معانٍ في ظلال الكلمات 02

معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء الثاني
الفصل الثالث:
كأن الهواء كله توقف، وكأن الزمن نفسه أحاط بكلمة واحدة فقط، كلمة لا يعرف سالم معناها بعد، لكنها أثقلت صدره بالإحساس.
أجاب دون تفكير، وكأن قلبه قرأ السؤال قبل عقله:
«نعم.»
وكانت تلك الإجابة بسيطة، لكنها حملت ثقل الاحتمال، ثقل اللقاءات القادمة، وثقل اللغة التي لم تعد مجرد كلمات، بل “مساحة يعيش فيها القلب مع المعنى”.
ابتسمت ميّ ابتسامة قصيرة… خفيفة، لكنها حملت وزنًا من الفهم، ثم غادرت.
بقي سالم جالسًا وحيدًا، يسمع صدى خطواتها يتراجع إلى الخلف، كأن الأرض نفسها تحفظ وقعها، وينظر إلى الصفحة الفارغة أمامه، “صفحة تنتظر أن تُسجّل شيئًا أكبر من الحروف والكلمات”.
أمسك سالم بالقلم ببطء، وكتب وكأنّه يوجّه السؤال إلى ذاته أولًا:
«ربّما… يوجد معنى لا يشرحه النحو ولا البلاغة.
ربّما… هناك لغةٌ أخرى تُكتب بين شخصين دون ورق، لغة لا تحتاج إلى قواعد ولا فواصل، لغة ترتبط بالنبض وبالانتباه الصامت لكل حركة، لكل صمت، لكل نظرة.
وربّما…
أكون قد بدأتُ أفهمها.»
ثم أغلق الدفتر ببطء، وترك يده ترتعش فوق الغلاف، كما لو كان يخشى أن تنفرط من بين أصابعه لحظةُ التقاءٍ خافتة، لحظةٌ من تلك اللحظات التي تُعيد تعريف اللغة والوجود معًا.
كانت تلك اللحظة صامتة، لكنها مليئة، مليئة بما تُشبهه كتب الفقهاء القدامى في تفسير المعاني الخفية، وما يتناوله الشعراء عبر القرون من رموز ودلالات، وما يدركه الإنسان حين يقرأ بين السطور أكثر مما يقرأ على الورق.
وهكذا شعر سالم أنّ الكلمات ليست دائمًا كلمات… بل قد تكون جسورًا، ونافذة، وربما بداية لرحلة تفهّمٍ جديدة… رحلة لا تنتهي إلا حين تلتقي النفوس مع المعنى.
في صباح اليوم التالي، دخل سالم المكتبة قبل أن تمتلئ أماكنها بالطلاب، وكان قلبه ينبض بخفّةٍ غريبة، كأنّه يحمل بين ضلوعه كلمات …. كلمات تبحث عن سياقٍ أو نظرة، أو عن أحدٍ يستمع إليها كما يُفهم الصمت بين السطور.
رآها ميّ عند رف الكتب، تتفحّص الصفحات بدقّة، كأنها تبحث عن جملةٍ مختبئة بين حروفٍ قديمة، عن معنى لم يجرؤ أحد على الإفصاح عنه.
توقف للحظة، متردّدًا… هل يقترب؟ أم يظل يراقب من بعيد كما تفعل الطيور عند فجر هادئ؟
وفي داخله تساءل: “هل هذه الرغبة في الاقتراب جاءت من اللغة؟… أم من شيء أعمق، من قلبٍ يطمح لأن يفهم؟”
اقترب خطوة، ثم خطوة أخرى، حتى شعر بأن الهواء نفسه أصبح مشبعًا بصمتٍ يفهمه قلبه وحده.
رفعت ميّ رأسها، والتقت عينيه للحظة قصيرة، وابتسمت برقة تكاد تقول بلا كلمات:
“نحن هنا لنعرف اللغة، ولكننا أيضًا نحاول أن نفهم أنفسنا.”
شعر سالم برعشة خفيفة، لم تكن خوفًا، بل شعورًا بالانفتاح على معنى جديد، معنى يربط بين الكلمة والقلب، بين النظر والصمت، بين الصوت والمعنى المخفي.
همس بصوت منخفض:
«قلتِ البارحة… إنّ السياق يقود المعنى أحيانًا. كيف؟»
نظر إليها، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال منذ زمن، وقالت بهدوء مطمئن:
«ليست كل الكلمات تتحرّك بالطريقة نفسها. هناك كلمات تتحمل الحياة وحدها… وأخرى لا تتنفّس إلا بجوار كلمةٍ أخرى.»
رفعت ميّ رأسها، التقت عينيه للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
«اليوم… سأطرح عليك سؤالًا مختلفًا قليلًا.»
نظر إليها سالم بفضولٍ يمزج بين الترقّب والتردد، وأراد أن يلتقط معنى ابتسامتها قبل كلماتها، فأضافت ميّ:
«هل تعلم أنّ اهتمام العرب منذ الجاهلية لم يقتصر على الكلمة وحدها، بل على السياق الذي تُقال فيه؟»
تردّد في صمتٍ قصير، ثم سألها بصوتٍ منخفض شبه همس:
«هل تقصدين… أنّ المعنى ليس فقط في الكلمة، بل في المكان الذي تُوضع فيه؟»
ابتسمت ميّ برفق، وكأنها تفتح له نافذة على تاريخ اللغة العربية:
«بالضبط. النحاة القدماء، مثل سيبويه والكسائي، كتبوا القواعد، لكنهم فهموا أنّ الكلمة بلا سياق… كجسد بلا روح.
أما البلاغيون، مثل البحتري والمتنبي، فقد أضافوا بعدًا آخر: الكلمة عندما تُنطق بقلب حاضر… تكتسب حياة ثانية، حياة تتجاوز القاعدة، حياة تُحرّر المعنى من قيود الخطاب الجامد.»
توقف سالم ليتأمل، وكأن أفكاره تتردد بين الصفحات القديمة وسكون المكتبة، ثم سأل:
«هل كل كلمة قادرة على ذلك؟»
أمالت ميّ رأسها، وأمسكت بقلمها برقة، ثم قالت:
«ليست كل الكلمات، لكن بعض الكلمات تحمل في طياتها روحًا تنتظر السياق المناسب. كلمة واحدة يمكن أن تكون شمسًا في نصٍّ، وقمرًا في نص آخر. هكذا علّمتنا اللغة العربية أن نفهم المعنى لا بمعزل عن المحيط، عن الإنسان، عن الزمن، عن القلب. هل تتخيل كم من كلمة قد ضاع معناها لأنها لم تُفهم ضمن سياقها الصحيح؟»
أخذ سالم نفسًا عميقًا، وكأنّه يختبر وقع هذه الحقيقة على قلبه:
«إذا… نحن نصنع حياة للكلمة… أحيانًا بصياغتنا، وأحيانًا بقلوبنا؟»
ابتسمت ميّ، وكأنها تنتظر أن يكتشف هذا بنفسه:
«نعم… وأحيانًا تكون حياتها مرتبطة بمن يسمعها، بكيفية استقباله لها. الإنسان والسياق يصنعان المعنى. ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية للغة… رحلتنا نحن مع الكلمات. ألا يبدو لك أنّ هذا يجعل اللغة أكثر حياةً من أي زمن آخر؟»
ظلّ صمت بينهما، صمت يزن التاريخ، ويحمل صدى آلاف السنين من الكلمات التي نُطقت وكتبت وتعلّمها البشر؛ من الشعر الجاهلي إلى نصوص الأدباء المعاصرين، ومن علم النحو إلى البلاغة والفصاحة، حيث كانت كل كلمة جسراً بين الروح والمعنى، بين الصوت والزمان.
ثم قالت ميّ بنبرة أخف، كما لو كانت تهمس للزمان نفسه:
“سالم… هل شعرت يومًا أن كلمة معينة يمكنها أن تغيّر شيئًا داخلك؟”
تردّد قليلاً، ثم أجاب بصدق، وكأن صوته ينبعث من أعماق قلبه قبل فمه:
“نعم… أحيانًا كلمة واحدة تشبه نافذة تُفتح في قلبي… وكنت لا أعلم أنّ هناك من يرى ما وراءها.”
ابتسمت ميّ، وكأنها تشهد لنفسها وللغرفة، وللساعات التي تمتلئ بالمعنى:
“وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها اللغة العيش معنا… ليست مجرد حروف، بل نبضات، شعور، رؤية… حياة. ألا تشعر بذلك؟”
جلسا فترة طويلة، يقرآن ويكتبان، أحيانًا يسكتان، وأحيانًا يهمسان. في كل لحظة، كان كل حرف يكتبه سالم يُشعره بأن قلبه وصوته الداخلي أصبحا جزءًا من اللغة نفسها، جزءًا من سياق أعمق من كل القواعد والنحو والبلاغة؛ سياق فيه المعنى يتجاوز الكلمات… إلى القلب والروح، حيث تصبح الكلمة جسراً بين الزمان والذات، بين الماضي والحاضر، بين المعرفة والفهم الحقيقي.
في صباح اليوم التالي، دخل سالم المكتبة قبل أن يكتظ المكان بالطلاب، كأنّه يسعى لأن يكون حاضرًا قبل أن تُنطق الكلمات أو تُسطر، قبل أن يكتشف أي معنى ينتظر من يقرأه.
رآها ميّ قد جلست في الزاوية المعتادة، كتبها أمامها، ودفترها مفتوح، وقلمها يرقص بين السطور كما لو أنّ كل حركة تحمل نبضًا خفيًا، سرًّا من أسرار اللغة التي يعرفها القلب قبل العين.
جلس سالم أمامها بصمت، وكأنّ الصمت جزءٌ من اللغة، لغة تفهمها القلوب قبل الكلمات، لغة تجعل المسافة بين الحروف مليئة بالمعنى والاهتزاز الداخلي.
رفعت ميّ رأسها، والتقت عينيه للحظة قصيرة، ثم قالت:
“اليوم… لن نكتفي بالحديث النظري. دعنا نغوص في تجربة اللغة نفسها.”
تساءل سالم في داخله: “كيف نرى الحياة في الكلمات؟ وكيف نصنع السياق الذي يمنحها روحًا؟ وهل يمكن أن يصبح الإنسان جزءًا من معنى الكلمة؟”
قالت ميّ بهدوء، كأنها تنقل حكمة ألف عام من تاريخ اللغة:
«سنبدأ بنص من الشعر الجاهلي، بيتٌ من امرئ القيس:
“قِفا نَبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزل…”»
وفي لحظة، شعر سالم أنّ اللغة ليست مجرد نص يُقرأ، بل تجربة يعيشها القلب، رحلة يتقاطع فيها الماضي بالحاضر، الصوت بالروح، حيث تتكشف الكلمات كأبواب سرية لفهم الذات والعالم معًا، تمامًا كما فعل العرب منذ الجاهلية، حين كانت الكلمة جسدًا للمعنى وروحًا للحياة.
لاحظت ميّ كيف أنّ الكلمات لا تحمل المعنى بمفردها، بل تتنفس ضمن سياقها، حيث يتداخل الحنين والألم والمكان والزمن في شبكة واحدة دقيقة:
“كلمة “نَبكِ” ليست مجرد فعل… بل هي جسر بين القلب والذاكرة، بين الماضي والحاضر.”
أومأ سالم برأسه، وتأمل، ثم تساءل بصوت داخلي كأنه يقرأ ما بين السطور:
“فإذا غيّرنا السياق… هل تتغير الكلمة؟”
ابتسمت ميّ، وأشارت إلى دفترها، كأنها تدعوه إلى رحلة استكشاف حية:
“بالضبط. جرّب أن تضع نفس الكلمة في نص حديث:
“نَبكِ على الضحكات التي غابت…”
هل تشعر بنفس الحنين؟ أم أنّ المشاعر مختلفة؟”
توقف سالم للحظة، همس ببطء، وكأن صوته يخرج من أعماق قلبه قبل فمه:
“الشعور يتغير… لكن جوهر الكلمة، أصلها، ما زال قائمًا.”
قالت ميّ، بصوت هادئ، يتداخل فيه الشرح بالنبرة التربوية، وكأنها تشرح درسًا لغويًا ووجدانيًا في الوقت نفسه:
“وهنا تكمن عظمة اللغة العربية… فهي لا تفقد روحها، لكنها تتلون بحسب السياق، بحسب المتلقي، بحسب قلب من ينطقها. وهكذا علّمتنا أن نفهم المعنى لا بمعزل عن الإنسان، ولا عن الزمان، ولا عن المكان.”
أخذت ميّ نصًا من العصر الحديث، قطعة نثرية لعلي الجارم، وقالت، بينما كانت عيناها تتأملان تفاعل سالم:
“انظر كيف أن النصوص الحديثة تستفيد من القواعد نفسها، لكن السياق يغيّر القوة المعنوية للكلمة… تمامًا كما فعل البلاغيون القدماء مع الوزن والقافية، والنحاة مع التركيب.”
أمسك سالم بالقلم، وبدأ يكتب محاولة تطبيقية، كأنه يحاول الإمساك بمعنى حيّ للكلمة:
“الكلمة هنا، في النص الحديث… ليست مجرد حروف، بل هي نبض، حياة، علاقة بالزمان، بالمكان، وبما في القلب.”
ابتسمت ميّ، وكأنها ترى أن الفكرة قد استقرت في ذهنه:
“هل ترى الآن؟ كل نص تجربة، وكل كلمة جسر. نحن لا نقرأ النص فحسب… نحن نعيشه، نصنعه، نضيف له من حضورنا، من فهمنا، من مشاعرنا.”
ظل الاثنان فترة طويلة، يقرآن ويكتبان، يناقشان، أحيانًا يسكتان، وأحيانًا يهمسان، وكأن كل نص عربي، من الجاهلية إلى العصر الحديث، أصبح تجربة حيّة لفهم اللغة في أعمق مستوياتها: السياق، القلب، الزمن، الإنسان… حيث تتحوّل كل كلمة إلى جسد حيّ يتنفس في داخل القارئ قبل أن يُنطق.
في كل مرة يخطّ سالم كلمة، شعر أن قلبه وصوته الداخلي أصبحا جزءً من اللغة نفسها، جزءً من سياق أعمق من القواعد والنحو والبلاغة، سياقٌ يتجاوز الكلمات إلى القلب والروح، حيث تصبح الكلمة جسدًا نابضًا، وروحًا تتنفس بين السطور، كما كتب القدماء العرب الذين لم يقتصر اهتمامهم على الشكل أو الوزن، بل على الحياة التي تمنحها الكلمة لمن يقرأها ويستشعرها.
ثم قالت ميّ، بنبرة خفيفة، وكأنها تضيف ختمًا على درس طويل، قبل أن ينهي الاثنان الجلسة:
“الآن تعرف أنّ الكلمة ليست مجرد أداة… إنها حياة، ونحن من نمنحها هذه الحياة. كل نص، كل جملة، كل كلمة… تجربة جديدة، رحلة تبدأ منذ النطق الأول، وتستمر في القلب، في الفهم، وفي النفس.”
ابتسم سالم لنفسه، وعرف أنّ رحلته مع الكلمات لم تبدأ بعد، وأنه في كل نص يكتبه، في كل سياق يكتشفه، يفتح نافذةً جديدة على قلبه، على فهمه، وعلى الحياة ذاتها.
صباح اليوم التالي لم يشبه أي صباح قبله. استيقظ سالم قبل طلوع الشمس، كأن شيئًا في داخله أيقظه من دون أن يلمسه. اغتسل على عجل، وارتدى قميصه ذاته، ورتّب كتبه بطريقته التي اعتادها. ثم وقف أمام المرآة الصغيرة في الغرفة، ينظر إلى وجهه بارتباك غريب:
“لماذا أشعر أنّ هذا اليوم… ليس عاديًا؟”
لم يجد جوابًا، لكنه خرج إلى الباحة الجامعية بخطواتٍ فيها شيء من العجلة، وشيء من الخوف الجميل الذي لا يعترف به.
كانت الساحة نصف فارغة، والهواء باردًا خفيفًا، يحمل في طياته رائحة دمشق في الصباح؛ مزيجًا من خبز دافئ، وضوء الشمس الأول، وصوت أبواب المحال وهي تُفتح.
اتجه سالم إلى المكتبة، كأن قدميه تعرفان الطريق وحدهما، وقفت أنفاسه عند المدخل، ينظر إلى الداخل، ليس باحثًا عن كتاب، ولا عن مكان هادئ…
كان يبحث عنها.
لمّا لم يجدها، جلس سالم على الطاولة التي اعتادا الجلوس عندها، فتح دفتراً أمامه، لكنه لم يخط شيئًا.
تساءل في داخله: “ماذا لو لم تأتِ اليوم؟ ماذا لو كان لقاء الأمس صدفة… ولن يتكرر؟”
أغلق الدفتر، وتنفّس بعمق، كأن الهواء نفسه يحاول تهدئة صخب الأسئلة داخله.
وفجأة… سمع صوتًا هادئًا خلفه:
“سالم… جئتَ باكرًا.”

التفت بسرعة، فوجد ميّ تقف عند طرف الطاولة، تحمل كتابًا بغطاءٍ أسود بسيط.
ارتجف شيء في داخله، ارتجاف القلب حين يلتقي المعنى قبل أن ينطق.
قال بصوتٍ خافت، كما لو كان يحاول التوسّط بين الحيرة والحقيقة:
“لم أستطع… أن أبقى في الغرفة.”
ضحكت بخفّة، ضحكةٌ تحمل طمأنينةً وحركةً في الصمت، كأنها تقول بلا كلمات: “هذا يحدث… عندما يكون للغة شيءٌ يريد أن يُقال.”
جلست أمامه، ووضعت كتابها على الطاولة، ثم قالت دون مقدمات:
“هل تحبّ أن نقرأ اليوم نصًّا مختلفًا؟”
هزّ سالم رأسه موافقًا، وكأن قلبه يقرأ السؤال قبل عقله.
فتحت ميّ الكتاب، وقرأت بصوت منخفض، كأنها تتلو سرًّا لا يريد أن يسمعه أحد سوى قلبيهما:
“الكلمةُ إذا خرجت من قلبٍ صادقٍ… وجدت طريقها إلى قلبٍ آخر، وإن لم يُقَلْ لها: ادخلي.”
توقّف صوتها، وانخفض رأس سالم قليلًا، كمن تلقّى شيئًا أكبر من قدرته على الفهم الفوري.
في داخله تساءل: “هل هذه الكلمة… مجرد كلمات؟ أم جسدٌ للروح، كما كتب القدماء العرب في البلاغة؟ كما أرادوا أن تكون الكلمة جسراً بين النفوس قبل أن تكون حروفًا على الورق؟”
سأل بصوت خافت، محاولة أن تخرج الأسئلة من داخله إلى العالم:
“مَن الكاتب؟”
قالت ميّ بصوتٍ شبه همس:
“شاعر قديم… ليس مشهورًا.
لكنّه يفهم القلب أكثر مما يفهم الناس.”
تمتم سالم بينه وبين نفسه، كأن الكلمة تُستدعى من أعماق روحه:
“الكلمة… تسافر إذن.”
ابتسمت ميّ، وعلّقت بنبرة تحمل شيئًا من حكمة التجربة:
“نعم. وليس كل من يسمعها… يلتقطها.”
ثم رفعت عينيها إليه مباشرة، وكأنها تحاول أن تفتح نافذة صغيرة بين روحيهما:
“لكنّ بعض الناس… تلامسهم الكلمات قبل أن يفهموها.”
ارتجف قلب سالم، شعور لا يعرفه إلا من اكتشف مرة أن الكلمة قد تصل إلى ما وراء العقل، إلى عمق الذات.
لم يكن يعرف إن كانت تقصد شيئًا محددًا، لكنه شعر بأنّ الهواء أصبح أثقل قليلًا، وكأن لحظة صغيرة على وشك أن تتشكّل، لحظة بين الوعي والحدس، بين الصمت والكلمة، بين القلب واللغة.
مرّ وقت طويل قبل أن يتحدث أحدهما ثانية.
كانت ميّ تقرأ، وسالم ينظر إلى صفحات الكتاب، لكن عقله كان يتوه بين خطوط الكلمات، يحاول أن يفهم سرّ هذا الشعور:
لماذا يبدو أنّها…
قريبة جدًا،
بعيدة جدًا،
واضحة،
ومتلبسة في الوقت نفسه؟
وفي منتصف هذا الصمت، انطلقت كلماتها فجأة، كأنها تخرج من صميم اللغة نفسها:
“سالم… هل تحبّ دمشق؟”
تجمّد، كمن أُخذ على حين غرة، وكأن السؤال يحمل معه كل المدينة بذكرياتها وأسرارها.
قال ببطء، وهو يحاول ترتيب كلماته، وفهم موقعه في هذه المدينة:
“لا أعرف بعد…
المدينة كبيرة… وأنا… ما زلتُ أحاول أن أفهم نفسي فيها.”
أغلقت ميّ الكتاب، وأسندت ذقنها إلى يدها، تنظر إليه بعينين تحملان فضولًا رقيقًا واهتمامًا صامتًا، كأنها تقول دون كلام:
“كل شخص يحتاج وقتًا ليقرأ ذاته في المدينة… تمامًا كما تحتاج الكلمات وقتًا لتجد قلبًا يتلقّاها.”
وفي داخله، تساءل سالم: “هل الكلمة قادرة على أن تُرشدنا، أم أنّ القلب وحده يعرف الطريق؟”
قالت ميّ، بنبرة هادئة، كأن كلماتها تُنسج من صمت المدينة نفسها:
“أحيانًا… المدينة لا تُفهم بالعقل يا سالم.
بل بقلبٍ يسمع أكثر مما يرى.”
تردد سالم قبل أن يجيب، صوته خافتًا، متردّدًا بين الفضول والخوف:
“وأنتِ؟ أتحبّينها؟”
أجابت، وعينها تلمع بظلّ حزن خفيف، لا يراه إلا من يُتقن الإصغاء:
“نعم…
لكنّها مدينة لا تعطي قلبها لأحد بسهولة.
يجب أن تقرأها… كما تقرأ قصيدة ليست لك.”
لم يفهم سالم تمامًا، لكن شعورًا داخليًا قال له إن حديثها ليس عن المدينة وحدها… بل عنها هي، عن روحها، عن طريقة وجودها في العالم.
عند الظهيرة، نهضت ميّ من مقعدها.
رتّبت كتبها بعناية، ثم قالت وهي تقف أمامه:
“سالم… هل تمشي معي قليلاً قبل المحاضرة؟”
شعر سالم وكأنّ الدنيا انفتحت فجأة أمامه.
“نعم… أكيد.”
خرجا من المكتبة، وسارا بمحاذاة الممر الطويل المؤدي إلى الساحة، حيث كانت الأشجار تلقي بظلالها الخفيفة على الأرض، والريح الباردة تمرّ بينهما دون أن تفرق بين خطواتهما.
قالت ميّ، بصوتٍ يكاد يكون همسًا مفعمًا بالفضول والاهتمام:
“هناك شيء فيك… يجعلني أريد أن أسمع كلماتك.”
توقف سالم. توقفت هي أيضًا.
تبادلا النظرات، نظرة تجاوزت الكتب والدروس والمفاهيم، دخلت في مكان آخر لا تُسمّيه اللغة، ولا يبلغه العقل وحده.
همس بصوتٍ متردّد، يختلط فيه الخوف بخفة الانفتاح:
“وأنا… لا أعرف لماذا أرتاح حين تتكلمين.”
وفي داخله تساءل: “هل الراحة هذه من الكلمات نفسها، أم من شيء أعمق… من صدى الروح حين تُسمع؟”
لم تبتسم.
لم تتفاجأ.
بل نظرت إليه بعمق، نظرة تشبه الاعتراف الهادئ بما لم يُقال بعد، وكأنها تقول بصمتها: “ها هو قلبك يقابل آخر… فلا تخف من أن يُفهم.”
ثم قالت بصوت خافت، خالٍ من التكلّف، لكنه محمّل بالمعنى:
“ربّما… هذا هو معنى أن تبدأ الصداقة الحقيقية.”
صمت سالم. وصمتت هي.
لكنّ صمتهما لم يكن فراغًا؛ بل كان صدىً داخليًا لكل الكلمات التي لم تُنطق، لكل نبضةٍ شعرت بها القلوب قبل أن تُكتب على الورق، لكل لحظة اكتشافٍ أن اللغة ليست حروفًا فقط، بل جسور بين النفوس.
وفي آخر النهار، عندما عاد سالم إلى المكتبة، فتح دفتره، وكتب كلماتٍ تشبه تنفس اليوم ذاته:
“اليوم…
شعرت بأنّ خطوة صغيرة
قد تفتح طريقًا واسعًا.
وبأنّ كلمة واحدة
قد لا تكون درسًا،
بل بداية قلبٍ يتعلّم كيف يرى.
سالم.”
أغلق الدفتر، وتركه على الطاولة… تمامًا فوق الموضع الذي وضعت فيه ميّ يدها قبل ساعات، وكأنّ أثرها لم يزل هناك، كظلٍ رقيقٍ يختزن حضوره بين الحروف والصفحات.
كان يوم السبت أكثر هدوءًا مما اعتاده سالم في الجامعة.
الممرات نصف فارغة، والمكتبة مفتوحة بلا الزحام المعتاد، والباحة تبدو وكأنها تأخذ نفسًا عميقًا بعد أسبوعٍ من الضوضاء، وكأنها تعرف أنّ بعض الصمت يحمل أكثر من الكلام.
وقف سالم عند ظلّ شجرة الكينا الكبيرة قرب المدرج، يتأمل الطلاب القلائل الذين يمرّون مسرعين نحو محاضرتهم أو يعودون إلى غرف السكن، وتأمل كيف أنّ الحركة العابرة تخفي قصصًا صغيرة، كما تخفي الكلمات المعنى عن من لا يلتفت.
في داخله تساءل: “هل يمكن لكلمةٍ واحدة، أو لحظة صامتة، أن تغيّر شيئًا في عالم بأكمله؟ أم أنّ المعنى الحقيقي يظلّ محبوسًا بين القلب والعين التي تعرف أن تنظر؟”
لم يكن ينتظر محاضرة.
كان ينتظر شيئًا آخر… أو شخصًا آخر.
حين لمح ميّ تخرج من باب المكتبة، شعر بأن الهواء تغيّر قليلاً، كأنّ كل نسمة حملت معها سؤالًا غير مرئي.
كانت تحمل كتبًا كثيرة بين يديها، كأنها خرجت لتوّها من معركةٍ مع الرفوف، أو كأنها تستعدّ لرحلة طويلة في القراءة، رحلة لا يعرف مداها سوى من يملك صبر الحروف.
سارت بخطوات ثابتة، وحسّ سالم أنّ عليه أن يقترب، خطوة خطوة، كما يقترب القارئ من معنىٍ يتكشف بين السطور.
اقترب… وكانت هي متجهة إلى الجهة التي يقف فيها، لكنّها لم تلتفت حتى صار على بعد خطوة منها.
رفعت رأسها فجأة، وتفاجأت بوجوده.
ضحكت بخفّة، ضحكة تبدو كهمسٍ بين كلماتٍ لا تُقرأ إلا بالعين والقلب معًا:
“سالم! لم أتوقع أن أراك اليوم.”
أجاب بخجل لطيف، كأن قلبه يتلعثم قبل لسانه:
“أنا… كنت في الخارج فقط.”
نظرت إلى الكتب التي يحملها، ثم ضحكت مجددًا، ضحكة فيها شيء من الدهشة والمرح:
“وهذه… أثقلتني. كنت أبحث عن مراجع للمشروع الجديد في مادة المكتبة.”
قال سالم سريعًا، قبل أن تفلت منه الكلمات ببطء:
“دعيني أحمل بعضها.”
ترددت لحظة، ثم مدّت إليه كتابين من أعلى المجموعة، كأنها تمنحه فرصة أن يكون جزءًا من رحلة لا تحتاج إلى جملة أو درس مكتوب:
“شكرًا… هما أثقل ما هنا.”
أخذ سالم الكتابين، وتقدّم معها في الطريق المؤدّي نحو الساحة.
كانت هذه المرة الأولى التي يسيران فيها جنبًا إلى جنب… بلا طاولة، بلا مكتبة، بلا سبب أكاديمي محدّد.
فقط… يمشيان، ومع كل خطوة، كان الصمت بينهما يحمل ثقل المعنى، كما تحمل اللغة صدى الروح حين تُنطق بلا كلمات.
بعد لحظة صمت، قالت ميّ، بصوت يختلط فيه الفضول بالصدق:
“أتعرف يا سالم… أنت هادئ بطريقة تجعل الآخرين يطمئنّون.”
توقف قلبه عند هذا الوصف، فهل الهدوء في الإنسان جسر أم مجرد حالة عابرة؟
نظر إليها، ولم يجد جوابًا جاهزًا… سوى شعورٍ بأن الطريق، مهما كان قصيرًا، قد بدأ للتوّ في الكشف عن أسرارٍ أكبر من أي كتاب.
توقّف للحظة عن المشي، ثم واصل السير، وهو يشعر بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيه، حرارة أشبه بما يتركه حضور من يفهمك بلا كلمات.
قال بصوتٍ خافت، كأنّه يتحدث إلى نفسه أولًا:
«ربّما لأنّي لا أعرف كيف أزعج أحدًا.»
ضحكت ميّ بخفّة، ضحكة فيها مزيج من الدهشة والصدق، ثم قالت:
«ليس هذا ما قصدت.
أظنّك من الأشخاص الذين يسمعون أكثر مما يتكلمون.
وهذا… نادر.»
تململ سالم قليلًا، مترددًا بين كلماتها وبين صمت قلبه، ولم يعرف كيف يردّ على كلام يحمل صدقًا أعمق مما اعتاد سماعه.
ثم سألها بحذر، كأنه يكتشفها من جديد:
«وأنتِ؟
أنتِ… تبدين قوية.»
هزّت رأسها مبتسمة، كأن ابتسامتها تحمل معنىً أكبر من ظاهرها:
«القوة شكلٌ من أشكال الخوف يا سالم…
الخوف من أن يظنّ الجميع أنّك أضعف مما أنتِ عليه.»
نظر إليها.
كانت هذه أوّل مرة يرى فيها ظلّ هشاشة يخفّ خلف صوتها الواثق، ظلّ يختزل الحذر والوعي معًا.
وصلا إلى الجهة المقابلة من الحديقة الصغيرة، جلسا على مقعد خشبي تحت ظل الشجرة، ووضع سالم الكتابين بينهما كجسرٍ يربط اللحظة بالقراءة والفكر.
قالت ميّ، ناظرةً إلى المساحة بينهما، وإلى الضوء المتساقط من بين أوراق الشجرة:
«هذا المكان… أحبه منذ السنة الأولى.
أشعر أنّه هادئ بما يكفي لأفهم نفسي.»
فكر سالم قليلًا، ثم أجاب بصوتٍ خافت، كأنه يُعيد اكتشاف ذاته:
«وأنا… لم أعرف بعد مكانًا يشبهني.»
نظرت إليه بعمق، وعيناها تحملان وعدًا غير معلن:
«ربّما… ستعرفه قريبًا.»
كانت أصوات المارة تتلاشى في الخلفية، كأن المدينة كلها تمنحهما مساحة خاصة، والضوء يتساقط فوق الطاولة الصغيرة والمسافة بينهما، بينما النسيم الخفيف يحمل رائحة الكتب من نافذة المكتبة، رائحة تذكارًا للماضي والحاضر معًا.
قالت ميّ فجأة، كأنها تطرح سؤالًا ليس له إجابة واحدة:
«هل لديك إخوة؟»
أجاب سالم، متذكّرًا صدى أيامه المبكرة:
«أخٌ أصغر… في المرحلة الإعدادية.»
تابعت، بنبرة هادئة، تمسح فضولها عبر الكلمات:
«وأبوك ما زال يدرّس؟»
«نعم.
وأمي أيضًا.»
ابتسمت ميّ، وارتسمت على وجهها صورة الدهشة الطفولية:
«جميل… بيت مليء بالطباشير.»
ضحك سالم بهدوء خافت، كأن الضحكة خرجت من عمق ذاكرةٍ بعيدة:
«نعم… وبيتٌ مليء بالصوت.
مدرسة صغيرة، بلا فصولٍ وبلا حصص.»
تأمّلت ميّ عبارته لحظة، ثم قالت وهي تبتسم ابتسامة تعرف طريقها إلى قلبه:
«ربما لهذا… تفهم الكلمات بطريقة مختلفة.»
توقّف سالم عند قولها، كأن الجملة نفسها تستدعي سؤالًا داخليًا:
هل للكلمات أبوابٌ لا تُفتح إلّا لمن نشأ بينها؟
ثم قال متردّدًا:
«وأنتِ؟
كيف هي حياتك مع والدين جامعيّين؟»
بدت على وجه ميّ علامات تفكير قصير، تفكير فيه صدى ماضٍ يزاحم الحاضر، وقالت بصوتٍ أقرب إلى الاعتراف:
«جميلة… لكنها صعبة أحيانًا.
يظنّ الناس أن الابنة التي تكبر بين الكتب… يجب أن تفهم كل شيء.
لكنّي… لا أفهم كل شيء يا سالم.»
سكتت لحظة، كأنها تختار كلماتها من رفّ داخلي مزدحم، ثم أضافت بصوت منخفض، يحمل أثر خجلٍ لا يُقال عادة:
«أحيانًا… أفهم أقل مما يتوقّعه الجميع.»
هنا، شعر سالم بانقباضةٍ خفيفة تعبر صدره.
أكان هذا اعترافًا أم استغاثة؟
كان يراها دائمًا ثابتة، متماسكة، تمشي بثقة من يعرف اتجاه الريح.
لكنّ كلماتها الآن فتحت نافذة لم يرها من قبل… نافذة تطلّ على هشاشتها الإنسانية، التي لا تظهر إلّا حين تأمن قرب الآخر.
قال برفقٍ يشبه لمسة يد لا تُرى:
«لا أحد يفهم كل شيء يا ميّ…
حتى الذين يقرأون كثيرًا.
القراءة تُعلّمنا، نعم، لكنها لا تعصمنا من الحيرة.
أحيانًا… نحتاج فقط لمن يسمعنا.»
رفعت رأسها نحوه.
كانت النظرة قصيرة، لكنها قالت فيه ما لم تقله الكلمات.
نظرة تُشبه سؤالًا بلا صياغة، وجوابًا بلا لغة، كأنّها تقول:
هل يمكن لأحدٍ أن يسمع حقًا ما لا نقوله؟
ساد بينهما صمت طويل، لكنّه لم يكن صمت الحرج أو التردّد، بل صمت يشبه المسافة التي تتهيأ لامتلاء جديد.
كان صمتًا يصنع شيئًا شفافًا بينهما… شيئًا ينمو ببطء، كبرعم صغير لا يحتاج إلى ضوءٍ كثير، بل إلى صدقٍ قليل.
شيءٌ، إن أراد أحدٌ تسميته، لربما قال إنّه “بداية معنى”.

وقفت ميّ ببطء، كأنها تُنهي فصلًا صامتًا لم يُكتب بعد، ثم مدّت يدها نحو الكتب المصفوفة إلى جانبه. أخذتها واحدةً تلو الأخرى، وقالت بصوتٍ يحمل من اللطف ما يشبه اللمسة:
«سالم… شكرًا لأنك بقيت.»
شعر سالم للحظة أن العبارة أوسع من معناها الظاهر.
فقال وهو يبحث عن صيغةٍ تُشبه شعوره:
«لم أبقَ… أنا كنت هنا.»
ابتسمت ميّ، ابتسامة فيها شيء من الإدراك العميق، ثم همست:
«إذًا… شكرًا لأنك كنت هنا.»
خطت خطوتين بعيدًا عنه.
خطوتان فقط، لكنهما كانتا كافيتين ليدرك سالم أن المسافة الجسدية ليست هي المسافة الحقيقية بين الأرواح.
ثم التفتت فجأة، وكأن سؤالًا ألحّ عليها قبل أن يغادر نهارها:
«أراك غدًا…
على نفس المقعد؟»
في تلك اللحظة، أحسّ سالم بأن قلبه نطق قبل لسانه، أو ربما سبقَه بخطوة واحدة، خطوة لا تُرى.
خرج صوته بلا تفكير، بلا ترتيب، بلا تردّد:
«نعم… على نفس المقعد.»
وغادرت ميّ بخطوات خفيفة، خطوات تشبه كتابةً سريعة على صفحة بيضاء…
وتركت خلفها ما يشبه أثر اليد على ورقة جديدة لم تُمسّ من قبل.
وفي الليل، حين عاد سالم إلى غرفته، جلس أمام دفتره كما يجلس طالب أمام نصٍّ يريد أن يفهم نفسه من خلاله.
فتح الصفحة، واستسلم لتلك الرغبة القديمة في أن تكون الكلمة مرآته، وكتب:
“هناك أشخاص
يدخلون إلى يومك
كما تدخل الجملة الصحيحة إلى نصٍّ مرتبك.
لا تغيّر المعنى فورًا…
لكنّك تعرف أنّ الصفحة
لم تعد كما كانت.”
سالم.
وحين وضع القلم فوق الدفتر، شعر—وللمرّة الأولى—
أن قلبه يمشي خطوة
تسبقها الكلمات،
وكأن اللغة نفسها قد قرّرت أن تلحق به بدل أن تقوده.
لم يذق سالم طعم النوم تلك الليلة.
لم يكن الأرق ثمرةَ ضجيجٍ في الممرّ، ولا خوفًا من امتحانٍ يقترب، بل كان صادرًا من جملة صغيرة علقت في أعماقه مثل وترٍ اهتزّ ولم يهدأ:
“أراك غدًا… على نفس المقعد؟”
تساءل وهو يقلب جسده على الفراش:
كيف لجملة واحدة أن تُربك يقينًا، وأن توقظ في القلب أسئلة لا تنام؟
ولِمَ بدت كلماتها كأنها من نوعٍ لا يقال عبثًا؟
أهي دعوة؟
أم بداية لشيءٍ لا يريد العقل أن يسميه قبل أن يتأكد؟
وفي صباح اليوم التالي، كأن الكلمات هي التي قادته، خرج سالم من الغرفة أبكر مما اعتاد.
لم يفكر كثيرًا… بل ترك قدميه تسبقانه، كأنهما تعرفان الطريق وتعرفان الغاية.
كان الهواء عليلًا، وندى الصباح ينثر لمعانه فوق العشب كحروفٍ لم تُقرأ بعد.
جلس على المقعد نفسه—ذلك المقعد الذي صار فجأة يحمل معنى—ووضع حقيبته إلى جانبه، يراقب الممرّات المؤدية إلى المكتبة.
دقيقة تمرّ…
ثم أخرى…
وفي داخله سؤال يهمس:
هل تأتي؟ وهل يأتي معها ذلك الشعور الذي لم يعرف اسمه بعد؟
ثم سمع وقع خطوات هادئة، خطوات يعرف إيقاعها قبل أن يرى صاحبتها.
رفع رأسه ببطء، لا خوفًا ولا تعجّلًا، بل كمن يريد أن يثبّت اللحظة قبل أن تتشكل.
كانت ميّ تتقدم من الجهة البعيدة، تحمل في يد كتابًا، وفي الأخرى دفترًا صغيرًا، كأنها خرجت من نصّ مكتوب بعناية، أو كأن المشهد ينتظر حضورها ليكتمل.
لم تكن تمشي بسرعة، لكنها كانت تمشي بثقة، بخطوات ترى المكان قبل أن تصل إليه، وتعرف المقعد كما يعرفه قلبٌ ينتظر.
وحين اقتربت، قالت بصوت يحمل بقايا دفء الصباح، وصدى الندى على الأوراق:
“صباح الخير يا سالم.”
ابتسم، ابتسامة خرجت من عمقٍ لم ينتبه لوجوده من قبل، وقال:
“صباح النور.”
وفي داخله سؤال آخر يتردّد:
هل يبدأ اليوم كما بدأت الجملة… أم تبدأ الجملة يومًا جديدًا؟
جلست ميّ إلى جانبه، لا كما اعتادت سابقًا؛ لم تضع الكتب بينهما كحاجزٍ مؤدّب، بل وضعتها إلى جانبها، تاركةً المساحة الفاصلة فارغة، كأنّها تقول شيئًا لا يحتاج إلى لغة منطوقة.
كانت الحديقة هادئة، تكاد تخلو من العابرين، والريح تحرّك أوراق الشجرة فوقهما بنعومةٍ تُشبه عزفًا خفيفًا لا مصدر له إلا الطبيعة حين تصغي إلى نفسها.
فتحت ميّ دفترها، غير أنّ يدها بقيت ساكنة، لا تكتب حرفًا.
كانت تحدّق في الصفحة البيضاء، كأنها صفحةٌ من داخلها لا على الورق، صفحة تنتظر كلمة لم تُكتشف بعد.
لاحظ سالم شرودها، فسأل بلطفٍ يلمّح ولا يقتحم:
“تفكّرين؟”
أجابته دون أن ترفع رأسها، بصوت يحمل أثرًا خفيفًا من البعد:
“نعم… كثيرًا.”
فسأل:
“بماذا؟”
رفعت عينيها نحوه، وفي نظرتها شيء من التردّد، كأنّ السؤال الذي تخفيه أكبر من أن يقال بسهولة.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت منخفض، صوتٍ يشبه اعترافًا يتسلّل قبل أن تتراجع عنه النفس:
“سؤال… لا أجد له إجابة.”
لم يقل سالم شيئًا.
تعلّم من اللغة أن الصمت قد يكون حاشيةً على نصٍّ لم يُكتب بعد، وأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى ردٍّ سريع، بل تحتاج إلى قلبٍ ينتظر.
تنفّست ميّ بعمق، ثم تابعت:
“لماذا… يرتاح الإنسان لوجود بعض الأشخاص—دون سببٍ واضح؟
قبل أن يعرفهم جيدًا…
قبل أن يتبادل معهم أسرارًا…
أو حتى كلمات كثيرة؟”
في تلك اللحظة، سمع سالم صدى السؤال داخله يتردّد كما لو أنه سؤال موجّه إليه أيضًا.
وتساءل في سره:
هل يكون الارتياح لغة أعمق من الكلمات؟
لغة لا تُدرَّس في كتب النحو، بل تُفهم بقلبٍ يتلقّى قبل أن يفسّر؟
وأحسّ أن سؤالها لا يتعلّق “بالناس” عمومًا… بل بشخص واحد.
هو.
شعر سالم بأن قلبه يهتزّ “اهتزاز الورقة على غصنٍ يهمس للرياح”؛ ذلك الارتجاف الخفيف الذي يسبقُ انكشافَ شيءٍ عميق. لم يكن متيقّنًا إن كانت كلمات ميّ تحمل مقصدًا خفيًا، لكنه قال بصوتٍ خرج منه كما يخرج الاعتراف لأول مرة:
“ربّما… لأن في داخلنا شيئًا يتعرّف على شيءٍ فيهم… قبل أن ندرك كيف.”
وسكتت ميّ.
لم تُبدِ تعليقًا، ولكنّ صمتها بدا كجملةٍ نطقت بها دون حروف.
وفي عينيها استقرارٌ طويل، ثابت، كأنّها تستنطق حديثه أو تحفظه في مكانٍ خاص.
وفي داخل سالم ارتفع سؤالٌ آخر:
“هل تفهم ما قلته كما أردته؟ أم كما شعرتُ به فقط؟”
ذلك النوع من الأسئلة الذي تحدّث عنه علماء البيان حين قالوا إن “الإيحاء قد يكون أبلغ من العبارة”، وإن “الصمت في بعض المواطن أفصح من النطق”.
تنهدت ميّ، ثم أغلقت دفترها كما تُغلق بابًا على فكرةٍ اكتملت.
وقالت بنبرةٍ خافتة، تحمل في عمقها ما يشبه النجوى:
“سالم… هل سبق أن شعرتَ بأنّ أحدًا يقرؤك دون أن تتكلم؟”
توقّف الزمن داخله لحظة؛
وشعر بأن الكلمات تهرب منه كلما حاول الإمساك بها.
في داخله ارتفعت همسةٌ خجولة:
“كيف أقول ما لا أعرف صياغته؟ وكيف أنطق بما لم أكن أنوي الاعتراف به الآن؟”
ابتلع ريقه، ثم خرج صوته ببطء:
“ربّما…
اليوم فقط.”
لم تبتسم ميّ، ولم تتحرك،
لكنّ عينيها ارتختا قليلًا، كأن جدارًا داخليًا قد انفتح،
وكأن الجملة التي نطق بها كانت المفتاح الذي انتظرته.
قالت بهدوء يميل إلى الامتنان:
“شكرًا… لأنك قلتها.”
وسالم، على الرغم من أنه لم يفهم تمامًا لِمَ تشكره، شعر بدفءٍ يسري في صدره، كما لو أنّ اعترافًا وُلِد للتوّ بينهما؛ اعتراف صغير، لكنه قادر على تغيير مسار الأشياء.
ثم سألت بصوتٍ يستكشف ما بعد لحظة الصدق:
“سالم… هل تحبّ أن نذهب إلى المكتبة؟”
قال فورًا، خوفًا من أن يجرح اللحظة:
“إن رغبتِ.”
لكنها أجابت بنبرةٍ تحتضن المسافة بينهما:
“بل… إن رغبتَ أنت.”
في داخله ارتبك سؤال:
“هل تريد أن تسمع الحقيقة… أم تريد أن أقدّمها مغلّفة بالحذر؟”
ثم حسم الأمر، وقال بصراحة نادرة، صراحةٍ تشبه ما يصفه القدماء بـ”انكشاف القلب”:
“أنا… أرتاح حين تكونين قريبة.
أينما كان المكان.”
ولم يكن يعرف من أين جاءت الجملة،
ولا من أي زاوية في روحه خرجت،
لكنها خرجت كما تخرج الحقيقة حين تتجاوز الخوف.
نظرت إليه ميّ نظرة جديدة—
نظرة تجمع دهشةً صغيرة، وطمأنينةً حانية، وإشراقًا لا يحتاج إلى لغته.
ثم قالت بصوتٍ يشبه أول ابتسامة:
“وأنا أيضًا يا سالم.”
وهكذا…
بدا كأن شيئًا في اللغة قد اكتمل،
وكأنّ “الخفاء” صار مرئيًا،
وكأن سؤالها الأول: “لماذا نرتاح لبعض الأشخاص؟”
قد وجد جوابه دون أن يُكتب في أي دفتر.
دخلا المكتبة معًا.
وللمرة الأولى…
لم يكونا طالبين يبحثان عن شرحِ كلمة، أو استدراك معنى،
بل كانا “قلبين يتدرّبان على رؤية بعضهما البعض”،
كأن اللغة — بما هي علمٌ وأصوات وحروف — قد تراجعت خطوة إلى الوراء،
لتفسح المجال لشيء آخر،
أعمق، وألطف، وأشدّ خفاء.
جلسا إلى الطاولة المعتادة.
فتحت ميّ كتابًا،
لكن سالم أدرك فورًا أنّ الصفحات ليست إلا غطاءً رقيقًا لشرودٍ دافئ يمرّ في عينيها.
كان يشعر أنّ قلبه يشبه قلبها في تلك اللحظة:
“العين على الكلمات…
لكن الروح تقرأ سطرًا آخر لا يُكتب.”
وفي علم البلاغة، يسمّون هذا المعنى “المسكوت عنه”،
ذلك الذي لا تنطق به الألسنة،
ولكنه يملأ المكان كما يملأ العطر هواء الغرفة دون أن يُرى.
في المساء، كتب سالم في دفتره:
“اليوم…
لم تكن اللغة درسًا،
ولا كانت الكتب مقعدًا للعلم فقط.
اليوم…
شعرتُ أنّ بيني وبين ميّ
شيئًا يشبه بداية القصيدة:
لا أعرف نهايتها…
لكنّي أعرف أنها بدأت.
سالم.”
وحين أنهى الكلمات،
أغلق الدفتر ببطء،
ووضع كفَّه فوق الصفحة،
كأنه يخشى أن تتسلّل الجملة الأخيرة وتهرب منه،
أو أن تُعاد صياغتها إذا لم يحمها بيده.
كان يدرك أن بعض المشاعر تُمسك باليد قبل أن تُكتب بالقلم.
كان يوم الأحد طويلًا على غير عادته.
جلس سالم في قاعة المحاضرة الأخيرة،
يحدّق في السبورة البيضاء التي لم ير منها شيئًا تقريبًا.
لم يكن السبب مللًا،
ولا صعوبةً في الموضوع…
بل لأن المقعد الثالث قرب النافذة —
المقعد الذي اعتادت ميّ أن تجلس عليه —
كان فارغًا.
ومنذ نصف ساعة وهو يحدّق في ذلك الفراغ،
يسأل نفسه:
“هل يخلق الغياب معنى جديدًا؟”
“هل للفراغ لغة أيضًا؟”
فالعرب قالت قديمًا:
“ما لم يُقَل… قد يكون أبلغ ممّا قيل.”
وكان يشعر أن المقعد الفارغ يواسيه أو يعاتبه،
لا يدري.
الفصل الرابع:
بعد انتهاء الدرس، خرج بسرعة…
كما لو أنّ الإجابة تنتظره في الهواء الطلق.
تجوّل في الباحة، التفت يمينًا ويسارًا،
مرّ قرب المكتبة،
ثم الحديقة الصغيرة،
والمقعد الذي يجمعهما كل صباح…
لكنّ الأشياء كلّها كانت ساكنة.
والأمكنة، على كثرتها، كانت تخلو من أثرها.
وسأل نفسه أخيرًا بصوت داخلي خافت:
“هل الغياب امتحانٌ لما نهمل فهمه في لحظة الحضور؟”
“أم أنّ القلب، حين يبدأ قصيدته الأولى، يصبح أكثر حساسية لصمت الآخرين؟”
ولم يجد جوابًا…
لكنّ القلق الذي تسلّل إلى صدره أثبت له شيئًا واحدًا:
إن حضور ميّ لم يعد مجرد عادة.
لقد أصبح…
“علامةً من علامات يومه.”
لم يجدها.
وأدرك، للمرّة الأولى، أنّ غيابًا صغيرًا يمكن أن يمدّ في يومه ظلًّا يفوق كل ما يعرفه من مساحات الصمت.
جلس عند الشجرة ذاتها، تلك التي شهدت أولى خُطاهما نحو معنى لم يكن قد اكتمل بعد.
فتح دفتره، غير أنّ الصفحات بدت كأنها تنأى عنه؛ فلا الكلمة تسعفه، ولا الجملة تأتيه مطواعة كما اعتاد. كان يسأل نفسه هامسًا:
“أيمكن للزمن أن يتغيّر كله لمجرّد غياب؟
أكانت الكتابة بالأمس أقرب لأنفاسي، أم أنّ قلبي اليوم يرفض أن يبوح؟”
تداخلت الأصوات في داخله، كأن اللغة ذاتها — تلك التي تعلّم أوزانها وجذورها — صارت تتردّد في صدره بحثًا عن صيغة جديدة، عن “فعل” يفسّر هذا التقلّب، أو “اسم” يعبّر عن فراغه المفاجئ، أو “حرف” يصل ما انقطع بين يومٍ وآخر. وهنا أخذ يسائل نفسه:
“هل تخونني لغتي… أم أنني أنا الذي يخونه اليقين؟”
وفجأة انشقّ الصمت على صوت خافت:
“سالم…؟”
استدار بسرعة، كأنه استجاب لنداء داخلي قبل النداء الخارجي.
كانت نورا، زميلة ميّ في “مادة اللغات الشرقية”، قادمة نحوه بخطوات تجمع بين القلق والتردّد.
اقتربت وقالت:
“أبحث عنك منذ قليل… هل رأيت ميّ اليوم؟”
هزّ رأسه، وهو يشعر أن سؤالها يحرّك في صدره ما حاول أن يخفيه منذ الصباح:
“لا… لم تأتِ للمحاضرة.”
تنفست نورا بعمق، ثم قالت:
“هي مريضة منذ الليل… أظن أنها أصيبت بالحمّى. وقالت لي صباحًا إنها لن تستطيع الحضور.”
توقّف قلبه لحظة، كأن الكلمة “حمّى” وحدها أصبحت جملة كاملة، بل نصًا يتفرّع في داخله، تتصارع فيه الأسئلة:
“أهي بخير؟
أيمكن لغياب بسيط أن يخفي خلفه وجعًا أكبر؟
ولِمَ أشعر بهذا القلق… أهو خوف عليها، أم خوف من أن أفقد شيئًا لم أسمّه بعد؟”
قال محاولًا ضبط صوته، كمن يخشى أن تنكشف نبرة الخوف فيه:
“هل… تحتاج شيئًا؟”
ابتسمت نورا ابتسامة خفيفة، ثم قالت:
“لا أدري. لكنها وحدها في السكن… وقد لا تكون بخير.”
وهنا، انفتح داخله حوار لم يسمعه أحد سواه:
“أأمضي إليها؟
أأستطيع أن أطرق بابها بحجّة الاطمئنان؟
أم أن القلوب — مثل قواعد اللغة — لا تُكسر إلا إذا جهل المرء مواضع الحركات؟
وهل قلبي الآن في موضع ضمّ… أم كسر… أم سكون؟”
كانت الأسئلة تتدفق في ذهنه كما تتدفق المعاني في درس نحوٍ يفتح أبواب التأويل.
وللمرة الأولى، أدرك أن اللغة — مهما غنى تاريخها، وتعددت مدارسها، وتشكّلت عبر القرون — لا تكفي لتفسير هذا القلق المفاجئ…
وأن ما يشعر به ليس “خبرًا” يكمّل “مبتدأ”، بل هو جملة طويلة، تتقدّم فيها المشاعر على كل قواعد الصياغة.
ثم قالت قبل أن تغادر، وكأنها تضع في كلامها وصيّة صغيرة:
“إن استطعت أن تطمئن عليها… سيكون ذلك جيدًا.”
لم يحتج سالم إلى كثير تفكير؛ فالفكرة لم تتكوّن عنده على شكل قرار، بل جاءت كأنها انبثقت من منطقة عميقة داخله، من تلك المساحة التي لا تُسعفها القواعد ولا يشرحها النحو.
وتساءل في نفسه وهو يتجه نحو البناء الرابع:
“ما هذا الدافع الخفي؟
أهو خوف أم حاجة؟
أم أن القلب، مثل اللغة، يسبق العقل أحيانًا؟”
توقف عند المدخل، وكأن العتبة نفسها تختبر صدقه. شعر بخفقان غريب، نبض لا يشبه ما اعتاده في مواقف الامتحانات أو القلق العابر. كان صوت قلبه يسأله:
“أأدخل…؟
أأقدر على مواجهة ما سيقوله حضورها؟
أم أن الخطوة نحو الباب هي أول اعتراف لا يقال؟”
سمح له الحارس بالدخول، فوجد نفسه أمام الباب رقم (12)، الباب الذي تعرفه طالبات القسم بوصفه “غرفة ميّ”. ومع ذلك، كان في داخله باب آخر لا يُرى، بابٌ يسأل عن مشاعره هو، لا عن غرفتها.
رفع يده…
تردّد لحظة قصيرة، كأن داخله يراجع “علامات الوقف” في كتابة الموقف:
“أهي فاصلة؟
أم نقطة؟
أم بداية سطر جديد؟”
ثم طرق طرقًا خفيفًا.
ومن الداخل جاء صوتٌ ضعيف، متعب، لكنه واضح:
“لحظة…”
انفتح الباب قليلًا، وظهرت ميّ، شاحبة الوجه، شعرها مرفوع بعجلة، وعيناها تحملان أثر السهر والحمّى.
تفاجأت لرؤيته، ولكن ابتسامة صغيرة — تلك التي تُشبه “تنكيرًا” لطيفًا في نحو المشاعر — ظهرت رغم تعبها.
قالت بصوت مبحوح:
“سالم…؟
لم أتوقع… أن تأتي.”
شعر أن الكلمات أضيق من حقيقة حضوره، لكنه قال بخجل:
“سمعت أنك مريضة…
فقط أردت الاطمئنان.”
فتحت الباب أكثر وأشارت له بالدخول إلى الصالة المشتركة الصغيرة. كان المكان خاليًا، والهواء يحمل شيئًا من سكون المرض ودفء الوجود الإنساني.
جلست على المقعد القريب، وضعت يدها على جبينها، وقالت:
“الحمّى منذ البارحة… لم أستطع حتى فتح الكتب.”
اقترب خطوة، لكنه ظل واقفًا، كأنه يقيس المسافة بين الواجب والرغبة.
قال بصوت حذر:
“هل… تأكلين شيئًا؟”
أجابت وهي تهز رأسها:
“لا… ليست لدي شهية.”
تردّد قليلاً، ثم قال بصوت خافت:
“هل تحتاجين دواء؟
أو ماء؟
أو… أي شيء؟”
كان داخله يهمس:
“كيف تُصاغ العناية؟
هل تكفي كلمة؟
أم أنّ القرب نفسه هو الفعل الحقيقي؟”
ضحكت رغم تعبها وقالت:
“سالم… أنت تقلق بسرعة.”
أحس بالخجل، لكنه قال بصدقٍ خرج منه بلا ترتيب:
“لأنّي… لا أحبّ أن تكوني متعبة.”
توقّفت عن الضحك.
هنا تغيّر شيء ما في نظرتها؛ صار أعمق، أصلب، أكثر صدقًا من الكلمات.
قالت بهدوء:
“شكرًا…
كلماتك…
أفضل من الدواء.”
جلس على طرف المقعد الآخر، وما بينهما مسافة قصيرة، لكنها بدت له أوسع من سؤالٍ في دروس البلاغة:
“أهي مسافة الاحتراز… أم مسافة الاقتراب الذي لا يُعلن؟”
كانت الصالة ساكنة، والضوء خافتًا، وصوت تنفسها يتقطّع من أثر المرض.
قالت بعد لحظة:
“هل تخاف… حين يغيب أحد؟”
هز رأسه ببطء، وقال:
“أحيانًا…
لكنّ غيابك اليوم… كان مختلفًا.”
لم ترفع رأسها. اكتفت بملامسة أطراف الغطاء فوق كتفيها، كمن يحاول أن يضم شيئًا لا يُرى.
قالت بصوت منخفض:
“لم أتوقع… أن تشعر بهذا القدر.”
أجاب بهدوء صادق:
“ولا أنا.”
مرّت دقائق طويلة في صمت، لكنه لم يكن صمت مرض… ولا صمت خجل؛ كان صمتًا يسأل عن معنى جديد يتشكل، ويخشى صاحبه أن يسمّيه.
وقبل أن يرحل، ناولها زجاجة ماء كانت على الطاولة، وقال:
“اشربي… وستتحسنين غدًا.”
أخذتها منه ببطء، ولمست أصابعها أصابعه.
لم يكن اللمس طويلًا، ولم يكن مقصودًا، لكنه كان كافيًا ليوقظ في داخله سؤالًا حارقًا:
“هل تبدأ القصة أحيانًا من لمسة؟
أمن مدى قصير يتولد معنى طويل؟”
رفعت رأسها إليه وقالت بصوت يكاد لا يعلو:
“سالم…
شكرًا لأنك أتيت.
أنت…
لم تتركني وحدي.”
ابتسم بخجلٍ شفيف، كأن ابتسامته اعتراف مكتوب بخط صغير، وقال:
“لن أترك.”
خرج سالم من البناء، كأنّ الدنيا اتّسعت فجأة تحت قدميه، أو كأنّه هو الذي اتّسع من الداخل.
راح يتساءل في نفسه:
“أتراه قلقًا يلبس ثوب الرجاء؟ أم أنّه فجرُ بدايةٍ جديدة تُطلّ ولا تسمّي نفسها؟”
لم يكن يملك جوابًا قاطعًا، غير أنّه أدرك حقيقة واحدة تتردّد في صدره كالنَفَس:
“بينه وبين ميّ الآن… لغة أخرى بدأت تُولَد.”
لغةٌ لا تُشبه “الدلالة” في علمها،
ولا “البلاغة” في بيانها،
ولا “النحو” في أحكامه وضوابطه.
إنّها لغة القلب حين يجرؤ لأول مرة أن يكتب خارج دفاتر القواعد،
ويقول ما يريد دون أن يخشى لحنًا أو كسرةً في موضع رفع.
وفي ذلك المساء، جلس إلى مكتبه، وأمسك قلمه كأنه يمسك نبضه، وكتب:
“اليوم…
عرفتُ أنّ الغياب امتحان،
وأنّ الحضور… قد يكون أعمق من الكلمات.
سالم.”
استيقظ في صباح اليوم التالي مبكرًا، على الرغم من أنّ النوم لم يعرف قلبه إلا على أطراف القلق.
ظلّ طوال الليل يقلّب هاتفه، يسأل نفسه:
“هل كتبت؟ هل ترددت؟ هل نامت حزينة؟ أم أنّ الأمر أهون مما أظن؟”
لكن الشاشة ظلّت صامتة،
والرسالة التي ينتظرها لم تأتِ.
خرج من غرفته بلا إفطار، وكأنّ الجوع كله انتقل من معدته إلى قلبه.
مضى نحو الساحة، ثم إلى الحديقة الصغيرة… المقعد الذي صار بينه وبينها بمثابة “علامةٍ نحوية” تفصل بين زمنٍ وزمن؛
بين نصٍّ انتهى، وآخر يتهيأ للكتابة.
وكان المقعد فارغًا.
سأل نفسه متوترًا:
“أهي بخير؟ أم أنّ الغياب يعود مرّة أخرى ليُذكرني بامتحانه؟”
انتظر خمس دقائق… ثم عشرًا.
وحين همّ أن يتجه نحو القاعة ليسأل إحدى زميلاتها عنها، لمح ظلًا يتقدّم ببطء من الممرّ البعيد.
رفعت ميّ يدها بخفّة، إشارةً قصيرة لكنها مكتملة المعنى.
كانت ما تزال تحمل شيئًا من الشحوب، إلا أنّ ابتسامتها كانت تامة،
ابتسامةٌ توحي بأن الليل كان طويلًا… لكنه لم يكسِرها.
وقفت أمامه وقالت بصوتٍ رقيق:
“صباح الخير يا سالم.”
شعر بشيء يندفع في صدره، كأنّ الارتياح نفسه صار أثقل من أن يُحتمل.
قال مترددًا:
“كيف… أصبحتِ؟”
ضحكت بخفّة خجولة، وقالت:
“أفضل… بفضلك.”
ارتبك، كأنه يخشى أن يُنسب إليه جميل لم يصنعه، فقال:
“أنا لم أفعل شيئًا.”
هزّت رأسها بنعومة:
“بل فعلت.
فالذين يحضرون حين نحتاجهم… يفعلون الكثير،
حتى لو ظنّوا أنهم صامتون.”
جلسا على المقعد، لكن هذه المرّة لم تُخرج كتبًا،
ولا وضعت دفاتر،
ولا تركت بينهما تلك المسافة الصغيرة التي كانت تذكّرهما بأنّ “الحدود” جزء من قواعد التعامل.
جلست أقرب قليلًا… قربًا خفيفًا، لكنه محسوس،
قربًا يجعل سؤالًا يمرّ في ذهنه دون أن ينطق به:
“أهذا اقترابٌ لغويّ… أم اقترابٌ وجدانيّ؟”
وفي داخلها هي الأخرى، كان صوتٌ آخر يقول بصمتها:
“أتراني أقترب… أم أنني أخشى أن أقترب أكثر؟”
وبينهما، كانت اللغة الجديدة تكتمل شيئًا فشيئًا،
لغة لا تُدرَّس في كتاب،
ولا تُشرح في درس،
لكنّها – مثل كل لغات الحب عبر التاريخ –
تبدأ دائمًا بسؤال…
وتنتهي بإجابةٍ لا تُقال.
قالت ميّ وهي تحدّق في الفراغ أمامها، كأنها تحاول أن تلتقط فكرة هاربة من ليلٍ لم يهدأ بعد:
“تعرف… لقد فكّرت كثيرًا أمس.
لم أكن أتوقع أن يزورني أحد وأنا مريضة،
ولا أن يُتعب نفسه فقط… ليطمئن عليّ.”
وفي داخله، كان سالم يتساءل:
“أتراني فعلت الكثير؟ أم أنّ ما يبدو بسيطًا في الظاهر قد يأخذ شكلاً آخر في قلب من يتلقّاه؟
وهل يُعقل أن يكون حضورٌ صغيرٌ كهذا قادرًا على تغيير وزن اللحظة؟”
قال بصوته المنخفض، وكأنّه يخرج من منطقة أعمق في صدره مما اعتاد:
“أنتِ… لستِ “أحدًا”.”
التفتت إليه ببطءٍ يستحق التأمل؛
كأنّ الكلمة التي قالها خرجت من مستوى لغويٍ آخر،
من تلك المناطق التي لا تفسّرها قواعد النحو،
بل تُفسّرها “السياقات” التي تحدث عنها علماء العربية حين قالوا إن المعنى لا يَكمُل إلا بما يحيط به.
كانت جملته صريحة على نحوٍ غير معهود منه،
لكنّها لم تُظهر انزعاجًا،
بل بدا على وجهها أثر دهشةٍ لطيفة،
دهشةٌ تسأل دون أن تتلفّظ:
“ألهذه الدرجة أصبحتُ مختلفةً في نظره؟
أم أنّه هو ذاته بدأ يرى نفسه بطريقة أخرى؟”
قالت بهدوءٍ تعمّده قلبها قبل لسانها:
“وما الذي أكونه إذن؟”
تردّد سالم.
وفي تردّده حوار داخلي كامل:
“أأقول ما أشعر به حقًا؟
أم أبحث عن كلمةٍ محايدة لا تجرّنا إلى حيث لسنا مستعدَّين بعد؟
وهل الكلمات في لحظات كهذه تُضبط كما تُضبط أبواب الإعراب؟
أم أنّها تنطلق كما تشاء، بلا رفعٍ ولا نصبٍ… بل بصدقٍ فقط؟”
ثم قال الحقيقة كما هي، دون تزيين:
“شخص…
أهتمّ لأمره.”
نزلت عينا ميّ إلى الأرض، حركة خفيفة ولكنها ممتلئة بكل ما عجز الكلام عن حمله.
وكأنها تحاول أن تُخفي وجهها عن معنىٍ مزدحم،
معنى ثقيل وجميل في آن واحد،
كالمفردات التي يصفها أهل البلاغة بأنّها “تضيق عن المعنى” لكثرة ما يريد المرء أن يقول.
ثم همست، بصوت يكاد لا يُسمَع، ولكنه يدخل القلب كأنّه سمعٌ خالص:
“وأنا أيضًا… يا سالم.”
وفُتح بينهما صمتٌ غير مُرتبك،
صمتٌ يشبه ما يسمّيه البلاغيون “مقام الدلالة الصامتة”،
حيث لا حاجة لكلمة واحدة كي يكتمل المعنى،
وحيث تُصبح الأسئلة في النفس أوضح من الإجابات التي تُنطق.
كان صمتًا واضحًا،
صمتًا مليئًا بالكلمات التي تعرف طريقها دون أن تُقال.
وفجأة، قالت ميّ وهي تقلّب الدفتر بين أصابعها كأنها تفتّش بين صفحاته عن أثرٍ لم يُكتب:
“هل تعلم… ما الذي فكّرتُ به أمس؟
بين الحرارة والتعب… كانت هناك فكرة واحدة لا تغادر رأسي.”
سألها سالم بنبرة حاول أن يجعلها هادئة، فيما كان داخله يضطرب:
“ما هي؟”
قالت بنبرةٍ خافتة تحمل صدقًا لا يتلعثم:
“أنّه لو كان هناك شخص واحدٌ سيحزن بسبب غيابي… فهو أنت.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، محرجة قليلًا، كأنّها تخشى أن تُرى:
“أنا… كنت قلقًا فقط.”
لكنّها هزّت رأسها كمن يعرف معنى الكلمة أكثر منه:
“القلق… ليس كلمة صغيرة يا سالم.
أحيانًا يكون أجمل من “الحب” نفسه.”
وفي داخله ارتجّ شيءٌ عميق، شيء لا يجد له اسمًا بين مفردات اللغة،
كأنّه معنى لم تُصغ له العربية بعد،
أو كأنّه من تلك المعاني التي قال عنها القدماء:
“يدلّ عليها السياق، لا اللفظ.”
أخرجت من حقيبتها كتابًا صغيرًا، وبدت حركتها أقرب إلى من يريد أن يمنح لحظةً ما معنى أوسع.
قالت:
“أريد أن نقرأ شيئًا معًا… لكن ليس مثل الدروس.”
فتحَت الكتاب على صفحة محددة، ربما قرأتها في الليل ذاته، ثم قرأت بصوتها الهادئ، صوتٍ يُشبه ما يسمّيه النحاة “علامة الوقف التي تحمل المعنى أكثر مما تحمله الجملة”:
“إنّ الأشخاص الذين يأتون في لحظات الضعف،
ولا يسألون لماذا ضعفنا،
بل يجلسون قرب القلب بصمت…
هؤلاء لا نحبّهم.
نحن… نطمئنّ إليهم.”
أغلقت الكتاب ببطء، وبدا كأنها تغلق معه بابًا على خوفٍ قديم.
ثم رفعت عينيها إليه وقالت:
“سالم…
أنت أمس… جعلتني أطمئن.”
كان يمكنه أن يقول الكثير،
لكن الكلمات بدت فجأة أكبر من فمه،
وأصغر من شعوره في آنٍ واحد.
لم يعرف كيف تجتمع السعة والضيق في اللحظة نفسها،
ولا كيف يصبح الصمت أبلغ من أي استعارة.
قال أخيرًا، كمن يعترف لذاته قبل أن يعترف لها:
“وأنا…
أرتاح حين أراكِ بخير.”
مدّت يدها لتعيد الكتاب إلى حقيبتها،
لكن القلم انزلق من بين أصابعها وسقط.
انحنى سالم لالتقاطه بسرعة،
وفعلت هي الشيء نفسه،
فاصطدمت أصابعهما مرة ثانية…
غير أنّ هذه المرّة كانت مختلفة.
اللمسة أطول بقليل،
أدفأ بقليل،
وأصدق بكثير.
وكان في ذهن كلٍّ منهما سؤالٌ صامت:
“هل يجوز أن تعبّر اللمسات عمّا تعجز عنه الألفاظ؟
وهل ما بيننا الآن شعور… أم بداية نحو معنى أكبر؟”
رفعت ميّ رأسها نحوه،
وفي عينيها سؤال لا يُقال،
سؤالٌ لا يجيب عنه النحو،
ولا البلاغة،
بل يجيب عنه القلب وحده حين يصدق.
سحبت يدها ببطء، كأنها تخشى أن تجرح اللحظة لو كانت أسرع،
وقالت بصوتٍ خافت، فيه دهشة عذبة:
“سالم…
لا أعرف ما الذي يجري…
لكنّه… جميل.”
لم يقل سالم شيئًا.
كان يدرك أنّ صوته، لو تجرّأ وخرج، سيفضح ما يحاول أن يخفيه خلف اتّزانه الظاهر.
فهناك لحظات—كما يقول أهل البيان—”يخون فيها اللفظُ المعنى”،
وتصير الصمتُ أصدق وأدقّ من أي تركيبٍ لغوي.
نهضا معًا بعد قليل ليتوجّها إلى محاضرتهما.
وقف سالم أمام المقعد،
كأنه يقرأ على الخشب أثر اللحظة التي جمعتها قبل قليل.
مدّت ميّ يدها لتأخذ حقيبتها،
لكنها توقفت قبل أن تدير ظهرها،
وقالت جملة قصيرة، بصوتٍ يشبه وعدًا خفيفًا يُلقى في الهواء ليُغَيِّر شيئًا:
“أراكَ بعد الظهر؟
لديّ شيءٌ أريد قوله… وحدك فقط.”
ظلّ سالم واقفًا مكانه،
يشعر أن تلك الكلمات الصغيرة حملت في جوفها اعترافًا لا يُقال،
بل “يُشعّ” بين السطور،
كما تُشعّ الدلالة الخفية التي يتحدث عنها علماء العربية حين يقولون:
“المعنى قد يسبق اللفظ.”
وفي مساء ذلك اليوم، جلس سالم إلى طاولته وكتب:
“هناك كلماتٌ
لا تُقال بصوتٍ واضح،
لكنّ القلب يسمعها أوّلًا.
وما بيني وبين ميّ الآن…
كلمةٌ تولد.
سالم.”
كان بعد الظهر قد مال إلى الدفء حين خرج سالم من المحاضرة،
لكن قلبه كان في حالة غريبة:
أبرد من الهواء…
وأدفأ منه في اللحظة نفسها.
قال في نفسه:
“كيف يمكن لشيء واحد أن يحمل البرودة والدفء معًا؟
أهو خوف؟ أم شوق؟ أم أنّ اللغة هنا لا تكفي لوصف ما يحدث؟”
وقف قرب السور الخارجي المطلّ على الساحة،
ذلك السور الذي اعتاد عليه الطلاب للانتظار والمذاكرة والضحك وتبادل القصص.
لكنّه اليوم بدا لسالم كأنه مكان جديد،
كأن الأرض ذاتها تستعدّ لحدثٍ سيعيد ترتيب الأشياء.
مرّت دقائق…
دقائق لم تكن طويلة، لكنها امتدت في داخله حتى صارت بحجم سؤالٍ كبير:
“هل ستأتي؟
وإن جاءت… ماذا ستقول؟
وماذا أقول أنا؟”
ثم رآها.
كانت ميّ تقترب بخطوات هادئة،
وقد عادت ملامحها الطبيعية إليها،
لكن في نظرتها بريقًا جديدًا،
بريقًا يُشبه “القرار الداخلي” حين يُولد في لحظة واحدة دون أن يعلن عن نفسه.
وحين وصلت، وقفت أمامه وقالت بصوت خافت:
“سالم… شكرًا لأنك انتظرت.”
كان صوتها يحمل معنى أبعد من الشكر،
معنى لا يُصاغ في جملة نحوية،
ولا يلتقطه السمع وحده،
بل يلتقطه القلب أولًا—كما الجوهر الخفي لأي كلمة صادقة.
ابتسم سالم ابتسامة مرتبكة، كأنّ الكلمات تزاحمت على طرف لسانه ثم تراجعت:
“لم… لم يكن انتظارًا.
كنت فقط هنا.”
ضحكت ميّ ضحكة خفيفة، وهزّت رأسها كمن يكشف حيلة صغيرة:
“أنت سيّئ في إخفاء الأشياء.”
ثم أشارت برأسها نحو الطريق المؤدي إلى الحديقة الصغيرة وقالت:
“تعال… أريد أن نذهب إلى مكانٍ لا يمرّ فيه أحد.”
سارا معًا بصمتٍ ودود،
لا يرافقهما إلا وقع خطواتٍ خفيفة،
ورائحة العشب الذي احتفظ بدفء شمس الظهيرة.
وسأل سالم نفسه، في حوار داخلي لا يسمعه أحد:
“كيف يمكن للصمت أن يكون كلامًا؟
وكيف يتحوّل الطريق القصير بيننا إلى مسافة تكشف ما لا تُظهره الجمل؟”
وصلا إلى الجهة الخلفية من الحديقة،
حيث مصطبة حجرية مهملة لا يجلس عليها أحد،
كأنّها مكان ينتظر لحظة اعتراف منذ زمن.
جلست ميّ،
وجلَس سالم على الطرف الآخر،
قريبًا بما يكفي لأن يسمع أنفاسها،
وبعيدًا بما يتيح للقلق أن يتسلل بينهما دون أن يراه أحد.
أخذت نفسًا عميقًا،
ونظرت أمامها لا إليه،
كأن المعنى أثقل من أن يُقال مباشرة.
“سالم… سأقول شيئًا،
لكنّي… لست مرتاحة لقولِه.”
شعر سالم بانقباضةٍ في صدره، وقال برفقٍ فوري:
“إذا أردتِ… لا تقولي.”
لكنها هزّت رأسها بحزمٍ خافت:
“لا.
يجب أن أقول.
لأنّ ما حدث هذا الأسبوع…
غيّر شيئًا في داخلي.”
ظلّ ينتظر.
حتى يقال الكلام من تلقاء نفسه، بلا استعجال.
كان داخله يردد ما يقوله علماء البلاغة:
“المعنى إذا نضج… نطق.”
ثم قالت، بصوتٍ يشبه اعترافًا يمشي حافيًا فوق قلبها:
“أنا… لست معتادة على أن يهتمّ بي أحد—سوى والديّ—بهذه الطريقة.
ولا معتادة على… أن أرتاح لأحد بسرعة.”
تنهدت، كأنها ترفع حجرًا ظلّ ملاصقًا لضلوعها سنوات طويلة:
“أشعر بالخوف أحيانًا،
خاصة حين أقترب من الناس.
أفضّل أن أبقى وحدي…
لأنّ الوحدة أسهل من التراجع.”
نظرت إلى يديها،
تتحرك أصابعها بتوتّر خفيف،
كأنّها تنقّب بين خطوط يدها عن تفسيرٍ لم تجده بعد.
قال سالم بصوت رقيق، صوت يشبه لمسة على كتف الروح:
“ميّ… ليس عليكِ أن تخافي.”
رفعت عينيها قليلًا، ثم قالت:
“أعرف.
لكنّي خائفة رغم ذلك.”
وهنا، في داخله، سأل سالم نفسه سؤالًا قديمًا:
“هل الخوف علامة ضعف… أم بداية معرفة؟
ألم يقل القدماء إن القلب لا يظهر حقيقته إلا حين يرتجف؟”
ولم يقل هذا بصوتٍ مسموع،
لكنه كان يعرف أن ما يجري الآن
أعمق من أن يوصف،
وأرقّ من أن يُلمس،
وأصدق من أن يُنكر.
رفعت رأسها أخيرًا، كأنها تستجمع ما تناثر من شجاعتها، ونظرت إليه نظرةً مباشرة لا تحتمل الالتفاف. كان في تلك النظرة سؤالٌ لا يزال يبحث عن لغته، وإجابةٌ تخشى أن تُقال.
قالت وقد لانت نبرة صوتها، كأن الكلمات تنسحب من عمقٍ لم يُمسَّ من قبل:
“سالم… هل تذكر حين قلتَ إنّ غيابي كان مختلفًا؟
أنا… شعرتُ بالأمر نفسه.
شعرتُ أن وجودك أمس… كان مهمًّا أكثر مما يجب.”
في داخله تساءل سالم: هل تكون هذه هي اللحظة التي ينفتح فيها الباب، أم لحظة يغلق فيها الباب ذاته؟ وهل للكلمات، حين تخرج من صدرٍ خائف، أن تغيّر مسار العمر؟
لكنه لم يُظهر شيئًا من ذلك، بل قال مترددًا، يراقب وقع صوته في عينيها:
“هل يزعجك ذلك؟”
هزّت رأسها ببطء، كأنها تقيس اعترافًا لم يتعوّد قلبها حمله:
“لا… لكنّه يقلقني.
لأنّي… لا أعرف ما يعنيه.”
توقّف الزمن عند هذه الجملة.
وأغمض سالم عينيه لحظة واحدة، كانت كافية ليحاور نفسه في صمت:
أأقول الكلمة التي تُربك الموازين؟ أم أترك الزمن يتولى الشرح؟ أليس في اللغة—لغة القلوب تحديدًا—ما يجعل المعنى يولد حين يحين أوانه، لا حين نطلبه؟
فتح عينيه وقال برفقٍ يشبه الستر:
“أحيانًا… لا يجب أن نعرف المعنى فورًا.”
حدّقت فيه قليلًا، نظرةً تتجاوز حجاب اللحظة إلى ما وراءها، ثم ارتخت كتفاها كأنها أخيرًا وضعت عن نفسها حملًا طال الطريق به. وقالت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
“سالم…
أنا… أرتاح معك بطريقة تخيفني.”
كانت الكلمات قليلة، لكن أثرها كان كافياً لهزّ ركنٍ خفي في داخله.
وفي داخله مرّ سؤال سريع: هل الخوف علامة بداية أم علامة هروب؟ أم لعلّه—كما يقول أهل البلاغة—طباقٌ يجمع بين النقائض ليمنح المعنى أفقًا أوسع؟
توقّفت فجأة، ولم تكمل.
لكن ما لم يُقل كان أوضح ممّا قيل، وما اختبأ خلف جدار الصمت كان أبلغ من كل شرح.
وصار الصمت بينهما—ذلك الصمت الذي يُغني عن البيان—أعمقَ وأثقل من الكلمات.
كانت المسافة الصغيرة بين جلستيهما أشبه بجسرٍ دقيق، يمشي عليه القلب بخطوات لا تُسمع، لكنها محسوسة.
مضت دقائق لم يحسباها، فالوقت حين يثقل بالمشاعر يفقد عدَّه.
ثم تناولت ميّ حقيبتها، كأنها تستعد للعودة من رحلة داخلية لا من نزهة قصيرة، وقالت بنبرة مترددة تخفي سؤالًا آخر لم يلبس ثوب الكلام بعد:
“سأذهب الآن… لكن…”
وتوقفت عند هذا “لكن” كأنها مقطعٌ ينتظر تتمته، أو بابٌ نصف مشرع لا يُدرى أيفتح أم يغلق.
ثم وقفت ميّ، كأن في قيامها محاولةً للهرب من ثقل ما أرادت قوله. حدّقت في الأرض، لا في وجهه، وكأن الكلمات تخجل من عينٍ قد تفضحها قبل أن تنطق بها.
وقالت بصوت متردّد يشي بما وراءه:
“أريد… أن نلتقي غدًا أيضًا.
لدي الكثير لأقوله…
وأخاف أن أقوله وحدي.”
في داخله لمح سؤالًا يمرّ خاطفًا: كيف تخاف من الكلام، وهي التي تعطي الكلام قيمته؟ أم أنّ الخوف يسكن القلوب كلما اقتربت من الاعتراف؟
ثم رحلت بخطوات بطيئة، كأنها تترك وراءها سطرًا لم يُكتب بعد. بدا ظلّها على الطريق أشبه بأثر يدٍ سقطت على صفحة مفتوحة، تنتظر من يكمّل ما بدأته.
ذلك المساء، جلس سالم إلى مكتبه كأنما يلجأ إلى المكان الذي يفهمه أكثر من العالم. فتح دفتَره، وانحنى عليه كأنما يستمع إلى نبض الصفحات، وكتب ببطءٍ واضح، يزن كل كلمة كأنها حجرٌ يوضع في بناءٍ جديد:
“اليوم…
تكلم الخوف بصوت ميّ،
وتكلم قلبي بصمتي.
والطرق الكبيرة تبدأ دائمًا
بجملةٍ ناقصة
يحاول اثنان أن يكمّلاها معًا.
سالم.”
ثم أغلق الدفتر ووضع يده فوق الغلاف، كأنّه يحاول حبس حرارة اللحظة بين صفحتين. تساءل في نفسه: أيمكن حقًا للكلمات أن تحفظ دفء المشاعر؟ أم إنّ اللغة—كما قال القدماء—وعاءٌ لما لا يُرى؟
لم يكن الغد يومًا عاديًا، ولا هو يشبه ما سبقه من صباحات.
استيقظ سالم بخفّة غريبة، كأنه شاعرٌ ينتظر ولادة قصيدته الأولى، أو كأنه يسير إلى موعدٍ ستتبدّل بعده معاني الأشياء. ارتدى قميصه على عجل، غير ملتفت إلى الطعام، كأن الجوع الحقيقي في مكان آخر لا في معدته.
كان يعلم في قرارة نفسه أن لقاءه مع ميّ اليوم ليس درسًا، ولا حوارًا عابرًا، بل شيئًا آخر يُشبه ما تحدّث عنه أهل البيان حين قالوا إنّ “المعنى قد يخرج من موضعه ليصير حياةً كاملة”.
اتجه إلى الحديقة الصغيرة، المكان الذي أصبح شاهدًا على تحوّلاتٍ لا تُقال.
وصل قبل الموعد بدقائق، وجلَس على المصطبة الحجرية نفسها التي جمعتهما أمس. أحسّ بنبضه يسبق عقله، وكأنّ الجسد يتذكّر ما يعجز الفكر عن تسميته.
وبينما كان يتأمّل ظلّ الشجرة، ظهرت ميّ فجأة خلفه، هادئة كعادتها، تحمل كتابًا صغيرًا ووشاحًا خفيفًا على كتفيها، كأنها تأتي من فصلٍ آخر من يومها.
قالت بابتسامة قصيرة، فيها شيء من الاطمئنان وشيء من الحذر:
“جئتُ قبل أن يزدحم المكان.”
نهض سالم واقفًا دون وعي، ثم تراجع خطوةٍ صغيرة، كأنه يخشى أن يربك اتّساق اللحظة. رأى في عينيها طمأنينة تُشبه الوعد، فسكنت نفسه قليلًا.
جلست ميّ، وأشارت له أن يجلس إلى جانبها، في المسافة القريبة نفسها التي صارت، بطريقة ما، جزءًا من عادتهم المشتركة، بل جزءًا من بوحٍ لا يحتاج إلى صياغة.
مالت ميّ قليلًا إلى الأمام، وكأن الحركة ذاتها مقدّمة لبوحٍ ينتظر لحظته. ثم قالت بصوت بدا كأنه يخرج من منطقة بعيدة في نفسها:
“سالم… اليوم لا أريد أن نقرأ شيئًا.
ولا أريد أن نشرح أو نتدرّب أو نحلّل.”
رفع سالم حاجبيه بخفةٍ تُشبه سؤالًا لا يريد أن يتقدّم أكثر مما يجب، وقال:
“وماذا نريد إذن؟”
تنفّست ببطءٍ يشبه الاستعداد لرحلة داخل الذات، ثم نطقت بجملة كأنها انتُزعت من عمق الجرح لا من سطح الذاكرة:
“أريد أن أقول شيئًا… لم أقله لأحد.”
تجمّد سالم لحظة، ثم أمسك الدفتر في حضنه دون أن يفتحه.
سأل نفسه: لماذا تأتي الاعترافات دائماً وهي تسير على أطراف صوت الإنسان؟ ولماذا ترتجف اللغة حين تقترب مما نخفي؟
وقال لها بصوت هادئ يترك المساحة للكلمات أن تولد بلا استعجال:
“خذي وقتك.”
ثبتت ميّ نظرها على الشجرة أمامها، كأنها تبحث بين أغصانها عن بدايةٍ مناسبة، ثم بدأت بصوت منخفض:
“عندما كنتُ صغيرة…
كنت أخاف من المدن الكبيرة.”
تفاجأ سالم. لم تخطر له هذه البداية أبدًا.
هل يبدأ الاعترافُ بالخوف؟ أم أن الخوف هو اللغة الأولى لكل قلب لم يجد مكانه بعد؟
أكملت هي:
“كنتُ أشعر أنها تبتلعني…
تأخذ مني أصواتي…
وترميني في أماكن لا أعرفها.”
ابتسم سالم ابتسامة خفيفة، وقال:
“لكنّك تبدين صديقة المدن الآن.”
هزّت رأسها ببطء، وقالت بصراحةٍ أعمق مما توقّع:
“لا يا سالم.
أنا فقط… أتعلّم ألا أهرب.”
صمتت قليلًا؛ صمتٌ يشبه ما يسميه العرب “وقفة التأمل” حين يتقدّم المعنى خطوة على اللسان.
ثم قالت:
“حين جئت إلى دمشق… كنتُ مترددة.
اخترتُ اللغة العربية هربًا من الرياضيات والفيزياء، لكن…
لكن الحقيقة أنني كنتُ أبحث عن شيء…
شيء يشبه بابًا أستطيع الدخول منه إلى نفسي.”
ثم التفتت إليه فجأة، نظرة تحمل مزيجًا من الخوف والامتنان والانكشاف، وقالت:
“وأنتَ…
منذ أيام قليلة فقط…
جعلتني أشعر أن هذا الباب موجود.”
اضطرب قلبه.
وسأل نفسه داخليًا: كيف يمكن لوجودٍ بسيط—مجرد حضورٍ قرب شخص—أن يتحوّل إلى باب في حياته؟ وهل يكون الإنسان بابًا لغيره دون أن يدري؟
لم يتوقع أن تكون كلماته الصغيرة، ووقوفه قربها حين مرضت، قد أحدث كل هذا العمق في إحساسها.
بدا له أن ما قالته الآن ليس مجرد اعتراف…
بل كشفٌ نادر يحدث حين تجد القلوب من يصغي، لا من يحكم.
قال سالم بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا بينهما:
“لم أفعل شيئًا يا ميّ.”
ابتسمت ابتسامة تحمل مرارة خفيفة، مرارة من يعرف أن القول البسيط قد يخفي أثرًا أعمق:
“تفعل الكثير دون أن تدري.
أنت تسمعني… من دون أن تقاطعني…
وتفهم صمتي…
وتنتبه لكلماتي الصغيرة كأنها مهمة.”
تساءل سالم في داخله: هل تكون العناية فعلًا صامتًا؟ وهل الإصغاء — كما قال بعض البلاغيين — هو الوجه الآخر للكلمة؟
ترددت ميّ لحظة، ثم أضافت بصوت يكاد يلامس خوفًا خفيفًا:
“أحيانًا…
أشعر أنك تفهمني أكثر مما فهمتني أمي.”
ارتجّ وجه سالم للحظة، وكأنه تلقّى اعترافًا لم يتهيأ له.
فسأل نفسه بصمت: كيف يمكن لإنسانٍ غريب أن يلامس مساحات لا يلمسها الأقربون؟ أهي اللغة؟ أم الصدفة؟ أم أن الروح تختار مَن يفهمها قبل أن تختار مَن يحبها؟
مدّت ميّ يدها إلى الكتاب الصغير الذي أحضرته، ثم توقفت قبل أن تفتحه.
قالت بصوت اكتسب شيئًا من الجِدّة:
“سالم…
أريد أن أشاركك شيئًا لم أجرؤ على مشاركته أحدًا قبل الآن.”
فتحت الصفحة الأولى.
كانت بين الصفحات ورقة قديمة، صفراء من فرط ما لامستها الأصابع.
ناولته الورقة ببطءٍ يشبه تسليم سرٍّ لا يُقال إلا مرة واحدة.
وقالت:
“هذه أول جملة كتبتُها في حياتي.
كتبتها وأنا في الصف التاسع.
كانت عن الشعور بالوحدة.
لكن…
لم يقرأها أحد غيري.”
أخذ سالم الورقة بحذرٍ حقيقي، كأنه يمسك كائنًا حيًّا يتنفس بين أصابعه.
وحين قرأ، شعر بأن الكلمات القديمة تحمل ظلّ طفلةٍ كانت تبحث عن نفسها:
“أخاف أن أمشي وحيدة في المدينة،
ليس لأنني لا أعرف الطريق،
بل لأنّي أعرف نفسي أكثر مما ينبغي.”
رفع سالم نظره عن الورقة.
وفي داخله سؤالٌ يلحّ: هل الخوف من المدن هو خوف من ضياع الاتجاه، أم خوف من أن تواجه النفس مرآتها دون مهرب؟
لكنه لم ينطق بالسؤال.
تركه يظلّ معلّقًا بينهما…
تمامًا كما تركت هي جملتها الأولى معلّقة بين الماضي والحاضر.
رفع سالم رأسه نحوها،
وكانت عيناها تفيضان بقلقٍ عميق،
كأنها تخشى حكمه على ما أخرجته من أعماقها،
أو كأنها تنتظر تقييم قلبه لما لم تُجرؤ على قوله من قبل.
قال بصوت هادئ، يفيض صدقًا يشبه نقاء الماء الأول في النهر:
“ميّ…
هذه الجملة ليست جملة فتاة خائفة.
هذه جملة شخص… يعرف قلبه جيدًا.”
ارتخت ملامحها تدريجيًا،
كأن كلماته نزعت عنها حملاً عاش طويلًا على كتفيها،
وحملتها كل لحظة خوف أو تردد.
قالت بصوت ضعيف، يخرج من مكان بين القلب والفم،
مكان الكلمات التي لم تُنطق سابقًا:
“كنت أريد أن يسمع أحدٌ هذا الكلام…
ولم أجد من يسمعه.”
تنفس سالم بعمق، وكأن كل نفس منه يملأ فراغًا طالما احتلّه صمتها،
وقال بهدوءٍ رقيق:
“أنا أسمعه الآن…
وأسمع ما بين الكلمات أيضًا.”
نظرت إليه طويلًا، نظرة خالية من الدفاعات،
خالية من الأقنعة،
خالية من المسافة،
كأنها تمنحه شيئًا نادرًا وثمينًا،
شيئًا يختبئ عادة بين الضلوع ويُرى فقط حين يُفتح القلب بلا وجل.
قالت بصوتٍ كأنه همس الحرية:
“لهذا…
أريدك بقربي يا سالم.”
لم يكن ما قالت اعترافًا،
ولا كان حبًا بمعناه المباشر،
لكنه كان خطوةً صغيرة، جسرًا قصيرًا بين الذات وما ترغب أن يكون،
خطوة لا يمكن التراجع عنها،
خطوة تعلن عن ميلاد لحظة جديدة بينهما.
جلسا صامتين،
الصمت بينهما كان ثقيلاً بما يكفي ليكون كلامًا،
خفيفًا بما يكفي ليحمي اللحظة من أي فسادٍ محتمل.
في المساء، جلس سالم إلى دفتـره، وكتب ببطء، وكأن الكلمات تخرج من قلب اللحظة نفسها:
“اليوم…
فتحت ميّ بابًا في قلبها
ودعتني لأدخل.
لم أقل نعم…
لكنّي دخلت.
ولم أقل لا…
لأنّ قلبي سبقني إليها.
سالم.”
لم يكن الجوّ اليوم ساكنًا كالعادة.
كانت الجامعة أكثر ازدحامًا من أي يوم مضى، والممرات تضجّ بالأقدام والأصوات، كأنّها أرادت أن تختبر صبر من يمشي فيها.
سالم يمشي بين الطلاب، يحمل كتبه، لكنه لم يكن موجودًا هناك حقيقةً.
قلبه قد سبق جسده، متجهًا نحو الحديقة الصغيرة، حيث اعتاد أن يجد ميّ.
خطواته سريعة، كأنها سباق مع الوقت، أو مع مشاعره التي كانت تلهث داخله بلا توقف.
وحين وصل… توقف.
رآها جالسة على المصطبة، لكنّها لم تكن وحدها.
كان هناك شاب يقف أمامها، أطول قليلاً، يحمل كتبًا كثيرة، ويبدو مألوفًا—أحد طلاب مجموعتها، رامي، الذي يشاركها بحثًا في مادة النحو.
كان يتحدث معها بحماس،
وهي تنظر إليه بابتسامة صغيرة.
ابتسامة لم تكن جديدة عليها… لكنها جديدة في عين سالم.
تجمّد.
لم يعرف لماذا تجمّد.
ولا لماذا شعر وكأن يدًا باردة تمسك صدره من الداخل.
لم يسمع ما يقولان،
لكنّه رأى يد رامي حين أشار نحو الكتاب بين يديها…
اقترب أكثر مما يجب.
شعر سالم بشيء يشبه الوخز،
وشبح سؤال يطرحه عقله: لماذا يقف قريبًا هكذا؟ ولماذا لم تتراجع ميّ؟
اقترب خطوة.
خطوتان.
ثلاثة.
ثم رآها ترفع رأسها أخيرًا، وتلتقي عيناها بعينيه،
فتغيّر كل شيء على وجهها.
اختفت الابتسامة،
وحلّ مكانها دهشة… ثم راحة… ثم سؤال.
قالت:
“سالم…!”
التفت رامي ونظر إليه بسرعة، ثم قال ببرود لطيف، وكأنّه يخفف من وقع اللحظة على قلبٍ محتقن:
“نحن فقط نراجع البحث.
ميّ كانت تحتاج مرجعًا، فمررتُ بها بالصدفة.”
هزّ سالم رأسه بلا كلمة،
لكن الصمت كان ثقيلًا بما يكفي ليكون كلامًا.
نهضت ميّ فورًا، وكأنها تريد أن تشرح شيئًا لا يُقال أمام أحد.
قالت لرامي:
“شكرًا… سأكمل لاحقًا.”
غادر الشاب،
وبقيت هي واقفة أمام سالم،
تقرأ وجهه كما يُقرأ نص معقّد،
تحاول أن تفك شفرة ما يحدث في أعماقه.
لم تتكلم أولًا.
ظلّت تنظر إليه،
تتابع نبضاته الصامتة، وتعرف أنّ شيئًا موجعًا كان يحدث داخله،
شيء لا يحتاج للكلمات ليكون حاضرًا.
قالت بهدوء، محاولة الوصول إلى قلبه قبل عقله:
“سالم… ما بك؟”
هزَّ سالم رأسه، كأنما يريد أن يدفع السؤال عنه دفعًا، وقال بصوت مُقتضَب لا يفسّر شيئًا:
“لا شيء.”
لكن ميّ اقتربت خطوة، خطوة تحمل في طيّاتها إصرارًا ورغبة في الفهم، وقالت بنبرة لا تحتمل الانسحاب:
“ليس صحيحًا.”
لم يردّ.
كان يحاول أن يستعيد أنفاسه، كمن يحاول لملمة شتات معنى ضاع بين لحظة ولحظة.
وربما كان يبحث عن كلمة من معجمٍ داخلي لم يتعلمه أحدٌ من قبل، معجم المشاعر، ذاك الذي لا تُدرّسه كتب النحو ولا تُحَدّد أبوابه كتب البلاغة، لكنه مع ذلك أشدّ حضورًا من كل قواعد الدنيا.
قالت ميّ بصوت منخفض، كأنها تخشى أن تجرح الصمت حوله:
“سالم…
هل ضايقك… أني كنت أتحدث معه؟”
تجنَّب النظر إليها.
لكن الصمت — كما يقول أهل البلاغة — قد يكون أبلغ من القول، وقد يُفهم فيه ما لا يُفهم من ألف عبارة.
وكان صمته هذه المرّة جوابًا كامل المعنى.
وبنبرة خافتة تكاد تُرى أكثر مما تُسمع، سألت:
“هل… شعرت بالغيرة؟”
ارتجّ قلبه.
وكأن سؤالها كان صفعة تكشف لا صفعة تؤلم، صفعة تهدم الجدار بين ما يخشاه وما يعترف به.
كيف يجيب؟
أيعترف أنّ قلبه سبق لسانه؟
أم يحاول أن يختبئ خلف مفردةٍ لا تصلح؟
هنا دخلت ميّ لحظة تأمّل قصيرة، تنفّست ببطء، ثم قالت جملة خرجت كما لو أنها اعتراف تمت صياغته في أعماقها قبل أن يصاغ على لسانها:
“سالم… أنا أيضًا كنت سأغار لو رأيتك مع فتاة أخرى.”
رفع رأسه بسرعة، كأن كلماتها أعادت إليه القدرة على الحركة.
لم يتوقع أن الجملة التي يخشى النطق بها…
هي نفسها التي تنطق بها ميّ بلا تردّد.
جلس على المصطبة كما لو أن الأرض سحبته إليها، وجلست هي بقربه، أقرب مما كانت يومًا.
القرب هذه المرة لم يكن قرب أجساد، بل قرب أرواح تبحث عن لغة مشتركة، لغة قديمة قِدَم الشعر، وبسيطة بساطة السؤال الأول في حياة القلب.
قالت بصدق يكاد يُسمع كخفقة لا كورقة:
“سالم…
أنا لا أريد أن يشرح لي أحد…
ولا أن يقترب مني أحد…
إلا أنت.”
في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ داخله—
قطعة من الخوف،
وكسرة من الحذر،
وصفحة من المسافة التي تعب من حملها.
وعندما تكلّم، خرج صوته مختلفًا، كأنّه صوتٌ لم يجرّبه من قبل، صوت لا يعرف التصنّع ولا التورية، بل يشبه أوّل جملة قالها الإنسان على الأرض حين أراد الاعتراف:
“كنت خائفًا…
خائفًا أن تكوني بخير… دون أن أكون جزءًا من هذا الخير.”
وضعت ميّ يدها على الكتاب في حجرها، كأنها تبحث عن شيء يثبت لها نفسها، ثم قالت بصوت خافت، متردّد، لكنه صادق:
“وهل تعلم…
أنا كنت خائفة أيضًا.”
هزّ سالم حاجبيه قليلًا، وسأل بلطف:
“من ماذا؟”
أجابت ببطء، وكأنها تفرغ قلبها من كل قلق دفين:
“من أن يأتي أحد…
فيأخذك منّي…
قبل أن أعرف ما نحن عليه.”
كادت دمعة أن تنهمر من عينيها، لكنها مسحتها سريعًا، كما يمسح الشعراء حرفًا خرج عن مقامه.
ثم قالت، بعينين تتطلّعان مباشرة إلى قلبه:
“سالم… يجب أن نكون صريحين.”
نظر إليها، وانتظر، وكأن الصمت أصبح جزءًا من الحوار، جزءًا من اللغة التي لا تحتاج إلى حروف.
تابعت بصوت يخترق الصمت برقة وجرأة في آن واحد:
“ما بيننا… لم يعد يشبه الصداقة.
ولا يشبه الدراسة.
ولا يشبه اللقاءات العادية.”
توقف قلبه، كما لو أن الكلمات أحاطت به، وكأنها أوقفت الزمن للحظة.
أكملت:
“هناك شيء…
شيء ينمو بيننا،
ولا أريد أن أراه يكبر في الظلال.
أريده أن يكون واضحًا.”
حاول الكلام، لكن الكلمات اختنقت في صدره، كأنها محاصرة بين القلب واللسان، فاختار الصدق المباشر، قال فقط:
“وأنا…
لا أريد لأحد… أن يشاركك حديثًا…
أو يقف قريبًا منك…
أكثر مما أفعل أنا.”
ابتسمت ميّ— ابتسامة خفيفة، شديدة الخجل، لكنها صافية وواضحة كندى الصباح على ورقة نبتة.
وقالت، وكأنها تؤكد على بداية جديدة لا عودة عنها:
“إذن… نحن لسنا في منعطف.
نحن… بدأنا الطريق.”
وفي تلك الليلة، جلس سالم إلى دفتـره، وأخرج قلمه ببطء، وكتب:
“اليوم عرفتُ شكل الغيرة.
وعرفتُ أن ميّ لا تخاف مني…
بل تخاف عليّ.
وأنّ الطريق بيننا بدأ…
ولو بخطوةٍ ترتجف.
سالم.”
لم يكن الجوّ في ذلك اليوم عاديًا.
كان الهواء باردًا بسلاسة، كأن الطبيعة نفسها تمهّد لحظة خاصة،
والشمس متردّدة في إلقاء ضوءها،
والطلاب يمرّون بين الممرات كأنهم أسرار تتحرّك بلا هدف،
لكن قلب سالم كان منتبهًا لكل شيء، يترقبها قبل أن تظهر.
كان ينتظر قرب المصطبة الحجرية، يحرّك بين يديه كتابًا لا يقرؤه،
وعيناه تتأمل الطريق الذي تأتي منه ميّ عادة، كمن يراقب نجمًا بعيدًا ويحسب لحظات اقترابه.
وحين ظهرت… شعر بأن خطواته تستقيم وحدها، وكأن الأرض نفسها أعدّت له مسارًا لا يخطئه.
كانت تحمل في يدها دفترًا صغيرًا، وتشدّ الوِشاح حول عنقها، كأن شيئًا باردًا لم يلمس جسدها فقط، بل لامس روحها قبل ذلك.
ولمّا اقتربت، تبادلا نظرة قصيرة، لكنها كانت مشبّعة بكل ما لم يُقال بعد،
كل الاحتمالات والرغبات المعلّقة، كل كلمة تنتظر أن تجد طريقها:
“تأخرت قليلًا… آسفة.”
أجاب، بصوت خفيف لكنه حازم:
“لا بأس… أنا وصلتُ مُبكرًا.”
لم تُعلّق، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها،
ابتسامة صغيرة، لكنها مليئة بالمعنى، كأنها تقول: كنت تنتظر فعلًا.
جلسا على المصطبة، وكانت المسافة بينهما اليوم أقلّ… أقل بكثير مما كانت عليه يومًا.
وضعت ميّ الدفتر في حجرها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق:
“سالم… أريد أن نراجع فكرة صغيرة قبل الدرس.
فقط دقيقة.”

معانٍ في ظلال الكلمات 03