامِرٌ رُؤْيَتَهُ، تَمَاماً كَمَا يَقْرَأُ الطَّبِيبُ الخَبِيرُ صُورَةَ الأَشِعَّةِ الَّتِي لَا يَرَى فِيهَا غَيْرُهُ سِوَى ظِلَالٍ رَمَادِيَّةٍ مُتَدَاخِلَةٍ.
ـ كَيْفَ يُسَاعِدُكُمْ هَذَا فِي فَهْمِ المَنَاخِ القَدِيمِ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَمَاسٍ صَادِقٍ يُذَكِّرُ بِحَمَاسِ مَنْ يُحِبُّ مَا يَفْعَلُهُ وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْهُ بَعْدُ رَغْمَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ:
ـ كُلُّ طَبَقَةٍ جَلِيدِيَّةٍ تَحْبِسُ فُقَّاعَاتِ هَوَاءٍ صَغِيرَةً جِدّاً، عَيِّنَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ مِنَ الغِلَافِ الجَوِّيِّ كَمَا كَانَ بِالضَّبْطِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ المُحَدَّدَةِ، آلَافَ أَوْ حَتَّى مِئَاتِ آلَافِ السِّنِينَ مَضَتْ.
وَاصَلَتْ بِنَبْرَةٍ فِيهَا دِقَّةُ العَالِمِ وَدَهْشَةُ الطِّفْلِ مَعاً:
ـ نُحَلِّلُ هَذِهِ الفُقَّاعَاتِ، فَنَعْرِفُ بِدِقَّةٍ تَرْكِيبَ الغِلَافِ الجَوِّيِّ، وَدَرَجَاتِ الحَرَارَةِ، وَحَتَّى مُسْتَوَيَاتَ التَّلَوُّثِ أَوِ الانْفِجَارَاتِ البُرْكَانِيَّةَ الَّتِي حَدَثَتْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ البَعِيدِ.
تَخَيَّلَ سَامِرٌ اللَّحْظَةَ: هَوَاءٌ مَرَّ فِيهِ إِنْسَانٌ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، أَوْ ضَوْءُ شَمْسٍ لَمْ تَكُنِ البَشَرِيَّةُ مَوْجُودَةً بَعْدُ لِتَرَاهَا، وَكُلُّهُ لَا يَزَالُ مَحْبُوساً هُنَا، فِي هَذَا الأُنْبُوبِ الشَّفِيفِ، صَامِتاً صَبُوراً، يَنْتَظِرُ مَنْ سَيَأْتِي يَوْماً وَيَسْأَلُهُ.
ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الأَرْضَ، حَرْفِيّاً، “تَحْفَظُ” ذَاكِرَةً مَنَاخِيَّةً دَقِيقَةً جِدّاً، عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِقُوَّةٍ، وَفِي إِيمَاءَتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الاعْتِزَازَ بِالكَوْكَبِ نَفْسِهِ:
ـ بِالضَّبْطِ، هَذَا جَوْهَرُ عَمَلِي.
وَأَضَافَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الأُنْبُوبِ بِتَوْقِيرٍ لَطِيفٍ:
ـ الجَلِيدُ القُطْبِيُّ أَرْشِيفٌ طَبِيعِيٌّ مُذْهِلٌ، يَحْفَظُ مَعْلُومَاتٍ دَقِيقَةً جِدّاً بِطَرِيقَةٍ مُنَظَّمَةٍ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ، عَنْ تَارِيخِ كَوْكَبِنَا المَنَاخِيِّ بِالكَامِلِ تَقْرِيباً.
فَكَّرَ سَامِرٌ، وَكَانَ أَمَامَهُ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الأَفْكَارِ الَّتِي تَتَبَلَّوَرُ بِبُطْءٍ ثُمَّ تَظْهَرُ فَجْأَةً وَاضِحَةً:
ـ هَذَا يُشْبِهُ فِكْرَةَ عَالِمِ الآثَارِ عَنْ طَبَقَاتِ الأَرْضِ، لَكِنْ بِمِقْيَاسٍ زَمَنِيٍّ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ.
أَوْمَأَتِ المَرْأَةُ بِإِعْجَابٍ:
ـ نَعَمْ، مَبْدَأٌ مُشَابِهٌ جِدّاً، لَكِنْ بِمِقْيَاسٍ زَمَنِيٍّ مُخْتَلِفٍ كُلِّيّاً.
وَأَوْضَحَتْ بِلَهْجَةٍ تُفَرِّقُ دُونَ أَنْ تُنَافِسَ:
ـ عَمَلُهُ يَتَعَامَلُ مَعَ آلَافِ السِّنِينَ مِنَ التَّارِيخِ البَشَرِيِّ، بَيْنَمَا عَمَلِي يَتَعَامَلُ أَحْيَاناً مَعَ مِئَاتِ آلَافٍ أَوْ حَتَّى مَلَايِينِ السِّنِينَ مِنْ تَارِيخِ الكَوْكَبِ نَفْسِهِ، قَبْلَ وُجُودِ البَشَرِ أَصْلاً.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذَا الفَارِقَ.
كَانَ الإِنْسَانُ، فِي هَذَا المَنْظُورِ، ظَاهِرَةً طَارِئَةً، وَافِداً مُتَأَخِّراً إِلَى كَوْكَبٍ لَهُ تَارِيخٌ طَوِيلٌ جِدّاً لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَذْكُرُهُ، كَمَنْ وَصَلَ إِلَى ضِيَافَةٍ بَدَأَتْ قَبْلَ مِيلَادِهِ بِكَثِيرٍ، فَوَجَدَ كُلَّ شَيْءٍ مُرَتَّباً وَجَاهِزاً وَمَكْتُوباً، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ مِنْ كَتَبَهُ.
ـ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَوْمِي المَفْقُودِ؟
فَكَّرَتِ المَرْأَةُ طَوِيلاً، عَيْنَاهَا تُحَدِّقَانِ فِي الأُنْبُوبِ الجَلِيدِيِّ بِعُمْقٍ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ فِي مَخْزُونِ خَبْرَتِهَا العِلْمِيَّةِ عَنْ صُورَةٍ مَجَازِيَّةٍ صَحِيحَةٍ بِمَا يَكْفِي لِتَكُونَ صَادِقَةً وَبَسِيطَةً بِمَا يَكْفِي لِتَكُونَ مَفْهُومَةً:
ـ رُبَّمَا، بِطَرِيقَةٍ مَجَازِيَّةٍ عَمِيقَةٍ جِدّاً، حَيَاتُكَ أَنْتَ أَيْضاً تَحْمِلُ “طَبَقَاتٍ” مُمَاثِلَةً.
وَأَوْضَحَتْ بِحَذَرٍ صَادِقٍ:
ـ حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ مَرْئِيَّةً بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ المَادِّيَّةِ المَلْمُوسَةِ كَهَذَا الجَلِيدِ.
كُلُّ تَجْرِبَةٍ تَمُرُّ بِهَا، حَتَّى لَوْ نَسِيتَهَا وَاعِياً، قَدْ تَتْرُكُ أَثَراً، طَبَقَةً دَقِيقَةً جِدّاً، فِي نَسِيجِ كِيَانِكَ الكَامِلِ.
وُقُوفُكَ الآنَ أَمَامِي، بِهَذَا الفَضُولِ، بِهَذَا السُّؤَالِ عَنْ يَوْمٍ لَا تَتَذَكَّرُهُ — هَذَا نَفْسُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَيْئاً مَا بَقِيَ.
لَوْ لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ اليَوْمُ أَثَراً، لَمَا كُنْتَ هُنَا تَبْحَثُ عَنْهُ.
الأَثَرُ مَوْجُودٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صِيغَتُهُ عَمَّا كُنْتَ تَتَوَقَّعُهُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ تَسْتَقِرُّ فِيهِ كَالثِّقَلِ الجَيِّدِ.
كَانَتِ الفِكْرَةُ بَسِيطَةً حِينَ يُصَاغُ، عَمِيقَةً حِينَ يَتَأَمَّلُهَا: الاتِّجَاهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ الآنَ، الأَسْئِلَةُ الَّتِي تَقُودُهُ، الإِلْحَاحُ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ تُجَاهَ ذَلِكَ اليَوْمِ الغَائِبِ، كُلُّهَا قَدْ تَكُونُ الطَّبَقَةَ الجَلِيدِيَّةَ الَّتِي تَرَكَهَا ذَلِكَ اليَوْمُ فِيهِ، لَا الذَّاكِرَةُ بِمَا فِيهَا، بَلِ الشَّوْقُ الَّذِي خَلَّفَتْهُ غَيَابَتُهَا.
ـ هَذَا يَمْنَحُنِي فِكْرَةً جَدِيدَةً عَنْ إِمْكَانِيَّةِ وُجُودِ أَثَرٍ لِيَوْمِي، حَتَّى لَوْ كَانَ دَقِيقاً جِدّاً وَصَعْبَ الوُصُولِ إِلَيْهِ.
أَوْمَأَتِ المَرْأَةُ بِدِفْءٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ تُوَازِنُ بَيْنَ التَّشْجِيعِ وَالصِّدْقِ العِلْمِيِّ الصَّارِمِ:
ـ هَذَا احْتِمَالٌ حَقِيقِيٌّ يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ فِيهِ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بِشَيْءٍ مِنَ الجِدِّيَّةِ الَّتِي تُقَدِّرُهَا المَرْأَةُ المُعْتَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ الأَشْيَاءِ كَمَا هِيَ لَا كَمَا يُرِيدُهَا النَّاسُ:
ـ لَكِنْ دَعِينِي أُخْبِرَكَ أَيْضاً بِشَيْءٍ آخَرَ مُهِمٍّ مِنْ عَمَلِي: أَحْيَاناً، حَتَّى حِينَ نَجِدُ طَبَقَةً جَلِيدِيَّةً مُعَيَّنَةً تَحْمِلُ مَعْلُومَاتٍ قَيِّمَةً جِدّاً، لَا نَسْتَطِيعُ اسْتِخْرَاجَهَا بِشَكْلٍ كَامِلٍ وَمِثَالِيٍّ تَمَاماً.
وَأَوْضَحَتْ بِهُدُوءٍ صَادِقٍ:
ـ بَعْضُ المَعْلُومَاتِ تَالِفَةٌ جُزْئِيّاً، غَيْرُ وَاضِحَةٍ تَمَاماً، تَتَطَلَّبُ تَفْسِيراً عِلْمِيّاً حَذِراً، يَقْبَلُ دَرَجَةً مُعَيَّنَةً مِنْ عَدَمِ اليَقِينِ.
الثَّلْجُ يَحْفَظُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ ذَاكِرَةً كَامِلَةً لَا تَشُوبُهَا شَائِبَةٌ.
هُوَ يَحْفَظُ مَا اسْتَطَاعَ، بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَطَاعَ، وَعَلَيْنَا نَحْنُ أَنْ نَكُونَ خَبِيرِينَ بِحُدُودِهِ قَبْلَ أَنْ نَكُونَ خَبِيرِينَ بِمَا يَكْشِفُهُ.
فَهِمَ سَامِرٌ: التَّذَكُّرُ الجُزْئِيُّ لَيْسَ فَشَلاً.
إِنَّهُ مَا تَفْعَلُهُ الطَّبِيعَةُ بِأَمَانَةٍ وَاضِعَةً طَاقَتَهَا كُلَّهَا.
لَا شَيْءَ يَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ بِصُورَةٍ مُثَالِيَّةٍ كَامِلَةٍ.
الذَّاكِرَةُ الكَامِلَةُ المُثَالِيَّةُ خُرَافَةٌ، مَا يُوجَدُ هُوَ الذَّاكِرَةُ الصَّادِقَةُ، الَّتِي تَجْهَدُ فِي الحِفْظِ وَتَعْتَرِفُ بِمَوَاضِعِ الفَرَاغِ.
ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ حَتَّى لَوْ وَجَدْتُ “طَبَقَةً” مُرْتَبِطَةً بِيَوْمِي، قَدْ لَا تَكُونُ وَاضِحَةً تَمَاماً؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ عِلْمِيٍّ لَا يَتَهَاوَنُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بَارِداً وَلَا قَاسِياً:
ـ هَذَا احْتِمَالٌ وَاقِعِيٌّ، نَعَمْ.
لَكِنَّهَا أَضَافَتْ بِلَهْجَةٍ تُوقِدُ لَا تُطْفِئُ:
ـ وَهَذَا لَا يُقَلِّلُ مِنْ قِيمَةِ المُحَاوَلَةِ وَالبَحْثِ.
حَتَّى المَعْلُومَاتُ الجُزْئِيَّةُ، غَيْرُ الكَامِلَةِ، تُضِيفُ شَيْئاً مُهِمّاً لِفَهْمِنَا الإِجْمَالِيِّ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُقَدِّمْ صُورَةً كَامِلَةً مِثَالِيَّةً تَمَاماً.
لَوْ رَفَضَ الجِيُولُوجِيُّ كُلَّ طَبَقَةٍ تَالِفَةٍ جُزْئِيّاً، لَمَا عَرَفَ الكَوْكَبُ نَفْسَهُ.
وَالإِنْسَانُ الَّذِي يَرْفُضُ كُلَّ ذِكْرَى غَيْرِ مُكْتَمِلَةٍ، يُعِيدُ نَفْسَهُ إِلَى الصَّفْحَةِ البَيْضَاءِ بِيَدِيهِ.
سَأَلَ سَامِرٌ، بَعْدَ صَمْتٍ مُتَأَمِّلٍ، بِسُؤَالٍ جَاءَ مِنْ مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنِ الفُضُولِ المُجَرَّدِ:
ـ هَلْ تَخَافِينَ مِمَّا تَكْتَشِفِينَهُ أَحْيَاناً، عَنْ تَغَيُّرِ المَنَاخِ السَّرِيعِ جِدّاً الَّذِي نَعِيشُهُ الآنَ، مُقَارَنَةً بِهَذِهِ السِّجِلَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ الطَّوِيلَةِ؟
نَظَرَتِ المَرْأَةُ بَعِيداً، وَللمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدْءِ الحَدِيثِ، تَرَاجَعَتْ مِنَ المَوْقِعِ العِلْمِيِّ إِلَى المَوْقِعِ الإِنْسَانِيِّ.
وَكَانَ قَلَقٌ عِلْمِيٌّ صَادِقٌ يَظْهَرُ فِي عَيْنَيْهَا، لَيْسَ القَلَقَ الأَدَاتِيَّ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ الخُبَرَاءُ فِي التَّقَارِيرِ لِيُقْنِعُوا المَسْؤُولِينَ، بَلِ القَلَقُ الشَّخْصِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ وَحْدَكَ فِي الظَّلَامِ وَتَسْأَلُ فِيهِ سُؤَالاً لَا تَعْرِفُ إِجَابَتَهُ.
ـ أَخَافُ كَثِيراً، بِصَرَاحَةٍ.
قَالَتِ المَرْأَةُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ خَالٍ مِنْ أَيِّ خِطَابِيَّةٍ، وَفِي هَذَا الهُدُوءِ مَا هُوَ أَكْثَرُ إِقْنَاعاً مِنَ الصُّرَاخِ:
ـ مَا نَرَاهُ الآنَ مِنْ تَغَيُّرَاتٍ مَنَاخِيَّةٍ سَرِيعَةٍ جِدّاً يَفُوقُ بِكَثِيرٍ أَيَّ تَغَيُّرٍ طَبِيعِيٍّ مُسَجَّلٍ فِي كُلِّ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ الجَلِيدِيَّةِ القَدِيمَةِ عَبْرَ مِئَاتِ آلَافِ السِّنِينَ.
وَأَكْمَلَتْ بِنَبْرَةٍ تَنْطَوِي عَلَى ثِقَلِ الإِدْرَاكِ:
ـ هَذَا يُخْبِرُنِي أَنَّ البَشَرِيَّةَ تَكْتُبُ الآنَ “طَبَقَةً” جَدِيدَةً فِي ذَاكِرَةِ الأَرْضِ.
طَبَقَةٌ قَدْ تَحْمِلُ قِصَّةً مُقْلِقَةً جِدّاً لِمَنْ سَيَدْرُسُهَا فِي المُسْتَقْبَلِ البَعِيدِ.
طَبَقَةٌ فِيهَا كُلُّ هَذَا الغِيَابِ، وَهَذَا الاحْتِرَاقِ، وَهَذَا الإِيقَاعِ الَّذِي أَخَذَهُ شَيْءٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ مِنَ الطَّبِيعَةِ دُونَ أَنْ تُدْرِكَ الطَّبِيعَةُ كَيْفَ تَسْتَرِدُّهُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا القَلَقِ العَالَمِيِّ الأَوْسَعِ يَتَدَاخَلُ مَعَ قَلَقِهِ الشَّخْصِيِّ الصَّغِيرِ.
أَحَسَّ لَحْظَةً بِأَنَّ مُشْكِلَتَهُ، مُقَارَنَةً بِمَا تَصِفُهُ هَذِهِ المَرْأَةُ، لَا تَعْدُو كَوْنَهَا حَبَّةَ رَمْلٍ أَمَامَ جِبَالٍ جَلِيدِيَّةٍ تَذُوبُ بِصَمْتٍ.
ـ هَذَا يَجْعَلُ مُشْكِلَتِي الشَّخْصِيَّةَ تَبْدُو صَغِيرَةً جِدّاً مُقَارَنَةً بِهَذَا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِتَفَهُّمٍ رَقِيقٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِكَلَامٍ لَا يُجَامِلُ وَلَا يُقَسِّي:
ـ لَا تُقَلِّلْ مِنْ شَأْنِ أَلَمِكَ الشَّخْصِيِّ، يَا سَامِرُ.
لِكُلِّ مِقْيَاسٍ زَمَنِيٍّ وَمَكَانِيٍّ أَهَمِّيَّتُهُ الخَاصَّةُ.
قَلَقِي العِلْمِيُّ تُجَاهَ مُسْتَقْبَلِ الكَوْكَبِ لَا يَلْغِي أَهَمِّيَّةَ بَحْثِكَ الشَّخْصِيِّ عَنْ يَوْمِكَ المَفْقُودِ، تَمَاماً كَمَا أَنَّ بَحْثَكَ الشَّخْصِيَّ لَا يُقَلِّلُ مِنْ أَهَمِّيَّةِ قَلَقِي العِلْمِيِّ الأَوْسَعِ.
نَحْنُ لَا نَتَنَافَسُ فِي الأَلَمِ.
الكَوْكَبُ لَا يُنَافِسُ الإِنْسَانَ عَلَى الجَدَارَةِ بِالاهْتِمَامِ.
كِلَاهُمَا يَسْتَحِقُّ مَنْ يَقِفُ بِجِدِّيَّةٍ أَمَامَ سُؤَالِهِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِامْتِنَانٍ لِهَذَا التَّوَازُنِ، لِهَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي تَعِيشُ كُلَّ يَوْمٍ أَمَامَ الأَدِلَّةِ الجَلِيدِيَّةِ عَلَى هَشَاشَةِ العَالَمِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَنْسَ أَنَّ الهَشَاشَةَ الإِنْسَانِيَّةَ الفَرْدِيَّةَ مَوْجُودَةٌ هِيَ الأُخْرَى وَتَسْتَحِقُّ الوُقُوفَ أَمَامَهَا.
ـ شُكْراً لَكِ، عَلَى هَذَا الفَهْمِ المُتَوَازِنِ، وَعَلَى مُشَارَكَتِي عَمَلَكِ المُهِمَّ.
ابْتَسَمَتِ المَرْأَةُ ابْتِسَامَتَهَا الأَخِيرَةَ، وَعَادَتْ إِلَى فَحْصِ عَيِّنَتِهَا الجَلِيدِيَّةِ بِتَرْكِيزٍ مُتَجَدِّدٍ، يَدَاهَا تَعُودَانِ إِلَى رِتْمِهِمَا الخَاصِّ بِهُمَا، وَكَأَنَّ الحَدِيثَ كَانَ وَقْفَةً ضَرُورِيَّةً وَالعَمَلُ هُوَ المَسِيرُ الحَقِيقِيُّ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: حَتَّى أَصْغَرُ الطَّبَقَاتِ، الأَقَلُّ وُضُوحاً، تَحْمِلُ قِيمَةً حَقِيقِيَّةً، تَسْتَحِقُّ الاهْتِمَامَ وَالدِّرَاسَةَ الصَّبُورَةَ.
وَأَضَافَتْ، وَكَانَ فِي إِضَافَتِهَا نَوْعٌ مِنَ الهَدِيَّةِ الثَّانِيَةِ يُقَدِّمُهَا المُعَلِّمُ الجَيِّدُ دَائِماً بَعْدَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّهُ انْتَهَى:
ـ وَلَا تَخَفْ مِنَ الطَّبَقَاتِ المُتَشَقِّقَةِ.
الجَلِيدُ الَّذِي يَتَشَقَّقُ يَكْشِفُ مَا بِدَاخِلِهِ.
________________________________________
بَدَأَ الامْتِدَادُ الجَلِيدِيُّ الشَّاسِعُ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
انْسَحَبَ البَيَاضُ الكَبِيرُ كَمَوْجَةٍ تَتَرَاجَعُ نَحْوَ البَحْرِ الَّذِي جَاءَتْ مِنْهُ، وَتَبَخَّرَ البَرْدُ الصَّافِي بِصَمْتٍ لَا يُشْبِهُ الرَّحِيلَ بَلِ الاكْتِفَاءَ، حَتَّى وَجَدَ سَامِرٌ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي الرِّوَاقِ المَعْتَادِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ البَابِ الأَخِيرِ فِي هَذَا المِحْوَرِ العِلْمِيِّ، يَحْمِلُ نَقْشاً لِرُقَاقَةٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ صَغِيرَةٍ مُعَقَّدَةٍ، خُطُوطُهَا الدَّقِيقَةُ تَشْبِهُ مَدِينَةً مُصَغَّرَةً رُسِمَتْ بِيَدِ صَبُورٍ فَوْقَ مِسَاحَةٍ أَضْيَقَ مِنْ ظُفُرِ إِبْهَامٍ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّقْشِ، وَقَالَ:
ـ رُقَاقَةٌ إِلِكْتُرُونِيَّةٌ؟
ابْتَسَمَ العَجُوزُ ابْتِسَامَةً تَقُولُ أَكْثَرَ مِمَّا تُفْصِحُ عَنْهُ:
ـ القَاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي مِحْوَرِ العُلُومِ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ شَابٍّ يُحَاوِلُ، بِطُمُوحٍ كَبِيرٍ، أَنْ يَفْعَلَ شَيْئاً قَدْ يَبْدُو مُسْتَحِيلاً: أَنْ يَصْنَعَ ذَاكِرَةً اصْطِنَاعِيَّةً كَامِلَةً، رُبَّمَا حَتَّى ذَاكِرَةً قَابِلَةً لِلْبَرْمَجَةِ وَالمَحْوِ بِإِرَادَةٍ وَاعِيَةٍ.
صَمَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً.
الذَّاكِرَةُ الَّتِي تُمْحَى بِإِرَادَةٍ.
وَالذَّاكِرَةُ الَّتِي تَضِيعُ بِلَا إِرَادَةٍ.
تَرَى، أَيُّهُمَا أَكْثَرُ إِيلَاماً؟
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ مِقْبَضِ البَابِ.

متحف الأيام المفقودة 54