متحف الأيام المفقودة 57

الفصل السابع والخمسون: الرَّسَّامُ المَنْسِيّ – أَمْسْتِرْدَام، ١٨٩٠م — «الفَنُّ الَّذِي لَمْ تُقْرَأْ ذَاكِرَتُهُ بَعْدُ»
________________________________________
١. عَتَبَةُ الاسْتُودِيو
لَمْ تَكُنِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ قَاعَةً بِالمَعْنَى الدَّقِيقِ لِلْكَلِمَةِ.
كَانَتْ فَوْضَى مُقَدَّسَةً تَنْبُضُ بِحَيَاةٍ خَاصَّةٍ بِهَا؛ فَوْضَى تِلْكَ الأَمَاكِنِ الَّتِي يَسْكُنُهَا الإِبْدَاعُ حِينَ يَرْفُضُ الانْصِيَاعَ لِمَنْطِقِ الأَشْيَاءِ المُرَتَّبَةِ. وَقَفَ سَامِرٌ عِنْدَ العَتَبَةِ لَحْظَةً، يَسْتَوْعِبُ المَشْهَدَ بَصَرِيًّا قَبْلَ أَنْ تَطَأَ قَدَمَاهُ البَلَاطَ المُلَوَّنَ بِبَقَعِ الطِّلَاءِ المُتَرَاكِمَةِ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ.
كَانَتْ فُرُشُ الرَّسْمِ مَنْثُورَةً عَلَى أَرْضِيَّةٍ لَا تَبْدُو أَنَّهَا شَهِدَتِ التَّنْظِيفَ مُنْذُ أَشْهُرٍ. كَانَتِ اللَّوْحَاتُ مُسْنَدَةً إِلَى الجُدْرَانِ بِزَوَايَا عَشْوَائِيَّةٍ، بَعْضُهَا وَجْهًا لِلْحَائِطِ كَأَنَّهَا تَخْجَلُ مِنَ العَالَمِ، وَبَعْضُهَا مُتَجَاسِرٌ يُوَاجِهُ الضَّوْءَ الآتِيَ مِنَ النَّافِذَةِ العَالِيَةِ بِنِصْفِ تَحَدٍّ وَنِصْفِ رَجَاءٍ. كَانَتْ أَنَابِيبُ الطِّلَاءِ مُلْقَاةً هُنَا وَهُنَاكَ، بَعْضُهَا مَضْغُوطٌ حَتَّى آخِرِهِ، فَارِغٌ تَمَامًا مِثْلَ جِسْمٍ أَسْلَمَ كُلَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَحْتَفِظْ لِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ. وَفِي المَنْتَصَفِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الفَوْضَى الخَصِبَةِ، كَانَ يَقِفُ رَجُلٌ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
لَمْ يَلْتَفِتْ حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ. لَمْ يُبَدِّلْ حَرَكَةَ يَدِهِ وَلَا مِيزَانَ جَسَدِهِ. كَانَ غَارِقًا فِي لَوْحَةٍ نِصْفِ مُكْتَمِلَةٍ بِتَرْكِيزٍ لَا يَبْدُو أَنَّهُ يَنْتَمِي إِلَى هَذَا العَالَمِ، بَلْ إِلَى عَالَمٍ مَوْجُودٍ فَقَطْ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ وَسَطْحِ القِمَاشِ.
وَعَيْنَاهُ — حِينَ اكْتَشَفَهُمَا سَامِرٌ بَعْدَ لَحْظَاتٍ — كَانَتَا تَحْمِلَانِ شَيْئَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ لَا يُفَسَّرُ: شَغَفٌ مُضِيءٌ كَجَمْرَةٍ لَا تُرِيدُ أَنْ تَنْطَفِئَ، وَحُزْنٌ عَمِيقٌ رَاسِخٌ كَأَنَّهُ نُقِشَ فِيهِمَا قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَاحِبُهُمَا الكَلَامَ.
________________________________________
٢. لُغَةٌ لَا تَرَاهَا العَيْنُ المُجَرَّدَةُ
قَالَ الرَّسَّامُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِمَّا يُفْصِحُ: ـ ادْخُلْ إِنْ أَرَدْتَ. وَأَضَافَ بَعْدَ وَقْفَةٍ قَصِيرَةٍ: ـ لَكِنْ لَا تَتَوَقَّعْ أَنْ تَفْهَمَ لَوْحَاتِي فَوْرًا. ثُمَّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ شَيْئًا اعْتَادَ قَوْلَهُ وَأَلِمَهُ كُلَّ مَرَّةٍ: ـ قَلِيلُونَ جِدًّا مَنْ يَفْهَمُونَهَا فِي زَمَنِي.
دَخَلَ سَامِرٌ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ، يَتَجَنَّبُ الدَّوْسَ عَلَى الفُرُشِ المُلْقَاةِ، وَقَالَ مُعَرِّفًا بِنَفْسِهِ: ـ أَنَا سَامِرٌ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى اللَّوْحَةِ: ـ مَاذَا تَرْسُمُ؟
لَمْ يَتَوَقَّفِ الرَّسَّامُ عَنِ الحَرَكَةِ، لَكِنَّ صَوْتَهُ جَاءَ مَشْحُونًا بِكَهْرَبَاءٍ لَا مَرْئِيَّةٍ: ـ أُحَاوِلُ أَنْ أَلْتَقِطَ شَيْئًا يَتَجَاوَزُ مَا تَرَاهُ العَيْنُ المُجَرَّدَةُ.
صَمَتَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ كَمَنْ يُحَاوِلُ تَفْسِيرَ حُلْمٍ بِكَلِمَاتٍ تَنْتَمِي إِلَى عَالَمٍ آخَرَ: ـ أَلْوَانٌ تَحْمِلُ مَشَاعِرَ لَا أَسْمَاءَ لَهَا. خُطُوطٌ تَحْمِلُ حَرَكَةَ الرُّوحِ نَفْسِهَا لَا مُجَرَّدَ صُورَةٍ جَامِدَةٍ لِأَشْيَاءَ مَوْجُودَةٍ. لَيْسَ تَمْثِيلًا وَاقِعِيًّا بَارِدًا لِلعَالَمِ كَمَا تَبْدُو أَسْطُحُهُ، بَلِ اقْتِنَاصًا لِمَا يَجْرِي تَحْتَ تِلْكَ الأَسْطُحِ، لِمَا لَا يُصَوَّرُ لَكِنَّهُ يُحَسُّ.
وَقَفَ سَامِرٌ أَمَامَ إِحْدَى اللَّوْحَاتِ المُسْنَدَةِ إِلَى الجِدَارِ؛ كَانَتْ تُمَثِّلُ حَقْلًا مِنَ القَمْحِ تَحْتَ سَمَاءٍ مُضْطَرِبَةٍ، لَكِنَّ أَلْوَانَهَا كَانَتْ تَصْرُخُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا. لَمْ يَكُنِ الأَصْفَرُ مُجَرَّدَ أَصْفَرَ؛ كَانَ أَصْفَرًا يَحْمِلُ حُمَّى وَانْتِظَارًا وَخَوْفًا وَرَغْبَةً فِي الانْفِجَارِ كُلَّهَا فِي آنٍ. وَلَمْ يَكُنِ الأَزْرَقُ فَوْقَهُ مُجَرَّدَ سَمَاءٍ؛ كَانَ ثِقَلًا، كَانَ تَهْدِيدًا، كَانَ شَيْئًا عَلَى وَشْكِ أَنْ يَنْكَسِرَ.
قَالَ سَامِرٌ بِصِدْقٍ لَمْ يَتَكَلَّفْهُ: ـ هَذِهِ جَمِيلَةٌ جِدًّا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَمَّا اعْتَدْتُ رُؤْيَتَهُ.
تَوَقَّفَ الرَّسَّامُ عِنْدَئِذٍ فَجْأَةً. الْتَفَتَ نَحْوَ سَامِرٍ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَيْسَتِ المُبَالَغَةَ الاجْتِمَاعِيَّةَ الَّتِي يُؤَدِّيهَا النَّاسُ تَأَدُّبًا، بَلِ الدَّهْشَةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تُوسِّعُ العَيْنَيْنِ وَتَفْتَحُ الفَمَ قَلِيلًا.
قَالَ: ـ حَقًّا؟ تَجِدُهَا جَمِيلَةً؟
وَفِي طَرِيقَةِ قَوْلِهِ كَانَتْ مَسَافَةُ سَنَوَاتٍ مِنَ الرَّفْضِ.
________________________________________
٣. الثَّمَنُ الَّذِي لَا يَتَوَقَّعُهُ أَحَدٌ
ابْتَلَعَ الرَّسَّامُ شَيْئًا فِي حَلْقِهِ، ثُمَّ قَالَ بِمَرَارَةٍ هَادِئَةٍ مُهَذَّبَةٍ لَا تُرِيدُ أَنْ تُثْقِلَ أَحَدًا: ـ مُعْظَمُ مَنْ يَرَوْنَهَا فِي زَمَنِي يَصِفُونَهَا بِأَنَّهَا فَوْضَوِيَّةٌ. غَرِيبَةٌ. وَأَحْيَانًا، بِلَا رَحْمَةٍ ظَالِمَةٍ، بِأَنَّهَا عَمَلُ شَخْصٍ مُضْطَرِبٍ عَقْلِيًّا.
أَحَسَّ سَامِرٌ بِوَخْزَةٍ فِي صَدْرِهِ. لَيْسَتْ وَخْزَةَ الشَّفَقَةِ السَّطْحِيَّةِ، بَلْ وَخْزَةَ مَنْ يَسْمَعُ ظُلْمًا وَاضِحًا يُمَارَسُ عَلَى إِنْسَانٍ أَمَامَهُ.
قَالَ: ـ هَذَا مُؤْلِمٌ. أَنْ تَسْمَعَ هَذَا عَنْ عَمَلٍ تَضَعُ فِيهِ كُلَّ هَذَا الشَّغَفِ.
أَوْمَأَ الرَّسَّامُ بِرَأْسِهِ، لَا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يُوَافِقُ بِهَا الإِنْسَانُ مُجَامِلًا، بَلْ بِطَرِيقَةِ مَنْ يُؤَكِّدُ شَيْئًا كَانَ يَعْلَمُهُ وَلَا يَزَالُ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَحْيَا بِهِ: ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ.
ثُمَّ أَخَذَ يُحَدِّثُ سَامِرًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مُتَأَنٍّ. حَدَّثَهُ عَنِ اللَّوْحَاتِ الَّتِي لَا يَبِيعُهَا، عَنِ الاسْتُودِيو البَارِدِ فِي الشِّتَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَ الحَطَبِ. حَدَّثَهُ عَنْ أَخٍ يَدْعَمُهُ مَادِّيًّا وَيُحِبُّهُ بِحَرَارَةٍ صَادِقَةٍ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ حِينَ تَقَعَانِ عَلَى اللَّوْحَاتِ تَحْمِلَانِ ذَلِكَ التَّحَيُّرَ الشَّفِيقَ الَّذِي يُؤْلِمُ أَكْثَرَ مِنَ الرَّفْضِ الصَّرِيحِ. حَدَّثَهُ عَنِ المَعَارِضِ الَّتِي رُفِضَتْ لَوْحَاتُهُ مِنْهَا، عَنِ النُّقَّادِ الَّذِينَ كَتَبُوا عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ لَوْ جَمَعَهَا إِنْسَانٌ لَمَا وَجَدَ فِيهَا مَبَرِّرًا لِلِاسْتِمْرَارِ.
فَسَأَلَهُ سَامِرٌ بِتَأَنٍّ: ـ هَلْ تَشْعُرُ بِاليَأْسِ أَحْيَانًا؟
نَظَرَ الرَّسَّامُ بَعِيدًا، نَحْوَ النَّافِذَةِ الَّتِي تَأْتِي مِنْهَا ضِيَاءُ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ النَّهَارِ الأَمْسْتِرْدَامِيِّ البَارِدِ. ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ لَا يَخْلِطُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ: ـ كَثِيرًا جِدًّا. بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ: كَثِيرًا جِدًّا.
وَوَصَفَ لِسَامِرٍ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الَّتِي يَجْلِسُ فِيهَا أَمَامَ لَوْحَةٍ مُكْتَمِلَةٍ وَيَتَسَاءَلُ: إِلَى أَيْنَ سَيَذْهَبُ هَذَا كُلُّهُ؟ مَنْ سَيَرَاهُ؟ مَنْ سَيُحِسُّ بِمَا أَرَادَ قَوْلَهُ؟ هَلْ سَيَمُوتُ هَذَا الأَلَمُ المُحَوَّلُ إِلَى أَلْوَانٍ مَعَ صَاحِبِهِ، وَيَبْقَى القِمَاشُ مُجَرَّدَ قِمَاشٍ لَا يَقُولُ لِأَحَدٍ شَيْئًا؟
قَالَ: ـ أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ كُلُّ هَذَا الجَهْدِ، كُلُّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الرَّسْمِ المَحْمُومِ، سَتَذْهَبُ هَبَاءً. تُنْسَى تَمَامًا بَعْدَ مَوْتِي. دُونَ أَنْ يَفْهَمَهَا أَوْ يُقَدِّرَهَا أَحَدٌ عَلَى الإِطْلَاقِ.
وَكَانَتْ كَلِمَةُ «الإِطْلَاقِ» تِلْكَ هِيَ الأَثْقَلُ فِي الجُمْلَةِ كُلِّهَا.
________________________________________
٤. أَمَانَةُ مَعْرِفَةِ المُسْتَقْبَلِ
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَضْغَطُ عَلَى صَدْرِهِ مِنَ الدَّاخِلِ؛ ثِقَلٌ أَخْلَاقِيٌّ بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ. كَانَ يَعْرِفُ. كَانَ يَعْرِفُ مَا سَيَجْرِي لِهَذَا الرَّجُلِ وَلِأَعْمَالِهِ بَعْدَ رَحِيلِهِ. وَكَانَ يَتَسَاءَلُ: هَلْ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ؟ هَلْ هُنَاكَ رَحْمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي هَذِهِ المَعْرِفَةِ، أَمْ أَنَّهَا عَذَابٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ أَنْ يَعْلَمَ المَرْءُ أَنَّ مَجْدَهُ سَيَأْتِي بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ؟
قَرَّرَ بَعْدَ تَرَدُّدٍ صَادِقٍ أَنَّ الصِّدْقَ أَرْحَمُ.
قَالَ: ـ أَنَا أَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ قَدْ يَهُمُّكَ أَنْ تَسْمَعَهُ.
رَفَعَ الرَّسَّامُ حَاجِبَيْهِ بِفُضُولٍ حَذِرٍ، كَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ أَمَلًا قَدْ يَنْهَارُ. قَالَ: ـ مَاذَا تَقْصِدُ؟
تَنَفَّسَ سَامِرٌ بِعُمْقٍ، ثُمَّ قَالَ بِحَذَرٍ تَامٍّ لَا يُزَيِّنُ وَلَا يَنْقُصُ: ـ فِي زَمَنِي، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ مِنَ الآنَ، أَنْتَ مَشْهُورٌ جِدًّا.
وَقَفَ. لِيَدَعَ الكَلِمَةَ تَنْزِلُ بِتَأَنٍّ.
ثُمَّ أَكْمَلَ: ـ يُعْتَبَرُ فَنُّكَ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْتَجَتْهُ البَشَرِيَّةُ. لَوْحَاتُكَ تُعْرَضُ فِي أَهَمِّ المَتَاحِفِ فِي العَالَمِ. تُقَدَّرُ بِمَلَايِينَ. وَيَدْرُسُهَا النَّاسُ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ يَتَحَوَّلُ أَحْيَانًا إِلَى شَيْءٍ يُشْبِهُ الوَلَهَ.
صَمَتَ الاسْتُودِيو كُلُّهُ. حَتَّى الفَوْضَى بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تَحْبِسُ أَنْفَاسَهَا.
نَظَرَ الرَّسَّامُ إِلَى سَامِرٍ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ. ثُمَّ تَجَمَّعَتْ فِي عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ لَمْ تَسْقُطْ بَعْدُ، عَالِقَةٌ عَلَى الحَافَّةِ بَيْنَ الاحْتِبَاسِ وَالانْهِمَارِ. كَانَتْ دُمُوعًا غَرِيبَةَ التَّرْكِيبِ: لَيْسَتْ فَرَحًا خَالِصًا وَلَا حُزْنًا خَالِصًا، بَلْ شَيْئًا يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا بِاتِّزَانٍ مُعَذَّبٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ: ـ هَلْ هَذَا صَحِيحٌ فِعْلًا؟ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الأَلَمِ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الرَّفْضِ؟ سَيُقَدِّرُ أَحَدٌ مَا فَعَلْتُهُ يَوْمًا؟
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ إِيمَاءَةً وَاحِدَةً ثَابِتَةً لَا تَتَزَعْزَعُ: ـ نَعَمْ. بِصِدْقٍ كَامِلٍ: نَعَمْ.
________________________________________
٥. السَّلَامُ الَّذِي يَأْتِي مُتَأَخِّرًا
ابْتَسَمَ الرَّسَّامُ ابْتِسَامَةً لَمْ تَكُنِ ابْتِسَامَةَ فَرَحٍ مُبَاشِرَةً. كَانَتِ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَفْهَمُ شَيْئًا مُؤْلِمًا وَيَتَصَالَحُ مَعَهُ فِي آنٍ.
قَالَ: ـ هَذَا يَأْتِي مُتَأَخِّرًا جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِي شَخْصِيًّا. لَنْ أَرَى ذَلِكَ التَّقْدِيرَ بِنَفْسِي أَبَدًا.
وَقَفَ. نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ المُلَوَّنَتَيْنِ بِالطِّلَاءِ. ثُمَّ قَالَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاكْتِشَافَ: ـ لَكِنَّهُ يَمْنَحُنِي، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، نَوْعًا مِنَ السَّلَامِ الآنَ. مَعْرِفَةُ أَنَّ العَمَلَ نَفْسَهُ لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. حَتَّى لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ فِي وَقْتِهِ الصَّحِيحِ.
وَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ كَانَتْ نُضْجٌ لَمْ يَكْتَسِبْهُ الرَّسَّامُ بِيُسْرٍ. كَانَ نُضْجًا اشْتَرَاهُ بِسَنَوَاتٍ مِنَ الرَّسْمِ فِي غُرَفٍ بَارِدَةٍ أَمَامَ جُدْرَانٍ لَا تَرُدُّ عَلَيْهِ.
تَحَرَّكَ سَامِرٌ نَحْوَ إِحْدَى اللَّوْحَاتِ الكَبِيرَةِ؛ كَانَتْ تُصَوِّرُ غُرْفَةً صَغِيرَةً مُضَاءَةً بِشَمْعَةٍ فِي لَيْلٍ يَبْدُو أَثْقَلَ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ نَوَافِذُهُ. لَكِنَّ الشَّمْعَةَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ شَمْعَةٍ. كَانَتْ تَحْمِلُ شَيْئًا فِي طَرِيقَةِ رَسْمِهَا يَجْعَلُهَا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تُقَاوِمُ بِكُلِّ مَا فِيهَا.
قَالَ سَامِرٌ وَعَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ عَلَى اللَّوْحَةِ: ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي يَوْمِيَ المَفْقُودِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. رُبَّمَا لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَمْ أَقْرَأْهَا بَعْدُ، وَلَمْ أَفْهَمْهَا. تَمَامًا كَمَا أَنَّ فَنَّكَ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَمْ يَقْرَأْهَا أَحَدٌ فِي وَقْتِهِ.
الْتَفَتَ الرَّسَّامُ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ، لَا الإِعْجَابَ الاجْتِمَاعِيَّ، بَلِ الإِعْجَابَ الَّذِي يَصْعَدُ مِنَ الدَّاخِلِ وَيَظْهَرُ عَلَى الوَجْهِ رَغْمَ صَاحِبِهِ.
قَالَ: ـ هَذَا تَشْبِيهٌ جَمِيلٌ جِدًّا يَا سَامِرُ. رُبَّمَا الذَّاكِرَةُ، مِثْلَ الفَنِّ بِالضَّبْطِ، لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تُفْهَمَ أَوْ تُقَدَّرَ فَوْرًا لِتَكُونَ ذَاتَ قِيمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ تَأَمُّلٍ: ـ أَحْيَانًا تَحْتَاجُ الذَّاكِرَةُ فَقَطْ إِلَى وَقْتٍ. إِلَى عُيُونٍ جَدِيدَةٍ. إِلَى سِيَاقٍ مُخْتَلِفٍ يَمْنَحُهَا الضَّوْءَ الصَّحِيحَ. لِتُكْشَفَ قِيمَتُهَا الكَامِلَةُ.
________________________________________
٦. سِرُّ الاسْتِمْرَارِ
سَأَلَ سَامِرٌ السُّؤَالَ الَّذِي كَانَ يَدُورُ فِي ذِهْنِهِ مُنْذُ دَخَلَ الاسْتُودِيو: ـ كَيْفَ وَجَدْتَ القُوَّةَ لِتَسْتَمِرَّ فِي الرَّسْمِ رَغْمَ كُلِّ هَذَا الرَّفْضِ المُسْتَمِرِّ؟
فَكَّرَ الرَّسَّامُ طَوِيلًا. لَمْ يَكُنْ تَفْكِيرَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا مِنْ قَبْلُ، بَلْ تَفْكِيرَ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الكَلِمَاتِ الصَّحِيحَةِ لِشَيْءٍ عَاشَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يُحَاوِلْ قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ.
قَالَ أَخِيرًا: ـ لَمْ أَكُنْ أَرْسُمُ مِنْ أَجْلِ التَّقْدِيرِ الخَارِجِيِّ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ. رَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أَتَمَنَّاهُ بِشِدَّةٍ، بِالطَّبْعِ. لَا أَكْذِبُ فِي هَذَا.
نَظَرَ إِلَى لَوْحَتِهِ نِصْفِ المُكْتَمِلَةِ: ـ لَكِنَّنِي كُنْتُ أَرْسُمُ لِأَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعِ التَّوَقُّفَ. لِأَنَّ شَيْئًا بِدَاخِلِي كَانَ يَحْتَاجُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالذَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ شَيْئًا بَدَا وَكَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَعِيَهُ: ـ الفَنُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَصْدُرُ مِنْ مَنْ يَرِيدُ أَنْ يُعْجِبَ النَّاسَ. يَصْدُرُ مِنْ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ مَا بِدَاخِلِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ آخَرُ فِي حِينِهِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِيهِ، شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الإِلْهَامِ العَابِرِ. فَالبَحْثُ عَنْ يَوْمٍ مَفْقُودٍ لَا يَمْلِكُ ضَمَانَةَ وُصُولٍ، شَبِيهٌ بِهَذَا تَمَامًا: الاسْتِمْرَارُ لَيْسَ لِأَنَّكَ مُتَيَقِّنٌ مِنَ النَّتِيجَةِ، بَلْ لِأَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ تَسِيرَ.
قَالَ: ـ رُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الأَعْمَقُ بِالنِّسْبَةِ لِي أَيْضًا. أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي البَحْثِ عَنْ يَوْمِي. لَيْسَ فَقَطْ مِنْ أَجْلِ حَلٍّ نِهَائِيٍّ مُرِيحٍ، بَلْ لِأَنَّ البَحْثَ نَفْسَهُ لَهُ قِيمَةٌ. حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ أَبَدًا إِلَى إِجَابَةٍ كَامِلَةٍ وَاضِحَةٍ.
رَدَّ الرَّسَّامُ بِاسْمٍ نَادِرٍ مِمَّا يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ: ـ وَرُبَّمَا الإِجَابَةُ الكَامِلَةُ الوَاضِحَةُ لَيْسَتْ هِيَ الهَدَفَ أَصْلًا. رُبَّمَا الطَّرِيقُ نَفْسُهُ يَحْمِلُ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ. كَمَا أَنَّ اللَّوْحَةَ، حِينَ أَرْسُمُهَا، لَا تَكُونُ أَجْمَلَ مَا تَكُونُ عِنْدَ اكْتِمَالِهَا، بَلْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الخَطُّ مُعَلَّقًا بَيْنَ مَا سَيَكُونُ وَمَا لَمْ يُحْسَمْ بَعْدُ.
________________________________________
٧. الوَدَاعُ وَمَا يَحْمِلُهُ
أَعَادَ الرَّسَّامُ بَصَرَهُ إِلَى لَوْحَتِهِ. أَمْسَكَ الفُرْشَاةَ بِيَدٍ أَكْثَرَ ثِقَةً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ دَقَائِقَ. ثُمَّ قَالَ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ، كَمَا بَدَأَ حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ: ـ اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: اسْتَمِرَّ فِي «رَسْمِ» بَحْثِكَ عَنْ يَوْمِكَ. بِكُلِّ صِدْقٍ وَشَغَفٍ. حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ أَحَدٌ. حَتَّى أَنْتَ نَفْسُكَ لَمْ تَفْهَمْهُ بَشَكْلٍ كَامِلٍ بَعْدُ.
أَخَذَ سَامِرٌ يَتَرَاجَعُ بِبُطْءٍ نَحْوَ البَابِ، وَعَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَلَوْحَتِهِ. بَدَا المَشْهَدُ وَكَأَنَّهُ مَنْقُوشٌ مِنْ أَلْوَانٍ حَيَّةٍ: الرَّجُلُ وَاللَّوْحَةُ وَالضَّوْءُ الأَمْسْتِرْدَامِيُّ المَائِلُ الآتِي مِنَ النَّافِذَةِ، كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً فِي لَحْظَةٍ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهَا لَحْظَةٌ، وَتُصِرُّ عَلَى أَنْ تَبْقَى.
حِينَ عَبَرَ العَتَبَةَ، بَدَأَ الاسْتُودِيو يَتَلَاشَى خَلْفَهُ بِبُطْءٍ ظَالِمٍ.
وَعَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المُعْتَادِ حَامِلًا مَا لَا يُوزَنُ: ثِقَلَ رَجُلٍ رَسَمَ طَوَالَ عُمْرِهِ فِي غُرَفٍ بَارِدَةٍ لِجُمْهُورٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ كَالْعَادَةِ بِجَانِبِ الجِدَارِ، بَيْدَ أَنَّ البَابَ المُقَابِلَ هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ يَحْمِلُ نَقْشًا مُخْتَلِفًا: قَلَمٌ وَأَوْرَاقٌ مُتَطَايِرَةٌ، وَكَلِمَاتٌ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا سَامِرٌ.
قَالَ العَجُوزُ بِصَوْتِهِ الهَادِئِ الَّذِي يَحْمِلُ دَائِمًا أَكْثَرَ مِمَّا يَقُولُ: ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ يَا سَامِرُ تَحْمِلُ صَوْتَ شَاعِرَةٍ. تَكْتُبُ بِلُغَةٍ قَلَّ مَنْ يَسْتَطِيعُ قِرَاءَتَهَا فِي مَنْفَاهَا البَعِيدِ. لَكِنَّ كَلِمَاتِهَا تَحْمِلُ مُقَاوَمَةً عَمِيقَةً ضِدَّ كُلِّ مُحَاوَلَاتِ مَحْوِ ذَاكِرَةِ شَعْبِهَا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى البَابِ. ثُمَّ نَظَرَ مَرَّةً أَخِيرَةً إِلَى الجِهَةِ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا.
وَمَضَى.

متحف الأيام المفقودة 58