مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ: الطِّفْلَةُ النَّاجِيَةُ — كَيْفَ تَبْنِي الطُّفُولَةُ ذَاكِرَةً جَدِيدَةً بَعْدَ الكَارِثَةِ
________________________________________
كَانَتِ الغُرْفَةُ فِيهَا أَوْرَاقٌ.
لَيْسَتْ أَوْرَاقَ كِتَابَةٍ بَيْضَاءَ فَارِغَةً تَنْتَظِرُ كَلِمَاتٍ لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ، وَلَا أَوْرَاقَ مُدَوَّنَةً تَحْمِلُ أَرْقَامًا أَوْ تَوَاثِيقَ أَوْ ذِكْرَيَاتٍ مُصَاغَةً بِالحِبْرِ.
كَانَتْ أَوْرَاقَ طَيٍّ.
أُورِيغَامِي.
طُيُورٌ وَدِبَبَةٌ وَأَزْهَارٌ وَأَشْكَالٌ لَا اسْمَ لَهَا بِلُغَةٍ وَاضِحَةٍ مُرَتَّبَةٌ عَلَى رُفُوفٍ خَشَبِيَّةٍ تَغْطِي جِدَارَيْنِ كَامِلَيْنِ مِنَ الغُرْفَةِ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّقْفِ.
مِئَاتٌ مِنْهَا.
رُبَّمَا أَكْثَرُ مِنَ المِئَاتِ.
أَلْوَانُهَا كُلُّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعًا دُونَ أَنْ يَتَنَازَعَ أَيٌّ مِنْهَا عَلَى الهَيْمَنَةِ:
أَحْمَرُ حَيٌّ وَأَزْرَقُ هَادِئٌ وَأَخْضَرُ طَازَجٌ وَذَهَبِيٌّ يَبْدُو كَأَنَّهُ يَصْنَعُ ضَوْءَهُ مِنْ دَاخِلِهِ، وَأَبْيَضُ نَقِيٌّ وَأَسْوَدُ لَا يَحْمِلُ حُزْنًا بَلْ يَحْمِلُ حَضُورًا.
وَفِي مُنْتَصَفِ الغُرْفَةِ، عَلَى حَصِيرَةٍ صَغِيرَةٍ مُمَدَّدَةٍ عَلَى الأَرْضِ بَيْنَ أَوْرَاقٍ مُتَنَاثِرَةٍ بِنِظَامٍ يَبْدُو عَشْوَائِيًّا لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ، جَلَسَتْ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ.
كَانَتْ تَطْوِي وَرَقَةً جَدِيدَةً بِأَصَابِعَ تَعْرِفُ الحَرَكَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
حَرَكَاتٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَفْكِيرٍ وَاعٍ، كَحَرَكَاتِ المُوسِيقَارِ الَّذِي تَعَلَّمَتْ يَدَاهُ اللَّحْنَ حَتَّى غَدَتَا أَقَلَّ تَفْكِيرًا مِنْهُ وَأَكْثَرَ مَعْرِفَةً.
عَيْنَاهَا كَانَتَا عَلَى يَدَيْهَا.
وَجْهُهَا كَانَ هَادِئًا بِهُدُوءِ مَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يَسْكُنَ اللَّحْظَةَ لَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا جَرَى، بَلْ لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنَّ اللَّحْظَةَ هِيَ المَكَانُ الوَحِيدُ الَّذِي يُمْكِنُ السُّكُونُ فِيهِ حَقًّا.
حِينَ جَاءَ سَامِرٌ وَوَقَفَ عِنْدَ المَدْخَلِ، رَفَعَتِ الفَتَاةُ عَيْنَيْهَا.
لَمْ تُفَاجَأْ.
كَأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ أَحَدًا مَا سَيَأْتِي.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً صَادِقَةً.
لَيْسَتِ ابْتِسَامَةَ الطِّفْلِ الَّذِي يُبَادِرُ بِالتَّرْحِيبِ لِيُرْضِيَ الكَبَارَ، وَلَا ابْتِسَامَةَ مَنْ يُخْفِي وَرَاءَهَا شَيْئًا لَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ.
كَانَتِ ابْتِسَامَةَ مَنْ يُقَرِّرُ بِوَعْيٍ حَقِيقِيٍّ أَنْ يَبْتَسِمَ.
قَالَ سَامِرٌ:
ـ هَانَا؟
قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ نَضِجٍ لَا يَنْتَمِي بِالضَّرُورَةِ إِلَى عُمْرِهَا:
ـ نَعَمْ.
تَفَضَّلْ.
احْذَرِ الأَوْرَاقَ عَلَى الأَرْضِ.
جَلَسَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ حَقِيقِيٍّ، يَتَفَادَى الأَوْرَاقَ المُتَنَاثِرَةَ كَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تَحْمِلُ يَوْمًا بِأَكْمَلِهِ.
سَأَلَهَا بِفُضُولٍ صَادِقٍ لَا يَتَكَلَّفُ الاهْتِمَامَ:
ـ كَمْ طَائِرًا طَوَيْتِ حَتَّى الآنَ؟
قَالَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنِ الوَرَقَةِ:
ـ لَا أَعُدُّهَا.
فِي البِدَايَةِ كُنْتُ أَعُدُّهَا.
تَوَقَّفْتُ لِأَنَّ العَدَدَ لَمْ يَكُنْ مُهِمًّا.
المُهِمُّ الطَّيُّ نَفْسُهُ.
سَأَلَهَا:
ـ لِمَاذَا الأُورِيغَامِي بِالتَّحْدِيدِ؟
مَا الَّذِي جَعَلَكِ تَخْتَارِينَ هَذَا دُونَ غَيْرِهِ؟
وَقَفَتْ أَصَابِعُهَا لَحْظَةً.
لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، كَأَنَّ السُّؤَالَ لَمَسَ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ.
ثُمَّ عَادَتِ الأَصَابِعُ إِلَى الطَّيِّ وَقَالَتْ:
ـ بَعْدَ التَّسُونَامِي، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ البَيْتُ وَالمَدْرَسَةُ وَبَعْضُ النَّاسِ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَجْلِسَ بِلَا شَيْءٍ.
يَدَايَ كَانَتَا تَحْتَاجَانِ عَمَلًا.
لَيْسَ عَمَلًا مُهِمًّا أَوْ عَمَلًا يُغَيِّرُ شَيْئًا، فَقَطْ حَرَكَةً تُبَرِّرُ أَنَّهُمَا هُنَا.
جَدَّتِي عَلَّمَتْنِي الطَّيَّ.
قَالَتْ: حِينَ لَا تَعْرِفِينَ مَاذَا تَفْعَلِينَ، اطْوِي.
الوَرَقَةُ تَتَحَمَّلُ مَا لَا يَتَحَمَّلُهُ الكَلَامُ.
صَمَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً يَسْتَوْعِبُ فِيهَا مَا قَالَتْهُ.
حِكْمَةٌ قَالَتْهَا جَدَّةٌ لِحَفِيدَتِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنِ الكَلَامُ يَكْفِي وَلَا يَصْلُحُ.
________________________________________
سَأَلَ سَامِرٌ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ:
ـ وَكَيْفَ كَانَتِ الفَتْرَةُ بَعْدَ التَّسُونَامِي مُبَاشَرَةً؟
مَاذَا تَتَذَكَّرِينَ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ الأُولَى؟
قَالَتْ بِهُدُوءٍ لَا يَعْنِي أَنَّ الأَمْرَ كَانَ هَيِّنًا، بَلْ يَعْنِي أَنَّهَا تَعَلَّمَتِ الحَدِيثَ عَنْهُ دُونَ أَنْ يَجْرُفَهَا:
ـ لَا أَتَذَكَّرُ أُسْبُوعًا كَامِلًا بَعْدَهُ.
الأَطِبَّاءُ قَالُوا إِنَّ هَذَا طَبِيعِيٌّ.
الدِّمَاغُ يُغْلِقُ بَعْضَ الأَبْوَابِ حِينَ يَكُونُ الأَلَمُ أَكْبَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ مُعَالَجَتَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
تَصَوَّرْ أَنَّكَ تَحَاوَلُ تَشْغِيلَ مَاكِينَةٍ وَكُلُّ أَسْلَاكِهَا مَشْدُودَةٌ إِلَى الحَدِّ الأَقْصَى فِي آنٍ وَاحِدٍ.
المَاكِينَةُ الذَّكِيَّةُ تُغْلِقُ بَعْضَ الدَّوَائِرِ الكَهْرَبِيَّةِ لِتَحْمِيَ الكُلَّ مِنَ الاحْتِرَاقِ.
أَنَا قَبِلْتُ هَذَا.
سَأَلَهَا:
ـ قَبِلْتِهِ بِسُهُولَةٍ؟
قَالَتْ بِصِدْقٍ لَا يُزَيِّنُ الحَقِيقَةَ وَلَا يُشَوِّهُهَا:
ـ لَا.
فِي البِدَايَةِ أَرَادَنِيَ الكِبَارُ أَنْ أَتَذَكَّرَ.
أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ.
“أَيْنَ كُنْتِ؟” “مَاذَا رَأَيْتِ؟” “مَتَى أَحْسَسْتِ بِالمَاءِ؟” “مَنْ كَانَ مَعَكِ؟”
وَأَنَا لَا أَعْرِفُ الإِجَابَاتِ.
وَكُنْتُ أَشْعُرُ بِالذَّنْبِ لِأَنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ.
كَأَنَّ عَدَمَ التَّذَكُّرِ كَانَ خَطَأً ارْتَكَبْتُهُ لَا شَيْئًا حَدَثَ لِي بِدُونِ إِذْنِي.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَيَدَاهَا مَا زَالَتَا تَطْوِيَانِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
ـ ثُمَّ قَالَتْ لِي طَبِيبَةٌ نَفْسِيَّةٌ شَابَّةٌ شَيْئًا حَوَّلَ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِي تَمَامًا.
سَأَلَهَا سَامِرٌ وَهُوَ يُحِسُّ أَنَّ مَا يَأْتِي سَيَكُونُ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَى الاسْتِمَاعِ بِكُلِّ شَيْءٍ:
ـ مَاذَا قَالَتْ؟
قَالَتْ هَانَا وَهِيَ تَرْفَعُ نَظَرَهَا مِنَ الوَرَقَةِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى بِصُورَةٍ كَامِلَةٍ:
ـ قَالَتْ: دِمَاغُكِ يُحِبُّكِ.
حِينَ أَغْلَقَ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ لَمْ يَخُنْكِ.
حَمَاكِ.
حِينَ تَكُونِينَ جَاهِزَةً سَتَفْتَحِينَ مَا تَحْتَاجِينَ فَتْحَهُ وَتَبْقِينَ مَا لَا تَحْتَاجِينَ.
ثِقِي بِدِمَاغِكِ.
صَمَتَتْ لَحْظَةً.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
ـ قَبْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى ذَاكِرَتِي كَأَنَّهَا عَدُوٌّ يُخْفِي عَنِّي أَشْيَاءَ أَسْتَحِقُّ أَنْ أَعْرِفَهَا.
بَعْدَهَا بَدَأْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا كَأَنَّهَا صَدِيقٌ يَحْمِيَنِي مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لَهُ بَعْدُ.
هَذَا الفَرْقُ بَيْنَ العَدُوِّ وَالصَّدِيقِ غَيَّرَ كُلَّ شَيْءٍ.
________________________________________
سَأَلَهَا سَامِرٌ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ احْتَرَمَ فِيهِ ثِقَلَ مَا قَالَتْهُ:
ـ وَهَلْ فُتِحَتْ بَعْضُ الأَبْوَابِ لَاحِقًا؟
قَالَتْ بِدِقَّةٍ إِنْسَانٍ تَعَلَّمَ الفَرْقَ بَيْنَ مَا يَعْرِفُهُ وَمَا يَجْهَلُهُ:
ـ بَعْضُهَا.
لَيْسَ كُلُّهَا.
وَأَنَا لَا أُجْبِرُ البَاقِيَ.
هُنَاكَ أَشْيَاءُ جَسَدِي يَعْرِفُهَا وَلَا أَسْأَلُ عَنْهَا بِاسْمِهَا.
حِينَ أَسْمَعُ صَوْتَ مَاءٍ جَارٍ بِقُوَّةٍ أَتَوَتَّرُ.
لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا بِالتَّحْدِيدِ، أَيَّ لَحْظَةٍ بِعَيْنِهَا يَحْمِلُهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ.
لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنْ أُلَاحِظَ التَّوَتُّرَ وَأَنْ أَتَنَفَّسَ وَلَا أُحَارِبَهُ.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يُصَوِّبُ مَا فَهِمَهُ:
ـ تُرَاقِبِينَ دُونَ أَنْ تُحَارِبِي.
قَالَتْ وَكَأَنَّهَا تُعِيدُ جُمْلَةً حَفِظَتْهَا لِأَنَّهَا أَنْقَذَتْهَا:
ـ الطَّبِيبَةُ عَلَّمَتْنِي: لَا تُحَارِبِي مَا يَأْتِي مِنَ الجَسَدِ.
الجَسَدُ يُخْبِرُكِ بِشَيْءٍ.
اسْتَمِعِي، ثُمَّ أَخْبِرِيهِ أَنَّكِ بِأَمَانٍ الآنَ.
هَذَا مُخْتَلِفٌ عَنْ قَبْلُ.
اللَّحْظَةُ الرَّاهِنَةُ لَيْسَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةَ.
أَنْتِ هُنَا، وَهُنَا مُخْتَلِفٌ.
سَأَلَهَا:
ـ وَهَلْ يَنْجَحُ هَذَا فِعْلًا؟
قَالَتْ بِصِدْقِ مَنْ لَا يَدَّعِي كَمَالًا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ:
ـ أَحْيَانًا.
لَيْسَ دَائِمًا.
لَكِنَّ أَحْيَانًا كَافٍ لِلِاسْتِمْرَارِ.
وَهَذَا تَعَلَّمْتُهُ أَيْضًا: أَنَّ “أَحْيَانًا” كَافٍ.
لَا تَحْتَاجُ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ يَعْمَلَ دَائِمًا حَتَّى يَكُونَ يَسْتَحِقُّ الاعْتِمَادَ عَلَيْهِ.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ بَعْدَ لَحْظَةٍ نَظَرَ فِيهَا إِلَى الأَوْرَاقِ المَصْفُوفَةِ عَلَى الرُّفُوفِ بِشَيْءٍ يَشْبِهُ الذُّهُولَ الهَادِئَ:
ـ هَانَا، أَنْتِ فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ.
وَتَتَحَدَّثِينَ عَنْ أَشْيَاءَ يَجْهَلُهَا كَثِيرٌ مِنَ البَالِغِينَ الَّذِينَ لَمْ يَمُرُّوا بِعُشْرِ مَا مَرَرْتِ بِهِ.
قَالَتْ بِبَسَاطَةٍ لَا تَفْتَخِرُ وَلَا تَتَوَاضَعُ، بَلْ تَقُولُ الحَقِيقَةَ كَمَا هِيَ:
ـ الكَارِثَةُ تُعَلِّمُ بِسُرْعَةٍ.
لَمْ أَخْتَرْ أَنْ أَتَعَلَّمَ هَذَا.
لَكِنْ حِينَ تَعَلَّمْتُهُ لَمْ أَتْرُكْهُ.
رُبَّمَا هَذَا هُوَ الاخْتِيَارُ الوَحِيدُ الَّذِي كَانَ مُتَاحًا لِي: أَنْ أَحْتَفِظَ بِمَا أَعْطَانِي إِيَّاهُ مَا لَمْ أَطْلُبْهُ.
سَأَلَهَا:
ـ وَأَصْدِقَاؤُكِ، هَلْ يَفْهَمُونَ مَا مَرَرْتِ بِهِ؟
قَالَتْ بِرُحَابَةِ صَدْرٍ لَا يَطْلُبُ مِنَ العَالَمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ:
ـ بَعْضُهُمْ مَرَّ بِشَيْءٍ مُشَابِهٍ.
وَبَعْضُهُمْ لَا يَفْهَمُ وَيُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ طَبِيعِيًّا مَعِي وَهَذَا كَافٍ أَيْضًا.
لَا أَحْتَاجُ أَنْ يَفْهَمَ الجَمِيعُ.
أَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ حَاضِرًا.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يَلْتَقِطُ شَيْئًا عَمِيقًا فِي مَا قَالَتْهُ:
ـ الحُضُورُ أَهَمُّ مِنَ الفَهْمِ.
قَالَتْ بِحُسْمٍ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ:
ـ الفَهْمُ الكَامِلُ مُسْتَحِيلٌ.
لَا يَسْتَطِيعُ إِنْسَانٌ أَنْ يَفْهَمَ تَجْرِبَةَ إِنْسَانٍ آخَرَ فَهْمًا كَامِلًا حَقِيقِيًّا.
حَتَّى مَنْ مَرَّ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ عَاشَهُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
لَكِنَّ الحُضُورَ مُمْكِنٌ لِأَيِّ أَحَدٍ.
أَنْ تَجْلِسَ، أَنْ تَبْقَى، أَنْ لَا تَهْرُبَ حِينَ يَصْعُبُ الجُلُوسُ.
هَذَا لَا يَحْتَاجُ فَهْمًا.
يَحْتَاجُ فَقَطْ قَرَارًا.
________________________________________
سَأَلَهَا سَامِرٌ بَعْدَ صَمْتٍ تَأَمَّلَ فِيهِ الغُرْفَةَ كُلَّهَا مَرَّةً وَاحِدَةً:
ـ وَهَذِهِ الأَوْرَاقُ كُلُّهَا، مَا الَّذِي تُمَثِّلُهُ لَكِ فِعْلًا؟
لَيْسَ مَا تَقُولِينَهُ لِلنَّاسِ حِينَ يَسْأَلُونَ، بَلِ الشَّيْءُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي تُشْعِرُكِ بِهِ حِينَ تَنْظُرِينَ إِلَيْهَا.
نَظَرَتْ هَانَا إِلَى الرَّفِّ.
نَظْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَمْ تَكُنْ عَشْوَائِيَّةً.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الوَرَقَةِ فِي يَدِهَا.
ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْلُ:
ـ كُلُّ وَرَقَةٍ كَانَتْ يَوْمًا مُسَطَّحَةً.
فَارِغَةً.
مُجَرَّدَ سَطْحٍ أَمْلَسَ لَا يُرَى لَهُ ظِلٌّ.
حِينَ أَطْوِيهَا تُصْبِحُ شَيْئًا لَهُ عُمْقٌ وَشَكْلٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى الوُقُوفِ وَحْدَهُ.
وَأَنَا أُعِيدُ لِنَفْسِي هَذَا كُلَّ مَرَّةٍ أَطْوِي:
يَوْمٌ مُسَطَّحٌ فَارِغٌ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ شَيْئًا يَقِفُ.
قَالَ سَامِرٌ:
ـ الطَّيُّ كَاسْتِعَارَةٍ لِلْحَيَاةِ كُلِّهَا.
قَالَتْ بِحُسْمٍ هَادِئٍ:
ـ لَيْسَتِ اسْتِعَارَةً فَقَطْ.
حَرْفِيَّةٌ.
يَدَايَ تَتَذَكَّرَانِ كَيْفَ تَطْوِيَانِ حَتَّى حِينَ أَنْسَى الخُطُوَاتِ بِعَقْلِي.
الجَسَدُ يَعْرِفُ.
وَهَذَا يُرِيحُنِي أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيحُنِي أَيُّ تَفْسِيرٍ آخَرَ.
لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الجَسَدِ لَا تَنْتَظِرُ مِنِّي أَنْ أَكُونَ بِخَيْرٍ حَتَّى تَعْمَلَ.
تَعْمَلُ حَتَّى حِينَ لَا أَكُونُ.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ بَعْدَ لَحْظَةٍ تَأَمَّلَ فِيهَا مَا قَالَتْهُ:
ـ سَأَسْأَلُكِ سُؤَالًا أَسْأَلُهُ لِكَثِيرِينَ فِي هَذَا المُتْحَفِ:
مَا اليَوْمُ الَّذِي تَعُودِينَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ فِي ذَاكِرَتِكِ، لَا بِالضَّرُورَةِ الأَصْعَبَ، بَلِ الأَكْثَرُ حُضُورًا فِيكِ؟
فَكَّرَتْ.
فَكَّرَتْ بِدُونِ تَسَرُّعٍ وَبِدُونِ أَدَاءٍ.
كَانَ تَفْكِيرًا حَقِيقِيًّا.
ثُمَّ قَالَتْ:
ـ يَوْمٌ قَبْلَ التَّسُونَامِي بِأُسْبُوعٍ.
ذَهَبْنَا أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي إِلَى شَاطِئٍ قَرِيبٍ.
البَحْرُ كَانَ هَادِئًا تَمَامًا.
وَأَكَلْنَا أُونِيغِيرِي صَنَعَتْهَا أُمِّي.
وَأَبِي ضَحِكَ عَلَى شَيْءٍ نَسِيتُهُ، لَكِنَّنِي أَتَذَكَّرُ الضَّحْكَةَ.
كُنَّا ثَلَاثَةً وَكَانَ كَافِيًا.
قَالَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ لِيُؤَكِّدَ أَنَّهُ فَهِمَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ:
ـ أَبُوكِ…
قَالَتْ بِسُرْعَةٍ خَفِيفَةٍ كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَا يَسْأَلُهُ:
ـ مَا زَالَ هُنَا.
وَأُمِّي أَيْضًا.
نَجَوْنَا الثَّلَاثَةُ.
لَكِنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ مَا سَيَأْتِي، كَانَ لَدَيْهِ شَيْءٌ لَا أَجِدُ لَهُ اسْمًا.
كَمَالٌ هَادِئٌ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ أَنَّهُ كَمَالٌ حَتَّى مَرَّ.
حِينَ تَعِيشُ لَحْظَةً كَامِلَةً لَا تَعْرِفُ أَنَّهَا كَامِلَةٌ.
تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَطْ لَاحِقًا.
وَرُبَّمَا هَذَا جُزْءٌ مِنْ كَمَالِهَا، أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّهَا تُعَاشُ.
قَالَ سَامِرٌ:
ـ الكَمَالُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَمُرَّ.
قَالَتْ وَعَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ شَيْئًا أَبْعَدَ مِنَ الحُزْنِ وَأَعْمَقَ مِنَ الفَرَحِ:
ـ نَعَمْ.
وَلِهَذَا أُحَاوِلُ الآنَ أَنْ أُلَاحِظَ الأَيَّامَ الكَامِلَةَ وَأَنَا فِيهَا.
لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَنْجَحُ دَائِمًا.
لَكِنَّنِي أُحَاوِلُ.
وَرُبَّمَا المُحَاوَلَةُ نَفْسُهَا هِيَ جُزْءٌ مِنَ الحُضُورِ فِي اللَّحْظَةِ.
________________________________________
قَامَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ.
أَمْسَكَ بِطَائِرِ أُورِيغَامِي صَغِيرٍ أَبْيَضَ مِنَ الرَّفِّ بِإِذْنٍ صَامِتٍ نَظَرَهُ نَحْوَ هَانَا.
أَوْمَأَتِ الفَتَاةُ بِهُدُوءٍ.
نَعَمٌ وَاحِدَةٌ بِحَرَكَةِ رَأْسٍ بَسِيطَةٍ.
وَضَعَهُ فِي جَيْبِهِ.
وَحِينَ اقْتَرَبَ مِنَ البَابِ الأَخِيرِ، أَدْرَكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ حِينَ دَخَلَ تِلْكَ الغُرْفَةَ:
أَنَّ فَتَاةً فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا عَلَّمَتْهُ مَا عَجَزَ عَنْ تَعْلِيمِهِ كَثِيرٌ مِنَ الفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ قَضَوُا الأَعْمَارَ يَكْتُبُونَ عَنِ الأَلَمِ وَالذَّاكِرَةِ وَالتَّعَافِي.
أَنَّ الجُرْحَ لَا يَخْتَفِي.
لَكِنَّهُ يُطْوَى.
وَأَنَّ الطَّيَّ لَيْسَ إِخْفَاءً وَلَا إِنْكَارًا وَلَا تَظَاهُرًا بِأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.
بَلْ هُوَ تَحْوِيلٌ.
مِنْ سَطْحٍ مُسَطَّحٍ فَارِغٍ لَا يَقِفُ، إِلَى شَيْءٍ لَهُ عُمْقٌ وَشَكْلٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى الوُقُوفِ.
وَمِنْ وَرَاءِهِ بِخَطْوَةٍ وَاحِدَةٍ:
الغُرْفَةُ صِفْرٌ.
