معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء الثالث
الفصل الخامس
اقتربت منه وهي تحمل دفترها، كأنّها تحمل سؤالًا لا تجرؤ على نطقه. أرادت أن تُريه سطرًا مكتوبًا بخط دقيق، فمالت بجسدها قليلًا، حتى غدت المسافة بين كتفها وكتفه لا تتجاوز عرض إصبعين. وهنا، يثور سؤال داخلي في ذهنه: هل يُعدّ هذا القرب من قبيل المصادفة؟ أم أنّ للمسافة صوتًا لا نسمعه إلا حين تتقلّص؟
كان يستطيع أن يبتعد؛ فكم من المرّات علّمته الحياة أنّ خطوة صغيرة كفيلة بتعديل المشهد كله. لكنّه لم يفعل.
وهي، في المقابل، لم تحاول أن تزيد البعد بينهما، كأنّها هي الأخرى تسأل نفسها: أأترك للمسافة أن تتكلّم؟ أم أطلب منها الصمت؟
كانت هذه أول مرة يشعر فيها أنّ الاقتراب ليس أمرًا طارئًا، بل مقصود… أو هكذا أيقظت فيه لغته الداخلية تفسيرًا لطالما تهرّب منه. ففي علوم العربية، كثيرًا ما يُقال إنّ “الدلالة تتشكل من السياق”، فهل كان السياق هنا يكتمل بالصدفة، أم بالنية؟
أشارت بقلمها إلى كلمة في الدفتر، ولكن يدها ارتجفت قليلًا، ذلك الارتجاف ذاته الذي يعرفه من صوتها حين تتوتر.
قالت وهي تحاول ثباتًا لا يجيب نداء قلبها:
“انظر… هذا المثال لا يكتمل دون…”
وتوقفت فجأة، كأنّ الكلمة التي أرادت قولها تهدّدها من الداخل.
سقط القلم من يدها، وتدحرج على المصطبة ببطء متعمّد، حتى استقرّ عند طرف البلاطة، وكأنّ الأشياء الجامدة أحيانًا تؤدي دورها في كشف ما تُضمره القلوب.
مدّت يدها لتلتقطه، وفي اللحظة نفسها مدّ هو يده.
لكن هذه المرة، لم يكن الاصطدام بين اليدين صدفة.
بل بدا كأنّ اللمسة تحمل سؤالًا لم يُطرح بعد: هل يمكن للّمس أن يكون لغة؟ وهل تُقرأ الأصابع كما تُقرأ الكلمات؟
يدها لم تهرب.
وهو لم يُبعد يده.
بل توقّفت يدها فوق يده مباشرة، توقفًا يوحي بالانتباه أكثر مما يوحي بالعفوية.
ارتجف الهواء.
واللحظة نفسها ارتجفت؛ كأنّ الزمن يتردد قبل أن يخطو خطوة أخرى.
ولثانية واحدة فقط، شعر سالم أنّ العالم كلّه انخفض صوته، وأنّ الضجيج انسحب من حولهما كما ينسحب البحر عن الشاطئ لحظة هدأةٍ نادرة. لقد أصبحت الحركة كلها محصورة في هذا اللمس، في تلك المساحة الصغيرة التي تنبض بما لا تُفصح عنه الضمائر عادة.
لم تسحب يدها.
ولم يقل شيئًا.
كانت أصابعها فوق أصابعه، خفيفة، لكن واعية تمامًا لما تفعل.
وتراءى له سؤال داخلي آخر: هل يمكن للوعي أن يكون أثقل من اللمس، وأن تزن الأصابع أكثر حين تدرك ما تفعله؟
رفعت رأسها نحوه ببطء، وعيناها واسعتان، تحملان شيئًا من الرجاء وشيئًا من الخوف؛ كأنّها تخشى أن ينطق بكلمة تعيدها إلى الوراء، إلى ذلك الحذر الذي اعتادت أن تحتمي به.
لكنّه لم يقل شيئًا.
ولا هو سحب يده.
لأنّ الصمت في تلك اللحظة كان أقدر على التعبير من أي جملة تُقال.
وحين ضاقت بها المسافة بين الصمت والكلام، قالت بصوت يكاد لا يُسمع، كأنها تضع جملة عربية في ميزان دقيق تخشى اختلاله:
“سالم… لا أريد أن تكون من بين الناس… الذين أقترب منهم بالصدفة.”
قال بصوت مرتجف، كأنّ الكلمات تخرج من مكانٍ أعمق من الحنجرة:
“وأنا… لا أريد أن ألمسك مرّة أخرى… إلا وأنتِ تقصدين ذلك.”
وفي داخله هاجس يتردّد: هل اللمس بلا قصد يُعَدّ من قبيل العبور السريع؟ أم أنّ القصد وحده هو ما يمنح الأشياء معناها؟
وهل يمكن للرجل أن يطلب من القدر وضوحًا أكبر، في حين أنّ اللغة نفسها تعلّمه أنّ الدلالة كثيرًا ما تُفهم بالاستلزام لا بالتصريح؟
تسارعت أنفاسها، كأنّ الجملة جاءت على وتر حساس لم يكن يتوقعه أحدهما.
ومع ذلك، لم تسحب يدها.
بل ضغطت بأصابعها ضغطًا خفيفًا، لا يشبه كلامًا منطوقًا، بل يشبه “لغة اللمس” التي تفهمها البشرة أكثر ممّا تفهمها الآذان. وكأنّها تقول له دون صوت: أنا هنا… وأفهم ما تقول.
ثم، وبعد لحظة لا تُنسى — تلك اللحظة التي تُسجَّل في ذاكرة الجسد قبل أن تُسجَّل في ذاكرة العقل—سحبت يدها ببطء، ليس خوفًا، ولا حياءً فاترًا، بل كسحبٍ مقصود يمنح اليدين فرصة أن تتذكّرا الملمس حين يغيب.
وهنا عاد إليه سؤال داخلي آخر: أيمكن للغياب أن يكون شكلًا آخر من أشكال الحضور؟
فتحت الدفتر بسرعة، كأنّها تريد أن تخفي اضطرابها وراء الورق، وقالت بصوتٍ خافت:
“هنا… هذا المثال يكفي الآن. لنذهب قبل أن تبدأ المحاضرة.”
لكن صوتها لم يكن صوت دراسة، ولا نبرة أساتذة.
كان صوتًا مكسورًا قليلًا من الداخل، وممتلئًا بشيء يتشكّل، كأنّها في بداية جملة تحتاج إلى وقت طويل لتكتمل، مثل جملة عربية طويلة يتقدّم خبرها على مبتدئها، أو تتأخر فيها الفاصلة عمّا توقّعه القارئ.
نهضت.
ونهض معها، كأنّ الحركة الواحدة صارت بينهما فعلًا مشتركًا لا يحتاج إلى اتفاق مسبق.
وسارا جنبًا إلى جنب، لا تتعثر الكلمات بينهما، ولكن المسافة بين كتفيهما صارت أقرب ممّا يسمح به أي درس أكاديمي؛ بل أقرب إلى تلك المسافة التي تُعرّفها البلاغة بأنّها “قرينة السياق” التي تغيّر المعنى كله.
وعندما وصلا إلى باب القاعة، توقفت فجأة، كأنّ الوقوف نفسه يحمل سؤالًا.
نظرت إليه نظرة سريعة، نظرة تجمع بين الخوف والطمأنينة، ثم قالت بكلمة واحدة:
“سالم…”
انتظر.
وكأنّ في كلمة واحدة إمكانًا لجملة كاملة ستأتي فيما بعد.
قالت وهي تمشي خطوتين إلى الخلف، كأنها تترك وراءها وصيّة صغيرة:
“لا تبتعد… اليوم.”
ثم غابت بين المقاعد، تاركةً خلفها صدى الجملة يتردّد في أعمق منطقة من قلبه.
في المساء، جلس سالم أمام نافذته، والورقة أمامه كأنها مساحة اعتراف لا تُراقبه سوى نفسه. كتب:
“اليوم لَمَسَتْ يدي… ولم تفلتني فورًا.
وعرفتُ أن اللمسة التي لا تهرب… ليست صدفة.
سالم.”
وهنا خطر له سؤال طالما شغل علماء اللغة قبل العشّاق: هل تكفي كلمة واحدة لتغيير مسار المعنى؟
ثم تساءل من داخله: وهل تكفي لمسة واحدة لتغيير مسار القلب؟
كان اليوم يمضي ببطءٍ لافت، كأنّ ساعات الجامعة اتفقت على التثاقل.
وسالم لم يستطع التركيز في أي محاضرة، كأنّ عقله نُزع منه وأودِع في تلك اللحظة التي التقَت فيها يداهما.
كل شيء داخل رأسه كان يعود إلى اللمسة:
ذلك الضغط الخفيف،
ذلك الاقتراب الخائف،
وتلك الجملة التي لم تغادر صدره منذ الصباح:
“لا تبتعد… اليوم.”
كلما تذكّرها، شعر بارتجافٍ خفيف في صدره، ارتجاف يشبه ما وصفه القدماء حين تحدّثوا عن “خروج النفس اضطرابًا عند ورود المعنى المؤثر”، وكأنّ اللغة ذاتها تعترف بأنّ العاطفة قد تُربك النظام.
وعند انتهاء الدوام، خرج الطلاب جماعات، تتقاطع أصواتهم في الهواء مثل خيوطٍ تتشابك ولا تتماسك.
أمّا سالم، فخرج وحده، كأنّ الوحدة تعبّد له الطريق نحو شيء ينتظره.
اتجه نحو الحديقة الصغيرة من جديد.
كان يمشي بخطوات مترددة، كأنّه يسأل نفسه: هل سأجدها؟ وإن وجدتها… ماذا سأقول؟
وفي داخله صوت آخر يجيبه: هل تُقال الحقيقة مرة واحدة… أم على جرعات؟
ولما وصل، رأى الجواب أمامه.
كانت هناك.
تقف قرب الشجرة الوحيدة في زاوية الحديقة، مستندة إلى الجذع الخشن، تنظر إلى الأرض لا إلى السماء، كأنها تُجري حوارًا داخليًا قبل أن تراه، أو كأنها تُعدّ قلبها لما سيحدث.
وتساءل سالم في تلك اللحظة:
هل تنتظر هي منه الاقتراب… أم تنتظر من نفسها الشجاعة؟
بينهما كانت مسافة قصيرة،
مسافة لو أراد أحدهم أن يكتبها، لاحتار:
أهي مسافة خطوتين؟
أم مسافة اعتراف؟
لم تنتبه لوجوده إلا حين قال بصوت خافت، كأنّه يخشى أن يوقظ في داخلها اضطرابًا جديدًا:
“ميّ…”
رفعت رأسها نحوه، ومرّ على وجهها شيء يشبه الراحة، أو كأنّ القلق الذي كان يقيم في عينيها تحرّك قليلًا ليفسح مكانًا لطمأنينة صغيرة.
قالت:
“أخيرًا… ظننتك لن تأتي.”
اقترب منها خطوة… ثم خطوة أخرى، وكأنّ الخطوات نفسها تحاول أن تفهم لغتها الخاصة: أهي اقتراب جسد؟ أم اقتراب معنى؟
وقف قريبًا بما يكفي ليراها كما لم يرها من قبل:
عينيها القلقتين،
وشفتها السفلى التي ترتجف ارتجافًا خفيفًا من التفكير،
والدفء الذي ينساب في نبرة صوتها مثل جملةٍ خرجت بعد تردّد طويل.
قال بصوت منخفض، صوتٍ فيه حذر وفيه جرأة في آن واحد:
“لماذا قلتِ لي… ألا أبتعد؟”
خفضت عينيها، كأنّها تبحث عن إجابة في الأرض قبل أن تنطق بها.
ثم رفعت رأسها ببطء، وقالت:
“لأنّي… كنت خائفة أمس.
خائفة أن تبتعد فعلًا… بعد أن شعرتَ بالغيرة.”
وهنا أحسّ سالم أنّ قلبه توقّف لثانية واحدة، تلك الثانية التي كثيرًا ما يتحدّث عنها الشعراء بوصفها “مقام الحيرة بين الاندفاع والتردد”.
قال:
“لم أكن سأبتعد.”
لكنها سألت بصوت مكسور قليلًا، بصوت يحمل شقوقًا صغيرة من يومٍ طويل:
“كيف أعرف؟”
وتساءل في داخله: هل يحتاج القرب دائمًا إلى دليل؟ وهل تكفي اللمسة أم لا بدّ من كلمة؟
اقترب منها خطوة أخرى.
الآن صارت المسافة بينهما ضيقة… مقصودة… مسافة لا يمكن للصدفة أن تبرّرها.
قال بهدوء يشبه الاعتراف:
“لأنّي… لم أعد أستطيع الابتعاد.”
رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها سؤال كبير، سؤال لا يُقال، بل “يُرى”.
سؤال يعيش في العيون قبل أن يجد طريقه إلى الكلام.
وتساءل سالم داخله: أترغب هي في سماع الجواب؟ أم أنّها تعرفه وتنتظر منه التصريح فحسب؟
وفي لحظة التقاء النظرتين، خُيِّل إليهما أنّ اللغة بأكملها—بمفرداتها، واستعاراتها، ومجازاتها—قد اختُصرت في هذا السؤال الصامت،
وفي تلك المسافة الصغيرة التي لم تَعُد تحتمل مزيدًا من التأجيل.
قالت بصوت لا يشبه صوت المحاضرات ولا الدروس، بل يشبه خروج الحقيقة من موضعها الأعمق:
“سالم… هل تعني ما تقول؟”
وتردّد.
لا لأنه يجهل الجواب، بل لأنه يعرف أكثر مما ينبغي؛ يعرف أنّ الكلمة إذا خرجت من موضع الصدق اكتسبت ثِقَلًا لا يمكن الرجوع عنه.
وسأل نفسه داخليًا: هل القول التمامُ دليلٌ على العزم التام؟
قال أخيرًا بصوت يشبه الاعتراف:
“أنا… أعني كل شيء.”
سحبت شهيقًا مضطربًا، كأنها تسحب الهواء من منطقة مضاءة بالخوف والأمل معًا، ثم تركت ذلك الشهيق بينهما وكأنه اعتراف غير منطوق.
قالت ببطء:
“أنا أيضًا… لم أعد أريدك بعيدًا.”
ثم حدث الأمر الذي لم يتوقعه أحدهما.
رفعت يدها ببطء،
تردّدت لحظة—كأن اللحظة تمتحنها قبل أن تمنحها الإذن—
ثم وضعتها فوق يده.
وهذه المرة لم يكن اللمس عابرًا،
بل كانت قبضة كاملة؛
قبضة تحمل أصابعها،
وخوفها،
ورغبتها،
وذلك الشيء الذي يشبه إعلانًا صامتًا،
كأنها تقول: ها أنا أختار، لا أقع صدفة.
شعر سالم أن قلبه يسقط من ارتفاع هائل…
ثم يستقرّ، بسلام غريب وجميل، في راحة يدها.
وسأل نفسه: هل يمكن للطمأنينة أن تهبط بهذه السرعة؟ أم أنّ القلوب تعرف مواقيتها دون أن تعلِن ذلك؟
قالت بصوت متهدّج، كأنّ الكلمات تبحث عن ثباتها بين شفتيها:
“سالم…
أريد أن أفهم هذا الذي يحدث…
لكنّي…
لا أريد أن أفهمه وحدي.”
ضغط على يدها بخفة، دون أن يسحبها، كأن الضغط نفسه جوابٌ لغويّ من نوع آخر.
وقال:
“لن تكوني وحدك، ميّ.”
تردّدت ابتسامة خجولة على وجهها،
ابتسامة لم تولد من فرحٍ صاخب،
بل من راحةٍ عميقة تشبه “الإجابة التي يعرفها القلب قبل أن يسمع السؤال”.
ثم سحبت يدها ببطء—
لكنها لم تفلتها دفعة واحدة.
بل تركت أصابعها تنفلت واحدةً تلو الأخرى،
كما لو أنها تقول للّحظة:
“أراكِ بعد قليل.”
قالت:
“هيا… لنمشي.”
وسارا جنبًا إلى جنب،
خطواتهما متقاربة،
كأن الأرض تربط بينهما بخيطٍ خفيّ لا يراه إلّا من يشعر به.
وفي تلك اللحظة،
لم يكن أحدهما بحاجة إلى لغة منطوقة،
فما بينهما كان قد بدأ يتكوّن بلغته الخاصة،
لغةٍ لا تُدرَّس في الكتب،
ولا تُحفظ في الدروس،
بل تُكتَب في لحظةٍ واحدة…
وتُقرأ بالقلب وحده.
وفي الليل، جلس سالم إلى مكتبه، والورقة أمامه كأنها مرآة يتأمّل فيها ذاته. كتب:
“اليوم أمسكتْ يدي…
لمرّةٍ أولى بلا خوف،
ولمرّةٍ أولى بلا صدفة.
وكانت يدُها…
أصدقَ جملةٍ لم أفهم معناها بعد.
سالم.”
ثم توقّف لحظة، وسأل نفسه: هل يمكن لجملةٍ تُكتَب باللمس أن تُربك كلَّ ما كُتب بالحبر؟
ولم يجد جوابًا، أو لعلّ الجواب كان حاضرًا أكثر مما يريد الاعتراف به.
لم يكن مساء ذلك اليوم يشبه ما سبقه.
المدينة بدت أخفَّ وزنًا، الهواء أنقى، والأضواء الممتدة بين كلية الآداب والحديقة الصغيرة كانت تتجمّع فوق الطريق كأنها ترسم لهما دربًا سرّيًا.
ولم يكن سرُّ الطريق إلا انعكاسًا لسرٍّ آخر يتشكّل داخلهما.
سار سالم بجانب ميّ دون أن يتكلما.
ولكن الصمت بينهما كان ممتلئًا—
ممتلئًا بما لا يُقال،
ممتلئًا بآثار اللمسة التي تُقيم على سطح اليد كأنها أثرٌ من ضوء،
وممتلئًا بالدفء الذي لم يبرد بعد، بل كأنّه يزداد حضورًا كلما تقدّما خطوة.
وكانت ميّ تمشي بخطوات ثابتة،
لكن قلبها—كما كانت تشعر—
يخفق بإيقاعٍ مرتفع،
إيقاع لا يختبئ مهما حاولت أن تُظهر ثباتها.
وتسأل نفسها في داخلها:
أهذا الخفقان هو خوف… أم شوق؟
وهل الشوق نوعٌ من الخوف أم أنّ الخوف صورةٌ من صور الشوق حين يتردّد؟
كل خطوة تسيرها بجانب سالم
كانت تدفعها إلى الداخل أكثر،
إلى منطقةٍ لم تطرقها من قبل،
منطقة كان القدماء يسمّونها “مكان المعنى”،
حيث لا كلمات، بل إشاراتٌ يلتقطها القلب وحده.
وسالم…
لم يكن أفضل حالًا.
كلما اقتربت منه ميّ نصف خطوة،
شعر أن الأرض تمتد تحت قدميه كأنّها تفسح له مجالًا جديدًا للوجود،
مجالًا لا يعرفه،
ولكنه يتقنه—وهنا دهشته—
أكثر من إتقانه اللغة التي نشأ عليها.
وتساءل داخله: هل العاطفة لغة؟ وإذا كانت لغة، فمن علّمنا نحوها وصرفها؟
وعندما وصلا إلى المصطبة الحجرية، جلسا.
لكن جلستهما هذه المرّة لم تكن الجلسة نفسها التي عرفاها من قبل.
كان بينهما قربٌ واعٍ،
قرب يشبه اعترافًا قبل أن يُعلَن،
قرب يشبه بداية صفحة جديدة كُتبت سطورها الأولى دون حبر.
أدار سالم وجهه نحوها.
كانت ملامحها مضاءة بضوء خفيف،
وعيناها تلمعان كما لو تحملان حديثًا يبحث عن الشجاعة ليخرج.
وسأل نفسه: هل تنتظر منه البدء؟ أم تنتظر من نفسها أن تتجاوز التردّد؟
قال بصوت دافئ، ببطء، كأنه يخشى على الكلمة من السقوط:
“ميّ… هل تشعرين بما أشعر به؟”
وكان السؤال، في حقيقته، سؤالاً مزدوجًا:
“هل تسمعين قلبي؟”
و”هل تأذنين له أن يقترب؟”
لم تُجب ميّ فورًا؛ بدا كأنّ السؤال الذي سمعته كان مفتاحًا صبورًا ينتظر أن يُدار في قفلٍ ظلّ مغلقًا طويلًا. أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تستجمع شتات شعورٍ لا تريد أن يُقال على عجل، ثم قالت بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل ارتجافًا خفيفًا يشبه أثر الاعتراف:
“نعم… وأشعر أنّ هذا الشعور أوسعُ من قدرتنا على تجاهله.”
كان سالم يُصغي إليها بكُلّه، ثم اقترب منها قليلًا، وقد بدا كمن يسأل سؤالًا مزدوجًا: سؤالًا لها… وسؤالًا لنفسه:
“وأكبرُ من أن نخافه؟”
رفعت إليه نظرها؛ كانت تلك النظرة طويلة، نظرة امرأةٍ تكتشف قلبها كما يكتشف النحويّ سرّ كلمةٍ ظلّت تؤرّقه طويلًا، أو كما يكتشف البلاغيّ فجأةً أنّ الاستعارة ليست زخرفًا بل كشفًا داخليًا. ثم قالت:
“نعم… أكبر من الخوف… ومنّا… ومن كلّ شيء.”
وصمتت قليلًا قبل أن تضيف بصوتٍ خفيض، صوت من يهمس بسرّ لو سمعه الكون لاهتزَّ:
“سالم… أنا أحبك.”
كانت الجملة بسيطة المبنى، لكنها في قلبه جاءت كـ”ضوء”، كلمةٌ تحمل في جذورها معنى الظهور والسطوع، فإذا بها تُضيء داخله كله، كمن يفتح نافذةً في غرفةٍ كانت مظلمة منذ سنوات.
لم ينطق. لم يجد في اللغة ما يضاهي ما شعر به. أليس غريبًا — وهو دارسٌ للغة — أن تعجز الكلمات أمامه حين يحتاجها؟ لكنه مدّ يده نحو يدها… للمرة الأولى دون تردّد، دون سؤال، دون استئذان.
وضعت يدها فوق يده، لا ارتعاش في الأصابع، ولا خوف، ولا تردّد. بدا المشهد، في صمته، أجمل من أي بلاغةٍ تُصاغ.
قال سالم بصوتٍ ارتجّ قليلًا، لكنه كان صادقًا بقدر نبضه:
“وأنا… أحبك يا ميّ.”
مرّت لحظةٌ طويلة، لحظة من ذلك النوع الذي تبنى منه طرقٌ كاملة، ثم تكلّمت ميّ من جديد، وكأنها تقلب الصفحة التالية من “سيرة القلب”:
“سالم… الحب جميل… لكنّنا لا نعيش وحدنا.”
هزّ رأسه، وشعر بثقل العبارة، ثقلٌ يُشبه ثقل كلمة “لكنّ” حين تقطع المعنى إلى شطرين: حلم… وواقع.
قالت:
“أهلي… لا يعادون الحب، لكنّهم يبحثون عن ضمانات. يريدون أن يفهموا كيف… سأحبّ شخصًا لم يأتِ من عالمنا.”
خفض عينيه قليلًا وقال بخفوتٍ يحاول أن يكون شجاعًا:
“أنا ابن ريف جبلة… ووالداي معلّمان بسيطان. أعرف أنّ الطريق بيني وبين أهلك طويل… ليس جغرافيًا فقط.”
ابتسمت ميّ… ابتسامة يختلط فيها الاعتراف بالمرارة، وقالت:
“نعم… بين بيتنا وبيتك مسافةٌ اجتماعية، ومسافة طبقية، ومسافة فكرية أيضًا. لكنّ هذا… لا يغيّر شيئًا.”
وبقي سؤالٌ معلّقًا، سؤالٌ يشبه اختبارًا داخليًا، قاله سالم بصوتٍ هادئ، دون أن يزيح عينيه عنها:
“وأنتِ؟… هل تخافين؟”
قالت ميّ بصوتٍ يحمل صدقًا لا يختبئ وراء الكلمات:
“أخاف… نعم. لكنّي لا أخاف منك، ولا من قلبي. أخاف فقط… من أن يظنّوا أنّك لستَ قادرًا على عبور الطريق إليّ.”
كانت الجملة أشبه بمرآةٍ كشفت ما حاولت طويلًا أن تخفيه. أمّا سالم، فشعر في أعماقه بشرارةٍ تُشعل صدره، شرارة تُشبه ما يسميه البلاغيون “الإيجاز”؛ كلمة قليلة تفتح أبوابًا كثيرة.
قال بنبرة تزداد ثباتًا:
“وأنا سأعبره… بل سأجعل الطريق بيننا أقصر، مهما كانت البداية صعبة.”
شدّت ميّ أصابعه، كأنها تُعيد ترتيب يقينٍ يتكوّن ببطء، وقالت:
“سالم… أنا أحتاج أن تقنعني أنت قبل أن تقنع أهلك وأهلي. أحتاج أن أعرف أننا نستطيع… أن نُكمل الطريق، مهما اختلفت بداياتنا.”
في داخله ارتفع سؤالٌ صامت: وهل الإقناع يكون بالكلام، أم بالفعل، أم بالصبر؟
لكنه لم يقل ذلك، بل رفع عينيه نحوها وقال بصوت يشبه اللبنة الأولى في بناء حياةٍ مشتركة:
“سنُكمل يا ميّ… لأنّ ما بيننا ليس هشًّا، وليس عابرًا على قلوبنا. ما بيننا… شيءٌ وُلد ليبقى.”
هنا أغمضت ميّ عينيها، وانساب من صدرها نفسٌ طويل، كأنه يخرج من زمنٍ كانت تخشى فيه أن تحلم. ثم قالت:
“سالم… بعد سنة سندخل سنتنا الرابعة. وبعدها سنتخرّج. وبعد التخرّج… سنعلن زواجنا. لكن قبل ذلك… علينا أن نقف أمام عائلتينا ونقول: نحن نعرف ما نريد.”
سأل نفسه وهو ينظر إليها: هل المعرفة هنا شعور؟ أم قرار؟ أم امتحان؟
لكن ما خرج من فمه كان ضحكة هادئة، ضحكة رجلٍ وجد أخيرًا ممرّه بين شكوكه وآماله:
“وسنقول أيضًا إنّ حبّنا… ليس خاضعًا لحدود الريف أو المدينة، ولا للطبقات الاجتماعية، ولا للمذاهب. نحن نرتفع فوقها… لا نبتعد عنها.”
كانت كلماته تُشبه قاعدة نحوية تُهذّب الفوضى، أو كأنها تعريفٌ جديد لمعنى “الوصال” كما تناقلته أجيال العرب: قربٌ لا يقطعه اختلاف، ورغبةٌ لا تُهزم بحاجز.
ابتسمت ميّ — ابتسامةً مكتملة الملامح،
ابتسامة امرأةٍ تُدرك أنّ الطريق، مهما طال أو عَسُر،
سيُبنى بخطواتٍ يُقدّمانها معًا، لا بخطوةٍ منفردة.
كانت ابتسامةً تُشبه ما يسميه أهل البلاغة “البيان بالفعل”،
فالفعل هنا أبلغ من اللفظ، والابتسامةُ أوضح من أي اعترافٍ منطوق.
وفي تلك الليلة، كتب سالم في دفتره، كمن يُسجّل ميلاد معنى جديد:
“حبٌّ يولد في الظلال…
ويقرّر أن يسير نحو الضوء.
حبٌّ يعرف أن الطريق صعب…
فيختاره رغم الصعوبة.
حبٌّ يضع يدي في يدها،
ويقول للعالم بصوت خافتٍ وواثق:
نحن هنا.
سالم.”
لم ينم تلك الليلة كما ينام المرء حين يكون مطمئنًّا.
ظلّ يتقلّب على سريره الضيّق في غرفة السكن الجامعي،
ينظر إلى السقف كأنما ينتظر منه علامةً أو خريطة،
وكأن السقف صفحةٌ بيضاء ينتظر أن يكتب عليها السؤال الأبدي:
كيف يتحوّل الحبّ من شعورٍ إلى موقف؟ ومن موقفٍ إلى إعلان؟
كان يعرف أن الغد لن يشبه أي يومٍ مضى.
كان الغد هو الموعد الذي سيضع فيه قلبه بين يدي أمّه،
ويقول لها كلامًا لم يجرؤ أن ينطق به يومًا.
وفي أعماقه، كانت ميّ حاضرة حضورًا لا يمكن نفيه:
أصابعها التي التفت حول يده،
وصوتها الذي بدا كأنه يقيم حجّة لا تُرد:
“نحن نعرف ما نريد.”
ومع ذلك، كان قلبه ممتلئًا بخوفٍ قديم،
خوفٍ يشبه ما ذكره القدماء حين قالوا:
“النفوسُ مطبوعةٌ على الهيبة ممّا تُقبِل عليه أوّل مرّة.”
فهل هي هيبة البداية؟
أم رهبة أن يُقابَل صدقه بما لا يتوقعه من الجذور التي نشأ فيها؟
وفي الصباح، شدّ رحاله إلى ريف جبلة.
كان الطريق طويلًا،
والجبال تنتصب على جانبه كأنها حُرّاسٌ من حجارة،
يختبرون صدق الداخل إليهم قبل أن يسمحوا له بالعبور.
وكان يشعر، وهو يخطو خطوة بعد خطوة،
أن الطريق تشبه درسًا بلاغيًّا من نوع “المجاز”:
فهو لا يتوجه إلى بيتٍ فحسب،
بل يسير نحو مواجهةٍ مع ذاته،
نحو تأكيدٍ لمعنى ظلّ يتشكّل في داخله حتى نضج.
وعندما بلغ القرية، استقبله البيت على حاله:
سطحٌ صغير،
وشجرتا رُمّانٍ تقاومان الفصول بعنادٍ يشبه عناد أمّه،
بابٌ خشبيّ متواضع،
ورائحة البيت التي اعتاد عليها، تتسرّب من غرفتها حيث طالما علّمت الأطفال كيف يكتبون الحرف، وكيف يتهجّؤون الحياة.
وقف سالم أمام الباب،
وتردّد.
هل يدخل بقلب الابن الذي يعود إلى حضن أمّه؟
أم بقلب الرجل الذي اتّخذ قرارًا نهائيًّا؟
سؤالٌ ظلّ معلّقًا في الهواء،
حتى غلبه دفء البيت الذي حمل ذاكرة طفولته،
فمدّ يده إلى الباب، ودفعه، ودخل.
كانت أمّه تجلس قرب الموقد،
دفترُ التصحيح بين يديها،
والقلم الأحمر – ذاك القلم الذي كان يخشاه أكثر مما يخشى العقاب –
يرسم خطوطًا تُخطئ وتُصحّح،
كأنّه يذكّره بأنّ الحياة أيضًا تُخطّأ وتُصلَّح.
رفعت رأسها ما إن رأته،
وانفرج وجهها بدهشة محبّة:
“سالم! جئت دون أن تخبرني…”
وفي داخله دوّى صوتٌ آخر:
هل أبدأ الآن؟
هل أقول لها ما جئت لأجله؟
أم أترك الكلمات تتشكّل مثل الحبر الأحمر على دفاترها:
بدايةٌ، فتصويبٌ، فاعترافٌ لا يشبه أيّ اعترافٍ سابق؟
ثم سكتت…
فقد رأت في ملامحه ما لم تعهده من قبل:
ارتباكًا يشبه اعترافًا على وشك أن يُقال،
أو تصميمًا لا يزال يبحث عن صيغةٍ ليُعلن نفسه.
قالت بصوتٍ يختلط فيه القلق بعاطفة الأم التي تخشى على ابنها حتى من أفراحه:
“يا بُني… ما بك؟”
وفي داخل سالم، كان سؤالٌ آخر يهمس كمن يخشى أن يسمعه أحد:
هل يُقال للحب حين يبدأ: ها أنا ذا؟
أم يُقال له: هل تحتمل أن أقدّمك لأهلي؟
كانت الجملة التي تنبض في صدره أكبر من أن تبقى حبيسةً في الظل،
فجلس إلى جوار أمّه،
ووضع كتبه جانبًا،
كمن يضع عن كتفيه عبئًا خفيًّا طال حمله.
قال بصوتٍ هادئٍ، لكنه مشحونٌ بثباتٍ داخليّ يشبه ما يسميه البلاغيون “الإقرار قبل البيان”:
“ماما… أريد أن أحدّثكِ بأمرٍ مهم.”
انتظرت أمّه،
لم تقاطعه،
ولم تستعجله،
بل كانت نظرتها كأنها بابٌ مفتوح:
“تكلّم!… أنا معك”.
تنفّس سالم عميقًا،
وكأنّ الكلمة تجاهد لتخرج بصورةٍ تليق بما تحمله من صدق:
“أنا… عرفتُ فتاة.
وأحببتُها.”
لم تقل أمّه شيئًا بادئ الأمر؛
اكتفت بأن تأمّلت وجهه طويلًا،
نظرة أمٍّ خبيرةٍ بقراءة الصمت كما تقرأ الكلام،
كأنّها تبحث عمّا وراء الحرف،
وعن المسكوت أكثر من المنطوق.
ثم سألت بصوتٍ خافتٍ،
لكنّه مشحونٌ بوعي السؤال الأول في كل بوابةٍ من بوابات العمر:
“مِن أين؟”
قال سالم بثباتٍ لا يخلو من ارتجافٍ داخلي:
“من السلميّة.”
ارتجف شيءٌ في نظرة الأم،
لم يكن رفضًا،
ولا قبولًا كاملًا،
بل قلقًا خفيفًا يشبه ذلك التوجّس الذي يسبق الحكم،
كما يسبق السؤال الجوابَ في درسٍ من دروس الحكمة.
قالت:
“وأهلها؟”
فأجاب سالم، كمن يقدّم حجّةً هادئة،
ويرفع دليلًا في محاجّةٍ لا تريد أن تتحوّل إلى صدام:
“والداها أستاذان جامعيّان… ومن عائلةٍ معروفة ومحترمة.”
وهنا، في الصمت الذي أعقب إجابته،
شعر سالم أنّ اللحظة لم تعد لحظة اعترافٍ فحسب،
بل لحظة وزنٍ دقيق،
تضع فيها الأم قلب ابنها في كفّة،
ومعرفةً جديدة في كفّة أخرى،
وتمضي في قراءة الدلالة كما يقرأ العلماء النصوص:
ما ظاهرها؟
ما باطنها؟
وما الذي يوحي به هذا الخبر لامرأةٍ ربّت ابنًا،
وكانت تنتظر اليوم الذي يدخل عليها فيه رجلًا مكتملًا؟
وضعت أمّه الدفتر جانبًا،
كأنّها تزيح عن حجر صدرها عبئًا صغيرًا لتتهيّأ لعبءٍ أكبر.
وكان في حركتها معنى من معاني “الاستعداد” الذي تحدّث عنه أهل اللغة حين قالوا إنّ الأفعال قد تسبق الأقوال في الكشف عمّا يختلج في النفس.
ثم قالت، وعيناها تبحثان عن يقينٍ لم يتكوّن بعد:
“وهل… يعرفان عنك شيئًا؟”
جاء جواب سالم بنبرةٍ تستجمع ما تبقّى من شجاعته،
كمن يضع قدمه الأولى على عتبة طريقٍ لا يريد أن يتراجع عنه:
“سيعرفان.
ونحن… ننوي أن نُكمل الطريق.
بعد سنةٍ نتخرّج… ثم نُعلن الزواج.”
وخيم الصمت بعدها،
ذلك الصمت الذي وصفه القدماء بأنه “أفصح من الكلام”،
الصمت الذي يسمع المرء فيه دقات قلبه كأنّها تُلقي عليه أسئلة لا مهرب منها،
الصمت الذي يجعل الإنسان يواجه ذاته قبل أن يواجه الآخرين.
وكان سالم يسمع كليهما…
دقّات قلبه،
وأسئلة صدره التي لا تهدأ.
ثم قالت أمه أخيرًا،
بصوتٍ يشبه اليد التي تربّت على القلب قبل أن تربّت على الكتف:
“يا سالم…
أنا لا أخاف من الناس،
ولا من اختلاف المكان،
ولا من أن تأتي فتاة من مدينةٍ كبيرة وأنت من الريف الصغير.
فهذه فروقٌ عرفتها البشرية منذ أول العصور…
من زمن الخيام حتى زمن الجامعات.
لكنّي أخاف عليك أنت.
أنت خارجٌ من بيتٍ بسيط…
وهي من عالمٍ آخر.
أخشى أن يؤذوك…
أو أن تشعر، في لحظةٍ ما،
أنك أقلّ ممّا أنت عليه.”
كان سالم ينصت،
وفي داخله صوتٌ آخر ينهض كسؤالٍ قديمٍ جديد:
هل يُقاس الإنسان بما يملكه أم بجهده؟
وبمكانه الذي خرج منه… أم بالمكان الذي يسعى إليه؟
أليس في كلّ ذلك ما يسمّيه اللغويّون “التطوّر الدلالي”؟
حيث تتبدّل معاني الناس كما تتبدّل معاني الكلمات،
فتعلو قيمتهم أو تنقص بما يضيفونه لأنفسهم؟
رفع رأسه أخيرًا،
وقال بنبرة رجلٍ يدافع عن حلمه لا عن نفسه:
“ماما…
أنا لا أريد أن أكون غير حقيقتي.
ولستُ أطلب غير ذلك.
وهي… تحبّني كما أنا.”
وهنا، أدركت الأم – في لحظة صامتة –
أنّ ابنها لم يعد طفلًا يطلب إذنًا،
بل رجلًا يبحث عمّن يسمعه،
ويطلب من العالم أن يفسح له موضعًا يليق بحلمه.
وفي قلبه، أضاف سؤالًا لم يجرؤ على النطق به:
“وهل تكفي الحقيقة وحدها لعبور المسافات؟”
وكان الجو بينهما يملؤه إحساسٌ يشبه بداية فصلٍ جديد من حياة مقبلة، فصلٌ يكتب أول صفحاته الصمت والابتسامة والانتظار.
لمعت عيناها بدمعة صغيرة كادت أن تنحدر،
كأنها شمس صغيرة اخترقت سحابةً من الحذر والقلق، وقالت بصوتٍ يجمع بين الحزم والرقة:
“إذا كنت تحبها… وأنا أعرف متى يعرف القلب طريقه…
فأنا واقفة معك.
لكنّي أريد أن أراها بعيني…
أريد أن أشعر بها.”
أمسك يدها، كمن يربط بين يقينين غير مرئيين، وقال:
“سترينها… وستحبينها.”
ابتسمت أخيرًا، ابتسامة تشبه نورًا يخرج من عمق الروح،
كأنه فجّر طاقة أمان وسلام داخلي:
“إذا أحبّتك… فسأحبّها.”
وفي السلميّة، كانت ميّ تخوض معركتها الخاصة،
جلست مع والدها في غرفة الجلوس الهادئة،
حيث الكتب تملأ الجدران، كأنها شهادات حياة مرتبة،
والنور يتسلل بطريقة منظمة، كما لو كان يقرأ كتابًا قبل أن يسطع.
قالت بصوتٍ يمزج بين الخوف والحزم:
“بابا… أريد أن أحدثك بشيء مهم.”
نظر إليها بقلق لطيف، كطبيبٍ يختبر نبض مريض قبل الكشف:
“هل هناك شيء يضايقك يا ميّ؟”
أجابت بهدوء، لكنها قالت كلمتها بحزم، كمن يعلن عن معركة داخلية مكتملة:
“أبدًا… لكن… هناك شيء يجب أن تعرفه.
أنا… أحب شابًا من الجامعة.”
لم يتغيّر وجهه كثيرًا،
كان يعرف أنّ هذا اليوم سيأتي، كما يعرف المعلم موعد اختبار صعب،
وكان صوته هادئًا، مدروسًا، كمن يزن الكلمات قبل أن يطلقها:
“من هو؟”
قالت:
“اسمه سالم… من ريف جبلة.
أهله معلّمون…
وهو… من أطيب الناس.”
تأملها والدها، عيناه تجمعان بين الفحص والحب،
ثم سأل، مستكشفًا ما وراء الكلمات، متتبعًا النوايا والمشاعر:
“وأنتِ… ماذا ترين معه؟”
وكانت هذه اللحظة اختبارًا صامتًا لكليهما:
لها لتبيّن صدق قلبها،
ولوالدها ليميز بين عاطفة عابرة وحبٍ ناضج ينمو فوق أسس الثقة والاحترام.
وفي الصمت الذي أعقب السؤال، كانت الحروف غير المنطوقة أكثر غنىً من كلّ ما قيل،
كما يقول البلاغيون: إنّ المعنى لا يُستوعب بالكلمات وحدها، بل بما يحيط بها من صمت، وتفاعل، وتفسيرٍ للنفس.
أجابته بصراحة شابةٍ صادقة، تحمل رؤيةً ما تزال في طور التكوّن:
“أرى… مستقبلًا.
مستقبلًا حقيقيًا.”
سألها والدها بصوتٍ هادئ، كطبيبٍ يختبر نبض الحقيقة لا نبض اليد:
“طيب… وهو ماذا يرى معك؟”
ابتسمت ابتسامةً ناعمة، كأنها اعتراف يتقدّم بخطًى خجولة:
“يرى الطريق كلّه، بابا.
يرى بيتًا… وعملًا… ودراسة… وحياة نتشاركها معًا.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، تجمع بين قبولٍ يتقدّم وقلقٍ لا يتراجع:
“حسنًا… وماذا عن أهله؟”
لم تكن كلمتُه استفسارًا عابرًا، بل سؤالًا يتّسع خلفه ما يتّسع من احتمالات.
وما إن نطقته حتى دوّى فيها صوت داخليّ يسأل بخوفٍ مكتوم:
هل سيقبلونني؟
هل سيرون ما يراه هو؟
أم أنّ العائلات – كما تقول الحكايات القديمة – هي الامتحان الأول للحبّ،
والسياج الذي ينبغي للقلبين أن يجتازاه معًا؟
ويتردّد في قلبها سؤال آخر، أشبه باعترافٍ خافت:
هل أخشى أهله حقًا؟
أم أخشى أن يكون لكل بيت معاييره الصامتة،
ولكل قلبٍ تقاليده التي لا تُقال بقدر ما تُفهم؟
وفي داخله هو الآخر، لمع خاطر سريع:
هل تبدو قلقة؟
وهل يستطيع أن يمنحها طمأنينةً لم ينجح بعد في منحها لنفسه؟
وكيف يوازن الإنسان بين حبٍّ ينمو في صدره،
وبين أهلٍ يتمنى أن يفتحوا أبوابهم دون تردّد؟
“أهله…”
كلمة تبدو سهلة في ظاهرها،
لكنّ معناها – كما يعلّم أهل اللغة – تاريخٌ من العادات، والطباع، والجذور التي تمتد خلف كل اسم.
فهل تكون العائلة جسرًا؟
أم جدارًا؟
أم امتحانًا يكشف معدن النوايا حين تُوضع على المحكّ؟
وحين سألها والدها، بدا السؤال كنافذةٍ تُشرِف على ما ينتظر القلبين من خطوات قادمة.
ففي مثل هذه اللحظات، لا تُختبَر المشاعر وحدها،
بل تُختبَر القدرة على السير في الطريق، مهما كان الطريق طويلًا.
قالت ميّ بصوتٍ يجمع بين الإصرار والصدق:
“إنهم أناس طيّبون…
وأنا أرغب في الذهاب إليهم،
لكن… أريدك أن تكون معي.”
وما إن قالتها حتى شعرت أنّ قلبها يبوح بما كان يخشى إظهاره.
وتساءلت في سرّها:
لِمَ تبدو الخطوة يسيرة في الظاهر،
بينما ترتجف الروح حين تفكّر بها؟
أهو الخوف من أن تواجه وحدها؟
أم لأنّ من يحبّ لا يريد أن يخطو خطوةً واحدة إلا ويده متشابكة مع يد مَن اختاره؟
وفي داخلها صوت آخر يهمس:
“هل سيرافقني؟ أم سيُفكّر كثيرًا قبل أن يجيب؟
وهل يحتاج الحبّ إلى دليلٍ أقوى من الوقوف معًا في اللحظات التي تهتزّ فيها الكلمات؟”
أما هو، فيداخله سؤالٌ آخر:
هل طلبت رفقته لتشعر بالأمان؟
أم لأنها تريد أن تُريه عالمها، أهلها، جذورها،
لينظر إليهم كما تنظر هي إليه؟
وهل يكون حضوره مجرّد مرافقة…
أم اعترافًا صامتًا بأنّ المستقبل يُبنى خطوةً فخطوة؟
“أريدك أن تكون معي…”
تتردّد العبارة في داخله كأنها امتحان للودّ،
وفي داخلها كأنها رجاء،
وفي اللغة كأنها شاهدٌ على حقيقةٍ بلاغية قديمة:
أنّ الكلمة قد تبدو بسيطة،
لكنها تحمل طبقاتٍ من المعنى لا يكشفها إلا القلب.
تنهد الأب ببطء،
ونظر أولًا إلى مكتبته، ثم إلى ابنته بعينين تجمعان بين القلق والحب،
وقال بصوت هادئ، يختزن سنواتٍ من الخبرة والتجارب:
“ميّ…
أنا لا أخاف من الناس،
ولا من اختلاف الطوائف أو البيئات،
لكن أخاف من الوجع…
الوجع الذي قد يسببه شخص يأتي من عالم بعيد،
يحاول أن يثبت نفسه… ويصطدم بالواقع.”
رفعت عيناها إليه بثقة لم يعرفها فيها من قبل،
كأن كلمات صامتة تقول: “لا تخف، نحن معًا.”
فأضافت بجرأة القلب الصغير والكبير معًا:
“بابا…
سوف نثبت أنفسنا معًا.”
طال الصمت، صمتٌ ثقيل يشبه ما وصفه البلاغيون بأنه “سكون يسبق البيان”،
ثم قال الأب، وابتسامته تحمل بعض الحذر، لكنه يقف مع الحقيقة:
“إن كنتِ تُحبّينه…
فأنا إلى جانبك،
غير أنّي أودّ أن أراه،
وأن أشهد كيف يدور الكلام بينكما.”
كان صوته هادئًا ظاهرًا،
لكن وراء هذا الهدوء موجات من الأبوة، والغيرة، والخوف، والحرص.
وفي داخل ميّ، ارتجف سؤال مباغت:
هل يبارك الطريق؟ أم يختبره؟
أيعطي إذنًا بالسير… أم يضع أول حجر في ميزانٍ لا بدّ من رجحه؟
وفي داخل الأب نفسه، كان صوت آخر لا يسمعه أحد:
كيف أحكم على رجل لم أره؟
وكيف أترك قلبي – الذي أفنيت عمرًا كله أختبئ خلفه – يسلّم ابنتي ليدٍ لم أختبرها بعد؟
أيمكن للحب وحده أن يكون معيارًا؟
أم أنّ التجربة تقول إن الكلمات لا تُفهم إلا حين تُقال أمامك،
وأن العيون هي التي تكمل ما تعجز عنه الألسن؟
وتسأل ميّ نفسها، وقد امتزج القلق بالأمل:
هل سيراه كما أراه أنا؟
هل سيقرأ في حديثه الصدق الذي قرأته؟
أم أنّ اللقاء سيكشف شيئًا لم يخطر لي على بال؟
ويتمتم الأب في سره:
“أأطمئنّ لراحة وجهه؟
أم لثبات صوته؟
أم لهيبة الحياء حين يكلّمنا؟
وبأي مقياس يُقاس الرجال عندما يتعلق الأمر ببناتنا؟”
صمتت اللحظة بينهما، كفاصلٍ بين مرحلتين:
مرحلة كان فيها الحب حديثًا خافتًا،
وأخرى يتحوّل فيها إلى امتحانٍ يمر عبر عين الأب وقلبه.
وفي تلك الليلة،
كان سالم يسير في الممر المؤدي إلى غرفته،
والهواء بارد، لكنه يشعر بحرارةٍ في صدره لا تنطفئ،
حرارة تشبه ما يصفه الشعراء بالنبض الذي لا يُكتم عند أول شعور بالحب.
وفي اللحظة نفسها،
كانت ميّ واقفة قرب نافذتها،
تنظر إلى المدينة بضوء خافت، وتبتسم،
ابتسامة تنطق بالثقة، بالإرادة، وبإعلانٍ صامت:
“نحن مستعدّان للطريق.”
اثنان في مكانين مختلفين،
لكن قلبيهما يكتب الجملة نفسها دون أن تحتاج الكلمات:
“نحن مستعدّان للطريق.”
لم يكن اليوم التالي يومًا عاديًّا.
سالم يتحرك بخفة غير مألوفة،
كأن خطوة الأمس في بيت أهله قد أزالت عنه ثقلًا دام في صدره سنوات:
ثقل الخوف من سوء الفهم،
وثقل الإحساس بالنقص،
وثقل الانكسار أمام مقاييس ليست له.
كان يعلم أنّ الطريق ما يزال طويلًا،
لكنّه أصبح الآن… طريقًا مفتوحًا،
طريقًا يمكنه أن يسير فيه بخطى ثابتة، واثقًا من نفسه.
وفي الطرف الآخر من مدينتها،
استيقظت ميّ على ضوء شتوي ناعم،
أغلقت نافذتها بيدٍ ما زالت ترتجف قليلًا من وقع الحوار مع والدها،
وترتّب شعرها أمام المرآة،
قبل أن تسأل نفسها بصوتٍ داخلي:
“هل أنا فعلاً… مستعدّة؟”
وجاء الجواب من قلبها قبل عقلها:
“نعم”.
بعد أيام قليلة، التقيا عند السور القديم للكلية،
السور الذي اعتاد أن يرى بدايات كل شيء،
كأنه شاهد على خطوات الشباب الأولى على صفحات حياتهم.
لم يقتربا بسرعة،
سارا نحو بعضهما بخطوات هادئة،
لكن الأعين قالت ما لم يستطع اللسان قوله كل صباح.
كانت ميّ أول من تحدّثت:
“سالم… لقد تحدّثتُ مع أبي.”
الفصل السادس:
ما إن نطقت الجملة حتى ارتجف في داخلها صوتٌ خفيّ لا يسمعه أحد سواها:
هل قلتُها حقًا؟ وهل كنت مستعدة لهذه الخطوة؟
وكأن الكلمات خرجت محمّلة بقلق لطالما حاولت إخفاءه.
ويتساءل قلبها في صمت متقد:
كيف سيتلقّى سالم هذا الخبر؟
هل سيرى فيه شجاعة؟ أم تسرّعًا؟
أم أنّه سيقرأ بين السطور خوفًا كانت تخشاه؟
“تحدّثتُ معه…”
تعيد الجملة في داخلها، كأنها تؤكّد لنفسها قبل أن تؤكّد له.
وتعود لتسأل نفسها:
“لماذا كان الوقوف أمام أبي أصعب من الوقوف أمام العالم كلّه؟
هل لأن الأب، في النهاية، هو أوّل أبواب القدر؟
أم لأن كلمته وحدها قد تفتح الطريق… أو تغلقه؟”
ونظرت إليه بعينين تبحثان عن يقين:
“أكان ذلك ما يجب فعله؟
أم أنّ الاعتراف خطوة لا رجعة فيها،
ونبض لا يكفّ عن المطالبة بحقه في الحياة؟”
ولعلّ صدى سؤال آخر يمرّ في خاطرها كهمسة بعيدة:
“هل سيحمل سالم هذا الكلام بقلب مطمئن… أم بقلب يختبر أول ارتعاشة في مستقبل لم يولد بعد؟”
ابتسم، ابتسامة خافتة وعميقة،
تشبه رجلًا يضع حجرًا جديدًا في أساس بيته، ابتسامة تقول: “ها قد بدأنا البناء.”
“وأنا أيضًا… أخبرت أمي، وقلبي مطمئنٌ لأنها تعرف كل شيء عني، كما تعرفتِ أنت عن كل ما في داخلي.”
تبادلا نظرة طويلة—
نظرة تحمل في ثناياها خوفًا دفينًا،
لكنها كانت ممتلئة أيضًا برضا عميق،
واعتراف صامت بأنهما فعلاً…
يسيران على الطريق نفسه.
جلسا قرب الشجرة التي شهدت أول اقتراب جسدي بينهما،
كأنهما يعودان ليعلماها بصمت:
“ها نحن… نمضي أبعد مما ظننتِ يا شجرة.”
قال سالم، وهو يعبث بحجر صغير بين أصابعه، كمن يقرأ قصة صغيرة بين يديه:
“ماما كانت خائفة…
ليست مني…
بل من الفرق الكبير بين عالمنا وعالمكم.
لكن لما رأت أنني جدِّي…
لم تمنعني.
قالت فقط: دعيني أراه.”
شعرت ميّ بحرارة في صدرها—
حرارة تشبه الفرح،
والامتنان،
والارتياح،
وذلك الشعور اللطيف الذي يجعل الدمع يختبئ خلف العين دون أن يسيل.
وفي هذه اللحظة، كان الصمت بينهما ليس فراغًا، بل مساحة يملؤها السلام،
سلام من نوعٍ نادر،
سلامٌ يعترف بأنّ الحب يحتاج إلى الصبر،
وأنّ القلوب حين تصدق خطواتها، تجد طريقها مهما كانت المسافات شاسعة.
قالت ميّ بصوتٍ يمزج بين الصراحة والدفء:
“والدي أيضًا… لم يرفض.
كان فقط قلقًا.
سألني: ما الذي ترينه معه؟
وأنا… كنت أراك أنت.
كنت أرى قلبك،
وأرى الطريق الذي يمكن أن نرسمه معًا.”
سقط الحجر من يد سالم،
التفت إليها بكل جوارحه، وعيناه تحملان صدقًا لا يختبئ خلفه شيء،
وقال بنبرة هادئة وثابتة، كأن كل كلمة تخرج من جوهره، من صميم كيانه:
“ميّ…
أريد أن نكمل.
أريد أن نواجه معًا.
إذا كانت هناك حدود —
اجتماعية، جغرافية، طائفية، أو طبقية —
فنحن…
نحن الذين سنتجاوزها، لا هي التي ستتجاوزنا.”
وفي قلب ميّ، ارتجف سؤال صامت:
هل يستطيع الحب وحده أن يزيل ما زرعته العصور من حواجز؟
أم أنّ الطريق يحتاج إلى خطوات متأنية، وصبر طويل، وفهم متبادل؟
وتجول في قلب سالم سؤالٌ آخر:
كيف نحفظ صدقنا في مواجهة توقعات الآخرين؟
وكيف نحمل شعلة الحب بيننا دون أن تخفت أمام تحديات الحياة؟
لقد كانا يقفان هناك، قرب الشجرة،
كأنهما يعلمان أنّ الكلمات وحدها لا تصنع المستقبل،
وأن الأفعال هي التي تمنح المعنى للحب،
وأن العزيمة والصدق هما الجسر بين ما هو ممكن وما هو مستحيل.
أغمضت ميّ عينيها لحظة،
ليس خوفًا، بل لأنها شعرت بأن قلبها يُمسك بطريقة جديدة، أكثر يقينًا وثقة.
ثم قالت بصوت هادئ، صادق، كمن يكتب وعدًا على صفحة جديدة:
“سالم… أريد أن أخبرك شيئًا.
أنا… لا أريدك أن تتغير من أجل أحد،
لا من أجل أهلي،
ولا من أجل المدينة،
ولا من أجل أي معيار.
أريدك كما أنت،
سالم الذي يأتي من الريف،
لكنه يمشي بكرامة تفوق كرامة عائلات كاملة.”
تنفّس بعمق،
وكان يسمع الكلمات وهي تفتح في داخله أبوابًا ظلت مغلقة منذ الطفولة،
أبوابًا للحرية، وللاعتراف بالذات.
“وأنتِ…
أريدك أن تبقي ميّ التي أحبها،
لا ميّ التي يريدها الجميع.
وإذا كان الطريق طويلًا…
فسنقصّره بخطانا معًا.”
سألت بخفة، وعيناها تتلألأان بالفضول والتصميم:
“ومن أين نبدأ؟”
سكت قليلاً، ثم نطق الجملة التي ستشكل نقطة التحول في مسار حياتهما:
“من الدراسة.”
رفعت حاجبها قليلًا مستفسرة:
“لكن… كيف؟ وماذ يعني ذلك؟”
ابتسم برقة، وحماسةٌ جديدة تتغلغل في صوته، كصوت رجل بدأ يرى مستقبله بوضوح:
“نقوّي أنفسنا.
نصبح قادرين على الوقوف أمام أهالينا، أمام المجتمع، وأمام أنفسنا لنقول:
نحن لم نأتِ لنطلب،
نحن جئنا لنقدّم أنفسنا.
نكتب، نبحث، نتعلّم، نعمل مشروعًا معًا…
شيئًا لنا… باسمنا.”
كانت نبرة صوته مشبعة بالحماسة،
حماسة رجل بدأ يلمس الطريق الذي رسمه بنفسه،
طريقًا من العلم والعمل والشجاعة،
طريقًا يخلق فيه مستقبله مع ميّ، يدًا بيد،
حيث يصبح لكل خطوة معنى، ولكل حلم حقيقة.
“وليست أي دراسة أتمناها…
إنني أبحث عن أمرٍ يتجاوز حدود الورق والمقرّرات، شيءٍ يربط بين روحينا بحق، كخيطٍ واحد ينساب من قلبي إلى قلبك.”
وفي صمت يشبه الهمس، تساءلت النفس:
ما الذي يجعل مشروعًا ما قادرًا على جمع قلبين؟
هل غايته تكفي؟ أم شغف الساعين إليه؟ أم أنّ الحب ذاته هو الذي يمنح كل شيء معناه؟
“أريد عملًا يليق بنا…
ويعكس ملامحنا، ينهض على ما نحمله من محبة، يُسهم في بناء مستقبل يجمعنا.”
وارتفع صوت داخلي آخر، يحمل شيئًا من الرجاء:
أيمكن للحب أن يتحوّل إلى فعل؟
أيمكن أن يصبح مشروعًا يحمل بصمتنا المشتركة، لا مجرد حلمٍ عابر؟
أم أنّ المشاريع الكبرى تبدأ دائمًا من لحظة صدق كالتي نقف فيها الآن؟
“إنني… أريد مشروعًا مشتركًا.”
تردّدت الجملة في داخلها، كأنها اختبار لقدرة القلبين على الفعل لا على القول.
وتساءلت النفس مرة أخرى: هل نحن مستعدّان لخطوة كهذه؟
وهل يمكن لحلم صغير، يبدأ بين كلمتين، أن يصبح واقعًا يصنع مصيرًا جديدًا؟
نظرت إليه ميّ بدهشة، مزيجها فرح ودهشة—
دهشة امرأة تدرك أنّ الرجل أمامها لا يحبّها فقط، بل يفكر معها، ولها، وفيها.
“ما نوع المشروع الذي تفكر فيه؟”
ابتسم ابتسامة هادئة، محمّلة بالمعنى والنية الصادقة:
“علم الدلالة.
هو المكان الذي يجمع بين لغتنا…
وبين قدرتنا على فهم بعضنا…
وبين حلمنا أن نكتب شيئًا لنا.”
شعرت ميّ في تلك اللحظة بأن الهواء أصبح أدفأ، وأن المستقبل صار أقرب، وأن الحب… لم يعد مجرد عاطفة، بل صار مشروعًا حيًّا، يُولد من الفكر والعمل معًا.
“سالم…
نعم.
نعم من قلبي.
نعم للمشروع.
ونعم للمستقبل.
ونعم… لك.”
مدّت يدها نحو يده مرة أخرى، ووضعت يدها فوق يده— هذه المرة بلا ارتجاف، وبلا خوف، وبلا تردّد.
كان ذلك اللمس…
توقيعًا.
توقيعًا على الطريق الذي يبدأ الآن،
على بداية كتابة حياة مشتركة،
على مشروع لا يُقاس بالمشاعر وحدها،
بل بالإرادة والعمل والثقة المتبادلة.
وفي تلك الليلة…
كتب سالم:
“عندما يصبح الحب خطة، يولد المستقبل.
سالم.”
وكتبت ميّ في دفترها:
“اليوم… صار اسم سالم أول صفحة في حياتي القادمة.”
حلّ صباح الجامعة بهدوء غير مألوف،
كانت الأشجار واقفة كأنها تصغي، والساحة ممتلئة بضوء شتوي ثقيل يهبط ببطء على المقاعد الإسمنتية، ويشبه تلاعب القدر بخيوط الضوء، كأن كل شعاع يريد أن يهمس للقلوب:
ها هو يوم جديد… يوم العمل، يوم اللقاء، يوم صنع الحلم.
وفي داخل كل منهما، تساءل الصوت الصامت:
هل يمكن أن يتحوّل هذا الصباح إلى بداية حقيقية؟
هل تكفي الرغبة والإرادة لنقل الحب من الشعور إلى فعل ملموس؟
وهل سيكون كل يوم يحمل بين طياته خطوة جديدة نحو ما رسمناه معًا؟
وصلت ميّ قبل سالم، وجلست في تلك الزاوية التي غدت، مع الأيام، أشبه ببيت صغير يجمعهما، لا جدران له إلا الهدوء، ولا سقف له إلا ما يظلان يخطّانه من أحلام.
وضعت دفترها فوق ركبتيها، وكان قلبها يسبق أفكارها بخطوة، كأنّه، على حدّ قول القدماء، “قلبٌ يُلقي بظله قبل أن يُلقي صاحبه خطاه”.
كانت الليلة الماضية قد أرهقتها— فكرة المشروع، وفكرة المستقبل، وفكرة مواجهة عالمين متباعدين: عالم نشأت فيه، وعالم خرج منه سالم.
لكن ذلك الإرهاق لم يكن خوفًا، بل كان شبيهًا بحماسة طفل يفتح أوّل كتاب في حياته، حماسة يختلط فيها الفضول بالرهبة، والرغبة بالدهشة، وتسأل نفسها في صمت:
أيمكن لمشروع يبدأ هكذا أن يرسم مصيرًا؟
وهل الكتابة المشتركة قدر، أم امتحان، أم ولادة جديدة للمعنى؟
حين وصل سالم، كان يحمل مجلدًا كبيرًا تحت ذراعه، مجلّدًا بدا أنّه ليس من مقررات هذا العام الجامعي، بل من شيء آخر…
شيء يشبه الاعتراف، أو النيّة، أو القرار.
جلس بقربها، والمسافة بينهما لم تعد تحتاج إلى تهذيب، فقد صار القلبان هما اللذان يحدّدان مقدار القرب.
بدأ كلامه دون مقدّمات، كمن يحمل بيتًا يريد أن يضع أساسه الآن:
“ميّ…
فكّرت طويلًا الليلة الماضية.
إذا أردنا مشروعًا حقيقيًا…
فلا بد أن يكون داخل إطار واضح.
ليس لقاءات عابرة،
ولا أعمالًا سريعة تزول بانتهاء لحظة.
لا…
إنه ينبغي أن يكون دراسة.”
وفي داخلها ارتفع سؤال هادئ:
أهي دراسة للعلم… أم للذات… أم للحبّ الذي يسعى لأن يصير معرفة؟
وتذكّرت قول الأقدمين:
“ما من علم إلا وهو مرآة لصاحبه”.
فهل سيكون هذا المشروع مرآة تجمع صورته وصورتها في انعكاس واحد؟
ابتسمت وقالت بصوتٍ يستند إلى يقين خفيف ولكن عميق:
“وأنا أيضًا فكّرت…
وأشعر أن المشروع ينبغي أن يمثلنا نحن الاثنين.”
أخرج سالم المجلّد،
ووضعه أمامها كما يضع المرء أثمن ما يملك،
ليس لأنه كتاب،
بل لأنه “خطوة”.
خطوة أولى، والقلوب تعرف دائمًا خطورة الخطوة الأولى.
مدّت يدها تقلّب صفحاته،
فوقعت عيناها على عناوين تشبه خرائط واسعة:
“الدلالة اللغوية،
السياق،
أثر البيئة،
تأويل الخطاب،
الحقول المعجمية…”
كانت الكلمات تنساب أمامها مثل جدول نهر كبير،
يتشعّب في جهات عديدة،
ومع ذلك لا يضيع مجراه.
وتسأل نفسها:
أيمكن للدلالة أن تكون لغة قلبٍ قبل أن تكون لغة نص؟
وهل نفهم الكلمات لأننا درسناها… أم لأننا عشناها؟
رفعت نظرها إليه—
نظرة دهشة تتداخل فيها ملامح الامتنان:
“سالم… أنت… جادّ أكثر مما تصوّرت.”
ضحك بخفوت يشبه خجل الفرح، ثم قال:
“أنا جادّ… بالحياة معك.
أفأخاف من مشروع؟”
وفي داخله، ارتفعت عبارة أخرى لم يقلها بصوت مسموع:
كيف أخاف من ورقٍ، وقد تجاوزتُ خوف العالم كله حين أمسكتُ يدك؟
وكيف أتهيب العلم، وهو الطريق الذي سيجعلني أهلًا لك ولنفسي وللمستقبل؟
وفي داخلها بدورها، كان سؤالٌ هادئ ينبض:
هل يكون هذا هو الباب الأول؟
بابٌ يدخل منه العلم، ويتبعه الحلم، ثم يتّسع ليصبح بيتًا… بيتًا لهما.
أغمضت عينيها هنيهة، ثم قالت بصوتٍ خافت، رقّته أشبه بنسيم الصباح حين يمرّ على نافذةٍ مفتوحة:
“أنا مستعدة… للبدء، وللسير في الطريق إلى آخره.”
جلسا متجاورين، يفتحان المجلّد صفحة بعد صفحة، كأنهما ينقّبان في طبقات معنىٍ لا نهاية لها.
بدأ حديثهما علميًا، يستند إلى المصطلحات والمفاهيم، ثم شيئًا فشيئًا انزلق الكلام إلى مساحة أرحب؛ إلى نفسيهما، وإلى ما تختزنه أرواحهما من أسئلة ودهشة.
قالت ميّ، وهي تتأمل إحدى الفقرات:
“أتعلم؟ إنّ الدلالة ليست علمًا جامدًا تودَع قواعده في الكتب فحسب؛ بل هي جسر خفيّ يسمح لنا بأن نفهم بعضنا، وأن نقترب من العوالم التي لا نراها إلا في دواخلنا.”
وفي داخلها نهض سؤال لم يهدأ:
كيف يمكن للكلمة – وهي الكلمة ذاتها، تُنطق بالصوت نفسه – أن تُثير في قلبٍ معنى، وفي قلب آخر معنى يخالفه؟
أهو اختلاف التجارب؟ أم اختلاف البيئات التي شُكِّل فيها الوجدان؟
أم أنّ الإنسان لا يسمع الألفاظ بقدر ما يسمع ما تراكم خلفها من ذكريات ومشاعر وإيحاءات؟
وهمس في أعماقها صوتٌ آخر، كأنه صوت عالم من علماء العربية القدامى، ممن جالوا في بطون اللغة بحثًا وتنقيبًا:
“ألم يقل اللغويون منذ القرون الأولى إنّ اللفظة لا تُدرَك إلا بسياقها؟ وإنّ الدلالة تتولّد من مقابلة اللفظ بالنفس، لا من اللفظ وحده؟”
ثم ارتفع من زاوية أخرى صوت ثالث، أكثر معاصرة، كأنه سؤال يلتفت مباشرة إلى القارئ:
وهل ندرك، حين ننطق كلمة ما، ما نحمله إليها من ظلالٍ وإيحاءات؟
وهل يمكن لشخصين نشآ في عالمين مختلفين – في ثقافة، أو زمن، أو بيئة – أن يلتقيا على معنى واحد دون أن يجرّا معهما تاريخًا من التجارب والذكريات؟
“إنّ الكلمة ذاتها، بالنبرة ذاتها…”
همستْ ذاتُها العميقة،
“قد تُشرق في نفس أحدهم بالطمأنينة، فيما تفتح في نفس آخر جرحًا طمره الزمن.”
أفلا يدعونا هذا إلى النظر إلى اللغة لا بوصفها أصواتًا تُلفَظ، بل بوصفها عوالم تُكتشَف؟
وأفلا يحفّزنا على التأمل: هل نحن نتبادل الألفاظ حقًا أم نتبادل ما وراءها من شحناتٍ وانفعالاتٍ وتاريخٍ إنسانيّ؟
وهكذا بدا لها علم الدلالة – لا في الكتب وحدها، بل في الحياة ذاتها – محاولةً لفهم الإنسان قبل فهم اللغة، وسعيًا لالتقاط ما لا يُقال بقدر ما يُقال.
فهل تكون اللغة مرآةً صادقة للروح؟
أم أنّ الروح هي التي تُعيد صوغ اللغة في كل مرة ننطق فيها كلمة نظن أننا نعرفها؟
كتب سالم بصره في وجهها لحظةً، ثم قال بعد صمتٍ يشبه اكتمال فكرة:
“مثل كلمة ‘بيت’…
بالنسبة إليّ، تعني رائحة الخبز،
ودفء الحطب المشتعل،
ومعلّمين يسهرون على تصحيح دفاتر تلاميذهم في الليل.”
ابتسمت ميّ، وارتسم على شفتيها دفءٌ خافت يشبه ضوءً يستيقظ ببطء:
“وأما بالنسبة إليّ… فهي تعني مكتبة واسعة،
وضوءً ينسكب على كل طاولة،
وأبي يطالع الفروض الجامعية بدل صحف الصباح.”
ساد صمتٌ بينهما.
صمتٌ لم يكن فراغًا، بل امتلاءً…
امتلاءً بأسئلة خفيّة، وبمعانٍ لم تتشكّل في الألفاظ بعد.
ثم قالت ميّ، وكأنها تنحت كلامها من قلبٍ يتهلّل ويضطرب في آن واحد:
“غير أنّ هذا الاختلاف كلّه…
لا يمنع أنّ الكلمة نفسها،
حين أنطقها أنا، وحين تنطقها أنت…
صارت تعني أمرًا واحدًا:
بيتنا نحن.”
تحرّكت أصابع سالم على حافة الدفتر ارتعاشًا،
كأن يده تُعبّر عمّا عجز قلبه اللحظة عن حمله.
لم يكن مهيّأً لاستقبال هذه الجملة،
لكنها جاءت كما تأتي الحقائق الكبرى:
بلا ضوءٍ مُسلَّط،
ولا موسيقى تمهّد،
بل بقوة حضورها وحدها.
قال بصوت يكاد يمسّ الصفحة:
“ميّ…
إذا كان في الدلالة شيء يُسمّى معنى مشتركًا…
فهو ما بيننا الآن.”
وفي داخله سؤال يتردّد:
كيف تتوحّد دلالاتٌ نشأت في بيئتين مختلفتين،
وتاريخين متباعدين،
وتجربتين لا تتشابهان إلا في شيءٍ لا يُرى…
شيءٍ يشبه الخيط الخفي الذي يربط المعاني في قلب اللغة؟
أهو الحبّ ما يعيد تشكيل الدلالات؟
أم أنّ اللغة، في لحظات الصفاء، تتجاوز حدود المكان والطبقة والتنشئة،
وتعود إلى جوهرها الأول:
إيصال ما في النفس إلى نفسٍ أخرى؟
وبينما كانا يغوصان في دفء حديثهما،
بدأت نظرات الطلاب تتقاطع حولهما.
نظرات بدت كأنها أسئلة معلّقة في هواء القاعة.
قال أحد الشبان، هامسًا لصديقه:
“هي من المدينة… وهو من الريف.
فما الخيط الذي جمعهما؟”
وقالت فتاة مرّت بالقرب منهما، وفي نبرتها خليط من الفضول والإنكار:
“هي ابنة أطباء… لعلّها تساعده في دراسته.”
لكنّ سالمًا وميًّا كانا خارج هذا كلّه.
لم يعد لما حولهما صوت،
ولا لما يُقال وزن.
كانا في عالمٍ صغير يتكوّن من دفتر واحد،
وصوتين يتحاوران،
ومستقبلٍ يطرق بابهما طرقًا خفيفًا،
كأنّه يستأذن.
وبعد ساعتين من النقاش،
أغلق سالم الملفّ ببطء،
وقال بجديّة تشبه الوقوف على عتبة فصلٍ جديد من حياتهما:
“ميّ… علينا أن نبدأ العمل رسميًا.
نُخصّص وقتًا ثابتًا،
نسجّل الملاحظات،
نعيد القراءة والمراجعة،
ونقسّم المهام بيننا.”
سألته، وقد توهّج في عينيها بحثٌ عن أول خيطٍ في الطريق:
“وما أول خطوة؟”
رفع الملفّ بين يديه،
ونظر إليها بثباتٍ ينتمي إلى عالم الفكر أكثر من عالم اللحظة:
“أول خطوة… أن نُسمّي مشروعنا.”
ضحكت ضحكةً خفيفة، كأنها تسأل من وراء ابتسامتها:
“ولِمَ نحتاج إلى اسم؟”
فأجاب، وفي صوته أثر حكمةٍ لغوية قديمة،
حكمةٍ طالما تفاخر بها العرب حين كانوا يزنون اللفظة بميزان الذهب:
“لأنّ كل شيء إذا سُمّي… صار حقيقة.
والاسم باب الوجود،
كما قال أئمة اللغة منذ أن كانت الكلمة تُعالَج بالعناية ذاتها التي تُعالَج بها النفائس.”
في تلك الليلة،
جلس سالم أمام صفحة بيضاء كالمدى قبل الغيم.
كان يشعر بأن الصفحة ليست ورقة،
بل بداية طريق،
وأن القلم ليس أداة،
بل امتداد لنبضٍ يبحث عن لغته الخاصة.
كتب:
“أول مشروع…
أول اسم…
أول خطوة في الطريق الذي سيقودني إليها.
سالم.”
وكأن كل كلمة كانت توقيعًا على عهدٍ داخلي جديد:
أن العلم لا ينفصل عن العاطفة،
وأن المعرفة، حين تُصاغ مع من نحب،
تصير شكلاً من أشكال الحياة.
وفي غرفتها، جلست ميّ أمام دفترها،
ورأت كلماتها تتشكّل كأنها اعتراف لا يقبل المواربة:
“اليوم… لم أعد أراه رجلًا أحببته فحسب.
لقد صار شريكَ عقلي…
قبل أن يكون شريك قلبي.”
وفي داخلها سؤال يهمس:
هل يمكن للروح أن تجد من يشاركها التفكير قبل أن يشاركها العاطفة؟
أم أنّ التفكير أرقى وجوه الحب،
وأسمى أبوابه؟
لم يكن صباح الاثنين يشبه غيره.
كان الهواء ثقيلًا كصفحةٍ تنتظر أول جملة،
ورائحة المطر معلّقة فوق دمشق،
كأن السماء تحبس نفسها لحظةً قبل أن تُشرع أبوابها.
وصل سالم إلى المكتبة المركزية قبل ميّ.
دخل بخطوات هادئة،
يمرّ بين الرفوف كأنها أزقّة مدينةٍ يعرفها منذ زمن بعيد،
مدينة من الورق والحبر،
ومن القرّاء الذين يشبهون ظلالًا تُحدّث الكتب ولا تُسمَع.
شعر بشيءٍ جديد ينساب في صدره…
شيء يشبه الانتقال من حالٍ إلى حال:
من عاشقٍ يقف على حافة الكلام،
إلى رجلٍ بدأ يحمل مشروعًا على كتفه،
مشروعًا يشبه حياة كاملة،
كأن الاسم الذي اختاراه أصبح وزنًا خفيفًا على الورق،
وثقلًا جميلًا في القلب.
جلس في الركن المتفق عليه—
قرب نافذة عالية،
يدخل الضوء منها مائلًا فوق الطاولة،
فيحوّل الأوراق البيضاء إلى مساحة قابلة للامتلاء،
كأن النور نفسه يشارك في الكتابة.
أخرج ملفّهما،
وفتح الصفحة الأولى،
وبخطٍّ مترددٍ يسعى إلى الاتّزان، كتب:
«الدلالة بين عالمين – مدخل إلى فهم اللغة في سياقات اجتماعية مختلفة.»
تأمّل العبارة لحظة…
ثم أحسّ قشعريرة تسري في يده،
فالكتابة هنا لم تكن جملة أكاديمية،
بل كانت إعلانًا مبكرًا عن المصير الذي ينمو بينهما.
ولمّا كان يعيد ترتيب الجملة،
ظهرت ميّ عند باب القاعة.
لم تأتِ مُسرعة،
لكن خطواتها كانت تحمل توترًا جميلاً—
توترًا يشبه وقوف القلب على عتبة بابٍ جديد،
بابٍ تعرف أنها إن دخلته،
فلن تكون هي ذاتها بعد الآن.
وبين السؤال واليقين،
كانت تمضي نحوه…
كأنها تمضي نحو ذاتها الجديدة.
جلست في مقعدها دون أن تنطق بكلمة،
ثم امتدّ نظرها إلى الصفحة المفتوحة أمامه.
قرأت العبارة المكتوبة أعلاها…
فارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة،
ابتسامة تجمع بين دهشةٍ لذيذة،
وفرحٍ مكتوم،
وإحساسٍ عميق بأن شيئًا كبيرًا بدأ يتشكّل،
كأنها ترى العنوان لا بوصفه كلماتٍ، بل بوصفه بوّابة.
قالت بصوت منخفض، كأنها تسأل المعنى نفسه:
“أكتبتَ العنوان؟”
هزّ رأسه في هدوء.
“نعم…
شعرت أنّه ينبغي وضعه قبل أن نشرع في أي خطوة.”
مدّت يدها نحو الدفتر،
وأخرجت قلمًا من حقيبتها بحركة بطيئة،
تلك الحركة التي لا يقوم بها المرء إلا حين يدرك أنّ ما سيكتبه
ليس سطرًا عابرًا،
بل أثرًا.
كتبت تحت العنوان:
“بحث مشترك – سالم/ميّ”
كان خطّها دقيقًا،
متزنًا،
منسجمًا كالنسق الداخلي لعقلٍ يعرف ما يريد أن يقوله.
بدا خطّها أشبه بما يُكتب على خاتم زواج،
لا على ملفّ جامعي.
نظر إليها طويلًا…
طويلًا حتى خُيّل له أنّ الزمن توقّف كي يسمح لهما بوعي هذه اللحظة.
في داخله همس صوتٌ خفيف:
هل يبدأ العمر من كلمة؟
أم يبدأ حين تُكتب الأسماء جنبًا إلى جنب؟
وهل يمكن للكتابة أن تكون عهدًا لا يُقال بل يُرسَم؟
شعر أن هذه اليد التي جمعت اسميهما
هي بداية مرحلةٍ لا عودة منها.
ثم بدأ العمل.
انتشرت الكتب فوق الطاولة كأنها جزرٌ متباعدة
تجمع خريطتَين من العالم في مساحة واحدة:
كتب في علم اللغة،
وأخرى في “التداولية”،
وكتب في اللسانيات الاجتماعية،
وفي تحليل الخطاب،
وكتبٌ صغيرة صفراء الأطراف،
تحمل ملامح الزمن،
وتتحدّث عن تطوّر الدلالة في العربية منذ عهد الخليل وسيبويه
حتى أطروحات الدراسات اللسانية الحديثة.
كانت الطاولة تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى خريطةٍ فكرية مشتركة،
خريطة يبنيها عقلان،
وينفخ فيها الروحُ قلبان،
وتعيد طرح سؤال قديم:
هل اللغة هي التي تجمع الناس؟
أم أنّ الناس هم الذين يمنحون اللغة روحها؟
قلّب سالم إحدى الصفحات وقال وهو يتأمّل سطرًا فيها:
“علينا أن نُفرد فصلًا كاملًا للسياقات الاجتماعية…
كيف يتغيّر معنى الكلمة من مكان إلى مكان،
ومن بيئة إلى أخرى.”
وفكرتُه لم تكن مجرد جملة علمية،
بل كانت تساؤلًا داخليًا:
كيف تتبدّل الدلالة،
وكيف يظل اللفظ هو ذاته،
لكن روحه تتغيّر بتغيّر الذين ينطقونه؟
قالت ميّ، وقد بدت كلماتها كأنها شرحٌ لمشاعرها أيضًا:
“وهذا أصل مشروعنا…
أن نفهم كيف يمكن للكلمة نفسها
أن تحمل معنى مختلفًا لشخصين قادمين من عالمين
قد لا يلتقيان عادة…
لكنّهما التقيا.”
في تلك اللحظة
لمع شيء في عين سالم
كأنّ الفكرة تحوّلت إلى اعتراف.
قال بصوتٍ يكاد يخفي ارتجافه:
“مثل كلمة… نحن؟”
وتساءلت نفسه:
هل الدلالة تُصنع بالعلم؟
أم تُصنع بالقلوب التي تتلاقى على معنى واحد؟
وكان السؤال نفسه
هو بداية الجواب.
شعرت ميّ بأن قلبها يعبر لحظة خاطفة من الارتباك؛ تلك الرجفة الخفيفة التي تُنبئ بانفتاح باب داخلي لم يكن مفتوحًا من قبل. ثم قالت بصوت يكاد يتهجّى نفسه كأن المعنى يتقدّمها:
“نعم…
ذلك تمامًا ما أعنيه.”
وبينما كانا يعملان، أخذت النظرات تتجمّع حول طاولتهما شيئًا فشيئًا؛ نظراتٌ عابرة تحمل في طيّاتها فضولًا بشريًا قديمًا، يشبه ما وصفه علماء اللغة حين تحدّثوا عن “السياق الاجتماعي” بوصفه مجالًا يغيّر الدلالة، ويحرف مسار الكلمة، ويُبدّل إشارتها.
طلاب يدخلون المكتبة ويخرجون، يحدّقون في الطاولة المكتظّة بالكتب، وفي الدفترين المتجاورين، وفي اليدين اللتين تتحرّكان فوق الأوراق كأنهما جزءٌ من لوحة واحدة.
قال أحد الطلاب لصاحبه، وهو يخفض صوته ليجعل لكلماته دلالة هامسة لا يخلو منها أي مجتمع:
“إنّها ابنة أساتذة جامعيّين…
ما الذي جاء بها إلى هذا الشاب البسيط؟”
وقالت فتاة أخرى، تحمل في نبرتها ما يشبه “دلالة الالتزام” كما سمّتها اللغويات الحديثة:
“إن كانا يعملان على مشروعٍ واحد…
فلا بدّ أن بينهما شيئًا.”
لكن الأعجب من كل تلك الهمسات أن سالم وميّ لم ينتبها إلى أحد.
كانا داخل عالمٍ داخلي واسع، كأنهما في “حقل دلالي” خاص لا يسمح بالدخول إلا لمن يحمل الشيفرة ذاتها: تركيز، وصدق، وطمأنينة لا تُرى إلا على وجهين يعلمان أنّهما عثرا على ما يشبه ضالّتهما.
بعد ساعتين من العمل المتواصل، رفعت ميّ رأسها فجأة، كمن يصغي إلى سؤال خرج من أعماقها قبل أن يخرج من فمها، ثم قالت:
“سالم…
هل تخشى المستقبل؟”
أغلق كتابه ببطء، وتوقّف لحظة عند الفراغ الذي يلي السؤال؛ ذلك الفراغ الذي تتشكل فيه الإجابة قبل لفظها. ثم قال بصوتٍ صريح لا يبحث عن التفاف:
“نعم…
أخاف.
لكنني لا أخاف من المستقبل نفسه…
أخاف من شيء واحد:
أن نعجز عن إقناع هذا العالم…
بأننا نستحق أن نكمل معًا.”
وضعت ميّ قلمها على الطاولة، واقتربت قليلًا، كأنها تقترب من شرح معنى في درس نحوٍ دقيق، فقالت بهدوء يفكّك الخوف كما يفكّ اللغويّ اشتباك الجملة:
“العالم…
ليس علينا أن نُرضيه.
نحن علينا أن نثبت أنفسنا…
وأن نعمل…
ونبني ما يخصّنا نحن.
لا لنقنعهم…
بل لأن هذا طريقنا نحن،
لا طريقهم.”
ساد الصمت لحظة، ثم قال سالم بصوت خفيض، كمن يخشى أن يوقظ جرحًا:
“وأهلك…؟”
ابتسمت ابتسامة طويلة، ناضجة؛ ابتسامة امرأةٍ تعرف أنّ الطريق غير مفروش، لكنها تعرف أيضًا أنّها لا تخاف المشي.
ثم قالت:
“أهلي… سيقبلون.
لأنني سأجعلهم يرونك كما أراك.
أراك عقلًا…
وأراك قلبًا…
وأراك رجلًا يمكن أن يُبنى معه مستقبل.”
استقرّت كلماتها في صدره كما يستقرّ حجرٌ جميل في ماء صافٍ:
ظهرت دوائره على السطح…
لكن عمقه ظلّ ممتدًا، لا يُقاس.
قال سالم، وكأن الكلمات تنبع من يقين داخلي لا يتزعزع:
“وأنتِ أيضًا…
سأجعل أهلي يرون ما أراه أنا:
أرى فتاة لا تفرّق بين ريفٍ ولا مدينة،
وأرى قلبًا…
وذلك وحده يكفي.”
كان الهواء من حولهما لا يحمل صمتًا فارغًا، بل صمتًا دافئًا، يشبه تلك اللحظة التي تتكوّن فيها النبرة في علم الأصوات قبل أن تُنطق، أو يشبه الوعد حين لا يزال في طور التشكل قبل أن يصير عبارة.
وقبل أن يطويا الملفات، قالت ميّ، وهي تشعر بثقل المسؤولية ينساب في صوتها كما ينساب المعنى في جملة محكمة:
“سالم… علينا أن نبدأ في كتابة خطة العمل.
قسم يكون من نصيبي،
وقسم من نصيبك…
وفي الأسبوع القادم نعرضها على الأستاذ المشرف.”
كانت كلمة “المشرف” حين خرجت من فمها تُقال ببطء، كأنها تملك ظلًا دلاليًا أكبر من حجمها؛ ظلّ المسؤولية، والمحاسبة، والعتبة التي تسبق العمل الجاد.
ابتسم سالم ابتسامة ذات معنى وقال:
“من الآن؟”
فأجابت، بنبرة لا تعرف التردد:
“بالطبع…
إن أردنا مشروعًا يُحترم،
فيجب أن يكون رسميًا.
ويجب أن يرونا…
أننا لسنا لعبة، ولا ارتباطًا عابرًا.
نحن…
عمل، وبحث، ومستقبل.”
أغلق سالم ملفهما ببطء، وشعر للحظة بأنه يغلق بابًا ويفتح آخر.
ثم نظر إليها نظرة طويلة — نظرة رجلٍ يعي تمامًا أنّ هذا اليوم لن يغادر ذاكرته، وأن كل ما يكتبانه الآن ليس مجرد بحث جامعي بل تمهيد لقدرٍ يتقدّم نحوهما.
ثم قال بصوت واضح، كأنه يعلن عن “مقدّمة” لكتاب عمرهما:
“ميّ…
هذه المرحلة…
هي الخطوة الأولى لزواجنا.”
لم تتفاجأ.
لم ترتبك.
لم تحمرّ وجنتاها.
بل نظرت إليه بثقة امرأةٍ تعرف أن المصير لا يُخجِل الذين آمنوا به، ثم قالت:
“نعم…
وأريد أن يكون مشروعنا العلمي…
الأساس الذي يُبنى عليه بيتنا.”
لم يكن صباحُ ذلك اليوم شبيهًا بأيّ صباح.
كانت السماء محجوبةً بطبقات غيمٍ كثيف، والهواء مشحونًا كأنّ المطر ينتظر إشارة ليهطل.
وقف سالم أمام باب مكتب الأستاذ المشرف، يحمل في يديه ملفًّا محكم التجليد، ويقف على عتبةٍ تشبه عتبة العبارة حين تنتقل من اللفظ الخام إلى المعنى المُعاش.
لم يكن ارتباكه خوفًا من المساءلة العلمية، بل من أمرٍ آخر يتجاوز الورق والحبر:
إنه اليوم الأول الذي سيُنظر فيه إلى مشروعهما المشترك
لا كفكرةٍ نابضة بين قلبين، بل كعملٍ أكاديمي يُفترض أن يُثبت جدّيته ويبرهن أحقيته بالوجود.
كانت ميّ تقترب من آخر الممر، خطواتها أسرع من عادتها، تحمل بين يديها أوراقًا كثيرة بدا أنها قرأتها أكثر من مرة، وكأن كل ورقة تحمل دلالة ستُختبر بعد قليل.
وقفت إلى جانبه، ولم تنطق لثوانٍ، لكن الصمت لم يكن صمتًا فارغًا، بل كان أشبه بالسؤال الذي لم يُطرح بعد:
هل ما نحن مقبلان عليه مشروع بحثٍ…
أم بداية عمر؟
قال سالم أخيرًا، بنبرة تخفي شيئًا من الاضطراب الداخلي:
“جاهزة؟”
تنفّست ميّ بعمق، ثم نظرت إليه نظرة تتجاوز حدود اللحظة:
“ما دمت أنت معي…
فأنا جاهزة.”
فتح سالم الباب.
كان الأستاذ أكرم جالسًا خلف مكتبه، رجلًا في الخمسين، تعلو أنفه نظّارة نصف مستديرة، وفي صمته مهابة العالم الذي خبر اللغة وعرف أن المعنى لا يُمنح بسهولة.
كان معروفًا بصرامته، وبأنّه لا يلين أمام المشاريع التي تأتي بلا جذور ولا يحبّ الأعمال التي تستند إلى انطباعٍ أكثر مما تستند إلى منهج.
رفع رأسه نحوهما، وقال بصوتٍ مباشر، كأنه يضع خطًّا تحت كل كلمة:
“تفضّلا… ما الذي تحملانه؟”
جلسا.
وضعت ميّ الملف على الطاولة، وفتح سالم الصفحة الأولى، ثم قال بصوتٍ ثابت رغم ارتجافٍ داخلي لم يستطع إخفاءه:
“دكتور… هذا مقترح العنوان:
“الدلالة بين عالمين: دراسة سياقية في تباين الحقول الدلالية ضمن اختلاف المنشأ الاجتماعي”.”
ارتفع حاجبا الدكتور قليلًا.
لم يُظهر دهشة، لكن في عينيه ومضة خفيفة، ومضة تُشبه اعترافًا صامتًا بأن العنوان ليس عابرًا.
فتح الملف، قرأ السطور الأولى بتمهّلٍ دقيق، ثم قال ببرودٍ أكاديميّ يليق بمن قضى عمرًا في فحص المعاني:
“لماذا بين عالمين؟
وما المقصود بعالمين؟”
كان السؤال أشبه باختبار أول، لكن ميّ رفعت رأسها وأجابت بنبرة واثقة، نبرة تُشبه لغويًا يشرح الفرق بين اللفظ ومعناه، وبين المعنى وسياقه:
“عالم البيئة الاجتماعية الأولى…
وعالم التفاعل الجامعي الجديد.
عالم الريف…
وعالم المدينة.
عالمٌ يخرج منه الطالب حاملاً مخزونًا دلاليًا موصولًا ببيئته، وعالمٌ آخر يكتشفه في الجامعة حيث الحقول الدلالية تتغيّر بتغيّر الطبقة، والثقافة، والخبرة.
نقصد عالمين يتكلمان العربية نفسها، لكنّ الكلمات فيهما لا تعيش المعنى ذاته.”
ثم أضافت بعد لحظة صمت:
“ألسنا نقول في علم الدلالة إن الكلمة واحدة، لكنّ “القيمة الدلالية” تتفاوت بتفاوت السياق؟
فكيف إذا اختلف السياق الاجتماعي أصلًا؟”
نظر الدكتور إليها طويلًا، ثم حوّل بصره إلى سالم، كأنما يريد أن يختبر تناغم المعنى بينهما كما يُختبر تناغم اللفظة مع سياقها.
قال بنبرة حادّة، موجِّهةٍ سهم السؤال إلى أعمق نقطة:
“وأنت… من أيّ عالم تأتي؟”
أجاب سالم بلا تردّد، وهو يشعر بأن السؤال لم يكن مجرد استفسار اجتماعي، بل كان اختبارًا لدلالة الانتماء نفسها:
“أنا من العالم الأول يا دكتور…
وأعرف تمام المعرفة ماذا يعني أن تتبدّل دلالة الكلمة فقط لأن البيئة تغيّرت.”
بدت على وجه الدكتور إشارة خفيفة، ثم قال بصوتٍ يضرب مباشرة في صميم الفكرة:
“ولهذا السبب… تعملان معًا؟”
كانت الجملة أشبه بميزان لغويّ دقيق، يُختبر به صدق العبارة وعمق العلاقة في آن واحد.
لم يسأل عن “التعاون الأكاديمي” فحسب، بل عن “المعنى الخفيّ” الذي يربطهما—
ذلك المعنى الذي قد ينمو خارج الورق كما تنمو الدلالات خارج حدود المعجم.
تبادلت ميّ وسالم نظرة قصيرة، نظرة تحمل سؤالًا:
هل نجيب بما هو علمي فقط؟
أم بما هو أعمق من العلم… وأكثر صدقًا؟
نطقت ميّ أولًا، بنبرة ثابتة لا ارتجاف فيها:
“نعم يا دكتور.
نحن نعمل معًا…
لأن المشروع يحتاج شخصين يعيشان الاختلاف، لا يقرآنه في الكتب فحسب.
فنحن لا ندرس الدلالة بوصفها لفظًا، بل بوصفها تجربة تُختبر، وعالمين يتجاوران ولا يلتقيان
إلا حين يفكّر شخصان من مشرقين مختلفين كيف يمكن للكلمة الواحدة أن تحمل روحين.”
كانت عبارتها جريئة، لكنها خرجت هادئة، راسخة، كأنها جملة وُلدت من منطق اللغة نفسها،
وليس من عاطفة خفية.
ابتسم الدكتور ابتسامة صغيرة، خفيفة، ابتسامة لا تُعرَف حقيقتها:
هل هي إعجاب؟
أم سؤال جديد غير منطوق؟
أم امتحان أكبر مما مضى؟
قال وهو يفتح الملف:
“حسنًا… أروني ما أنجزتم حتى الآن.”
بدأ العرض.
تحدّث سالم عن الإطار النظري، وعن انتقال الدلالة عبر العصور:
من دلالةٍ أصلية واشتقاقية، إلى دلالة عرفية واجتماعية.
وشرح كيف تنتقل الكلمة من معناها الأول في بيئة محدودة، إلى معنى آخر في فضاء مدني أوسع، وكأنها كائن يتطور كما تتطور الحضارات.
ثم تولّت ميّ شرح آلية جمع البيانات، وتحدّثت عن “السياق” كما لو أنّها تستعيد تعريفه القديم عند النحاة والبلغاء:
كيف أنّ المعنى لا يستقيم بلا قرينة، ولا تكتمل الدلالة بلا مقام، وكيف أن الاختلاف الاجتماعي نفسه
قد يتحوّل إلى “قرينة” تُغيّر معنى الكلمة قبل أن تُنطق.
ثم عاد سالم ليقدّم مثالًا تطبيقيًا:
كيف يمكن لكلمة واحدة أن تتسع أو تضيق، أن تُعَدّ مديحًا في بيئة، وإشارة استهجان في أخرى.
وكيف أن المعنى ليس ثابتًا، بل يتقلّب بتقلّب الوعي الجمعي.
وأضافت ميّ مقارنة دقيقة بين دلالتين لكلمة واحدة في بيئتين متباعدتين، وكأنها تقول:
“الكلمات مرايا بيئاتها، فأيّ معنى تعكسه هذه المرآة… إن اختلفت الأيدي التي تحملها؟”
كان العرض متينًا، هادئًا، منظَّمًا كحجّة بلاغية لا تُترك فيها ثغرة.
والدكتور أكرم لم يقاطع إلا نادرًا، وكلما فعل، ازدادت قناعته أن المشروع أمامه ليس مشروعًا عابرًا، بل يملك جذورًا تمتدّ بين العقل والعاطفة، وبين العلم والتجربة.
وبعد نحو نصف ساعة من النقاش، أغلق الدكتور الملف ببطء، ووضع نظّارته إلى جانبه كأنما يريد أن ينظر إليهما بعينه المجردة هذه المرة، لا بعين الأكاديمي الحذِر.
قال بتمهّل، وهو يزن الكلمات كمن يزن دلالة كل مفردة قبل إطلاقها:
“المشروع…
جريء.”
سكت.
ثم أضاف:
“وعميق.”
سكت مرة أخرى، كأن العمق لا يكفي وحده.
ثم قال:
“ولكن…
صعب.”
نظر سالم إلى ميّ، ولم يشعر هذه المرّة بتردّد، وكأن جملة الدكتور أثارت في داخله حوارًا
لم يعد يحتاج إلى إخفائه.
فقال بثبات، بنبرةٍ لا تشبه ارتباكه الأول:
“نحن… مستعدّان للصعب.”
رفع الدكتور نظره إليهما طويلًا؛ لم يكن يتأمل مشروعًا أكاديميًا فحسب، بل كان يتأمل ما هو أبعد من الصفحات والمراجع… كان يتأمل شراكة تتشكل أمامه، كأنّها نصٌّ في طور الكتابة.
ثم قال عبارته التي انغرست في ذاكرة الاثنين:
“إذا استطعتم أن تتابعوا بهذا المستوى من القوة والانسجام… فأنتم لستم مشروع تخرّج فحسب، بل مشروع حياة.”
لم يتبادلا النظرات هذه المرّة؛ كلاهما بقي ثابتًا ينظر إلى الدكتور، كأنّ الجملة لم تكن مجرّد تقييم، بل كانت شهادةً وفتحًا لبوابة جديدة. أحسّا أن الكلمات ليست تحليلًا أكاديميًا، بل حكمًا يفتح الطريق ويشير إلى جهة المصير.
أغلق الدكتور الملف ببطء، ثم قال:
“موافق… وسأكون المشرف على هذا العمل. لكنني أريد التزامًا كاملاً. لا أريد أن أسمع في أي لحظة أنّ العمل المشترك بينكما كان موضع ضعف. بل أريده أن يكون مصدر قوّتِكما.”
نهضا معًا، وشكراه، ثم غادرا الغرفة…
وكان شعورهما بأنهما لم يغادرا غرفةً جامعية فحسب، بل خرجا من زمنٍ قديم ودخلا زمنًا جديدًا.
عند وصولهما إلى الساحة الخارجية، وقفت ميّ إلى جواره، وكانت عيناها تلمعان بفرحٍ يعرف طريقه ولا يضيع:
“سالم… نحن حقًّا… أصبحنا فريقًا.”
سمع صوتها، لكن داخله كان يقول شيئًا آخر، يشبه يقين رجلٍ اختار طريقًا لا يُختار فيها الرفيق صدفة.
فقال لها بصوتٍ عميق:
“نحن… أصبحنا بداية بيت.”
وفي مساء ذلك اليوم، كتب سالم في دفتره، كأنّه يدوّن صفحة من فصول تطوّر المعنى في اللغة والحياة معًا:
“اليوم… لم يعترف الدكتور بمشروعنا فحسب، بل بعلاقتنا أيضًا؛ بطريقة أكاديمية لا تحتاج إلى تصريح. اليوم صار للحلم باب… وللباب مفتاح.
سالم.”
وكتبت ميّ في دفترها، وقد ربطت ما تشعر به بعلم الدلالة الذي لطالما أحبّته:
“إذا كانت الدلالة هي الطريق إلى المعنى… فقد أدركت اليوم معنى أن يكون لنا مستقبلٌ يُكتب بيدين اثنتين… لا بيدٍ واحدة.
ميّ.”
كان الصباح التالي في الجامعة صاخبًا على نحو غير مألوف.
ربما لأن الجوّ أصبح أدفأ قليلًا،
وربما لأن الامتحانات الجزئية اقتربت،
وربما لأن بعض القاعات امتلأت بما يشبه الفوضى المنظمة للطلاب.
غير أنّ سالم وميّ كانا يسيران وسط الضجيج كأنهما يمران في ممرٍّ آخر، ممرّ لا يسمعه إلا اثنان، ولا يفهمه إلا قلبان يخطوان بثبات.
كانا يحملان ملفّ مشروعهما، ويتوجهان إلى المكتبة ليبدآ تنفيذ الخطة التي وافق عليها الدكتور أكرم.
ومع كل خطوة، كانت العيون تلتفت…
وكانت الهمسات تتشكّل كأنها نصوص غير مكتملة:
“هل رأيتمهما؟”
“نعم… كل يوم معًا.”
“حتماً بينهما أمرٌ ما…”
“لكن أهلها… هل يرضون؟”
“وهو… من أين له أن يقترب منها؟”
لم يسمعا كل كلمة، لكن الهواء صار أثقل، والنظرات أشدّ وضوحًا، والخطوات خلفهما أكثر عددًا.
أما في داخلهما، فكان الحوار غير المنطوق يحتدم:
سالم في نفسه: هل سيقفون في طريقنا؟ وهل كان الباحث يومًا يخشى العيون مادام يحمل برهانَه؟ ألم يقل أهل البلاغة إن المعنى يزداد قوة حين يُختَبَر؟
ميّ في داخلها: هل أخاف من همسات؟ لقد تعلّمت أنّ الكلمة لا تتقوّى إلا بالاستعمال، وأن العلاقة لا تنضج إلا بالامتحان. فما الفرق بين دلالة تُدرَس ودلالة تُعاش؟
وهكذا…
صار المشروع العلمي مشروعًا وجدانيًا، وصارت اللغة التي يدرسانها مرآةً لما يعيشانه، وصار الطريق… أعمق مما ظنّا.
لم يستطع سالم إخفاء ردّة فعله. انخفضت عيناه نحو الصفحة، إلا أنّ الورق بدا له ضبابًا، وكأنّ حروفه تحولت إلى رموز غير مفهومة. شعر بأن كلمات الفتاة لم تكن همسًا عابرًا… بل خنجرًا صغيرًا مزعجًا اختبأ في الهواء. قال بصوت منخفض، يملؤه الاعتراف بالحقيقة:
“هي… قالت الصدق. أنا من بيئة تختلف كثيرًا عن بيئتك.”
رفعت ميّ رأسها فجأة، ونظرت إليه نظرة حادّة، لم تكن غضبًا، بل كانت درعًا وحماية. قالت بصوتٍ رزين:
“سالم… نحن لسنا مشروعًا اجتماعيًا، ولا تجربة لأيّ أحد. نحن… اثنان فقط، أنا وأنت. وإذا لم يستطع العالم رؤية ذلك… فليكن. ليس هذا شأننا.”
