متحف الأيام المفقودة 85

مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُون – الْفَلَّاحَة – الأَرْضُ الذَّاكِرَةُ الَّتِي لَا تَكْذِب – أُنْثَى، أَرْبَعٌ وَأَرْبَعُونَ عَاماً — مَالِي، ١٩٨٥م
——————
الْغُرْفَةُ فِيهَا تُرَاب.
لَيْسَ وَسَخاً — بَلْ تُرَاباً أَحْمَرَ نَظِيفاً، دَافِئَ اللَّوْنِ كَجَمْرٍ خَامِد، مَوْضُوعاً فِي طَبَقٍ خَزَفِيٍّ كَبِيرٍ فِي مُنْتَصَفِ الْغُرْفَةِ بِدِقَّةٍ تَجْعَلُهُ يَبْدُو كَأَنَّهُ مَرْكَزُ كُلِّ شَيْء. وَحَوْلَهُ جَلَسَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، يَدَاهَا غَائِصَتَانِ فِي التُّرَابِ حَتَّى الرُّسْغَيْن، تَعْجِنُهُ بِبُطْءٍ وَوَعْيٍ كَأَنَّهَا تُصْغِي لِشَيْءٍ تَقُولُهُ يَدَاهَا لَا لِشَيْءٍ تَقُولُهُ هِيَ.
لَمْ تَبْدُ كَمَنْ يَعْبَثُ وَلَا كَمَنْ يَشْتَغِل. بَدَتْ كَمَنْ يَتَذَكَّر. وَكَانَ فِي وَجْهِهَا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ مَا لَا يَجِدُهُ الإِنْسَانُ إِلَّا حِينَ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ الصَّحِيحِ مَعَ الشَّيْءِ الصَّحِيح.
رَفَعَتْ نَظَرَهَا حِينَ جَاءَ سَامِرٌ، دُونَ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْهَا مِنَ التُّرَاب.
قَالَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ مِنَ التَّرَدُّد: «أَأُزْعِجُكِ؟»
قَالَتِ الْفَلَّاحَةُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَمَنْ يَنْطِقُ بِقَاعِدَةٍ عَرَفَهَا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيد: «لَا. الأَرْضُ تَعْرِفُ مَتَى الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ لِلْكَلَام. اجْلِسْ.»
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الأَرْضِ أَمَامَهَا مُبَاشَرَةً، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا الطَّبَقَ الْخَزَفِيَّ بِتُرَابِهِ الأَحْمَرِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مُجَرَّدَ شَيْءٍ مَوْضُوع؛ هُوَ شَخْصٌ ثَالِثٌ فِي الْغُرْفَة.
سَأَلَهَا: «مَاذَا تَفْعَلِين؟»
أَجَابَتْ دُونَ أَنْ تُنَحِّيَ نَظَرَهَا عَنِ التُّرَاب: «أَتَذَكَّر. هَذَا التُّرَابُ مِنْ حَقْلِنَا. أَحْمِلُهُ مَعِي أَيْنَمَا ذَهَبْتُ لأَنَّهُ يُذَكِّرُنِي بِمَنْ عَلَّمَنِي.»
سَأَلَ: «مَنْ عَلَّمَكِ؟»
قَالَتْ: «أُمِّي. وَأُمُّهَا قَبْلَهَا. وَالأَرْضُ نَفْسُهَا أَوَّلاً.»
سَأَلَ بِشَيْءٍ مِنَ الِاسْتِغْرَاب: «الأَرْضُ تُعَلِّم؟»
رَفَعَتِ الْفَلَّاحَةُ وَجْهَهَا إِلَيْهِ هَذِهِ الْمَرَّة. فِي عَيْنَيْهَا لَمْ يَكُنِ اسْتِغْرَابٌ مِنْ سُؤَالِه؛ كَانَتِ اعْتِيَاداً صَادِقاً عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعِيشُوا مَعَ الأَرْضِ لَا يَعْرِفُونَ هَذَا. قَالَتْ:
«الأَرْضُ تُعَلِّمُ مَنْ يُصْغِي لَهَا. تُعَلِّمُ الصَّبْرَ — الْبَذْرَةُ لَا تَتَفَاوَضُ عَلَى وَقْتِهَا؛ تَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُؤَجِّلَ رَغْبَتَكَ وَتَنْتَظِرَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنَ الأَوَّل. وَتُعَلِّمُ الأَمَانَةَ — مَا تَزْرَعُهُ الْيَوْمَ تَحْصُدُهُ لَاحِقاً وَلَا شَيْءَ يُخْفِي مَا فَعَلْت. وَتُعَلِّمُ الِاعْتِرَافَ بِالْحُدُود — هُنَاكَ أَرْضٌ طَيِّبَةٌ وَأَرْضٌ مُتْعَبَة. عَلَيْكَ أَنْ تَعْرِفَ الْفَرْقَ وَلَا تَطْلُبَ مِنَ الْمُتْعَبَةِ مَا هُوَ فَوْقَ طَاقَتِهَا.»
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ هُدُوءاً:
«الْإِنْسَانُ الَّذِي عَاشَ مَعَ أَرْضِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَاماً يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنَ الْعَالَمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُهُ مَنْ قَرَأَ خَمْسَةَ عَشَرَ كِتَاباً. لأَنَّ الْكِتَابَ يُخْبِرُكَ بِمَا قَالَهُ شَخْصٌ آخَرُ عَنِ الْعَالَمِ. وَالأَرْضُ تُخْبِرُكَ بِمَا يَقُولُهُ الْعَالَمُ لَكَ أَنْتَ، شَخْصِيَّاً، الآن.»
سَأَلَ سَامِرٌ: «وَتُعَلِّمُ الذَّاكِرَة؟»
أَدْخَلَتِ الْفَلَّاحَةُ يَدَيْهَا أَعْمَقَ فِي التُّرَابِ حِينَ أَجَابَتْ، كَأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى شَيْءٍ وَهِيَ تَقُولُه:
«الأَرْضُ ذَاكِرَةٌ بِنَفْسِهَا. فِي هَذَا الْحَقْلِ الَّذِي أَزْرَعُهُ — تَحْتَ السَّطْحِ بَقَايَا كُلِّ مَا زُرِعَ فِيهِ مُنْذُ جِيلِ جَدِّي. الأَرْضُ تَتَذَكَّرُ مَا سَقَاهَا وَمَنْ حَرَثَهَا وَمَنْ أَهْمَلَهَا. وَهَذِهِ الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ كَلَاماً — هِيَ تُرْبَة. تُقْرَأُ لَا تُسْمَع.»
قَالَتْ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِير:
«الأَرْضُ لَا تَكْذِب. أَكْذِبُ أَنَا. يَكْذِبُ النَّاس. نَقُولُ إِنَّنَا زَرَعْنَا وَلَمْ نَزْرَعْ، نَقُولُ إِنَّنَا اعْتَنَيْنَا وَلَمْ نَعْتَنِ. لَكِنَّ الأَرْضَ تُخْبِرُ الْحَقِيقَةَ فِي مَا تُنْبِتُه. لَيْسَ عِقَاباً — بَلْ طَبِيعَةً. مِثْلُ الرَّجُلِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهُ أَحَبَّ طِفْلَهُ وَأَعْطَاهُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ؛ الطِّفْلُ نَفْسُهُ يُخْبِرُكَ الْحَقِيقَةَ فِي كَيْفَ صَار.»
سَأَلَ سَامِرٌ: «وَكَيْفَ تَقْرَئِينَ مَا تَقُولُهُ الأَرْض؟»
قَالَتْ بِبَسَاطَةٍ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْعُمْق:
«بِالنَّظَر. لَوْنُ النَّبْتَةِ يُخْبِرُكَ بِالْمِيَاه. شَكْلُ الْوَرَقَةِ يُخْبِرُكَ بِالْمَعَادِن. صَلَابَةُ التُّرْبَةِ تُخْبِرُكَ بِالتَّارِيخ. الأَرْضُ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ يَتَعَلَّمُهَا الْجَسَدُ قَبْلَ الْعَقْل. حِينَ تَمْشِي عَلَى أَرْضٍ مَرِيضَةٍ تَشْعُرُ بِهَا فِي قَدَمَيْكَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّلَهَا عَقْلُك. هَذَا لَيْسَ سِحْراً — هَذَا مَعْرِفَةٌ مُتَرَاكِمَةٌ أَصْبَحَتْ غَرِيزَة.»
سَأَلَهَا سَامِرٌ: «هَلْ تَشْعُرِينَ بِانْتِمَاءٍ لِهَذِهِ الأَرْض؟»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةً فِيهَا شَيْءٌ لَا يُقَالُ لَمَنْ لَمْ يَعِشْهُ، لَكِنَّهَا حَاوَلَتْ قُلْهُ:
«أَنَا مِنْهَا. وَهَذَا لَيْسَ شِعْراً — هَذَا حَرْفِيٌّ دَقِيق. جِسْمِي صُنِعَ مِمَّا أَكَلْتُه، وَمَا أَكَلْتُهُ نَبَتَ فِيهَا. الطَّعَامُ الَّذِي بَنَى عَظَامِي وَدَمِي خَرَجَ مِنْ هَذِهِ التُّرْبَةِ تَحْدِيدَاً. وَحِينَ أَمُوتُ سَأَعُودُ إِلَيْهَا. هَذِهِ دَوْرَةٌ وَلَيْسَ انْتِهَاء. وَكُلُّ مَنْ يَفْهَمُ هَذَا يَرَى الْمَوْتَ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَة.»
سَأَلَ: «وَهَذَا يُرِيحُك؟»
قَالَتْ بِحَسْمٍ هَادِئ:
«يُرِيحُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ كَلَامٍ آخَرَ عَمَّا بَعْدَ الْمَوْت. الأَرْضُ لَا تُسْرِف — كُلُّ شَيْءٍ يَعُودُ وَيُسْتَخْدَم. الْوَرَقَةُ الْمَيِّتَةُ تَتَحَلَّلُ وَتُصْبِحُ غِذَاءً لِلشَّجَرَةِ الَّتِي أَنْتَجَتْهَا. لَا شَيْءَ يَضِيعُ تَمَاماً فِي الطَّبِيعَة. هَذَا لَيْسَ تَفَاؤُلاً — هَذَا مَا تُثْبِتُهُ الأَرْضُ كُلَّ يَوْمٍ أَمَامَ مَنْ يَنْظُر.»
سَأَلَ: «حَتَّى الذَّاكِرَة؟»
أَجَابَتْ وَفِي صَوْتِهَا يَقِينٌ لَا يَحْتَاجُ إِثْبَاتَاً:
«الذَّاكِرَةُ تَتَحَوَّل. لَا تَضِيع. حِينَ تَنْسَى شَيْئاً لَا يُمْحَى — يَذْهَبُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِيك. مِثْلُ الأَوْرَاقِ الَّتِي تَسْقُطُ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى سَمَادٍ يُغَذِّي الشَّجَرَةَ مَرَّةً أُخْرَى. النِّسْيَانُ سَمَادٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَان.»
قَالَ سَامِرٌ ببطء وكأنه يُكَرِّرُهَا لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهُ سَمِعَ صَحِيحاً: «النِّسْيَانُ سَمَادٌ — هَذِهِ صُورَةٌ لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْ قَبْل.»
قَالَتِ الْفَلَّاحَةُ:
«لأَنَّ مُعْظَمَ النَّاسِ يَعِيشُونَ بَعِيداً عَنِ الأَرْضِ الآن. مَنْ يَعِيشُ مَعَ الأَرْضِ يَعْرِفُ أَنَّ الْمَوْتَ وَالنِّسْيَانَ وَالتَّحَلُّلَ جُزْءٌ مِنَ الْحَيَاةِ وَلَيْسَ ضِدَّهَا. الشَّجَرَةُ لَا تَبْكِي الأَوْرَاقَ الَّتِي أَسْقَطَتْهَا فِي الْخَرِيف. تَنْتَظِرُ الرَّبِيع. وَهَذَا لَيْسَ صَبْراً — هَذِهِ ثِقَةٌ. ثِقَةٌ بِأَنَّ مَا سَقَطَ لَمْ يَسْقُطْ لِأَنَّهُ فَشِلَ؛ سَقَطَ لأَنَّ دَوْرَهُ انْتَهَى وَثَمَّةَ دَوْرٌ جَدِيدٌ آتٍ يَحْتَاجُهُ.»
أَضَافَتْ بِمِثَالٍ أَكْثَرَ تَحْدِيداً:
«أَعْرِفُ امْرَأَةً فِي قَرْيَتِنَا ظَلَّتْ تَبْكِي مَوْتَ وَلَدِهَا خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَنَسِيَتْ خِلَالَهَا أَنَّ لَدَيْهَا ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ أَحْيَاءٍ يَحْتَاجُونَهَا. وَأَعْرِفُ فَلَّاحاً فَقَدَ مَوْسِمَهُ بِالْكَامِلِ بِسَبَبِ الْجَفَافِ وَنَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَصَحَا الصَّبَاحَ وَبَدَأَ يُعِدُّ الأَرْضَ لِلْمَوْسِمِ التَّالِي. لَيْسَ لأَنَّهُ لَا يُحِسُّ — بَلْ لأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الأَرْضَ تَنْتَظِرُهُ.»
سَأَلَ سَامِرٌ بِتَأَنٍّ: «وَأَنْتِ — هَلْ مَرَرْتِ بِخَرِيفٍ شَخْصِيٍّ؟»
لَمْ تَتَغَيَّرْ نَبْرَتُهَا. قَالَتْ بِالْهُدُوءِ الَّذِي لَا يُخْطِئُهُ أَحَدٌ مَعَ الاسْتِسْلَام؛ هُوَ هُدُوءُ مَنِ اخْتَبَرَ وَفَهِم:
«فَقَدْتُ ابْناً فِي صِغَرِه. لَمْ يَعِشْ حَتَّى يُكَلِّمَنِي بِجُمَلٍ كَامِلَة. وَمَوْسِمُ جَفَافٍ أَكَلَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ مِنْ عَمَلِنَا بِالْكَامِل. وَزَوْجِي مَرِضَ وَمَاتَ قَبْلَ أَوَانِهِ. هَذِهِ خَرِيفَات.»
سَأَلَ: «وَكَيْفَ تَجَاوَزْتِ؟»
قَالَتْ:
«لَمْ أُرَكِّزْ عَلَى التَّجَاوُز. رَكَّزْتُ عَلَى الزَّرْع. حِينَ تُرَكِّزُ عَلَى مَا تُنْبِتُ لَا وَقْتَ عِنْدَكَ لِتَبْكِيَ مَا لَمْ يُنْبَت. هَذَا لَيْسَ قَسْوَةً وَلَا إِنْكَاراً لِلْحُزْن — هَذَا مَا عَلَّمَتْنِي الأَرْض. الْحُزْنُ وَقْتُهُ، وَلِلْحَيَاةِ وَقْتُهَا. وَكِلَاهُمَا ضَرُورِيٌّ لَكِنْ لَا يَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الآخَر.»
أَخْرَجَتِ الْفَلَّاحَةُ يَدَيْهَا مِنَ التُّرَابِ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِمَا. يَدَانِ وَاسِعَتَانِ بِجُلُودٍ مُتَشَقِّقَةٍ تَشَقُّقَ الأَرْضِ حِينَ تَجِفّ. يَدَانِ تَعْرِفُ شَكْلَهُمَا جَيِّداً، يَدَانِ اشْتَغَلَتَا بِمَا لَهُ مَعْنًى طَوَالَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَة.
قَالَتْ وَهِيَ مَازَالَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِمَا:
«الأَرْضُ عَلَّمَتْنِي أَنَّ الْحَزِينَ الَّذِي يَجْلِسُ وَيَبْكِي فِي الصَّيْفِ لَنْ يَجِدَ طَعَاماً فِي الشِّتَاء. وَالَّذِي يَنْهَضُ وَيَزْرَعُ وَهُوَ حَزِينٌ سَيَجِدُ — بِجَانِبِ الطَّعَامِ — أَنَّ الزَّرْعَ نَفْسَهُ دَاوَى شَيْئاً فِيه. لَيْسَ لأَنَّهُ نَسِيَ؛ بَلْ لأَنَّهُ لَمْ يَمْنَحِ الأَلَمَ كُلَّ الأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يَطْلُبُهَا.»
سَأَلَ سَامِرٌ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ نِسْبِيَّاً: «مَا الَّذِي تَتَمَنَّيْنَ أَنْ يَبْقَى مِنْكِ بَعْدَك؟»
أَجَابَتْ بِغَيْرِ تَرَدُّد:
«أَتَمَنَّى أَنْ يَبْقَى الْحَقْلُ مَزْرُوعاً. أَنْ يَعْرِفَ مَنْ يَأْتِي بَعْدِي كَيْفَ يَقْرَأُ هَذِهِ الأَرْض. لَيْسَ بِاسْمِي — بِالْمَعْرِفَة. الْمَعْرِفَةُ أَهَمُّ مِنَ الاسْم. الاسْمُ صَوْتٌ يَتَكَرَّرُ ثُمَّ يَتَوَقَّف. الْمَعْرِفَةُ مِثْلُ الْبَذْرَةِ تُنْتِجُ بَذَرَةً أُخْرَى إِلَى مَا لَا نِهَايَة.»
سَأَلَ: «وَالذِّكْرَيَاتُ الشَّخْصِيَّة؟»
قَالَتْ بِحُبٍّ خَالٍ مِنَ الْمَنِّ:
«تَبْقَى فِي مَنْ أَحْبَبْتُهُم. وَهَذَا يَكْفِينِي. أَنَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَذْكُرَنِي مَنْ لَمْ أَعِشْ مَعَهُ. مَنْ عِشْتُ مَعَهُ يَحْمِلُنِي بِطَرِيقَتِهِ. وَهَذِهِ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْت — أَنْ تَعِيشَ فِي مَا غَيَّرْتَهُ فِي مَنْ أَحْبَبْتَ.»
حِينَ خَرَجَ سَامِرٌ نَظَرَ إِلَى يَدَيْه. لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا تُرَاب. لَكِنَّهُ تَخَيَّلَ لَحْظَةً أَنَّهُمَا مُمْتَلِئَتَانِ بِهِ — ثِقَلُ الأَرْضِ وَخُصُوبَتُهَا وَصِدْقُهَا.
تَذَكَّرَ حَقْلاً رَآهُ ذَاتَ مَرَّةٍ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَانٍ لَا يَذْكُرُهُ الآن. حَقْلٌ لَا أَحَدَ فِيهِ ظَاهِر، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ كَانَ يُشِيرُ إِلَى حُضُورِ يَدٍ رَعَتْهُ. الأَخَادِيدُ الْمُسْتَقِيمَة. الْمَسَافَاتُ الْمُنَظَّمَة. الأَرْضُ الرَّطْبَةُ الْمُهَيَّأَة. كَانَ غِيَابُ الْإِنْسَانِ فِيهِ حُضُوراً مِنْ نَوْعٍ آخَر.
وَأَدْرَكَ سَامِرٌ:
لَيْسَ كُلُّ يَوْمٍ مَفْقُودٍ يَحْتَاجُ اسْتِرْدَاداً. بَعْضُ الأَيَّامِ تَحَوَّلَتْ إِلَى سَمَادٍ أَعْطَى ثَمَرَةً لَمْ يَرَهَا. وَمَا لَا يُرَى لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ مَا لَا يَعْمَل.
وَرُبَّمَا هَذَا مَا يُمَيِّزُ الأَيَّامَ الْحَقِيقِيَّةَ مِنَ الْبَاطِلَة: لَيْسَ أَنَّهَا كَانَتْ جَمِيلَةً أَوْ مُؤْلِمَة، بَلْ أَنَّهَا تَرَكَتْ فِي التُّرْبَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلإِنْسَانِ شَيْئاً مَا — شَيْئاً يَظَلُّ يَعْمَلُ بَعْدَ أَنْ يَنْتَهِيَ الْيَوْمُ وَيُنْسَى اسْمُه.

متحف الأيام المفقودة 86