مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الرَّابِعُ وَالسَّبعُون — الطِّفلَةُ المُعجِزَة – حِينَ تُصبِحُ الذَّاكِرَةُ الكَامِلَةُ عِبئاً لا هِبَة – أُنثى، سَبعُ سَنَوَات — الهِند، ٢٠٠٥م
________________________________________
كَانَت الغُرفَةُ مَلِيئَةً بِالأَلوَان.
لَيسَ بِالطَّريقَةِ التَّزيِينِيَّةِ المُؤلِمَةِ الَّتِي تَلجَأُ إِلَيهَا بَعضُ المَتَاحِفِ حِينَ تُرِيدُ أَن تَستَقطِبَ الأَطفَالَ بِمَا يَبدُو مَرِحاً مِن الخَارِجِ لَكِنَّهُ فَارِغٌ مِن الدَّاخِل.
بَل أَلوَانٌ حَقِيقِيَّة، مُنَظَّمَة، تَنطَوِي عَلَى مَنطِقٍ خَفِيٍّ لا يَظهَرُ لِلوَهلَةِ الأُولَى: أَزرَقُ دَاكِنٌ يَكسُو الجِهَةَ الشَّمَالِيَّة، وَأَحمَرُ دَافِئٌ يَصبُغُ الجَنُوب، وَأَصفَرُ حَادٌّ يَشُقُّ الشَّرقَ شَقَّاً، وَأَخضَرُ عَمِيقٌ يَغمُرُ الغَرب.
وَفِي المَنتَصَفِ الَّذِي تَلتَقِي عِندَهُ الجِهَاتُ الأَربَع، جَلَسَت طِفلَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى كُرسِيٍّ خَشَبِيٍّ بَسِيط، تَنظُرُ إِلَى الجُدرَانِ بِعُيُونٍ لا تَعكِسُ الدَّهشَةَ وَلا الفَرَح، بَل شَيئاً أَقرَبَ إِلَى التَّعَب.
لاحَظَ سَامِرٌ أَنَّ شَفَتَيهَا تَتَحَرَّكَانِ بِهُدُوءٍ مُنتَظَم، كَأَنَّهَا تَعُدُّ شَيئاً لا يَرَاهُ أَحَدٌ سِوَاهَا.
________________________________________
قَالَ سَامِر بِلَهجَةٍ خَفِيفَة:
— مَرحَبَاً.
رَفَعَت الطِّفلَةُ عَينَيهَا نَحوَهُ بِهَدَأَةٍ تَامَّة، ثُمَّ قَالَت:
— مَرحَبَاً.
ثُمَّ، دُونَ تَوَقُّفٍ وَلا انتِظَارٍ لِسُؤَال، أَضَافَت:
— اليَومُ الجُمعَة.
دَرَجَةُ الحَرَارَةِ فِي مُومبَاي الآنَ وَاحِدٌ وَثَلاثُونَ فَاصِلَةٌ أَربَعَةٌ دَرَجَة.
الفَصلُ القَادِمُ فِي كِتَابِ العُلُومِ — الصَّفحَةُ السَّابِعَةُ وَالأَربَعُون — يَبدَأُ بِجُملَةِ: الخَلايَا وَحَدَاتُ الحَيَاةِ الأَسَاسِيَّة.
أَومَأَ سَامِرٌ بِرَأسِهِ بِبُطءٍ كَأَنَّهُ يَقِيسُ مَا سَمِعَ، ثُمَّ قَال:
— لَم أَسأَلكِ عَن شَيءٍ مِن هَذَا.
فَأَجَابَت الطِّفلَةُ بِنَبرَةٍ لا دِفَاعَ فِيهَا وَلا اعتِذَار:
— أَعرِف.
لَكِنَّ المَعلُومَاتِ تَأتِي.
لا أَستَطِيعُ مَنعَهَا.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الأَرضِ لِيَكُونَ فِي مُستَوَى نَظرَتِهَا، كَمَا يَفعَلُ مَن تَعَلَّمَ أَنَّ بَعضَ المَحَادَثَاتِ تَحتَاجُ إِلَى أَن تُبدَأَ مِن أَسفَل.
— مَا اسمُكِ؟
— دِيفيَا.
وَأَنتَ سَامِر.
دَخَلتَ المُتحَفَ فِي اليَومِ الثَّامِنِ وَالعِشرِينَ مِن هَذَا الشَّهر.
قَبلَ أَن تَأتِيَ إِلَيَّ بِخَمسَةٍ وَثَلاثِينَ دَقِيقَة، كُنتَ فِي الغُرفَةِ البَيضَاء.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَيهَا بِشَيءٍ بَينَ الإِعجَابِ وَالقَلَق:
— أَنتِ تَعرِفِينَ كُلَّ هَذَا؟
— أَنَا أَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيءٍ أَرَاهُ أَو أَسمَعُهُ أَو أَقرَأُهُ.
حَرفِيَّاً كُلَّ شَيء.
مُنذُ وُلِدت.
— هَذِهِ هِبَةٌ نَادِرَةٌ جِدَّاً.
— هَذَا مَا يَقُولُهُ الكِبَار.
الأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ: hyperthymesia — الذَّاكِرَةُ التَّلقَائِيَّةُ الفَائِقَة.
الصَّحَفِيُّونَ يَقُولُونَ: مُعجِزَة.
أُمِّي تَقُول: نِعمَة.
أَنَا أَقُول…
أَحيَاناً أَتَمَنَّى لَو أَستَطِيعُ النِّسيَان.
________________________________________
صَمَتَ سَامِرٌ.
لَم يَكُن يَتَوَقَّعُ هَذَا الجَوَابَ مِن طِفلَةٍ فِي السَّابِعَة.
لَيسَ لِأَنَّهُ جَوَابٌ خَاطِئٌ أَو مُدهِش، بَل لِأَنَّهُ جَوَابٌ يَصدُرُ عَادَةً عَمَّن عَاشَ طَوِيلاً وَأَدرَكَ بَعدَ عُمرٍ كَامِلٍ مَا تَقُولُهُ هَذِهِ الطِّفلَةُ بِبَرَاءَةِ عِلمٍ مُبَكِّر.
— أَتَتَمَنِّينَ النِّسيَانَ؟
لِمَاذَا؟
رَدَّت دِيفيَا بِنَفسِ الهَدَأَةِ الَّتِي بَدَأَت بِهَا:
— لِأَنَّنِي أَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيءٍ بِوُضُوحٍ تَامّ.
كُلَّ كَلِمَةٍ جَارِحَةٍ سَمِعتُهَا.
كُلَّ يَومٍ مَمُلٍّ مَرَّ.
كُلَّ لَحظَةِ انتِظَارٍ فِي طَابُور.
كُلَّ شِجَارٍ بَينَ أَبِي وَأُمِّي — بِالتَّفصِيلِ الكَامِل: مَن قَالَ ماذَا، وَبِأَيِّ نَبرَة، وَفِي أَيِّ غُرفَة، وَكَيفَ بَدَت يَدُ أُمِّي وَهِيَ تُمسِكُ بِكُوبِ الشَّاي.
الكِبَارُ يَنسَونَ أَشيَاءَ كَثِيرَة، وَهَذَا النِّسيَانُ يَحمِيهِم.
أَمَّا أَنَا فَلا أَملِكُ هَذِهِ الحِمَايَة.
________________________________________
تَوَقَّفَت لَحظَةً قَصِيرَة، ثُمَّ أَضَافَت كَأَنَّهَا تُكَمِّلُ فِكرَةً كَانَت قَد بَدَأَتهَا قَبلَ أَن يَدخُلَ سَامِر:
— النِّسيَانُ لَيسَ فَشَلاً.
النِّسيَانُ هُوَ طَرِيقَةُ العَقلِ فِي أَن يَحمِيَ صَاحِبَهُ.
مِثلَمَا يَطرُدُ الجِسمُ مَا يُؤذِيه، يَطرُدُ العَقلُ أَحيَاناً مَا لا طَاقَةَ لَهُ عَلَى احتِمَالِهِ.
أَنَا لا يَطرُدُ عَقلِي شَيئاً.
كُلُّ شَيءٍ يَدخُلُ وَيَستَقِرّ.
________________________________________
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الجِدَارِ الأَزرَقِ لَحظَةً، ثُمَّ قَال:
— لَكِن مَعَ هَذَا…
أَلا تُقَدِّرِينَ بَعضَ مَا تَحتَفِظِينَ بِه؟
أَجَابَت دِيفيَا وَعَلَى وَجهِهَا شَيءٌ يُشبِهُ الابتِسَامَةَ وَإِن لَم يَكتَمِل:
— أُقَدِّر.
أَتَذَكَّرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَكَلتُ المَانغَو.
كَانَت فِي الرَّابِعِ مِن يُوليُو عَامَ أَلفَينِ وَثَلاثَة.
الجَوُّ كَانَ حَارَّاً وَرَطبَاً، وَالمَانغَا كَانَت بَارِدَةً مِن الثَّلَّاجَة.
الطَّعمُ كَان…
لا أَجِدُ لَهُ كَلِمَةً إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَة:
أَصفَر.
طَعمُهُ كَانَ أَصفَر.
وَهَذِهِ الذِّكرَى تَجلُبُ سَعَادَةً حَقِيقِيَّةً فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَعُودُ إِلَيهَا.
________________________________________
قَالَ سَامِر بِصَوتٍ مُتَأَمِّل:
— ذَاكِرَةٌ حِسِّيَّة.
— نَعَم.
الذِّكرَيَاتُ الجَمِيلَةُ جَمِيلَةٌ حَقَّاً لِأَنَّنِي أَعِيشُهَا كَامِلَةً فِي كُلِّ مَرَّة.
لَكِنَّ الذِّكرَيَاتِ المُؤلِمَةَ أَيضَاً مُؤلِمَةٌ بِالكَامِل.
لا تَتَلاشَى.
لا تَتَعَدَّلُ بِالزَّمَن.
كَأَنَّ الزَّمَنَ يَهَبُ النَّاسَ مِرهَماً يُخَفِّفُ الجُرُوحَ — أَمَّا أَنَا فَلا يَصِلُنِي ذَلِكَ المِرهَم.
الجُرحُ يَبقَى طَازَجَاً.
________________________________________
— وَهَل تُمَيِّزِينَ بَينَ الذِّكرَيَات؟
بَينَ مَا تُرِيدِينَ الاحتِفَاظَ بِهِ وَمَا لا تُرِيدِين؟
— لا أَملِكُ هَذَا الخِيَار.
كُلُّ شَيءٍ يَدخُلُ وَيَبقَى.
تَخَيَّل مَكتَبَةً لا بَابَ لَهَا مِن الدَّاخِل.
تَستَطِيعُ أَن تَقرَأَ مَا تُرِيدُ، لَكِنَّكَ لا تَستَطِيعُ إِخرَاجَ كِتَابٍ وَاحِد.
الاختِيَارُ مَوجُودٌ فِيمَا أُفَكِّرُ فِيهِ الآن، لَكِنَّ المَخزَنَ…
المَخزَنُ لا بَوَّابَةَ لَهُ مِن هَذَا الجَانِب.
________________________________________
تَوَقَّفَت دِيفيَا لَحظَةً، ثُمَّ قَالَت بِنَبرَةٍ أَعمَق، كَأَنَّهَا تُخرِجُ شَيئاً كَانَت تَحمِلُهُ مُنذُ زَمَن:
— هَل سَمِعتَ عَن مَفهُومِ الأَيَّامِ المَفقُودَة؟
أَيَّامٌ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ أَنَّهَا مَرَّت، لَكِنَّهُ لا يَجِدُ لَهَا مَضمُوناً حَقِيقِيَّاً؟
ابتَسَمَ سَامِرٌ بِانبِهَار:
— هَذَا بِالضَّبطِ مَا أَبحَثُ عَنهُ.
— أَفهَمُهُ مِن الجِهَةِ المُعَاكِسَةِ تَمَاماً.
أَنَا أَملِكُ كُلَّ يَومٍ عِشتُهُ بِمَضمُونِهِ الكَامِل.
لَكِنَّ هَذَا لا يَعنِي أَنَّنِي أَفهَمُ كُلَّ يَوم.
المَضمُونُ وَالمَعنَى شَيئَانِ مُختَلِفَان.
فَكَّرَ سَامِرٌ بِمَا تَقُول.
المَضمُون: مَا جَرَى فِعلاً.
المَعنَى: مَا تَركَ الَّذِي جَرَى فِي الرُّوح.
الأَوَّلُ مِلكٌ لِلذَّاكِرَة.
وَالثَّانِي مِلكٌ لِشَيءٍ أَعمَق.
________________________________________
— أَرجُو أَن تُوَضِّحِي لِي.
— أَنَا أَتَذَكَّرُ كُلَّ كَلِمَةٍ قَرَأتُهَا فِي كِتَابِ الفِيزِيَاء.
لَكِنَّنِي لا أَفهَمُ الفِيزيَاءَ النَّوَوِيَّةَ بَعد.
الذَّاكِرَةُ لَيسَت الفَهم.
وَالحُضُورُ لَيسَ الوَعي.
يُمكِنُ أَن يَكُونَ يَومٌ مَا بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ مُسَجَّلاً فِي دِمَاغِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ لا تَعرِفُ مَعنَاهُ إِلَّا بَعدَ سَنَوَات.
هَذَا لَيسَ غَرِيباً.
الغَرِيبُ هُوَ أَن نَظُنَّ أَنَّ مَن يَتَذَكَّرُ أَكثَرَ يَفهَمُ أَكثَر.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يَنظُرُ إِلَى نُقطَةٍ بَعِيدَةٍ فَوقَ رَأسِهَا:
— وَرُبَّمَا…
رُبَّمَا بَعضُ الأَيَّامِ يُقَاوِمُ المَعنَى.
رُبَّمَا بَعضُ التَّجَارِبِ لا تَقبَلُ أَن تُختَزَلَ فِي دَرس.
قَالَت دِيفيَا:
— رُبَّمَا.
بَعضُ الأَشيَاءِ تَحتَاجُ مَسَافَةً زَمَنِيَّةً لِتُفهَم.
لَكِنَّ عِندِي مُشكِلَةً مُخَالِفَة:
عِندِي المَسَافَةُ وَالتَّفَاصِيلُ مَعَاً، لَكِنَّ المَعنَى لا يَأتِي تِلقَائِيَّاً.
أَنَا أَحيَاناً أَعِيشُ فِي التَّفَاصِيلِ وَأَفقِدُ الصُّورَةَ الكُبرَى.
وَهَذَا — أَضَافَت بِصَوتٍ أَهدَأ — هُوَ الَّذِي لا يَعرِفُهُ مَن يَحسُدُنِي عَلَى ذَاكِرَتِي.
هُم يَرَونَ الشَّجَرَةَ مَن الخَارِج.
أَنَا أَسكُنُ فِي كُلِّ وَرَقَةٍ عَلَى حِدَة.
________________________________________
قَالَت هَذَا بِنَبرَةٍ عَادِيَّةٍ تَمَاماً، كَأَنَّهَا تَشرَحُ قَاعِدَةً رِيَاضِيَّة.
وَهَذَا بِالضَّبطِ مَا جَعَلَ الكَلامَ أَثقَل.
________________________________________
— أُرِيدُ أَن أَسأَلَكِ شَيئاً شَخصِيَّاً.
مَا اليَومُ الَّذِي تَعُودِينَ إِلَيهِ أَكثَرَ مِن غَيرِهِ فِي ذَاكِرَتِك؟
لَم تَتَرَدَّد.
— يَومُ مَاتَ جَدِّي.
الثَّالِثَ عَشَرَ مِن فَبرَايِرَ عَامَ أَلفَينِ وَاثنَين.
كُنتُ فِي الرَّابِعَةِ مِن عُمرِي.
الغُرفَةُ كَانَت تَفُوحُ مِنهَا رَائِحَةُ الزَّعفَرَانِ وَشَيءٍ آخَرَ لَم أَكُن أَعرِفُ اسمَهُ وَقتَهَا — عَرَفتُ لاحِقاً أَنَّهُ رَائِحَةُ المَوت.
وَجهُ جَدِّي كَانَ هَادِئاً جِدَّاً.
وَأُمِّي كَانَت تَبكِي لَكِن بِصَوتٍ خَافِتٍ لِأَنَّهَا أَرَادَت أَن تَبدُوَ قَوِيَّةً أَمَامِي.
وَكُنتُ أَعرِفُ أَنَّهَا تَبكِي.
وَكُنتُ أَعرِفُ أَنَّهَا تَعرِفُ أَنَّنِي أَعرِف.
لَكِنَّنَا ظَلَلنَا صَامِتَتَين.
________________________________________
— وَهَذَا اليَوم…
— أُعِيدُهُ كُلَّ أُسبُوعٍ تَقرِيبَاً.
لَيسَ لِأَنَّنِي أُرِيد.
بَل لِأَنَّ شَيئاً مَا يُعِيدُهُ.
رَائِحَةٌ أَو لَونٌ أَو كَلِمَةٌ تُشَغِّلُ المَشهَد، وَأَعِيشُهُ مَرَّةً أُخرَى بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ كَأَنَّهُ يَحدُثُ الآن.
حِينَ شَمَمتُ الزَّعفَرَانَ فِي السُّوقِ الأُسبُوعَ الَّذِي مَضَى، عُدتُ فَوراً إِلَى تِلكَ الغُرفَة.
إِلَى وَجهِهِ الهَادِئ.
إِلَى بُكَاءِ أُمِّي الصَّامِت.
إِلَى الطِّفلَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كُنتُهَا وَهِيَ تُحَاوِلُ أَن تَفهَمَ لِمَاذَا لا يَتَحَرَّكُ جَدُّهَا.
________________________________________
— هَذَا مُؤلِمٌ جِدَّاً.
— نَعَم.
لَكِن فِيهِ أَيضاً شَيءٌ ثَمِين.
جَدِّي مَوجُودٌ مَعِي.
لَيسَ كَصُورَةٍ بَاهِتَةٍ تَتَلاشَى مَعَ الأَيَّام، بَل كَحُضُورٍ كَامِلٍ لَه وَزنٌ وَلَه رَائِحَة.
هَذَا…
هَذَا لا أُبَدِّلُهُ.
ابتَسَمَ سَامِر.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ دَخَلَ المُتحَفَ شَعَرَ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ مَعَ شَخصٍ يَفهَمُ الذَّاكِرَةَ بِطَرِيقَةٍ لَم يُفَكِّر فِيهَا مِن قَبل:
لا كَأَدَاةِ استِرجَاعٍ لِلمَاضِي، بَل كَحَيَاةٍ مُوَازِيَةٍ تَجرِي فِي الخَلفِيَّةِ دَائِمَاً.
________________________________________
— لَو كَانَ بِإِمكَانِكِ الاختِيَار:
أَن تَبقَي كَمَا أَنتِ أَو أَن تَنسَي كَالآخَرِين — مَاذَا سَتَختَارِين؟
فَكَّرَت دِيفيَا لَثَوَانٍ حَقِيقِيَّة، وَكَانَ هَذَا التَّوَقُّفُ نَادِراً مِنهَا.
ثُمَّ قَالَت:
— لا أَعرِفُ بَعد.
أَنَا فِي السَّابِعَة.
رُبَّمَا حِينَ أَكبَرُ يَتَغَيَّرُ الجَوَاب.
لَكِنِ الآن…
الآنَ أُرِيدُ فَقَط يَوماً وَاحِداً أَنسَى فِيهِ كُلَّ شَيء.
يَوماً خَفِيفَاً.
— يَوماً خَفِيفَاً.
— نَعَم.
يَوماً لا يَحمِلُ ذَاكِرَةَ كُلِّ الأَيَّامِ الأُخرَى.
يَوماً…
خَالِيَاً.
لَيسَ فَارِغَاً.
خَالِيَاً.
هُنَاكَ فَرقٌ.
________________________________________
غَادَرَ سَامِرٌ الغُرفَةَ المُلَوَّنَةَ بِهَدَأَةٍ، كَأَنَّهُ يَخَافُ أَن يُزَعزِعَ شَيئاً لَطِيفاً وَهِشَّاً خَلَّفَهُ الحَدِيثُ فِي الهَوَاء.
كَانَ يُفَكِّرُ:
كُلُّنَا نَتَمَنَّى ذَاكِرَةً أَقوَى.
هَذِهِ الطِّفلَةُ تَحمِلُ مَا نَحلُمُ بِهِ، وَتَعرِفُ أَنَّ الحُلمَ ثَقِيل.
وَأَنَّ الهِبَةَ وَالعِبءَ لَيسَا ضِدَّين — بَل وَجهَانِ لِنَفسِ الشَّيء.
________________________________________
وَرُبَّمَا — فَكَّرَ وَهُوَ يُغلِقُ البَابَ بِهُدُوء — اليَومُ المَفقُودُ فِي حَيَاتِهِ لَيسَ فَرَاغاً بِالمَعنَى السَّلبِيّ.
رُبَّمَا هُوَ اليَومُ الخَفِيفُ الَّذِي تَتَمَنَّاهُ دِيفيَا:
يَومٌ لا يَزِنُهُ مَا قَبلَه، وَلا يَحكُمُهُ مَا بَعدَه.
يَومٌ خَالٍ.
لَيسَ فَارِغاً.
خَالٍ.
