معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء الرابع
الفصل السابع:
وفي تلك اللحظة، شعر سالم بأن كلماتها لا تُحاور المجتمع، بل تُحاور خوفه. كانت أشبه بمبدأ لغويّ قديم يُعاد إحياؤه: “اللفظ واحد، لكن الدلالة تتّسع بقلبٍ قادرٍ على الفهم.”
فهل كان يخاف من الناس… أم من صدى صوته الداخلي حين يُسائِل نفسه:
هل أستحقّ هذا الطريق؟
ومع ذلك، فقد أدرك شيئًا لم يدركه من قبل: أن صدق ميّ كان الطريق الذي يمكن أن يفتح داخله بابًا، بابًا لا تُحدده البيئة ولا الناس، بل ما يكونه الإنسان حين يواجه ذاته بلا مواربة.
كان يشعر، في تلك اللحظة القصيرة، برغبةٍ خفية تدفعه إلى أن يقبّل يدها، رغبةٍ مباغِتة لا يعرف من أين جاءت. لكنه كبح اندفاعه، واكتفى بأن يلامس أطراف أصابعها بخفوت، لمسةٍ سريعة تكاد تُرى ولا تُحسّ، لكنها كانت كافية لتعيد نبضه إلى موقعه الهادئ، وكأن القلب استعاد إيقاعه بعد اضطرابٍ عابر.
مرّت ساعة من العمل الصامت، ذلك الصمت الذي لا يخلو من المعاني والإشارات. ثم رفعت ميّ رأسها وقالت بنبرة تشبه حكمة اكتُسبت بالمعاناة:
“سالم… علينا أن نُواجه المجتمع كما واجهنا أهلنا: بثقة، لا بتبرير، ولا بخوف.”
تردّد صدى كلماتها في داخله قبل أن يجيب. كأن نفسه تسأله:
هل أقدرُ على ذلك؟ هل الثقة قرار… أم معركةٌ طويلة؟
قال أخيرًا، بنبرة تجمع بين تردّدٍ يحاول أن يتوارى، وعزمٍ يبحث عن مكانٍ يقف عليه:
“لكنّ العالم… لا يرحم.”
نظرت إليه ميّ نظرة امرأة تعرف الطريق الذي تسير إليه، وإن كان مليئًا بالمنعطفات. وقالت بصوتٍ يحمل في عمقه يقينًا نادرًا:
“ونحن… لن نُهزم.”
عندما خرجا من المكتبة، كانت الهمسات لا تزال تتعقب خطواتهما، كظلٍّ لا يريد أن يغيب. غير أنّ خطواتهما، في المقابل، بدت أشدّ ثباتًا، وأرسخ معنًى، وأكثر وعيًا بأن الطريق الذي يسلكانه لن يكون سهلًا، لكنه طريقٌ اختاراه، لا طريقًا فُرض عليهما من أحد.
وقفت ميّ تحت ضوءٍ شتويّ خافت، كأن الشتاء نفسه ينصت إليها، ثم قالت ببطءٍ يلامس الأعماق:
“سالم… إن كانت هذه الجامعة أوّل امتحان لنا، فأنا وأنت سننجح فيه. ليس لأن الحب قوي، بل لأننا… صادقان.”
كانت كلماتها أشبه بدرسٍ لغويّ قديم عن “الصدق”؛ ذلك الجذر العربي الذي ظلّ عبر العصور مقياسًا للثبات، ودليلًا على نقاء النيّة، وقرينةً للشجاعة حين يختلط الحقّ بالخوف.
ولعلّ سالم أدرك، في تلك اللحظة، أنّ الصدق هو الامتحان الحقيقي… وما بقي بعده ليس سوى الطريق الذي يُصنع بخطوةٍ تليها خطوة، كما تُصنع اللغة نفسها: حرفًا بعد حرف، وصيغةً بعد صيغة، حتى يكتمل المعنى.
اقترب منها خطوة واحدة.
كانت خطوة صغيرة في ظاهرها،
لكنها — في داخله — تشبه بداية مواجهة العالم برمّته.
كأن تلك المسافة القصيرة كانت الحدّ الفاصل بين الخوف والجرأة، بين التردّد والإقدام.
قال بصوتٍ حاول أن يجمع ما تبقّى من يقينه:
“ميّ… أنا مستعدّ.”
مدّت يدها نحوه، وأمسكت بيده علنًا — لأول مرة — أمام الجميع.
كان المارّون حولهما كثيرين، وكانت العيون لا تخلو من الفضول، لكنها لم تُبدِ اكتراثًا؛ كأنها تقول لنفسها:
هل يُعرّف الإنسانُ موقفَه بالناس، أم يعرّف الناسُ موقفَهم به؟
قالت بثباتٍ يخرج من عمق التجربة:
“ونحن… قد بدأنا.”
وفي تلك الليلة، كتب سالم في دفتره:
“اليوم… لم نختبر العالم فحسب، بل اختبرنا أنفسنا أمامه، واكتشفنا أننا… أقوى مما ظننا.”
وكأنّه كان يعيد داخليًا سؤالاً قديمًا من أسئلة البلاغة العربية:
هل يشبه الإنسانُ الجملة التي لا يظهر معناها إلا إذا وُضعت في سياقها الصحيح؟
وهل السياق، في هذه الحالة، هو الحبّ… أم الصدق؟ أم كلاهما معاَ؟
وكتبت ميّ في دفاترها:
“كل مجتمع يبدأ بالهمس… ثم يصمت حين يرى وضوح الطريق. ونحن… بدأنا السير.”
كأنها كانت تستحضر حكمة لغوية من تراث النحاة:
“الوضوح يرفع الإعراب، والغموض يوقِع اللبس.”
فهل كانت حياتهما تبحث عن وضوحٍ يرفع، أم عن غموضٍ يُسقِط؟
في مساء ذلك اليوم، كانت ميّ عائدة من الجامعة.
السماء فوق دمشق بدت كأنها تحبس غيمًا غاضبًا،
والهواء ثقيل يضغط على الصدر،
والطرقات مزدحمة بأصوات الناس والسيارات،
وصوت المطر يلوّح من بعيد بوعيد قدومه.
لكنّ ثِقَلًا آخر كان يجثم على قلبها:
النظرات… الهمسات… التلميحات…
كلّ ما يُقال، وما لا يُقال.
وكانت تعرف — كما يعرف سالم — أنّ هذا ليس إلا أوّل الموج،
وأنّ الموجة التالية… ستأتي من البيت.
دخلت منزلها بخطوات متأنّية، كأنها تختبر الأرض قبل أن تطأها.
وجدت والدها جالسًا في غرفة الجلوس، يحدّق في ورقة بين يديه،
بملامح متعبة قليلًا،
وعلى غير عادته، لم يرفع رأسه فور دخولها.
قالت بحذر، وكأنها تخاطب ظلّاً لا شخصًا:
“أبي؟”
أجاب من دون أن يترك الورقة:
“تعالي يا ميّ… هناك أمرٌ علينا أن نتحدث فيه.”
اقتربت وجلست أمامه، وكأن قلبها جلس معها على المقعد، لا داخل صدرها.
كانت تشعر بأن الكلمات التي ستُقال قد تغيّر شيئًا في مسار الأيام المقبلة.
وضع والدها الورقة جانبًا، ثم رفع نظره إليها.
لم يكن غاضبًا…
لكن في عينيه سؤالٌ أكبر من كل غضب، سؤالٌ يشبه تلك الأسئلة الكبرى التي يطرحها النحويون:
هل المعنى ثابت… أم يتغيّر بتغيّر البنية؟
قال بصوتٍ هادئ، لكنه مفعم بالقلق:
“ميّ… اليوم جاء ابن عمّك.”
سكتت للحظة، وشعرت ببرودةٍ خفيفة تسري في ظهرها، كأن السؤال الذي يخشاه قلبها وصل أخيرًا.
أكمل والدها بعد صمتٍ مقصود، كأنه يزن كلماته خشية أن يجرحها:
“وكان… يتحدث عن الجامعة.”
ابتلعت ريقها بصعوبة.
هل كان الحديث عنها… أم عن سالم… أم عمّا يتوقّعه المجتمع؟
ثم همست بصوت يكاد يُسمع:
“وماذا قال؟”
تنفّس والدها ببطء، وكأنّه ينتقي كل لفظٍ من صندوقٍ قديمٍ يحتفظ فيه بالكلمات التي لا تُقال إلا عند الضرورة. ثم قال بصوت حريص، يخشى أن يجرح أكثر مما يخشى أن يُعاتب:
“قال إنّه رآكِ مع شاب… وإنه… من الريف.”
ارتجفت أصابع ميّ فوق ركبتها ارتجافًا خفيفًا، كأن الجملة الأخيرة كانت ريحًا باردة عبرت قلبها. ومع ذلك، تماسكت، وقالت بلهجة هادئة، لكنها هدوءٌ ينهض فوق قلقٍ مستتر:
“وما شأنه هو بذلك؟”
ابتسم والدها ابتسامة صغيرة، ليست سخرية، بل مرارة رجل يعرف كيف تعمل المجتمعات حين تخلو من الرحمة:
“أنتِ تعرفين كيف تتحرّك الألسن يا بُنيّتي… الناس لا يرون كما نرى نحن.”
صمتت ميّ.
لكن في داخلها دار حوارٌ آخر:
لماذا تُختزل الحياة كلّها في “ما رأى” فلان و “ما سمع” علّان؟
ألم تعلّمنا اللغة، منذ سيبويه حتى آخر شُرّاحها، أنّ المعنى لا يُفهم من ظاهر اللفظ فقط، بل من المقام والسياق؟
فأين سياقها في ما يُقال عنها؟
أين مقامُ حقيقتها مما يتداوله الناس؟
كانت كلمات ابن عمّها تدور في ذهنها كالشرر، تلسع كرامتها وتستفزّ صمتها.
قال والدها أخيرًا، بصوتٍ يفيض بالقلق والمحبّة:
“ميّ… الحديث عن الفتيات سهل، وأي خطوةٍ تُساء قراءتها. وأنا… لا أريد أن يقع عليك أي حرج.”
رفعت رأسها بثبات.
كان وجهها هادئًا، لكن عينيها اشتعل فيهما بريق دفاع عن الذات، بريق امرأةٍ بدأت تصبح مسؤولة عن نفسها وعن قرارها:
“أبي… أنت تتحدث كأب، وأنا أفهمك… ولكن دعني أقول لك شيئًا: أنا لا أفعل شيئًا خاطئًا.”
تنفّس والدها بعمقٍ يشبه إعداد فكرة قبل إطلاقها، ثم قال بصوت متزن:
“أنا لم أقل إنكِ أخطأتِ… ولكنّك تضعين نفسك في قلب حديث الناس. ثم إن ذلك الشاب… ينتمي إلى بيئة مختلفة.”
لم تنتظر ميّ أن يُكمل.
جاء صوتها كالشرارة الأولى حين تلامس النار أطراف الخشب:
“وهذا… ماذا يغيّر؟”
توسّعت دهشته في عينيه، لكنه لم يغضب.
بقي صامتًا لحظة، ثم قال بحذرٍ شديد:
“يغيّر… أنّ الناس تريد أن ترى تكافؤًا… تريد أن ترى انسجامًا… تريد أن ترى—”
قاطعته ميّ مرة أخرى، ولكن بنبرة أقل حدّة، نبرة تتدفّق بمرونة الماء حين يشقّ طريقه بين الصخور:
“أبي… سالم لا يطلب يدي. لسنا في علاقة طائشة ولا سرّية. نحن نعمل… ولدينا مشروع… وطريق نسير فيه. ولأول مرة في حياتي… أشعر بأنني أسير إلى جانب إنسان يقدّرني، ويفهمني، ويشبهني في أحلامي، لا في المكان الذي خرج منه.”
هزّ الأب رأسه ببطء، وقال بصوت يحمل صدق القلق وأصالته:
“لكنّ المجتمع… لن يفهم الأمر بهذه الصورة.”
عند هذه الجملة، شعرَت ميّ كأن فكرةً وُلدت داخلها لتوّها.
استقام ظهرها قليلًا، وتقدّمت كلماتها بثبات امرأة تريد أن تُعاد صياغة العالم من حولها:
“وإن كان المجتمع لا يفهم… فليتعلّم أن يفهم.”
ساد الصمت.
كان الأب ينظر إليها طويلاً، وكأن الزمن يسرّع خطاه داخلها، ويحوّل الطفلة التي رآها تكبر ببطء إلى امرأة تقف أمامه اليوم بثقة كاملة.
ثم قال بصوتٍ هادئ، يشبه الاستسلام النبيل حين يتراجع العقل ليُنصت للقلب:
“حسنًا… قولي لي بصراحة: ما علاقتك به؟ ماذا يمثّل لك؟”
أغمضت ميّ عينيها لحظة قصيرة. دارت في داخلها أسئلة كثيرة:
هل الحبّ تعريف، أم شعور؟
هل العلاقة تُقاس بالنسب والمكان، أم بالتفاهم والانجذاب؟
ثم فتحت عينيها على صوتٍ واضح، كأنها تنطق حقيقة نضجت في قلبها منذ زمن:
“سالم… هو الرجل الذي أنوي أن أُكمل معه طريقي.”
لم يتكلّم والدها دقيقة كاملة. كان الصمت أثقل من الكلام، واللحظة أطول من زمنها.
رفع يده إلى جبينه، وكأنه يحاول ترتيب الأسئلة التي تزاحمت داخله. ثم قال ببطء:
“ميّ… الأمر كبير… وليس بسيطًا. ولكن… إن كنتِ ترين نفسك معه… فلن أكون مَن يغلق الباب. غير أننا… يجب أن نفكّر معًا. فلا يصحّ أن نركض قبل أن نتعلم المشي.”
اقتربت منه، وأمسكت يده بطمأنينة دافئة، ثم قالت بصوتٍ يشبه إعلان مبدأٍ يثبّت أركان حياتها المقبلة:
“أبي… أنا لا أركض. أنا… أختار. والاختيار… هو الذي يصنع الحياة.”
تلك الليلة… لم تستطع ميّ النوم بسهولة. كانت يدها متشبّثة بالهاتف، بين رغبتين:
أن تتصل بسالم لتخبره بما جرى… أم أن تنتظر كي تنضج الكلمات في قلبها أولًا.
كان قلبها ينبض بسرعة غير مألوفة، كأنه يحاول أن يخرج من صدرها ليكشف عن مشاعرها كلها:
الفرح الذي يخفق، الخوف الذي يتوارى، الكبرياء الذي يرفع رأسه، الوجع الذي يثقل الخطوات، والرغبة العارمة في أن تقول له:
“أولى موجات شوقي… وصلت إلى البيت.”
وفي تلك اللحظة، اهتزّ الهاتف باتصال منه، كأنه نبضٌ يأتي من مكان تعرفه الروح قبل العين. سمعت:
“ميّ… أشعر أنك متعبة. هل يزعجك أمرٌ ما؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة؛ فقد بدت كلماتُه كوترٍ يعزف على قلبها لحنًا صامتًا لا تسمعه إلا هي. قالت بشيءٍ من الجرأة الممتزجة بالخجل:
“أريد أن أراك… الأمر مهم.”
كانت السماء خارج البيت تعدّ نفسها للمطر، وكانت الغيوم تحشد فوق دمشق كأنها تستجمع قُدرتها على البكاء. أمّا قلبها فكان يستعدّ لامتحان أكبر: امتحان لقاءٍ يحمل في داخله معنى الاعتراف، والبوح، والقدرة على الإقدام. لقد كانت تعلم أنّ كل خطوة قادمة لن تقف عند حدود المشاعر، بل ستمتدّ نحو مواجهة مجتمع، ونظرة بيت، وصوت أب يتساءل قبل أن يحكم.
وفي داخلها كان سؤال يلحّ عليها، يطرق جدار الصمت كما يطرق الشاعر باب المعنى في أول القصيدة:
“هل يستطيع قلبه أن يتّسع لحقيقة ما سأقول؟ وهل يظل الحب ثابتًا حين تنكشف طبقات الخوف؟”
وفي الجهة الأخرى، كان سالم جالسًا على طرف سريره، يراجع كلماتِها مرارًا، ويشعر بقشعريرة تسري في صدره كأن قلبه يستعيد إيقاعًا نسيه. فتح دفتره الذي كان مرآة نفسه، وكتب فيه كما لو كان يسجل تحولًا سريًّا في مساره الداخلي:
“اليوم… دخل صوت آخر إلى عالمي. لكنه لم يحطم القلب. بل أيقظه.
سالم.”
أمّا ميّ، فكانت تقلب صفحات دفترها الصامت، وتكتب كما يكتب المتصوّف حين يكلّم نفسه والعالم معًا:
“اليوم… قلت لأبي الحقيقة التي لا رجوع عنها.
اليوم… اخترت.”
لم يهدأ المطر في تلك الليلة، بل كان يهطل خفيفًا، كأن السماء تكتب رسالتها الخاصة فوق الزجاج والحجارة، رسالة لا تحتاج إلى صوت، تقول فيها: “هذه ليلة مختلفة.”
في الصباح خرجت ميّ من البيت مرتدية معطفًا داكنًا، تحاول أن تخفي عن والدها ما يخفيه النظر ولا يخفيه القلب. كانت تحتاج أن تمشي… فالمشي لغة أخرى، وله معناه الذي يفوق الكلام، كما يقول أهل البلاغة إن المعنى قد يكون بالفعل أبلغ من اللفظ، وإن الصمت أحيانًا يتكلم ببيانه الخاص.
وصلت إلى المكان الذي اتفقا عليه: مظلّة واسعة عند مدخل حديقة صغيرة. مكان بعيد عن ضجيج الجامعة، وعن أعين الفضوليين وأحاديث الأقارب، كأن المكان ذاته يقف بينهما شاهدًا على بدء فصل جديد من الحكاية.
كان سالم واقفًا هناك، يضع يديه في جيب معطفه، كأنّه يخفي ارتجافًا يسكن الأعماق. وكان يسأل نفسه في حوار داخلي أشبه بدرسٍ نحويّ يبحث فيه العقل عن جواب لِمَحذوف لا يظهر في الكلام:
“تُرى… أيكون ما ينتظرني أشدّ من هذا المطر؟ أم أنّ العاصفة التي أخشاها ليست في السماء، بل في قلبي؟”
وحين اقتربت ميّ، رفع رأسه إليها، كأنّه يقرأ معاني وجهها قبل ألفاظها؛ فالبلاغة، كما علّمته الكتب، تقوم على دلالة الإشارة قبل دلالة العبارة.
قال فورًا، بصوتٍ يحاول أن يخفي قلقًا لم يعد يستطيع أن يخفيه:
“ميّ… هل هناك ما يقلقك؟”
وقفت أمامه، خطوةً بعد خطوة، حتى أصبحت المسافة بينهما كخيط رقيق من هواء محبوس.
قالت بصوتٍ ناعمٍ مُتعَب، كأنّه خرج من عمق صراع داخلي:
“نعم… كان يومًا مرهقًا. ويجب أن أخبرك بكل شيء.”
أشار لها أن تجلس، فجلسا معًا تحت المظلّة. كان صوت المطر فوق البلاط يشبه جملة موسيقية تُمهد لبداية حديث طويل.
وفي داخلها، كان سؤال يتردد:
“من أين أبدأ؟ من آخر الألم أم من أوله؟ وهل تستطيع الكلمات أن تحمل كل هذا الثقل؟
أم أنّ المعنى، كما يقول علماء الدلالة، أكبر من الألفاظ التي تحمله؟”
وبدون مقدّمة، قالت كمن يلقي حجرًا في ماء راكد:
“والدي… عرف أن في حياتي شخصًا.”
انعقدَ حاجبا سالم قليلًا، لكنه لم يتكلّم. وفي داخله علت أسئلة كالتي تُطرح في منطق الحُكم والقياس:
“أيعرف عني؟ …… وكيف كانت ردّة فعله؟ وهل هذه بداية الرفض… أم بداية الاعتراف بوجودنا؟”
تابعت ميّ، وصوتها يقف بين الارتجاف والقوّة:
“لم يغضب… لكنه قلق. خائف من كلام الناس… ومن أن أضع نفسي في موقفٍ قد يؤذيني.”
نظر سالم إلى الأرض، كأنها ساحة الاعتراف التي ينبغي أن يُقال عليها كل شيء. كان هذا الخوف ذاته يسكنه دائمًا، لكنه حين سمعه من فمها… اهتز داخله سؤال مرير:
“هل أكون أنا سبب الألم؟ وهل يستطيع الحب أن يحميها كما تحميني هي؟”
رفعت ميّ رأسها، وقالت بصوتٍ أكثر ثباتًا، كأنها وجدت الحقيقة التي كانت تبحث عنها:
“لكنّي أخبرته الحقيقة. قلت له إنّي اخترتك. وإنّي أرى مستقبلي معك. وإنّ الناس… ليسوا هم من يرسمون قدري.”
رفع سالم رأسه بسرعة، وفي عينيه مزيجٌ من الدهشة والامتنان والخوف والمحبّة؛ مزيج يشبه تلك التدرّجات اللونية التي تراها في الغروب حين يلامسها مطرٌ خفيف، فتنصهر الألوان في لوحة لا تُكرَّر. قال بصوت يكاد يختفي في هدير المطر:
“أقلتِ… إنك ترين حياتك معي؟”
هزّت رأسها بهدوءٍ ثابت، ثباتٍ لا يترك مجالًا للظنّ ولا للتأويل:
“نعم يا سالم… قلتها كما ينبغي أن تُقال.”
مرّت بينهما لحظة طويلة، من تلك التي يصفها البلاغيون بـ”الصمت الدالّ” أو “السكوت المعبِّر”، ذلك السكوت الذي يحمل من المعنى أكثر مما يحتمله الكلام. كانا يشعران أنّ اللحظة ليست عابرة، بل قُطبًا تدور حوله حياة كاملة.
قال سالم بعد صمتٍ جاهد ليكسره، وكأنه يخاطب خوفه قبل أن يخاطبها:
“ميّ… لا أريد أن أكون سبب ألمٍ لك. ولا أريدك أن تتحمّلي كلام الناس… بسببي.”
قاطعته بنبرة ثابتة، فيها حزمُ المحبّة لا قسوَتُها:
“لستُ أتحمّل من أجلك وحدك… بل من أجلنا نحن الاثنين.”
اقترب خطوة، خطوة صغيرة تشبه حركة معنى ينتقل من الدلالة الخفية إلى الدلالة الظاهرة، وكأن الصمت بينهما صار أثقل من المطر فوق رأسيهما.
ثم سألها بصوت يشبه همس الباحث عن يقينٍ يطمئنه:
“وأنتِ؟ هل خِفتِ؟”
ابتسمت ابتسامة صادقة، لا تعرف الزيف ولا تواري خلفها شيئًا:
“نعم… خفت. أنا إنسانة. لكن خوفي لم يكن منك، ولا من نفسي… بل من الطريق. والطريق — كما يقول أهل التجربة — لا يُقطع إلا باثنين يمتلكان قلبًا واحدًا.”
شعر سالم بحرارةٍ دافئة تتسلل إلى صدره، حرارة تشبه ذلك “المعنى الكامن” الذي يسمّيه اللغويون “روح النص”، وإن لم يُنطق حرفٌ منه.
قال باعترافٍ لم يجرؤ على نطقه من قبل، وكأنه يزيح غلالة عن صدره:
“ميّ… إن أردتِ الحقيقة… فقد رأيتك زوجةً لي منذ اللحظة الأولى التي أحسست فيها بقربك من قلبي. لكنّي كنت خائفًا… من الفارق بيننا… من نظرة أهلك… من الناس… ومن أن يأتي يومٌ تشعرين فيه أنك تستحقّين من هو أفضل مني.”
وضعت يدها فوق يده، بطمأنينة امرأة تعرف قرارها كما يعرف النحويّ موقع كل كلمة من الجملة، وتدرك أن لكل معنى موضعًا لا يقوم إلا فيه.
قالت بصوت واضح يشبه النور حين يتسلل بين غيمتين:
“سالم… أصغِ إليّ جيدًا:
أنا لا أريد “أحدًا غيرك”.
ولا أريد حياةً لا أجد فيها يدك عند الشدّة.
ولو كنتُ أبحث عن مستوى أو طبقة… لوجدت ألف طريق.
لكنّي… قلبي اختارك، وعقلي أيضًا.”
كان يريد أن يجيب، أن يشكرها، أن يضحك أو يبكي، أن يحرّر ما امتلأ به صدره…
لكنها رفعت يدها قليلًا، كأنها تُتمّ فكرة لا تريد لها أن تُقطع قبل اكتمالها:
“ومع ذلك… هناك ما هو أكبر.
الجامعة ستتحدث… الناس سيتحدثون… وأهلنا… سيصلهم ما يُقال.
وأنا لا أريد لهذا الحديث أن يكون نقطة ضعف لنا.”
اقترب خطوة أخرى، وسأل بصوتٍ أقرب إلى طلب الهداية منه إلى الاستفهام:
“وماذا يجب أن نفعل؟”
أخذت نفسًا طويلًا، كأنها تستجمع من ذاكرتها كل الحكمة التي مرّت عليها في الكتب: من علم الدلالة الذي يفرّق بين اللفظ والمعنى، إلى علم البلاغة الذي يبحث عن أبلغ طريق لإيصال ما في القلب، إلى علم النقد الذي يقرأ ما وراء الظواهر، ثم قالت جملة بدت كأنها محور يمكن أن تُبنى عليه رواية كاملة:
“علينا أن نُسرِّع خطّتنا… لا أن نهرب.
علينا أن نتخذ خطوات واضحة…
وأن نقول للعالم بصوتٍ يسمعه من يريد أن يفهم:
نحن لسنا نزوة عابرة.
نحن… مشروع حياة.”
نظر إليها سالم طويلًا…
طويلًا بما يكفي ليُدرك أنّه أمام امرأةٍ لا تتراجع، ولا ترضخ، ولا تُرهبها العواصف التي تهزّ القلوب عادة.
كان في نظرتها شيء من صلابة المعنى حين يستقرّ في النفس، كما يستقرّ “القطع” عند النحويّ إذا فصل بين وجهين من الكلام لا يحتملان التأويل.
قال سالم، وكأنه يخشى أن ينطق بما يفكّ آخر عقدة من عقد التردّد داخله:
“أيَعني ذلك… أن نُفاتح أهلينا رسميًّا؟”
هزّت رأسها ببطء، ببطءٍ فيه نور الشجاعة المتوهج في عينيها، وقالت:
“نعم… قريبًا جدًّا.”
ساد الصمت لحظة، ذلك الصمت الذي يشبه ما يسمّيه البلاغيون “الفاصلة النفسية”؛ وهو الموضع الذي لا يحتاج إلى كلام، لأنّ المعنى قد اكتمل في الصدور قبل أن يكتمل في الألفاظ.
ثم قال سالم بصوتٍ ملؤه الامتنان، والحب، واليقين الذي يرسخ كجذرٍ في الأرض:
“ميّ… أنا جاهز… بكلِّي.”
وضعت يدها فوق يده، هذه المرّة دون خوف، وكأنّ يدها تقول ما لم تنطق به الشفاه:
“وأنا… قبلك.”
وفي طريق عودتهما، كان المطر قد خفّ، لكن وقع خطواتهما على الأرض الندية كان يشبه وقع بدايةٍ لا رجوع عنها. ذلك الإيقاع الذي يعرّفه أهل البيان بأنه “موسيقى الفعل”، حيث يصبح السلوك نفسه نصًّا يُقرأ.
في تلك الليلة، جلس سالم أمام دفتره الذي اعتاد أن يكتب فيه ما لا يجرؤ أن يقوله. كتب بخطّ متردّد، لكنه صادق:
“اليوم… تحدّثنا عن الزواج للمرة الأولى.
لا كحلمٍ خيالي، بل كضرورة ناضجة.
سالم.”
وفي الجهة الأخرى من المدينة، جلست ميّ أمام دفترها الصامت، وكأنها تخاطب ذاتها في مرآة لا تكذب:
“أخبرتُ أبي بالحقيقة…
واليوم أخبرتُ سالم بالطريق.
ولم أخَف.”
لم يكن صباح الجمعة صباحًا عاديًّا.
كانت السماء صافية بطريقة غريبة، والهواء يميل إلى الرطوبة، والمدينة تتنفّس ببطءٍ كأنها تدرك أنّ شيئًا مهمًا سيُقال في هذا اليوم.
كان سالم في طريقه إلى بيت ميّ.
خطواته لم تكن متردّدة، لكنها كانت واعية:
واعية لما قاله والدها، واعية لنظرات المجتمع، واعية لذلك الصوت الداخلي الذي يهمس في أعماقه:
“هذه ليست زيارة عابرة…
هذه زيارة من أجل المصير.”
لم يكن يعرف إن كان سيُستقبل بابتسامة، أم بتحفّظ، أم بامتحان طويلٍ يشبه امتحانات البلاغيين حين يضعون اللفظة في ميزان الفصاحة.
لكنّه كان يعرف أمرًا واحدًا:
إنه لن يهرب.
وقفت ميّ خلف النافذة تنتظره.
كانت ترتّب شعرها، ثم تعيد ترتيبه، ثم تتركه كما هو…
فهذا أوّل رجل تحبّه يدخل بيت أبيها، وأوّل مرّة تشعر فيها بأن قلبها هو الذي يطرق الباب، لا يد سالم.
دخل والدها الغرفة بخطوات هادئة كما اعتاد، وقال دون أن ينظر إليها:
“أهو قادم؟”
قالت بصوت منخفض:
“نعم… إنَّه في الطريق.”
لم يُعلّق.
جلس يشبك يديه كمن يزن الأمور بميزانٍ دقيق يجمع بين منطق العلم وحدّة الأبوة، بين الحكمة والخوف، بين القلب والعقل…
وكأنّه يعيش داخله ما يسميه أهل المعاني “التردّد بين حكمين”.
عند باب البيت…
تنفّس سالم بعمق، ثم طرق طرقًا خفيفًا.
فتحت ميّ الباب بنفسها. وحين رأته، لم تقل كلمة واحدة… لكن عينيها قالتا الكثير:
“أنا معك… فلا تخف.”
دخل البيت. كان واسعًا، مرتبًا، مليئًا بالكتب كما تخيّله… بل أكثر قليلًا.
في منتصف الغرفة جلس والد ميّ. وقف سالم أمامه، وبذل جهدًا كبيرًا ليجعل صوته ثابتًا، بلا ارتجاف:
“السلام عليكم…”
ردّ الأب، وهو يعتدل في جلسته كمن يهيّئ الكلام ليأخذ وزنه الحقيقي:
“وعليكم السلام… تفضّل يا سالم، اجلس.”
جلس سالم، وجلس الصمت بينهما؛ لكن ذلك الصمت لم يكن جدارًا يمنع الوصول، بل كان مساحةً تتبيّن فيها القيم قبل الكلمات، ومسافةً تُقاس فيها الفوارق لا لتحكم، بل لتُفهم.
كان كلا الرجلين يدرك أن اللغة ليست مجرد ألفاظ، بل “دلائل” ــ كما قال الأصوليون ــ تُفهم بالسياق والهيبة والصدق قبل أن تُفهم بالنحو والصرف.
وفي داخله كان سالم يقول لنفسه:
“هل يُقاس صدقي بهذا الصمت؟
أم أن الأب يختبر قدرتي على الثبات؟
أليست البلاغة، في جوهرها، اختيارًا للموقف قبل اختيار اللفظ؟”
بدأ الأب الحديث بنبرة هادئة، نبرة رجل يعرف أين يضع كلماته، وكيف يزنها بميزان العالم والوالد معًا:
“ميّ أخبرتني عن مشروعكما… وعن الطريق الذي تفكّران في سلوكه.”
لم يتردد سالم، كأنه يختار الصراحة على كل ما سواها:
“نعم… ونحن جادّان يا دكتور.”
أجاب الأب، كمن يضع قاعدة لغوية قبل أن يضع حكمًا اجتماعيًا:
“الجدّيّة تُرى… ولا تُروى. العمل يشهد أكثر من القول.”
تنهَّد سالم بعمق، ثم قال بصوت يشبه اعترافًا صريحًا:
“معك الحق. ونحن مستعدّان لإثبات ذلك بالعمل… وبالحياة كلّها.”
حدّق فيه الأب بعين خبير، كأنه يقرأ طبقات الكلام، ما ظهر منها وما بطن؛ فاللغة ــ كما يعلّمها تراث العربية ــ لا تُؤخذ من ظاهرها وحده، بل من “المعنى المعقود خلف اللفظ المنطوق”.
ثم قال الأب:
“سالم… أنت شاب من بيئة بسيطة. وهذا ليس عيبًا.
لكن الفارق… كبير. بين بيتنا وبيتكم. وبين طريقة نشأتك وطريقة نشأة ميّ.”
هزّ سالم رأسه، لا من باب الخضوع بل من باب الاعتراف بالحقيقة؛ فالحقيقة، كما علّمته الحياة، لا تضعف صاحبها إن واجهها بثبات. وقال بهدوء ملؤه وعي الذات:
“نعم يا دكتور… نحن مختلفون. ولن أقول العكس.
لكن الاختلاف لا يعني أننا عاجزان عن الوقوف معًا.
ولا يعني أنني غير قادر على بناء حياة تليق بها.
أنا لا آتي لأجرّها إلى بيئتي…
بل جئت لأبني معها عالمًا جديدًا… عالمًا يرضيها ويرضيك.”
في داخله، كان سالم يسأل نفسه:
“هل تكفي هذه الكلمات؟
هل يدرك الأب أنني أتعلّم الحب كما أتعلّم اللغة: بالتدرّج، وبالخوف، وبالشجاعة؟
ألا يقولون إن اللغة تُكتسب بالمعايشة؟
فلماذا لا يُكتسب الحب بالطريقة نفسها؟”
طال نظر الأب إليه، نظرًا يكاد يشبه نظر الناقد إلى نصّ يختبر صدقه قبل فصاحته.
ثم قال، بجملة جاءت كاختبار مباشر:
“وأنتَ… هل تحبّها؟”
لم يتردّد سالم لحظة، وكأن الجواب كان على طرف القلب قبل طرف اللسان:
“نعم… أحبّها حبًّا لا يشبه شيئًا عرفته من قبل.”
لم يجمّل، ولم يخجل، ولم يَخَف. كانت الكلمات تخرج منه لا كجملة، بل كاعتراف وجودي.
التفت الأب إلى ميّ.
كانت عيناها تتوهّجان بضياء لا يُخفى.
ثم قال:
“وميّ تحبّك. وهذا واضح.”
اهتزّ قلب سالم، كأن الكلمة سرت فيه مثل نبض جديد.
لكن الأب استأنف، وكأنه يعود إلى “باب الشرط” في علم المنطق:
“لكن الحب وحده… لا يكفي.
أنا أريد أن أرى رجلاً… لا يهرب. لا ينكسر من كلمة. لا يتراجع أمام المجتمع.
أريد من يقف مع ابنتي إذا وقفت الدنيا في وجهها.”
أجاب سالم بصوت منخفض، لكنه ثابت كالاعتقاد الذي لا يتغير بتغيّر الزمان:
“إذا وقفت الدنيا ضدّها… سأقف أنا في وجه الدنيا.
وإذا جاء يوم تتأذّى فيه ميّ بسببي، سأكون أول من يفتح باب الحساب مع نفسه.
لكن اليوم…
أنا أقف أمامك لأقول:
أنا جاهز… للطريق… وللمحبّة… وللمسؤولية.”
ساد صمت ثقيل…
لكنه لم يكن صمت رفض، بل صمت تفكير، صمت رجلٍ يعيد ترتيب حججه، كأنّه يكتب فصلًا جديدًا في حياة ابنته، فصلًا يحتاج إلى حكمة الموروث وجرأة الحداثة معًا.
ثم قال الأب أخيرًا، بعد لحظةٍ بدت كأنها خاتمة درسٍ في الحكمة:
“سالم… لن أكون عقبة في طريقكما. لكنكما تحتاجان إلى الوقت.
عليكما أن تُثبتا نفسيكما في الجامعة… وفي مشروعكما…
وأن تُظهرا لي أنكما قادران على أن تكونا فريقًا بحق.”
تنفّس سالم كمن خرج من ضيقٍ إلى سعة، بينما شعرت ميّ بأن قلبها يرتجف امتنانًا، وكأنها تسمع للمرة الأولى اعترافًا غير مباشر بأن الطريق، ولو كان صعبًا، ليس مغلقًا.
وتابع الأب:
“ثم… نتحدّث جديًا في أمر الزواج.”
ارتسمت على وجه سالم ابتسامة لم يستطع إخفاءها، ابتسامة رجلٍ لم ينتصر في معركة، ولكنه خرج منها مُجازًا، كمن تخطاها دون أن يفقد احترام نفسه أو احترام الآخرين.
وقفت ميّ، وقالت لأبيها بصوت اجتمع فيه الفرح والرؤية الواضحة:
“أبي… شكرًا.”
هزّ الأب رأسه بوقار أبٍ يفهم أكثر مما يقول:
“أنا لا أريد سوى مصلحتك يا ابنتي… وأرى أنك تسيرين في طريق تعرفين عواقبه، ولكِ فيه سند…
وذلك بداية حسنة.”
خرج سالم وميّ من البيت تحت مطرٍ خفيف يشبه موسيقى منخفضة الإيقاع.
لم يتكلّما في بداية الطريق، فالكلمات لم تكن قد تأهّلت بعد للخروج من ثقل اللحظة.
ثم قالت ميّ بابتسامةٍ ترتجف خوفًا من أن تنقلب دموعًا:
“سالم… لقد فعلتَها.”
أجابها بنبرة دافئة، كمن يعترف بنصيب الطرفين:
“لا… نحن فعلناها معًا.”
كانت يدها ترتعش قليلًا.
مدّ يده إليها، أمسكها بلطف، وقال بصوت يشبه وعدًا لا يُكتب إلا بالقلب:
“هذه المرة…
أصبحنا رسميَّين يا ميّ.”
ضحكت بخجلٍ صافٍ، ثم أسندت وجهها إلى كتفه للحظة، وقالت:
“والمرة القادمة… نتحدث عن الخطبة.”
في تلك الليلة، كتب سالم في دفتره:
“اليوم… كنتُ رجلًا أمام أبيها. ولم أرتجف إلا من خوف أن أفقدها.
سالم.”
وكتبت ميّ في دفاترها التي تحبّ إخفاءها:
“اليوم… وضع سالم قدمه الأولى داخل بيتنا…
وقلبي قال:
هذا هو.”
الفصل الثامن:
عاد سالم من بيت ميّ منهكًا، لكن الإنهاك لم يكن جسديًا…
كان شبيهًا بالوقوف على حافة عبورٍ طويل، لا يمكن الرجوع عنه، ولا يمكن التقدّم فيه دون ثمنٍ يُدفع من الداخل قبل الخارج.
وفي صباح اليوم التالي، قرر أن يزور أهله في الريف.
كان يشعر أن الطريق الذي بدأه في حياة ميّ لن يكتمل إلا إذا وقف مرة أخرى على أرضه الأولى، الأرض التي صاغت لغته الأولى… ووعيه الأول… وحدوده الأولى.
حين وصل إلى القرية مساءً، كانت رائحة التراب المبتلّ تمتلئ في الهواء، والضيعة تغفو بتدرّج تحت ضوء أصفر واحد يتدلّى فوق الطريق، كأن العالم يعود إلى بداياته كلما أُمطِرت الأرض.
فتح الباب بهدوء ودخل.
كانت أمّه في المطبخ، تحرّك ملعقتها في وعاء الأرزّ بإيقاع رتيب يشبه دقات قلب البيت.
ولمّا رأته، توقفت للحظة، ثم مسحت يدها بالمنديل، وقالت بابتسامة صغيرة تحمل في باطنها تلك الخشية الأمومية القديمة:
“أنرتَ البيت يا سالم… تفضّل. ما هذه الزيارة الطيبة؟”
وكان يعرف أن الجملة، في لغة الأمهات، لا تعني سوى سؤال واحد:
“ما الأمر؟”
جلس إلى جانبها على الطاولة الصغيرة، الطاولة التي حفرت ذاكرته كما حفرت الخشب، فتذكّر طفولته… وجوعه الأول… ونومه الأول… وكأن الأشياء القديمة، كما يقول علماء التراث، “لا تفنى… بل تتحوّل في الوعي إلى رموزٍ تبقى إلى آخر العمر.”
قال ببطء:
“أمي… علينا أن نتحدث.”
نظرت إليه نظرة أمّ لا تحتاج إلى أن تسمع كي تعرف، ولا تحتاج إلى تفسير كي تفهم، فالأم، كما يقول فقه اللغة، “تفهم ما قبل الكلام، وتدرك ما وراء المعنى.”
قالت الأمّ، وهي تحدّق في ملامحه بقلقٍ لا يختبئ:
“ما الأمر يا بُني؟
وجهك لا يبدو مرتاحًا.”
تنفّس سالم ببطء، كمن يستجمع شجاعة لا يريد أن يكتسبها من الخوف، ثم قال:
“تلك الفتاة التي كنت قد حدثتك عنها…
أنا أحبّها…
وأفكّر في الزواج منها.”
توقّفت يدها في الهواء.
لم تسقط الملعقة، لكنها صارت كجملةٍ قُطِعَ سياقها فجأة، كأن الزمن نفسه توقّف ليستمع.
رفعت إليه نظرة لا غضب فيها، بل ذلك الوجع الصغير الذي تعرفه كل أمّ حين تشعر بأن جزءًا من عمر ابنها بدأ يشقّ طريقه بعيدًا عنها.
قالت بصوت منخفض:
“أتقصد ميّ؟”
أجاب:
“نعم هي ميّ…
من السلميّة.
أبواها طبيبان و أساتذة في الجامعة.”
لمعت عينا الأم بقلقٍ حاولت أن تخفيه خلف هدوءٍ لا يكتمل:
“أنت… لست من عالمهم يا بني.
لست من بيئتهم…
ولا من طبقتهم…
ولا من الجوّ الذي نشأوا فيه.
هم… أساتذة جامعيون، أصحاب مكانة وتعليم.
ونحن هنا…
نحيا حياة بسيطة، قريبة من الأرض، بعيدة عن المظاهر.
أخاف…
أخاف أن يأتي يومٌ ينظرون فيه إليك من علٍ، أو أن تشعر أنت بأنك أقلّ.”
كان كلامها صادقًا، كلام أمٍّ تخاف على جرحٍ لم يقع بعد، ولكنها تراه من بعيد، كما ترى الغيمةُ الماطرة ظلَّها قبل أن تهطل.
شعر سالم أن كلماتها تمسّ مكانًا حساسًا فيه، فقال بهدوء، وهو يحاول أن يحافظ على اتّزانه:
“أمي…
لم أشعر يومًا بأنني قليل…
إلا عندما فكّرتُ في أنك قد ترينني كذلك.”
شهقت الأمّ بخفة، وكأنها صُدمت من ألمٍ لم تقصده.
ثم قالت بسرعة تخشى أن تجرح:
“لا يا روحي…
لا أقول إنك قليل…
ولا يمكن أن أقولها.
أنت ابني…
وأغلى ما أملك.
لكن…
الفتاة الغنية…
أهلها يدقّقون في كل شيء.
وأخاف…
أخاف أن تتعب.”
وضع سالم يده على يدها.
كانت يده دافئة، وكانت يدها ترتجف قليلًا كأنها تقول أشياء يصعب قولها.
قال:
“أمي…
هي تحبّني.
وتحبّني كما أنا…
لا كما ينبغي أن أكون.
وأهلها… لم يرفضوني.
بل قال أبوها إنه يحتاج الوقت ليرى جديّتنا.”
رفعت الأمّ حاجبها بدهشة صادقة:
“حقًا؟ …….
لم يرفض؟”
قال:
“لا…
قال إنه يريد أن يرى قدرتنا على الوقوف أمام المجتمع.”
أغمضت الأمّ عينيها للحظة، ثم تمتمت بدعاءٍ يختلط بالخشية:
“الله يكتب لك الخير يا بني…
لكن قلبي…
قلبي يخاف عليك.”
اقترب منها أكثر، وقال بصوت يخرج من أعمق مكان في روحه:
“أمي…
أخاف أن أخسرك.
وأخاف أيضًا أن أخسرها.
وإن كان هناك طريق…
يجمع بين رضائك ورضاها…
فعندي الاستعداد أن أمشيه كله.”
سكتت الأم طويلاً، طويلاً بما يكفي لتراجع قلبها، وذكرياتها، وخوفها، وحبّها، ثم مسحت دمعة صغيرة
لم تعترف بها. ثم قالت:
“حسنًا…
أريد أن أراها.
قبل أن أقول شيئًا.
أريد أن أراها بعينيّ…
وأشعربها بقلبي.
فإن كان قلبها طيبًا…
وخلقها حسنًا…
فتحت لها الباب.
لكن…
أنت تعرف…
الأم لا تسلّم قلبها بسهولة.”
ارتجف قلب سالم امتنانًا لها، ثم قال:
“أمي…
ستحبّينها.
لأنها…
ليست فقط من أحبّها…
بل لأنها إنسانة… تستحقّك.”
ضحكت الأم رغم القلق الذي لم يفارق ملامحها:
“هذا الولد…
يحاول أن يقنعني بطريقة لا أفهمها تمامًا… ولكن يبدو أنها تنجح.”
ضحك سالم أيضًا.
لأول مرة منذ دخوله البيت، ضحكته خرجت صافية، بلا خوف، بلا حذر، بلا قيود.
وفي تلك الليلة، بعد أن غادر المطبخ، جلست الأمّ وحدها، تلمس طرف الطاولة بعناية، تقرأ صوته في رأسها كما تقرأ كتابًا قديمًا، تحاول أن تستشرف مستقبل ابنها من بين خطواته، ومن صمته المتأمل.
كتبت في دفترها الصغير، الذي تخبئه بعناية تحت الوسادة:
“ابني…
كبر.
وبدأ يبني بيتًا بعيدًا عن بيتي.
يا رب… احفظه، واكتب له فتاة تحبه كما أحبّه.”
أما سالم، فجلس قرب نافذة غرفته، يشعر أن المسافة بينه وبين ميّ قد تقلصت خطوة جديدة، خطوة صادقة، كتب في دفتره:
“اليوم…
ولأول مرة، صار طريق ميّ مفتوحًا من جهتي أيضًا.
سالم.”
كانت ميّ تمشي في ممرّ بيت والديها اللذين قررا البقاء إلى قربها بخفة مضطربة، ليلٌ ساكن،
لكن خطواتها كانت مليئة بالتوتر، كأن كل حركة تحمل سؤالًا: هل ستخبر أباها كل ما جرى؟
هل ستبوح له بأن أمّ سالم ما زالت خائفة؟
هل ستكشف أنّ الأمر لم يُحسم بعد؟
لكن قلبها، الذي يعرف أن الطريق ليس مجرد اختيار، بل شرط للحياة، أصرّ على الصراحة.
دخلت غرفة الجلوس حيث كان والدها يجلس، يقرأ في كتاب قديم عن بنية اللغة، تحت عينيه آثار تعب يوم طويل، وخطوط الحروف على الصفحات تشبه خطوط الحياة التي اعتاد أن يراقبها.
رفع رأسه عندما رأى ابنته، ابتسم بحنان خفيف:
“تعالي يا ميّ…
يبدو أنك تريدين الكلام.”
جلست، أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصراحة تشبه صدق اللقاءات الكبرى في حياة الإنسان:
“بابا…
سالم ذهب اليوم إلى الريف…
تحدث مع أهله.”
ترك الأب الكتاب ببطء فوق الطاولة، كأن هذا النوع من الأخبار لا يقترن بسطرٍ آخر.
قال بهدوء:
“وماذا كان ردّهم؟”
لم تسر الكلمات في حلق ميّ؛ كانت تحاول جمعها دون ارتجاف:
“أمه…
خافت…
ليس منه،
بل من الفارق بين العائلتين، ومن أن يُظلَم أو ينجرح…
أو ألا يستطيع أن يقف إلى جانبي إذا حدث شيء.”
لمعت عينا الأب، ليس بالدهشة، بل بشيء يشبه الاحترام العميق:
“طبيعي… الأم قلبها كالزجاج… شفاف وقابل للكسر.
وتخاف على ابنها كما أخاف أنا عليك.”
قالت ميّ بخفوت، كأن كلماتها تكاد تتسلل من قلبها إلى الهواء:
“لكن…
ما رفضتني يا أبي.
قالت إنها تريد أن تراَني.
وقال سالم إنه سيأخذني إليهم… قريبًا.”
ابتسم الأب ابتسامة صغيرة، تجمع بين ذكاء الرجل وخبرة العالم الأبوي:
“يعني…
ثاني باب قد انفتح لكما.”
لم تتمالك ميّ نفسها، ابتسمت بدفءٍ خفيّ يملأ قلبها:
“نعم…
لكن الطريق ما زال طويلًا.
وأنا… أريد رأيك.
أريد أن أعرف…
ماذا ترى أننا يجب أن نفعل؟”
سكت الأب، ليس لعدم المعرفة، بل ليصوغ كلامه بدقة متأنية، كما يصوغ باحث لغوي سطرًا في بحثه:
“ميّ…
الحبّ…
مشروع عظيم.
لكن الزواج…
مشروع أكبر.”
نظرت إليه بترقّب شديد، تراقب كل كلمة، كل وقع للحروف على شفتيه.
واصل الأب كلامه، بصوت الرجل الذي يعرف ثقل الحياة:
“وبما أنكما، أنت وسالم، تمضيان نحو خطوة كبيرة…
لابد أن تكون هناك شروط.
واضحة، محددة، منطقية…
ليست مجرد مشاعر عابرة.”
اقتربت ميّ، وقالت بخوف لطيف، ولكن عميق:
“ما هي هذه الشروط يا أبي؟”
ردّ والدها بصرامة العالِم، ورقّة الأب:
“الأول:
لا تتسرّعوا.
واستكملا مشروعكما الجامعي معًا…
وليكن نجاحكما علامة على أنكما فريق حقيقي، ليس مجرد علاقة عاطفية.”
هزّت ميّ رأسها ببطء:
“هذا… متفقون عليه منذ البداية.”
قال الأب:
“الثاني:
لا بد أن يكون لسالم مسار واضح بعد التخرج.
عمل، دراسة، أي شيء يثبت أنه قادر على بناء بيت.”
بلعت ريقها…
هذا شرط منطقي وضروري.
لكن الأب لم ينتهِ:
نظر مباشرة في عينيها وقال:
“الثالث:
تأكدوا من أهله قبل أن تتأكدوا مني.
فالبيت الذي ستعيشين فيه يجب أن يكون بيئة آمنة…
تحبّك، تتقبّلك، وتعطيك قيمة…
لا تجعلك تشعرين بالغربة.”
ارتجفت ميّ قليلًا، ليست من الخوف، بل من عمق المعنى، من إدراك المسؤولية.
“بابا…
أهله طيبون…
وأمه قلبها كبير…
لكن… الخوف طبيعي.”
أجاب الأب بحكمة رجل عاش البشر قبل أن يقرأ الكتب:
“الخوف…
أول خطوة في القبول.
عندما تخاف الأم…
يعني أنها تحسب حسابك.
وهذا أمر محمود…
ليس سيئًا.”
سكتت ميّ، ولكن قلبها بدأ يهدأ، كأن كلام أبيها يشكل بطانة أمان داخلي.
ثم سألته بصوت خافت، كأنه يخرج من أعماقها:
“يعني…
أنت…
موافق؟”
أجاب بوضوح:
“أنا…
موافق على الطريق.
أما النهاية…
فأنتِ وسالم ستصنعانها.”
لم تستطع ميّ منع نفسها من الابتسام، ابتسامة مدّت دفئها إلى كامل الغرفة.
ثم قال الأب شيئًا جعل قلبها يخفق بسرعة:
“عندما يأتي إليّ سالم…
ليس كطالب…
بل كرجل…
ويحدثني عن مستقبلك… حينها سأعرف أن الوقت قد اقترب.”
قالت ميّ بصوت فيه رجفة فرح:
“وأنت جاهز لتسمعه؟”
هزّ الأب رأسه بثقة:
“أنا…
جاهز لأسمع الرجل الذي اخترتِه.
ولكن يجب أن يأتي مستقلاً، ثابتًا، واعياً بما يريد.”
فهمت ميّ المعنى تمامًا:
السماح موجود… لكن الموافقة ليست ورقة تُوقّع، بل طريق يُمشى بخطى مدروسة.
في تلك الليلة، كتبت ميّ في دفترها:
“أبي…
فتح لنا الباب.
لكن الطريق…
علينا نحن الاثنين.”
وكتب سالم في الريف:
“أمي…
فتحت الباب أيضًا.
ويبقى أن يلتقي القلبان…
لنعرف شكل البيت القادم.”
كان الصباح في ريف جبلة يحمل برودة خفيفة، ورائحة التربة الرطبة تشبه ذاكرة المكان، ذاكرةً تعيد الإنسان إلى جذوره الأولى.
وقفت ميّ بصحبة سالم عند مدخل البيت الطيني الهادئ، تلملم معطفها بين يديها، تحاول أن تبقي ابتسامتها ثابتة، رغم الاضطراب الدافئ الذي يعصف بقلبها.
هذه أوّل مرّة تضع فيها قدمها في عالم سالم؛ عالمٌ صغير، بسيط، شفيف، لكن له هيبته…
هيبة الجذر.
فتح أبو سالم الباب لهما بقلق خفيف، ابتسامته متردّدة، وعيناه تبحثان عن العلامات الصغيرة في وجههما:
“أهلا ميّ…
أهلاً يا بني…
تفضّلا!”
دخلت ودخل خلفها وبمجرد أن عبرت العتبة، كاد الزمن أن يتوقف للحظة.
في منتصف الغرفة، وقفت أمّ سالم، امرأة في منتصف الخمسين، قسّم التعب ملامحها، لكن عينيها بقيتا صافيتين، كعينَي من يعرف الحب والخوف معًا.
كانت تمسك طرف منديلها بين أصابعها، وكأنها تجهّز قلبها قبل أن تبدأ بالكلمات.
اقترب سالم ببطء، قائلاً:
“ماما… هذه ميّ.”
رفعت الأمّ بصرها إليها، نظرة واحدة، لكنها عميقة، قراءة أولى، سؤال أول، خيط من القبول… وخيط من الحذر.
ابتسمت ميّ بخجل دافئ:
“تشرفنا سيدتّي…”
ابتسمت الأمّ تلقائيًا، رغم الحذر:
“أهلًا يا ابنتي… أهلًا.
نوّرتي البيت.”
كانت الجملة بسيطة، لكنها بدت لسالم كجسر امتدّ بين عالمين.
جلست ميّ إلى الطاولة الخشبية القديمة، بينما الأمّ تحضّر الشاي بيد ترتجف قليلًا، والأب تغمره سعادة جعلته يكتفي بالصمت والتأمل عن المشاركة في أي حوار.
لم تكن الأم ترتجف خوفًا، بل من ثقل اللحظة، من انتظار ما سيأتي من كلامٍ يحمل قلبها وروحها معًا.
قالت الأمّ وهي تضع الكؤوس:
“سالم قليل ما يستضيف ضيوف…
ولم نسمع منه حديثاً عن أي فتاةٍ… قبل اليوم.”
احمرّت وجنتا ميّ، وقالت بصوت يعترف دون تبرير:
“وأنا… لم أدخل بيت شابٍ من قبل.”
رفعت الأمّ نظرها فجأة، نظرة دهشة لطيفة، ومعها احترام خفي.
قال سالم بسرعة، كأنه يحاول تخفيف التوتر الذي بدأ يتسرب إلى جسده:
“ماما… نحن… جديّون.
وميّ… شيء مهم في حياتي.”
نظرت الأمّ إليه نظرة طويلة، نظرة أم تحاول أن ترى الابن والرجل في آن واحد، ثم التفتت إلى ميّ:
“وأنتِ… تحبّينه؟”
تجمّد الهواء للحظة.
توقف كل شيء.
حتى صوت الشاي كان كاد يفقد صدى حركته.
اختارت ميّ ألا تهرب، ولا تختبئ، ولا تتجهّم، بل قالت بصوتٍ يشبه ضوء الفجر:
“إي…
وأحبّه بطريقة…
تعلّمني من أنا.”
انخفض جفن الأمّ،
وكأن الكلمات لامست شيئًا عميقًا في داخلها، لم تكن تريد الاعتراف به بعد.
بعد لحظة صمت،
قالت الأمّ وقد غيّرت نبرة صوتها:
“تعرفين يا ابنتي…
أنا لا أخاف منك، بل أخاف عليه.
هو… ابني، تعبت من أجله، وتعبت في تربيته، ولا أريد أن يشعر يومًا بأنه أقل…
ولا أريد أن يجرح قلبه أحد.”
وضعت ميّ يديها على بعضهما فوق الطاولة، وقالت بثبات يشبه وعود الحياة:
“سيدتي…
إذا استطعت أن أعدك بشيء…
أعدك أنني لن أسمح له أن يشعر بهذا النوع من الألم، ولا أن يرى نفسه أقل، ولا أن يتأذى.
وإذا وقع شيء…
سأقف أمامه قبله.”
رفعت الأمّ رأسها ببطء، لم تتوقع هذه الجملة تحديدًا.
“يعني…
تحمينه؟”
ابتسمت ميّ بتواضع:
“قد ما أستطيع…
وقد ما تحمينني أيضًا.”
ضحكت الأمّ خفيفة،
ضحكة فيها دهشة وراحة:
“يا ابنتي…
يبدو أنك صادقة.
والصدق…
يُفتح به الباب.”
ثم نظرت إلى سالم:
“هذه الفتاة…
قلبها نظيف.
إذا كان طريقكما فيه خير…
الله ييسّر.”
لمعت عينا ميّ، ولمعت معهما عينا أبي سالم.
كانت هذه أول كلمة “قبول” تخرج من قلب أمّه.
وقرب الظهر، أصرت الأمّ على إطعام ميّ من طبخها، وثمّة شيء في طريقة تقديم الخبز والزيتون
كان يشبه البلاغة: بلاغة القبول، بلاغة الانفتاح، بلاغة الأمومة.
وعندما همّت ميّ بالمغادرة، اقتربت الأمّ، وضعت يدها برفق على كتفها، وقالت بصوت منخفض وحنون:
“تعالي كلما استطعتِ…
فالبيت بيتك.”
ابتسمت ميّ، لكن قلبها كان يبتسم أكثر من شفتيها، ابتسامة تخفي مزيجًا من الامتنان والخوف، خوف من أن تنكسر اللحظة قبل أن تُستكمل.
في الطريق إلى دمشق، كتب سالم في دفتره الصغير:
“اليوم…
اجتمع القلبان اللذان سيحدّدان شكل الغد.”
وكتبت ميّ على دفترها:
“أمّه…
استقبلتني بعينٍ فيها حذر…
وقليل من المودّة، وهذا الودّ…
كفيلٌ أن ينمو ويزدهر.”
كانت الشمس خفيفة على باحة كلية الآداب، كأنها تشير لهما بأن يومًا مختلفًا، حاملاً فرصًا ومسؤوليات جديدة، ينتظرهما.
وقف سالم وميّ في الممر الطويل المؤدي إلى مكتب المشرف الأكاديمي، وفي عينيهما شيء يشبه الرهبة…
رهبة البداية، رهبة اتخاذ خطوة تغيّر مسار المستقبل.
قال سالم وهو يمسك الملفّ بيده، كأنّ الورق يحمل بين صفحاته وعدًا لا يريد أن يفلت منه:
“أجاهزة يا ميّ؟”
ابتسمت ميّ ابتسامة يختلط فيها حياء البدايات بصلابة القرار، وقالت بصوت واثق:
“جاهزة لنسير في الطريق الذي سيصنع مستقبلنا.”
كان خيارُهما واضحًا: “علم الدلالة”.
ذلك العلم الذي شعرا أنّ لغتهما المشتركة تولد فيه، وأن الحبّ نفسه — بكل ظلاله وامتداداته — يملك دلالةً وقصدًا ومرجعًا، كما تملك كل كلمة وزنها وسياقها في اللسان العربي عبر عصوره.
وهنا، تساءلت ميّ في داخلها:
“هل يمكن أن يكون الحبّ نفسه نصًّا؟
وهل يمكن أن تُقرأ مشاعرنا كما تُقرأ النصوص: بسياق، وقرائن، ومقاصد؟”
دخل الأستاذ نزار بخطوات رزينة.
توقّف أمامهما، وابتسم تلك الابتسامة القصيرة التي يعرفان معناها:
“كلّ رحلةٍ علمية تبدأ بخطة محكمة…
وبتحديد أهداف البحث بوضوح…”
ثم رفع نظره إليهما بحدّةٍ لطيفة، وقال بصوت لا يترك مكانًا للالتباس:
“هذا الكلام مهم…
هل فهمتماه؟”
في تلك اللحظة، شعر الاثنان بثقل السؤال.
كان السؤال موجّهًا إلى قدرتهما على اكتساب المعرفة، إلى صدق فهمهما، إلى مقدار شجاعتهما في أن يكونا باحثَين لا ناقلَين.
سأل سالم نفسه في حوار داخلي مكثّف:
“هل يكفي أن نعرف ما قاله القدماء؟
أم يجب أن نفهم لماذا قالوه؟
أيعني الفهم أن نعيد إنتاج المعنى، أم أن نبتكر له فضاءً جديدًا؟”
وسألت ميّ نفسها:
“هل نحن مستعدّين لتحمّل مسؤولية سؤالٍ واحد قد يغيّر مسار النظر؟
هل المعنى يتولّد من داخل الكلمة، أم أنّ الكلمة تتشكّل بحثًا عن معنى سابق عليها؟”
كانت تلك لحظة اختبار حقيقية، تُذكّرهما بأن الطريق العلمي ليس ذاكرةً تُحفظ، بل وعيٌ يتشكّل، ومنهجٌ يُبنى، وموقفٌ يُتَّخذ.
أجابت ميّ بصوت وقور، كأنها ترتّب المعنى قبل أن ترتّب الجملة:
“فهمناه…
وقرّرنا أن نبدأ من الإشكاليات الكبرى:
هل المعنى يولد مع الكلمة، أم أنّ الكلمة تُصاغ لاحقًا لتحمل المعنى الذي سبقها في الذهن؟”
لاحظ الأستاذ ثبات صوتها، ذلك الثبات الذي لا يظهر إلا حين تلتقي المعرفة بالقناعة، وحين تصبح اللغة سبيلًا للفهم وليست مجرد أداة.
ثم التفت إلى سالم وسأله:
“وما رأيك أنت؟”
قال سالم وهو يضع الكلمة في موضعها، كأنّه يعيد تذكّر تاريخها العميق:
“أرى أنّ العرب، قبل المدارس الحديثة، كانوا يلتقطون المعنى من الحياة ذاتها:
من السياق، ومن التجربة، ومن أثر الكلمة في النفوس.
كانت الكلمة عندهم عالمًا دلاليًا كاملًا، تتكوّن فيه العلاقة بين اللفظ والمعنى، كما تتكوّن بين الإنسان والخبرة.”
هزّ الأستاذ رأسه ببطء، وكان ذلك الهزّ بمثابة تصديقٍ غير معلَن، تصديقٍ لا يوزّعه إلا لمن لمس في كلامه جذورًا علمية حيّة.
جلس الثلاثة حول الطاولة المستطيلة.
فتح الأستاذ دفترًا كبيرًا، ورسم خطًّا طويلًا على الصفحة، ثم قال:
“سنسير على هذا الخط…
إنه طريق بحثكما.
بدايته: تعريف علم الدلالة ونشأته في التراث العربي.
ونهايته: تطبيقٌ دلاليٌّ على نصّ أدبي أو إعلامي.”
ثم كتب على اللوح، بخط واضح متين:
١- “التراث الدلالي العربي”:
النحو — البلاغة — البيان — أصول الفقه
٢- “المدارس الغربية الحديثة”:
سوسير — فريغه — جرايس — لايكوف
٣- “المنهجيات”:
وصفي — رسمي — تداولي — إدراكي
٤- “الدراسة التطبيقية”
التفت إليهما وقال بنبرة العالم الذي يرى نبتةً تنمو أمامه:
“إذا سرتم وفق هذه الخارطة…
فإنكما ستنجزان بحثًا يُدرَّس.”
قالت ميّ بعزم يشفّ عن رغبة في خوض عمق اللغة ذاتها:
“نريد العمل على نصّ أدبي، واختبار علاقة دلالة المطابقة، ودلالة التضمّن، ودلالة الالتزام.”
وفي داخلها أضافت سؤالًا لم تقله بصوتٍ مسموع:
“وهل يمكن أن نطبّق هذه الدلالات على حياتنا أيضًا؟
هل يمكن أن تكون العلاقة بيني وبين سالم…
مطابقةً في القصد؟
أم تضمّنًا في المعنى؟
أم التزامًا يتكوّن بين كلمتين تتجاوران في نص واحد؟”
بينما كان سالم يفكّر في شيء آخر:
“هل يستطيع البحث العلمي أن يكون وطنًا جديدًا لنا؟
هل نستطيع أن نبني داخل اللغة بيتًا من منهج… وبيتًا من حياة؟”
وكان الأستاذ يراقبهما بصمت العالِم الذي يدرك متى يولد الباحث، ومتى تتحوّل الأسئلة الأولى إلى مشروعٍ كامل.
أضاف سالم، وقد بدت على صوته نبرة الباحث الذي بدأ يكتشف أنه جزء من معجمه الخاص:
“وسنستخدم تحليل البيانات:
ترميز الكلمات، وإحصاء تكرارها، وتتبّع تقاطعات السياق.”
ابتسم الأستاذ ابتسامة فيها حكمة التجربة، وقال بنبرة دافئة، كأن صوته يمسّ أعماق الفكرة قبل ظاهرها:
“واضحٌ أنّكما جئتما لا لتتبّعا خطوات الآخرين…
بل لتتركا أثرًا خلفكما، وتبنِيا شيئًا أمامكما.”
ثم صمت قليلًا، كأنه يوازن بين العلم والنفْس، بين المعنى والدلالة، قبل أن يقول:
“إذا كنتم بهذا القدر من الانسجام العلمي…
فالطريق أمامكما مُبارك.”
نظرت ميّ إلى سالم نظرة خاطفة، لكنها كانت كافية لتكشف عمقًا لا يُقال بالكلمات.
كانت ابتسامته خفيفة، صادقة، مشبعة بأملٍ يشبه ولادة فكرة.
خرج الاثنان بعد الاجتماع إلى الساحة الواسعة، وكان النسيم يحرك الأشجار كأنها تهزّ رأسها موافقةً على بدايتهما، على مشروعٍ ينهض من المعنى، ومن الرغبة في الفهم.
قال سالم وهو يقلّب الأوراق بين يديه، وقد شعر بشيء يشبه بداية فصل جديد من ذاته:
“أشعر… أنّ هذا أول فصل في حياتنا الجديدة.”
أجابته ميّ وهي تبتسم ابتسامة هادئة، لكنها عميقة، كأنها تُشير إلى سؤال أكبر:
“ليس فصلًا فقط… إنه أول معنى.
والباقي… سنكتبه معًا.”
تشابكت أصابعهما، لكن هذه المرة لم يكن اللقاء لقاء قلبين فحسب، بل لقاء عقلين، ومشروع علمي، وحلم يتشكل مثل نصّ في أول سطره.
في مساء ذلك اليوم كتب سالم في دفتره، وكأنه يكتب اعترافًا معرفيًا:
“اليوم…
دخلت علم الدلالة، فوجدتُ معنى لحياتي أيضًا.”
وكتبت ميّ في مفكرتها، كأنها تؤسس مقدّمة لبحث أكبر من بحثها الجامعي:
“العلم…
هو الطريق الذي سنبنيه سويًا، لنعلن الحب في أوسع معانيه، ونصنع لغتنا الخاصة التي تتّسع لمعنى الحياة والحب.”
كان المساء دافئًا، وهدأ ضجيج الجامعة تدريجيًا، كأن الصمت يُنصت لولادة معنى جديد.
جلسا في قاعة المطالعة، وأمامهما كُتبٌ ومراجع، وفي منتصف الطاولة ملف كبير كتب عليه:
“أثناء البحث في علم الدلالة – منهجيات وإشكاليات”
فتحت ميّ الملف، وأشارت إلى صفحة تلخّص أبرز المناهج الدلالية، ثم قالت بحزم لطيف:
“سالم…
علينا اختيار منهج واحد لنرتّب بحثنا.
لا يجوز أن نبحر في كل الاتجاهات بلا بوصلة.”
أحسّ سالم بشيء من العناد الجميل، ذلك العناد الذي ينشأ عادةً حين يكتشف العقل متعة الحرية:
“ولمَ لا؟
المعنى بحر واسع…
ولماذا نقيده بمنهج واحد؟”
رفعت ميّ حاجبها، وأخذت تمرر إصبعها فوق الجدول قائلة:
“انظر هنا… مكتوب بوضوح:
المنهج الوصفي يقوم على التحليل التركيبي والدلالي للنص، ويبدأ بتحديد وحدات المعنى الأساسية…
بينما المنهج التداولي ينطلق من السياق المقالي والمقام الخطابي…”
ثم توقفت لحظة، كأنها تسأل نفسها قبل أن تسأله:
“ألا ترى أنّ اختيار المنهج…
هو اختيار لطريقتنا في فهم العالم؟
في فهم اللغة…
وفي فهم بعضنا أيضًا؟”
في داخله، ارتفع صوت سالم الداخلي يسأل نفسه:
“هل يمكن لمن يبحث عن معنى النص…
أن يغفل عن معنى الرحلة نفسها؟
وهل يكفي أن نعرف المنهج…
أم علينا أن نفهم لماذا نختاره؟”
أما ميّ فكانت تفكر:
“إذا كان علم الدلالة عبر عصور اللغة يطرح سؤالًا واحدًا:
كيف تُصنع المعاني؟
فهل نملك نحن الشجاعة لصناعة معناهما معًا؟
معنى العلم…
ومعنى العلاقة…
ومعنى المستقبل الذي ينتظرنا؟”
كانت الطاولة بينهما مليئة بالكتب، لكن ما كان يحدث فوقها وفي نفسيهما…
كان أغنى من أي فصل نظري.
كان أشبه ببحث حيّ…
بحث يتشكّل من سؤالين يسيران جنبًا إلى جنب:
“كيف نفهم اللغة؟”
و”كيف نفهم أنفسنا؟”
ثم قالت، وهي تنظر إليه بنصف ابتسامة تجمع بين الجدّ والمشاكسـة الرقيقة:
“إذا جمعنا المنهجين بلا نظام…
فسوف يصبح بحثنا مضطربًا، غير متماسك، كجملة فقدت ترتيب عناصرها.”
قبل أن يغلق سالم كتاباً أمامه، وأخذ ينظر إلى الصفحة التي أنهى قراءتها كأنه يحاورها بصمت:
“لكن غايتنا أن نفهم كيف يتحرك المعنى…
كيف تتغيّر كلمة واحدة بحسب الشعور والسياق.
وهذا… يجعلنا نقترب من التداولية.”
وفي داخله، همس سؤال آخر:
“هل يمكن للمعنى أن يبقى ثابتًا في عالم تتغيّر فيه الأحوال والانفعالات؟
أم أن الكلمة لا تُدرَك إلا إذا سمعنا دقّات النفس خلفها؟”
أجابت ميّ بسرعة وبلهجة أكاديمية صافية، تكاد تُسمع فيها صرير منطق الدرس:
“وأنا أرى أن المنهج الوصفي أهم…
لأنه يضع أمامنا بنية ثابتة نتعامل معها بانتظام.
ولا تحليل تداولي قوي… إلا فوق أرضيةٍ وصفية راسخة.”
ضحك سالم بخفوت، كأن الضحكة خرجت من مكانٍ يفهم الاختلاف كرفيق لا كخصم:
“يعني تريدين أن تسيري في طريق المنهج الصارم…
وأنا أسير في طريق المنهج الحيّ.”
قالت ممازحة، وقد علت نبرة الدعابة على ملامح الفتاة الباحثة:
“يعني… أنت الشعر، وأنا النحو؟”
قال وهو يبتسم ابتسامة فيها اعتراف لطيف:
“وأنا أقبل… لكن شعري يجب أن يبقى حاضرًا في البحث.”
ساد صمت قصير، صمت من النوع الذي يمهّد لإجابة أكبر من السؤال.
فتحت ميّ الصفحة التالية من الملف، ووضعت إصبعها على فقرة معلمة بخط واضح:
“المنهج التكاملي في علم الدلالة: هو منهج يسعى إلى الجمع بين التحليل البنيوي والتحليل التداولي، ويُعدُّ من أبرز المناهج الملائمة للدراسات التطبيقية الحديثة.”
رفعت رأسها وقالت بنبرة هادئة ولكن حاسمة:
“انظر إلى هذه الفقرة…
هذا هو الحل:
منهج تكاملي.
لا هو منهجي وحدي… ولا منهجك فقط.”
في داخله مرّت خواطر سريعة:
“عجيب… كأن المنهج نفسه يطلب المصالحة.
كأن اللغة تُخبرنا أن المعنى لا يكتمل إلا إذا وُزِن بين العقل والوجدان.”
تأمل سالم السطر مليًّا، ثم قال بنبرة اعتراف فيها شيء من الارتياح:
“هذا… يحل المشكلة.”
وأضاف وهو يشبك أصابعه فوق الطاولة، كأنه يحاول أن يمسك بالفكرة قبل أن تفلت:
“سنقسّم العمل هكذا:
أنتِ تتولين التحليل البنيوي ووحدات المعنى…
وأنا أتولّى الجانب التداولي و السياقي.
وهكذا… نعطي البحث روحًا كاملة.”
ابتسمت ميّ ابتسامة ناعمة، فيها انتصار الباحثة، وطمأنينة الشريكة:
“اتفقنا؟”
قال سالم:
“اتفقنا… بشرط.”
“وما هو؟”
“أن نحلّ أي اختلاف جديد… بالحوار لا بالعناد.”
ضحكت ميّ ضحكة خفيفة، وقالت:
“سالم… إن أعجبني فيك شيء، فهو أنك تعرف كيف تعاند…
لكنّك تعرف أيضًا كيف تهادن.”
هزّ رأسه وقال بلطف:
“وأنتِ… تعرفين كيف تربحين من غير أن تخسريني.”
ثم أمضيا الساعات التالية في إعادة صياغة خطة البحث، كأنهما يعيدان ترتيب فصول من حياتهما أيضًا.
• “عنوان رئيسي: الدلالة بين البنية والسياق: دراسة تطبيقية”
• “فصل نظري يعرض المدارس الدلالية عبر العصور”
• “فصل تطبيقي على نصّ أدبي مختار”
• “منهج تكاملي يجمع بين التحليل البنيوي والتداولي”
• “جدول للمفاهيم الدلالية الأساسية”
• “خطة لجمع البيانات”
• “آلية الترميز والتحليل”
كانت أفكارهما تتداخل، وأصواتهما تتقاطع بمرونة، كأن كِلَيهما يسهم في بناء معنى يتجاوز حدود الورقة.
وفي لحظةٍ معيّنة، حين انحنت ميّ لتدوين ملاحظة جديدة، اقترب سالم منها دون قصد، وكاد كتفاهما يلتقيان فوق المساحة البيضاء من الورقة.
رفعت رأسها فجأة، وكان بين عينيهما شيء يشبه السطر الذي لا يحتاج إلى علامات ترقيم.
شعر سالم بأن الهواء نفسه صار سؤالًا، وقال بصوت منخفض:
“ميّ…
المنهج… هو خطوتنا الأولى.
لكن… هل نحن مستعدّان لنمشي كل الطريق؟”
وفي داخله، رنّ سؤال آخر أشد عمقًا:
“هل يستطيع الباحث أن يفصل بين معنى النص… ومعنى القلب؟
وهل الطريق العلمي… قد يقودهما إلى طريقٍ آخر؟”
لم تتردّد ميّ هذه المرّة، وكأن اليقين كان حاضرًا في صوتها قبل كلماتها:
“نعم…
جاهزون.
علميًا… وقلبيًا.”
وفي تلك اللحظة، كان سالم يشعر أن جوابها لا يُطمئن العقل فحسب، بل يوقظ شيئًا دقيقًا في داخله، شيء يقول له: إن الطريق البحثي قد يتحوّل إلى طريق حياة.
وفي المساء، كتب سالم في دفتره، كأنه يدوّن خلاصات درسٍ في علم النفس الدلالي:
“منهج تكاملي…
وحبّ تكاملي…
وحياة نبنيها خطوة خطوة.”
وكتبت ميّ، بخطّ مرتب يشبه هندسة المنهج نفسه:
“اليوم…
اختلافنا الأول تحوّل إلى اتفاق…
وهكذا تُبنى البدايات الصحيحة.”
كان النهار رماديًّا في ساحة الجامعة، الضباب يلتف حول الأشجار كأنه يحاول أن يمنع الشمس من الحضور.
لكن غرفة البحث في المكتبة كانت مغمورة بضوء أصفر ناعم، يشبه ما يصفه بعض الباحثين بـ”ضوء النضج المبكر”…
ضوء يكاد يقول: إن المعرفة لا تأتي دفعة، بل تنمو مثل شعاع يتعلّم التمدّد.
فتحت ملفًا جديدًا بعنوان:
” مجموعة نصّية – تحليل دلالي تطبيقي”
وأمامها جلس سالم يقلب بين مجموعات من القصائد والقصص القصيرة، كأنه يبحث عن نصّ يخاطب المنهج كما يخاطب القلب.
قالت ميّ وهي تكتب عنوانًا كبيرًا في الصفحة الأولى:
“يجب أن نحدّد مجموعة واضحًة…
نختار نصًا واحدًا أو مجموعة نصوص
تتيح لنا دراسة الدلالة من جهتين:
البنية…
والسياق.”
رفع سالم ورقة بيده، كانت يده تبدو متحمّسة كما لو أنه يمسك اكتشافًا لغويًا مهمًا:
“لقد وجدت النص المناسب.
قصيدة لنزار قبّاني…
“خبزٌ وحشيشٌ وقمر”.
عندما يولدُ في الشرق القمر..
فالسطوحُ البيضُ تغفو
تحت أكداس الزَهَرْ..
يترك الناسُ الحوانيت ويمضون زُمَرْ
لملاقاةِ القَمَرْ..
يحملون الخبزَ.. والحاكي.. إلى رأس الجبالْ
ومعدات الخدَرْ..
ويبيعونَ.. ويشرونَ.. خيالْ
وصُوَرْ..
ويموتونَ إذا عاش القمر..
ما الذي يفعلهُ قرصُ ضياءْ؟
ببلادي..
ببلاد الأنبياءْ..
وبلاد البسطاءْ..
ماضغي التبغ وتجَّار الخدَرْ..
ما الذي يفعله فينا القمرْ؟
فنضيع الكبرياء..
ونعيش لنستجدي السماءْ..
ما الذي عند السماءْ؟
لكسالى.. ضعفاءْ..
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمرْ..
ويهزّون قبور الأولياءْ..
علَّها ترزقهم رزًّا.. وأطفالًا.. قبورُ الأولياءْ
و يمدّون السجاجيدَ الأنيقات الطُرَرْ..
يتسلون بأفيونٍ نسميه قَدَرْ..
و قضاءْ..
في بلادي.. في بلاد البسطاءْ..
أي ضعفً وانحلالْ..
يتولاّنا إذا الضوء تدفقْ
فالسجاجيدُ.. وآلاف السلالْ..
وقداحُ الشاي .. والأطفالُ.. تحتلُّ التلالْ
في بلادي
حيث يبكي الساذجونْ
ويعيشونَ على الضوء الذي لا يبصرونْ..
في بلادي
حيث يحيا الناسُ من دونِ عيونْ..
حيث يبكي الساذجونْ..
ويصلونَ..
ويزنونَ..
ويحيونَ اتكالْ..
منذ أن كانوا يعيشونَ اتكالْ..
وينادون الهلال:
“يا هلالْ..
أيُّها النبع الذي يُمطر ماسْ..
وحشيشيًا.. ونعاسْ..
أيها الرب الرخاميُّ المعلقْ
أيها الشيءُ الذي ليس يصدَّق”..
دمتَ للشرق.. لنا
عنقود ماسْ
للملايين التي عطَّلت فيها الحواسْ
في ليالي الشرق لمَّا..
يبلغُ البدرُ تمامُهْ..
يتعرَّى الشرقُ من كلَ كرامَهْ
ونضالِ..
فالملايينُ التي تركض من غير نعالِ..
والتي تؤمن في أربع زوجاتٍ..
وفي يوم القيامَهْ..
الملايين التي لا تلتقي بالخبزِ..
إلا في الخيالِ..
والتي تسكن في الليل بيوتًا من سُعالِ..
أبدًا.. ما عرفت شكلَ الدواءْ..
تتردَّى جُثثًا تحت الضياءْ..
في بلادي.. حيث يبكي الأغبياءْ..
و يموتون بكاءْ..
كلَّما حرَّكهمْ عُودٌ ذليلٌ.. و”ليالي”
ذلك الموتُ الذي ندعوهُ في الشرقِ..
“ليالي”.. وغناءْ
في بلادي..
في بلاد البسطاءْ..
حيث نجترُّ التواشيح الطويلةْ..
ذلكَ السثلُّ الذي يفتكُ بالشرقِ..
التواشيح الطويلة..
شرقنا المجترُّ.. تاريخًا
وأحلامًا كسولةْ..
وخرافاتٍ خوالي..
شرقُنا، الباحثُ عن كلِّ بطولةْ..
في أبي زيد الهلالي..
هذه القصيدة غنية بالدلالات… مليئة بتحوّلات المعنى…
ومناسبة تمامًا للمنهج التكاملي.”
نظرت إليه ميّ نظرة هادئة، ولكنها كانت تحمل في داخلها حسابات دقيقة، وقالت بلهجة جدية:
“سالم…
قصائد نزار قوية بلا شك…
لكن دلاليًا؟
القصيدة فيها رمزية عالية… ومجاز كثيف…
وهذا يجعل التحليل البنيوي معقدًا…
وقد يضل الاستقراء طريقه.”
ابتسم سالم ابتسامة تشبه دفاعًا رقيقًا عن اختياراته:
“لكن التداولية…
تأخذ النص من مكانه وتضعه في الحياة…
وهذا ما أريده بالضبط.”
قالت ميّ بصوت أكاديمي يذكّر بصفحات كتب الأوائل:
“وأنا أريد نصًا يسمح لنا بتطبيق المنهج التكاملي بوضوح.
نص قصصي أو سردي… مثل نصوص زكريا تامر.
اللغة فيه مباشرة… والمعنى عميق.”
ساد صمتٌ خفيف، ثم قال سالم بنبرة فيها نصف ابتسامة ونصف حساسية:
“يعني… اختيارك أفضل من اختياري؟”
رفعت ميّ رأسها بسرعة، وشعرت بوخزة خفيفة، ليست غضبًا، بل خوفًا من أن تجرحه دون قصد.
وقالت بصوت رخيم، يشبه اعتذارًا يختبئ وراء الحكمة:
“لم أقل هذا…
لكننا نحتاج نصًا يناسب البحث، لا مشاعرنا.”
ردّ سالم بسرعة، كأن الكلام سبقه دون أن يطلب إذنه:
“ومن قال إن مشاعري تعكّر العمل؟
أرى… أنك تعتبرين كل اقتراحي رومانسيًا أو غير علمي…”
كانت هذه الجملة أشبه بظلٍّ مرَّ فوق الطاولة، ظلّ لا يحجب الضوء لكنه يوقظ الانتباه.
وضعت ميّ القلم برفق، وقالت بصوت خافت، خائف من إيذائه:
“سالم…
أنت لست “غير علمي”.
أفكارك مهمّة…
لكن عليك أن تنتبه…
البحث الجامعي لا يقبل نصوصًا يصعب تحديد وحداتها.
نزار قباني… سيدفعنا نحو الرموز،
ونبتعد عن المنهج…
وهذا قد يضعف البحث.”
أغمض سالم عينيه لحظة… لحظة يريد فيها أن يلتقط توازنه الداخلي.
ثم قال:
“حسنًا…
قولي إن اختيارك أفضل…
لكن بطريقة لا تجعلني أشعر بأنني لا أفهم.”
اقتربت ميّ قليلًا، وكأن اقترابها يعيد توزيع الضوء من جديد، وقالت بصوت فيه حنان لم تقصده ولكنه خرج على أي حال:
“سالم…
أنت تفهم… وربما أكثر مني.
لكن طريقتك… تذهب إلى المعنى الواسع، الإنساني، العيشي…
ونحن الآن… نريد معنى قابلًا للقياس والتحليل.”
فتح عينيه، وفيهما صفاء يشبه صفاء الأرض بعد المطر.
“يعني… نعمل على نص سردي؟”
ابتسمت ميّ:
“نعم…
وبعد ذلك، في تطبيق التحليل التداولي…
نستطيع الاستفادة من القصيدة التي اخترتها.”
ساد صمت وديع،
ثم قال سالم بمرونة صادقة تشبه اعترافًا جميلًا:
“هكذا… نبدأ بالنص الروائي.
زكريا تامر خيار جيد…
وربما نص لتوفيق الحكيم، أيضًا، أو لنجيب محفوظ.”
قالت ميّ بسعادة واضحة:
“هكذا نعمل سويًا.
أنت تضيف البعد الإنساني…
وأنا أضيف البنية.
وهكذا يكون البحث… ملكًا لنا معًا.”
وفي داخلهما معًا، كان سؤال واحد يلمع:
“هل يمكن للعلم أن يصنع لغة مشتركة للقلبين،
كما يصنع لغة مشتركة للمعنى؟”
بدأ العمل الفعلي، وانغمسا فيه بكل ما أوتيا من رغبة في الفهم وبحث عن المعنى:
• “ميّ تقسّم النص إلى وحدات دلالية: سُنَنٌ لغوية – مرجعٌ مقصود – سياقٌ داخليٌ مُضمَر.”
• “سالم يستخرج التحوّلات السياقية والمعاني الكامنة.”
• “كلاهما يوثّق المصطلحات وفق الجدول المخصّص في الملف.”
كان الحماس يفيض على سطح الطاولة، ويتسرّب من بين الأوراق كما يتسرّب الضوء الخفيف من نافذةٍ قديمة.
والاختلاف الذي شهداه قبل ساعةٍ واحدة فقط — ذلك التوتر الخفيف الذي مرّ بينهما — تحوَّل الآن إلى تعاونٍ راسخ، كأن الحوار نفسه كان امتحانًا سابقًا للعلاقة… وقد اجتازاه معًا بثبات.
وفي لحظة انسجام نادرة، حين التقت يداهما فوق الورقة ذاتها، قالت ميّ وهي تميل قليلًا نحو الورقة:
“سالم… انظر إلى هذه الجملة…”
وفي اللحظة نفسها سحب هو الورقة ليقرّبها من نظره— فاصطدمت أصابعهما اصطدامًا خفيفًا، فارتبكا، كأنما يلمسان بعضهما للمرة الأولى من جديد.
ضحكت ميّ بخجل يشي بطفولةٍ مستترة:
“في كل مرة… نعود لارتكاب الخطأ ذاته!”
ضحك سالم وقال:
“وأجمل ما فيه… أنّه أرقّ زلّات البحث.”
وفي نهاية ذلك اليوم، كتب سالم في دفتره الصغير، كأنما يدوّن خلاصته النفسية:
“اليوم… اختلفنا.
واليوم اتفقنا.
وأحسب أنّ هذه العلامة الأولى… على أنّ بحثنا آخذٌ طريقه نحو الجدّيّة.”
وكتبت ميّ في دفترها:
“الاختلاف…
بداية الفهم.
وليس كل خلاف… خسارة.”
كانت الساعة تقترب من الخامسة مساءً.
والمكتبة شبه خالية إلا من ضوء المغيب الداخل عبر النافذة، يُسقط على الطاولة لونًا يشبه التدرّج الهادئ بين الفكر والشعور، كأن الضوء ذاته يُعيد ترتيب المعاني.
على الطاولة الخشبية:
كتابٌ مفتوحٌ على صفحةٍ وُسِمت بعناية، ودفتر ملاحظات كبير، وموضوع يعرض صفحة بعنوان:
“تحليل الدلالة الضمنية – المستوى العميق”.
جلست ميّ تقرأ بصوتٍ يكاد يلامس الهمس:
“صافَحَ الرجلُ ابنَهُ بيدٍ باردة، ثم قال له:
اذهب…
فالحياةُ لا تُنادى مرتين.”
رفعت رأسها نحو سالم وقالت:
“هنا…
أريد رأيك.
ماذا ترى؟”
جلس سالم جلسة تميل إلى الصراحة الفكرية، ووضع يده على الطاولة بثباتٍ وقال:
“أرى أن ‘اليد الباردة’ ليست وصفًا فحسب…
بل هي دلالة على انقطاعٍ في الوشائج العاطفية.
الأب هنا… لا يرفض الابن، بل يستسلم.
يدفعه نحو الحياة…
لأنه هو نفسه فقد القدرة على مواجهتها.”
أومأت ميّ برأسها ببطء، وكأنها تشكره على هذا الفهم، ثم قالت بصوت خافتٍ محسوب:
“تحليل جميل… ولكنه… غير كافٍ.”
ارتفع حاجبا سالم قليلًا، وفي داخله صوت يسأل:
“أين يكمن النقص؟ أهو نقص في فهمي أم اختلاف في زاوية النظر؟”
وقال بصوت مسموع:
“وكيف يكون غير كافٍ؟”
فتحت ميّ ملفًا منهجيًا، وانحنت عليه بتركيز:
“الدلالة الضمنية هي تلك التي لا يُصرَّح بها النص مباشرة، بل تُستشفّ عبر القرائن:
اللغوية، والسياقية، والمعرفية.”
ثم تابعت:
“سالم…
تحليلك دقيق، لكنه يفتقد القرينة الثقافية.
الكاتب لا يروي مجرّد حكاية أب وابنه…
بل يروي عن جيلٍ يدفع جيلًا آخر إلى العالم، جيلٍ منهك… يرى الحياة بوصفها فرصة لا تُعاد.”
لحظة صمتٍ خفيفة مرّت كريح صغيرة، وشعر سالم أن جملة ما استقرّت في أعماقه:
“يعني… قرأت قراءة ناقصة؟”
قالت ميّ بحذرٍ لطيف:
“ليست ناقصة…
بل فردية.
وأنا… أبحث عن التحليل العلمي.”
كلمة “فردية” كان لها وقعٌ خفيف، كأنها حرّكت في داخله حساسيّة الباحث الذي يريد أن يُرى بعمقٍ لا بسطحية.
وقال وهو يستعيد بعض اتزانه:
“ميّ…
التحليل الدلالي لا يُقاس بالبرود.
أحيانًا…
أقرب معنى هو الذي يمسّك من الداخل، هو الذي يجعلك تحسّ النص قبل أن تفهمه.”
قالت بصوتٍ ثابت، لا يحمل دفاعًا بقدر ما يحمل توضيحًا:
“أنا لا أطفئ إحساسك…
لكنّ المنهج العلمي يتطلّب:
قرينة لغوية + قرينة سياقية + قرينة ثقافية.”
وفي داخله ارتفعت أسئلة كثيرة:
“أين يضع المنهج حدودَ الروح؟
وأين يضع الإحساس حدودَ العلم؟
وهل يمكن أن تُفهم اللغة دون أن تُحَسّ؟
أليست العربية نفسها قامت على تفاعل السمع والوجدان؟”
ثم قال بحزمٍ غير معتاد:
“ولِمَ لا يكون الإحساس…
قرينةً هو الآخر؟
اللغة، يا ميّ، إحساس قبل أن تكون معادلات.
وما لا يُقاس …قد يكون أعمق مما يُقاس.”
كانت هذه أوّل مرة يعلو فيها صوت سالم قليلًا معها.
نظرت ميّ إليه بدهشة لطيفة، ليس خوفًا، بل لأن التوتر الذي خرج من بين الكلمات كان جديدًا عليها.
“سالم…
إحساسك مهم…
لكن البحث…
لا يُبنى على العاطفة.”
قال سالم، وأصابعه ترتجف بضعف لا يراه إلا من يحبّه:
“طيب…
ولماذا كل مرة…
تشعرينني تلميذًا يتعلّم؟
أنا شريك…
ولست تابعًا.”
سكتت ميّ.
هذه الجملة ضربت مكانًا في قلبها لا علاقة له بالبحث.
أغلقت كتابها ببطء، ثم قالت بخضوع ناعم:
“إذا شعرت هكذا…
فأنا آسفة.
لم أقصد أن أعلمك.
كنت أرغب فقط…
أن نرتّب خطواتنا العلمية معًا.”
نظر إليها سالم، حدّق طويلاً، حتى هدأت ملامحه تدريجيًا، وانخفض التوتر عن كتفيه.
ثم قال بصوت أخفض:
“سامحيني…
ربما تعبت قليلًا…
وربما خوفي من فشل البحث يظهر بطريقة غريبة.”
اقتربت منه ميّ، وقالت بنبرة دافئة تُشبه لمسة اليد على القلب:
“سالم…
أنت شريك في كل شيء.
وإحساسك…
جزء من التحليل.
لا أريدك أن تكون آلة، ولا أن يسرق البحث روحك.”
تنفّس سالم بعمق، وقال بابتسامة نصفها اعتذار ونصفها امتنان:
“وأنا…
لا أريد للنقاش العلمي أن يجرحك.
ربما…
أشعر أن عليّ إثبات شيء.”
اقتربت أكثر، وقالت بصوت خافت:
“أنت…
لا تحتاج لإثبات أي شيء لي.
أنت…
مُثبت أصلاً.”
عادا إلى النص، لكن هذه المرة كانت القراءة مشتركة:
• سالم يقدم البعد الإنساني
• ميّ تكمل الاستدلال بالسياق
• كلاهما يوثّقان الدلالة الضمنية بأمثلة من الملف
وأثناء البحث في علم الدلالة، عندما توصّلا أخيرًا إلى التحليل المتكامل، كتب سالم في دفتره:
“اليد الباردة…
هي يد جيلٍ فقد دفئه ويُرسل الجيل الجديد إلى الحياة ليعثر على دفء آخر.”
وكتبت ميّ تحته:
“وهذا…
جوهر الدلالة الضمنية:
معنى يولد بين سطرين.”
وفي الليل…
كتبت ميّ في دفترها:
“اليوم…
فهمت أن اختلافنا
ليس عائقًا…
بل شرط للحب.
والبحث…
سيعلّمنا كيف نصغي لبعضنا.”
وكتب سالم:
“بدأنا تحليل المعنى…
فاكتشفنا معنى جديدًا بيننا.”
كان الجوّ في مكتب الدكتور نزار مشحونًا برائحة الكتب القديمة، ومزيج غامض من الورق والحبر، ورائحة صبر أستاذ يعرف تمامًا كيف يُخرِج من طلابه نسخةً أقوى مما في أذهانهم.
دخل سالم وميّ، يحملان ملفَّين متطابقين؛ نتيجة التحليل الأول للدلالة الضمنية في الفقرة.
جلسا أمامه، وتركا الأوراق على مكتبه.
لمسها الدكتور بإصبعه، كما يلمس طبيب نبض مريض قبل التشخيص.
قال بصوت هادئ، هادئ على نحو يثير نوعًا من الرهبة:
“دعوني أقرأ…
وبعدها سنتحدث.”
ظلّا صامتين، والدقائق الثلاث الأولى بدت طويلة، كأنها امتحان صامت للقلوب.
رفع الأستاذ نظره ببطء، كان وجهه محايدًا، لكنه لم يكن مبتهجًا.
“ممم…
تحليل ‘اليد الباردة’ جميل…
لكن…
لدي سؤال واحد فقط.”
شعر سالم بتيار بارد يمرّ في عموده الفقري.
وشعرت ميّ أن الأستاذ لم يبتسم — وهي علامة ليست سهلة على الاطلاق.
قال الدكتور نزار:
“هذه الدلالة التي كتبتموها…
كيف تثبتونها؟
أين القرائن؟
أين المنهج؟”
مدّ يده إلى الفقرة، وقال بصرامة أكاديمية صافية:
“التحليل العاطفي…
لا يكفي.”
شعر سالم كما لو أن هذه الجملة استقرت مباشرة على النقطة التي كان يخشى أن تُصاب.
لكن ميّ كانت أول من ردّت، بصوت متزن:
“دكتور…
اعتمدنا على القرينة الثقافية: جيل يدفع جيلًا آخر إلى الحياة…”
قاطعها الأستاذ بحدة لطيفة، لكنها تفيض بالدقة الأكاديمية:
“ميّ…
أنا أفهم قصدك.
لكن أين الإثبات النصّي؟
أين القرائن الداخلية؟
الكاتب…
لم يصرّح بأن الأب مستسلم.
لم يقل إنه فقد الدفء.
هذا استنباط جميل…
لكنه يحتاج دليلًا.”
قلب الصفحة التالية، وأشار إلى التعريف المستمد من ملفهم:
“هنا…
كتبتم تعريف الدلالة الضمنية:
الدلالة الضمنية هي المعنى الذي لا يُصرّح به النص صراحة…”
ثم تابع الأستاذ:
“جيد…
لكن أين الأمثلة التطبيقية من النص؟
أين المقارنة؟
أين التحليل البنيوي؟
أين الربط بالسياق الكلي؟”
صمت قليلًا، ثم قال جملة ثقيلة، اهتزت لها القلوب أكثر مما جرحت:
“تحليلكم… ناقص.”
شعر سالم وكأن الأرض تهتز تحت قدميه، وفتحت ميّ فمها قليلاً…
لكنها لم تنطق بكلمة.
أكمل الدكتور:
“منهج تكاملي؟
أنا لم أرَ تكاملًا.
رأيت رأيين جيدين — لكن ليس منهجًا.”
ثم وضع قلمه على الطاولة بقوة محسوبة، وقال:
“يا سالم…
يا ميّ…
التحليل الدلالي ليس شعورًا…
ليس انطباعًا…
ليس ذوقًا…
إنه: قرائن + سياق + منهج.”
ثم أضاف بصوت أخفض، كما لو يهمس بالحكمة:
“وأنتم…
أمامكم فرصة لإنتاج بحث رصين…
إذا صححتم هذا المسار.”
هبط الصمت مثل سحابة ثقيلة.
سالم لم يجرؤ على النظر مباشرة في عيني الأستاذ، وميّ كانت تحدق في الصفحات، وكأن كل كلمة هناك تكشف نقصًا لم تكن تتخيله.
لكن الأستاذ، كعادته، لم يتركهما في الظلام.
كتب على ورقة صغيرة ثلاث نقاط، ودفعها إليهما:
١. أعيدوا تحليل الفقرة باستخدام خطوتين:
• تحليل بنيوي: تحديد الوحدات الدلالية، العلامات، العلاقات.
• تحليل تداولي: القرينة المقامية، المرسل، المرسل إليه، هدف الخطاب.
٢. استخدموا مراجع إضافية من الملف، خاصة:
“مستويات الدلالة”
“العلاقة بين السياق والمعنى”
٣. يجب أن يكون هناك جدول نتائج:
قبل التفسير… وليس بعده.
ثم رفع رأسه وقال بنبرة أبوية صارمة:
“إذا أردتم إعداد بحث جامعي قوي…
عليكم احترام المنهج…
قدْر ما تحترمون إحساسكم.”
نظر إلى سالم مباشرة:
“وبالأخص أنت…
يا سالم…
أنت تفهم، وترى أشياء لا تراها ميّ.
لكن يجب أن تربط هذا الإلهام… بالمنهج.”
وشعر سالم بمزيجٍ غريب من الخجل والفخر، ثم التفت إلى ميّ، وقال بهدوءٍ متأمل:
“وإنتِ…
انتبهِي.
الصرامة العلمية ضرورية…
لكن إذا فاضت، تخنق النص.
دعِ للنَفَس مساحة…”
شعرت ميّ بأن الكلام كان رقيقًا، رغم شدّته، كأنما يضع يدًا على كتفها دون أن يلمس.
قاما معًا، شكراه، وغادرا المكتب، ولم ينطق أيّ منهما كلمة حتى أول الطريق، حتى قال سالم فجأة، صوتٍ يشبه حطبًا ينكسر:
“ميّ…
أنا…
هل فشّلتنا؟”
التفتت إليه بسرعة، مزّقها ذلك الظنّ الداخلي، فقالت بحزم وحنان:
“لا يا سالم!
أبداً…
هذا النقد…
هو لمصلحتنا.
لم يضرّنا… بل علّمنا.”
قال بصوت منخفض:
“لكن الأستاذ جعلني أشعر…
أن تحليلي ناقص.”
اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرة مطمئنة:
“كلنا ناقصون في البداية، وإحساسك… هو الشرارة الأولى.
والشرارة… تحتاج منهجًا فقط.”
ثم وضعت يدها على يده — هذه المرة بلا ارتباك:
“أنا وسالم… واحد.
وإذا كان هناك نقص… فهو نقصنا سويًا.
وإذا كان هناك قوة… فسنكتبها معًا.”
وفي المساء، جلسا معًا يعيدان بناء التحليل، بخطوات جديدة:
• تحديد الوحدات الدلالية
• استخراج العلامات النصية
• مقارنة القرائن
• بناء جدول النتائج
• ثم الانتقال إلى التفسير
وكانت هذه المرّة ليست مجرد مراجعة بحث…
بل مراجعة علاقة أيضًا.
كتب سالم في دفتره:
“اليوم…
فهمت أن الأستاذ لا يكسرنا…
بل يعيد صقلنا.”
وكتبت ميّ:
“النقد…
هو الطريق الأقصر نحو الحقيقة.”
في صباحٍ مائلٍ إلى الصفاء، كانت قاعة المطالعة رقم (7) شبه خالية، إلا من طاولتهما المشرقة بالكتب، وهدوء يشبه بداية فصل جديد في حياة الطلاب الذين اكتشفوا فجأة أن النقد ليس بابًا للخروج… بل بابًا للدخول العميق.
وضعت ميّ دفاترها بعناية، وقلبت إلى الصفحة التي دوّن فيها الدكتور نزار ملاحظاته، بينما جلس سالم مقابلها، وفي عينيه شيء يشبه الإصرار الهادئ — إصرار رجل يريد أن يعيد ترتيب نفسه
لا ليُرضي أحدًا… بل ليكون أوضح وأقوى.
قالت ميّ بخفوت:
“جاهز نبدأ من جديد؟”
أجاب سالم بثبات:
“نعم…
وليس فقط نبدأ — بل نبني.”
١. التحليل البنيوي – حيث تبدأ الكلمات بالانكشاف
فتحت ميّ ملفّها، وقالت بصوت يشبه باحثة تكتشف معدنًا جديدًا:
“أول خطوة…
تحديد الوحدات الدلالية.”
مسحت إصبعها على النص، وقالت:
“انظري هنا:
صافح الرجلُ ابنهُ بيدٍ باردةٍ
هذا تركيب فيه ثلاث وحدات رئيسية:
– ‘صافح’ → فعل علاقاتي
– ‘الابن’ → متلقّي الفعل
– ‘يد باردة’ → علامة دلالية موصوفة”
ثم أشارت إلى فقرة من الملف:
“الوحدة الدلالية قد تكون كلمة، أو تركيبًا، أو علاقة بين كلمتين.”
تابعت ميّ بهدوء وثقة:
“هذه هي البنية…
الهيكل الأساسي للمعنى.”
كان سالم يستمع بكامل حضوره.
ولأول مرة، لم يشعر بأن الصرامة تُلغيه، بل رأى فيها صعودًا نحو الوضوح، كما لو أنّها سلم يقوده إلى جوهر النص.
٢. التحليل التداولي – حيث يدخل الإنسان في النص
أخذ سالم الكلمة، وأغلق عليها إصبعه كما يغلق على سرّ:
“الآن…
أبحث عن السياق:
لماذا صافح الأب ابنه بهذه الطريقة؟
لماذا اليد ‘باردة’؟
إلى أين يمضي الابن؟
وماذا تريد منه ‘الحياة’؟”
ثم قرأ من الملفّ:
“الدلالة التداولية تتعلق بعلاقة النصّ بالمقام، وبالعناصر غير اللغوية المؤثرة في إنتاج المعنى.”
أثناء البحث في علم الدلالة، قال سالم:
“يعني…
البرد هنا ليس وصفًا فحسب، إنه رسالة:
الأب فقد حرارة الحياة، ومع ذلك يدفع ابنه نحوها.”
هزّت ميّ رأسها بإمعان:
“تمام…
لكن هذه المرة علينا أن نثبت هذا، وأن نصوّب النظرية.”
ثم كتبت على اللوح الصغير:
سياق = موقف وداعي
قرينة = البرودة
دلالة = انتقال جيلين
كانت الصياغة نظيفة، أقرب إلى معادلة رياضية، لكنها تولّد حرارةً داخلية.
ابتسم سالم وقال:
“الآن…
هكذا صار للتحليل جناحين.”
ضحكت ميّ بخفّة:
“ولا يمكن أن يطير تحليل بلا جناحين.”
٣. التكامل – المنهج الذي يجمع عالمين
جلسا جنبًا إلى جنب، وبدآ بتركيب التحليلين.
كانت ميّ تكتب الهيكل:
• وحدات دلالية
• علاقات
• بنية
بينما كان سالم يضيف:
• سياق
• رسالة
• دلالة إنسانية
ولأول مرة… شعرا أن التحليل يولد من الاثنين، لا من أحدهما فقط.
قالت ميّ وهي تنظر إلى الصفحة:
“سالم… انظر النتيجة:
تحليل دلالي علمي، لكن فيه نبض.”
أجاب:
“والنبض… لا ينبعث إلا حين نكون نحن الاثنين نكتبه.”
٤. ولادة الفكرة الكبرى – الماجستير
عندما أنهيا صياغة النتائج، قالت ميّ وهي تتفقد الملاحظات:
“سالم…
لدي فكرة.”
رفع رأسه بسرعة:
“قل لي.”
قالت وكأنها تعلن ميلادًا جديدًا:
“لماذا لا نقوم في الماجستير ببحث عن…
التكامل الدلالي بين البنية والسياق؟
أي… التجربة التي نعيشها الآن.”
تجمّدت يد سالم فوق الورقة، تجمّد… ثم تنفّس كمن سمع وعدًا بعيدًا يشبه الحلم.
“ميّ…
أتعلمين…
نحن… سنقدم الماجستير…
سويًا؟”
قالت ميّ بصوت يحمل حياء الحبّ ووضوح العقل:
“نعم…
سويّا.
لأن هذا المنهج…
لنا.
ونحن… قادرون على تطويره.”
ابتسم سالم ابتسامة هادئة وعميقة—
ابتسامة رجل يدرك أن المستقبل الذي حلم به صار ملموسًا أمامه.
“ميّ…
إذا عملنا هذا البحث للماجستير…
سيكون أول مشروع طويل…
نكتبه معًا كعائلة.”
رفّت عين ميّ بحياء، ثم قالت بخفوت:
“وأنا…
لا أرغب بعائلة إلا إذا كنت أنت…
النصّ الأول فيها.”
وفي تلك اللحظة،
أخذا القرار دون أن ينطقا بكلمة:
أن البحث ليس سوى خطوة أولى، وأن المرحلة القادمة ستكون بناء منهج كامل… وبناء حياة كاملة أيضًا.
في نهاية اليوم، كتب سالم:
“اليوم…
لمست المنهج، ولمست الحبّ… وهما واحد.”
وكتبت ميّ:
“منهج تكاملي… وقدر تكاملي… وحياة تُكتب بخطوتين متوازيتين.”
كانت الشمس تقف فوق مبنى الكلية، كأنها تنتظر شيئًا سيحدث، شيئًا لا يشبه الأيام العادية التي تتكرر
كصفحات دفتر بلا معنى.
وقف سالم وميّ أمام مكتب الدكتور نزار، وفي يد كلٍّ منهما ملفّ جديد، سميك، محبوك، مليء بالجداول والتحليل البنيوي والسياقي، وممهور ببداية لغة أكاديمية مشتركة تشبه لغة عاشقين اكتشفا كيف يجمعان بين العقل والقلب.
طرق سالم الباب بخفّة، فقال صوت الأستاذ من الداخل:
“تفضّلوا…”
دخل الاثنان، ورفع الدكتور رأسه بسرعة، وابتسم ابتسامة قصيرة تكاد تكون نادرة منه.
“جئتم بسرعة…
واضح أنّكم اشتغلتُم.”
وضع سالم وميّ الملفين على الطاولة، وكانت أيديهما ثابتة هذه المرة.
فتح الأستاذ الملف الأوّل، وأخذ يقرأ— قراءة بطيئة، تشبه قراءة شاعر لنصّ لم يفهمه بعد… أو قراءة ناقد يرى بذرة منهج.
لم يرتفع رأسه لأكثر من خمس دقائق… ثم فجأة أغلق الملف ببطء، وقال بلهجة غامضة:
“ممم…
ما هذا؟”
وقف قلب ميّ لحظة، وتجمّدت أنفاس سالم.
ثم قال الأستاذ، ويده تطرق بخفة على الغلاف:
“هذا…
منهج.”
لم يتحرّك أحدهما.
ظلّا ينظران إليه كما لو كان قد أعلن نبأً فلكيًا.
تابع الأستاذ:
“يبدو… أنّكم استمعتم للنقد، ولم تغضبوا منه… بل فهمتموه.
انظروا هنا…”
فتح الدكتور نزار صفحة الجداول، فظهرت أمامه العناصر مرتّبة ترتيبًا يحاكي منهجية العالِم اللغوي حين يستخرج وحدات الدلالة من نصٍّ محبوك:
• “الوحدات الدلالية”
• “العلاقات البنيوية”
• “القرائن المقامية”
• “تدرّج المعنى”
ثم قال وهو يمسح الصفحة بعين ناقدٍ خبير:
“هكذا…
هذه هي النظافة العلمية التي طلبتُها.”
قلب الصفحة التالية، فبدت عليها بصماتُ عقلين يعملان بتناغم:
ميّ وضعت تحليل البنية، وسالم وضع تحليل السياق.
مرّر الدكتور “نزار” إصبعه على حافة الورقة،
وكأنّه يلامس خيطًا غير مرئيٍّ يربط بين فكرتين تبلورتا في ذهنه،
ثم قال بنبرة خافتة تحمل من الثقة أكثر مما تحمل من الصوت:
“وهنا… يتجلّى التكامل الحقيقي.
ليس دمجًا عشوائيًّا،
ولا تكرارًا لما تقوله الكتبُ في صفحاتها،
بل هذا… فهم.”
رفع عينيه نحوهما، تلك النظرة المليئة بتقديرٍ صامت، من النوع الذي لا يهبه إلا لمن أدرك أن المنهج ليس حِفظًا، بل قدرة على تحويل النص إلى رؤية، والرؤية إلى منهجٍ آخر.
قال بهدوءٍ عميق:
“وبصراحة…
هذا النوع من التفكير…
لا ينتهي عند التخرّج.”
توقّفت “ميّ” عند الجملة، كأنها سمعت معنى يتجاوز حدود اللغة نفسها— معنى يشبه إشارة موجَّهة لا إلى العقل وحده، بل إلى الإمكان.
أمّا “سالم”، فسأل بصوتٍ منخفض، فيه حذر مَن يتوقع أن يسمع جوابًا سيغيّر شيئًا في داخله:
“وكيف يكون ذلك؟”
أجاب الدكتور نزار بوضوحٍ يكاد يشبه إعلانًا ذا طابعٍ علمي ورساليّ:
“أعني أن هذا… مشروعُ ماجستير ناضج، جاهز لأن يبدأ، ولا ينقصه إلا التوسيع، وتطبيقاتٌ أعمق،
ونصوصٌ أكثر.”
ثم أغلق الملف براحته، ونظر إليهما نظرة مباشرة، كأنّه يضع أمام أعينهما بابًا فُتح للتوّ في ممرّ كان يبدو بلا نهايات:
“إن واصلتما بهذه الجدية…
فأنا مستعدّ أن أُشرف— أُشرف على رسالتيكما…
معًا.”
ثم أكمل بصوتٍ هادئ، لكن كلماته كانت تحمل ثِقل القانون ودقّة الإجراء:
“يمكنكما المتابعة والعمل سويًا، ولكن…
النصوص القانونية والإجرائية المتاحة حاليًا لا تُتيح تقديم رسالة ماجستير مشتركة.
لذلك…
ينبغي على كلٍّ منكما أن يتقدّم برسالة مستقلّة، تتخصّص بجانب من هذا البحث، وتكون منفصلة عن رسالة زميله، ثم تُناقَش كل رسالة أمام اللجنة المختصة.”
لم تكن عبارته عالية، لكن وقعها كان أشبه ببابٍ عريضٍ انفتح فجأة في آخر الممرّ الطويل الذي كانا يسيران فيه منذ أشهر.
شعرت “ميّ” أن الأرض اقتربت منها قليلًا، كأن ارتفاع اللحظة غيّر مستوى الوقوف نفسه.
تساءلت في داخلها، والسؤال في علم النفس المعرفيّ هو لحظة انقسام بين ما هو واقع وما يُرجى:
“هل قال الأستاذ جملة أكاديمية؟
أم قال شيئًا آخر يتعلّق بالنضج؟
بالعبور من مرحلة إلى مرحلة؟
هل كان هذا اعترافًا بقدرتنا…
أم اعترافًا بأن الطريق الذي نمشيه…
ليس طريقين منفصلين؟”
أما “سالم”، فكان ينظر إلى الدكتور كما ينظر الطالب إلى نافذةٍ تُفتح لأول مرة، نافذة يرى من خلالها مستقبلًا لم يكن يجرؤ أن يسأله بصوتٍ مسموع، مستقبلًا يشبه تلك اللحظة التي يتجاوز فيها العلمُ حدود المعرفة، ليقترب من حدود الحياة ذاتها.
قال في داخله:
“هذا ليس تقييمًا فقط…
هذا اعتراف.”
أعاد نزار الملف إليهما وقال:
“قدّما التعديل الأخير غدًا…
وبعدها نبدأ حديثنا عن خطة ما بعد الإجازة.”
توقّف لحظة، وكأنه يريد أن يعطي للجملة التالية وزنها الذي تستحقه:
“الذي بينكما…
واضح في العمل.
وذلك أمرٌ…
نادر.
فحافظا عليه.”
كانت هذه الجملة أول اعترافٍ خارجي بأن العمل بينهما ليس مجرّد تعاون أكاديمي، بل شراكة تمتد إلى الداخل، إلى ما يسمّيه القدماء “موافقة الأرواح”،
ويسمّيه المحدثون “انسجام المنهج والذائقة”.
قالت ميّ بصوت خجول ممتنّ:
“شكرًا دكتور…
سنقدّم أفضل ما نستطيع.”
وقال سالم بهدوء ثابت يشبه ثبات من بدأ يرى طريقه أخيرًا:
“ومنكم… نتعلّم الاتجاه.”
هزّ الأستاذ رأسه وقال:
“ومادامت هذه الجديّة حاضرة…
فالمستقبل مفتوح.”
