متحف الأيام المفقودة 68

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ — المَرأَةُ النَّاشِطَةُ – مَرْيَمُ كوفاليفسكا | بيلاروسيا، ٢٠٢٠م «التَّوثيقُ سِلاحٌ ضِدَّ النِّسيانِ المُنَظَّمِ»
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّاليَةُ مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهَا مِنْ قَاعَاتِ المُتْحَفِ الغَرِيبِ.
لَمْ تَكُنْ رَدْهَةً فَسِيحَةً تَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِهَا الثُّرَيَّاتُ، وَلَا مَخْتَبَرًا يَنِزُّ بِرَائِحَةِ المَوَادِّ الكِيمِيَائِيَّةِ، وَلَا مَرْصَدًا يَفْتَحُ قُبَّتَهُ عَلَى امْتِدَادِ النُّجُومِ. كَانَتْ شَقَّةً صَغِيرَةً مُتَقَشِّفَةً، يَكَادُ يَخْنُقُكَ فِيهَا صَمْتٌ مَشْحُونٌ بِالتَّوَتُّرِ وَالتَّرَقُّبِ.
دَخَلَ سَامِرٌ بِخُطْوَةٍ حَذِرَةٍ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ مَكَانٍ لَمْ يُصَمَّمْ لِيَكُونَ بَيْتًا بِالمَعْنَى الكَامِلِ لِلْكَلِمَةِ، بَلْ لِيَكُونَ مَعْقِلًا مُؤَقَّتًا، مَلْجَأً صَغِيرًا تُبْقِيهِ الضَّرُورَةُ لَا الرَّغْبَةُ. كَانَتِ السَّتَائِرُ مُرْخَاةً بِإِحْكَامٍ عَلَى النَّوَافِذِ كُلِّهَا، تَحْجُبُ ضَوْءَ الخَارِجِ حَجْبًا تَامًّا، كَأَنَّ صَاحِبَةَ المَكَانِ تَخَافُ لَيْسَ مِنَ البَرْدِ البيلارُوسِيِّ القَارِسِ، بَلْ مِنَ العُيُونِ الغَرِيبَةِ الَّتِي قَدْ تُلَاحِظُ بَارِقَةَ ضَوْءٍ عَابِرَةٍ تَتَسَرَّبُ مِنْ فُرْجَةٍ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ.
عَلَى الطَّاوِلَةِ الوَحِيدَةِ فِي المَكَانِ، كَانَتِ امْرَأَةٌ فِي التَّاسِعَةِ وَالعِشْرِينَ تَجْلِسُ أَمَامَ حَاسُوبٍ مَحْمُولٍ تُعْلِي شَاشَتُهُ الزَّرْقَاءُ وَحْدَهَا ضَوْءَ الغُرْفَةِ كُلِّهَا، وَتَنْسَخُ مَلَفَّاتٍ بِسُرْعَةٍ لَافِتَةٍ وَتَرْكِيزٍ شَبِيهٍ بِتَرْكِيزِ الجَرَّاحِ فَوْقَ جُرْحٍ نَازِفٍ. هَاتِفُهَا كَانَ مُوضُوعًا بِجَانِبِهَا مُطْفَأً تَمَامًا، لَا بِاللَّامُبَالَاةِ، بَلْ بِقَصْدٍ وَاعٍ يَنِمُّ عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا يَفْعَلُهُ هَاتِفٌ يَعْمَلُ حِينَ يَجِبُ أَلَّا يَعْمَلَ.
لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَهَا حِينَ دَخَلَ، لَكِنَّهَا أَحَسَّتْ بِهِ.
— أَهْلًا بِكَ. اعْذُرْ حَذَرِي، لَكِنَّ الحَذَرَ فِي عَمَلِي لَيْسَ وَسْوَاسًا وَلَا مُبَالَغَةً؛ هُوَ حَرْفِيًّا مَا يَصُونُ الحَيَاةَ.
— أَنَا سَامِرٌ. مَاذَا تَفْعَلِينَ بِالضَّبْطِ؟
وَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ عَمَلِهَا، بَلْ أَجَابَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مَضْبُوطٍ، كَصَوْتِ مَنْ تَعَلَّمَ أَلَّا يَتَكَلَّمَ أَكْثَرَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الحَاجَةُ:
— أُوَثِّقُ.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً قَصِيرَةً، كَأَنَّهَا تَزِنُ كَلِمَاتِهَا قَبْلَ أَنْ تُطْلِقَهَا:
— كُلَّ اعْتِقَالٍ غَيْرِ قَانُونِيٍّ. كُلَّ شَهَادَةِ تَعْذِيبٍ تَصِلُنِي مِنْ مَصْدَرٍ مُوَثُوقٍ. كُلَّ اخْتِفَاءٍ قَسْرِيٍّ يَحْدُثُ فِي بَلَدِي الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، بَيْنَمَا نَتَكَلَّمُ. أَحْفَظُ كُلَّ هَذَا فِي مَلَفَّاتٍ مُشَفَّرَةٍ، أَنْسَخُهَا فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لِأَنَّ نُسْخَةً وَاحِدَةً مَعْنَاهَا هَشَاشَةٌ، وَالهَشَاشَةُ فِي عَمَلِي مَعْنَاهَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ.
أَحَسَّ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا العَمَلِ الخَطِيرِ يَنْزِلُ عَلَى صَدْرِهِ كَحَجَرٍ بَارِدٍ. كَانَ يَعْرِفُ مِنَ التَّارِيخِ أَنَّ الأَنْظِمَةَ الشُّمُولِيَّةَ تَمْلِكُ سِلَاحًا وَحِيدًا أَشَدَّ فَتْكًا مِنَ السُّجُونِ وَالمِدَافِعِ: إِنَّهُ مَحْوُ الوَقَائِعِ مِنَ الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَطُّ.
— هَذَا يَبْدُو خَطِيرًا جِدًّا عَلَيْكِ شَخْصِيًّا.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ لَا مُبَالَغَةَ فِيهِ:
— هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ. لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ التَّوْثِيقَ سِلَاحٌ حَقِيقِيٌّ ضِدَّ مَا تَفْعَلُهُ السُّلْطَةُ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ لَا تَكْتَفِي بِارْتِكَابِ الجَرِيمَةِ، بَلْ تُرِيدُ إِضَافَةَ جَرِيمَةٍ ثَانِيَةٍ أَشَدَّ قَسَاوَةً: أَنْ تُعِيدَ كِتَابَةَ مَا حَدَثَ، أَوْ تَمْحُوهُ كُلِّيًّا مِنَ السِّجِلِّ الإِنْسَانِيِّ، كَأَنَّ الضَّحَايَا لَمْ يَكُونُوا وَلَمْ يُعَذَّبُوا وَلَمْ يُبَكَ عَلَيْهِمْ.
— كَيْفَ تَعْمَلِينَ تَحْدِيدًا؟
أَشَارَتْ إِلَى الشَّاشَةِ المُضَاءَةِ أَمَامَهَا:
— أَجْمَعُ شَهَادَاتٍ مِنْ ضَحَايَا مُبَاشِرِينَ، حِينَ يُمْكِنُهُمُ الكَلَامُ. صُوَرًا، مَقَاطِعَ مُصَوَّرَةً، تَسْجِيلَاتٍ صَوْتِيَّةً حِينَ يَكُونُ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَآمِنًا فِي آنٍ مَعًا. ثُمَّ أَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ مَعْلُومَةٍ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِي، لِأَنَّ الدِّقَّةَ لَيْسَتْ تَرَفًا أَخْلَاقِيًّا؛ هِيَ دِرْعُنَا الأَسَاسِيُّ حِينَ تُحَاوِلُ السُّلْطَةُ التَّشْكِيكَ فِي كُلِّ مَا نَقُولُهُ وَنُوَثِّقُهُ.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذَا الكَلَامَ طَوِيلًا. تَذَكَّرَ مَا قَرَأَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ عَنِ الحَرَكَةِ الحُقُوقِيَّةِ فِي الاتِّحَادِ السُّوفْيَتِيِّ السَّابِقِ، حِينَ كَانَ النَّاشِطُونَ يَنْسَخُونَ الوَثَائِقَ يَدَوِيًّا وَيُمَرِّرُونَهَا سِرًّا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ، عِلْمًا أَنَّ الاكْتِشَافَ مَعْنَاهُ السِّجْنُ، وَرُبَّمَا أَشَدُّ مِنْهُ. وَلَمْ يَكُنِ الوَازِعُ إِيمَانًا مَجَانِيًّا بِالبُطُولَةِ، بَلْ يَقِينًا بَسِيطًا: إِنَّ الكَذِبَ حِينَ لَا يُقَاوَمُ يَصِيرُ حَقِيقَةً رَسْمِيَّةً.
— أَلَا تَخَافِينَ أَنْ يَكْتَشِفُوا مَا تَفْعَلِينَهُ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِصَرَاحَةٍ هَادِئَةٍ لَمْ تَكُنْ وَقَاحَةً، بَلْ كَانَتْ شَجَاعَةَ مَنْ أَلِفَ الخَوْفَ حَتَّى صَارَ يَتَعَامَلُ مَعَهُ كَجَارٍ لَا يُحَبُّ لَكِنَّهُ لَا يُغَادِرُ:
— أَخَافُ بِاسْتِمْرَارٍ، بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ. أَعْرِفُ زُمَلَاءَ اعْتُقِلُوا. بَعْضُهُمِ اخْتَفَى اخْتِفَاءً تَامًّا وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَيْنَ هُمُ الآنَ. لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ الصَّمْتَ، الاسْتِسْلَامَ الكَامِلَ لِلْخَوْفِ، يَخْدُمُ بِالضَّبْطِ مَا تُرِيدُهُ السُّلْطَةُ: أَنْ يُنْسَى كُلُّ هَذَا، أَنْ يَبْدُوَ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ عَلَى الإِطْلَاقِ، أَنْ تُمْحَى الوُجُوهُ وَالأَسْمَاءُ وَالجِرَاحُ مِنْ ذَاكِرَةِ البَشَرِيَّةِ كَمَا يُمْحَى اسْمٌ مِنْ لِسَانِ مَنْ نَسِيَهُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ بِهَذِهِ الشَّجَاعَةِ الهَادِئَةِ الَّتِي لَا تَدَّعِي الحَصَانَةَ مِنَ الخَوْفِ، وَلَكِنَّهَا تَمْشِي فِيهِ إِلَى الأَمَامِ رَغْمَهُ. تَذَكَّرَ مَلَكًا مَانْدِيلَا حِينَ قَالَ إِنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ غِيَابَ الخَوْفِ، بَلْ هِيَ الحُكْمُ بِأَنَّ ثَمَّةَ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الخَوْفِ. هَذِهِ المَرْأَةُ لَمْ تَقْرَأْ مَانْدِيلَا عَلَى الأَرْجَحِ لِكَيْ تَعِيشَ كَلَامَهُ بِهَذِهِ الدَّقَّةِ.
— كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِمُشْكِلَتِي مَعَ يَوْمِي المَفْقُودِ؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَتَأَمُّلُهَا لَمْ يَكُنْ تَهَرُّبًا، بَلْ كَانَ جُهْدًا حَقِيقِيًّا لِصَنْعِ جِسْرٍ بَيْنَ عَالَمَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي الظَّاهِرِ:
— رُبَّمَا بِطَرِيقَةٍ مُعَاكِسَةٍ مُثِيرَةٍ لِلاهْتِمَامِ. أَنَا أَخَافُ مِنْ نِسْيَانٍ مُنَظَّمٍ تَفْرِضُهُ سُلْطَةٌ خَارِجِيَّةٌ، نِسْيَانٌ إِرَادِيٌّ مُتَعَمَّدٌ تَصْنَعُهُ أَيْدٍ بَشَرِيَّةٌ تَحْكُمُهَا مَصَالِحُ بَيِّنَةٌ. أَنْتَ تَخَافُ مِنْ نِسْيَانٍ دَاخِلِيٍّ غَامِضٍ، حَدَثَ فِي أَعْمَاقِ عَقْلِكَ أَنْتَ نَفْسِكَ، لِأَسْبَابٍ قَدْ لَا تُدْرَكُ بِالكَامِلِ.
لَكِنَّ المَبْدَأَ الأَسَاسِيَّ قَدْ يَكُونُ مُتَشَابِهًا إِلَى حَدٍّ مُدْهِشٍ: فِي كِلْتَا الحَالَتَيْنِ، التَّوْثِيقُ، البَحْثُ الصَّبُورُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِنْ مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا تُنْكَرُ، حَتَّى لَوْ كَانَ صَعْبًا، أَوْ خَطِيرًا، أَوْ غَيْرَ مُكْتَمَلٍ تَمَامًا.
أَدَارَتِ الشَّاشَةُ ضَوْءَهَا الأَزْرَقَ الشَّاحِبَ عَلَى وَجْهِهَا فَبَدَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَكَأَنَّهَا نُقِشَتْ مِنْ مَادَّةٍ أَصْلَبَ مِنَ العَظْمِ، مِنَ الإِرَادَةِ الَّتِي لَا تَكْسِرُهَا سُلْطَةٌ وَلَا يُنْهِكُهَا خَوْفٌ.
تَذَكَّرَ سَامِرٌ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ كَيْفَ أَنَّ المُؤَرِّخِينَ الكِبَارَ يُنَبِّهُونَ دَائِمًا إِلَى أَنَّ التَّارِيخَ المَكْتُوبَ لَيْسَ مَرْآةً لِلحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِمَنْ كَانَ يَمْلِكُ القَلَمَ. حِينَ يُعَادُ بِنَاءُ المَشَاهِدِ السَّادِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَارِ الأُورُوبِّيِّ فِي أَفْرِيقِيَا وَآسِيَا مِنْ خِلَالِ شَهَادَاتٍ وَأَغَانٍ وَتَقَارِيرَ مَنْسِيَّةٍ، يَتَضَحُ أَنَّ الحَقِيقَةَ لَمْ تَمُتْ، بَلْ كَانَتْ تَنْتَظِرُ مَنْ يَحْفِرُ عَنْهَا. هَذِهِ المَرْأَةُ الجَالِسَةُ أَمَامَ شَاشَتِهَا الزَّرْقَاءِ فِي شَقَّةٍ مُظْلِمَةٍ فِي مِنسكَ تَفْعَلُ بِالضَّبْطِ مَا فَعَلَهُ كُلُّ مَنْ صَانَ الحَقِيقَةَ مِنْ غَضَبِ الأَقْوِيَاءِ عَبْرَ التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ الطَّوِيلِ.
— مَاذَا تَنْصَحِينَنِي أَنْ أَفْعَلَ تَحْدِيدًا؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مِهَنِيَّةٍ، كَأَنَّهُ غَدَا لَحْظَةً مِنَ اللَّحَظَاتِ ضَحِيَّةَ حَالَةٍ تُحَقِّقُ فِيهَا وَتُدَوِّنُ وَقَائِعَهَا بِعِنَايَتِهَا المَعْهُودَةِ:
— وَثِّقْ كُلَّ شَيْءٍ تَسْتَطِيعُ تَوْثِيقَهُ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا أَوْ غَيْرَ مُهِمٍّ. الذِّكْرَى الخَاطِفَةُ الَّتِي تَبْدُو كَالحُلْمِ، الشَّعُورُ الغَامِضُ الَّذِي لَا تَجِدُ لَهُ اسْمًا، اللَّحْظَةُ الَّتِي تَشُعُّ فِيهَا رَائِحَةٌ مَنْسِيَّةٌ فَتُفَاجِئُكَ بِدَمْعَةٍ لَمْ تَأْذَنْ لَهَا. كُلُّ هَذَا بَيَانَاتٌ لَهَا قِيمَتُهَا.
تَحَدَّثْ مَعَ كُلِّ مَنْ قَدْ يَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ المَفْقُودِ، حَتَّى لَوْ بَدَا أَنَّهُمْ لَا يَتَذَكَّرُونَ الكَثِيرَ. لِأَنَّ الشَّاهِدَ حِينَ يَقُولُ «لَا أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا»، لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا؛ هُوَ يَعْنِي فَقَطْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الأَسْئِلَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَفْتَحُ الأَبْوَابَ الصَّحِيحَةَ.
احْتَفِظْ بِسِجِلٍّ دَقِيقٍ لِكُلِّ قِطْعَةِ مَعْلُومَةٍ تَجِدُهَا، مَهْمَا بَدَتْ مُتَنَاقِضَةً أَوْ غَيْرَ مُكْتَمَلَةٍ. لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الكَذِبِ؛ هُوَ فِي الغَالِبِ دَلِيلٌ عَلَى تَعَقِيدٍ حَقِيقِيٍّ يَنْتَظِرُ فَهْمًا أَعْمَقَ.
الحَقِيقَةُ الكَامِلَةُ قَدْ لَا تَكُونُ مُتَاحَةً أَبَدًا بِشَكْلٍ مِثَالِيٍّ، لَكِنَّ التَّوْثِيقَ الدَّقِيقَ الصَّبُورَ يُقَرِّبُكَ مِنْهَا قَدْرَ مَا تَسْمَحُ بِهِ الحُدُودُ الإِنْسَانِيَّةُ.
— هَذَا يُشْبِهُ نَصِيحَةَ المُؤَرِّخَةِ النِّسْوِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ مَعًا، عَنْ أَهَمِّيَّةِ التَّوْثِيقِ الصَّبُورِ مِنْ مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِإِعْجَابٍ لَا يَخْلُو مِنْ مَفَاجَأَةٍ:
— رُبَّمَا نَتَشَارَكُ جَمِيعًا حِكْمَةً مُشْتَرَكَةً عَمِيقَةً، رَغْمَ اخْتِلَافِ مَجَالَاتِنَا اخْتِلَافًا ظَاهِرِيًّا. التَّوْثِيقُ لَيْسَ مِهْنَةَ النَّاشِطِ وَحْدَهُ. هُوَ مِهْنَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الحَقِيقَةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُحَارَبَ مِنْ أَجْلِهَا. المُؤَرِّخُ الَّذِي يَجْمَعُ رِوَايَاتٍ شَفَهِيَّةً مِنْ أَفْوَاهِ العَجَائِزِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا المَوْتُ، وَاللُّغَوِيُّ الَّذِي يُسَجِّلُ لُغَةً مُهَدَّدَةً بِالاِنْقِرَاضِ، وَالنَّاشِطُ الَّذِي يَحْفَظُ شَهَادَاتِ الضَّحَايَا قَبْلَ أَنْ تُصَادِرَهَا السُّلْطَةُ، يَفْعَلُونَ فِي حَقِيقَتِهِمُ الشَّيْءَ ذَاتَهُ: يُقَاوِمُونَ النِّسْيَانَ بِالذَّاكِرَةِ المَصُونَةِ.
صَمَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً يَتَأَمَّلُ هَذِهِ المُعَادَلَةَ فِي أَبْعَادِهَا المُتَعَدِّدَةِ. كَانَ يَعِي الآنَ وَبِوُضُوحٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ قَبْلُ أَنَّ غِيَابَ الوَثِيقَةِ لَيْسَ غِيَابَ الحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ فَقَطْ غِيَابُ الشَّاهِدِ. وَأَنَّ مَهْمَةَ الشَّاهِدِ الَّذِي يَحْتَفِظُ وَيُسَجِّلُ وَيَنْسَخُ هِيَ بِالمَعْنَى الدَّقِيقِ الكَامِلِ مَهْمَةُ مُقَاوَمَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتِ المُقَاوَمَةُ مُوَجَّهَةً ضِدَّ أَجْهِزَةِ دَوْلَةٍ قَمْعِيَّةٍ أَوْ ضِدَّ آلِيَّاتِ النِّسْيَانِ الدَّاخِلِيَّةِ الغَامِضَةِ فِي الدِّمَاغِ البَشَرِيِّ.
— هَلْ تُؤْمِنِينَ أَنَّ عَمَلَكِ سَيُحْدِثُ فَرْقًا حَقِيقِيًّا فِي النِّهَايَةِ؟
نَظَرَتْ بَعِيدًا عَنِ الشَّاشَةِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ دَخَلَ سَامِرٌ. كَانَ فِي عَيْنَيْهَا أَمَلٌ وَقَلَقٌ يَتَصَارَعَانِ بِصَمْتٍ، كَشُعْلَتَيْنِ مِنْ نَارَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ تُحَاوِلَانِ أَلَّا تُطْفِئَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى:
— أُؤْمِنُ بِهَذَا بِقُوَّةٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَرَ النَّتِيجَةَ الكَامِلَةَ بِنَفْسِي، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ فَوْرِيٌّ مَنْظُورٌ.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَكْمَلَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ وَأَعْمَقَ:
— أَعْرِفُ أَنَّ السِّجِلَّ سَيَبْقَى. وَالسِّجِلُّ الَّذِي يَبْقَى هُوَ حَقِيقَةٌ صُلْبَةٌ يَصْعُبُ إِنْكَارُهَا بِالكَامِلِ حِينَ يَحِينُ وَقْتُ المُحَاسَبَةِ، أَيًّا كَانَ ذَلِكَ الوَقْتُ وَأَيًّا كَانَ الجِيلُ الَّذِي يَتَلَقَّاهَا.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي نُرِمْبِرْغَ، حِينَ جُمِعَتِ الوَثَائِقُ النَّازِيَّةُ الَّتِي لَمْ يُكَلِّفْ أَحَدٌ نَفْسَهُ إِتْلَافَهَا كَامِلَةً لِأَنَّ أَصْحَابَهَا كَانُوا يَظُنُّونَ الانْتِصَارَ مُقِيمًا. فَكَّرَ فِي مُحَاكَمَاتِ أَمَرِيكَا اللَّاتِينِيَّةِ بَعْدَ عُقُودٍ مِنِ انْهِيَارِ الدِّيكْتَاتُورِيَّاتِ، حِينَ كَانَتِ الوَثِيقَةُ المَحْفُوظَةُ هِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ مُجْرِمٍ يَعِيشُ حُرًّا وَمُجْرِمٍ يُحَاسَبُ أَمَامَ القَانُونِ وَالضَّمِيرِ. وَفَكَّرَ فِي شُهُودِ الهُولُوكُوسْتِ الَّذِينَ كَتَبُوا مُذَكِّرَاتِهِمْ وَهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ لَنْ يَخْرُجُوا أَحْيَاءً، فَدَفَنُوهَا فِي التُّرْبَةِ وَأَوْدَعُوهَا تَحْتَ أَرْضِيَّاتٍ لَعَلَّ الغَدَ الَّذِي لَمْ يَرَوْهُ يُخْرِجُهَا إِلَى النُّورِ.
الكِتَابَةُ كَانَتْ دَائِمًا فِعْلَ إِيمَانٍ بِالمُسْتَقْبَلِ، حَتَّى حِينَ لَا يُوجَدُ فِي الحَاضِرِ مَا يُبَرِّرُ ذَلِكَ الإِيمَانَ.
— شُكْرًا لَكِ، عَلَى شَجَاعَتِكِ وَعَلَى مُشَارَكَتِكِ مَنْهَجَكِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً حَذِرَةً، ضَيِّقَةً لَكِنَّهَا دَافِئَةٌ، كَابْتِسَامَةِ مَنْ يَحِبُّ البَشَرَ لَكِنَّهُ تَعَلَّمَ أَلَّا يُعْلِنَ هَذَا الحُبَّ بِصَخَبٍ. ثُمَّ عَادَتْ إِلَى شَاشَتِهَا بِتَرْكِيزٍ مُتَجَدِّدٍ، أَصَابِعُهَا عَلَى المَفَاتِيحِ مَرَّةً أُخْرَى:
— اذْهَبْ الآنَ، يَا سَامِرُ، بِحَذَرٍ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: التَّوْثِيقُ الصَّبُورُ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا، سِلَاحٌ حَقِيقِيٌّ ضِدَّ كُلِّ أَشْكَالِ النِّسْيَانِ، المَفْرُوضَةِ وَالدَّاخِلِيَّةِ مَعًا.
بَدَأَتِ الشَّقَّةُ الصَّغِيرَةُ وَالشَّاشَةُ المُضِيئَةُ تَتَلَاشَيَانِ بِبُطْءٍ مَحْسُوبٍ، كَمَا تَتَلَاشَى ذِكْرَى قَوِيَّةٌ حِينَ تُصِرُّ عَلَى الاحْتِفَاظِ بِهَا. حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المَعْتَادِ، حَيْثُ الهَوَاءُ أَخَفُّ وَالإِضَاءَةُ أَبْرَدُ وَأَبْعَدُ مِنَ الإِنْسَانِيِّ.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لَافِتًا: خَرِيطَتَانِ مُتَدَاخِلَتَانِ جُزْئِيًّا، إِحْدَاهُمَا بِخُطُوطٍ صُلْبَةٍ وَاضِحَةٍ، وَالأُخْرَى بِخُطُوطٍ مُتَقَطِّعَةٍ كَأَنَّهَا مَرْسُومَةٌ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ.
— القَاعَةُ التَّاليَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ يَعِيشُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ. يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ إِنْ كَانَ الاِنْدِمَاجُ فِي ثَقَافَةٍ جَدِيدَةٍ يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ فَقْدَانَ جُزْءٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِ الأَصْلِيَّةِ، أَوْ إِنْ كَانَ الأَمْرُ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا وَأَجْدَرَ بِالتَّأَمُّلِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الخَرِيطَتَيْنِ المُتَدَاخِلَتَيْنِ عَلَى البَابِ طَوِيلًا، قَبْلَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى المِقْبَضِ.

متحف الأيام المفقودة 69