مُتَحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: التَّوْأَمُ المَفْقُودُ – هَل يُمكِنُ تَقَاسُمُ الهُوِيَّةِ؟ وَمَاذَا يَبقَى حِينَ تَنقَطِعُ؟ – البَرَازِيل، عَامُ أَلْفَيْنِ وَاثنَي عَشَرَ
________________________________________
لَم تَكُنِ الغُرفَةُ تُشبِهُ أَيَّ مَكَانٍ دَخَلَهُ سَامِرُ مِن قَبلُ.
لَم يَكُن فِيهَا جِدَارٌ يَقسِمُهَا، وَلَا حَاجِزٌ زُجَاجِيٌّ، وَلَا سِتَارَةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَ جَانِبٍ وَجَانِبٍ.
كَانَ هُنَاكَ خَطٌّ رَفِيعٌ فَحَسبُ.
خَطٌّ مَرسُومٌ عَلَى الأَرضِ بِعِنَايَةٍ وَهُدُوءٍ، يَشُقُّ الغُرفَةَ مِن جِدَارٍ إِلَى جِدَارٍ، وَيُقَسِّمُهَا إِلَى نِصفَيْنِ مُتَطَابِقَيْنِ بِشَكلٍ يَكَادُ يَكُونُ مُزعِجًا فِي دِقَّتِهِ.
نَفسُ النَّوعِ مِنَ الأَثَاثِ فِي الجَانِبَيْنِ.
نَفسُ اللَّونِ.
نَفسُ التَّرتِيبِ.
حَتَّى المَسَافَةُ بَيْنَ الكُرسِيِّ وَالطَّاوِلَةِ كَانَت وَاحِدَةً فِي الجَانِبَيْنِ، كَأَنَّ مَن رَتَّبَ هَذِهِ الغُرفَةَ أَرَادَ أَن يَقُولَ شَيئًا لَا يَستَطِيعُ قَولَهُ بِالكَلِمَاتِ.
لَكِنَّ الجَانِبَ الأَيسَرَ فِيهِ شَخصٌ يَجلِسُ.
وَالجَانِبَ الأَيمَنَ فَارِغٌ.
________________________________________
جَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى حَافَّةِ كُرسِيِّهِ، لَيسَ فِي مَركَزِهِ كَمَا يَجلِسُ النَّاسُ حِينَ يَرتَاحُونَ، بَل عَلَى حَافَّتِهِ تَحدِيدًا، كَأَنَّهُ عَلَى وَشكِ القِيَامِ دَائِمًا وَلَا يَقُومُ أَبَدًا.
جَسَدُهُ مَائِلٌ نَحوَ الخَطِّ الرَّفِيعِ قَلِيلًا.
كَأَنَّهُ يُصغِي لِشَيءٍ فِي الجَانِبِ الفَارِغِ.
لِشَيءٍ لَا يَسمَعُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.
كَانَ فِي الثَّلَاثِينَ مِن عُمرِهِ، وَجهُهُ يَحمِلُ ذَلِكَ النَّوعَ مِنَ التَّعَبِ الَّذِي لَا يُشبِهُ تَعَبَ العَمَلِ وَلَا تَعَبَ السَّهَرِ، بَل يُشبِهُ تَعَبَ الإِنسَانِ الَّذِي يَحمِلُ حَضُورَ غَائِبٍ كُلَّ يَومٍ.
قَالَ سَامِرُ بِحَذَرٍ:
ـ مَارْكُوس؟
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأسَهُ.
ـ نَعَم.
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ مِنَ الغُرفَةِ:
ـ تَفَضَّل.
وَتَوَقَّفَ لِثَانِيَةٍ قَبلَ أَن يُضِيفَ بِنَبرَةٍ هَادِئَةٍ لَكِنَّهَا وَاضِحَةٌ كَالخَطِّ عَلَى الأَرضِ:
ـ الكُرسِيُّ الآخَرُ — الكُرسِيُّ المُقَابِلُ فِي النِّصفِ الثَّانِي — لَا تَجلِسْ عَلَيهِ إِن لَم تُرِد.
ـ لِمَاذَا؟
ـ لِأَنَّهُ كُرسِيُّهُ.
قَالَهَا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَقُولُ بِهَا الإِنسَانُ شَيئًا بَدِيهِيًّا لِشَخصٍ يَسأَلُ سُؤَالًا لَا يَعرِفُ أَنَّهُ سُؤَالٌ ثَقِيلٌ.
ـ كُرسِيُّ لُوكَاس.
وَأَنَا مَا زِلتُ أَحتَاجُ وَقتًا أَطوَلَ لِأَن يَجلِسَ عَلَيهِ غَرِيبٌ.
جَلَسَ سَامِرُ فِي النِّصفِ الآخَرِ مِنَ الغُرفَةِ، بَعِيدًا عَنِ الكُرسِيِّ المُخَصَّصِ.
ـ مَتَى فَقَدتَهُ؟
ـ قَبلَ عَامَيْنِ.
حَادِثُ سَيَّارَةٍ.
لَيلَةٌ عَادِيَّةٌ تَمَامًا، كَانَ عَائِدًا مِنَ العَمَلِ.
لَا مَطَرَ.
لَا تَعَبَ.
لَا سَبَبَ يَكفِي لِيُصبِحَ تَفسِيرًا لِمَا جَرَى.
مُجَرَّدُ… انتَهَى.
صَمَتَ سَامِرُ.
كَلِمَةُ «انتَهَى» لَا تَزَالُ تَرِنُّ فِي الغُرفَةِ.
قَصِيرَةٌ جِدًّا لِكُلِّ مَا تَحمِلُهُ.
ـ أَنَا آسِفٌ.
ـ الكُلُّ يَقُولُ ذَلِكَ.
قَالَهَا مَارْكُوسُ بِلَا مَرَارَةٍ وَلَا شَكوَى، بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يُسجِّلُ بِهَا الإِنسَانُ حَقِيقَةً يَعرِفُهَا جَيِّدًا.
ـ ثُمَّ لَا يَعرِفُونَ مَاذَا يَقُولُونَ بَعدَهَا.
لِأَنَّ فَقدَانَ تَوأَمٍ لَيسَ مِثلَ فَقدَانِ أَخٍ.
هُوَ شَيءٌ آخَرُ لَا تَجِدُ لَهُ كَلِمَةً دَقِيقَةً فِي أَيِّ لُغَةٍ.
ـ أَتَستَطِيعُ أَن تَشرَحَ لِي؟
نَظَرَ إِلَيهِ مَارْكُوسُ نَظرَةً لَم تَكُن فِيهَا رَغبَةٌ فِي الاختِبَارِ.
كَانَت فِيهَا رَغبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي التَّأَكُّدِ مِن أَنَّ الكَلَامَ لَن يَضِيعَ.
ـ هَل أَنتَ تَوأَمٌ؟
ـ لَا.
ـ إِذَن سَيَكُونُ صَعبًا.
لَكِنَّنِي سَأُحَاوِلُ.
تَنَهَّدَ نَفَسًا خَفِيفًا، كَمَن يَجمَعُ كَلِمَاتِهِ مِن أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ.
ـ لُوكَاس وَأَنَا، مُنذُ البِدَايَةِ، مُنذُ الرَّحِمِ، لَم نَكُن شَخصَيْنِ مُنفَصِلَيْنِ يَعِيشَانِ مَعًا.
لَم يَكُن الأَمرُ كَصَدِيقَيْنِ يَتَقَاسَمَانِ بَيتًا، وَلَا كَأَخَوَيْنِ يَتَقَاسَمَانِ طُفُولَةً.
كُنَّا وُجُودَيْنِ يَتَشَارَكَانِ شَيئًا أَعمَقَ مِنَ الحَيَاةِ.
كُنَّا نَعرِفُ بَعضَنَا بِطَرِيقَةٍ لَا تُوجَدُ لَهَا كَلِمَةٌ إِلَّا الكَلِمَةُ العِلمِيَّةُ الجَافَّةُ: التَّوَاصُلُ التَّوأَمِيُّ.
ـ التَّوَاصُلُ التَّوأَمِيُّ، هَل هَذَا حَقِيقِيٌّ عِلمِيًّا أَم أُسطُورَةٌ يُحِبُّ النَّاسُ تَصدِيقَهَا؟
ـ العُلَمَاءُ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيسَ تَخَاطُرًا بِالمَعنَى الخَارِقِ.
لَكِنَّ الأَبحَاثَ تُظهِرُ أَنَّ التَّوَائِمَ المُتَطَابِقَةَ تُطَوِّرُ أَنظِمَةَ تَوَاصُلٍ غَيرَ لَفظِيَّةٍ دَقِيقَةً جِدًّا.
نَتَعَلَّمُ قِرَاءَةَ بَعضِنَا مِنَ الرَّضَاعَةِ.
حَرَكَاتُ الوَجهِ الدَّقِيقَةُ، إِيقَاعُ التَّنَفُّسِ، التَّغيُّرَاتُ فِي الصَّوتِ الَّتِي لَا يَسمَعُهَا غَيرُنَا.
تَخَيَّل أَن تَعِيشَ ثَلَاثِينَ عَامًا مَعَ إِنسَانٍ يَفهَمُ نَظرَتَكَ قَبلَ أَن تَنطِقَ، يَعرِفُ مِن تَغيُّرٍ طَفِيفٍ فِي نَبرَتِكَ أَنَّكَ تَكذِبُ أَو تَخفِي أَلَمًا.
هَذَا حَقِيقِيٌّ وَمُثبَتٌ.
وَهَذَا مَا فَقَدتُهُ.
ـ وَحِينَ يُفقَدُ هَذَا التَّوَاصُلُ؟
ـ كَأَنَّ جُزءًا مِن حَوَاسِّكَ تَوَقَّفَ فَجأَةً.
لَيسَ كَفَقدَانِ شَخصٍ تُحِبُّهُ، ذَلِكَ الفَقدَانُ أَعرِفُهُ أَيضًا، حِينَ مَاتَت جَدَّتِي كُنتُ حَزِينًا وَتَعَافَيتُ.
لَكِنَّ هَذَا أَقرَبُ إِلَى فَقدَانِ حَاسَّةٍ.
فَجأَةً العَالَمُ يَبدُو مُختَلِفًا، لَيسَ فَقَط لِأَنَّ شَخصًا غَائِبٌ، بَل لِأَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي تَفهَمُ بِهَا العَالَمَ نَفسَهَا تَغَيَّرَت.
الأَعمَى مِنذُ الوِلَادَةِ يَعرِفُ كَيفَ يَعِيشُ بِلَا بَصَرٍ.
لَكِنَّ مَن كَانَ يُبصِرُ ثُمَّ فَقَدَ بَصَرَهُ فَجأَةً لَا يَفقِدُ عُضوًا فَحَسبُ، يَفقِدُ طَرِيقَةَ تَنَاوُلِهِ لِلعَالَمِ.
________________________________________
قَامَ مَارْكُوسُ فَجأَةً.
مَشَى نَحوَ الخَطِّ الرَّفِيعِ عَلَى الأَرضِ.
وَقَفَ عِندَهُ بِالضَّبطِ، قَدَمٌ فِي الجَانِبِ الأَيسَرِ وَقَدَمٌ عِندَ حَافَّةِ الخَطِّ، لَكِنَّهُ لَم يَتَجَاوَزهُ.
ـ أَعرِفُ أَنَّ هَذَا الخَطَّ يَبدُو تَمثِيلِيًّا.
قَالَهَا وَهُوَ يَنظُرُ إِلَى الأَرضِ.
ـ كَأَنَّهُ إِشَارَةٌ شِعرِيَّةٌ مِن نَوعٍ مَا.
لَكِنَّهُ لَيسَ كَذَلِكَ بِالنِّسبَةِ لِي.
رَسَمتُهُ فِي الغُرفَةِ لِأَنَّ الوُجُودَ مِن نِصفٍ وَاحِدٍ فَقَط لَا يَزَالُ يَبدُو غَيرَ مُكتَمِلٍ.
وَهَذَا الخَطُّ طَرِيقَةٌ لِأَقُولَ مَا لَا أَستَطِيعُ قَولَهُ:
كَانَ هُنَاكَ نِصفٌ آخَرُ.
وَكَانَ حَقِيقِيًّا.
ـ وَذَاكِرَتُكَ مَعَهُ، كَيفَ تَعمَلُ الآنَ؟
عَادَ إِلَى كُرسِيِّهِ.
ـ ذَاكِرَتِي مَعَهُ مُختَلِطَةٌ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.
بَعضُ الذِّكرَيَاتِ لَا أَعرِفُ إِن كَانَت ذِكرَيَاتٍ عِشتُهَا أَنَا بِنَفسِي، أَم ذِكرَيَاتٍ حَكَاهَا لِي لُوكَاس مَرَّاتٍ كَثِيرَةً حَتَّى أَصبَحَت جُزءًا مِن ذَاكِرَتِي كَمَا لَو كُنتُ حَاضِرًا.
ثَلَاثُونَ سَنَةً مِنَ التَّشَارُكِ تَجعَلُ الحُدُودَ ضَبَابِيَّةً.
ـ حُدُودٌ بَيْنَ ذِكرَيَاتِكَ وَذِكرَيَاتِهِ.
ـ حُدُودٌ بَيْنَ هُوِيَّتِي وَهُوِيَّتِهِ.
أَحيَانًا لَا أَعرِفُ: هَذَا الشَّيءُ الَّذِي أُفَضِّلُهُ، هَل هُوَ تَفضِيلٌ خَاصٌّ بِي نَابِعٌ مِن دَاخِلِي؟
أَم أَنَّنِي تَبَنَّيتُهُ مِنهُ بِطُرُقٍ لَا أَعِيهَا؟
هَذَا الخَوفُ الَّذِي يَجتَاحُنِي أَحيَانًا فِي اللَّيلِ، هَل هُوَ خَوفِي أَنَا؟
أَم خَوفُهُ الَّذِي كَانَ يَحكِيهِ لِي وَنَقَلَهُ إِلَيَّ حَتَّى صَارَ لَا يُمكِنُ تَمِيِيزُهُ مِنِّي؟
فَكِّر فِي طِفلٍ نَشَأَ يَسمَعُ مُوسِيقَى الأَبِ كُلَّ يَومٍ.
حِينَ يَكبَرُ وَيُفَضِّلُ تِلكَ المُوسِيقَى، هَل هَذَا تَفضِيلُهُ هُوَ؟
نَعَم هُوَ تَفضِيلُهُ.
لَكِنَّهُ تَشَكَّلَ بِحُضُورٍ آخَرَ.
وَلُوكَاس كَانَ ذَلِكَ الحُضُورَ الَّذِي أَسهَمَ فِي تَشكِيلِ كُلِّ شَيءٍ.
ـ وَهَل يُقلِقُكَ هَذَا؟ عَدَمُ مَعرِفَةِ مَا هُوَ «أَنتَ» فِعلًا؟
ـ فِي البِدَايَةِ كَانَ يُرعِبُنِي.
كُنتُ أُحَاوِلُ أَن أُفرِزَ وَأُمَيِّزَ.
هَذَا مِنِّي.
هَذَا مِنهُ.
كَمَن يُحَاوِلُ فَصلَ مِياهِ نَهرَيْنِ التَقَيَا مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
ثُمَّ أَدرَكتُ أَنَّ ذَلِكَ الفَصلَ مُصطَنَعٌ وَمُستَحِيلٌ.
نَحنُ تَشَكَّلنَا مَعًا.
مَا هُوَ «مِنِّي» تَشَكَّلَ جُزئِيًّا بِوُجُودِهِ.
وَهَذَا لَيسَ ضَعفًا فِي هُوِيَّتِي.
هُوَ طَبِيعَةُ هُوِيَّتِي.
ـ الهُوِيَّةُ لَيسَت فَردِيَّةً دَائِمًا.
ـ الهُوِيَّةُ دَائِمًا عَلَائِقِيَّةٌ.
لَكِنَّ أَحَدًا لَا يُخبِرُكَ بِهَذَا حِينَ تَكُونُ صَغِيرًا.
يُخبِرُونَكَ: «كُن نَفسَكَ».
«اكتَشِف مَن أَنتَ».
«لَا تَدَع الآخَرِينَ يُحَدِّدُوا هُوِيَّتَكَ».
كَأَنَّ الهُوِيَّةَ كَنزٌ مَدفُونٌ دَاخِلَكَ تَنتَظِرُ اكتِشَافَهُ وَحدَكَ.
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّكَ لَا تَعرِفُ مَن أَنتَ إِلَّا فِي مَرآةِ الآخَرِينَ.
وَحِينَ تَكُونُ تِلكَ المَرآةُ تَوأَمَكَ، الَّذِي وُلِدَ مَعَكَ وَنَامَ بِجَانِبِكَ وَعَرَفَكَ قَبلَ أَن تَعرِفَ نَفسَكَ، فَإِنَّ غِيَابَهَا لَيسَ غِيَابَ شَخصٍ.
هُوَ غِيَابُ المَرآةِ نَفسِهَا.
ـ وَكَيفَ تَعِيشُ مَعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ؟
ـ بِالاعتِرَافِ بِهَا.
لَا أَتَظَاهَرُ بِأَنَّنِي «اكتَمَلتُ» أَو «تَعَافَيتُ» بِالمَعنَى الَّذِي يُرِيدُهُ النَّاسُ.
النَّاسُ يُرِيدُونَكَ أَن تَمُرَّ بِمَرَاحِلَ مُرَتَّبَةٍ كَأَفصَالٍ فِي كِتَابٍ: حُزنٌ ثُمَّ قَبُولٌ ثُمَّ عَودَةٌ إِلَى الحَيَاةِ.
لَكِنَّ هَذَا النَّمُوذَجَ صُنِعَ لِفَقدَانٍ مُختَلِفٍ.
أَنَا مَوجُودٌ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَةٍ الآنَ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ المُختَلِفَةُ فِيهَا جَمَالٌ أَيضًا.
حِينَ تَحمِلُ غِيَابَ شَخصٍ بِهَذَا العُمقِ، فَأَنتَ تَحمِلُهُ مَعَكَ فِي الوَقتِ نَفسِهِ.
ـ لُوكَاس مَعَكَ بِمَعنًى مَا.
ـ لُوكَاس فِيَّ.
لَيسَ كَرُوحٍ خَارِجِيَّةٍ أَشعُرُ بِهَا كَمَا فِي القِصَصِ.
بَل كَجُزءٍ مِنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي أُفَكِّرُ بِهَا.
حِينَ أَتَّخِذُ قَرَارًا مَصِيرِيًّا أَحيَانًا أَسأَلُ نَفسِي: مَاذَا كَانَ سَيَقُولُ لُوكَاس؟
لَيسَ لِأَنَّنِي أُرِيدُ إِذنَهُ.
لَيسَ لِأَنَّنِي لَا أَستَطِيعُ القَرَارَ وَحدِي.
بَل لِأَنَّ طَرِيقَةَ تَفكِيرِهِ شَكَّلَت طَرِيقَةَ تَفكِيرِي.
وَلَا يُمكِنُ فَصلُ هَذَا.
هُوَ مَوجُودٌ فِي القَرَارِ حَتَّى وَأَنَا لَا أَطلُبُهُ.
________________________________________
عَادَ مَارْكُوسُ إِلَى كُرسِيِّهِ.
التَفَتَ نَحوَ الكُرسِيِّ الفَارِغِ فِي النِّصفِ الآخَرِ بِنَظرَةٍ لَا يُمكِنُ تَسمِيَتُهَا حُزنًا فَحَسبُ، فِيهَا شَيءٌ يُشبِهُ الاعتِرَافَ الهَادِئَ بِحَقِيقَةٍ لَا تَتَغَيَّرُ.
قَالَ سَامِرُ:
ـ أُرِيدُ أَن أَسأَلَكَ عَن فِكرَةِ اليَومِ المَفقُودِ.
هَل مَرَرتَ بِذَلِكَ؟ يَومٌ لَا تَتَذَكَّرُهُ؟
ـ بَعدَ وَفَاتِهِ، أُسَابِيعُ كَامِلَةٌ.
المُخُّ فِي حَالَةِ صَدمَةٍ يُغلِقُ بَعضَ الأَبوَابِ حِمَايَةً لِلإِنسَانِ مِن نَفسِهِ.
لَكِنَّ الشَّيءَ الغَرِيبَ: مَا نَسِيتُهُ مِن تِلكَ الفَترَةِ لَيسَ المُؤلِمَ.
المُؤلِمُ أَذكُرُهُ تَمَامًا.
مَاذَا أَذكُرُ؟
أَذكُرُ اللَّحظَةَ الَّتِي أَخبَرُونِي فِيهَا.
أَذكُرُ الجِنَازَةَ.
أَذكُرُ اللَّيلَةَ الأُولَى وَحدِي فِي البَيتِ.
لَكِنَّ مَا نَسِيتُهُ هُوَ الأَيَّامُ العَادِيَّةُ فِي المُنتَصَفِ، أَيَّامٌ استَيقَظتُ فِيهَا وَذَهَبتُ إِلَى العَمَلِ وَعُدتُ وَلَم يَحدُث شَيءٌ استِثنَائِيٌّ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا أَذكُرُهَا.
كَأَنَّ العَقلَ حَفِظَ فَقَط مَا كَانَ شَدِيدَ الأَلَمِ، وَمَا كَانَ شَدِيدَ الاعتِيَادِ لَاحِقًا.
وَضَيَّعَ مَا بَينَهُمَا.
ـ الوَسَطُ يَضِيعُ.
ـ الوَسَطُ دَائِمًا يَضِيعُ.
فِي أَيِّ قِصَّةٍ تَسمَعُهَا مِن أَيِّ إِنسَانٍ، البِدَايَاتُ وَالنِّهَايَاتُ تَبقَى وَاضِحَةً فِي الذَّاكِرَةِ.
«بَدَأَ الأَمرُ حِينَ…»
«وَانتَهَى حِينَ…»
أَمَّا الوَسَطُ؟
الوَسَطُ هُوَ الحَيَاةُ الحَقِيقِيَّةُ.
الأَيَّامُ الَّتِي تَستَيقِظُ فِيهَا وَتَأكُلُ وَتَضحَكُ وَتَتَعَبُ وَتَنَامُ.
لَكِنَّهُ الأَقَلُّ قَابِلِيَّةً لِلتَّذَكُّرِ.
ذَاكِرَتُنَا تَكذِبُ عَلَينَا بِطَرِيقَةٍ لَطِيفَةٍ: تَجعَلُ حَيَاتَنَا تَبدُو كَرِوَايَةٍ فِيهَا مَحَطَّاتٌ وَاضِحَةٌ.
بَينَمَا أَغلَبُ الحَيَاةِ أَيَّامٌ عَادِيَّةٌ لَا تَرسُمُ خَطًّا فِي الذَّاكِرَةِ.
________________________________________
قَبلَ أَن يَقُومَ سَامِرُ لِيُغَادِرَ، سَأَلَ سُؤَالًا أَخِيرًا.
ـ مَا الشَّيءُ الَّذِي تَتَمَنَّى أَن يَعرِفَهُ النَّاسُ عَن فَقدَانِ تَوأَمٍ وَلَا يَعرِفُونَهُ؟
صَمَتَ مَارْكُوسُ طَوِيلًا.
وَفِي تِلكَ الفَترَةِ مِنَ الصَّمتِ، نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الكُرسِيِّ الفَارِغِ وَتَساءَلَ للمَرَّةِ الأُولَى عَمَّا إِذَا كَانَ الفَرَاغُ نَفسُهُ نَوعًا مِنَ الحُضُورِ.
ثُمَّ قَالَ مَارْكُوسُ:
ـ أَنَّ عَزَاءَكَ لَيسَ مِثلَ عَزَائِهِم.
النَّاسُ يُعَزُّونَ بِكَلِمَاتٍ صُنِعَت لِفَقدَانٍ آخَرَ.
«سَتَتَجَاوَزُ».
«سَيَسهُلُ مَعَ الوَقتِ».
«هُوَ فِي مَكَانٍ أَفضَلَ».
وَكُلُّ هَذِهِ الكَلِمَاتِ صَحِيحَةٌ رُبَّمَا لِفَقدَانٍ مَا.
لَكِنَّهَا لَا تَمَسُّ مَا أَشعُرُ بِهِ لِأَنَّهَا تَفتَرِضُ أَنَّ هُنَاكَ «أَنَا» كَامِلًا يَحزَنُ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ.
لَكِنَّ «الأَنَا» الكَامِلَ كَانَ نِصفَيْنِ.
وَالكَلِمَاتُ لَم تُصنَع لِهَذَا.
ـ أَتَمَنَّى لَو كَانَتِ الكَلِمَاتُ أَوسَعَ.
ابتَسَمَ مَارْكُوسُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدأَ الحَدِيثُ.
ابتِسَامَةً خَفِيفَةً وَحَزِينَةً وَحَقِيقِيَّةً.
ـ هَذَا مَا يَفعَلُهُ الشِّعرُ الجَيِّدُ.
وَهَذَا مَا يَفعَلُهُ الصَّمتُ الجَيِّدُ أَحيَانًا.
________________________________________
غَادَرَ سَامِرُ وَالخَطُّ عَلَى الأَرضِ لَا يَزَالُ رَفِيعًا وَوَاضِحًا.
لَم يَتَلَاشَ.
لَم يَختَفِ.
بَقِيَ كَمَا هُوَ، حَدٌّ بَيْنَ نِصفَيْنِ لَا يُمكِنُ لِأَيٍّ مِنهُمَا الاعتِرَافُ بِأَنَّهُ كَامِلٌ وَحدَهُ.
وَفَكَّرَ سَامِرُ وَهُوَ يَمشِي:
نَحنُ جَمِيعًا، بِصُورَةٍ مَا، تَوَائِمُ مَعَ ذَوَاتِنَا السَّابِقَةِ.
مَعَ النُّسخَةِ الَّتِي كُنَّاهَا قَبلَ أَن يَتَغَيَّرَ شَيءٌ مُصِيرِيٌّ.
وَالذَّاكِرَةُ المَفقُودَةُ هِيَ ذَلِكَ الخَطُّ الرَّفِيعُ عَلَى الأَرضِ.
حَدٌّ بَيْنَ نُسخَتَيْنِ مِنَّا لَا نَستَطِيعُ تَجَاوُزَهُ دُونَ الاعتِرَافِ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مَوجُودٌ.
